النص المفهرس

صفحات 121-140

ولاء ٤-٧
بموته من ثبت له ذلك شرعاً.
فهو حق قابل للتجزئ، يثبت لمستحقه بعد
موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها (١).
والعلاقة بين الولاء والإرث : أن الولاء سبب
للإرث.
جـ- العقل:
٤- المراد بالعقل: الدية. وهي في اللغة :
المال الذي يُعطى بدلاً للنفس.
والعقل اصطلاحاً: المال الواجب بالجناية
في نفس أو ما دون النفس (٢).
والصلة بين الولاء والعقل: أن الولاء سبب
للعقل.
الأحكام المتعلقة بالولاء:
يقسم الفقهاء الولاء إلى ولاء العتاقة وولاء
الموالاة.
ونتناول فيما يلي بيان أحكام كل منهما :
النوع الأول: ولاء العتاقة:
٥- ولاء العتاقة أو العتق عند الفقهاء: هو
عصوبة متراخية عن عصوبة النسب تقتضي
(١) العذب الفائق ١٦/١، وحاشية البقري ص٩.
(٢) المصباح المنير، وتكملة فتح القدير ٢٠٤/٩، ونهاية
المحتاج ٢٧٩/٧، ومطالب أولي النهى ٧٥/٦،
وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٢٣٧/٢.
للمعتِق ولعصبته الذكور من بعده الإرث،
والعقل، وولاية أمر النكاح، والصلاة على
من أعتقه.
واسم ((مولى العتاقة)) يقع على المعتِق وعلى
العتيق(١) وقيل: هو من له ولاء العتاقة، وهو
المعتِقِ(٢).
مشروعية ولاء العتاقة:
٦- ثبتت مشروعية ولاء العتاقة بما ورد عن
النبي ﴿ أنه قال: ((إنما الولاء لمن أعتق))(٣).
سبب ثبوت ولاء العتاقة:
٧- سبب ثبوت هذا الولاء العتق في الجملة،
فإن لم يكن سببه محظوراً فقد اتفق الفقهاء على
أن الولاء للمعتِقِ، سواء كان العتق حاصلاً
بصنعه هو العتاق، أو ما يجري مجرى العتاق
شرعاً كشراء القريب وقبول الهبة والصدقة
والوصية، أو بغير صنعه بأن ورث قريبة،
وسواء كان الإعتاق بغير بدل أو ببدل وهو
الإعتاق على مال، وسواء كان منجزاً أو
معلقاً بشرط، أو مضافاً إلى وقت، وسواء
(١) كفاية الأخيار ٢/ ١٧٧.
(٢) كشاف اصطلاحات الفنون ١٥٢٨/٢.
(٣) حديث: ((إنما الولاء لمن أعتق ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٦٩/٤- ط السلفية)،
ومسلم (١١٤١/٢- ط الحلبي) من حديث عائشة
رضي الله عنها.
-١٢١-

ولاء ٨
كان صريحاً أو ما يجري مجرى الصريح، أو
كناية أو ما يجري مجرى الكناية، وكذا العتق
الحاصل بالتدبير والاستيلاد، ويستوي فيه
صريح التدبير والإعتاق والاستيلاد
والكتابة، وكذلك الولاء له إذا أعتقه عن
واجب عليه كالإعتاق عن كفارة القتل، أو
الظهار، أو الإفطار في رمضان، أو
الإيلاء، أو اليمين، أو النذر عند الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب،
والأصل فيه قول النبي : ((الولاء لمن
أعتق)»(١) من غير فصل(٢).
والرواية الثانية عند الحنابلة أنه لا ولاء
للمعتق على المعتق في هذِه الأحوال(٣).
الولاء في العتق المحظور:
٨- العتق قد يكون محظوراً: ومن أمثلة
الإعتاق المحرم عند الحنفية: الإعتاق إذا
غلب على ظن المعتِقِ أنه إن أعتقه يذهب
إلى دار الحرب، أو يرتد، أو يخاف منه
(١) تقدم تخريجه ف٦.
(٢) بدائع الصنائع ٤/ ١٦٠، وحاشية الدسوقي ٤/ ٤١٧،
والشرح الصغير ٥٧٢/٤، وعقد الجواهر الثمينة
٣٧/٣، ومغني المحتاج ٥٠٧/٤، وروضة الطالبين
١٧٠/١٢، وكشاف القناع ٤٩٨/٤، والمغني لابن
قدامة ٣٤٨/٩، والإنصاف ٣٧٧/٧، ومعونة أولي
النهى ٧٢٤/٦، والفروع ٦٠/٥.
(٣) الإنصاف ٣٧٧/٧، والفروع ٦٠/٥.
السرقة وقطع الطريق، وكذلك الإعتاق
للشيطان وللصنم.
وقالوا: ينفذ العتق في هذِه الأحوال مع
تحريمه.
وصرحوا بأن المعتق يكفر على الأظهر
بالإعتاق للشيطان والصنم.
وفي قول يكفر بالإعتاق للصنم، ويأثم
بالإعتاق للشيطان. وفي كل هذِه الصور
يثبت الولاء للمعتق (١).
وذكر الحنابلة ضمن أمثلة العتق المحظور أن
يكون المعتق ممن يخاف عليه المضي إلى دار
الحرب والرجوع عن دين الإسلام، أو يخاف
عليه الفساد كعبد يخاف أنه إذا أعتق واحتاج
سرق وفسق وقطع الطريق، أو جارية يخاف منها
الزنا والفساد.
وقالوا: يكره الإعتاق في هذِه الأحوال،
وأما إذا غلب على الظن إفضاء الإعتاق إلى.
المحظور كان الإعتاق محرماً، لأن التوسل إلى
الحرام حرام، وإن أعتقه صح لأنه إعتاق صدر
من أهله في محله كإعتاق غيره.
وقالوا: كل من أعتق عبداً أو عتق عليه ولم.
٠
(١) البحر الرائق ٢٤٨/٤، وفتح القدير ٤٥٢/٤، والدر
المختار مع رد المحتار ١٠/٣، وبدائع الصنائع
١٦٠/٤.
-١٢٢-

ولاء ٩
يعتقه سائبة فله عليه الولاء (١).
الولاء فى الإعتاق سائبة :
٩- اختلف الفقهاء فيمن له الولاء فى الإعتاق
سائبة :
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة على
الأصح وابن نافع من المالكية- فيما روي
عنه في المدنية من رواية يحيى بن يحيى-
إلى أن من أعتق سائبة كقوله: أعتقتك
سائبة، فالولاء للمعتِقِ، وهو قول النخعي
والشعبي وابن سيرين وراشد بن سعد،
وضمرة بن حبيب لقوله : ((إنما الولاء
لمن أعتق)(٢)، وقوله﴾: ((الولاء لحمة
كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب))(٣).
ولأنه كما لا يزول نسب إنسان ولا ولد عن
فراش بشرط لا يزول ولاء عن عتيق بذلك (٤).
(١) المغني لابن قدامة ٣٣٠/٩ (ط هجر))، والفروع
٧٨/٥، والإنصاف ٧/ ٣٧٥.
(٢) حديث: ((إنما الولاء لمن أعتق ... ))
تقدم فقرة (٦).
(٣) حديث: ((الولاء لحمة كلحمة النسب .. ))
عزاه ابن حجر في التلخيص (٥١٢/٤ - ط العلمية) إلى
ابن جرير في التهذيب وقال: ظاهر إسناده الصحة.
(٤) بدائع الصنائع ١٦٠/٤، وفتح القدير ٤٥٢/٤، ومغني
المحتاج ٥٠٧/٤، وأسنى المطالب ٤٥٨/٤، ومعونة
أولي النهى ٧٢٦/٦، والإنصاف ٣٧٧/٧، والمغني
٣٥٣/٦ ط الرياض، وعقد الجواهر الثمينة ٣٧١/٣.
وقد اختلف المالكية في حكم الإعتاق سائبة :
فذهبوا في المعتمد عندهم إلى أن الإقدام
على ذلك مكروه، وصورته أن يقول السيد
لعبده: أنت سائبة، وقصد به العتق.
وقال أصبغ: يجوز الإعتاق سائبة.
وقال ابن الماجشون: يمنع الإعتاق
سائبة(١).
ثم اختلفوا فيمن له الولاء في العتق بلفظ
سائبة :
فذهبوا في المعتمد إلى أن الولاء للمسلمين،
وهو قول عمر بن عبد العزيز والزهري ومکحول
وأبي العالية (٢).
وذهب الحنابلة في الرواية الثانية إلى أنه لا
ولاء للمعتق على معتقه في الإعتاق سائبة.
واختلف أصحاب هذا الاتجاه فيما رجع من
ميراث المعتق على رأيين:
الرأي الأول: يشتري به رقاباً يعتقهم.
الرأي الثاني: ميراثه لبيت المال. قال
المرداوي وهو الصحيح (٣).
(١) حاشية الدسوقي ٤/ ٤١٧.
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤١٧/٤، وعقد
الجواهر الثمينة ٣٧١/٣، والمغني ٣٥٣/٦ ط
الرياض.
(٣) الإنصاف ٣٧٧/٧-٣٧٨.
-١٢٣-

ولاء ١٠- ١٢
اختلاف الدين وأثره في ثبوت الولاء:
١٠- اختلف الفقهاء في ثبوت الولاء للمعتق
إذا اختلف دينه عن دين معتِقِه.
فذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى أن من أعتق عبداً يباينه في دينه فله
ولاؤه(١).
واشترط المالكية لاستحقاق المعتق الولاء
أن يتساوى المعتِقِ والمعتَق في الدين(٢). فإن
کان السید کافراً فلا ولاء له على عتيقه المسلم،
بل یکون ولا ۋە لجمیع المسلمین، ثم لا يعود إليه
بإسلامه(٣).
وقال الدسوقي: المراد بالولاء هنا بمعنى
الميراث لا بمعنى اللحمة، إذ هو ثابت لمن أعتق
ولو كافراً، ولا يلزم من انتقال المال انتقالها (٤).
بيع الولاء وهبته:
١١- ذهب الفقهاء (الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة) إلى أنه لا يصح بيع
الولاء ولا هبته، وذلك ((لأن النبي ﴾ نهى
(١) حاشية ابن عابدين ٧٤/٥، والحاوي للماوردي
٩٨/٢٢، وروضة الطالبين ١٢/ ١٧٠، والإنصاف
٧/ ٣٨٣.
(٢) الفواكه الدواني ٢٠٨/٢.
(٣) عقد الجواهر الثمينة ٣/ ٣٧٠.
(٤) حاشية الدسوقي ٤١٦/٤.
عن بيع الولاء وعن هبته)) (١). وقال: ((الولاء
لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب))(٢).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله من تولى
غير مواليه))(٣). ولأنه معنى يورث به فلا ينتقل
كالقرابة (٤).
انتقال الولاء بالموت:
١٢- ذهب فقهاء الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة إلى أن الولاء للمعتِقٍ،
ثم لعصبته بنفسها دون أصحاب الفروض (٥). ولا
ترث امرأة بالولاء إلا من عتيقها وأولاده
وعتقائه(٦).
(١) حديث: ((نهى عن بيع الولاء وعن هبته))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٦٧/٥ - ط السلفية)،
ومسلم (١١٤٥/٢ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
(٢) حديث: ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا
یوهب»
تقدم تخريجه فقرة (٩).
(٣) حديث: ((لعن الله من تولى غير مواليه))
أخرجه أحمد (٣١٧/١- ط الميمنية) من حديث
عبدالله بن عباس، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(١٠٣/١): رجاله رجال الصحيح.
(٤) البدائع ١٦٧/٤، وكفاية الطالب الرباني ٢٢٦/٢،
والقوانين الفقهية ص٣٨٣، والمهذب ٢٢/٢،
والمغني ٢٢٠/٩ ط هجر.
(٥) بدائع الصنائع ١٦٤/٤، والمهذب ٢٢/٢، والمغني
٢٢٠/٩ ط هجر، والمبدع ٢٨١/٦، والإنصاف
٣٨٧/٧.
(٦) معونة أولي النهى ٦/ ٧٣٥، والمغني ٣٦٥/٦ ط
الرياض، ومغني المحتاج ٥٠٧/٤، والقوانين الفقهية
ص٣٨٣-٣٨٤.
-١٢٤-

ولاء ١٣
ويرى إبراهيم النخعي وشريح وطاوس أن
الولاء يجري مجرى المال فيورث من المعتق كما
يورث سائر أمواله(١).
الميراث بالولاء:
١٣- اتفق الفقهاء على أن السيد يرث في
الحالات التي يثبت له فيها الولاء جميع مال
عتيقه إذا مات، واتفق ديناهما ، ولم يخلف وارثاً
سواه، وذلك لقول النبي : ((الولاء لحمة
کلحمة النسب). والنسب یورث به، ولا یورث،
کذلك الولاء. وروي عن عبد الله بن شداد قال :
((إن ابنة حمزة أعتقت غلاماً لها، فتوفى، وترك
ابنته وابنة حمزة، فقسم النبي مي لها النصف
ولابنته النصف (٢).
وعن الحسن قال: قال رسول اله محلية:
((الميراث للعصبة، فإن لم يكن عصبة
فالولاء))(٣). وعنه ((أن رجلاً أعتق عبداً،
فقال النبي *: ما ترى في ماله؟ قال: إن
مات ولم يدع وارثاً فهو لك)) (٤).
(١) البدائع ١٦٤/٤، والحاوي ١٠٩/٢٢.
(٢) حديث عبد الله بن شداد: ((إن ابنة حمزة أعتقت غلاماً
لھا ... ،
أخرجه البيهقي (٢٤٠/٦ - ط المعارف العثمانية)،
وحكم عليه بالانقطاع لإرساله.
(٣) حديث الحسن مرسلاً: ((الميراث للعصبة ... ))
أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ٧٥- ط علمي
پریس).
(٤) حديث: ((أن رجلاً أعتق عبداً ... )
= .
ويقدم المولى في الميراث على الرد وذوي
الأرحام في قول جمهور العلماء من الصحابة
والتابعين ومن بعدهم.
وإن كان للمعتق عصبة من نسبه، أو ذوو
فروض تستغرق فروضهم المال، فلا شيء
للمولى. قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا
خلافاً، لما تقدم من الحديث، ولقول النبي
*: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما تركت
الفروض فلأولى رجل ذكر». وفي لفظ:
(فلأولى عصبة ذكر))(١). والعصبة من القرابة
أولى من ذي الولاء، لأنه مشبه بالقرابة،
والمشبه به أقوى من المشبه، ولأن النسب
أقوى من الولاء، بدليل أنه يتعلق به
التحريم والنفقة وسقوط القصاص ورد
الشهادة، ولا يتعلق ذلك بالولاء (٢).
(ر: إرث فقرة ٥١)
أما إذا اختلف دين المعتِقِ ودين المعتَق، فقد
أخرجه البيهقي في السنن (٢٤٠/٦ - ط دائرة لمعارف
=
العثمانية) من حديث الحسن مرسلاً.
(١) حديث: ((ألحقوا الفرائض بأهلها .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٧/١٢ - ط السلفية)،
ومسلم (١٢٣٤/٣- ط الحلبي) من حديث أسامة بن
زید.
ولفظه: ((فلأولى عصبة ذكر)»: قال ابن حجر في فتح
الباري (١٢/١٢ - ط السلفية) قال ابن الجوزي
والمنذري: هُذِه اللفظة غير محفوظة.
(٢) المغني لابن قدامة ٢١٥/٩، ٢١٦ ط هجر
-١٢٥-

ولاء ١٤
اختلف الفقهاء في حكم التوارث بينهما.
فيرى الحنفية والشافعية وأحمد في رواية عنه
أنه لا یرث المعتِق المعتق مع اختلاف دینیهما ،
لقول النبي ◌َّير: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا
الكافر المسلم)(١). ولأنه ميراث، فيمنعه
اختلاف الدين كميراث النسب، ولأن
اختلاف الدين مانع من الميراث، فمنع
الميراث بالولاء كالقتل والرق، يحققه أن
الميراث بالنسب أقوى، فإذا منع الأقوى
فالأضعف أولى، ولأن النبي# ألحق
الولاء بالنسب بقوله: ((الولاء لحمة كلحمة
النسب)). وكما يمنع اختلاف الدين التوارث
مع صحة النسب وثبوته، كذلك يمنعه مع صحة
الولاء وثبوته. فإذا اجتمعا على الإسلام توارثا
كالمتناسبين، قال ابن قدامة: وهذا أصح في
الأثر والنظر (٢).
وقال المالكية: إذا أعتق الكافر عبده المسلم
فإن الولاء فيه للمسلمين، لا للمعتق الكافر ولو
أسلم بعد ذلك.
٠
(١) حديث: ((لا يرث المسلم الكافر .. »
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢/ ٥٠- ط السلفية)،
ومسلم (١٢٣٣/٣ - ط الحلبي).
(٢) السيل الجرار للشوكاني ٤٠٠/٣، وبدائع الصنائع
١٦١/٤، والمهذب ٢٥/٢، ومغني المحتاج ٢٠/٣،
٢٤، والمغني ٢١٧/٩ ط هجر، والإنصاف
٣٨٣/٧، ٣٨٤، وأحكام أهل الذمة لابن القيم
٤٧٢/٢ وما بعدها.
أما لو أعتق الكافر عبده الكافر ثم أسلم العبد
فإن ولاءه ينتقل للمسلمين من عصبته لسيده
النصراني. فإن أسلم سيده الذي أعتقه بعد ذلك
فإن الولاء يعود إليه.
قال العدوي: والمراد بعود الولاء هنا إنما هو
الميراث فقط.
وإذا أعتق مسلم كافراً فيكون الميراث لبيت
المال، إلا أن یکون للمسلم أقارب کفار فیکون
(١)
الولاء لهم (١).
ويرى الحنابلة في المذهب أن المسلم يرث
من الكافر، والكافر من المسلم بالولاء (٢) لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((لا يرث المسلم
النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته))(٣).
١٤- وذهب جمهور الفقهاء: الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن
المعتَق لا يرث من يعتقه لأنه لا قرابة
بينهما، وإنما ألحق الولاء بالنسب في حق
المعتِق، حيث أنعم على عبده بالإعتاق
(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢٢٥/٢، وشرح
الخرشي ١٦٢/٨-١٦٣.
(٢) المغني ٢١٧/٩، والإنصاف ٣٨٣/٧-٣٨٤،
ومطالب أولي النهى ٤/ ٦٤٧.
(٣) حديث: ((لا يرث المسلم النصراني ... )
أخرجه الدارقطني (٧٤/٤ - ط دار المحاسن) من
حديث جابر بن عبد الله مرفوعاً، ثم ذكر (٤/ ٧٥) أن
المحفوظ وقفه على جابر بن عبد الله.
-١٢٦-

ولاء ١٥
وتسبب إلى حياته معنى، فجوزي باستحقاق
الإرث صلة له وكرامة. وهذا المعنى معدوم من
العبد فلا يقاس عليه.
وحكي عن شريح وطاوس أنهما ورثا المعتَق
من المعتِقِ (١) لما رُوي عن ابن عباس ((أن رجلاً
مات على عهد رسول الله وَ﴾ ولم يدع وارثاً إلا
عبداً هو أعتقه، فأعطاه النبي ﴿ ميراثه))(٢).
تحمل الدية بالولاء:
١٥- نص جمهور الفقهاء على أن العاقلة
(وهي التي تتحمل الدية في الخطأ وشبه العمد)
هم العصبة النسبية، ثم العصبة بسبب العتق(٣).
فقد نص الحنفية على أنه إن لم يكن للقاتل
ديوان فعاقلته قبيلته من النسب، لأن استنصاره
بهم. وإن كان القاتل معتقاً أو مولى الموالاة
فعاقلته مولاه وقبيلة مولاه (٤) لقوله عليه الصلاة
(١) الاختيار ١١٠/٥، ومغني المحتاج ٢٠/٣، والحاوي
للماوردي ٩١/٢٢، ومطالب أولي النهى ٤/ ٥٦١،
والمغني ٣٨٠/٦، والقوانين الفقهية ص ٣٨٢.
(٢) حديث ابن عباس: ((أن رجلاً مات على عهد النبي ◌َّ
... ،
أخرجه الترمذي (٤٢٣/٤- ط الحلبي)، ونقل المزي
في التهذيب (٤٣٤/٢٢ - ط الرسالة) عن البخاري أنه
قال عن أحد رواته: لم يصح حديثه.
(٣) القوانين الفقهية ص ٣٨٢، ومغني المحتاج ٩٥/٤،
٩٦، والمغني ٣٧٨/٦-٣٧٩، والإنصاف ٣٨٨/٧،
٩/ ١٢٠.
(٤) بدائع الصنائع ٢٥٦/٧، وتكملة فتح القدير ٣٩٨/٨،
والاختیار ٦١/٥.
والسلام: ((مولى القوم من أنفسهم))(١).
وقال المالكية في المعتمد: عاقلة الجاني
عصبته النسبية، فإن لم يكونوا فالموالون
الأعلون وهم المعتِقون- بكسر التاء- لأنهم
عصبة سبب ولو أنثى حيث باشرت العتق، ويقدم
الأقرب، فالأسفلون (المعتقون- بفتح التاء-)
حيث لم يوجد من بقي من الأعلين، فبيت المال
إن كان الجاني مسلماً، فإن لم يكن بيت مال
فتنجّم على الجاني(٢).
وقال الشافعية: عاقلة الإنسان الجاني هم
عصبته النسبية إلا الأصل وإن علا، وإلا الفرع
وإن سفل، ثم بعد عصبة النسب - إن فقدوا أو لم
يوفوا ما عليهم من الواجب في الجناية - فمعتق،
ثم إن فقد المعتق أو لم يوف ما عليه فعصبة
المعتق من نسب غير أصله وفرعه، ثم معتق
المعتق، ثم عصبته، وهكذا أبدا. فإن فقد العاقل
ممن ذكر، أو لم يوف ما عليه، فبيت المال يعقل
عن المسلم لخبر: ((أنا وارث من لا وارث له
أعقل له وأرثه))(٣).
(١) حديث: ((مولى القوم من أنفسهم))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٨/١٢- ط السلفية)
من حديث أنس بن مالك ﴾.
(٢) الشرح الصغير ٣٩٧/٤-٣٩٩.
(٣) حديث: «أنا وارث من لا وارث له ... )
أخرجه أبو داود (٣٢٠/٣ - ط حمص) من حديث
المقدام بن معديكرب ﴾، ونقل ابن حجر في
التلخيص (١٨٢/٣ - علمية) عن أبي زرعة أنه قال:
حديث حسن.
-١٢٧-

ولاء ١٦-١٧
ولا يعقل عتيق عن معتقه في الأظهر كما لا
يرث، ومقابل الأظهر أنه يعقل، لأن العقل
للنصرة والإعانة والعتيق أولى بها، وهو ما
رجحه البلقيني منهم، أما عصبة العتيق فلا تعقل
عن معتقه قطعاً (١).
وقال الحنابلة: عاقلة الإنسان: عصباته
كلهم، قريبهم وبعيدهم من النسب والولاء
إلا عمودي نسبه: آباؤه وأبناؤه، وقالوا:
عاقلة العبد المعتق عصبات سيده(٢).
النوع الثاني: ولاء الموالاة:
١٦ - الموالاة لغة مصدر الفعل والى، فيقال:
والاه موالاةً وولاءً أي تابعه.
وفي الاصطلاح الفقهي : هو أن یعاهد شخص
شخصاً آخر على أنه إن جنى فعليه أرشه، وإن
مات فميراثه له(٣).
حكم ولاء الموالاة:
١٧ - اختلف الفقهاء في حكم عقد الموالاة،
ومدى ثبوت الولاء به على ثلاثة أقوال:
(أحدها) وهو رأي الحنفية، وروي عن عمر
(١) مغني المحتاج ٩٦/٤، وتحفة المحتاج مع حاشية
الشرواني ٢٨/٩-٢٩.
(٢) الإنصاف ١١٩/٧- ١٢٠، ومطالب أولي النهى
١٣٦/٦.
(٣) قواعد الفقه للبركتي ص٥١٣.
وعلي وعبد الله بن مسعود من الصحابة ﴿. وهو
قول إبراهيم النخعي والحكم وحماد. وهو أنه
ولاء ثابت بعقد مشروع، سواء أسلم على يديه أو
لم يسلم ويقع به التوارث والعقل(١). واستدلوا
على ذلك بالكتاب والسنة والمعقول.
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ
فأما الكتاب فقول الله رجل :
أَيْمَنُكُمْ فَكَانُهُمْ نَصِيَهُمْ﴾(٢). إذ المراد من
النصيب: الميراث، لأنه سبحانه أضاف
النصيب إليهم، فدل على قيام حق لهم
مقدرٍ في التركة، وهو الميراث، لأن هذا
معطوف على قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا
مَوَلِيَ مِنَّا تَرَكَ الْوَإَِانِ وَالْأَقْبُتُ﴾(٣). لكن هذا
عند عدم ذوي الأرحام، وقد عرفناه بقوله ﴾ق :
﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْكَاءِ بَعْضُهُمْ أَوَْ بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ أَهْ﴾ (٤).
وأما السنة: فعن تميم الداري ﴾ قال: يا
رسول الله، ما السنة في الرجل يسلم على يدي
الرجل من المسلمين؟ قال: هو أولى الناس
بمحياه ومماته))(٥). أي في حال حياته وحال
(١) الهداية مع الفتح والكفاية ١٦١/٨، ورد المحتار
٧٨/٥، ومجمع الأنهر والدر المنتقى ٤٢٧/٢-
٤٢٨، وروضة القضاة للسمناني ١١٢٨/٣، وكشاف
اصطلاحات الفنون ١٥٢٨/٢.
(٢) سوءة النساء/ ٣٣.
(٣) سوءة النساء/ ٣٣.
(٤) سورة الأنفال/ ٧٥.
(٥) حديث تميم الداري: ((يا رسول الله، ما السنة في
الرجل يسلم على يدي الرجل ... ،
=
-١٢٨-

ولاء ١٧
موته. قال الكاساني: أراد به * محياه في
العقل، ومماته في الميراث(١).
وأما المعقول: فهو إن مال الإنسان حقه،
فیصرفه إلی حیث شاء، والصرف إلی بیت المال
إنما هو ضرورة عدم المستحق، لا أنه
مستحق(٢).
وأيضاً: فإن بيت المال إنما يرث بولاء
الإيمان فقط، لأنه بيت مال المؤمنين، قال
الله تَكَّ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَتْنُ أَوْلِيَاءُ بَتْفٍِ﴾ (٣)،
ولمولى الموالاة هذا الولاء وولاء المعاقدة
أيضاً، فكان أولى من عامة المؤمنين، ألا ترى أن
مولى العتاقة أولى من بيت المال للتساوي في
ولاء الإيمان والترجيح لولاء العتق، كذا هذا.
إلا أن مولی الموالاة یتأخر عن سائر الأقارب،
ومولى العتاقة يتقدم على ذوي الأرحام، وذلك
لأن الولاء بالرحم فوق الولاء بالعقد، فیتأخر
عن ذوي الأرحام، وولاء العتاقة بما تقدم من
النعمة بالإعتاق الذي هو إحياء وإيلاد معنى
أُلحق بالتعصيب من حيث المعنى(٤)، ولذلك
أخرجه أبو داود (٣٣٣/٣-٣٣٤ - ط حمص)، ونقل
=
ابن حجر في فتح الباري (٤٦/١٢) عن الشافعي أنه
قال: هذا الحدیث لیس بثابت، کما نقل ابن حجر عن
الخطابيّ أنه قال: ضعف أحمد هذا الحديث.
(١) البدائع ٤/ ١٧٠، وانظر الكفاية على الهداية ١٦٣/٨.
(٢) الهداية وشرحها ١٦٣/٨.
(٣) سورة التوبة/ ٧١.
(٤) البدائع ٤/ ١٧٠.
قال النبي * عنه: ((الولاء لحمة كلحمة
النسب)»(١).
(والثاني) للمالكية في المشهور والشافعية
والحنابلة: وهو أنه غير مشروع، ولا حکم لهذا
العقد، أسلم علی یدیه أو لم يسلم، فلا يتعلق به
إرث ولا عقل(٢).
واستدلوا على ذلك بقوله : ((إنما الولاء
لمن أعتق))(٣). لأن ((إنما)) في الحديث للحصر،
والألف واللام في الولاء للحصر أيضاً. ومعنى
الحصر: أن يكون الحكم خاصاً بالمحكوم
علیه، لا يشاركه فيه غيره. وعليه فلا يكون
ولاء بحسب مفهوم هذا القول إلا للمعتق فقط.
واستدلوا بحديث جبير بن مطعم ﴾ قال: قال
رسول الله يج: ((لا حلف في الإسلام»(٤). قال
(١) حديث: ((الولاء لحمة كلحمة ... ))
سبق تخريجه ف٩.
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢٢٦/٢،
والمقدمات الممهدات ١٢٩/٣، والإشراف
للقاضي عبد الوهاب ٩٩٤/٢-٩٩٥، والفواكه
الدواني ٢٠٩/٢، وحاشية الشرواني على التحفة
٣٧٥/١٠، والمهذب ٢٢/٢، وروضة الطالبين
١٢/ ١٧٠، وأسنى المطالب ٤٥٩/٤، والمغني لابن
قدامة ٩/ ٢٥٥. ط هجر.
(٣) حديث: ((إنما الولاء ... ))
تقدم تخريجه ف٦.
(٤) حديث جبير بن مطعم: ((لاحلف في الإِسلام))
أخرجه مسلم (١٩٦١/٤ - ط الحلبي)، وأخرجه
البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٧٢- ط السلفية)،
وأخرجه أيضاً مسلم (١٦٩٠/٤) من حديث أنس
بن مالك.
-١٢٩-

ولاء ١٨
أبو الوليد ابن رشد: معناه لا حكم له في الموارثة
على ما كان يفعل به في الجاهلية (١).
واستدلوا كذلك بأن في عقد الموالاة إبطال
حق جماعة المسلمين، لأنه إذا لم يكن للعاقد
وارث، كان ورثته جماعة المسلمين، ألا ترى
أنهم يعقلون عنه، فقاموا مقام الورثة المعینین،
وكما لا يقدر على إبطال حقهم، فإنه لا يقدر على
إبطال حق من قام مقامهم.
(والثالث) لإسحاق بن راهويه وأحمد في
رواية عنه والمالكية في القول المقابل
المشهور: وهو أن ولاء الموالاة إنما يثبت
للشخص إذا أسلم على يديه آخر، ولو لم يواله.
فبنفس الإسلام علی یدیه یکون ولا ؤه له، ويرثه
به.
وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﴾
وعطاء، وبه قضى عمر بن عبد العزيز(٢).
وحجتهم حديث تميم الداري الآنف الذكر.
(١) المقدمات الممهدات ١٢٩/٣.
(٢) بدائع الصنائع ١٧٠/٤، والإشراف للقاضي عبد
الوهاب ٩٩٤/٢-٩٩٥، والمقدمات الممهدات
١٣٣/٣، وكفاية الطالب الرباني ٢٢٦/٦، والفواكه
الدواني ٢٠٩/٢، وبداية المجتهد ٣٦٢/٢، والمهذب
٢٢/٢، وأسنى المطالب ٤٥٩/٤، وحاشية الشرواني
على التحفة ٣٧٥/١٠، والمغني ٢٥٤/٩، والسيل
الجرار للشوكاني ٣٩٧/٣، ٣٩٨.
سبب ثبوت ولاء الموالاة:
١٨- ذهب أصحاب القول الثالث إلى أن
سبب ثبوت هذا الولاء نفس إسلام المرء على يد
آخر. واستدلوا على ذلك بحديث تميم ﴾ قال:
سألت رسول الله: ((ما السنة في الرجل من
أهل الشرك يُسلم على يد رجل من المسلمين؟
فقال عليه الصلاة والسلام: هو أولى الناس
بمحیاه ومماته»(١).
وقال الحنفية وهم أصحاب القول الأول: إن
سبب ثبوت الولاء عقد الموالاة، وهو الإيجاب
والقبول بأن يقول لصاحبه: أنت مولاي، ترثني
إذا مت، وتعقل عني إذا جنيت. فيقول: قبلت.
سواء قال ذلك للذي أسلم على يديه أو لآخر بعد
أن ذكر الإرث والعقل في العقد. ولو أسلم
شخص على يد رجل ولم يواله ووالى غيره، فهو
مولى للذي والاه. واحتجوا على ذلك بقوله
تعالى: ﴿وَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَانُوهُمْ
نَصِيبَهُمْ﴾(٢) حيث جعل الولاء للعاقد دون غيره.
قال الكاساني: وكذا لم ينقل أن الصحابة
أثبتوا الولاء بنفس الإسلام، وكل الناس كانوا
يسلمون على عهد رسول الله والصحابة
(١) حديث تميم: ((هو أولى الناس ... ))
سبق تخريجه ف١٧.
(٢) سورة النساء/ ٣٣.
-١٣٠-

ولاء ١٩
والتابعين، وكان لا يقول أحد لمن أسلم على يد
أحد: أنه ليس له أن يوالي غير الذي أسلم على
یدیه، فثبت أن نفس الإسلام علی ید رجل لیس
سبباً لثبوت الولاء له، بل السبب هو العقد، فما
لم يوجد لا يثبت الإرث والعقل(١).
شرائط عقد الموالاة:
١٩- شرائط عقد الموالاة عند الحنفية ومن
وافقهم تسعة :
(أحدها) عقل العاقد: إذ لا صحة للإيجاب
والقبول بدون العقل. أما البلوغ، فهو شرط
الانعقاد فى جانب الإيجاب، فلا ينعقد الإيجاب
من الصبي، وإن كان عاقلاً، حتى لو أسلم الصبي
العاقل على يد رجل ووالاه لم يجز، وإن أذن أبوه
الكافر بذلك، لأن هذا عقد، وعقد الصبي
العاقل إنما يقف على إذن وليه، ولا ولاية للأب
الكافر على ولده المسلم، فكان إذنه والعدم
بمنزلة واحدة، ولهذا لا تجوز سائر عقوده بإذنه
كالبيع ونحوه، كذا عقد الموالاة.
وأما في جانب القبول، فهو شرط النفاذ،
حتى لو والى بالغ صبياً، فقبل الصبي، ينعقد
موقوفاً على إجازة أبيه أو وصيه، فإن أجازه نفذ،
لأن هذا نوع عقد، فكان قبول الصبي فيه بمنزلة
قبوله في سائر العقود، فيجوز بإذن وليه ووصيه
(١) البدائع ٤/ ١٧٠.
كسائر العقود، وإن رده بطل(١).
أما الإسلام، فليس بشرط لصحة هذا العقد،
فتصح، وتجوز موالاة الذمي الذمي، والذمي
المسلم، والمسلم الذمي، لأن الموالاة بمنزلة
الوصية بالمال، ولو أوصى ذمي لذمي أو
لمسلم، أو مسلم لذمي بالمال جازت
الوصية، كذا الموالاة.
وكذا الذكورة ليست بشرط، فتجوز موالاة
الرجل امرأة والمرأة رجلاً. وكذا دار الإسلام
ليست بشرط أيضاً، حتى لو أسلم حربي فوالى
مسلماً في دار الإسلام أو في دار الحرب فهو
مولاه، لأن الموالاة عقد من العقود، فلا يختلف
بالذكورة وبدار الإسلام وبدار الحرب (٢).
و(الشرط الثاني) أن لا یکون للعاقد وارث:
وهو أن لا یکون له من أقاربه من یرثه. فإن کان لم
يصح عقد الموالاة، لأن القرابة أقوى منه،
ولقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْءَاِ بَعْنُهُمْ أَوْلَ بِبَعْضٍ فِ
كِتَ أَقَّوْ﴾(٣). فإن كان له زوج أو زوجة يصح
(١) بدائع الصنائع ١٧٠/٤، ورد المحتار ٧٨/٥،
وتكملة فتح القدير ١٦٢/٨، ١٦٣.
(٢) بدائع الصنائع ٤/ ١٧١.
(٣) سورة الأنفال/ ٧٥.
-١٣١-

ولاء ١٩
العقد، ويعطى نصيبه أو نصيبها، والباقي
للمولى(١).
(والشرط الثالث) أن لا يكون له ولاء عتاقة:
فإن كان فلا يصح منه عقد الموالاة، لأن ولاء
العتاقة أقوى من ولاء الموالاة، لأنه لا يلحقه
الفسخ، وولاء الموالاة يلحقه الفسخ، فلا يجوز
رفع الأقوى بالأضعف(٢).
(والشرط الرابع) أن لا يكون له ولاء موالاة
مع أحد وقد عقل عنه: لأنه لما عقد غيره، فعقل
عنه، فقد تأكد عقده ولزم، وخرج عن احتمال
النقض والفسخ، فلا يصح معاقدة غيره (٣).
(والشرط الخامس) أن لا يكون قد عقل عنه
بيت المال: لأنه إذا عقل عنه بيت المال، فقد
صار ولا ؤه لجماعة المسلمين، فلا يجوز تحويله
إلى واحد منهم بعينه (٤).
(والشرط السادس) أن يكون حراً مجهول
(١) البدائع ١٧١/٤، والدر المنتقى ٤٢٨/٢.
(٢) رد المحتار ٧٩/٥، وتكملة البحر الرائق ٧٧/٨،
وتكملة الفتح مع الكفاية والعناية ١٦٢/٨، والبدائع
١٧١/٤، والدر المنتقى ٤٢٨/٤.
(٣) تكملة البحر الرائق ٧٧/٨، والبدائع ١٧١/٤، ورد
المحتار ٧٩/٥، وتكملة الفتح مع الكفاية والعناية
١٦٢/٨.
(٤) البدائع ١٧١/٤، والدر المنتقى ٤٢٨/٢.
النسب: وذلك بألا ینسب إلی غیرہ، إذ لا يدرى
له أب في مسقط رأسه، لأن من عرف نسبه لا
يجوز أن يوالي غيره. وهذا هو المعتمد في
المذهب.
أما نسبة غيره إليه فغير مانع من صحة
موالاته(١).
وفي شرح المجمع : کونه مجهول النسب لیس
بشرط عند البعض، وهو المختار (٢).
و(الشرط السابع) أن لا يكون من العرب:
حتى لو والى عربي رجلاً من غير قبيلته، لم يكن
مولاه، ولكن ينسب إلى عشيرته، وهم يعقلون
عنه، لأن جواز الموالاة للتناصر، والعرب
يتناصرون بقبائلهم، فأغنى عن عقد
الموالاة. وإنما تجوز موالاة العجم، لأنه
ليس لهم قبيلة يتناصرون بها، فتجوز
موالاتهم لأجل التناصر.
وأما الذي هو من العرب، فله قبيلة ينصرونه،
والنصرة بالقبيلة أقوى، فلا يصير مولى. ولهذا
لم يثبت عليه ولاء العتاقة، وكذا ولاء الموالاة.
ولأنه لما لم يثبت عليه ولاء العتاقة مع أنه أقوى،
(١) العناية وتكملة الفتح ١٦٢/٨، وتكملة البحر الرائق
٨/ ٧٧.
(٢) رد المحتار ٧٩/٥، وتكملة البحر الرائق ٧٧/٨،
والدر المنتقى ٤٢٨/٢، والعناية وتكملة الفتح
٨/ ١٦٢.
-١٣٢-

ولاء ٢٠
فولاء الموالاة أولى بعدم الثبوت عليه(١).
وقد علق ابن عابدين على اشتراط صاحب
الدر هذا الشرط، فقال: ويغني عن هذا كونه
مجهول النسب، لأن العرب أنسابهم معلومة(٢).
و(الشرط الثامن) أن لا يكون من موالي
العرب: لأن مولاهم منهم(٣)، لقوله ال﴾:
(مولى القوم من أنفسهم) (٤).
و(الشرط التاسع) أن يشترط العقل والإرث:
أي أن يعقل عنه إذا جنى، ويرثه إذا مات(٥).
صفة عقد الموالاة:
٢٠ - ذهب الحنفية إلى أن الموالاة عقد جائز
غير لازم، ولكل واحد من طرفيه أن يفسخه
بإرادته المنفردة، دون توقف على رضا الطرف
الآخر. حتى لو والی رجلاً كان له أن يتحول عنه
بولائه إلى غيره، لأنه عقد لا يملك به شيء، فلم
يكن لازماً، كالوكالة والشركة، ولأنه بمنزلة
الوصية بالمال، والوصية غير لازمة، فكذا عقد
(١) البدائع ١٧١/٤، والعناية وتكملة الفتح ١٦٢/٨،
وتكملة البحر ٨/ ٧٧.
(٢) رد المحتار ٧٩/٥.
(٣) بدائع الصنائع ١٧١/٤.
(٤) حديث: ((مولى القوم .... ))
تقدم تخريجه ف١٥.
(٥) رد المحتار ٧٩/٥، وتكملة البحر الرائق ٧٨/٨،
والكفاية وتكملة الفتح ٨/ ١٦٢، ١٦٣، والدر المنتقى
٤٢٨/٢.
الموالاة، إلا إذا عقل عنه، فليس له حينئذ
فسخه، لتعلق حق الغير به، وحصول المقصود
منه. حيث إن ولاية التحول قبل أن يعقل به،
باعتبار أنه عقد تبرع، فإذا عقل عنه صار
كالعوض في الهبة، ولأنه إذا عقل عنه،
فقد تأكد العقل بقضاء القاضي، وفي
التحول به إلى غيره فسخ قضائه، وهو لا
يملك فسخ القضاء.
وكذلك له أن يفسخه صريحاً قبل أن يعقل
عنه- بأن يقول له: فسخت عقد الموالاة معك-
لأن كل عقد غير لازم من الجانبين، لكل واحد
من العاقدین فسخه، إلا أنه ليس له أن یفسخه إلا
بحضرة الآخر، أي بعلمه لأنه تعلق به حق
الآخر، فلا يملك إسقاطه مقصوراً من غير علمه،
كعزل الوكيل مقصوراً من غير علمه، إلا أن يوالي
الأسفل (أي المولى الموجب) آخر، فيكون ذلك
نقضاً دلالةً، وإن لم يحضر صاحبه، أو انتقاضاً
ضرورة، لأنه لا يملك موالاة غيره إلا بانفساخ
عقده الأول فينفسخ الأول دلالة وضرورة. إذ
كثيراً ما يثبت الشيء دلالة أو ضرورة، وإن كان لا
يثبت قصداً(١).
(١) البدائع ١٧١/٤، وتكملة البحر ٧٩/٨، والدر
المنتقى ٤٢٧/٢، ٤٢٨، والهداية وشروحها
٨/ ١٦٣.
-١٣٣-

ولاء ٢١-٢٣
الأثر المترتب على عقد الموالاة:
٢١- الأثر المترتب على عقد الموالاة العقل
(الدية) في حال الحياة، والإرث بعد الموت. أي
إن المولى الأعلى يعقل عنه في حال حياته إذا
جنى، ويرثه بعد موته(١).
كذلك نص الحنفية على أن الأسفل يرث من
الأعلى أيضاً إذا شرطا ذلك في المعاقدة، خلافاً
لولاء العتاقة الذي يرث فیه الأعلى من الأسفل،
ولا يرث الأسفل من الأعلى، لأن سبب الإرث
هناك وجد من الأعلى لا من الأسفل، وهو
العتق، والسبب ههنا العقد، وقد شرط فيه
التوارث من الجانبين، فيعتر ذلك (٢) لقوله {ل} :
(المسلمون على شروطهم))(٣).
انتقال عقد الموالاة:
٢٢- نص الحنفية على أن الولاء الثابت بهذا
العقد لا يحتمل التمليك بالبيع والهبة والصدقة
والوصية، لأنه ليس بمال، فلا يكون محلاً للبيع
كالنسب وولاء العتاقة، ولقوله ملفي: ((الولاء
(١) تكملة البحر الرائق ٨/ ٧٧.
(٢) بدائع الصنائع ١٧٢/٤، ورد المحتار ٧٨/٥.
(٣) حديث: ((المسلمون على شروطهم))
أخرجه الترمذي (٦٢٦/٣ - ط الحلبي) وقال: حديث
حسن صحيح.
لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب))(١).
قال الكاساني : ولو باع المولى الأسفل ولاءه
من آخر أو وهبه، فإنه لا يكون بيعاً ولا هبة،
ولكنه يكون نقضاً لولاء الأول وموالاة لهذا
الثاني، لأن الولاء لا يُعتاضِ عنه، فبَطّل
العوض، وبقي قوله ((الولاء لك)) فيكون
موالاةً بينه وبين الثاني، كما لو سلّم
الشفعة بمال، صح التسليمُ، لكن لا يجب
المال(٢).
ما يثبت به عقد الموالاة:
٢٣ - قال الحنفية: إن ولاء الموالاة يثبت بما
يثبت به ولاء العتاقة، وهو الشهادة المفسّرة، أو
الإقرار، سواءً كان الإقرار في الصحة أو في
مرض الموت، لأنه غير متهم في إقراره، إذ لیس
له وارثٌ معلومٌ، فيصح إقراره كما تصح وصيته
بجميع ماله إذا لم يكن له وارث معلوم(٣).
(١) حديث: ((الولاء لحمة كلحمة ... ))
تقدم تخريجه ف٩.
(٢) البدائع ١٧٣/٤.
(٣) البدائع ٤/ ١٧٣.
-١٣٤-

ولاية ١
ولا یة
التعريف:
١ - الولاية بالكسر في اللغة من الولى، وهو
القرب. يقال: وليه ولياً، أي دنا منه. وأوليته
إياه: أدنیته منه. وولي الأمر: إذا قام به، وتولّی
الأمر: أي تقلده وتولى فلاناً: اتخذه ولياً.
والولي - فعيل بمعنى فاعل - من وليه إذا قام
به. ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَإِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(١).
وبمعنى مفعول في حق المطيع. ومنه قيل:
المؤمن ولي الله. والمصدر الولاية. وكذلك تأتي
بمعنى السلطنة، ومنه قيل: العلم من أشرف
الولایات، يأتي إليه الورى ولا يأتي.
أما الولاية- بالفتح- فتعني النصرة والمحبة.
وقال ابن فارس: وكل من ولي أمر آخر فهو
وليه. ومنه ولي اليتيم وولي القتيل وولي المرأة:
وهو القائم بهم والمتصرف في أمرهم. ووالي
البلد: هو ناظر أمور أهله، الذي يلي القوم
بالتدبير والأمر والنهي(١).
والولاية اصطلاحاً: استعمل جل الفقهاء
كلمة الولاية بمعنى تنفيذ القول على الغير
شاء أو أبى(٢) فتشمل الإمامة العظمى
والخطة كالقضاء، والحسبة والمظالم
والشرطة ونحوها، كما تشمل قيام شخص
كبير راشد على شخص قاصر في تدبير
شؤونه الشخصية والمالية. قال النووي:
ويقال للمحجور فيها مَوْلِيٍّ عليه(٣) ومولّى
عليه(٤) كذلك وردت على ألسنتهم بمعنى
إقامة الغير مقام النفس في تصرف جائز
معلوم، فتناولت الوكالة ونظارة الوقف
ونحو ذلك. وبمعنى أحقية المطالبة بدم
(١) معجم مقاييس اللغة ١٤١/٦، وأساس البلاغة
ص٥٠٩، وحلية الفقهاء لابن فارس ص١٦٥،
وأنيس الفقهاء للقونوي ص٢٦٢، والمصباح المنير
والمغرب والمفردات للراغب، وبصائر ذوي التمييز،
والكليات للكفوي ٤/٥، ٤٣، والتوقيف على
مهمات التعاريف للمناوي ص٧٢٤، وكشاف
اصطلاحات الفنون ١٥٢٨/٢.
(٢) التعريفات للجرجاني.
(٣) بفتح الميم وإسكان الواو وكسر اللام وتشديد الياء.
(٤) بضم الميم وفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة، مثل
المصلّى عليه. تهذيب الأسماء واللغات ١٩٦/٢،
وغرر المقالة في شرح غريب الرسالة للمغراوي
ص٢٢٦.
(١) سورة البقرة/ ٢٥٧.
-١٣٥-

ولاية ٢
القتيل في الجناية على النفس، وسموا صاحبها
((ولي الدم)). كما عبروا عن سلطة الزوج في
تأديب زوجته الناشز، والوالد في تأديب ولده
الصغير، والمعلم في تأديب تلاميذه بالولاية
على ذلك أيضاً (١).
واستعملها فقهاء المالكية بمعنى الآصرة
الموجبة للإرث. فقال ابن جزي: الولاية
خمسة أنواع: ولاية الإسلام، ولا يورث
بها إلا مع عدم غيرها. وولاية الحلف،
وولاية الهجرة، وكان يتوارث بهما أول
الإسلام ثم نسخ. وولاية القرابة، وولاية
العتق، والميراث بهما ثابت(٢).
٢- وقد أوضح القاضي ابن رشد مرادهم
بذلك فقال:
فأما ولا یة الإسلام والإيمان، فإن الله قد نص
عليها في محكم القرآن فقال: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بُّ أَوْلَّهُ بَتْضٍ ﴾(٣) وهي ولاية عامة.
وأما ولاية الحلف (ولاء الموالاة)، فقيل:
(١) التعريفات للجرجاني، والمصباح المنير، وتهذيب
الأسماء واللغات ١٩٦/٢، والتوقيف للمناوي
ص٧٣٤، وطلبة الطلبة للنسفي ص٩٨، وبدائع
الصنائع ٣٣٤/٢.
(٢) القوانين الفقهية ص ٣٨٢.
(٣) سورة التوبة/ ٧١.
إن الناس كانوا يتوارثون بها في أول الإسلام
بدليل قول الله : ﴿وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ
فَشَاتُهُمْ تَصِيبَهُمْ﴾(١) ثم نسخ الله ذلك بقوله:
(٢)
﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْعَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ يَعْضٍ فِ كِتٍَ أَنَّوْ﴾(٢).
وقيل: إن ذلك كان في الجاهلية، فلما جاء
الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من النصر
والنصيحة والمعونة والمشورة ولا ميراث.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الآية
محكمة على ظاهرها في الميراث وغيرها.
(ر: مولى الموالاة)
وأما ولاية الهجرة، فإن الناس كانوا
يتوارثون بها في أول الإسلام، لا اختلاف
بين أهل العلم في ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ
الَِّينَ مَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِمْ فِ
سَبِيلٍ أَقَّهِ وَالَّذِينَ ءَرَوَا وَنَصَرُوَا أُوْلَكَ بَعْنُهُمْ أَوْلِيَهُ بَتْفٍ
وَلَِّ مَنُواْ وَلَمْ يُهَِرُواْ مَا لَكُ مِنْ وَتِهِم ◌ِ ثَيْءٍ خَّ
◌َُكُواْ وَإِ لَسَّصَرُوَكُمْ فِ الذِينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّ عَلَى قَوْمٍ
يَتْنَكُمْ وَبَهُمْ مِيثَنُّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ (٣).
فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة
والمؤاخاة التي آخی رسول الله ټ بها بينهم دون
ذوي الأرحام حتى أنزل الله ﴿وَأَوْلُواْ الْأَرْكَاِ بَعُّْهُمْ
(١) سورة النساء/ ٣٣.
(٢) سورة الأنفال/ ٧٥.
(٣) سورة الأنفال/ ٧٢.
-١٣٦-

ولاية ٣
أُوْلَی پٹضٍ فی کِی او﴾(١) یرید بقوله ﴿فی کِنپ
أَّوْ﴾ على ما قال أهل التأويل: أي في آية
المواريث، فالمراد بأولي الأرحام في هذه الآية
من سمى الله في آية المواريث أو دخل فيها
بالمعنى وإن لم يسم.
وأما ولاية النسب، فموجودة أيضاً في
القرآن. قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ
مِنَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَالْأَقْرُونَ﴾(٢). وقال حاكياً
عن زكريا القَّ: ﴿وَإِّ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن
وَلِّى وَكَانَتِ أَمْرَأَنِى حَاقِرًا﴾(٣). يقول: وإني
خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني
﴿فَهَبْ لِ مِنْ لَدُنْكَ وَلِنَّا (٥ يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ عَالِ
يَعْقُوبٌ﴾(٤). أي ولداً وارثاً معيناً يرث مالي
ویرث من آل یعقوب النبوة، وذلك أن زکریا کان
من ولد يعقوب، فوهب الله له یحیی.
وأما ولاية العتق، فإنها توجب الميراث عند
انقطاع النسب بحق الإنعام بالعتق والمنّ به عند
جماعة العلماء(٥).
(ر: مولى العتاقة).
(١) سورة الأنفال/ ٧٥.
(٢) سورة النساء/ ٣٣.
(٣) سورة مريم/ ٥.
(٤) سورة مريم/ ٥-٦.
(٥) المقدمات الممهدات ١٢٧/٣-١٣٢ باختصار.
٣- أما ((ولاية الله تعالى)) للمؤمنين،
فمدلولها أنهم أقبلوا على الله بطاعته
واجتناب معصيته، فقرب منهم بالمحبة
والهداية والنصرة، وتولى أمرهم فلم يكلهم
إلى أنفسهم لحظة، وكفل مصالحهم ورعاهم
بحفظه وتوفيقه، وعلى ذلك قال الشريف
الجرجاني وغيره: الولي - فعيل بمعنى
فاعل- هو من توالت طاعته من غير تخلل
عصيان .- أو بمعنى مفعول- فهو من يتوالى
عليه إحسان الله وإفضاله(١).
وقال ابن القيم: ولاية الله تعالى نوعان: عامة
وخاصة.
فالعامة: ولاية كل مؤمن. فمن كان مؤمناً لله
تقياً، كان الله له ولياً، وفيه من الولاية بقدر إيمانه
وتقواه.
والخاصة: ولاية القائم الله بجميع حقوقه،
المؤثر له علی کل ما سواه في جمیع حالاته،
الذي صارت مراضي الله ومحابه همه ومتعلق
خواطره، يصبح ويسمي وهمهُ مرضاةُ ربه وإن
سخط الخلق(٢).
(١) تعريفات الجرجاني، والتوقيف للمناوي ص٧٣٤،
وكشاف اصطلاحات الفنون ١٥٢٩/٢، وتفسير
الطبري ٢١/٣، وتفسير النيسابوري ٢٢/٢.
(٢) بدائع الفوائد لابن القيم ١٠٦/٣، ١٠٧.
-١٣٧-

ولاية ٤-٦
الألفاظ ذات الصلة:
أ- النيابة:
٤- النيابة فى اللغة: جعل الإنسان غيره نائباً
عنه في الأمر، يقال: ناب عنه في الأمر إذا قام
مقامه.
والنيابة في الاصطلاح: قيام الإنسان عن
غيره بفعل أمر(١).
وعلى ذلك فالولاية أعم مطلقاً من النيابة،
والأخص يستلزم دائماً معنى الأعم ولا عكس،
فكل نيابة ولاية ولا عكس(٢).
ب- العمالة:
٥- يقال في اللغة: عملته على البلد، أي
وليته عمله. وعملت على الصدقة : أي سعيت في
جمعها. واستعملته: أي جعلته عاملاً. والجمع
عمال وعاملون. والعمالة بضم العين: أجرة
العامل، والكسر لغة، وأصل العمالة أجرة من
يلي الصدقة، ثم كثر استعمالها حتى أجريت على
غير ذلك.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي.
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١٧/٢، وانظر
قواعد الفقه للبركتي.
(٢) لسان العرب، وتاج العروس، ومعجم متن اللغة،
وقواعد الفقه للبركتي.
والصلة بين الولاية والعمالة: أن الولاية أعم
من العمالة، وذلك أن كل من ولي شيئاً من عمل
السلطان فهو والٍ، فالقاضي والٍ، والأمیر والٍ
والعامل والٍ، وليس القاضي عاملاً، ولا
الأمير، وإنما العامل من يلي جباية المال
فقط. فكل عاملٍ والٍ، وليس كل والٍ عاملاً (١).
جـ- القوامة:
٦- القوامة في اللغة مأخوذة من قام على
الشيء يقوم قياماً، أي حافظ عليه وراعى
مصالحه. ومن ذلك القيّم: وهو الذي يقوم
على شأن شيء ويليه ويصلحه، ومنه قوله
تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النََّلَمْ﴾(٢).
وكلها مشتقة من القيام المجازي، لأن شأن
الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدبر أمره
ويرعاه.
ولا يخرج الاستعمال الفقهي للكلمة عن
معناها اللغوي، والفقهاء يستعملون لفظ
(القيم) بمعنى المتولي والناظر، فيقولون:
القيم على الصغير والمجنون والسفيه،
والقيم على مال الوقف. ويريدون به:
الأمين الذين يتولى أمره ويقوم بمصالحه
(١) المصباح المنير، والفروق لأبي هلال العسكري
ص١٨٣، وبدائع الصنائع ٤٤/٢.
(٢) سورة النساء/ ٣٤.
-١٣٨-

ولاية ٦-٩
قيام الحفظ والصيانة (١).
والصلة بينهما أن القوامة أخص من الولاية.
د- الوصاية:
٧- الوصاية لغة مصدر وصى تعني طلب
شخص شيئاً من غيره ليفعله على غيب منه حال
حياته وبعد مماته.
أما في الاصطلاح الفقهي فهي: إقامة
الإنسان غيره مقام نفسه بعد وفاته لينظر في
شؤون تر کته وما يتعلق بها من دیون ووصايا وفي
شؤون أولاده الصغار ورعايتهم. ويسمى ذلك
الشخص المقام وصياً. أما إقامة غيره مقامه في
القيام ببعض أموره في حال حیاته، فلا يقال له
في اصطلاحهم وصاية، وإنما يسمى وكالة (٢).
والوصاية على ذلك أخص من الولاية.
هـ- الوكالة:
٨- الوكالة في اللغة: التفويض إلى الغير،
ورد الأمر إليه.
(١) الكليات ٤/ ٥٣، ٥٤، وبصائر ذوي التمييز ٣٠٧/٤،
٣٠٩، والتسهيل لابن جزي ١/ ١٤٠، والكشاف
للزمخشري ٢٦٦/١، والتعريفات الفقهية للمجددي
ص٤٣٨، ورد المحتار ٤٣١/٣.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات ١٩٢/٢، وكشاف
اصطلاحات الفنون ١٥١١/٢، وفتاوى قاضيخان
٥١٢/٣.
ومعناها في الاصطلاح الفقهي: تفويض
شخص ما له فعله مما يقبل النيابة من
التصرفات على غيره ليفعله في حياته. وقد
عرفها المناوي بأنها : استنابة جائز التصرف مثله
فیما له علیه تسلط أو ولاية ليتصرف فيه. وقال
التهانوي: هي إقامة أحدٍ غيره مقام نفسه في
تصرفٍ شرعي معلومٍ مورثٍ لحكم شرعي.
كالنكاح والطلاق المورثين للحل والحرمة(١).
وعلى ذلك فالوكالة أخص من الولاية.
الأحكام المتعلقة بالولاية:
الولاية: إما أن تكون عامة أو خاصة. ولكل
منهما أحكام تتعلق بها:
أولاً: الولاية العامة:
٩- الولاية العامة: سلطة على إلزام الغير
وإنفاذ التصرف عليه بدون تفويض منه، تتعلق
بأمور الدين والدنيا والنفس والمال، وتهيمن
على مرافق الحياة العامة وشؤونها، من أجل
جلب المصالح للأمة ودرء المفاسد عنها.
وهي منصب ديني ودنيوي، شرع لتحقيق ثلاثة
أمور: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
(١) المغرب، والتوقيف للمناوي ص٧٣٢، وكشاف
اصطلاحات الفنون ١٥١١/٢، ومغني المحتاج
٢١٧/٢، وبدائع الصنائع ١٩/٦، وتحفة المحتاج
١٦/٥، وانظر المادة (٩١٥) من مرشد الحيران
والمادة (١٤٤٩) من المجلة العدلية.
-١٣٩-

ولاية ١٠-١١
وأداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بينهم
بالعدل(١). قال ابن تيمية: والمقصود
الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق
الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم
ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم
الدين إلا به من أمر دنياهم(٢).
١٠- وللولاية العامة مراتب واختصاصات
تتفاوت فيما بينها، وتتدرج من ولاية الإمام
الأعظم إلى ولاية نوابه وولاته ونحوهم، وبها
يناط تجهيز الجيوش، وسد الثغور، وجباية
الأموال من حلها، وصرفها في محلها، وتعيين
القضاة والولاة، وإقامة الحج والجماعات،
وإقامة الحدود والتعازير، وقمع البغاة
والمفسدين وحماية بيضة الدين، وفصل
الخصومات، وقطع المنازعات، ونصب
الأوصياء والنظار والمتولين ومحاسبتهم.
وما سوى ذلك من الأمور التي يستتب بها
الأمن، ويُحكَّمُ شرع الله. قال ابن تيمية:
وأصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في
الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٨/٢٨، ٨١، ٢٤٦،
والطرق الحكمية ص١٩٩، والحسبة لابن تيمية
ص١٦، ٢٨.
(٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص٣٩، ومجموع فتاوى
ابن تيمية ٢٦٢/٢٨.
تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه إنما
خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الکتب، وله أرسل
الرسل، وعليه جاهد الرسول # والمؤمنون(١).
١١- ولهذا اعتبرت الشريعة الإسلامية ولاية
أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام
للدين إلا بها، لأن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا
بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد
لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي مّ:
(إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم))(٢).
فأوجب عليه الصلاة والسلام تأمير الواحد في
الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهاً
بذلك على سائر أنواع الاجتماع ... كذلك
أوجب الله الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وسلطان،
وكذا سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل
وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر
المظلوم وإقامة الحدود، وهي لا تتم إلا
بالقوة والإمارة المستلزمة للولاية العامة(٣).
(١) الحسبة ص٨، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٦١.
(٢) حديث: ((إذا خرج ثلاثة في سفر ... ))
أخرجه أبو داود (٨١/٣ - ط حمص) من حديث أبي
سعيد الخدري، وحسنه النووي في رياض الصالحين
(ص٣٧٥ - ط المكتب الإسلامي).
(٣) السياسة الشرعية لابن تيمية ص٢١٧، ومجموع
فتاوى ابن تيمية ٣٩٠/٢٨.
-١٤٠-