النص المفهرس
صفحات 201-220
وقف ٩٥ وهو المعتمد، وعلى هذا يصرف ثمنها في مصالح المسجد، قال الرافعي: والقياس أن يشترى بثمن الحصير حصير لا غيرها. قال: ويشبه أنه مرادهم، وهو ظاهر إن أمكن وإلا فالأول. وكالحصر في ذلك نحاتة الخشب وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها نفع ولا جمال. والثاني: لا يباع ما ذكر إدامة للوقف في عينه، ولأنه يمكن الانتفاع به في طبخ جص أو آجر. قال السبكي : وقد تقوم قطعة من الجذوع مقام آجرة، وقد تقوم النحاتة مقام التراب ويختلط به. قال الأذرعي: ولعله أراد مقام التبن الذي يستعمل في الطين، وجرى على هذا جمع من المتأخرين. أما الحصر الموهوبة أو المشتراة للمسجد، فإنها تباع للحاجة. وأما الجذوع وما شابهها إذا صلح لغير الإحراق: بأن أمكن أن يتخذ منها ألواح وأبواب فلا تباع قطعاً. فإن خيف على المسجد- كأن كان آيلاً للسقوط - نُقِض وبنى الحاكم بنقضه مسجداً آخر إن رأى ذلك وإلا حفظه، وبناؤه بقربه أولى، ولا یپني به بئراً، كما لا يبني بنقض بئر خربت مسجداً بل بئراً أخرى، مراعاة لغرض الواقف ما أمكن. ولو وقف على قنطرة وانحرق الوادي وتعطلت القنطرة، واحتيج إلى قنطرة أخرى جاز نقلها إلى محل الحاجة، وغلة وقف الثغر وهو الطرف الملاصق من بلادنا بلاد الكفار إذا حصل فيه الأمن يحفظه الناظر لاحتمال عوده ثغرا (١). وإن وقف نخلة فجفت، أو بهيمة فزمنت، أو جذوعاً على مسجد فتكسرت، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيعه لما ذكرناه في المسجد، وهو الأصح. والثاني : وهو مقابل الأصح يجوز بيعه لأنه لا یرجی منفعته فکان بیعه أولی من تركه، بخلاف المسجد فإن المسجد يمكن الصلاة فيه مع خرابه، وقد يعمر الموضع فيصلى فيه، فإن قلنا : تباع كان الحكم في ثمنه حكم القيمة التي توجد من متلف الوقف. فمن الأصحاب من قال إن قلنا : إن الملك في رقبة الموقوف للموقوف عليه- وهو مقابل الأظهر - كان ثمنه للموقوف عليه لأنه بدل ملكه. وإن قلنا: إنه الله تعالى- وهو الأظهر - اشتري به مثله ليكون وقفاً مكانه، وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني : يشتري بها مثله ليكون وقفاً مكانه قولاً واحداً (٢). (١) مغني المحتاج ٣٩٢/٢. (٢) المهذب ٤٥٠/١، ٤٥٢، ومغني المحتاج ٣٨/٢، ٣٩١-٣٩٢. -٢٠١- ... ....... وقف ٩٦ الاستبدال بالموقوف عند الحنابلة: ٩٦- وعند الحنابلة يجوز الاستبدال في الوقف إذا كان غير صالح للغرض الذي وقف من أجله ولم يعد صالحاً للانتفاع به، وسواء أكان الموقوف منقولاً أم عقاراً، مسجداً أو غير مسجد. قالوا : يحرم بيع الوقف ولا يصح، ولا تصح المناقلة به أي إبداله ولو بخير منه نصاً، إلا أن تتعطل منافعه المقصودة منه بخراب ولم يوجد في ربع الوقف ما يعمر به فيباع، أو تتعطل منافعه المقصودة بغير الخراب كخشب تشعث وخيف سقوطه نصاً. ولو كان الوقف مسجداً وتعطل نفعه المقصود لضيقه على أهله نصاً وتعذر توسعته أو تعذر الانتفاع به لخراب محلته أو كان الموضع قذراً، قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه فيصح بيعه ويصرف ثمنه في مثله "للنهي عن إضاعة المال، وفي إبقائه كذلك إضاعة، فوجب الحفظ بالبيع، ولأن الوقف مؤبد فإذا لم يمكن تأبيده بعينه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، واتصال الأبدال يجري مجرى الأعيان، والجمود على العين مع تعطلها تضييع للغرض (١). (١) شرح منتهى الإرادات ٥١٤/٢-٥١٥، وكشاف القناع ٤ / ٢٩٢. ویصح بيع شجرة موقوفة یبست، وبيع جذع موقوف انكسر أو بلي أو خيف الكسر أو الهدم، قال في التلخيص: إذا أشرف جذع الوقف على الانكسار أو داره على الانهدام، وعلم أنه لو أخر لخرج عن كونه منتفعاً به، فإنه يباع رعاية للمالية، والمدارس والربط والخانات المسبلة ونحوها جائز بيعها عند خرابها وجهاً واحداً (١). والفرس الموقوف على الغزو إذا لم يصلح للغزو یباع ويشترى بثمنه فرساً يصلح للغزو، وقال في رواية أبي داود: الذي يعجف من الدواب التي تحبس فلا ينتفع به يباع ثم يجعل ثمنه في حبيس، وبمجرد شراء البدل يصير البدل وقفاً (٢). کما قالوا: وما تعطلت منافعه فإنه يباع وجوباً ولو شرط الواقف عدم بيعه فشرطه فاسد، والذي يتولى بيع الموقوف - حيث جاز بيعه - هو الحاكم إن كان الوقف على سبيل الخيرات كالمساكين والمساجد والقناطر ونحوها، لأنه فسخ العقد لازم مختلف فيه اختلافاً قوياً فتوقف على الحاكم كالفسوخ المختلف فيها، وإن كان الوقف على شخص معين أو جماعة معينين أو من يوم أو يؤذن أو يقوم بهذا المسجد (١) كشاف القناع ٤/ ٢٩٣. (٢) كشاف القناع ٢٩٤/٤ -٢٩٥. -٢٠٢- - وقف ٩٧ ونحوه فالذي يتولى بيعه ناظره الخاص، والأحوط ألا يفعل ذلك إلا بإذن الحاكم، لأنه يتضمن البيع على من سينتقل إليهم بعد الموجودين الآن أشبه البيع على الغائب، وبمجرد شراء البدل لجهة الوقف يصير وقفاً، والاحتياط وقفه بصيغة جديدة لئلا ينقضه بعد ذلك من لا يرى وقفيته بمجرد الشراء(١). ثالثاً: رجوع الوقف إلى ملك الواقف: ٩٧- ذهب محمد بن الحسن من الحنفية إلى أنه لو خرب ما حول المسجد واستغني عنه ولو مع بقائه عامراً، وكذا لو خرب المسجد وليس له ما یعمر به وقد استغنى الناس عنه لبناء مسجد آخر ، فإنه يعود إلى ملك الباني إن كان حياً وإلى ورثته إن كان ميتاً خلافاً لأبي يوسف، وعلل محمد ذلك بأن الواقف عيّن الوقف لنوع قربة، وقد انقطعت فينقطع هو أيضاً، وصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنه، وقنديله إذا خرب المسجد يعود إلى ملك متخذه، وكما لو كفن ميتاً فافترسه سبع عاد الكفن إلى ملك مالكه، وكهدي الإحصار إذا زال الإحصار فأدرك الحج كان له أن يصنع بهديه ما شاء. (١) شرح منتهى الإرادات ٥١٥/٢، ٥١٦. وعند أبي يوسف ينقل إلى مسجد آخر بإذن القاضي، فيباع نقضه بإذن القاضي ويصرف ثمنه إلى بعض المساجد. ويتفرع على الخلاف بين محمد وأبي يوسف أنه إذا انهدم الوقف وليس له من الغلة ما يعمر به فإن يرجع إلى الباني أو ورثته عند محمد خلافاً لأبي يوسف، لكن عند محمد إنما يعود إلى ملكه ما خرج عن الانتفاع المقصود للواقف بالكلية كحانوت احترق ولا يستأجر بشيء، ورباط وحوض محلة خرب وليس له ما يعمر به. وأما ما كان معداً للغلة فلا يعود إلى الملك إلا أنقاضه، وتبقى ساحته وقفاً تؤجر ولو بشيء قلیل. وفي الخلاصة قال محمد في الفرس إذا جعله حبيساً في سبيل الله فصار بحيث لا يستطاع أن یرکب: فإنه يباع ويصرف ثمنه إلى صاحبه أو لورثته كما في المسجد (١). وقال الشافعية في مقابل الأصح: إن الموقوف لو تعطلت منفعته بسبب غير مضمون كأن جفت الشجرة أو قلعها ريح أو سيل أو نحو ذلك ولم يمكن إعادتها إلى مغرسها قبل جفافها فإن الوقف ينقطع (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣٧١، والهداية مع فتح القدير ٢٣٦/٦-٢٣٧. -٢٠٣- وقف ٩٨ ويتقلب ملكاً للواقف أو وارثه. أما الأصح عندهم فإنه لا يعود ملكاً بل يظل وقفاً، والحكم كذلك عند الحنابلة(١). النظر على الوقف: ٩٨- اتفق الفقهاء على أنه يتبع شرط الواقف في النظر على الوقف، فإذا جعل النظر لشخص معين اتبع شرطه، ((لأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جعل وقفه إلى ابنته حفصة تليه ما عاشت، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها)) (٢) قال ابن قدامة: ولأن مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف فكذلك الناظر فيه(٣). لكن الفقهاء اختلفوا فيما إذا شرط الواقف النظر لنفسه، فعند الحنفية والشافعية والحنابلة يجوز ذلك (٤) ويرى المالكية أنه إن لم يحز الموقوف عليه (١) مغني المحتاج ٣٩١/٢، والروضة ٣٥٦/٥، وكشاف القناع ٢٩٦/٤ -٢٩٧. (٢) أثر جَعْل وقف عمر إلى ابنته حفصة .. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٦١/٦). (٣) حاشية ابن عابدين ٤٠٩/٣، وفتح القدير ٢٣٠/٦ - ٢٣١، وحاشية الدسوقي ٨٨/٤، والخرشي ٧/ ٩٢، ومغني المحتاج ٣٩٣/٢، والمهذب ٤٥٢/١، والمغني ٦٤٦/٥ -٦٤٧. (٤) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٨٤/٣، وفتح القدير ٢٣٠/٦، ٢٣١، ومغني المحتاج ٢/ ٣٩٣، والمغني ٦٤٧/٥. الوقف، فإن مات الواقف، أو مرض، أو فلس بطل الوقف. أما إذا حاز الموقوف عليه الوقف، وشرط النظر لنفسه فيصح الوقف، وأجبر الواقف على أن يجعل النظر لغيره، إذ لا يجوز للواقف أن يجعل النظر لنفسه (١). وإن لم يشترط الواقف ناظراً على الوقف بأن أغفل ذلك، فقد اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك. فعند المالكية والحنابلة إن كان الوقف على غير معين كالفقراء والمساكين والمساجد فالحاكم يولي عليه من يشاء، لأن الحاكم لا يمكنه تولي النظر بنفسه. وإن كان الوقف على معين رشيد فهو الذي يتولى أمر الوقف. قال ابن قدامة: لأنه ملکه ونفعه له، فكان نظره إليه كملكه المطلق. وإن کان غیر رشید فولیه یتولی أمر الوقف، وفي احتمال عند الحنابلة- كما قال ابن قدامة- أن ينظر فيه الحاكم، وهو اختيار ابن أبي (٢) موسی(٢). (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٨١/٤، والخطاب ٢٥/٦، والخرشي ٨٤/٧، والزرقاني ٧٩/٧، ومنح الجليل ٤/ ٤٧. (٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٨٨/٤، والخرشي ٩٢/٧، والمغني ٥/ ٦٤٧. -٢٠٤- وقف ٩٩ واختلفت أقوال الحنفية، فعند أبي يوسف وهلال- وهو ظاهر المذهب- تكون الولاية للواقف، ثم لوصیه إن كان وإلا فللحاكم، لأن المتولي إنما يستفيد الولاية من جهة الواقف بشرطه، فيستحيل أن يكون له الولاية وغيره يستفيد الولاية منه، ولأنه أقرب الناس إلى هذا الوقف، فيكون أولى بولايته. وعند محمد لا تكون الولا یة للواقف ما دام لم يشترط ذلك، لأن من أصله أن التسليم إلى القيم شرط لصحة الوقف، فإذا سلم لم يبق له ولاية فيه(١). وإن مات الواقف ولم يجعل ولا يته لأحد جعل القاضي له قيما ولا يجعله من الأجانب ما دام يجد من أهل بيت الواقف من يصلح لذلك، إما لأنه أشفق، أو لأنه من قصد الواقف نسبة الوقف إليه، فإن لم يجد فمن الأجانب من يصلح لذلك(٢). وعند الشافعية إذا لم يشترط الواقف النظارة الأحد فالنظر للقاضي على المذهب، لأن له النظر العام فكان أولى بالنظر فيه، ولأن الملك (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٨٤/٣، وفتح القدير ٢٣١/٦. (٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٤١٠/٣، ٤١١، والإسعاف ص٥٠. في الوقف لله تعالى(١). والرأي الثاني عند الشافعية: أن النظر إلى الواقف، لأنه كان النظر إليه، فإذا لم يشرطه بقي على نظره. والثالث: أنه للموقوف عليه، لأن الغلة له فكان النظر إليه (٢). ما يشترط في ناظر الوقف: اشترط الفقهاء لصلاحية الناظر على الوقف شروطاً عدة، منها ما هو محل اتفاق بينهم ومنها ما هو مختلف فيه، وبيان ذلك فيما يلي: الشرط الأول: التكليف: ٩٩- يتفق الفقهاء على أنه يشترط في الناظر على الوقف أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يصح تولية الصبي ولا المجنون لعدم أهليتهما، وهذا في الجملة(٣). وللفقهاء بعض التفصيل : فعند المالكية والحنابلة إن لم يشترط الواقف ناظراً معيناً، وكان الموقوف عليه معيناً كزيد وعمرو، فإنه يلي أمر الوقف بنفسه ويكون ناظراً (١) مغني المحتاج ٣٨٩/٢-٣٩٣. (٢) المهذب ٤٥٢/١. (٣) حاشية ابن عابدين ٣٨٥/٣، والبحر الرائق ٢٤٤/٥، وفتح القدير ٢٤٢/٦، وحاشية الدسوقي ٨٨/٤، ومغني المحتاج ٣٩٣/٢، وروضة الطالبين ٣٤٧/٥، و کشاف القناع ٤/ ٢٧٠. -٢٠٥- وقف ٩٩ ٠٠٠ عليه، فإن كان الموقوف عليه صغيراً أو مجنوناً فإن وليه يقوم مقامه في النظر. قال المالكية: يتبع شرط الواقف في تخصيص ناظر معين، فإن لم يجعل الواقف ناظراً فإن كان المستحق معيناً رشيداً فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان غير رشيد فوليه، وإن كان المستحق غير معين كالفقراء فالحاكم يولي عليه من يشاء(١). وقال الحنابلة: ينتقل الملك في العين الموقوفة إلى الموقوف عليه إن كان آدمياً معيناً أو جمعا محصورا كأولاده أو أولاد زيد، وينظر فيه الموقوف عليه إن كان مكلفا رشيدا، أو ينظر فيه وليه إن كان الموقوف عليه صغيرا أو مجنوناً أو سفيها. وقال ابن أبي موسى: ينظر فيه الحاكم(٢). وعند الحنفية نقل ابن عابدين عن الإسعاف قوله: ولو أوصى إلى صبي تبطل في القياس مطلقاً، وفي الاستحسان هي باطلة ما دام صغيراً، فإذا كبر تكون الولاية له، وحكم من لم يخلق من ولده ونسله في الولاية كحكم الصغير قياساً. قال ابن عابدين: وفي فتاوى العلامة الشلبي: وأما الإسناد (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤/ ٨٨. (٢) كشاف القناع ٢٤٤/٤-٢٥٥، ٢٧٠، والمغني ٦٤٧/٥، والإنصاف ٧/ ٦٦ -٦٧. للصغير فلا يصح بحال لا على سبيل الاستقلال بالنظر ولا على سبيل المشاركة لغيره، لأن النظر على الوقف من باب الولاية، والصغير يولي عليه لقصوره، فلا يصح أن يولى على غيره. قال ابن عابدين: رأيت في أحكام الصغار للإستروشني عن فتاوى رشيد الدين قال: القاضي إذا فوض التولية إلى صبي يجوز إذا كان أهلاً للحفظ، وتكون له ولاية التصرف، كما أن القاضي يملك إذن الصبي وإن كان الولي لا يأذن. قال ابن عابدين: وعليه فيمكن التوفيق بحمل ما في الإسعاف وغيره على غير الأهل للحفظ : بأن كان لا يقدر على التصرف، أما القادر على التصرف فتكون توليته من القاضي إذناً له في التصرف، وللقاضي أن ياذن للصغير وإن لم يأذن له ولیہ(١). وكما أن الجنون يمنع التولية ابتداء فإنه يمنعها بقاء، فلو كان ناظراً ثم جُنّ فإنه يعزل عن النظارة. لكن لو عاد إليه عقله وبرئ من علته هل يعود ناظراً؟ نقل ابن عابدين عن الفتح: أن الناظر ينعزل بالجنون المطبق سنة لا أقل، ولو برىء (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٨٥/٣، والبحر الرائق ٢٤٤/٥-٢٤٥. -٢٠٦- وقف ١٠٠ عاد إليه النظر، قال في النهر: والظاهر أن هذا في المشروط له النظر، أما منصوب القاضي فلا (١). ونص الشافعية على أنه بالجنون تنسلب الولايات (٢)، قال الشبراملسي: لو أفاق المجنون تعود إليه ولاية النظارة بنفس الإفاقة من غير تولية جديدة إذا كان بشرط الواقف(٣). الشرط الثاني: العدالة: ١٠٠ - يشترط في ناظر الوقف أن يكون عدلاً. وللفقهاء في هذا الشرط تفصيل : أما الحنفية فقد اختلفوا في كون العدالة شرط صحة أو شرط أولوية على رأيين : الأول: أن العدالة شرط صحة الوقف. فقد نقل ابن عابدين: عن الإسعاف: ولا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه، لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن، لأنه يخل بالمقصود. والرأي الثاني : أن العدالة شرط أولوية، فقد قال ابن عابدين: والظاهر أن العدالة شرط أولوية لا شرط صحة، وأن الناظر إذا فسق (١) حاشية ابن عابدين ٣٨٥/٣. (٢) نهاية المحتاج ٣٤٣/٤. (٣) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٣٤٥/٤. استحق العزل ولا ينعزل، کالقاضي إذا فسق لا ينعزل على الصحيح المفتى به (١). وعند المالكية تعتبر العدالة شرطا إذا كان الناظر منصوباً من قبل القاضي أو من قبل الواقف. فقد جاء في الحطاب: النظر في الحبس لمن جعله إليه محبسه يجعله لمن يثق في دينه وأمانته، فإن غفل المحبس عن ذلك کان النظر فيه للحاکم یقدم له من يرتضيه .. والناظر على الحبس إذا كان سيء النظر غير مأمون فإن القاضي يعزله، إلا أن يكون المحبس عليه مالكاً أمر نفسه ويرضى به ويستمر . وذكر البدر القرافي أن القاضي لا يعزل ناظراً إلا بجنحة، وللواقف عزله ولو بغير جنحة (٢). وعند الشافعية: تشترط العدالة الظاهرة والباطنة في منصوب الحاكم، قال السبكي: ينبغي أن يكتفى في منصوب الواقف بالعدالة الظاهرة. وقال الأذرعي: تشترط العدالة الظاهرة والباطنة في منصوب الواقف أيضاً، قال الشربيني الخطيب: والأول أوجه. وإذا فسق الناظر انعزل، ومتى انعزل بالفسق فالنظر للحاكم (٣). (١) حاشية ابن عابدين ٣٨٥/٣، والبحر الرائق ٢٤٤/٥. (٢) الحطاب ٣٧/٦، وحاشية الدسوقي ٨٨/٤. (٣) مغني المحتاج ٣٩٣/٢، ونهاية المحتاج ٣٩٦/٥، وتحفة المحتاج ٢٨٨/٦. - ٢٠٧- وقف ١٠١ وقال الشافعية: لو فسق الناظر ثم صار عدلاً ، فإن كانت ولايته مشروطة في أصل الوقف منصوصاً عليه بعينه عادت ولايته وإلا فلا، أفتى بذلك النووي ووافقه ابن الرفعة وغيره. قال الزركشي: وهو ظاهر(١). وقال الحنابلة: إن كان النظر لغير الموقوف عليه، وكانت تولية الناظر من الحاكم بأن كان الوقف على الفقراء، أو ولى الحاكم ناظراً من غير الموقوف عليهم، أو كان النظر لبعض الموقوف عليهم وكانت ولايته من حاكم، بأن كان الوقف على الفقراء وولى الحاكم منهم ناظراً عليه، أو كانت التولية من ناظر أصلي فلابد من شرط العدالة فيه لأنها ولاية على مال فاشترط لها العدالة كالولاية على مال الیتیم، فإن لم یکن عدلاً لم تصح ولا يته، وأزيلت يده عن الوقف حفظاً له، فإن عاد إلى أهليته عاد حقه. قال ابن قدامة: وإن لم يكن أميناً لم تصح وأزيلت يده، وإن كان الناظر مشروطاً من قبل الواقف فلا تشترط فيه العدالة ويضم إلى الفاسق عدل، ذكره ابن أبي موسى والسامري وغيرهما لما فيه من العمل بالشرط وحفظ الوقف، ولا تزال یده إلا أن لا یمکن حفظه منه فتزال ولا یته، (١) المنثور في القواعد للزركشي ١٧٩/٢، ونهاية المحتاج ٣٩٧/٥. لأن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية لفاسق عليه، وسواء أكان الناظر أجنبياً أو بعض الموقوف علیھم. قال ابن قدامة: ويحتمل أن لا يصح توليته وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته، لأنها ولاية على حق غيره فنفاها الفسق، وإن كان النظر للموقوف عليه إما بجعل الواقف النظر له بأن قال: وقفته علی زید ونظره له أو لكونه أحق به لعدم ناظر شرطه الواقف فالموقوف علیه أحق بالنظر، عدلاً كان أو فاسقاً، رجلاً كان أو امرأة، لأنه يملك الوقف فهو ينظر لنفسه، وقيل: يضم إلى الفاسق أمين، حفظاً الأصل الوقف عن البيع أو التضييع (١). الشرط الثالث: الكفاية: ١٠١- المقصود بالكفاية قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه. وقد نص الشافعية والحنابلة على أنه يشترط في الناظر الكفاية، لأن مراعاة حفظ الوقف مطلوب شرعاً، وإن لم يكن الناظر متصفاً بهذه الصفة لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف. فإن اختلت الكفاية فقد قال الشافعية: ينزع الحاكم الوقف منه وإن كان المشروط له النظر (١) كشاف القناع ٢٧٠/٤، ٢٧٢، والإنصاف ٦٧/٧، والمغني ٦٤٧/٥، وشرح المنتهى ٢/ ٥٠٤. -٢٠٨- وقف ١٠٢ الواقف، وقضية كلام الشيخين أن الحاكم يتولاه استقلالاً، فيوليه من أراد، وأن النظر لا ينتقل لمن بعده إذا شرط الواقف النظر الإنسان بعد آخر، أي إلا أن ينص عليه الواقف كما قاله السیکي وغيره. فإن زال الاختلال عاد نظره إن کان مشروطاً في الوقف منصوصاً عليه بعينه، كما ذكره النووي في فتاويه وإن اقتضى كلام الإمام خلافه. وقال الحنابلة: إن اختلت الکفایة لا يعزل، قال البهوتي : یضم إلى ناظر ضعيف قوي أمین، ليحصل المقصود، سواء كان ناظراً بشرط أو موقوفاً عليه (١). أما الحنفية فقد قالوا : يعزل الناظر وجوباً لو كان الواقف غير مأمون أو عاجزاً. وفي الإسعاف: لا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه، لأن الولا یة مقیدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن لأنه يخل بالمقصود، وكذا تولية العاجز لأن المقصود لا يحصل به. لكن قال ابن عابدين: الظاهر أنه شرط الأولوية لا شرط صحة (٢). وكلام المالكية يفيد اشتراط الكفاية أيضاً، (١) مغني المحتاج ٣٩٣/٢، ونهاية المحتاج ٣٩٦/٥- ٣٩٧، وكشاف القناع ٤/ ٢٧٠، وشرح المنتهى ٠٥٠٤/٢ (٢) ابن عابدين ٣٨٥/٣، والإسعاف ص٤٩. فقد قالوا : الناظر على الحبس إن كان سيء النظر غير مأمون فإن القاضي يعزله، إلا أن يكون المحبس عليه مالكاً أمر نفسه ويرضى به ويستمر (١). الشرط الرابع: الإسلام: ١٠٢- قال الحنابلة: يشترط في الناظر الإسلام إن كان الموقوف عليه مسلماً أو كانت الجهة كمسجد ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَفِرِنَ عَلَى أَلْمِينَ سَبِيلًا﴾(٢)، فإن كان الوقف على كافر معين جاز شرط النظر فيه لكافر، كما لو وقف على أولاده الكفار وشرط النظر لأحدهم أو غيرهم من الكفار(٣). وأجاز الحنفية أن يكون الناظر ذمياً، وأن الإسلام ليس بشرط، ولو كان الناظر ذمياً وأخرجه القاضي لأي سبب، ثم أسلم الذمي لا تعود الولاية إليه (٤). وعند الشافعية قال الرملي: قياس ما في (١) مواهب الجليل ٦/ ٣٧. (٢) سورة النساء/ ١٤١. (٣) كشاف القناع ٤/ ٢٧٠، وشرح منتهى الإرادات ٥٠٤/٢. (٤) ابن عابدين ٣٨٥/٣، والإسعاف ص٥٢، والبحر الرائق ٥/ ٢٤٥. -٢٠٩- وقف ١٠٣ الوصية والنكاح صحة شرط ذمي النظر لذمي عدل في دينه إن كان المستحق ذمياً، لكن يُرَدّ باشتراط العدالة الحقيقية في باب الوقف، قال الشبراملسي: القول بالرد هو المعتمد. والفرق بين هذا وتزويج الذمي موليته أن ولي النكاح فيه وازع طبيعي يحمله على الحرص على تحصين موليته دفعاً للعار عنه بخلاف الوقف (١). وهو ما يستفاد من كلام المالكية، ففي المواق قال ابن عرفة: النظر في الحبس لمن جعله إليه محبسه، قال المتيطي : يجعله لمن يوثق به في دينه وأمانته(٢) أجرة ناظر الوقف: الكلام على أجرة الناظر يشمل عدة مسائل، مثل أحقيته في الأجرة، وفي تقديرها من الواقف أو القاضي، وفي مقدارها، وهل يستحق أجراً إذا لم يجعل له الواقف أو القاضي أجراً؟ وهكذا . وبيان ذلك فيما يلي: أ- أحقية ناظر الوقف في الأجرة: ١٠٣- ذهب الفقهاء إلى أن الناظر على الوقف يستحق أجرة نظير قيامه بإدارة (١) نهاية المحتاج ٣٩٦/٥، وأسنى المطالب ٤٧١/٢، وتحفة المحتاج ٢٨٨/٦ مع الحاشیتین. (٢) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣٧/٦. الوقف والعناية بمصالحه(١). واستدلوا على ذلك بما قاله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما وقف أرضه بخيبر حيث قال: ((لا بأس على من وليها أن يأكل بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه)). وما فعله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حيث جعل نفقة العبيد الذين وقفهم مع صدقته ليقوموا بعمارتها من الغلة(٢). وبالقياس على عامل الزكاة(٣). واستدلوا بحديث أن النبي مص﴿ قال: ((لا تقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة)) (٤). قال ابن حجر في فتح الباري عند شرحه لهذا الحديث: هو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف، ومراد العامل في هذا الحديث: القيم على الأرض(٥). (١) البحر الرائق ٢٦٤/٥، والدسوقي ٨٨/٤، ومغني المحتاج ٣٨٠/٢، ٣٩٤، وشرح منتهى الإرادات ٢٩٥/٢، ٥٠٣. (٢) الإسعاف ص٥٣، والمغني لابن قدامة ٦٠٥/٥- ٦٠٦. (٣) شرح منتهى الإرادات ٢٩٥/٢. (٤) حديث: ((لا تقتسم ورثتي دینار ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٠٦/٥) من حديث أبي هريرة. (٥) فتح الباري ٤٠٦/٥. -٢١٠- وقف ١٠٤-١٠٥ ب- تقدير أجرة الناظر أو ما يستحقه الناظر من الأجر: أجرة الناظر إما أن تكون مشروطة من قبل الواقف، أو مقدرة من قبل القاضي. ١٠٤- فإن كانت الأجرة مشروطة من قبل الواقف، فإن الناظر يأخذ ما شرطه له الواقف ولو كان أكثر من أجر مثله. وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة. ونص الحنفية على أنه لو عين له الواقف أقل من أجر المثل فللقاضي أن يكمل له أجر مثله بطلبه(١). ونص الشافعية على أنه لو جعل النظر لنفسه وشرط لنفسه أجراً فإنه لا يزيد على أجرة المثل، فإن شرط النظر بأكثر منها لم يصح الوقف لأنه وقف على نفسه(٢). وفي كشاف القناع: أن الواقف لو شرط للناظر أجرة أي عوضاً معلوماً: فإن كان المشروط لقدر أجرة المثل اختص به، وكان مما يحتاج إليه الوقف من أمناء وغيرهم من غلة الوقف، وإن كان المشروط أكثر من أجرة المثل فكلفة ما (١) حاشة ابن عابدين ٣/ ٤١٧، والبحر الرائق ٢٦٤/٥، ومغني المحتاج ٣٩٤/٢، وشرح منتهى الإرادات ٢٩٥/٢، ٥٠٣. (٢) مغني المحتاج ٢/ ٣٨٠، ونهاية المحتاج ٣٦٤/٥. يحتاج إليه الوقف من نحو أمناء وعمال يكون على الناظر يصرفها من الزيادة حتى يبقى له أجرة مثله، إلا أن يكون الواقف شرطه له خالصاً(١). وأما المالكية فلم يحددوا شيئاً وتركوا ذلك لتقدير الواقف أو القاضي (٢). ١٠٥- وإن كانت الأجرة مقدرة من قبل القاضي بأن لم يجعل الواقف للناظر شيئاً، فقد اختلف الفقهاء في ما يقدره القاضي للناظر. فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الأجر المقدر من القاضي يجب أن لا يزيد عن أجرة المثل، فإن عين له زائداً عن أجرة المثل يمنع عنه الزائد(٣). وقال المالكية: يترك الأمر لاجتهاد القاضي. جاء في منح الجليل: النظر في الحبس لمن جعله إليه محبسه، يجعله لمن يثق به في دينه وأمانته فإن غفل المحبس عن جعل النظر لمن يثق به، كان النظر في الحبس للقاضي فيقدم عليه من يرتضيه، ويجعل له من كراء الوقف ما يراه القاضي سداداً بحسب اجتهاده. وقال ابن فتوح: للقاضي أن يجعل لمن قدمه للنظر في الأحباس رزقاً معلوماً في كل شهر (١) كشاف القناع ٢٧١/٤. (٢) حاشية الدسوقي ٨٨/٤، ومنح الجليل ٦٤/٤. (٣) حاشية ابن عابدين ٣/ ٤١٧، والبحر الرائق مع هامشه منحة الخالق ٢٦٤/٥، والفروع لابن مفلح ٤/ ٥٩٥. -٢١١- وقف ١٠٦ باجتهاده في قدر ذلك بحسب عمله، وفعله الأئمة (١). وقال الشافعية: إن لم يذكر الواقف للناظر أجرة فلا أجرة له على الصحيح، وليس للناظر أخذ شيء من مال الوقف، فإن فعل ضمن ولم يبرأ إلا بإقباضه للحاكم، وهذا هو المعتمد، فلو رفع الناظر الأمر إلى القاضي ليقرر له أجرة فهو كما إذا تبرم الولي بحفظ مال الطفل فرفع الأمر إلى القاضي ليثبت له أجرة، قاله البلقيني، قال تلميذه العراقي: ومقتضاه أنه يأخذ الأجرة مع الحاجة إما قدر النفقة له- كما رجحه الرافعي - أو الأقل من نفقته وأجرة مثله كما رجحه النووي، وقيل: إنه يستحق أن يقرر له أجرة مثله وإن كانت أكثر من النفقة (٢). ج- حكم ما إذا لم يعين الواقف للناظر أجراً: ١٠٦ - اختلف الفقهاء فيما إذا لم يعين للناظر أجر. فقال الرملي من الحنفية: لو لم يشترط الواقف للناظر شيئاً لا يستحق شيئاً، إلا إذا جعل له القاضي أجرة مثل عمله في (١) الدسوقي ٨٨/٤، ومنح الجليل ٤/ ٦٤، والخطاب ٤٠/٦. (٢) نهاية المحتاج ٣٩٨/٥، ومغني المحتاج ٣٩٤/٢. الوقف، فيأخذه على أنه أجرة (١). وحرر ابن عابدين المسألة فقال: فتحرر أن الواقف إن عین له شیئاً فهو له، کثیراً كان أو قليلاً على حسب ما شرطه، عمل أو لم يعمل، حيث لم يشرطه في مقابلة العمل، وإن لم يعين له الواقف وعین له القاضي أجرة مثله جاز، وإن عین له أكثر يمنع عنه الزائد عن أجرة المثل، هذا إن عمل، وإن لم يعمل لا يستحق أجرة. وبمثله صرح في الأشباه في كتاب الدعوى. وإن نصبه القاضي ولم يعين له شيئاً ينظر: إن کان المعهود أن لا يعمل إلا بأجرة مثله فله أجرة المثل، لأن المعهود كالمشروط، وإلا فلا شيء له (٢). لكن ابن نجيم نقل عن القنية رأيين للحنفية في منصوب القاضي إذا لم يعين له أجرة: الأول: أن القاضي لو نصب فيما مطلقاً ولم يعين له أجراً، فسعى فيه سنة، فلا شيء له. والثاني : أن القيم يستحق مثل أجر سعيه سواء شرط له القاضي أو أهل المحلة أجراً أو لا ، لأنه لا يقبل القوامة ظاهراً إلا بأجر، والمعهود كالمشروط (٣). (١) منحة الخالق بهامش البحر الرائق ٢٦٤/٥. (٢) المرجع السابق. (٣) البحر الرائق ٢٦٤/٥. -٢١٢- وقف ١٠٧ وعند الشافعية: إذا لم يشرط الواقف للناظر شيئاً لا يستحق أجرة على الصحيح. وإذا رفع الأمر للحاكم فإنه يعطى مع الحاجة على ما سبق بيانه في فى١٠٥(١). وعند الحنابلة: آراء ثلاثة: الأول: أن للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، سواء أكان محتاجاً أو غير محتاج، إلحاقاً له بعامل الزكاة، وهو ما ذهب إليه أبو الخطاب(٢). الثاني: أن لناظر الوقف أن يأخذ الأقل من أجر المثل أو كفايته، قياساً على ولي الصغير، ولا يستحق هذا الأجر إلا إذا كان فقيراً كوصي اليتيم(٣). الثالث: أن للناظر على الوقف- إن كان مشهوراً بأنه يأخذ أجر عمله- الحق في أجر المثل لأنه مقابل عمل يؤديه، وهو قياس المذهب. فقد جاء في الفروع: وإن لم يسم له شيئاً فقياس المذهب إن كان مشهوراً بأخذ الجاري (١) أسنى المطالب ٢/ ٤٧٢، ونهاية المحتاج ٣٩٨/٥. (٢) شرح منتهى الإرادات ٢٩٥/٢، والفروع ٤/ ٣٢٥، وينظر الكافي ٤٥٧/٢. (٣) شرح منتهى الإرادات ٢٩٥/٢، والفروع ٣٢٤/٤- ٣٢٥. على عمله فله جاري مثله، وإلا فلا شيء له(١). والظاهر من كلام المالكية بأن القاضي يجعل له في الأحباس أجرة، أو كما يقول ابن فتوح رزقا معلوماً في کل شهر باجتهاده في قدر ذلك بحسب عمله(٢). د- الجهة التي يستحق منها الناظر أجرته: ١٠٧- ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية غير ابن عتاب والشافعية والحنابلة) إلى أن ما يستحقه الناظر من أجر، سواء أكان مشروطاً من قبل الواقف أم من قبل القاضي، يكون من غلة الوقف. والأصل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب ﴾ حيث قال: لوالي هذه الصدقة أن يأكل منها غير متأثل مالاً(٣). وقال ابن عتاب عن المشاور من المالكية: لا يكون أجر الناظر إلا من بيت المال، فإن أخذها من الأحباس أخذت منه ورجع بأجره في بيت المال فإن لم يعط منها فأجره على الله، قال الحطاب: وإنما لم يجعل له فيها شيء لأنه تغيير (١) الفروع ٥٩٥/٤، والاختيارات ص١٧٧، وكشاف القناع ٤/ ٢٧١. (٢) مواهب الجليل ٦/ ٤٠. (٣) الإسعاف ص٥٣، وحاشية ابن عابدين ٤١٧/٣، والخطاب ٤٠/٦، ومغني المحتاج ٣٩٤/٢، والفروع ٣٢٣/٤-٣٢٥، وشرح المنتهى ٢٩٥/٢. -٢١٣- وقف ١٠٨- ١٠٩ للوصايا، وبمثل قول المشاور أفتى ابن ورد (١). لكن الدسوقي ضعف قول ابن عتاب(٢). هـ- العمل الذي يستحق به الناظر الأجرة: ١٠٨ - العمل الذي يستحق به الناظر الأجرة هو حفظ الوقف، وعمارته، وإيجاره، وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق، لأنه المعهود في مثله(٣). وللناظر الأجرة من وقت نظره فيه لأنها في مقابلته، فلا يستحق إلا بقدره(٤). قال الحنابلة: ومتى فرط الناظر سقط مما له من المعلوم بقدر ما فوته على الوقف من الواجب عليه من العمل، فيوزع ما قدر له على ما عمل وعلى ما لم يعمله، ويسقط قسط ما لم يعمله(٥). قال الحنفية: ولو نازع أهل الوقف القيم، وقالوا للحاكم: إن الواقف إنما جعل له الأجر في مقابلة العمل وهو لا يعمل شيئاً، لا يكلفه الحاكم من العمل ما لا يفعله الولاة، ولو حلت (١) مواهب الجليل ٦/ ٤٠. (٢) حاشية الدسوقي ٨٨/٤. (٣) كشاف القناع ٢٦٨/٤، وروضة الطالبين ٣٤٨/٥، ومغني المحتاج ٣٩٤/٢. (٤) كشاف القناع ٢٧٢/٤، والإسعاف ص٥٣ -٥٤، ومواهب الجليل ٤٠/٦. (٥) كشاف القناع ٢٧١/٤. به آفة يمكنه معها الأمر والنهي والأخذ والإعطاء فله الأجر وإلا فلا أجر له، ولو جعل الواقف له أكثر من أجر مثله يجوز، لأنه لو جعل ذلك من غير أن يشترط عليه القيام بأمره يجوز، فهذا أولى بالجواز(١). ولو وقف أرضه على مواليه ثم مات، فجعل القاضي للوقف قيماً وجعل له عشر الغلة، وفي الوقف طاحون في يد رجل بالمقاطعة لا يحتاج فيها إلى القيم، وأصحاب الوقف يقبضون غلتها منه، لا يستحق القيم عشر غلتها، لأن ما يأخذه إنما هو بطريق الأجرة ولا أجرة بدون عمل(٢). و - محاسبة ناظر الوقف: ١٠٩- من وظيفة الناظر تحصيل غلة الوقف والإنفاق منها على ما يحتاجه الوقف والصرف إلى المستحقين. ويتفق الفقهاء على محاسبة الناظر على ما ينفقه في هذه الوجوه، سواء أكانت المحاسبة من قبل القاضي أم من قبل المستحقين. لكن الفقهاء يختلفون في قبول قول الناظر في الإنفاق، هل يقبل دون بينة أم لابد من البينة؟ وإذا لم تكن هناك بينة هل يقبل قوله مع يمينه أو دون یمین؟ (١) الإسعاف ص٥٣-٥٤. (٢) الإسعاف ص٥٦. -٢١٤- وقف ١١٠ ولكل مذهب تفصيل يختلف عن غيره وبيان ذلك فيما يلي : ١١٠- قال الحنفية: لا يلزم أن يحاسب القاضي متولي الوقف بالتفصيل لکل ما صرفه من غلات الوقف، بل یکتفي منه بالإجمال لو کان معروفاً بالأمانة، أما لو كان متهماً فإن القاضي يجبره على التفسير شيئاً فشيئا، ولا يحبسه، ولكن يحضره يومين أو ثلاثة ويخوفه ويهدده إن لم يفسر، فإن فعل فبها، وإلا فإنه يكتفي منه باليمين(١). ونقل في الدر عن القنية: لو اتهمه القاضي فإنه يحلفه، قال ابن عابدين: أي ولو كان أميناً، كالمودع يدعي هلاك الوديعة أو ردها. وقيل: إنما يستحلف إذا ادعى عليه القاضي شيئاً معلوماً، وقيل: يحلف على كل حال. وقد اختلفت أقوال الحنفية فيما لو ادعى المتولي الدفع إلى المستحقين. ففي الدر المختار: قبل قوله بلا يمين(٢). لکن في البحر الرائق والإسعاف خلاف هذا، فقد جاء في الإسعاف: لو قال المتولي: قبضت الأجرة ودفعتها إلى هؤلاء الموقوف عليهم، (١) الدر المختار ٤٢٥/٣، والبحر الرائق ٢٦٢/٥. (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٢٥/٣. وأنكروا ذلك، كان القول قوله مع يمينه ولا شيء عليه كالمودَع إذا ادعى رد الوديعة وأنكر المودع، لكونه منكراً معنى وإن كان مدعياً صورة والعبرة للمعنى. ويبرأ مستأجر عقار الوقف من الأجرة لاعتراف المتولي بقبضها. وكذلك لو قال المتولي: قبضت الأجرة وضاعت مني أو سرقت، كان القول قوله مع يمينه لكونه أميناً (١). ونقل ابن عابدين عن الخير الرملي أن الفتوى على أنه يحلف في هذا الزمان. وفي الفتاوى الحامدية عن المفتي أبي السعود: أنه أفتى بأن المتولي إن كان مفسداً مبذراً لا يقبل قوله بصرف مال الوقف بيمينه. وفي الحامدية أيضاً أن القول في الأمانة قول الأمين مع يمينه، إلا أن يدعي أمراً يكذبه الظاهر، فحينئذ تزول الأمانة وتظهر الخيانة فلا يصدق. وفي الحامدية كذلك عن فتاوى الشلبي أن من اتصف بالصفات المخالفة للشرع التي صار بها فاسقاً لا يقبل قوله فيما صرفه إلا ببينة. ثم قال ابن عابدين: وهل يقبل قول الناظر الثقة بعد العزل؟ ذكر الحموي أن ظاهر كلامهم (١) الإسعاف ص٦٨- ٦٩، والبحر الرائق ٢٦٣/٥. -٢١٥- وقف ١١١- ١١٢ القبول، لأن العزل لا يخرجه عن كونه أميناً (١). ونقل صاحب الدر عن المنلا أبي السعود تفصيلاً آخر، حيث أفتى بأن المتولي لو ادعى الدفع من غلة الوقف الذي وقفه على أولا ده أو أولاد أولاده قبل قوله. وإن ادعى الدفع لأرباب الوظائف كالإمام والمؤذن لا يقبل قوله، مثله في ذلك مِثْلَ من استأجر شخصاً للبناء في الجامع بأجرة معلومة ثم ادعى تسليم الأجرة إليه لم يقبل قوله. وقد استحسن هذا التفصيل التمرتاشي حيث قال: إنه تفصيل في غاية الحسن(٢). ١١١ - وقال المالكية: إذا مات الواقف وعدم كتاب الوقف فإنه يقبل قول الناظر في الجهات التي يصرف عليها إن كان أميناً، وإذا ادعى الناظر أنه صرف الغلة صدق إن كان أميناً، ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف فلا يصرف إلا باطلاعهم، ولا يقبل قوله بدونهم. وإذا ادعى أنه صرف على الوقف مالا من عنده صدق من غير يمين إن لم يكن متهماً وإلا فيحلف(٣). (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٢٥/٣. (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٢٥/٣. (٣) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤٠٤/٥، وحاشية الدسوقي ٨٩/٤. وفي الحطاب : سئل السيوري عن إمام مسجد ومؤذنه ومتولي جميع أموره قام علیه محتسب بعد أعوام في غلة حوانيت له وقال: فضلت فضلة عما أنفقت. فقال المتولي : لم يفضل شيء. فقال له المحتسب: بيّن للقاضي صفة الخروج (أي الإنفاق) فقال: لا يجب علي ذلك، ولو علمت أنه يجب عليّ ما توليت ولا قمت به، والحال أنه لا یوجد من یقوم به إلا هو ، ولولا ھو لضاع، فهل يقبل قوله أو لا يقبل؟ فأجاب السيوري: القول قوله فيما زعم أنه أخرجه إذا كان يشبه ما قال، قال البرزلي: وهذا إذا لم يشترط عليه دخلاً ولا خرجاً إلا بإشهاد(١). ١١٢- والشافعية يفرقون بين أن يكون المستحقون معينين كزيد وعمرو مثلاً، وبين أن يكونوا غير معينين كالفقراء ونحوهم من الجهات العامة. فلو ادعى متولي الوقف صرف الريع للمستحقين: فإن كانوا معينين فالقول قولهم ولهم مطالبته بالحساب، وإن كانوا غير معينين كالفقراء فهل للإمام مطالبته بالحساب أو لا؟ وجهان: حكاهما القاضي الإمام أبو نصر شريح الروياني في أدب القضاء، أوجههما الأول، ويصدق في قدر ما أنفقه عند (١) مواهب الجليل ٦/ ٤٠. -٢١٦- وقف ١١٣-١١٤ الاحتمال، فإن اتهمه الحاكم حلفه، والمراد كما قال الأذرعي إنفاقه فيما يرجع إلى العادة، وفي معناه الصرف إلى الفقراء ونحوهم من الجهات العامة بخلاف إنفاقه على الموقوف عليه المعين فلا يصدق فيه لأنه لم يأتمنه(١). ١١٣- والحنابلة يفرقون بين الناظر المتبرع بنظره على الوقف وبين غير المتبرع وهو الذي يأخذ أجراً على النظارة، جاء في كشاف القناع: يقبل قول الناظر المتبرع في الدفع لمستحق، وإن لم يكن متبرعاً لم يقبل قوله إلا ببينة (٢). قال البهوتي والمرداوي: لا اعتراض لأهل الوقف على من ولاء الواقف أمر الوقف إذا كان المولى أميناً، ولأهل الوقف مساءلة الناظر عما يحتاجون إلى عمله من أمور وقفهم حتى يستوي علمهم فيه مع علمه، ولولي الأمر أن ينصب ديواناً مستوفياً لحساب أموال الأوقاف عند المصلحة(٣). قال في الإنصاف: مباشرة الإمام المحاسبة بنفسه كنصب الإمام الحاكم، ولهذا كان النبي وَي* يباشر الحكم في المدينة بنفسه ويولي مع البعد (٤). (١) مغني المحتاج ٣٩٤/٢. (٢) كشاف القناع ٢٦٩/٤. (٣) كشاف القناع ٢٧٧/٤، والإنصاف ٦٨/٧. (٤) الإنصاف ٦٨/٧. ز- عزل ناظر الوقف ومن له الحق في ذلك: سبق بيان الشروط التي يجب توفرها في الناظر مع بيان الحكم في عزله إذا اختل شرط من هذه الشروط. وفيما يأتي بيان من له حق العزل: أولاً: حق الواقف في عزل ناظر الوقف: ١١٤- يختلف الفقهاء في حق الواقف في عزل من ولاه. فالشافعية والحنابلة يفرقون بين ما إذا شرط الواقف النظر لنفسه في ابتداء الوقف، ثم أسند النظر لغيره، وبين ما إذا شرط النظر لغيره في ابتداء الوقف. أ- فإذا شرط النظر لنفسه في ابتداء الوقف ثم أسند النظر إلى غيره فله عزله ونصب غيره مكانه، لأنه نائب عنه، وذلك كما يعزل الموكل وكيله وینصب غيره(١). وهذا هو الصحيح عند الشافعية، والصحيح والصواب عند الحنابلة على ما جاء في تصحيح الفروع، وقدمه في الرعاية الكبرى. (١) مغني المحتاج ٣٩٤/٢، ونهاية المحتاج ٣٩٩/٥، وكشاف القناع ٤/ ٢٧٢، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٥٠٤، والفروع ٥٩٢/٤، والإنصاف ٦٠/٧-٦١. -٢١٧- وقف ١١٤ ونبه الشربيني الخطيب أن مقتضى ذلك أن للواقف العزل بلا سبب، وبه صرح السبكي في فتاویه فقال: إنه يجوز للواقف وللناظر الذي من جهته عزل المدرس ونحوه إذا لم يكن مشروطاً في الوقف، لمصلحة ولغير مصلحة لأنه کالو کیل. ثم قال: وأفتى كثير من المتأخرين، منهم ابن رزين بأنه لا يجوز العزل بلا سبب. وفي وجه عند الشافعية والحنابلة ليس له العزل، لأن ملكه زال فلا تبقى ولايته عليه(١). ب- أما إذا شرط الواقف النظر لشخص حال الوقف، كأن يقول: وقفت هذا الشيء بشرط أن یکون فلان ناظراً علیه فليس له عزله، زاد الشافعية: ولو لمصلحة، لأنه لا نظر له بعد شرطه لغيره، ولأنه لا تغيير لما شرطه، ولذلك لو عزل الناظر المشروط في ابتداء الوقف نفسه أو فسق فتولية غيره إلى الحاكم لا إلى الواقف، إذ لا نظر له بعد أن جعل النظر حال الوقف لغيره (٢). لكن قال الحنابلة: لو شرط الواقف النظر (١) مغني المحتاج ٣٩٤/٢-٣٩٥، وروضة الطالبين ٣٤٩/٥، والإنصاف ٧/ ٦٠-٦١، والفروع ٤/ ٥٩١. (٢) مغني المحتاج ٣٩٥/٢، ونهاية المحتاج ٤٠٠/٥، وكشاف القناع ٤/ ٢٧٢، وشرح منتهى الإرادات ٥٠٤/٢، والفروع ٥٩٢/٤، والإنصاف ٦٠/٧. لغیره، وشرط أن له عزله کان له عزله، فإن لم يشترط ذلك لم يكن له عزله(١). وأما الحنفية فيرى محمد بن الحسن أنه لو شرط الواقف أن تكون الولاية له ولأولا ده في تولية القوام وعزلهم، والاستبدال بالوقف وفي كل ما هو من جنس الولاية، وسلم الوقف إلى المتولي جاز ذلك، و کان له عزل من ولا ه. وإن لم بشرط لنفسه ولاية عزل المتولي فليس له عزله بعدما سلمها (أي الولاية) إلى المتولي لكونه قائماً مقام أهل الوقف(٢)، قال الصدر الشهيد : والفتوى على قول محمد(٣). قال ابن عابدين: وهو مبني على الاختلاف في اشتراط التسليم إلى المتولي، فإنه شرط عند محمد فلا تبقى للواقف ولاية إلا بالشرط (٤). أما عند أبي یوسف فإن الولا یة تثبت للواقف، سواء شرط ذلك أو لم يشرط، لأن التسليم إلى المتولي ليس شرطاً عنده، قال المرغيناني: وهو قول هلال أيضاً وهو ظاهر المذهب، وإذا ولى الواقف غيره کان و کیلاً عنه وله عزله، سواء شرط أن له عزله أو لم يشرط (٥). (١) كشاف القناع ٢٧٢/٤، وشرح منتهى الإرادات ٥٠٤/٢، ومطالب أولي النهى ٣٢٩/٤. (٢) الإسعاف ص٤٩. -(٣) البحر الرائق ٢٤٤/٥. (٤) حاشية ابن عابدين ٤١٢/٣. (٥) الإسعاف ص٤٩، والهداية وشروحها فتح القدير والعناية ٢٣٠/٦-٢٣١. -٢١٨- وقف ١١٥- ١١٦ قال الرملي: وهذا صريح في أنه يصح عزله بجنحة وبغير جنحة، لأنه وكيل وللموكل عزل الوكيل مطلقاً (١). قال في الدر: والفتوى على قول أبي يوسف. وفي البحر: ومشايخ بلخ يفتون بقول أبي یوسف(٢). وعند المالكية لا يجوز أن يشترط الواقف النظر لنفسه، وإنما يتبع شرطه في تعيين الناظر، فإن شرط أن یکون فلان ناظر وقفه اتبع شرطه ولا يجوز العدول عنه لغيره، قال البدر القرافي: وللواقف عزله ولو لغير جنحة(٣) وكذا نص ابن عرفة قال: لو قدم المحبس من رأى لذلك أهلاً فله عَزْلُهُ واستبداله، وقال الحطاب بعد أن ذكر · بعض النوازل وأقوال العلماء فيها : يؤخذ من هذا أن من حبس شيئاً وجعله على يد غيره ثم أراد عزله ليس له ذلك إلا بموجب يظهر، كالقاضي إذا قدم أحداً(٤). ثانياً: حق القاضي في العزل: ١١٥- للقاضي حق الولاية العامة، ولذلك : (١) منحة الخالق لابن عابدين بهامش البحر الرائق ٢٤٤/٥. (٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٣١٢/٣، والبحر الرائق ٢٤٤/٥. (٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٨٨/٤. (٤) مواهب الجليل ٣٩/٦. يثبت له حق عزل الناظر المشروط له النظر من قبل الواقف الذي تثبت خيانته(١). أو الذي لم يتوافر فيه شرط من الشروط التي يجب توفرها في الناظر على ما سبق بيانه من تفصيل، ولا يجوز له عزله بلا سبب(٢). أما إذا كان القاضي هو الذي أسند إليه النظارة فقد اختلف الفقهاء في حكم عزله: فذهب المالكية والشافعية وبعض فقهاء الحنفية إلى أنه لا يجوز عزل من ولاه القاضي إلا بسبب من خيانة أو غيرها. وعند الحنابلة وبعض فقهاء الحنفية أنه يجوز عزل الناظر بلا خيانة(٣). ح- تعدد نظار الوقف: ١١٦ - يجوز أن يكون للوقف ناظر واحد أو أكثر كما نص على ذلك الفقهاء (٤). (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٨٤/٣-٣٨٥، ومواهب الجليل ٣٧/٦، وحاشية الدسوقي ٨٨/٤، ومغني المحتاج ٣٩٣/٢. (٢) حاشية ابن عابدين ٣٨٦/٣، والبحر الرائق ٢٤٥/٥، ٢٥٢-٢٥٤، والدسوقي ٨٨/٤، ونهاية المحتاج ٣٩٩/٥. (٣) الخطاب ٤٠/٦، والدسوقي ٨٨/٤، وكشاف القناع ٢٧٢/٤، ومطالب أولي النهى ٤/ ٣٣٠، وحاشية ابن عابدين ٣٨٦/٣، ٤١٩، والبحر الرائق ٢٥٤/٥، ونهاية المحتاج ٣٩٩/٥. (٤) حاشية ابن عابدين ٤٠٩/٣، ومغني المحتاج. ٣٩٤/٢، وكشاف القناع ٢٧٢/٤، والعدوي على الخرشي ١٩٣/٨، وعقد الجواهر الثمينة ٤٣٠/٣. -٢١٩- وقف ١١٦ لكنهم اختلفوا فيما لو أسند الواقف النظر لاثنين، هل يصح أن ينفرد أحدهما بالتصرف دون الآخر؟ فعند الشافعية والحنابلة وأبي حنيفة لو أسند الواقف النظر لاثنين فلا يصح تصرف أحدهما مستقلاً عن الآخر، لأن الواقف لم يرض برأي أحدهما، لكن إذا شرط الواقف النظر لكل واحد منهما صح تصرف كل منهما منفرداً(١). ولو جعل الواقف عمارة الوقف لواحد وجعل تحصيل ريعه للآخر صح، ولكل منهما ما شرطه له الواقف لوجوب الرجوع إلى شرطه (٢). ونص الشافعية على أن الواقف لو شرط أن یکون الناظر هو الأرشد من أولاده فالأرشد، فأثبت کل منهم أنه الأرشد، فإنهم يشتركون في النظر إن وجدت الأهلية فيهم، ولا يستقل أحد منهم بالتصرف، لأن الأرشدية قد سقطت بتعارض البينات وبقي أصل الرشد، وإن وجدت الأرشدية في بعض منهم اختص بالنظر(٣). وعند أبي يوسف من الحنفية: يجوز أن ينفرد (١) الإسعاف ص ٥٠، ومغني المحتاج ٣٩٤/٢، وکشاف القناع ٤ / ٢٧٢. (٢) شرح منتهى الإرادات ٥٠٥/٢. (٣) مغني المحتاج ٣٩٤/٢، ونهاية المحتاج ٣٩٨/٥- ٣٩٩. كل من الناظرين بالتصرف منفرداً، جاء في الإسعاف: لو جعل الواقف ولاية الوقف إلى رجلين فإنه يجوز انفرادهما بالتصرف عنده(١). وقال الحنفية: لو جعل النظر لرجل، ثم جعل رجلاً آخر وصياً كانا ناظرين، ويكون الوصي شريكاً للمتولي في أمر الوقف، إلا أن يخصص بأن يقول: وقفت أرضي على كذا وجعلت ولايتها لفلان، وجعلت فلاناً وصيي في تركاتي وجميع أموري، فحينئذ ينفرد كل منهما بما فوض إليه، نقل ابن عابدين ذلك عن الإسعاف ثم قال: ولعل وجهه أن تخصیص كل منهما بشيء في مجلس واحد قرينة على عدم المشاركة، ثم قال ابن عابدين: لكن في أنفع الوسائل عن الذخيرة: لو أوصى الرجل في الوقف وأوصى إلى آخر في ولدہ کانا وصيين فيهما جميعاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف(٢). وقالوا : لو وجد کتابان لوقف واحد في کل كتاب اسم متول وتاريخ الثاني متأخر فإنهما يشتركان(٣). ولو جعل الواقف الولاية لأفضل أولاده وكانوا في الفضل سواء فلا يشتركون في (١) الإسعاف ص ٥٠. (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٠٩/٣، ٤١٠، والإسعاف ص٥١. (٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣/ ٤١٠. -٢٢٠-