النص المفهرس

صفحات 121-140

وقف ١٧
التسليم إلى المتولي، لأن نزولهم يكون في السنة
مرة فیحتاج إلی من یقوم بمصالحه وإلی من یصب
الماء فيها (١).
الرجوع في الوقف:
١٧ - ذهب الفقهاء إلى أن الوقف متى أصبح
لازماً فلا يجوز الرجوع فیه، فلا یباع ولا یرهن
ولا یوهب ولا يورث .
ولكن الفقهاء اختلفوا فيما لو شرط حين
الوقف أن له الرجوع فيه، أو شرط أن له الخيار،
فذهب الحنابلة والشافعية في الصحيح إلى أنه لا
يصح الشرط ولا الوقف، فیکون الوقف باطلاً ،
وفي احتمال عند الحنابلة والشافعية ذكره ابن
سريج أنه يصح الوقف ويبطل الشرط.
قال النووي: لو وقف بشرط الخيار، أو قال:
وقفت بشرط أني أبيعه أو أرجع فيه متى شئت
فباطل، واحتجوا له بأنه إزالة ملك إلى الله 38
کالعتق، أو إلى الموقوف عليه كالبيع والهبة،
وعلى التقديرين فهذا شرط مفسد، لكن في
فتاوى القفال: أن العتق لا يفسد بهذا الشرط،
وفرق بينهما بأن العتق مبني على الغلبة
والسراية .
وقال ابن قدامة: إن شرط الواقف أن يبيع
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٦٤/٣.
الموقوف متی شاء أو یھبه أو یرجع فيه لم يصح
الشرط ولا الوقف، لأنه ينافي مقتضى الوقف
ويحتمل أن يفسد الشرط ويصح الوقف بناء على
الشروط الفاسدة في البيع، وإن شرط الخيار في
الوقف فسد، نص عليه أحمد لأنه شرط ينافي
مقتضى العقد فلم يصح، ولأنه إزالة ملك لله
تعالى فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالعقد (١).
واختلف فقهاء الحنفية فيما لو شرط الواقف
الخيار لنفسه حين الوقف : فإن كانت مدة الخیار
معلومة كأن قال: وقفت داري هذه على كذا على
أني بالخيار ثلاثة أيام فعند أبي يوسف يجوز
الوقف والشرط، لأنه لا يشترط تمام القبض
عنده فيجوز شرط الخيار.
وقال محمد: الوقف باطل لأنه يشترط عنده
تمام القبض لينقطع حق الواقف، وباشتراط
الخيار يفوت هذا الشرط، واختار هلال قول
محمد.
وفي رواية أخرى عن أبي يوسف أن الوقف
جائز والشرط باطل، وهو قول يوسف بن خالد
السمتي، لأن الوقف كالإعتاق في أنه إزالة
الملك لا إلى مالك، ولو أعتق على أنه بالخيار
عتق وبطل الشرط فكذا يجب هذا.
(١) الروضة ٣٢٨/٥، ٣٢٩، ومغني المحتاج ٣٨٥/٢،
والمغني ٦٠٦/٥، والإنصاف ٢٥/٧.
-١٢١-

وقف ١٨
وإن كانت مدة الخيار مجهولة بأن وقف على
أنه بالخيار دون تحديد مدة الخيار فالوقف
والشرط باطلان بالاتفاق، هكذا ذكر
الكمال بن الهمام في فتح القدير، لكن
الطرابلسي ذكر في الإسعاف أن يوسف بن
خالد السمتي قال: الوقف جائز والشرط
باطل على كل حال(١).
ولو قال الواقف حين الوقف: على أن لي
إبطاله أو بيعه أو رهنه، أو على أن لفلان أو
لورثتي أن يبطلوه أو یبیعوه وما أشبه ذلك، کان
الوقف باطلاً على قول الخصاف وهلال، وجائزاً
على قول يوسف بن خالد السمتي لإبطاله الشرط
بإلحاقه إياه بالعتق(٢).
وما مر من الخلاف عند الحنفية في شرط
الخيار أو البيع أو الهبة وما أشبه ذلك حين
الوقف إنما هو في غير وقف المسجد، أما في
وقف المسجد لو اشترط أنه بالخيار أو اشترط
إبطاله أو بيعه صح الوقف وبطل الشرط
باتفاق(٣).
وعند المالكية قال الدسوقي: يلزم الوقف
ولو لم يحز، فإذا أراد الواقف الرجوع في الوقف
(١) فتح القدير ٢٢٩/٦، ٢٣٠، والدر المختار وحاشية
ابن عابدين ٣٦٠/٣، والإسعاف ص٢٨.
(٢) الإسعاف ص٢٩، والدر المختار وحاشية ابن عابدين.
٣٦٠/٣.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣٦٠، والإسعاف ص٢٨.
لا يُمكّن من ذلك، وإذا لم يحز عنه أجبر على
إخراجه من تحت يده للموقوف عليه، ثم قال:
واعلم أنه يلزم ولو قال الواقف: ولي الخیار کما
قال ابن الحاجب، وبحث فيه ابن عبد السلام بأنه
ينبغي أن یونی له بشرطه، کما قالوا : أنه یونی له
بشرطه إذا شرط أنه إن تسور علیه قاض رجع له،
وأن من احتاج من المحبس عليهم باع(١).
وقال الدردير: إذا شرط الواقف لنفسه
الرجوع أو البيع إن احتاج له فله ذلك(٢).
شروط الصيغة :
الشرط الأول: التنجيز:
١٨ - اختلف الفقهاء في اشتراط التنجيز في
الصيغة، فذهب جمهور الفقهاء: الحنفية
والشافعية والحنابلة في المذهب إلى أنه
يشترط أن تكون صيغة الوقف منجزة، فلا
يجوز أن تكون معلقة على شرط في الحياة
غير كائن، فإذا قال الواقف: إذا قدم زيد
فقد وقفت كذا على كذا لا يصح الوقف،
وذلك لأنه عقد يقتضي نقل الملك في
الحال لم يبن على التغليب والسراية فلم
يجز تعليقه على شرط كالبيع والهبة، لكن
يجوز تعليقه بكائن موجود في الحال، أي
(١) حاشية الدسوقي ٧٥/٤، وجواهر الإكليل ٢٠٨/٢.
(٢) الشرح الكبير ٤/ ٨٢.
-١٢٢-

وقف ١٩
بأمر متحقق الوجود، وعند الحنفية قال ابن
عابدين: لو قال: إن كانت هذه الأرض ملكي
فهي صدقة موقوفة، فإن كانت في ملكه وقت
التكلم صح الوقف وإلا فلا، لأن التعليق
بالشرط الكائن تنجيز.
لکن یستثنى عند الجمهور الوقف المعلق على
الموت، كما إذا قال: إن مت فأرضي هذه موقوفة
على الفقراء، فإن الوقف يصح لأنه تبرع مشروط
بالموت، ويعتبر وصية بالوقف، وعندئذ يجري
عليه حكم الوصية في اعتباره من الثلث كسائر
الوصايا، والدليل على صحة تعليق الوقف
بالموت واعتباره وصية أن عمر ﴾ وصى
فكان في وصيته: ((هذا ما أوصى به عبدُ
الله عمرُ أمير المؤمنين إن حدث به حدث
الموت أن ثَمْغاً صدقة (١))، ووقفه هذا كان
بأمر النبي * واشتهر في الصحابة ولم ينكر،
فكان إجماعاً (٢).
ويرى المالكية والحنابلة في قول أن صيغة
الوقف تقبل التعليق، وأن التنجيز ليس شرطاً
(١) ثمغ بالفتح مال بالمدينة لعمر وقفه (القاموس
المحيط)، وأثر عمر في ذكر وصيته أخرجه أبو
داود (٢٩٩/٣ -٣٠٠) وصحح إسناده ابن حجر في
التلخيص (١٦٢/٣ - ط العلمية).
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٦٠/٣، ٣٦٢،
والإسعاف ص٣٥، ومغني المحتاج ٣٨٥/٢،
والمهذب ٤٤٨/١، وشرح منتهى الإرادات
٤٩٦/٢، وكشاف القناع ٤/ ٢٥٠-٢٥١، والإنصاف
٢٣/٧.
لصحة الوقف، فلو قال الواقف: إن قدم زيد
فداري هذه وقف على كذا صح الوقف ويلزم إن
قدم زيد (١).
الشرط الثاني: التأبيد:
١٩ - اختلف الفقهاء في اشتراط تأبيد الوقف
على رأيين :
الرأي الأول: ذهب الحنفية والشافعية
والحنابلة في المذهب إلى أنه يشترط
التأبيد لصحة الوقف، لأن الوقف إزالة
الملك لا إلى أحد فلا يحتمل التوقيت
كالإعتاق وجعل الدار مسجداً.
إلا أنهم اختلفوا في اشتراط ذكر التأبيد لفظاً.
فذهب الحنفية في الصحيح - وهو قول أبي
يوسف- والشافعية والحنابلة إلى أن ذكر التأبيد
ليس بشرط، فيصح الوقف سواء ذكر التأبيد
لفظاً، أو معنى كأن وقفه على جهة لا تنقطع
کالفقراء والمساکین، لأن الوقف ثبت عن رسول
الله وعن الصحابة، ولم يثبت عنهم هذا
الشرط ذكراً وتسمية، ولأن قصد الواقف أن
يكون آخره للفقراء وإن لم يسمهم هو الظاهر من
حاله فكان تسمية هذا الشرط ثابتاً دلالة،
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤/ ٨٧، وشرح
الخرشي على مختصر خليل ٩١/٧، والإنصاف
٢٣/٧.
-١٢٣-

وقف ٢٠
والثابت دلالة كالثابت نصاً.
وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه يشترط لصحة
الوقف أن ينص على التأبيد.
ثم اختلف هؤلاء الفقهاء في صحة وقف وَقَّتَهُ
الواقف بشهر أو سنة مثلاً ولم يزد على ذلك.
فذهب الحنفية والحنابلة في قول إلى أن
الوقف ينعقد مؤبداً ويلغو التوقيت.
وذهب الشافعية والحنابلة في المذهب إلى أن
الوقف لا يصح.
الرأي الثاني: ذهب المالكية والحنابلة في
وجه إلى أنه لا يشترط التأبيد لصحة الوقف فيصح
الوقف مدة معينة(١).
الركن الثاني: الواقف:
ما يشترط في الواقف:
الشرط الأول: كون الواقف أهلاً للتبرع:
٢٠ - الوقف من التبرعات، ولذلك يشترط في
(١) الفتاوى الهندية ٣٥٦/٢، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٢٠،
وحاشية ابن عابدين ٣٦٥/٣-٣٦٧، ومغني المحتاج
٣٨٢/٢-٣٨٣، وتحفة المحتاج ٢٥٢/٦-٢٥٣،
وشرح منتهى الإرادات ٤٩٧/٢، والكافي لابن
قدامة ٤٤٩/٢ -٤٥٠، والإنصاف ٣٥/٧، والفروع
٥٨٨/٤، ومعونة أولي النهى ٧٨٣/٥، وحاشية
الدسوقي ٨٧/٤، والخرشي ٩١/٧، وجواهر
الإکلیل ٢٠٨/٢.
الواقف أن يكون أهلاً للتبرع(١).
وتتحقق أهلية التبرع بما يأتي:
أ- أن يكون الواقف مكلفاً، أي أن يكون
عاقلاً بالغا فلا يصح الوقف من الصبي
والمجنون لأن الوقف من التصرفات التي
تزيل الملك بغير عوض، والصبي
والمجنون ليسا من أهل هذه التصرفات(٢).
ب- أن يكون حراً، فلا يصح الوقف من
العبد، لأن الوقف إزالة ملك، والعبد لیس من
أهل الملك(٣).
ج- أن يكون مختاراً، فلا يصح وقف
المکره(٤).
د- ألا يكون محجوراً علیه لسفه أو فلس، لأن
الوقف تبرع، والمحجور عليه ليس من أهل
التبرع، وهذا باتفاق في الجملة، ونقل ابن
عابدين عن الفتح: أن المحجور عليه لسفه إذا
وقف على نفسه ثم على جهة لا تنقطع، ينبغي أن
(١) البدائع ٢١٩/٦، وحاشية ابن عابدين ٣٥٩/٣،
وحاشية الدسوقي ٧٧/٤، ومغني المحتاج ٣٧٧/٢،
وكشاف القناع ٢٥١/٤.
(٢) البدائع ٢١٩/٦، والشرح الصغير ٢٩٨/٢، ونهاية
المحتاج ٣٥٦/٥، وكشاف القناع ٤/ ٢٤٠.
(٣) البدائع ٢١٩/٦، والشرح الصغير ٢٩٨/٢، ومغني
المحتاج ٣٧٧/٢، وكشاف القناع ٤/ ٢٤٠، وشرح
منتهى الإرادات ٢/ ٤٩٠.
(٤) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٧٧/٤، ومغني
المحتاج ٣٧٧/٢.
-١٢٤-

وقف ٢٠
يصح على قول أبي يوسف وهو الصحيح عند
المحققین، وعند الکل إذا حكم به حاكم.
ونص الشافعية في مقابل الأظهر على أن وقف
المفلس بعد الحجر عليه صحيح إذا كان
الموقوف فاضلاً عن الدين(١).
أما وقف المدين قبل الحجر عليه، فقد
اختلف الفقهاء في صحة وقفه:
فذهب الحنفية على ما جاء في الدر المختار
إلى أن المدین الذي لم يججر علیه یصح وقفه ولو
کان الدین محيطاً بماله إذا کان في حال الصحة،
قال ابن عابدين: ولو قصد به المماطلة لأنه
صادف ملكه كما في أنفع الوسائل عن الذخيرة،
قال في الفتح: وهو لازم لا ینقضه أرباب الدیون
إذا كان قبل الحجر بالاتفاق، لأنه لم يتعلق
حقهم بالعين في حال صحته، وبه أفتى في
الخيرية، وذكر أنه أفتى به ابن نجيم.
وفي الدر المختار: المدين الذي لم يحجر
علیه لو وقف على نفسه وشرط وفاء دينه من غلته
صح، وإن لم يشرط يوفى من الفاضل عن كفايته
بلا سرف، قال ابن عابدين: أي إذا فضل من غلة
الوقف شيء عن قوته فللغرماء أن يأخذوا منه،
لأن الغلة بقيت على ملكه، ولو وقف على غيره
:
(١) حاشية ابن عابدين ٣٥٩/٣، والشرح الصغير
٢٩٨/٢، ومغني المحتاج ١٤٨/٢، والمغني
٤٨٦/٤.
فغلته لمن جعل له خاصة.
وذهب بعض الحنفية إلى عدم صحة وقف
المدين، فقد نقل صاحب الدر المختار عن
معروضات المفتي أبي السعود أنه سئل عمن
وقف على أولاده وهرب من الديون هل يصح؟
فأجاب: لا يصح ولا يلزم، والقضاة ممنوعون
من الحكم وتسجيل الوقف بمقدار ما شغل
بالدین(١).
ويفرق المالكية بين أن يكون الوقف بعد
الدین أو قبله، وبین حوز الموقوف و عدمه، فإن
كان الدين سابقاً على الوقف فإن الوقف يكون
باطلاً، ويباع للدين تقديماً للواجب على التبرع.
وإن كان الوقف سابقاً على الدين فإن كان
الموقوف عليه قد حاز الموقوف قبل حصول
الدين كان الوقف صحيحاً وتعلق الدين بذمة
الواقف، وإن كان الموقوف عليه لم يحز الوقف
حتی حصل الدین فللغريم إبطال الوقف أي عدم
إتمامه وأخذه في دينه، وله إمضاؤه، فهو مخیر
لأن الحق له.
وإن جهل سبق أحدهما، أي جهل سبق الوقف
على الدين أو سبق الدين على الوقف، فإن كان
الموقوف قد خرج من تحت يد الواقف وحازه
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٩٥/٣، وفتح
القدير ٢٠٨/٦.
-١٢٥-

..
وقف ٢١
الموقوف علیه کان الوقف باطلاً يباع للدين، وإن
وقف شخص على محجوره وحصل الدين بعد
الوقف وحازه الأب لمحجوره قبل حصول
الدين- أي استمر الموقوف تحت يد
الواقف - فإن الوقف يكون صحيحاً لكن
بشروط أربعة: وهي أن يشهد الواقف على
الوقف، وأن يصرف الغلة للموقوف عليه،
وأن لا يكون الموقوف داراً يسكنها
الواقف، وأن لا يكون ما وقفه الواقف
على محجوره مشاعاً ولم يعين له حصة فيه.
فإن لم تتحقق هذه الشروط أو أحدما كان
الوقف باطلاً.
أما إن وقف على محجوره، وجهل سبق الدین
على الوقف أو سبق الوقف على الدين، وتحققت
الشروط من الإشهاد وصرف الغلة للموقوف عليه
وكون الموقوف غير دار سكناه، فإن الوقف
یکون باطلاً إذا حاز الأب لمحجوره ويباع للدین
تقديماً للواجب على التبرع لضعف الحوز، أما
لو حازه للمحجور عليه أجنبي بإذن الأب في
صحته فإن الوقف يكون صحيحاً (١).
وعند الشافعية والحنابلة یصح وقف المدین
الذي لم يحجر عليه، قال ابن قدامة: ما فعله
المفلس قبل حجر الحاکم علیه فهو جائز نافذ،
(١) حاشية الدسوقي ٤/ ٨٠-٨٢.
لأنه رشيد غير محجور عليه فنفذ تصرفه
کغيره(١).
وقال البهوتي : تصرف المفلس في ماله قبل
الحجر علیه صحیح نصاً ولو استغرق دينه جميع
ماله، لأنه رشید غیر محجور عليه، ولأن سبب
المنع الحجر فلا يتقدم سببه، ويحرم إن أضر
بغريمه، ذكره الآمدي البغدادي(٢).
وقف المريض مرض الموت:
٢١- الوقف في مرض الموت يخرج مخرج
:
الوصية في حق نفوذه من الثلث، وهو إما أن
يكون على غير وارث، وإما أن يكون على
وارث .
فإن كان على غير وارث: كأن يقف على
الفقراء، فإن كان ما وقفه لا يزيد على ثلث التركة
صار الوقف لازماً، ويعتبر في حكم الوصية في
اعتباره من ثلث المال، لأنه تبرع في مرض
الموت، وإذا خرج من الثلث جاز من غير رضا
الورثة، وإذا كان الموقوف أكثر من ثلث مال
الواقف توقف لزومه على إجازة الورثة، فإن
أجازوه نفذ الوقف، وإن لم يجزه الورثة نفذ في
الثلث فقط وبطل فيما زاد على الثلث، لأن حق
(١) المغني ٤٨٥/٤-٤٨٦، ومغني المحتاج ١٤٧/٢-
١٤٨.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٧٨/٢.
-١٢٦-

وقف ٢١
الورثة تعلق بالمال بوجود المرض فمنع التبرع
بزيادة على الثلث، وهذا ما ذهب إليه الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة(١).
وإن كان الوقف على الورثة: فإن كان على
بعضهم، وكان الموقوف ثلث التركة فأقل صح
الوقف، سواء أجاز بقية الورثة أو لم يجيزوا،
وإن كان الموقوف أكثر من ثلث التركة توقف
الزائد عن الثلث على إجازة بقية الورثة، وجاز
وقف جميع الترکة على جميع الورثة، ومن ردّ
منهم اعتبر وارثاً بمقدار نصيبه فرضاً، وهذا ما
ذهب إليه الحنفية والحنابلة(٢)، ولهم بعد ذلك
تفصيل في قسمة الغلة، بيانه كالآتي:
قال الحنفية: امرأة وقفت منزلاً في مرضها
على بناتها ثم من بعدهن على أولا دهن وأولاد
أولا دهن أبداً ما تناسلوا، فإذا انقرضوا فللفقراء
ثم ماتت من مرضها وخلفت بنتين وأختا لأب،
والأخت لا ترضى بما صنعت ولا مال لها سوى
المنزل جاز الوقف في الثلث ولم يجز في
الثلثين، فيقسم الثلثان بين الورثة على قدر
سهامهم ويكون الثلث وقفاً وما خرج من
غلته يقسم بين الورثة كلهم على قدر
(١) البحر الرائق ٢١١/٥، والإسعاف ص ٣٥، والشرح
الكبير مع حاشية الدسوقي ٧٨/٤، ٨٢، ٩١،
والمغني ٦٢٧/٥، ومغني المحتاج ٣٧٧/٢ و٣/
٤٧، ٥٠، وشرح منتهى الإرادات ٥٢٥/٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٦٣/٣، ٣٩٤، والبحر الرائق
٢١٠/٥، وشرح منتهى الإرادات ٥٢٥/٢.
سهامهم مدة حياة البنتين، فإذا ماتتا
صرفت الغلة إلى أولادهما وأولاد أولادهما
كما شرطت الواقفة لا حق للورثة في ذلك(١).
قال ابن نجيم: والحاصل أن المريض إذا
وقف على بعض ورثته، ثم من بعدهم على
أولادهم ثم على الفقراء، فإن أجاز الوارث
الآخر كان الكل وقفاً واتبع الشرط وإلا (أي وإن
لم يجز الوارث الآخر) كان الثلثان ملكاً بين
الورثة والثلث وقفاً مع أن الوصية للبعض لا تنفذ
في شيء، لأنه لم يتمحض للوارث لأنه بعده
لغيره فاعتبر الغير بالنظر إلى الثلث، واعتبر
الوارث بالنظر إلى غلة الثلث الذي صار وقفاً فلا
يتبع الشرط ما دام الوارث حياً، وإنما تقسم غلة
هذا الثلث بين الورثة على فرائض الله تعالى، فإذا
انقرض الوارث الموقوف عليه اعتبر شرطه في
غلة الثلث (٢).
ولو وقف رجل في مرضه داراً له على ثلاث
بنات له وليس له وارث غيرهن، فالثلث من الدار
وقف، والثلثان مطلق يصنعن بهما ما شئن، قال
الفقيه أبو الليث: هذا إذا لم يجزن، أما إذا أجزن
صار الكل وقفاً عليهم (٣).
وقال الحنابلة: لو وقف داراً لا يملك غيرها
على ابنه وبنته بالسوية فردًا، فثلثها وقف بينهما
(١) حاشية ابن عابدين ٣٦٢/٣، والبحر الرائق ٢١٠/٥.
(٢) البحر الرائق ٥/ ٢١٠، وحاشية ابن عابدين ٣٦٣/٣.
(٣) البحر الرائق ٢١٠/٥.
-١٢٧-

٠٠
وقت ٢١
بالسوية ولا يحتاج لإجازة، وثلثاها ميراث،
وإن رد الابن وحده فله ثلثا الثلثين إرثاً، وللبنت
ثلثهما وقفاً، وإن ردت البنت وحدها فلها ثلث
· الثلثين إرثاً وللابن نصفهما وقفاً وسدسهما إرثاً
لرد الموقوف عليه(١).
ولو وصى بوقف ثلثه على بعض الورثة صح
مطلقاً، سواء أجاز ذلك باقي الورثة أو ردوه في
الصحة أو في المرض نصاً، لأنه لا يباع ولا
يورث ولا يملك ملكاً تاماً لتعلق حق من يأتي من
البطون به، وكذا لو وقف زائداً على الثلث فإنه
ينفذ إن أجاز بقية الورثة، فإن لم یجیزوا لم ينفذ
الزائد على الثلث ولو كان الوارث واحداً
والوقف عليه بزائد على الثلث، لأنه يملك
رده إذا كان على غيره، فكذا إذا كان على
نفسه (٢).
وذهب المالكية إلى أن من وقف على وارثه
بمرض موته بطل ولو حمله الثلث ولو حازه
الموقوف علیه، لأنه كالوصية ولا وصية لوارث
إلا أن يجيزه له بقية الورثة، فإن أجازوه لم يبطل
(٣)
لأنه ابتداءُ وقف منهم
واستثنى المالكية من أصلهم في عدم جواز
الوقف على الوارث مسألة تعرف بمسألة ولد
(١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٥٢٥.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٥٤١/٢.
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٨٢/٤.
الأعيان، وهو أن يقف في مرض موته على أولا ده
الصلبه وأولاد أولاده وعقبهم، فإن هذا الوقف
يصح، ولكن ما يخص الوارث يعتبر كالميراث
في القسمة: للذكر مثل حظ الأنثيين لا ميراث
حقيقي، فلا يتصرفون فيه تصرف الملك من بيع
وهبة ونحو ذلك، لأنه بأیدیھم وقف لا ملك، فلو
كان له في هذا المثال: ثلاثة أولاد لصلبه،
وأربعة أولاد أولاد، وترك مع ذلك أماً وزوجة
ولم يذكرهم في الوقف، فيقسم الوقف سبعة
أسهم، لأن الوقف على أولاده الثلاثة وأولاد
أولاده الأربعة: يخص أولاده الثلاثة ثلاثة أسهم
ويشاركهم فيها الأم والزوجة وغيرهما ممن
يرث، فيكون للأم السدس وللزوجة الثمن وهذا
من نصيب أولاده الثلاثة، ويكون الباقي لهم، ثم
يكون لأولاد الأولاد أربعة أسهم يقسم بينهم
حسب شرط الواقف من تفاضل وتسوية، وما
خص أولا ده الثلاثة يكون بينهم كالميراث للذكر
مثل حظ الأنثيين ولو شرط الواقف خلاف ذلك،
ویدخل معهم في نصیبھم من له سهم من الورثة،
ولكونه وقفاً معقباً لم يبطل ما ناب الأولاد لتعلق
حق غيرهم به، ولكونهم لا يصح الوقف عليهم
في المرض شاركهم غيرهم من الورثة.
ولو وقف على جميع الورثة وعلى أولاد
أولاده وعقبهم، فإن الوقف يقسم على رءوس
الجميع ابتداء، ثم يقسم ما ناب الورثة على
فرائض الله تعالى، وما ناب أولاد الأولاد يقسم
على حسب شرط الواقف.
-١٢٨-

وقف ٢٢-٢٤
ولو لم یذکر الواقف عقباً کان قال: وقف على
أولادي وأولاد أولادي بطل الوقف على الأولاد
وصح على أولاد الأولاد فالتعقيب شرط في هذه
المسألة، فتقسم ذات الوقف بين الأولاد وأولاد
الأولاد، فما ناب الأولاد تكون ذاته إرثاً وما
ناب أولاد الأولاد يكون وقفاً (١).
وقف المريض المدين :
٢٢ - ذهب الفقهاء إلى أنه لو وقف المريض
مرض الموت المدين بدين محيط بماله نقض
الوقف وبيع في دينه، وقد نقل ابن عابدين عن
الفواكه البدرية أن الدين المحيط بالتركة مانع من
نفوذ الوقف في مرض الموت إلا بإجازة
الدائنين، أما إذا كان الدين غير محيط
بماله فإن الوقف يجوز في ثلث ما بقي بعد
وفاءالدین لو کان ورثة ولم یجیزوا، فإن لم یکن
له ورثة أو كان له ورثة وأجازوا جاز الوقف في
كل ما بقي بعد وفاء الدين.
وقال ابن تیمیة: من وقف وقفاً مستقلاً ثم ظهر
علیه دین ولم یمکن وفاء الدين إلا ببيع شيء من
الوقف وهو في مرض الموت بيع باتفاق
العلماء (٢).
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٨٢/٤، ٨٣.
(٢) الدر المختارَ وحاشية ابن عابدين عليه ٣٩٥/٣،
والإسعاف ص٣، والاختيارات الفقهية لابن تيمية
ص١٧٩، ومغني المحتاج ١٤٨/٢، تحفة المحتاج
٢٣٦/٦، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه
٤/ ٨١-٨٢.
وقف الذمي:
٢٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا يشترط أن يكون
الواقف مسلماً، فإن الوقف يصح من الذمي،
لأن الوقف لیس موضوعاً للتعبد به بحیث لا يصح
من الكافر أصلاً بل التقرب به موقوف على نية
القربة، فهو بدونها مباح حتى يصح من الكافر
(١)
كالعتق، وهذا باتفاق
إلا أن الفقهاء اختلفوا فیما یصح وقفه وما لا
يصح وقفه من الذمي، وسيأتي بيان ذلك عند
الكلام عن الموقوف.
وقف المرتد:
٢٤- اختلف الفقهاء فيما إذا وقف المرتد
حال ردته.
فذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد لو وقف حال
ردته فإن وقفه يكون موقوفاً، فإن عاد وأسلم كان
وقفه صحيحاً، وإلا بأن مات أو قتل على ردته
كان وقفه باطلاً، وهذا ما يؤخذ من عبارات
الحنابلة عدا أبي بكر حيث قالوا: لا يحكم
بزوال ملك المرتد لمجرد ردته.
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٥٨/٣، ٣٦٠،
٣٦١، ٣٩٦، وفتح القدير ٢٠٠/٦، ٢٠١، والشرح
الكبير مع حاشية الدسوقي ٧٨/٤، ومغني المحتاج
٣٧٦/٢-٣٧٧، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٩٢.
-١٢٩-

وقف ٢٥ -٢٦
وقال محمد بن الحسن من الحنفية: يجوز من
المرتد ما يجوز من القوم الذين انتقل إلى دينهم.
ويصح عند الحنفية وقف المرتدة لأنها لا
تقتل، إلا أن یکون علی حج أو عمرة ونحو ذلك
فلا يجوز.
وقال الشافعية وأبو بكر من الحنابلة: وقف
المرتد باطل.
أما إذا کان الوقف قد صدر من المسلم ثم ارتد
فإن وقفه یکون باطلاً عند الحنفية حتى ولو عاد
إلى الإسلام، واستظهر الشيخ عليش من
المالكية أن وقفه صحيح ولا يبطل (١).
الشرط الثاني: كون الواقف مالكاً
للموقوف :
يشترط أن يكون الواقف ما لكاً للموقوف وقت
الوقف ملكاً باتاً وهذا باتفاق، ويتفرع على ذلك
بيان الحكم في وقف الفضولي ووقف الحاكم
وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: وقف الفضولي:
٢٥- اختلف الفقهاء في صحة وقف
الفضولي :
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٦٠/٣، ٣٩٦،
وحاشية الدسوقي ٣٠٧/٤، ومنح الجليل ٤/ ٤٧٣،
ومغني المحتاج ٣٨٥/٢، و١٤٣/٤، وأسنى
المطالب ١٢٣/٤، والمغني ١٢٩/٨.
فعند الحنفية وبعض المالكية وفي القديم عند
الشافعية وأحمد في رواية عنه أن وقف الفضولي
موقوف على إجازة المالك، فإن أجازه جاز،
لأن المالك إذا أجاز فعل الفضولي كان ذلك
الفعل في الحقيقة صادراً منه، وإن لم يجزه
المالك لم يجز.
وعند الحنابلة في المذهب والمالكية- في
المشهور - وفي الجديد عند الشافعية وقف
الفضولي غير صحيح ولو أجازه المالك،
لأنه ليس بمالك ولا ولي ولا وكيل(١).
وعلل المالكية هذا الحكم بخروج الموقوف
بغیر عوض بخلاف المبيع، فإن البيع صحيح،
لأنه يخرج بعوض. (ر: فضولي ف ١١).
ثانياً: وقف الحاكم:
٢٦- ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنه يجوز
للحاكم أن يقف من بيت المال على الخيرات
ومصالح المسلمين، إلا أن للفقهاء بعض القيود
والتفصيل، وبيان ذلك فيما يأتي:
قال الحنفية على ما جاء في الدر المختار
وحاشية ابن عابدين: ولو وقف السلطان من بيت
المال لمصلحة عمت كالوقف على المسجد فإنه
(١) البحر الرائق ٢٠٣/٥، وحاشية الدسوقي ٧٦/٤،
والخرشي ٧٩/٧، ومغني المحتاج ١٥/٢، وشرح
منتهى الإرادات ٤٣/٢، والفروع ٣٦/٤، ونيل
المآرب ١١/٢.
-١٣٠-

وقف ٢٧
یجوز، وإن کان علی معین وأولا ده فإنه لا يصح
حتى وإن جعل آخره للفقراء، لأن بيت المال هو
لمصالح المسلمين، فإذا أبده على مصرفه
الشرعي يثاب، لاسيما إذا كان يخاف عليه
أمراء الجور الذين يصرفونه في غير مصرفه
الشرعي، فيكون قد منع من يجيء منهم
ويتصرف ذلك التصرف (١).
وقال المالكية: ما يقفه السلاطين على
الخيرات مع عدم ملكهم لما حبسوه
صحيح، لأن السلطان وكيل عن المسلمين
فهو كوكيل الواقف فوقفه صحيح كما نقله
ابن عرفة عن سماع محمد بن خالد، لكن
تأوله القرافي في الفروق على ما إذا حبس
الملوك معتقدين فيه أنهم وكلاء الملاك،
فإن حبسوه معتقدين أنه ملكهم بطل
تحبيسهم، وبذلك أفتى العبدوسي ونقله ابن
(٢)
غازي (٢).
وصرح الشافعية بصحة وقف الإمام شيئاً من
بيت المال، وأفتى به أيضاً أبو سعيد بن عصرون
للسلطان نور الدين الشهيد متمسكاً بوقف عمر
رضي الله تعالی عنه سواد العراق، سواء كان ذلك
الوقف على معين أو على جهة عامة.
وقال النووي: لو رأى الإمام وقف أرض
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٩٣/٣.
(٢) حاشية الدسوقي ٧٦/٤، والفروق للقرافي ٣/ ٧.
الغنيمة كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه جاز إذا
استطاب قلوب الغانمین في النزول عنها بعوض
أو بغيره.
وتوقف السبكي في وقف الإمام من بيت
المال، سواء أكان على معين أم على جهة
عامة(١).
وأجاز الحنابلة أن يقف الإمام الأرض
المغنومة وأن يقف من بيت المال، قال
البهوتي: الأوقاف التي من بيت المال
وكأوقاف السلاطين فيجوز لمن له الأخذ
من بيت المال التناول منها وإن لم يباشر
المشروط(٢).
شروط الواقفين:
٢٧- الوقف قربة اختيارية يضعها الواقف
فيمن يشاء وبالطريقة التي يختارها، وله أن يضع
من الشروط عند إنشاء الوقف ما لا يخالف حكم
الشرع، والشروط التي يضعها الواقف يجب
الرجوع إليها، ولا يجوز مخالفتها إذا لم تخالف
الشرع أو تنافي مقتضى الوقف، إذ أن شرط
الواقف كنص الشرع كما يقول الفقهاء.
ففي حاشية ابن عابدين: شرائط الواقف
(١) مغني المحتاج ٢/ ٣٧٧، وأسنى المطالب ٤٥٧/٢.
(٢) شرح منتهى الإرادات ١١٨/٢، ١١٩، ٥١٣.
-١٣١-

وقف ٢٨-٢٩
معتبرة إذا لم تخالف الشرع وهو مالك، فله أن
يجعل ماله حيث شاء ما لم تكن معصية، وله أن
يخص صنفاً من الفقراء، ولو كان الوضع في
كلهم قربة (١)، وفي الشرح الكبير للدردير:
واتبع وجوباً شرط الواقف إن جاز شرعاً،
فإن کان غير جائز لم يتبع(٢).
ونص الشافعية على أن الأصل أن شرائط
الواقع مرعية ما لم يكن فيها ما ينافي الوقف(٣).
ونص الحنابلة على ما قاله الشيخ تقي الدين
ابن تيمية: الشروط إنما يلزم الوفاء بها إذا لم
تفض إلى الإخلال بالمقصود الشرعي، ولا
يجوز المحافظة على بعضها مع فوات
المقصود الشرعي(٤).
ويقسم ابن القيم شروط الواقفين إلى أربعة
أقسام: شروط محرمة في الشرع، وشروط
مكروهة الله 8 ورسوله محلية، وشروط
تتضمن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله،
وشروط تتضمن فعل ما هو أحب إلى الله
ورسوله، فالأقسام الثلاثة الأولى لا حرمة
لها ولا اعتبار، والقسم الرابقع هو الشرط
(١) حاشية ابن عابدين ٣٦١/٣، ٤١٦.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٨٨/٤.
(٣) مغني المحتاج ٣٨٦/٢.
(٤) كشاف القناع ٢٦٣/٤، والإنصاف ٥٦/٧، والفروع
٤/ ٦٠١.
المتبع الواجب الاعتبار (١).
٢٨- وقد اختلف الفقهاء في الشروط التي
تعتبر جائزة ويجب العمل بها، والشروط التي
تخالف الشرع أو تنافي مقتضى الوقف، وبتتبع ما
ذكره الفقهاء من الشروط يمكن تقسيمها إلى
ثلاثة أقسام.
أ- شروط باطلة ومبطلة للوقف مانعة من
انعقاده، لأنها تنافي لزوم الوقف.
ب- شروط باطلة إذا شرطها الواقف صح
الوقف وبطل الشرط.
ج- شروط صحيحة يصح الوقف والشرط
فيها، وهذه الشروط بأنواعها تختلف من مذهب
إلى مذهب.
فقد يكون الشرط باطلاً في مذهب صحيحاً في
مذهب آخر، بل أحياناً يختلف فقهاء المذهب
الواحد في المثال الواحد فيبطله بعضهم
ويصححه غيرهم.
وبيان ذلك فيما يلي:
٢٩- القسم الأول: شروط باطلة ومبطلة
للوقف مانعة من انعقاده، وهي الشروط
التي تنافي لزوم الوقف وتنافي مقتضاه.
ومن أمثلة هذا القسم عند بعض الفقهاء: أن
(١) إعلام الموقعين ٣/ ٩٧ ط مكتبة الكليات الأزهرية.
-١٣٢-

وقف ٣٠
يشترط الواقف عند إنشاء الوقف أن له الخيار أي
في إبقاء وقفه والرجوع فيه متى شاء، أو أن
يشترط أن له حق بيعه أو هبته أو رهنه.
ومن الشروط التي تفسد الوقف وتبطله عند
الشافعية في الأصح ومحمد بن الحنفية أن
يشترط الواقف قضاء دينه من الوقف أو
انتفاعه به، ويرى الحنابلة وأبو يوسف من
الحنفية وعليه الفتوى والشافعية في مقابل
الأصح أنه يجوز أن يشترط الواقف أن
ينفق من الوقف على نفسه(١).
ومن ذلك عند الحنابلة لو شرط الواقف أن لا
ينتفع الموقوف عليه بالوقف، أو شرط أن يخرج
من شاء من الموقوف عليهم ويدخل من شاء من
غير الموقوف عليهم لم يصح الوقف، لأنها
شروط تنافي مقتضى الوقف فأفسدته(٢).
٣٠- القسم الثاني: شروط باطلة إذا شرطها
الواقف صح الوقف وبطل الشرط. والأمثلة في
هذا القسم تختلف من مذهب إلى مذهب.
ومن ذلك ما ذكره الحنفية والمالكية من أن
واقف الکتب لو شرط في وقفه أن لا تعار الكتب
إلا برهن فالشرط باطل، لأن المعار أمانة عند
(١) نهاية المحتاج ٣٦٤/٥، ومغني المحتاج ٣٨٠/٢،
والمغني ٦٠٤/٥-٦٠٥، والدر المختار ٣٨٧/٣.
(٢) كشاف القناع ٢٦١/٤، والإنصاف ٧/ ٥٧.
المستعير وهو غير مضمون(١).
ومن أمثلة ذلك عند الحنفية:
أ- لو شرط الواقف أن يكون لمن يتولى من
أولاده إدارة الوقف العزل والنصب وسائر
التصرفات ولا يداخلهم أحد من القضاة
والأمراء وإن داخلوهم فعليهم لعنة الله،
فهذا شرط مخالف للشرع وفيه تفويت
المصلحة للموقوف عليهم وتعطيل الوقف
فلا يقبل، ولأن الشرائط المخالفة للشرع
لغو وباطل(٢).
ب- لو شرط الواقف أن لا يعزل القاضي أو
السلطان المتولي على الوقف فإنه يجوز للقاضي
عزله لو كان خائناً، لأنه شرط مخالف لحكم
الشرع فبطل(٣).
ج- لو شرط الواقف أن لا يكون للقاضي أو
السلطان كلام في الوقف فإنه شرط باطل
وللقاضي الكلام، لأن نظره أعلى، وهذا
(٤)
شرط لا فائدة فيه للوقف ولا مصلحة فلا يقبل
ومن أمثلة ذلك عند المالكية :
أ- لو شرط الواقف إصلاح الوقف على
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٦٧/٣،
والخطاب ٣٦/٦.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣٩٠.
(٣) البحر الرائق ٢٦٥/٥، وفتح القدير ٢٣٢/٦.
(٤) حاشية ابن عابدين ٣٨٨/٣، والبحر الرائق ٢٤١/٥.
-١٣٣-

وقف ٣١
مستحقه فيلغى الشرط والوقف صحيح ويصلح
من غلته، كأرض موظفة - أي عليها مغرم لحاكم
ظالم - وشرط واقفها أن التوظيف من غلتها(١).
ب- لو شرط الواقف عدم البدء بإصلاح
الموقوف إذا كان في حاجة إلى الإصلاح-
كالبناء الذي يحتاج إلى ترميم - فلا يتبع
شرطه، لأنه يؤدي إلى إبطال الوقف من
أصله، بل يبدأ بمرمته لتبقى عينه.
ج- لو كان الموقوف حيواناً يحتاج لنفقة
وشرط الواقف عدم البدء بالنفقة عليه فيبطل
شرطه وينفق عليه من غلته(٢).
وقال الحنابلة: الشروط إنما يلزم الوفاء بها
إذا لم تفض إلى الإخلال بالمقصود الشرعي ولا
تجوز المحافظة على بعضها مع قوات المقصود
الشرعي بها، وعلى ذلك فمن شرط في القربات
أن يقدم فيها الصنف المفضول فقد شرط خلاف
شرط الله، كشرطه في الإمامة تقديم غير
الأعلم (٣).
ولو صرح الواقف بأن للناظر فعل ما يهواه
مطلقاً أو ما يراه مطلقاً فشرط باطل على الصحيح
المشهور لمخالفته الشرع، وعلى الناظر بيان
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٨٩/٤.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٩٠.
(٣) كشاف القناع ٤/ ٢٦٣.
المصلحة أي التثبت والتحري فيعمل بما يظهر له
أنه مصلحة.
وإذا شرط الواقف في استحقاق ريع الوقف
العزوبة فالمتأهل أحق من المتعزب إذا استويا
في سائر الصفات(١).
٣١- القسم الثالث: شروط صحيحة يجب
اتباعها، لأن شرط الواقف إذا كان غير مخالف
للشرع، وليس فيه ضرر بالوقف ولا بالمستحقين
فإنه يجب اتباعه، ولأن الواقف مالك فله أن
يجعل ماله حيث يشاء ما لم يكن معصية(٢).
وهذه الشروط في الغالب هي التي تتعلق
بتوزيع ريع الوقف وبيان المستحقين وصفاتهم
وزمن الاستحقاق ومقدار ما يعطى وهكذا، وقد
وقف سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه وشرط في
وقفه شروطاً، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن
في اشتراطه فائدة، وقد وقف الزبير بن العوام ۵۵
على ولده وجعل للمردودة من بناته أن تسكن غير
مضِرِّه ولا مضَرِ بها، فإذا استغنت بزوج فلا حق
لها فيه، ولأن الواقف متلقى من جهته فاتبع
شرطه، ونصه كنص الشارع(٣).
(١) كشاف القناع ٤/ ٢٦١ -٢٦٢.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣٦١، ومعونة
أولي النھی ٧٩٨/٥.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤٢٧/٣،
والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٨٨/٤-٨٩،=
-١٣٤-

وقف ٣٢-٣٣
وفيما يلي ذكر بعض الأمثلة لهذه الشروط:
أ- البدء بشخص معين أو تقديمه أو
تخصیص شيء معين له :
٣٢- قال الحنفية: لو شرط الواقف أن يبدأ
بالصرف من الغلة بالأقرب فالأقرب من فقراء
قرابتي فيعطى من الغلة ما يغنيه، يعطى الأقرب
منهم مائتي درهم (وهو قدر النصاب) ثم الذي
يليه كذلك إلى آخر البطون (١).
ولو قال الواقف: أرضى هذه صدقة موقوفة لله
رأيك أبداً على زيد وعمرو ما عاشا، ومن بعدهما
على المساكين، على أن يبدأ بزيد فيعطى من غلة
هذه الصدقة في كل سنة ألف درهم، ويعطى
عمرو قوته لسنة جاز الوقف، ويبدأ بزید فيدفع
إليه ألف ثم يعطى عمر قوته لسنة، ومهما فضل
کان بینھما نصفین لجمعه إیاھما أولاً بقوله علی
زيد وعمرو، ولو لم يزد على ذلك لكان الكل
بينهما أنصافاً، فلما فصل في البعض عمل به
فيه، فإن لم تف الغلة بما قال يقدم زيد، ثم إن
فضل عنه شيء يدفع إلى عمرو وإلا فلا شيء
له (٢)
وقال المالكية: لو شرط الواقف تبدئة فلان
وروضة الطالبین ٣٣٨/٥-٣٣٩، والمهذب ١/ ٤٥٠،
=
والمغني ٦١٧/٥-٦١٨، وكشاف القناع ٢٥٨/٤.
(١) الإسعاف ص١١٨.
(٢) الإسعاف ص١٢٢- ١٢٣.
بكذا من غلة الوقف، أو إعطاءه كذا كل شهر أو
كل سنة كذا، يعطى ذلك مبدأ على غيره، فإن لم
تف الغلة التي حصلت في العام الأول بحقه الذي
عينه له الواقف يكمل له من غلة العام الثاني.
فإن قال الواقف : أعطوه كذا من غلة كل عام،
وجاءت سنة لم يحصل فيها شيء فلا يعطى من
ربع المستقبل عن الماضي إذا لم يف بحقه، لأنه
أضاف الغلة إلى كل عام(١).
وقال الشافعية: لو شرط الواقف صرف غلة
السنة الأولى إلى قوم، وغلة السنة الثانية إلى
آخرين، وهكذا ما بقوا، اتبع شرطه(٢).
وقال الحنابلة: لو شرط الواقف تقديم بعض
الموقوف علیهم كالبداءة ببعض أهل الوقف دون
بعض نحو: وقفت على زيد وعمرو وبكر يبدأ
بالدفع إلى زيد، أو وقفت على طائفة كذا ويبدأ
بالأصلح أو الأفقه فيرجع إلى ذلك(٣).
ب- تفضيل بعض الموقوف عليهم أو
التسوية بينهم :
٣٣- يجوز للواقف أن يشترط في وقفه
التسوية في الاستحقاق بين الموقوف عليهم
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٨٩/٤.
(٢) روضة الطالبين ٣٣٩/٥.
(٣) كشاف القناع ٢٦٠/٤، والإنصاف ٥٣/٧، ومعونة
أولي النهى ٨٠٣/٥.
-١٣٥-

وقف ٣٤
أو تفضیل بعضهم عن بعض، فلو قال الواقف:
أرضي هذه صدقة موقوفة على بني فلان على أن
لي أن أفضل من شئت منهم، ومات قبل أن يفضل
بعضهم على بعض، كانت الغلة بينهم بالسوية
لعدم اتصال التفضيل بأحد منهم، ولو قال:
فضلت فلاناً فجعلت له كل الغلة لم يصح، لأنه
تخصيص وليس بتفضيل، ولا بد أن يعطي لكل
واحد منهم شيئا ثم یزید من شاء من قليل أو كثير
مطلقاً أو مدة معينة، ولو زاد وقال: على بني
فلان ونسلهم وفضل واحداً منهم وولده ونسله
أبدا ما تناسلوا جاز، وكان ذلك له ولنسله أبدا
وليس له الرجوع فيه، لأن التفضيل يلتحق بأصل
الوقف بسبب اشتراطه فيه، ولو فضل واحداً
بنصف غلة سنة مثلاً جاز ويكون أسوة شركائه
فيما يحدث بعد هذه السنة، ولو قال: فضلت
فلاناً على إخوته بنصف الغلة وكانوا ثلاثة
استحق المفضل ثلثيها وأخواه ثلثها، لأن
النصف صار له بالتفضيل والنصف الآخر
يقسم بينهم أثلاثاً لتساويهم فيه فيكون لكل
سدس والنصف مع السدس ثلثان(١).
ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على بني
فلان على أن أعطي غلتها لمن شئت منهم ثم جعل
(١) الإسعاف ص١٢٦.
لواحد منهم كلها أو بعضها مطلقاً أو مدة معينة أو
رتبهم فيها واحداً بعد واحد أو فضل بعضهم على
بعض جاز، ولو جعلها لواحد منهم مدة فمضت،
أو مطلقاً فمات بطلت مشيئته، وكانت بينهم
بالسوية(١).
وكذا يعمل بشرط الواقف لو سوى بين
المستحقين كقوله: الذكر والأنثى سواء، أو
فضل الذكر على الأنثى، أو الأنثى على
الذكر(٢).
أو قال: على أن للكبير ضعف ما للصغير، أو
للعالم ضعف ما للجاهل، أو للعائل ضعف ما
للغني، أو عكس ذلك، لأن ابتداء الوقف مفوض
إليه فكذلك تفضيله وترتيبه(٣).
جـ- تخصيص الربع لأهل مذهب معين:
٣٤- ذهب الفقهاء إلى أنه لو خصص الواقف
ريع الوقف لأهل مذهب معين أو جهة معينة اعتبر
شرطه، وللفقهاء تفصيل :
فقال الحنفية: لو عين الواقف مذهباً من
المذاهب، وشرط أن من انتقل عنه خرج اعتبر
(١) الإسعاف ص١٢٨.
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤/ ٨٧، والروضة
٣٣٨/٥-٣٣٩، والمهذب ٤٥٠/١، وكشاف القناع
٤/ ٢٦٠، والإنصاف ٧/ ٥٣.
(٣) المغني ٦١٧/٥-٦١٨.
-١٣٦-

وقف ٣٥
شرطه، فلو وقف على أولاده وشرط أن من انتقل
إلى مذهب المعتزلة صار خارجاً فانتقل منهم
واحد صار خارجاً، وكذا لو كان الواقف من
المعتزلة وشرط أن من انتقل إلى مذهب أهل
السنة صار خارجاً اعتبر شرطه، ولو شرط أن من
انتقل من مذهب أهل السنة إلى غيره فصار خارجاً
أو رافضياً خرج(١).
وقال المالكية: من خصص أهل مذهب معين
لصرف غلة وقفه عليهم أو بالتدريس في مدرسته
فلا يجوز العدول عنهم لغيرهم (٢).
وقال الشافعية: لو وقف على العلماء بشرط
كونهم على مذهب فلان يراعى شرطه. وكذا لو
خص طائفة بمدرسة ورباط اختص بهم(٣).
وقال الحنابلة: إن خصص الواقف المدرسة
بأهل مذهب كالحنابلة أو الشافعية تخصصت
وكذلك الرباط والخانقاه كالمقبرة إذا خصصها
بأهل مذهب أو يلدٍ أو قبيلة تخصصت إعمالاً
للشرط، وإن خصص الإمامة في مسجد أو رباط
أو مدرسة بمذهب تخصصت به ما لم يكن
المشروط له الإمامة في شيء من أحكام
الصلاة مخالفاً لصريح السنة أو لظاهرها،
(١) البحر الرائق ٢٦٦/٥، والإسعاف ص١٠٦.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٨٨/٤،
والخرشي ٧/ ٩٢.
(٣) روضة الطالبين ٣٣٩/٥، ومغني المحتاج ٣٨٥/٢.
في شيء من أحكام الصلاة .
ونص الحنابلة والشافعية في مقابل الأصح
على أنه إن خصص المصلين في المسجد بمذهب
لم يختص بهم لأن إثبات المسجدية تقتضي عدم
الاختصاص فاشتراط التخصيص ينافيه .
وذهب الشافعية في الأصح وصاحب
التلخيص من الحنابلة إلى أنه إن شرط في
وقف المسجد اختصاصه بطائفة اختص
بهم، قال صاحب التلخيص: اختص بهم
على الأشبه، لاختلاف المذاهب في أحكام
الصلاة(١).
د- شرط الإدخال والإخراج:
٣٥- ذهب الفقهاء إلى أنه يجوز للواقف أن
يشترط في وقفه الإدخال والإخراج (٢).
والمقصود بالإدخال: ترتب استحقاق بعض
الموقوف عليهم على صفة، والمقصود
بالإخراج: ترتب عدم استحقاق بعض
الموقوف عليهم على صفة، فهو ليس
بإخراج للموقوف عليه من الوقف، وإنما
هو تعليق الاستحقاق بصفة فكأن الواقف
(١) كشاف القناع ٢٦٢/٤-٢٦٣، ومغني المحتاج
٣٨٥/٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٣١/٣، والدسوقي ٨٧/٤،
و٩٨، والمهذب ٤٥٠/١، والروضة ٣٣٩/٥،
وكشاف القناع ٤/ ٢٦١، والمغني ٦١٨/٥.
-٠١٣٧

وقف ٣٥
جعل له حقاً في الوقف إذا اتصف بكذا أعطاه،
ولم يجعل له حقاً إذا انتفت عنه تلك الصفة.
وقيد ترتب الاستحقاق وعدمه على الصفة هو
ما صرح به المالكية والشافعية والحنابلة.
ومثل المالكية بأن من وقف على الفقراء أو
طلبة العلم أو على الشباب أو الصغار أو
الأحداث ثم زال وصفه فإنه يخرج، لأن
الاستحقاق قد علق بوصف، فإذا زال
الوصف يزول الاستحقاق بزواله(١).
ومثل الشافعية للإخراج بصفة كأن يقول
الواقف: وقفت على أولادي على أن من
تزوجت من بناتي فلا حق لها، أو على أن
من استغنى من أولادي فلا حق له فيه.
وأما الإدخال بصفة فهو أن يقول: من تزوجت
من بناتي فلا حق لها فيه، فإن طلقت أو مات عنها
زوجها عاد إليها حقها (٢).
ومثل الحنابلة: بأن يقف على أولاده بشرط
كونهم فقراء أو صلحاء، أو يقول الواقف:
وقفت على أولادي، ومن فسق منهم أو استغنى
فلا شيء له، أو من حفظ القرآن فله، ومن نسيه
فلا شيء له.
وصرح الشافعية على الصحيح والحنابلة بقيد
آخر هو أن يكون الإخراج والإدخال من أهل
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٩٧.
(٢) المهذب ٤٥٠/١، والروضة ٣٣٩/٥.
الوقف لا من غیرهم، ولذلك لا یصح الوقف إن
شرط فيه إدخال من شاء من غير أهل الوقف لأنه
شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده(١).
أما الحنفية فلم يقيدوا الإدخال والإخراج
بأي قيد، جاء في الإسعاف: لو اشترط الواقف
في وقفه أن یزید في وظیفة من یری زیادته، وأن
ينقص من وظيفة من یری نقصانه من أهل الوقف،
وأن يدخل معهم من يرى إدخاله، وأن يخرج
منهم من یری إخراجه جاز، ثم إذا زاد أحداً منهم
أو نقصه مرة أو أدخل أحداً أو أخرج أحداً ليس له
أن یغیره بعد ذلك، لأن شرطه وقع على فعل يراه
فإذا رآه وأمضاه فقد انتهى ما رآه، وإذا أراد أن
يكون ذلك له دائماً ما دام حياً يقول: على أن
لفلان بن فلان أن یزید في مرتب من یری زیادته،
وأن ينقص من مرتب من یری نقصانه، وأن ينقص
من زاده، ويزيد من نقصه منهم، وأن يدخل معهم
من يرى إدخاله ويخرج منهم من يرى إخراجه متى
أراد، مرة بعد أخرى رأياً بعد رأي ومشيئة بعد
مشيئة، ما دام حياً، ثم إذا أحدث فيه شيئاً مما
شرطه لنفسه أو مات قبل ذلك يستقر أمر الوقف
على الحالة التي کان علیها يوم موته، وليس لمن
يلي عليه بعده شيء من ذلك، إلا أن يشترطه له في
أصل الوقف(٢).
(١) كشاف القناع ٢٦١/٤، والمغني ٦١٨/٥، ومغني
المحتاج ٢/ ٣٨٥.
(٢) الإسعاف ص٣٤-٣٥، وحاشية ابن عابدين ٤٣١/٣.
-١٣٨-

وقف ٣٦-٣٨
ولو قال الواقف: على أن لي أن أحرم وأخرج
من شئت منهم، ثم مات قبل ذلك تكون الغلة
بينهم جميعاً، وإن أخرج واحداً منهم أو
أخرجهم إلا واحداً منهم مطلقاً أو مدة
معلومة صح، وليس له حرمان الجميع
قياساً، وإذا مات من بقي منهم أو أخرجهم
كلهم بناء على الاستحسان تكون الغلة
للمساكين، وليس له أن يعيدها إليهم، لأنه
لما حرمهم غلتها أبداً فقد خرجت من أن تكون
لهم وانقطعت مشيئته فيها وصارت
للمساكين(١).
حكم مخالفة الشرط الصحيح:
٣٦- أجاز الحنفية مخالفة شرط الواقف
للمصلحة وذلك في مسائل منها :
أ- لو شرط الواقف عدم الاستبدال،
فللقاضي الاستبدال للمصلحة.
ب- لو شرط أن القاضي لا يعزل الناظر، فله
عزل غير الأهل.
ج - لو شرط أن لا يؤجر وقفه أكثر من سنة،
والناس لا يرغبون في استئجار سنة أو كان في
الزيادة نفع للفقراء، فللقاضي المخالفة دون
الناظر.
(١) الإسعاف ص١٢٧.
د- لو شرط الواقف أن يتصدق بفاضل الغلة
على من يسأل في مسجد كذا، فللقيم التصدق
على سائل غير هذا المسجد أو خارج المسجد أو
على من لا يسأل.
هـ - لو شرط الواقف للمستحقين خبزاً ولحماً
معيناً كل يوم، فللقيم دفع القيمة من النقد،
والراجح أن الخيار للمستحقين في أخذ المعين
من الخبز واللحم أو أخذ القيمة.
و- تجوز الزيادة من القاضي على معلوم
الإمام إذا كان لا يكفيه وكان عالماً تقياً.
ز- يجوز للسلطان مخالفة الشروط إذا كان
أصل الوقف لبيت المال(١).
الركن الثالث: الموقوف عليه :
٣٧- الموقوف عليه هو الجهة التي تنتفع
بالموقوف سواء أكانت الجهة معينة كشخص
معين، أو كانت غير معينة كالفقراء والمساكين.
ويشترط فيه ما يأتي :
الشرط الأول: كون الموقوف عليه جهة بر
وقربة :
٣٨- يشترط أن تكون الجهة الموقوف عليها
جهة بر وقربة سواء أكان الموقوف علیه مسلماً أم
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٨٩/٣.
-١٣٩-

وقف ٣٨
ذمياً، لأن الذمي موضع قربة، ولهذا يجوز
التصدق عليه (١)، وقد روي أن صفية بنت
حيي زوج رسول الله ﴾ وقفت على أخ لها
يهودي(٢).
وإذا كان الأصل في الموقوف عليه أن يكون
جهة قربة ، إلا أن المالكية والشافعية في الأصح
لم يشترطوا ظهور القربة في الموقوف عليه،
قالوا : لأن الوقف في حد ذاته قربة، ولهذا جاز
عندهم الوقف على الأغنياء، خلافاً للحنفية
الذين لا يجيزون الوقف على الأغنياء وحدهم
لأنه لا يعتبر قربة في نظرهم، قال الحنفية: إلا أن
يجعل الوقف بعد الأغنياء على الفقراء فيجوز،
كما لا يصح عند الحنابلة الوقف على طائفة
الأغنياء، ومقابل الأصح عند الشافعية لا يجوز
الوقف على الأغنياء نظراً إلى اشتراط ظهور قصد
القربة(٣).
ونظراً لاشتراط أن يكون الموقوف عليه جهة
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٦٠/٣، ٣٦١،
والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٧٧/٤، ومغني
المحتاج ٣٧٩/٢، ٣٨٠، والمهذب ٤٤٨/١،
وشرح منتهى الإرادات ٤٩٢/٢، ٤٩٣، والمغني
٦٤٤/٥، ٦٤٦.
(٢) أثر ((أن صفية وقفت على أخ لها يهودي)).
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٣/٦) بلفظ .. عن
ابن عمر أن صفية ابنة حيي أوصت لابن أخ لها
پهودي.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٥٧/٣، والدسوقي مع الشرح
الكبير ٧٧/٤، ومغني المحتاج ٣٨١/٢، وكشاف
القناع ٤ / ٢٤٧.
قربة، فلا يجوز أن يكون الموقوف عليه جهة
معصية، كالوقف على الكنائس والبيع وبيوت
النار ولو من ذمي، لأنه معصية وإعانة لهم على
إظهار الكفر، لأن القربة تتحقق بكونها قربة في
نظر الشريعة، وبكونها قربة في نظر الواقف كما
يقول الحنفية، قال ابن عابدين: شرط وقف
الذمي أن يكون قربة عندنا وعندهم كالوقف على
الفقراء، بخلاف الوقف على بيعة فإنه قربة
عندهم فقط، أو على حج أوعمرة فإنه قربة
عندنا فقط، ويعلل المالكية عدم صحة وقف
الذمي على الكنيسة بأن المذهب خطابهم بفروع
الشريعة، وكما لا يصح الوقف على الكنائس فلا
يصح الوقف على مرمّتها أو حصرها وقناديلها ،
وهذا على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وهو
المعتمد عند المالكية.
وقال عياض من المالكية: إن الوقف على
الكنيسة مطلقاً صحيح غير لازم، سواء أشهدوا
على ذلك الوقف أم لا ، وسواء خرج من تحت يد
الواقف أم لا ، وللواقف الرجوع فيه متى شاء،
وفصل ابن رشد من المالكية فقال: إن وقف
الكافر على عباد الكنيسة باطل، لأنه معصية،
وأما على مرمتها أو على الجرحى أو المرضى
التي فيها فالوقف صحيح معمول به.
وعند الشافعية: عمارة كنائس غير التعبد
ککنائس نزول المارة یصح الوقف عليها كما قال
-١٤٠-