النص المفهرس
صفحات 101-120
وفاء ٢٧ الأجانب، وقد تكون من القرابات و ذلك أفضل، لما فيه من صلة الرحم(١). وإليه أشار النبي ◌َ﴾ بقوله: ((أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح))(٢). وقال الشافعية: الأولى في المتصدق عليهم الأقرب فالأقرب، وفي الأشد منهم عداوة أفضل منها في غيره، وذلك ليتألف قلبه(٣). وینظر تفصيل ذلك في مصطلح (صدقة ف ١٧، ١٨). وأما الوصايا: فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأفضل أن يقدم في الوصية الأقرب غير الوارث، لأنها صدقة وصلة، فإن لم يوجد فقراء غير وارثين فإلى ذي رضاع، قال الشافعية: ثم صهر، ثم ذي ولاء، ثم ذي جوار. وعند الحنابلة إن لم يجد محارم من الرضاع، فإلى جيرانه الأقرب فالأقرب(٤). وقال الحنفية: من أوصى لأقربائه أو الأرحامه أو لأنسابه فُهِم اثنان فصاعداً من كل ذي رحم محرم منه غير الوالدين والمولودين. (١) المبسوط ٤٩/١٢. (٢) حديث: ((أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) أخرجه الحاكم (٤٠٦/١) من حديث أم كلثوم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (٣) مغني المحتاج ١٢١/٣. (٤) أسنى المطالب ٢٩/٣، وكشاف القناع ٣٦٠/٤. ويعتبر الأقرب فالأقرب، فإن كان له عم وخالان فللعم النصف وللخالين النصف، وهذا عند أبي حنيفة، لأن الوصية أخت الميراث، فيعتبر الأقرب فالأقرب. وقال أبو يوسف ومحمد: يكون الموصى به بينهم أثلاثاً(١). وقال المالكية: من أوصى للأقارب أو الأرحام أو الأهل أو لغيره أُوثِر المحتاج الأبعد في القرابة من غيره لشدة فقره أو كثرة عياله بالزيادة على غيره لا بالجميع، فالمحتاج الأقرب علم إيثاره بالأولى في كل حال، إلا ببيان من الموصي خلاف ذلك: كأعطوا الأقرب فالأقرب، أو أعطوا فلاناً ثم فلاناً، فيفضل وإن لم يكن أحوج (٢). وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في مصطلح (وصية). (١) الاختيار لتعليل المختار ٧٨/٥، ٧٩. (٢) جواهر الإكليل ٣٢٠/٢. -١٠١- وقت ١-٢ وَقْت التعريف : ١- الوقت في اللغة: مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، أو نهاية الزمان المفروض للعمل، وكل شيء قدَّرت له حيناً فقد وقته توقیتاً، وکذلك ما قدَّرتَ له غاية. ومنه قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِمُواْ السََّكَةُ إِنَّ الصَّلَوَ كَانَتْ عَلَى الُؤمِنِينَ كِنَبًا مَوْقُوتًا﴾(١). وجمع الوقت: أوقات. والوقت: الميقات، وقد استعير الوقت للمكان ... ومن ذلك: مواقيت الحج لمواضع الإحرام(٢). والوقت اصطلاحاً - كما عرّفه البركتي -: المقدار من الدهر، وأكثر ما يستعمل في الماضي. وقيل: هو مقدار من الزمن المفروض لأمر ما، وقيل للعمل(٣). (١) سورة النساء/ ١٠٣. (٢) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني. (٣) قواعد الفقه للبركتي، وطلبة الطلبة ص ١٢٢، ٢١٨ ط دار النفائس. الألفاظ ذات الصلة : أ- الساعة : ٢- الساعة في اللغة: الوقت من ليل أو نهار، والعرب تطلقها وترید بها الحین والوقت وإن قل، ومنه قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأُّْونَ سَامَةٌ وَلَا بَيْنَقْيُونَ﴾(١). وقول النبي ◌َّ﴾ في فضل حضور صلاة الجمعة: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة ... ))(٢). قال الفيومي: ليس المراد الساعة التي ينقسم عليها النهار القسمة الزمانية، بل المراد مطلق الوقت وهو السبق، وإلا لا قتضى أن يستوي من جاء في أول الساعة الفلكية ومن جاء في آخرها، لأنهما حضرا في ساعة واحدة، وليس كذلك، بل من جاء في أولها أفضل ممن جاء في آخرها. والساعة أيضاً: جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار، لأن زمنهما أربعة وعشرون ساعة. ويقال: عاملتُه مساوعَةً نحو معاومة ومشاهرة. (١) سورة الأعراف/ ٣٤. (٢) حديث: ((من اغتسل يوم الجمعة ... ) أخرجه مالك في الموطأ (١٠١/١) والبخاري (فتح الباري ٣٦٦/٢) ومسلم (٥٨٢/٢) واللفظ لمالك. -١٠٢- وقت ٣-٤ والساعة يعبر بها عن القيامة، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَقْرَتِ السَّاعَةُ﴾ (١)، كما يعبر بها عن الموت، ومنه قول النبي ◌َ ﴿: ((ما أَمُدُّ طرفي ولا أغضُّها إلا وأظنُّ أن الساعة قد قامت))(٢) يعني موته. وتستعمل الساعة بمعنى الهدوء في مثل قولهم: جاءنا بعد سَوْع من الليل وسواع(٣). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. والصلة بين الوقت والساعة أن كلاً منهما مقدار من الزمن. ب- الدهر : ٣- الدهر لغة: يطلق على الأبد، وقيل: هو الزمان قل أو كثر، قال الأزهري: الدهر عند العرب يطلق على الزمان، وعلى الفصل من فصول السنة وأقل من ذلك، ويقع على مدة الدنيا كلها (٤) (١) سورة القمر/ ١. (٢) حديث: ((ما أمد طرفي ولا أغضها إلا وأظن أن الساعة قد قامت .. ، أورده الأصفهاني في المفردات (ص ٤٣٥- ط دار القلم) ولم يعزه إلى أي مصدر، ولم نهتد لمن أخرجه. (٣) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني، والمعجم الوسيط، ومغني المحتاج ١٠٩/١. (٤) المصباح المنير. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي لهذا اللفظ عن معناه اللغوي والصلة بين الوقت والدهر أن الوقت جزء من الدهر (١). الأحكام المتعلقة بالوقت: تتعلق بالوقت أحكام منها: أولاً: أفضل الأوقات: ٤- أجمع الفقهاء على أن بعض الأوقات أفضل من بعض بما أودع الله 38 فيها لعباده من فضله، وما يقع فيها من إكرامه 8 لعباده، لا بصفات قائمة في تلك الأوقات والأزمان، لأنها متساوية في الأصل، ويرجع تفضيل الأوقات إلى ما ينيل الله العباد فيها من فضله وكرمه(٢). قال ابن رجب: جعل الله سبحانه لبعض الشهور فضلاً على بعض، كما قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُمُ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُ فَلَ تَظْلِمُواْ فِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) وقال الله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرُ مَعْلُومَنَّ﴾(٤) وقال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾(٥). (١) أنيس الفقهاء ص٧٣، وقواعد الفقه للبركتي. (٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ١٣٧، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام ٣٨/١-٣٩، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ٣٠٦/٣، وروضة الطالبين ١٢٥/٨. (٣) سورة التوبة/ ٣٦. (٤) سورة البقرة/ ١٩٧. (٥) سورة البقرة/ ١٨٥. -١٠٣- وقت ٥- ١٠ كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيراً من ألف شهر، وأقسم بالعَشْر، وهو عشر ذي الحجة على الصحيح(١). وللتفصيل في الأحكام المتعلقة بأفضل الأوقات تنظر المصطلحات الخاصة بالأيام والأشهر الفاضلة، و(مصطلح زمان ف٧، وفضائل ف ١٠). ثانياً: وقت الحيض : أ- السن الذي تحيض فيه المرأة: ٥- اختلف الفقهاء في أقل سن تحيض فيه المرأة وفي أكبر سن. انظر التفصيل في (مصطلح حيض ف ١٠، وإیاس ف٦). ب- أقل وقت الحيض وأكثره: ٦- اختلف الفقهاء في أقل وقت الحيض وأكثره. انظر التفصيل في مصطلح (حیض ف ١١). ج- أقل وقت الطهر وأکثره: ٧- اتفق الفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر، (١) لطائف المعارف في ما لمواسم العام من الوظائف ص٤٠. واختلفوا في أقله. انظر التفصيل في مصطلح (حيض ف ٢٤، وطهر ف ٤). ثالثاً: وقت الأذان: ٨- اتفق الفقهاء على أن وقت الأذان هو وقت الصلاة المفروضة التي يؤذن لها، وأنه لو أذن المؤذن قبل دخول وقت الصلاة- غير صلاة الفجر- لا يجوز، لما فيه من الإلباس، ولأنه شرع للإعلام بدخول وقت الصلاة، فلا يشرع قبل الوقت، لئلا يذهب مقصوده(١). والتفصيل في مصطلح (أذان ف ١٧). رابعاً: وقت الصلاة ٩- أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة. وللتفصيل في مواقيتها ينظر مصطلح (أوقات الصلاة ف٥ وما بعدها، وصلاة الجمعة ف ١٠، وصلاة العيدين ف٦، وصلاة الكسوف ف ٣). خامساً: وقت وجوب الزكاة: ١٠- اتفق الفقهاء على أن من شروط وجوب الزكاة في الأنعام- وهي الإبل والبقر والغنم- (١) المجموع ٨٧/٣-٨٩. -١٠٤- وقت ١١-١٢ ...... وفي الأثمان- وهي الذهب والفضة- وفي عروض التجارة حَوَلان الحول عليها في ملك صاحبها، لحديث: ((ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)(١)، ولأنه لا يتكامل نماؤه قبل تمام الحول. كما اتفقوا على أن وقت وجوب زكاة الثمار والزروع عند حصادها، لقول الله تعالى: ﴿وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادٌِ﴾(٢). وكذا المعادن والركاز تجب زكاتها وقت الحصول عليها(٣). (ر: زكاة ف٢٩ وما بعدها). واختلف الفقهاء في وقت وجوب زكاة الفطر. وينظر تفصيله في (زكاة الفطر ف٨، ٩). سادساً: وقت وجوب صوم رمضان: ١١ - اتفق الفقهاء على أن وقت وجوب صوم رمضان هو حلول شهر رمضان، ويتمثل بحصول أحد أمرين : أحدهما: رؤية هلال شهر رمضان ليلة الثلاثين من شعبان، لقول الله بك : ﴿فَمَنْ (١) حديث: ((ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)). أخرجه أبو داود (٢٣٠/٢) من حديث علي بن أبي طالب، وقال الزيلعي في نصب الراية (٣٢٨/٢): حديث حسن. (٢) سورة الأنعام/ ١٤١. (٣) مغني المحتاج ٣٧٨/١ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٢/ ٦٢٥. شَهِدَ مِنكُمْ الشَّبْرَ فَيَصُمَةٌ﴾(١)، ولقول النبي : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))(٢). ثانيهما: إكمال شهر شعبان ثلاثين يوماً. ووقت الصيام المشروع من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس(٣) لقوله تعالى: ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّى يَبَّنَ لَأُوْ اَلْغَيُْ الْأَنْيَضُ مِنَ اَخَّطِ الْأَسْوَرِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَنِتُوا السِّيَامَ إِلَى الَّذِ﴾(٤)، ولقول النبي ◌َّ: ((إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم)(٥). (ر: صوم ف ٢١- ٢٤، رؤية الهلال ف٢، رمضان ف٢). سابعاً: وقت الاعتكاف: ١٢ - اختلف الفقهاء في أقل وقت للبث في المسجد المجزئ في الاعتكاف، وفي الوقت الذي یصح فيه. (١) سورة البقرة/ ١٨٥. (٢) حديث: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ... ) أخرجه البخاري (فتح الباري ١١٩/٤) ومسلم (٢٪. ٨٥٧) واللفظ للبخاري. (٣) البدائع ٢/ ٨٠، والقوانين الفقهية ص ١١٥، ومغني المحتاج ٤٢٠/١ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٨٦/٣ وما بعدها. (٤) سورة البقرة/ ١٨٧. (٥) حديث: ((إذا أقبل الليل من ههنا ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٩٦/٤) ومسلم (٢/ ٧٧٢) من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري. -١٠٥- وقت ١٣ - ٢٠ وللتفصیل ینظر مصطلح (اعتكاف ف١٦- ١٧). ثامناً: وقت الحج: ١٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن وقت إحرام الحج هو شوال وذو القعدة وعشر من شهر ذي الحجة(١) لقول الله تعالى: ﴿الْحَيُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِهِنَّ ◌َلَّ فَلَ رَفَكَ وَلَا فُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى المَجْ﴾(٢). وللتفصیل ینظر مصطلح (حج ف ٣٤، إحرام ف٣٣-٣٨، أشهر الحج ف ١- ٣). تاسعاً: وقت العمرة: ١٤ - اتفق الفقهاء على أن وقت العمرة الزمني هو جميع السنة، فهي وقت لإحرامها ولجميع أفعالها. واختلفوا في الأوقات التي تكره فيها العمرة. (ر: إحرام ف ٣٧-٣٨). أقسام العبادات باعتبار وقت الأداء: ١٥- العبادات باعتبار وقت أدائها تنقسم إلى (١) مغني المحتاج ٤٧١/١، وكشاف القناع ٤٠٥/٢، والبدائع ١١٩/٢ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص١٢٩. (٢) سورة البقرة/ ١٩٧. مطلقة ومؤقتة. وتنظر الأحكام المتعلقة بكل قسم في مصطلح (أداء ف٦). أداء العبادة عند ضيق الوقت: ١٦- اختلف الفقهاء فيما تدرك به الصلاة المكتوبة عند ضيق الوقت. وينظر تفصيله في (أداء ف٨). ما يقضى بعد فوات وقته وما لا يقضى: ١٧- للفقهاء خلاف وتفصيل فیما یقضی بعد فواته من العبادات وما لا يقضى. وينظر في مصطلح (قضاء الفوائت). توقيت خصال الفطرة : ١٨ - اختلف الفقهاء في توقيت خصال الفطرة من حيث استيفاؤها. وينظر التفصيل في مصطلحات (أظفار ف٢، شارب ف ١٢، فطرة ف ١٠، عانة ف٤). وقت العقيقة : ١٩- اختلف الفقهاء في وقت العقيقة. وللتفصيل ينظر (عقيقة ف٩). قاعدة: إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته: ٢٠- المراد بالقاعدة أنه إذا وقع حادث واختلف في زمن وقوعه فإنه ينسب إلى -١٠٦- وقت ٢٠ أقرب الأوقات إلی الحال ما لم يثبت نسبته إلى زمن بعيد(١). ومن تطبيقات هذه القاعدة: أ- إذا ادعت الزوجة أن زوجها طلقها طلاق الفار أثناء مرض الموت، وطلبت الإرث، والورثة ادعوا طلاقها في حال صحته وأنه لا حق لها في الإرث، فالقول للزوجة لأن الأمر الحادث المختلف في زمن وقوعه هنا هو الطلاق، فيجب أن يضاف إلى الوقت الأقرب وهو مرض الموت الذي تدعيه الزوجة، ما لم يقم الورثة البينة على موت المورث في حال الصحة(٢). ب- إذا ادعی المحجور عليه أو وصيه أن عقد البيع الذي أجراه المحجور عليه قد حصل بعد صدور الحكم بالحجر عليه وطلب فسخ البيع، وادعى المشتري حصول البيع قبل تاريخ الحجر، فالقول هنا للمحجور أو وصیه، لأن وقوع البيع بعد الحجر أصل وهو أقرب زمناً مما يدعيه المشتري، وعلى المشتري إثبات خلاف الأصل وهو حصول (١) شرح المجلة العدلية لعلي حيدر ٢٥/١، وشرح المجلة للأتاسي ٣٢/١ المادة ١١، وغمز عيون البصائر ٢١٧/١، والمنثور في القواعد للزركشي ١٧٤/١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٥٩. (٢) شرح المجلة لعلي حيدر ٢٥/١. البيع له قبل صدور الحكم بالحجر(١). ج- لو أبرأ المشتري البائع قبل قبض المبيع من كل عيب يكون عند العقد، ثم بعد القبض أراد رده بعيب، فقال البائع: كان موجودا عند العقد فدخل تحت البراءة. وقال المشتري: بل هو حادث عندك بعد العقد قبل أن أقبضه، فالقول قول المشتري، لأن البراءة المقيدة بحال العقد لا تتناول إلا الموجود حالة العقد، والمشتري يدعي العيب لأقرب الوقتين، والبائع يدعيه لأبعدهما، فكان الظاهر شاهداً للمشتري، لأن عدم العيب أصل، والموجود عارض، فكان إحالة الموجود إلى أقرب الوقتين أقرب إلى الأصل، والمشتري يدعي ذلك، فكان القول قوله(٢). د- لو باع الأب مال ولده وادعى الولد على والده أنه باع ماله بعد بلوغه، وأن البيع غير صحيح لهذا السبب، والأب أنكر وقوع البيع منه بعد البلوغ، وادعى حصوله قبل البلوغ، فبما أن البلوغ أقرب زمناً من قبل البلوغ، فالقول للابن، وعلى الأب إثبات خلاف الأصل(٣). وفروع هذه القاعدة وتطبيقاتها متناثرة في مختلف الأبواب الفقهية، والكتب المعنية (١) شرح المجلة لعلي حيدر ٢٥/١. (٢) شرح المجلة للأتاسي ٣٣/١. (٣) شرح المجلة لعلي حيدر ٢٥/١. -١٠٧- وقف ١ بالقواعد تشتمل على طائفة منها، وللاستزادة يمكن الرجوع إليها. وَقْف التعريف : ١- من معاني الوقف في اللغة: الحبس، يقال: وقفت الدار وقفاً: حبستها في سبيل الله، ومنها المنع، يقال: وقفت الرجل عن الشيء وقفا : منعته عنه، ومنها السكون، يقال: وقفت الدابة تقف وقفا ووقوفا: سكنت. ويطلق الوقف أيضاً على الشيء الموقوف تسمية بالمصدر، وجمعه أوقاف كثوب وأثواب(١). (١) لسان العرب، والمصباح المنير. والوقف اصطلاحاً عرفه الفقهاء بتعريفات مختلفة : فعرفه الحنفية بأنه: حبس العين على حكم ملك الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب، وهذا عند الصاحبين. وعند أبي حنيفة هو: حبس العين على حكم ملك الواقف والتصدق بالمنفعة ولو في الجملة (١). وعرفه ابن عرفة من المالكية فقال: الوقف- مصدراً - إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديراً، والوقف- اسماً - ما أعطيت منفعته مدة وجوده .. (٢). وعرّفه الشافعية: بأنه حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود(٣). وعرفه الحنابلة بأنه: تحبيس مالك مطلق التصرف مالَه المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرفه وغيره في رقبته يصرف ريعه إلى جهة برّ تقرباً إلى الله تعالى (٤). (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٥٧/٣- ٣٥٨، والهداية ١٣/٣-١٤. (٢) منح الجليل ٣٤/٤، وجواهر الإكليل ٢٠٥/٢. (٣) مغني المحتاج ٣٧٦/٢. (٤) شرح منتهى الإرادات ٤٨٩/٢، والإنصاف ٣/٧. -١٠٨- وقف ٢-٤ الألفاظ ذات الصلة: أ- التبرع: ٢- التبرع لغة مأخوذ من برع، يقال: برع الرجل براعة: فاق أصحابه في العلم وغيره، وتبرع بالأمر: فعله غير طالب عوضاً(١). والمعنى الاصطلاحي للتبرع لا يخرج عن كونه التطوع بالشيء غير طالب عوضاً، بقصد البر والصلة غالباً (٢). وعلى ذلك فالتبرع أعم من الوقف. ب- الصدقة : ٣- الصدقة في اللغة: ما يُعطى في ذات الله، أو ما يُعطى على وجه التقرب إلى الله تعالى لا على وجه المكرمة، أو ما تصدقت به على الفقراء(٣). وفي الاصطلاح: هي تمليك في الحياة بغير (٤) عوض(٤). ويقول الراغب الأصفهاني: الصدقة ما (١) الصحاح للجوهري، والمصباح المنير. (٢) أنیس الفقهاء ص٢٥٦. (٣) لسان العرب، والصحاح للجوهري، وتاج العروس، والمعجم الوسيط. (٤) المغني ٦٤٩/٥. يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل للمتطوع به، والزكاة تقال للواجب(١). والغالب عند الفقهاء استعمال لفظ الصدقة في صدقة التطوع(٢). وعلى ذلك فالصدقة أعم من الوقف، إذ قد تطلق على الوقف كما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ((أن عمر طلب من النبي ( ﴾ أن يدله على ما يفعله فيما أصابه من أرض، فقال له النبي ﴾: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)»(٣) . وقد تطلق على غير الوقف ففي حديث النبي *: (كل معروف صدقة)) (٤). ج - الهبة : ٤- الهبة لغة: العطية بلا عوض. وهو المعنى الاصطلاحي أيضاً، يقول ابن (١) المفردات للراغب. (٢) مغني المحتاج ١٢٠/٣. (٣) حديث ابن عمر ((أن عمر طلب من النبي 8- أن يدله .. ، أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٩٩/٥)، ومسلم (١٢٥٥/٣). (٤) حديث: ((كل معروف صدقة) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٤٧/١٠) من حديث جابر بن عبد الله. -١٠٩- وقف ٥-٧ قدامة : الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها(١). والفرق بين الوقف والهبة أن الوقف تمليك المنفعة مع بقاء العين على ملك الله تعالى فلا يجوز التصرف فيها. أما الهبة فهي تمليك للعين، فللموهوب له أن يتصرف فيها بما يشاء. د- العارية : ٥- العارية في اللغة: الاسم من الإعارة، وتطلق على الشيء المعار (٢). وفي الاصطلاح هي العين المأخوذة من مالك للانتفاع بها بلا عوض، أو هي إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه(٣). والعلاقة بين الوقف والعارية أن كليهما إباحة الانتفاع بالعين، غير أن العارية مملوكة لصاحبها فترد إليه، أما الوقف فالعين فيه باقية على ملك الله تعالى. هـ- الوصية: ٦- الوصية في اللغة: مأخوذة من وصيت (١) المصباح المنير، والمغني ٦٤٩/٥. (٢) تاج العروس. (٣) مغني المحتاج ٢٦٣/٢، وشرح منتهى الإرادات ٣٩١/٢. الشيء بالشيء أصیه: وصلته، ووصّیت إلى فلان توصية، وأوصيت إليه إيصاء. والاسم: الوصاية، وأوصيت إليه بمال: جعلته له، وأوصیته بولده: استعطفته علیه، وأوصيته بالصلاة: أمرته بها(١). وفي الاصطلاح عرفها الحنفية: بأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت(٢). وقال الشافعية: هي تبرع بحق مضاف ولو تقديراً لما بعد الموت(٣). والعلاقة بين الوقف والوصية أن كليهما تبرع، لكنهما يفترقان في أن الوصية تكون بعد الموت، وقد تكون بالعين، وقد تكون بالمنفعة، أما الوقف فهو تبرع في حال الحياة وبالمنفعة فقط. مشروعية الوقف: ٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعية الوقف ولزومه واعتباره من القرب المندوب إليها (٤)، وذلك لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ((أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبي ◌َّهـ (١) المصباح المنير. (٢) البدائع ٣٣٠/٧. (٣) مغني المحتاج ٣٩/٣. (٤) المغني ٥٩٧/٥، ٥٩٨، وشرح منتهى الإرادات ٤٨٩/٢، والاختيار ٣/ ٤٠، ٤١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٧٥/٤، ومنح الجلیل ٣٤/٤، ٣٥، والخطاب ١٨/٦، والمهذب ٤٧٧/١، ومغني المحتاج ٣٧٦/٢. -١١٠- وقف ٧ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخیبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول، وفي لفظ: غير متأثل مالا))(١). ولقول النبي تقدير: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ینتفع به، أو ولد صالح يدعو له))(٢). وقال جابر ﴾: ما أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من صدقة مؤبدة لا تشترى أبداً ولا توهب ولا تورث(٣). وقال ابن قدامة: وهذا إجماع من الصحابة رضوان الله عليهم، فإن الذي قدر منهم على (١) حديث ابن عمر: ((أصاب عمر أرضاً بخيير .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٥٤/٥-٣٥٥)، ومسلم (١٢٥٥/٣) واللفظ للبخاري. (٢) حديث: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله ... )) أخرجه مسلم (١٢٥٥/٣) من حديث أبي هريرة. (٣) أثر جابر: ((ما أعلم أحداً ... )). أخرجه الخصاف في أحكام الأوقاف (ص٦- ط ديوان عموم الأوقاف المصرية). الوقف وقف واشتهر ذلك، فلم ينكره أحد فكان إجماعاً (١). وقال ابن رشد: الأحباس سنة قائمة عمل بها رسول الله﴿ والمسلمون من بعده(٢). ونقل ابن عابدين عن الإسعاف: أن الوقف جائز عند علمائنا أبي حنيفة وأصحابه، وذکر في الأصل: كان أبو حنيفة لا يجيز الوقف، فأخذ بعض الناس بظاهر هذا اللفظ وقال: لا يجوز الوقف عنده، والصحيح أنه جائز عند الكل، وإنما الخلاف بينهم في اللزوم وعدمه، فعند أبي حنيفة يجوز جواز الإعارة فتصرف منفعته إلى جهة الوقف مع بقاء العين على حكم ملك الواقف، ولو رجع عنه حال حياته جاز مع الكراهة ویورث عنه، ولا يلزم إلا بأحد أمرين: إما أن يحكم به القاضي، أو يخرجه مخرج الوصية(٣). ونقل ابن قدامة عن شريح أنه لم ير الوقف وقال: لا حبس عن فرائض الله(٤). وقال الماوردي : روي عن شریح قال: جاء (١) المغني ٥٩٩/٥. (٢) منح الجليل ٣٤/٤. (٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٥٨/٣، والبدائع ٢١٨/٦، ٢١٩. (٤) المغني ٥٩٨/٥. -١١١- وقف ٨-٩ محمد ل بإطلاق الحبس (١) وقال الكاساني: عن شريح أنه قال: جاء محمد ێ# ببيع الحبيس، وهذا منه رواية عن النبي * أنه يجوز بيع الموقوف، لأن الحبيس هو الموقوف فعیل بمعنی المفعول، إذ الوقف حبس لغة، فكان الموقوف محبوساً فيجوز بيعه، وبه تبين أن الوقف لا يوجب زوال الرقبة عن ملك الواقف(٢). الحكم التكليفي: ٨- الأصل في الوقف أنه من القرب المندوب إليها، وقد تعتريه أحكام أخرى في حالات معينة: فقد يكون الوقف فرضا وهو الوقف المنذور، كما لو قال: إن قدم ولدي فعلي أن أقف هذه الدار على ابن السبيل(٣)، وقد يكون مباحاً إذا كان بلا قصد القربة، ولذا يصح من الذمي ولا ثواب له، ويكون قربة إذا كان من المسلم(٤) . ... وقد يكون الوقف حراماً كما لو وقف مسلم على معصية كوقفه على كنيسة. (١) الحاوي ٣٦٩/٩. (٢) بدائع الصنائع ٢١٩/٦. (٣) حاشية ابن عابدين ٣٥٨/٣، ٣٥٩، ومنح الجليل ٤/ ٣٤. (٤) ابن عابدين ٣٥٨/٣، ٣٥٩، والبحر الرائق ٢٠٦/٥. ومن أمثلته أيضاً ما قاله بعض المالكية من أن الوقف قد يكون حراماً وذلك كالوقف على البنين دون البنات، لأنه يشبه فعل الجاهلية من حرمان البنات من إرث أبيهم، لكن رجح بعضهم الكراهة فيمضي الوقف، وهو رأي ابن القاسم وعليه العمل، وصرح الشيخ أبو الحسن بأن الكراهة في المدونة على التنزيه(١). أركان الوقف: أركان الوقف عند جمهور الفقهاء- المالكية والشافعية والحنابلة- أربعة: الصيغة والواقف والموقوف عليه والموقوف، أما عند الحنفية فالركن هو الصيغة فقط(٢). وفيما يلي بيان ذلك : الركن الأول: الصيغة: ٩- اتفق الفقهاء على أن الوقف لا ينعقد إلا بالإيجاب، واختلفوا في اشتراط القبول لانعقاده. (١) الدسوقي ٧٩/٤، وحاشية العدوي على الخرشي ٧٩/٧، ومغني المحتاج ٣٨٠/٢، وكشاف القناع ٢٤٦/٤، ورد المحتار على الدر المختار ٣٦٠/٣. (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٥٩/٣، والخرشي ٧٨/٧، والشرح الصغير ٢٩٨/٢ ط الحلبي، ومغني المحتاج ٣٧٦/٢، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٩٠. -١١٢- وقف ١٠ أ- صيغة الإيجاب: ١٠- الإيجاب في صيغة الوقف هو ما يدل على إرادة الواقف من لفظ أو ما يقوم مقامه من إشارة مفهمة أو كتابة أو فعل. وينقسم اللفظ إلى صريح وكناية، ويختلف الفقهاء فيما يعتبر صريحاً من الألفاظ وما يعتبر کنایة. وقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن لفظ ((وقفت)) من الألفاظ الصريحة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وذلك لاشتهاره لغة وعرفاً (١). وكذلك لفظ ((حبست)) من الصريح عند الحنابلة والمشهور عند المالكية والصحيح عند الشافعية، وكذا ((سبلت)) على الصحيح من المذهب عند كل من الشافعية والحنابلة. فمتى أتى الواقف بلفظ من هذه الألفاظ الثلاثة فقال: وقفت كذا على كذا، أو قال: أرضي موقوفة على كذا، أو حبست أو سبلت صار وقفاً من غير انضمام أمر زائد، لأن هذه الألفاظ ثبت لها عرف الاستعمال بين الناس، وانضم إلى ذلك (١) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٣٥٩/٣، والشرح الصغير ٢٩٩/٢ ط الحلبي، والزرقاني ٧/ ٨٢، ومغني المحتاج ٣٨٢/٢، وشرح منتهى الإرادات ٤٩٠/٢، ومعونة أولي النهى ٧٤٠/٥. عرف الشرع بقول النبي 18 لعمر : ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها))(١). ومقابل الصحيح عند الشافعية أن لفظي (حبست وسبلت)) من الكنايات لأنهما لم يشتهرا اشتهار الوقف. وكذلك لفظ ((سبلت)) عند الحارثي من الحنابلة. وقال الشافعية: لو قال تصدقت بكذا صدقة محرمة أو صدقة موقوفة أو صدقة لا تباع أو لا توهب فصريح في الأصح المنصوص في الأم، لأن لفظ التصدق مع هذه القرائن لا يحتمل غير الوقف وهذا صريح بغيره، ومقابل الأصح أنه كناية لاحتمال التمليك المحض(٢). أما ألفاظ الكناية فمنها لفظ تصدقت وذلك عند المالكية والحنابلة، وكذلك عند الشافعية إذا كانت مجردة فقالوا: إن لفظ تصدقت فقط لیس بصريح وإن نوى الوقف، لتردد اللفظ بين صدقة الفرض والتطوع والصدقة الموقوفة، إلا أن يضيف إلى جهة عامة كالفقراء وینوي الوقف، قال الشربيني الخطيب: فظاهر هذا أنه يكون صريحاً حينئذ، وظاهر كلام الرافعي في كتبه (١) حديث: ((إن شئت حبست أصلها .. )) تقدم تخرجه (فقرة ٣). (٢) الشرح الصغير ٢٩٩/٢، والزرقاني ٨٢/٧، ومغني المحتاج ٣٨٢/٢، وتحفة المحتاج ٢٥٠/٦، والمهذب ٤٤٩/١، وشرح منتهى الإرادات ٤٩٠/٢، والمغني ٦٠٢/٥، والإنصاف ٥/٧. -١١٣- وقف ١١ والنووي في الروضة عدم الصراحة، وإنما إضافته إلى الجهة العامة صيرته كناية حتى تعمل فيه النية، وهو الصواب كما قال الزركشي لأن الصريح لا يحتاج إلى نية(١). ومن ألفاظ الكناية أيضاً: حرّمت وأبدت وذلك عند الحنابلة والأصح عند الشافعية، قالوا: لأن لفظة الصدقة والتحريم مشتركة، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة والهبات، والتحريم يستعمل في الظهار والأيمان، ويكون تحريما على نفسه وعلى غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم وتأبيد الوقف ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال فلا يحصل الوقف بمجردها، فإن انضم إلى هذه الألفاظ أحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها : أحدها : أن يضم إليها أحد ألفاظ خمسة وهي الصرائح الثلاث والكنابات، فيقول: تصدقت صدقة موقوفة، أو تصدقت صدقة محبسة، أو تصدقت صدقة مؤبدة، أو تصدقت صدقة مسبلة، أو تصدقت صدقة محرمة. الثاني: أن يصفها بصفات الوقف فيقول: صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، لأن هذه القرينة تزيل الاشتراك. (١) الشرح الصغير ٢٩٩/٢، ومغني المحتاج ٣٨٢/٢، ومنتهى الإرادات ٤٩٠/٢، والإنصاف ٥/٧. الثالث: أن ینوي الوقف فیکون علی ما نوی، إلا أن النية تجعله وقفاً في الباطن دون الظاهر لعدم الاطلاع على ما في الضمائر، فإن اعترف بما نواه لزم في الحكم لظهوره، وإن قال: ما أردت الوقف فالقول قوله، لأنه أعلم بما نوى. ومقابل الأصح عند الشافعية أن ((حرمت، وأبدت)) من الألفاظ الصريحة لإفادة الغرض كالتسبيل، ولأن التحريم والتأبيد في غير الأبضاع لا يكون إلا بالوقف فحمل عليه(١). أما الحنفیة فقد ذكروا بعض الصیغ دون بيان ما هو صريح وما هو كناية، وإن كان في مضمونه قريبا مما ذكره الجمهور. ألفاظ الوقف الدالة عليه عند الحنفية: ١١- وأما ركنه فالألفاظ الخاصة الدالة عليه هي : الأول: أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة على المساكين ولا خلاف فيه، الثاني: صدقة موقوفة، فهلال وأبو يوسف وغيرهما على صحته، لأنه لما ذكر صدقة عرف مصرفه وانتفى بقوله (موقوفة)) احتمال كونه نذراً، (١) المغني ٦٠٢/٥-٦٠٣، وشرح منتهى الإرادات ٤٩١/٢، والإنصاف ٥/٧، ومعونة أولي النهى ٧٤٣/٥، والمهذب ٤٤٩/١، ومغني المحتاج ٣٨٢/٢، وتحفة المحتاج ٦/ ٢٥٠. -١١٤- ... وقف ١١ ...... . . ... الثالث: حبس صدقة، الرابع: صدقة محرمة وهما كالثاني، الخامس: موقوفة فقط لا يصح إلا عند أبي يوسف، فإنه يجعلها بمجرد هذا اللفظ موقوفة على الفقراء، وإذا كان مفيداً لخصوص المصرف أعني الفقراء لزم كونه مؤبداً لأن جهة الفقراء لا تنقطع، قال الصدر الشهيد: ومشايخ بلخ یفتون بقول أبي يوسف، ونحن نفتي بقوله أيضاً لمكان العرف، وبهذا يندفع رد هلال قول أبي يوسف بأن الوقف يكون على الغني والفقير ولم يبين فيبطل، لأن العرف إذا كان يصرفه إلى الفقراء كان كالتنصيص عليهم، السادس: موقوفة على الفقراء صح عند هلال أيضاً لزوال الاحتمال بالتنصيص على الفقراء، السابع: محبوسة، الثامن: حبس وهما باطلان ولو كان في حبس مثل هذا العرف يجب أن يكون كقوله موقوفة، التاسع: لو قال: هي للسبيل، إن تعارفوه وقفاً مؤبداً للفقراء كان كذلك وإلا سئل فإن قال: أردت الوقف صار وقفاً لأنه محتمل لفظه، أو قال: أردت معنى صدقة فهو نذر فيتصدق بها أو بثمنها، وإن لم ينو كانت ميراثاً، ذكره في النوازل، العاشر: جعلتها للفقراء، إن تعارفوه وقفاً عمل به وإلا سئل فإن أراد الوقف فهي وقف أو الصدقة فهي نذر، وهذا عند عدم النية لأنه أدنى، فإثباته به عند الاحتمال أولى، الحادي عشر: محرمة، الثاني عشر: وقف وهو صحيح وهي معروفة عند أهل الحجاز، الثالث عشر: حبس موقوفة وهو كالاقتصار على موقوفة، الرابع عشر: جعلت نزل كرمي وقفاً، صار وقفاً فيه ثمرة أو لا، الخامس عشر: جعلت غلته وقفاً كذلك، السادس عشر: موقوفة الله بمنزلة صدقة موقوفة، الكل في فتح القدير وجزم في البزازية بصحة الوقف بقوله وقف أو موقوفة، السابع عشر: صدقة فقط كانت صدقة فإن لم يتصدق حتى مات كانت ميراثاً، كذا في الخصاف، الثامن عشر: هذه موقوفة على وجه الخیر أو على وجه البر تكون وقفاً على الفقراء. التاسع عشر: صدقة موقوفة في الحج عني والعمرة عني يصح الوقف، ولو لم يقل عني لا يصح الوقف، العشرون: صدقة لا تباع تكون نذراً بالصدقة لا وقفاً ولو زاد ((ولا توهب ولا تورث)» صارت وقفاً على المساكين، والثلاثة في الإسعاف، الحادي والعشرون: اشتروا من غلة داري هذه كل شهر بعشرة دراهم خبزاً وفرقوه على المساكين صارت الدار وقفاً، الثاني والعشرون: هذه بعد وفاتي صدقة يتصدق بعينها، أو تباع ويتصدق بثمنها ذكرهما في الذخيرة، الثالث والعشرون: أوصى أن يوقف ثلث ماله جاز عند أبي يوسف ويكون للفقراء وعندها لا يجوز إلا أن يقول: لله أبداً. -١١٥- ٠٠ وقف ١٢ كذا في التتارخانية، الرابع والعشرون: هذا الدكان موقوفة بعد موتي ومسبل ولم يعين مصرفاً لا يصح، الخامس والعشرون: داري هذه مسبلة إلى المسجد بعد موتي يصح إن خرجت من الثلث وعَيَّنَ المسجد وإلا فلا، السادس والعشرون: سبلت هذه الدار في وجه إمام مسجد كذا عن جهة صلواتي وصياماتي تصير وقفاً وإن لم تقع عنهما، والثلاثة في القنية، السابع والعشرون: جعلت حجرتي لدهن سراج المسجد ولم يزد عليه صارت الحجرة وقفاً على المسجد كما قال، وليس للمتولي أن يصرف إلى غير الدهن كذا في المحيط، الثامن والعشرون: ذكر قاضيخان من كتاب الوصايا رجل قال: ثلث مالي وقف، ولم يزد على ذلك قال أبو نصر: إن كان ماله نقداً فهذا القول باطل بمنزلة قوله: هذه الدراهم وقف، وإن كان ماله ضياعاً تصير وقفاً على الفقراء (١). ما يقوم مقام اللفظ: ١٢- كما يصح الوقف باللفظ فإنه يقوم مقام اللفظ ما يأتي: أ- الإشارة المفهمة من الأخرس (٢) (١) البحر الرائق ٥/ ٢٠٥-٢٠٦. (٢) مغني المحتاج ٣٨١/٢، وشرح منتهى الإرادات ٢٠/ ٤٩٠، ومعونة أولي النهى ٧٤٠/٥. ب- الكتابة سواء كانت من الأخرس أم من الناطق كالكتابة على أبواب المدارس والربط والكتب، لكن قال المالكية: إذا وجد مكتوباً على كتاب: وقف لله تعالى على طلبة العلم بالمدرسة الفلانية فإن كانت مشهورة بالكتب ثبتت وقفيته، وإن لم تكن مشهورة بذلك لم تثبت وقفيته، وقال الشافعية: يصح الوقف بكتابة الناطق مع نيته(١). ج- الفعل كمن يبني مسجداً أو رباطاً أو مدرسة ويخلي بين الناس وبين ما أعده من ذلك فإنه يصير وقفاً ولو لم يتلفظ، وكمن يجعل أرضه مقبرة ويأذن للناس إذناً عاماً بالدفن فيها، وهذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب، أما الشافعية فإن الأصل عندهم أن الوقف لا يصح إلا باللفظ أو الإشارة أو الكتابة، إلا أنهم استثنوا من اشتراط اللفظ ما إذا بنى شخص مسجداً في أرض موات ونوى جعله مسجداً فإنه يصير مسجداً ولم يحتج إلى لفظ، لأن الفعل مع النية هنا مغنيان عن القول، ووجهه السبكي بأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجداً(٢). (١) الشرح الصغير ٢٩٩/٢، والدسوقي ٨٥/٤، ومغني المحتاج ٣٨١/٢. (٢) الشرح الصغير ٢٩٩/٢، وشرح منتهى الإرادات ٤٩/٢، والإنصاف ٣/٧-٤، وحاشية ابن عابدين ٣٦٩/٣-٣٧٠، ومغني المحتاج ٣٨١/٢. -١١٦- وقف ١٣ قال الإسنوي: وقياس ذلك إجزاؤه في غير المسجد أيضاً من المدارس والربط وغيرها(١). أما من بنى مسجداً في ملكه فلا يصير وقفاً إلا بالقول، قال الشيرازي في المهذب: لا يصح الوقف إلا بالقول فإن بنى مسجداً وصلى فيه أو أذن للناس بالصلاة فيه لم يصر وقفاً، لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فلم يصح من غير قول مع القدرة كالعتق (٢). وقال الرملي: لو قال: أذنت في الاعتكاف فيه صار مسجداً بذلك، لأن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد بخلاف الصلاة(٣). والرواية الثانية عند الحنابلة: أن الوقف لا يصح إلا بالقول وحده (٤). ب- القبول: ١٣- يختلف الفقهاء في اشتراط القبول من الموقوف عليه أو عدم اشتراطه على الوجه الآتي : إن كان الموقوف عليه جهة لا يتصور منها القبول كالمساجد والقناطر، أو كان الموقوف عليه جهة غير محصورة كالفقراء والمساكين فإن الوقف لا يفتقر إلى القبول، ويكفي الإيجاب في (١) مغني المحتاج ٣٨١/٢، ٣٨٢. (٢) المهذب ٤٩٩/١. (٣) مغني المحتاج ٣٨٢/٢. (٤) الإنصاف ٧/ ٣-٤. انعقاده، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية وهو المذهب عند الحنابلة، وفي احتمال ذكره الناظم من الحنابلة أنه يشترط القبول في الموقوف علی غیر معین ویقبله نائب الإمام(١). وإن كان الموقوف عليه معيناً كزيد مثلاً فقد اختلف في اشتراط قبوله: فعند الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية وفي أحد الوجهين عند الحنابلة أنه يشترط قبول الموقوف عليه المعين إن كان من أهل القبول، فإن كان الموقوف عليه محجوراً عليه مثلاً قبل عنه وليه. والمذهب عند الحنابلة ومقابل الأصح عند الشافعية أنه لا يشترط قبول الموقوف عليه المعين، لأن استحقاق المنفعة كاستحقاق العتيق منفعة نفسه بالإعتاق، ولأن الوقف إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث فلم يعتبر فيه القبول(٢). (١) حاشية ابن عابدين ٣٦٠/٣، والإسعاف ص١٧، وحاشية الدسوقي ٨٨/٤، وجواهر الإكليل ١٠٨/٢، ومغني المحتاج ٣٨٣/٢، والروضة ٣٢٤/٥، والإنصاف ٢٦/٧، والفروع ٥٨٩/٤، ومعونة أولي النهى ٥/ ٧٨٠. (٢) حاشية ابن عابدين ٣٦٠/٣، والإسعاف ص١٧، وحاشية الدسوقي ٨٨/٤، وجواهر الإكليل ١٠٨/٢، ومغني المحتاج ٣٨٣/٢، والروضة ٣٢٤/٥، وتحفة المحتاج ٢٥١/٦، والمغني ٦٠٠/٥، ٦٠١، والإنصاف ٢٧/٧، وكشاف القناع ٢٥٢/٤، ومعونة أولي النهى ٥/ ٧٨٠-٧٨١. -١١٧- وقف ١٤ واشترط الشافعية- على القول باشتراط القبول من الموقوف عليه المعين كما في الأصح- أن يكون القبول على الفور عقب الإيجاب إن كان الموقوف عليه أو وليه حاضراً، فإن كان غائباً فلا تشترط الفورية في القبول عقب الإيجاب، وإنما يشترط القبول عقب بلوغ الخبر إليه وإن طال الزمن، قال الشبراملسي: ولو مات الواقف هل يكفي قبول الموقوف عليه بعد موته أو لا يكفي؟ فيه نظر، والظاهر عدم صحة القبول لإلحاقهم الوقف بالعقود دون الوصية(١). وقال الحارثي من الحنابلة: يشترط اتصال القبول بالإيجاب فإن تراخى عنه بطل كما يبطل في البيع والهبة، لكن قال الشيخ تقي الدين: إذا اشترط القبول على الموقوف عليه المعين فلا ينبغي أن يشترط المجلس، بل يلحق بالوصية والوكالة فيصح معجلاً ومؤجلاً بالقول والفعل، فأخذ ریعه قبول، وتصرف الموقوف عليه المعين يقوم مقام القبول بالقول(٢). رد الموقوف : ١٤- الرد لا يتصور إلا من الموقوف عليه المعين فإذا ردّ ولم يقبل ما وقف عليه فقد قال الحنفية: لو كان الوقف لشخص بعينه وآخِرُه (١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٣٦٩/٥، ومغني المحتاج ٢/ ٣٨٣. (٢) الإنصاف ٢٨/٧، والاختيارات الفقهية ص١٧٣. للفقراء فإن قبله کانت الغلة له، وإن رده تكون للفقراء ويصير كأنه مات، ومَنْ قبل ما وقف عليه فليس له الرد بعده، ومن رده أول مرة ليس له القبول بعده(١). وعند المالكية أنه إن رد الموقوف علیه المعین فالمنقول في المسألة كما في ابن شاس وابن الحاجب وابن عرفة وغير واحد قولان: أحدهما للإمام مالك وهو الراجح: أنه یکون وقفاً على غیر من رده باجتهاد الحاكم، وهذا إذا جعله الواقف حبساً مطلقاً، أما إن قصد الواقف المعين بخصوصه فرد فإنه يعود ملكاً للواقف. والقول الثاني لمطرف: وهو أنه يرجع ملكاً للواقف أو لورثته(٢). وقال الشافعية: لو رد الموقوف عليه المعين العين الموقوفة بطل حقه، سواء اشترط القبول من المعين أو لم يشترط، ولو رجع بعد الرد لم یعد له، لکن قال الروياني : إن رجع قبل حكم الحاکم برده إلى غيره كان له وإن حكم به لغيره بطل حقه وهذا في البطن الأول، أما البطن الثاني والثالث فنقل الإمام والغزالي أنه لا يشترط قبوله قطعاً، لأن استحقاقهم لا يتصل بالإيجاب، ونقلاً في ارتداده بردهم وجھین(٣). (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣٦٠، والإسعاف ص١٧. (٢) حاشية الدسوقي ٨٨/٤، والشرح الصغير ٣٠٠/٢. (٣) روضة الطالبين ٣٢٤/٥، ٣٢٥، ومغني المحتاج ٣٨٣/٢. -١١٨- وقف ١٥ والمذهب عند الحنابلة أنه لا يشترط القبول في الوقف مطلقاً، سواء أكان على معين أم كان على غير معين، وعلى ذلك فلا يبطل الوقف على المعين برده، فقبوله ورده سواء، وقال أبو المعالي: إنه يرتد برده كالوكيل إذا رد الوكالة وإن لم يشترط لها القبول، وعلى القول باشتراط القبول فإن رده الموقوف عليه بطل في حقه دون من بعده(١). قال ابن قدامة: وإن قلنا يفتقر إلى القبول فرده من وقف عليه بطل في حقه وصار كالوقف المنقطع الابتداء، يخرج في صحته في حق من سواه وبطلانه وجهان بناء على تفريق الصفقة، فإن قلنا بصحته فهل ينتقل في الحال إلى من بعده أو يصرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع إلى أن يموت الذي رده ثم ينتقل إلى من بعده؟ على وجهين (٢). لزوم الوقف : ١٥- اختلف الفقهاء في لزم الوقف، فذهب جمهور الفقهاء: المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب وأبو يوسف ومحمد من الحنفية إلى أن الوقف متى صدر ممن هو أهل للتصرف مستكملاً شرائطه أصبح لازماً، وانقطع حق (١) الإنصاف ٢٧/٧، ٢٨، وكشاف القناع ٢٥٢/٤، والمغني ٦٠١/٥، ومعونة أولي النهى ٧٨٠/٥. (٢) المغني لابن قدامة ٦٠١/٥. الواقف في التصرف في العين الموقوفة بأي تصرف بخل بالمقصود من الوقف، فلا یباع ولا يوهب ولا يورث، وذلك لقول النبي ◌َ ﴿ لعمر بن الخطاب ﴾: ((تصدق بأصله ولا يُباع ولا يوهب ولا يورث))(١) ولأن الوقف تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرد صدور الصيغة من الواقف كالعتق، ويفارق الهبة فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه فإلحاقه به أولى. وعند أبي حنيفة الوقف جائز غير لازم - كما سبق - وللواقف الرجوع فيه حال حياته مع الكراهة ويورث عنه، وإنما يلزم الوقف عنده بأحد أمرين: أن يحكم به القاضي، أو يخرجه مخرج الوصية، ولكن الفتوى عند الحنفية على قول أبي يوسف ومحمد وهو اللزوم، قال ابن عابدين نقلاً عن الفتح: والحق ترجيح قول عامة العلماء بلزومه لأن الأحاديث والآثار متضافرة على ذلك، واستمر عمل الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ذلك، فترجح قولهما. وفي رواية عن الإمام أحمد أن الوقف لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده، لأنه تبرع (١) حديث: ((تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا یورٹ). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٩٢/٥). -١١٩-٠ ٤ وقف ١٦ بمال لم يخرجه عن المالية، فلم يلزم بمجرد اللفظ كالهبة والوصية (١). قبض الموقوف: ١٦- اختلف الفقهاء في اشتراط قبض الموقوف لتمام الوقف ولزومه: فذهب جمهور الفقهاء: الشافعية والحنابلة في المذهب وأبو يوسف من الحنفية إلى أنه لا يشترط القبض لتمام الوقف ولزومه، لأن الوقف ليس بتمليك وإنما هو إخراج له عن ملكه إلى الوقف فأشبه الإعتاق. وعند المالكية ومحمد بن الحسن من الحنفية وفي رواية عن أحمد لا يتم الوقف إلا بالقبض كالصدقة لابد فيها من التسليم، ويعبر المالكية عن القبض بالحوز، قال الخرشي: إذا كان الوقف علی کبیر ولم یحزه قبل موت الواقف، أو قبل فلسه، أو قبل مرضه الذي مات فيه فإن الحبس يبطل، وإذا كان الموقوف عليه صغيراً فإن وليه يحوز عنه، والحوز أي القبض إما أن يكون حسيّاً وذلك بقبض الموقوف عليه (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٥٨/٣، ٣٦٧، والإسعاف ص٣، ٤، وحاشية الدسوقي ٧٥/٤، وحاشية العدوي بهامش الخرشي ٨٤/٧، وروضة الطالبين ٣٤٢/٥، والمهذب ٤٤٩/١، وكشاف القناع ٢٥٤/٤، ٢٩٢، والمغني ٦٠٠/٥، ومعونة أولي النھی ٥/ ٧٧٧. للموقوف، وإما أن يكون حكمياً وذلك بتخلیة الواقف للموقوف ورفع یده عنه، وذلك في وقف مثل المسجد والقنطرة والبئر وما شابه ذلك(١). وإنما يبطل الوقف قبل الحوز إذا حصل المانع من موت أو فلس أو مرض موت إذا لم يُطلع على الوقف إلا بعد حصول المانع. ولذلك قال العدوي: لو اطلع عليه قبل حصول المرض أو الفلس أو الموت فإنه يجبر على التحويز والتخلية، وإذا أراد الرجوع في الوقفية فليس له ذلك لأن الوقف يلزم بالقول(٢). وقال الخرشي: والمراد بالبطلان عدم التمام لا حقيقته(٣). ويعبر الحنفية عن القبض على قول محمد بالتسليم، وتسليم كل شيء بما يليق به: ففي المسجد بالإفراز والصلاة فيه، وفي المقبرة بدفن واحد فصاعداً، وفي السقاية بشرب واحد، وفي الخان بنزول واحد من المارة، لكن السقاية التي تحتاج إلى صب الماء فيها والخان الذي ينزله الحجاج بمكة والغزاة بالثغر لا بد فيهما من (١) حاشية ابن عابدين ٣٦٤/٣، والإسعاف ص١٥، والخرشي ٨٤/٧، والروضة ٣٤٢/٥، وكشاف .. القناع ٢٥٤/٤، وشرح المنتهى ٥١٤/٢، ومعونة أولي النھی ٥/ ٧٧٧. (٢) حاشية العدوي بهامش الخرشي ٧/ ٨٤. (٣) الخرشي ٧/ ٨٤. -١٢٠-