النص المفهرس

صفحات 81-100

وعظ ٤
وقال ابن الجوزي: لما كانت المواعظ
مندوباً إليها بقوله وثق: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى
تَنفَعُ الْمُؤْمِنَ ®﴾(١)، وقول النبي ◌َ﴾
(عاهدوا الناس بالتذكرة))(٢) ألّفتُ في هذا
الفن كتبا (٣).
وقال الرحيباني : ذكر الإمام (أحمد بن حنبل)
ألفاظاً كثيرة تدل على الحث على الوعظ،
وحسن حال الوعاظ مما قد يترتب على
وعظهم من الفوائد (٤).
وقال ابن العربي - وتبعه القرطبي - في شرحه
لقول الله : ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّنِمِ أَهِ﴾(٥): في هذا
دليل على جواز الوعظ المرفق للقلوب المقوي
(٦)
.
لليقين
وقد يكون الوعظ منهياً عنه كأن يهيج المصيبة
فيعتبر من النياحة(٧)
ومن أمثلة الوعظ المنهي عنه: الوعظ
(١) سورة الذاريات/ ٥٥.
(٢) حديث: «تعاهدوا الناس بالتذكرة .. »
ذكره الدیلمي في مسند الفردوس (٦٤/٢- ط دار
الكتاب العربي) بدون إسناد.
(٣) أبجد العلوم ٢/ ٥٣٥ ط دار الكتب العلمية.
(٤) مطالب أولي النهى ٢/ ٢٦١.
(٥) سورة إبراهيم/ ٥.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١١٠٤/٣، والجامع
لأحكام القرآن للقرطبي ٩/ ٣٤٢.
(٧) الإنصاف ٥٦٩/٢، والفروع لابن مفلح ٢٩١/٢.
للرئاسة، وكسب المال، والقبول لدى عامة
الناس(١).
فقد جاء في الفتاوى الهندية: لا يحل للواعظ
أن يسأل الناس شيئاً في مجلسه للوعظ لأنه
اكتساب الدنيا بالعلم (٢).
أركان الوعظ :
أركان الوعظ هي: الواعظ، والموعوظ،
وأسلوب الوعظ.
ونتناول كل ركن من هذه الأركان بالتفصيل
حسب الآتي :
الركن الأول: الواعظ:
شروط الواعظ :
٤- يشترط في الواعظ ما يلي:
أ- أن يكون مكلفاً أي عاقلاً بالغاً.
ب- أن يكون عدلاً.
ج- أن يكون محدّثاً، والمراد به: المشتغل
بكتب الحديث، بأن يكون قرأ لفظها وفهم
معناها وعرف صحتها وسقمها ولو بإخبار
حافظ أو استنباط فقيه.
(١) الدر المختار ٤٢١/٦ ط الحلبي، والفتاوى الهندية
٣١٩/٥، والآداب الشرعية ٢/ ٩١.
(٢) الفتاوى الهندية ٣١٩/٥.
- ٨١-

وعظ ٥
د- أن يكون مفسراً، والمراد به المشتغل
بشرح غریب کتاب الله وتوجيه مشکله، وبما
روي عن السلف في تفسيره.
ويستحب مع ذلك أن يكون فصيحاً لا يتكلم
مع الناس إلا قدر فهمهم، وأن يكون لطيفاً ذا
وجه ومروءة.
هـ- وأن يكون ميسراً لا معسراً(١).
آداب الواعظ:
٥- من آداب الواعظ والعالم والمعلم
ونحوهم: أن يجتنب الأفعال والأقوال
والتصرفات التي ظاهرها خلاف الصواب
وإن كان محقا فيها، لأنه إذا فعل ذلك
ترتب عليه مفاسد.
من جملتها : توهم کثیر ممن يعلم ذلك منه أن
هذا جائز على ظاهره بكل حال، وأن يصبح ذلك
شرعاً وأمراً معمولاً به أبدا من غير تقييد
بالمحمل الذي صحبه مقصوراً.
ومنها : وقوع الناس في الواعظ بالتنقيص
بكونه يباشر ما لا يجوز، فيطلقون ألسنتهم عليه
وینفرون عنه.
ومنها : أن الناس يسيئون الظن به فينفروا
(١) أبجد العلوم ٥٣٦/٢ ط دار الكتب العلمية.
عنه، وينّفرون غيرهم عن أخذ العلم عنه، وتسقط
رواياته وشهاداته، ويبطل العمل بفتواه،
ويذهب ركون النفس إلى ما يقوله من
العلوم، وذلك لانطلاق الألسنة فيه
المقتضي عادة قلة الوثوق ممن كان كذلك،
وهذه مفاسد ظاهرة ينبغي اجتناب أفرادها، فإن
احتاج إلى شيء من ذلك- وكان محقاً في نفس
الأمر- لم يظهره خشية من حصول الضرر
المذكور، فإن ظهر من غير قصده، أو
أظهره قصداً ليعلم جوازه مثلاً، فينبغي أن
يقول: هذا الذي فعلته ليس بحرام، وإنما
فعلته لتعلموا أنه ليس بحرام إذا كان على
هذا الوجه الذي فعلته، وهو كذا وكذا
وكذا، ودليله كذا وكذا، وذلك لما ورد
عن سهل بن سعد الساعدي ﴾ قال: ((أنه
لما سئل عن منبر رسول الله صل قال: قام
عليه رسول الله ﴿ حين عمل ووضع،
فاستقبل القبلة، كبر وقام الناس خلفه،
فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع
رأسه، ثم رجع القهقرى فسجد على
الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم ركع ثم
رفع رأسه، ثم رجع القهقرى حتى سجد
بالأرض ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها
الناس، إني صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلّموا
صلاتي))(١)، ولحديث صفية أم المؤمنين رضي
(١) حديث سهل بن سعد ((لما سئل عن منبر رسول الله
=
-٨٢-

وعظ ٦ -٧
الله عنها قالت: ((كان النبي ﴿ معتكفاً فأتيته
أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت لأنقلب، فقام معي
ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد،
فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي الخير
أسرعا، فقال النبي ێے: على رسلكما، إنها بنت
حيي، فقالا : سبحان الله يا رسول الله، فقال: إن
الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني
خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً)(١).
ولما ورد ((أن عليا # شرب قائما، وقال:
رأيت رسول الله* فعل كما رأيتموني
فعلت))(٢).
قال ابن علان: فعل علي لتبليغ شرعه وَّر،
وأن فعله لبيان الجواز، وأن نهيه الغر عن
الشرب قائماً (٣) ليس على سبيل التحريم، بل
على سبيل الكراهة والتنزيه (٤).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٨٦/١) ومسلم (١/
=
٣٨٧)، واللفظ للبخاري ما عدا القول المرفوع فهو
لمسلم.
(١) حديث صفية رضي الله عنها: (كان النبي ◌َّه
معتکفا ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٧٨/٤)، ومسلم (٤/
١٧١٢) واللفظ لمسلم.
(٢) حديث علي ((أنه شرب قائماً ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ٨١/١٠).
(٣) حديث: (نهيه ﴿ ﴿ عن الشرب قائماً»
أخرجه مسلم (١٦٠٠/٣) من حديث أنس بن مالك.
(٤) الفتوحات الربانية ٦/ ٢٨٢، وما بعدها.
منع من ليس أهلاً للوعظ من الوعظ:
٦- ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من
تصدى للوعظ وليس من أهله، أو كان
يكذب، فإنه يمنع من ذلك، لأنه لا يؤمن
اغترار الناس به في تأويل أو تحريف(١).
أما المبتدع فلا يجوز حضور مجلسه إلا على
قصد إظهار الرد عليه، إما للكافة إن قدر على
ذلك، أو لبعض الحاضرين حواليه، فإن لم يقدر
فلا يجوز له الجلوس، قال تعالى: ﴿وَإِنَا رَأَيْتَ أَلَّذِينَ
يَخُوضُونَ فِيَ اءَكِنَا ◌َِضْ عَنْهُمْ حَ يَخُوضُواْ فِ حَدِيثٍ
غَيْءٍ﴾(٢).
الركن الثاني: الموعوظ
٧- من آداب الموعوظ ما يلي:
أ- من آداب الموعوظين والمستمعين للوعظ
أن ينصتوا للواعظ وأن لا يتكلموا فيما بينهم فإن
لم ينصتوا فللواعظ أن يطلب من الحاضرين
الاستماع إلى وعظه، لأن ذلك سبب لتيسير
وصول الوعظ إليهم، لحديث جرير بن عبد الله ﴾
أن النبي ◌َّه قال له في حجة الوداع: ((استنصت
الناس. فقال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب
(١) روضة الطالبين ٢١٨/١٠ ط المكتب الإسلامي،
والآداب الشرعية ٨٩/١-٩٣.
(٢) سورة الأنعام/ ٦٨.
-٨٣-

وعظ ٨
بعضكم رقاب بعض))(١) قال العلماء: فيه أن
الإنصات للعلماء لازم للمتعلمين، لأن العلماء
ورثة الأنبياء وكانت الخطبة المذكورة في حجة
الوداع، والجمع كثير جداً، وكان اجتماعهم
لرمي الجمار وغير ذلك من أمور الحج، وقد قال
لهم مثل: ((خذوا عني مناسككم) (٢) فلما خطبهم
ليعلمهم ناسب أن يأمرهم بالإنصات.
وقال سفيان الثوري وغيره: أول العلم
الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم
العمل، ثم النشر (٣).
ب- ومن آداب الموعوظين والمستمعين أن
يستقبلوا الواعظ.
ج- ومن آدابهم أن لا يلعبوا ولا يلغطوا أثناء
الوعظ.
د- من آدابهم ألا يكثروا السؤال من الواعظ
في كل مسألة، بل إذا عرض خاطر فإن كان لا
(١) حديث جرير بن عبد الله: ((استنصت الناس .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٢١٧)، ومسلم (١/
٨١-٨٢).
(٢) حديث: «خذوا عني مناسككم .. ))
أخرجه مسلم (٩٤٣/٢)، والبيهقي في السنن
(١٢٥/٥) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ
للبيهقي.
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٢١٧/١،
والفتوحات الربانية ٢٨١/٦، ودليل الفالحين شرح
رياض الصالحين ١٦٥/٣.
يتعلق بالمسألة تعلقاً قوياً أو كان دقيقاً لا يتحمله
فهم العامة فليسكت الموعوظ عنه في المجلس
الحاضر، فإن شاء سأله في الخلوة، وإن كان له
تعلق قوي کتفصیل إجمال، وشرح غریب فلينتظر
حتى ينقضي كلامه(١).
الركن الثالث: أسلوب الوعظ ومنهجه:
يراعى في أسلوب الوعظ ما يلي:
أولاً: استعمال الألفاظ الظاهرة الدالة على
المراد :
٨- ينبغي للواعظ أن يوضح الكلام باستعمال
الألفاظ الظاهرة الدالة على المراد، واجتناب
الغريب من الكلمات بالنسبة للموعوظ، وعدم
إخفاء شيء من حروف الكلمات حتى يسهل على
الموعوظ فهمه، لحديث عائشة رضي الله عنها
قالت: ((كان كلام رسول الله وَظله كلاماً فصلاً
يفهمه كل من سمعه)) (٢) لأن النبي* كان
يخاطب كلاً بقدر فهمه وعلى حسب استعداده.
قال ابن علان نقلاً عن السخاوي في شرح
الحديث ((كلاماً فصلاً)) أي مفصولاً بعضه من
بعض لبيانه ووضوحه مع اختصاره، ثم قال:
(١) أبجد العلوم ٢/ ٥٣٧-٥٣٨.
(٢) حديث: ((كان كلام النبي # فصلاً .. )).
أخرجه الترمذي (٦٠٠/٥)، وأبو داود (١٧٢/٥)
واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: حسن صحيح.
-٨٤-

وعظ ٩- ١٠
وحاصله أنه لا يلتبس معناه بمعنى غيره،
ويحتمل أن يكون المراد: فاصلاً بين الحق
والباطل، أو مفصولاً عن الباطل ومصونا عنه،
فليس في كلامه باطل أصلا، والأول أنسب.
وقول عائشة رضي الله عنها: «يفهمه كل من
يسمعه)) أي ممن هو من أهل الفهم(١).
ثانياً: تكرار كلمات الوعظ:
٩- ينبغي للواعظ أن يكرر الكلمات إذا لم
يفهمها الموعوظ إلا بذلك التكرار، أو إذا كان
الغرض منه لمزيد الاعتناء بمدلول تلك
الكلمات، أو إذا كان ذلك لكثرة
المخاطبين، فيعيد حتى يستيقن سماع
الجميع، لحديث أنس # عن النبي 10:
((أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى
تفهم عنه))(٢).
قال ابن علان: المراد بالكلمة هنا ما يشمل
الجملة والجمل مما لا يتبين لفظه أو معناه إلا
بإعادته، فكان النبي ﴿ يعيدها لذلك، أو أن
ذلك محمول على ما إذا عرض للسامعين ما خلط
عليهم فيعيده لهم ليفهموه، أو محمول على ما إذا
كثروا ولم يستيقن سماع جميعهم فيعيد ليسمع
(١) فتح الباري شرح البخاري ١٨٨/١-١٨٩،
والفتوحات الربانية ٢٩٦/٦، ودليل الفالحين ١٦٤/٣.
(٢) حديث: ((أن النبي ◌َ﴿ كان إذا تكلم .. )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٨٨/١).
الكل، ثم قال: وفيه دليل على أنه يندب للمعلم
أن يعيد ما يحتاج إلى الإعادة كي يفهم عنه(١).
ثالثاً: مراعاة أحوال الناس في الوعظ:
١٠- يراعى في أسلوب الوعظ أن لا يحدث
الواعظ الناس بما لا يفهمونه مما لا تطيق
عقولهم قبوله، أو بما يخاف عليهم من
تحريفه إذا أرادوا نقله والتعبير عنه لعدم
قدرتهم على التعبير عنه على ما هو عليه
لغموضه ودقته، وإن كان مما يتسع له عقل
المخاطب، کما لا يحدثهم بما یخاف حمله على
خلاف المراد المتبادر منه إلى الذهن، فينهى
العالم والواعظ والقاصّ عن ذكر ذلك من غير
بيان الحال، لئلا يحمله المخاطب على خلاف
المراد. لما ورد عن علي ﴾ قال: «حدثوا الناس
بما یعرفون، ودعوا ما ینكرون، واتركوا ما يشتبه
علیهم فهمه، أتحبون أن یکذب الله ورسوله))(٢).
قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: وفيه
دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند
العامة(٣).
ولما ورد عن عبد الله بن مسعود ﴾ قال: «ما
،
(١) الفتوحات الربانية ٢٩٦/٥، ودليل الفالحين ٣/
١٦٤، وفتح الباري ١٨٨/١.
(٢) أثر علي: ((حدثوا الناس بما يعرفون .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٢٥/١).
(٣) الفتوحات الربانية ٢٧٩/٦، وما بعدها، وفتح الباري
شرح صحيح البخاري ٢٢٥/١.
-٨٥-

..
وعظ ١١- ١٢
أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان
لبعضهم فتنة))(١).
رابعاً: الاقتصاد في الوعظ:
.. ١١- يراعى في الوعظ أن يكون مقتصداً
متوسطاً بين البسط المؤدي إلى الإملال والسآمة
وبين الإيجاز المؤدي إلى الإخلال أو عسر الفهم
للمقال، لأن خير الأمور أوسطها، وأحسن
المواعظ ما كان جزلا جامعا بليغا نافعا،
ولأن خير الكلام ما قل ودل، لما روى
عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال:
(سمعت رسول الله﴾ يقول: إن طول
صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه،
فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة))(٢).
قال العلماء: وإنما كان كذلك، لأن الفقيه
يعلم أن الصلاة مقصودة بالذات والخطبة توطئة
لها، فيصرف العناية إلى ما هو الأهم، ولأن
الصلاة عبودية العبد، والإطالة فيها مبالغة في
العبودية، والخطبة المراد منها التذكير، وما قل
وقر خير مما كثر وفر (٣).
(١) أثر ابن مسعود: ((ما أنت بمحدث قوماً ... ))
أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١١/١).
(٢) حديث: ((إن طول صلاة الرجل ... ))
أخرجه مسلم (٥٩٤/٢).
(٣) الفتوحات الربانية ٢٣٦/٦ وما بعدها، ودليل
الفالحين شرح رياض الصالحين ١٦٦/٣، ١٦٨،
١٧٢، وانظر فتح الباري ١/ ١٦٣، والآداب الشرعية
٩٨/١، ٩٣/٢.
٠ ١٢- وذهب العلماء إلى استحباب تعهد
الناس بالوعظ ومراعاة الأوقات في
وعظهم، ويتحرى من الأوقات ما كان مظنة
القبول، ولا يعظ الناس كل يوم حتى لا يسأموا
من سماع الموعظة.
والضابط في ذلك الحاجة مع مراعاة وجود
النشاط من الناس، لأن المواعظ إذا كثرت لم
تؤثر في القلوب، فتسقط بالإكثار فائدة
المواعظ.
وذهب العلماء أيضاً إلى استحباب أن يجعل
الواعظ لوعظه وقتاً محدداً كيوم الخميس(١)،
والأصل في ذلك كله ما ورد عن ابن مسعود ﴾
قال: ((كان النبي* يتخولّنا بالموعظة في الأيام
كراهة السآمة علينا))(٢).
وكذلك ما ورد عن عبد الله بن مسعود أيضاً
((أنه کان یذکّر الناس في كل خميس، فقال له
رجل : يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا کل
يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن
أُملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي
* يتخولنا بها مخافة السآمة علينا))(٣).
(١) فتح الباري ١٦٢/١-١٦٣، وعمدة القاري ٤٤/٢-
٤٧ الطبعة المنيرية، وقواعد الأحكام ١٧٦/٢ ط دار
الكتب العلمية، والآداب الشرعية ١٠٨/٢ ط مكتبة
الرياض الحديثة.
(٢) حديث: ((كان النبي * يتخولنا بالموعظة .. )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٦٢/١).
(٣) حديث ابن مسعود: ((أنه كان يذكر الناس .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٦٣/١).
-٨٦-

وعظ ١٣-١٤
خامساً: التعرف على المنكر وكيفية وعظ
مرتکبه :
١٣- على الواعظ أن يكون عارفاً بالمنكر
الذي ينهى عنه، وعارفاً بحال الموعوظ، من
کونه قد ارتکبه عن جهل أو عن علم، وقد نص
العلماء على درجات في وعظ كل واحد من
هؤلاء :
فالنهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله ێ،
وذلك فيمن يقدم على الأمر، وهو عالم بكونه
منكراً، أو فيمن أصرَّ عليه بعد أن عرف كونه
منكراً، كالذي يواظب على الشراب، أو على
الظلم أو على اغتياب المسلمين، أو ما يجري
مجراه، فينبغي أن يوعظ، ويخوف بالله تعالى
وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك،
وتحكى له سيرة السلف وعبادة المتقين، وكل
ذلك بشفقة ولطف من غیر عنف و غضب ؛ بل ينظر
إليه نظر المترحم عليه، ويرى إقدامه على
المعصية مصيبة على نفسه، إذ المسلمون
کنفس واحدة.
وقال بعض السلف: ينبغي أن يكون الوعظ
والنصح في سر لا يطلع عليه أحد، فما كان على
الملأ فهو توبيخ وفضيحة، وما كان في السر فهو
شفقة ونصيحة.
فعن أم الدرداء الصغرى قالت: من وعظ
-٨٧-
أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد
شانه(١).
قال الشيخ عبد القادر الكيلاني: والأولى له
أن يأمره وينهاه في خلوة، ليكون ذلك أبلغ
وأمكن في الموعظة والزجر والنصيحة له،
وأقرب إلى القبول والإقلاع، فإن فعل ذلك
ولم ينفعه أظهر - حينئذ- ذلك، واستعان عليه
بأهل الخير، وإن لم ينفع فبأصحاب
السلطان (٢).
١٤- وقال العلماء: ومن درجات النهي عن
المنكر التعنيف بالقول الغليظ الخشن، وذلك
يعدل إليه عند العجز عن المنع باللطف وظهور
مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح،
وذلك مثل قول إبراهيم صلوات الله عليه ﴿أُنّ ◌َّكُ
وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(٣).
ثم يجب أن يكون قصد الآمر الناهي من تغليظ
القول وتخشينه رجوع المأمور عن ذلك المنكر لا
الانتصار لنفسه (٤).
(١) أثر أم الدرداء: ((من وعظ أخاه سراً .. ))
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١١٢/٦ - ط دار
الكتب العلمية).
(٢) الكنز الأكبر ص٢٣٨ - ٢٤٠، والإحياء ١٨٢/٢،
والقنية ص٥٨.
(٣) سورة الأنبياء/ ٦٧.
(٤) الإحياء ٣٣٠/٢، والكنز الأكبر ص٢٤٣.

وعظ ١٥-١٦
سادساً: ما ينبغي استخدامه في الوعظ من
آیات وأحاديث وقصص :
١٥- قال بعض المحققين: والذي ينبغي
الآمر الناهي بالوعظ وحمل الناس على ترك
الذنوب والمعاصي أن يستعمل في ذلك أربعة
أنواع:
الأول: أن يذكر ما في القرآن من الآيات
المخوفة للعاصین والمذنبين، وكذلك ما ورد
من الأحاديث والآثار وأقوال السلف من العلماء
والصلحاء وغيرهم.
الثاني: أن يذكر حكايات الأنبياء والسلف
وما جرى عليهم من المصائب.
الثالث: أن يقرر أن تعجيل العقوبة في الدنيا
متوقع على الذنب، وأن كل ما يصيب العبد من
المصائب فهو بسبب جناياته، فكم من عبد
يتساهل في أمر الآخرة ويخاف من عقوبة
الله في الدنيا أكثر لفرط جهله، فينبغي أن
يخوف به، فإن الذنوب كلها يتعجل شؤمها
في الدنيا، ففي حديث ثوبان مرفوعاً: ((إن
الرجل ليحرم الرزق بسبب الذنب يصيبه ... ))(١).
قال ابن مسعود : إني لأحسب أن العبد
(١) حديث: ((إن الرجل ليحرم الرزق ... ))
أخرجه أحمد (٢٧٧/٥) وفي إسناده جهالة الراوي
عن ثوبان، كما في الميزان للذهبي (٢/ ٤٠٠).
ينسى العمل بذنب يصيبه.
الرابع: من صفة الوعظ أن يذكر ما وقع من
العقوبات على آحاد الذنوب في محله کالخمر
والزنا والسرقة والقتل والغيبة والكبر والحسد
وغير ذلك مما لا يمكن حصره (١).
الأحكام المتعلقة بالوعظ :
للوعظ أحكام ذكرها الفقهاء في مختلف
الأبواب الفقهية منها:
أ- وعظ الزوجة:
١٦- اتفق الفقهاء على أن المرأة إذا نشرت
يقوم الرجل بوعظها، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَِّي
تَمَافُونَ نُشُوزَهُرَ فَعِظُوهُرَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِىِ الْمَضَاجِعِ
وَأَخْرِبُهُنٍّ فَإِنْ أَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَِّنَّ سَبِيلاً﴾(٢).
واختلفوا في وعظها إذا ظهرت أمارات
النشور.
والتفصيل في (نشوز ف ١٤).
والوعظ يكون بأن يقول الزوج لها : كوني من
الصالحات القانتات الحافظات للغيب، ولا
تكوني من كذا وكذا، ويذكر لها ما أوجب الله
عليها من الحق وما يلحقها من الإثم بالمخالفة،
(١) الکنز الأکبر ص٢٤١ -٢٤٢.
(٢) سورة النساء/ ٣٤.
-٨٨-

وعظ ١٧
وما يسقط بذلك من النفقة والكسوة، وما يباح له
من هجرها وضربها(١).
ب- وعظ المتلاعنّيْن:
١٧- يرى المالكية والشافعية أنه يسن تخويف
المتلاعنين بالوعظ، بأن يقال لهما قبل الشروع
في اللعان عند الأولى وعند الشروع في الثانية
والثالثة والرابعة وخصوصاً عند الخامسة: إن
الإقدام على الحلف بالله كاذباً فيه الوبال
الأخروي والدنيوي، والاعتراف بالحق فيه
النجاة وإن لزمه الحد، لأنه يكون كفارة له
ونحو ذلك، وقد قال رسول الله صل الهلال: ((اتق
الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب
الآخرة))(٢).
ويقرأ عليهما ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ
ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ اْلَخِرَةِ وَلَا يُكَلِمُهُمُ
اللّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِرٌ ﴾﴾ (٣) ويقال لهما كما قال وصله
للمتلاعنين: ((إن الله يعلم أن أحدكما كاذب،
فهل منكما من تائب))(٤).
(١) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢، وكشاف القناع ٢٠٩/٥،
ومغني المحتاج ٢٥٩/٣.
(٢) حديث: ((اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب
الآخرة ... »
أخرجه أبو داود (٦٨٩/٢) من حديث ابن عباس.
(٣) سورة آل عمران/ ٧٧.
(٤) حديث: ((إن الله يعلم أن أحدكما كاذب .. ))
وقال ابن شاس: فأما سنة اللعان فأن يخوفا،
فيقال للزوج: تب إلى الله رك تجلد ويسقط عنك
المأثم، ويقال للمرأة أيضاً نحو ذلك.
وصرح الشافعية بأنه يبالغ القاضي ومن في
حكمه في وعظ المتلاعنين ندباً عند الخامسة من
لعانهما قبل شروعهما فيها، فيقول للزوج: اتق
الله في قولك: عليّ لعنة الله، فإنها موجبة للعن إن
كنت كاذباً، ويقول للزوجة : اتقي الله في قولك:
غضب الله عليّ، فإنها موجبة للغضب إن كنت
كاذبة، لعلهما ینزجران أو یترکان، ویأمر رجلا
أن يضع يده على فيه، وامرأة أن تضع يدها على
فيها، للأمر بذلك في خبر أبي داود(١)، ويأتي
الذي يضع يده من ورائه، فإن أبيا إلا إتمام اللعان
تركهما على حالهما ولقنهما الخامسة(٢).
وصرح الحنابلة بأنه يستحب موعظة الإمام
للمتلاعنين بعد الرابعة وقبل الخامسة، فإذا بلغ
كل منهما الخامسة أمر الحاكم رجلاً فأمسك بيده
فم الرجل، وأمر امرأة تضع يدها على فم المرأة،
ثم يعظه فيقول : اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب
الدنيا أهون من عذاب الآخرة، لما روى ابن
عباس رضي الله عنهما في قصة هلال قال: ((فشهد
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٤٩/٨) من حديث ابن
=
عباس.
(١) حديث: ((الأمر بوضع اليد على في المتلاعن .. ))
أخرجه أبو داود (٦٨٨/٢).
(٢) الشرح الصغير ٦٦٦/٢، وعقد الجواهر الثمينة
٢٤٨/٢، ومغني المحتاج ٣٧٨/٣.
-٨٩-

وعظ ١٨ - ٢٠
أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، ثم أمر به
فأمسك علی فیه فوعظه وقال : ويحك كل شيء
أهون عليك من لعنة الله ثم أرسله، فقال: لعنة الله
عليه إن كان من الكاذبين. ثم أمر بها فأمسك على
فيها فوعظها وقال: ويحك كل شيء أهون عليك
من غضب الله(١).
جـ- الوعظ قبل صلاة الاستسقاء:
١٨- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الإمام إذا
أراد صلاة الاستسقاء يستحب له وعظ الناس
وتذكيرهم بالخير، وأمرهم بالتوبة من المعاصي
وبالخروج من المظالم، وبأداء الحقوق إلى
أصحابها.
انظر مصطلح (استسقاء ف ٩ وما بعدها).
د- الوعظ بعد صلاة الكسوف:
١٩- صرح المالكية بأنه يندب الوعظ بعد
صلاة الكسوف.
قال ابن عبد الحكم: يستقبل الإمام الناس
بعد سلامه، فيذكرهم ويخوفهم ويأمرهم أن
يدعوا الله ويكبروا ويتصدقوا(٢).
(١) الشرح الكبير مع المغني ٦٤/٩، وكشاف القناع
٣٩٣/٥.
وأثر ابن عباس أورده ابن قدامة في المغني
(١٧٩/١١- ط دار هجر) وعزاه إلى أبي إسحاق
الجوزجاني.
(٢) التاج والإكليل ٢/ ٢٠٢.
وقال الحنفية والحنابلة: لاخطبة لصلاة
الكسوف (١)
ونص الحنفية على أنه يدعو الإمام بعد الصلاة
جالساً مستقبل القبلة إن شاء، أو يدعو قائماً
مستقبل الناس، وإذا دعا يؤمنون على دعائه.
وصرح الحنابلة: بأنه يستحب ذكر الله
والدعاء والتكبير والاستغفار والصدقة
والعتق والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع(٢).
وقال الشافعية: يسن أن يخطب لصلاة
الكسوف خطبتين بعد الصلاة كخطبتي
الجمعة في الأركان(٣).
(ر: صلاة الكسوف ف٧)
هـ- وعظ السلطان:
٢٠- لا خلاف بين الفقهاء في جواز وعظ
السلطان وأمره بالمعروف ونهيه عن المنکر إذا
كان عادلاً (٤).
واختلفوا في حكم وعظ السلطان إذا كان
جائراً.
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٢٩٨،
والمغني لابن قدامة ١/ ٤٢٥.
(٢) مراقي الفلاح ص٢٩٨، والمغني لابن قدامة ٢/
٤٢٥، وكشاف القناع ٦١/٢.
(٣) أسنى المطالب ٢٨٦/١، ومغني المحتاج ٣١٨/١.
(٤) الكنز الأکبر ص١٨٩.
-٩٠۔

وعظ ٢١
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية
إلى جواز وعظ السلطان بالرفق واللين.
وأما تخشين القول: فقد نص الشافعية وابن
الجوزي على أن تخشين القول له کقوله: یا
ظالم، يا من لا يخاف الله، وما يجري مجراه
فذلك إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره لم
يجز. أما إن كان هذا الشر لا يعود إلا على الواعظ
فهو جائز ومندوب إليه(١). وذلك لقوله وقالآخر: ((إن
من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان
جائر))(٢).
وذهب المالكية إلى وجوب وعظ السلطان
وتخويفه وتحذيره من العاقبة في الدنيا والآخرة.
قال أبو عمر في قوله الجر: ((الدين النصيحة،
قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه،
ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»(٣):
أوجب ما يكون هذا على من واكلهم
وجالسهم، وكل من أمكنه نصح السلطان
(١) الفتاوى الهندية ٣٥٣/٥، وإحياء علوم الدين
٣٤٣/٢ ط دار المعرفة، والآداب الشرعية ١٩٥/١ -:
١٩٧، والکنز الأکېر ص٢٠٢-٢٠٣.
(٢) حديث: ((إن من أعظم الجهاد كلمة عدل .. ))
أخرجه الترمذي (٤٧١/٤) من حديث أبي سعيد
الخدري وقال: حديث حسن غريب.
(٣) حديث: ((الدين النصيحة .. ))
أخرجه مسلم (٧٤/١) من حديث تميم الداري.
لزمه ذلك، قال مالك: وذلك إذا رجا أن
يسمع(١).
وقال الحنابلة فى رواية : إن ترك الإنكار على
السلطان الجائر أفضل.
وقال الإمام أحمد: لا يتعرض للسلطان فإن
سيفه مسلول(٢).
وصرح الحنابلة بأنه إذا قلنا بالإنكار على
السلطان ونحوه من الأئمة فيكون حينئذ
بالتعريف والوعظ بالكلام اللطيف، ويذكر
له العاقبة في الدنيا والآخرة فيجب ذلك
لقوله تعالى خطاباً لنبيه موسى وهارون
حين أرسلهما إلى عدوهما فرعون ﴿فَقُولَا لَمُ
قَلَا أَّأَ﴾(٣). أي كنياه، وقيل: القول اللين هو
الذي لا خشونة فيه، فإذا كان موسى أمر أن يقول
لفرعون قولاً ليناً فمن دونه أحرى بأن يقتدي
بذلك في خطابه وأمره بالمعروف وكلامه(٤).
و - وعظ البغاة :
٢١- إذا بعث الإمام إلى البغاة من يسألهم
ويكشف لهم الصواب فأبوا الرجوع، فقد
اختلف الفقهاء في حكم وعظهم:
(١) التاج والإكليل ٢٧٧/١، والكنز الأكبر ص ١٩٠،
والآداب الشرعية ١/ ١٩٧.
(٢) الآداب الشرعية ١/ ١٩٧.
(٣) سورة ط/ ٤٤.
(٤) الكنز الأكبر ص٢٠٢.
-٩١-

وعظ ٢٢- ٢٣
فذهب المالكية والحنابلة إلى وجوب وعظ
البغاة وتخويفهم القتال، وإنما كان ذلك لأن
المقصود کفهم ودفع شرهم لا قتلهم، فإذا أمكن
بمجرد القول كان أولى من القتال، لما فيه من
الضرر بالفريقين، فإن فاءوا وإلا قاتلهم(١)،
لقوله : ﴿فَقَدِلُواْ الَّى تَبْغِى حَّ تَفَِّ إِلَى أَمْرٍ أَوْ﴾ (٢).
وقال الحنفية: ينبغي لأهل العدل إذا لقوا
أهل البغي أن يدعوهم إلى العدل، مکذا روي
عن علي ﴾ أنه بعث ابن عباس رضي الله عنهما
إلى أهل حرورا حتى ناظرهم ودعاهم إلى
التوبة، ولأن المقصود ربما يحصل من غير
قتال بالوعظ والإنذار، فالأحسن أن يقدّم ذلك
على القتال، لأن الكي آخر الدواء، وإن لم
يفعلوا فلا شيء عليهم، لأنهم قد علموا ما
يقاتلون عليه، فحالهم في ذلك کحال المرتدين
وأهل الحرب الذين بلغتهم الدعوة(٣).
ويرى الشافعية استحباب وعظهم ترغيباً
وترهيباً، وتحسين اتحاد كلمة الدين لهم
وعدم شماتة الكافرين(٤).
(ر: بغاة ف ١٠).
(١) الشرح الصغير ٤٢٨/٤، والمغني مع الشرح الكبير
٥٢/١٠-٥٤، وكشاف القناع ٦/ ١٦٢.
(٢) سورة الحجرات/ ٩.
(٣) المبسوط السرخسي ١٢٨/١٠.
(٤) نهاية المحتاج ٣٨٦/٧.
التكسب بالوعظ :
٢٢- لا يحل للواعظ سؤال الناس شيئاً لنفسه
في مجلس الوعظ، لأنه اكتساب الدنيا بالعلم.
وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة(١).
حضور النساء مجالس الوعظ :
٢٣- ذهب الحنفية والشافعية إلى كراهة
حضور النساء مجالس الوعظ إذا كانت
المرأة شابة وذلك لخشية الفتنة.
أما العجائز فلهن حضور مجالس الوعظ
وذلك لأمن الفتنة(٢)، فعن عمرة بنت عبد
الرحمن أنها سمعت عائشة زوج النبي ﴾
تقول: ((لو أن رسول الله﴾ رأى ما أحدث
النساء لمنعهن المسجد، كما منعت نساء بني
إسرائيل، قال: فقلت لعمرة: أنساء بني إسرائيل
مُنِعْن المسجد؟ قالت: نعم))(٣).
(١) الفتاوى الهندية ٣١٩/٥، والآداب الشرعية ٢/ ٩١.
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٣٨٠، وانظر شرح مسلم
للنووي ٤٠٥/٤-٤٠٦، وفتح الباري شرح البخاري
٤٢٤/١، ٤٧١/٢.
(٣) حديث عائشة: ((لو أن رسول الله﴾ رأى ما أحدث
النساء .. »
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٤٩/٢)، ومسلم (١/
٣٢٩) واللفظ لمسلم.
- ٩٢-
:

وفاء ١-٣
وفَاء
التعريف :..
١ - الوفاء في اللغة: ضد الغدر، وهو مصدر
للفعل وَفَى، يقال: وفى يفي وفاءً وَوَفْياً أي تَمَّ،
ووفّی فلان نذره: أدَّاه ووفَّی بعهده: عمل به.
وأوفى الكيل: أتمه ولم ينقص منه شيئاً.
وأوفى فلاناً حقه: أعطاه إياه وافياً تاماً، وحكى
أبو زيد: وفّی نذره وأوفاه: أي أبلغه، وفي
التنزيل العزيز: ﴿وَإِزَّهِمَ اَلَّذِى وَلْ﴾(١). قال
الفراء: أي بلّغ، وقال أبو بكر في قولهم: الزم
الوفاء: معنى الوفاء في اللغة: الخُلُق الشريف
العالي الرفيع(٢).
والوفاء اصطلاحاً: ملازمة طريق المواساة،
ومحافظة العهود، وحفظ مراسم المحبة
والمخالطة سراً وعلانية، حضوراً وغيبة (٣).
(١) سورة النجم/ ٣٧.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والمعجم الوسيط.
(٣) قواعد الفقه للبركتي، والتعريفات للجرجاني،
ودستور العلماء ٤٦٠/٣.
وفسر العلماء قوله تعالى: ﴿أَرْقُواْ بِالْمُتُودَّ﴾(١)
بحفظ ما يقتضيه العقد والقيام بموجبه (٢).
والفقهاء يستعملون لفظ الوفاء بمعنى: تسليم
المعقود عليه تارة، وبمعنى القضاء تارة أخرى،
وبمعنى الأداء أيضاً (٣).
الألفاظ ذات الصلة:
أ- الاستيفاء:
٢- الاستيفاء في اللغة مصدر للفعل استوفى،
يقال: استوفى فلان حقه أي: أخذه وافياً تاماً.
ويقال: استوفى منه ماله: لم يُبق عليه شيئًا (٤).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٥)
اللغوي(٥) .
والصلة بين الوفاء والاستيفاء: أن الوفاء
يكون ممن عليه الحق، والاستيفاء يكون من
صاحب الحق أو وكيله.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (استيفاء
ف ٢٤ - ٢٥).
ب- الإسقاط
٣- الإسقاط لغة: الإيقاع والإلقاء، يقال:
(١) سورة المائدة/ ١.
(٢) تفسير روح المعاني ٤٨/٦.
(٣) المغني ٣٣/٤، والبدائع ٢١٣/٥.
(٤) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمعجم
الوسيط.
(٥) قليوبي ٤/ ٣٣٥، والمغني ٢٨٨/١٠.
-٩٣-

وفاء ٤-٦
أسقطت الحامل: ألقت الجنين. وقول الفقهاء:
سقط الفرض، أي سقط طلبه والأمر به(١).
والإسقاط في اصطلاح الفقهاء: إزالة الملك
أو الحق لا إلى مالك ولا إلى مستحق، وتسقط
بذلك المطالبة به (٢).
كما يستعمل الإسقاط عند الفقهاء في إسقاط
الجنين أي السِقط، يعني تضعه قبل التمام (٣).
والصلة بين الوفاء والإسقاط : أن كلا منهما
يترتب عليه براءة الذمة مما شغلت به من حقوق.
جـ- الإبراء:
٤- من معاني الإبراء في اللغة: التنزيه
والتخليص والمباعدة عن الشيء. قال ابن
الأعرابي: برئ: تخلص وتنزه وتباعد،
فالإبراء على هذا جعل المدين بريئاً من
الدين أو الحق الذي عليه (٤).
وفي الاصطلاح هو: إسقاط الشخص حقاً له
في ذمة آخر أو قبله، فإذا لم يكن الحق في ذمة
شخص ولا تجاهه - كحق الشفعة وحق السكنى
الموصى به- فتركه لا يعتبر إبراء، بل هو إسقاط
(٥)
.
محض
(١) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٢) الذخيرة ١٥٢/١ ط. وزارة الأوقاف الكويتية.
(٣) قواعد الفقه للبركتي.
(٤) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٥) فتح القدير ٣٥٦/٣ ط بولاق، وحاشية ابن عابدين
٢٧٦/٤ ط بولاق.
(ر: إبراء ف١)
وقال البركتي: الإبراء من الدين هو: جعل
المديون بريئاً من الدين.
وأصل البراء التلخص والتقصي مما يكره
مجاورته(١).
والصلة بين الوفاء والإبراء أن كلا منهما ترتب
عليه براءة الذمة مما شغلت به من حقوق.
الحكم التكليفي :
٥- الوفاء من التصرفات التي تعتريها
الأحكام التكليفية المختلفة، كالوجوب
والاستحباب والحرمة ... وذلك باعتبار محل
التصرف. وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: ما يجب الوفاء به :
أ- العقود:
٦- من التصرفات التي يجب الوفاء بها
مقتضيات العقود التي يعقدها الإنسان مع
غيره كالبيع والشراء والإجارة والنكاح
وغير ذلك من العقود اللازمة.
فهذه العقود إذا تمت مستوفية لشرائطها وجب
الوفاء بمقتضاها، كتسليم المبيع للمشتري،
(١) قواعد الفقه للبركتي.
-٩٤-
٠

وفاء ٧-١٠
والثمن للبائع، والأجرة للأجير .. وهكذا(١).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَوْقُوَأْ يَلْعُقُودٍ﴾ (٢).
ب- الشروط:
٧- الشروط: كل ما يَشْرِطُّه الإنسان على
نفسه، فإن كان مشروعاً ولا يخالف نصاً من
كتاب الله تعالى أو سنة رسوله # فإنه يجب
الوفاء به، وإلا كان باطلاً (٣)، لقول النبي مطا وع:
((المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً
أو أحل حراماً)(٤). وقوله مطار: ((من اشترط شرطاً
ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة
شرط)»(٥).
وينظر تفصيل ما يصح من الشروط وما لا يصح
في كل عقد من العقود الشرعية (بيع ف ٢٧)
و(إجارة ف٢٧) و(رهن ف١١، و٢٣)،
(١) تفسير القرطبي ٣٢/٦، وأحكام القرآن للجصاص
٢٩٦/٢.
(٢) سورة المائدة/ ١.
(٣) أحكام القرآن للقرطبي ٦/ ٣٢، ٣٣، وأحكام القرآن
لابن العربي ٩/٢، والمغني ٤٨٢/٨، ٤٨٣.
(٤) حديث: ((المسلمون على شروطهم ... ))
أخرجه الترمذي (٦٢٦/٣) من حديث عمرو بن عوف
المزني، وقال: حديث حسن صحيح.
(٥) حديث: ((من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤/ ٣٧٠)، ومسلم
(١١٤٣/٢) من حديث عائشة، واللفظ للبخاري.
و(مزارعة ف٩-١٩) و(نكاح ف ١٣٢-١٣٣).
ج- النذر:
٨- اتفق الفقهاء على مشروعية النذر في
الجملة، ووجوب الوفاء بما كان طاعة منه.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (نذر ف ٥).
ثانياً: ما يستحب الوفاء به:
من التصرفات التي يستحب الوفاء بها ما يلي:
أ- المعروف:
٩- التصرفات التي تعتبر من المعروف الذي
ندب إليه الشارع كالوصية والهبة يستحب الوفاء
بها لأنها تبرع، والتبرع لا يجبر الإنسان عليه.
انظر مصطلحي (وصية) و(هبة ف ٥، ٦).
ب- الوعد:
١٠- الوعد لغةً يدل على ترجية بقول، يقال:
وَعَدْتُه أعِدُه وَعْداً، ويستعمل في الخير حقيقة
وفي الشر مجازاً(١).
والوعد في اصطلاح الفقهاء: إخبار عن إنشاء
المُخْبِرِ معروفاً في المستقبل(٢).
والوعد من التصرفات التي يستحب الوفاء بها
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، ومعجم مقاييس
اللغة لابن فارس.
(٢) فتح العلي المالك ٢٥٤/١-٢٥٧.
-٩٥-

وفاء ١١-١٤
إذا كان الوعد مجرداً عن حاجة أو سبب.
وأما إذا كان هناك حاجة تستدعي الوفاء
بالوعد كان الوفاء واجباً، فقد نقل ابن عابدين
عن جامع الفصولين: لو ذكرا البيع بلا شرط، ثم
ذكرا الشرط على وجه العدة جاز البيع ولزم
الوفاء بالوعد، إذ المواعيد قد تكون لازمة،
فيجعل لازماً لحاجة الناس(١).
والمشهور عند المالكية أن الوعد ملزم
ويُقضى به إذا دخل الموعود بسبب الوعد
في شيءٍ(٢).
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (وعد).
ثالثاً: ما يباح الوفاء به :
١١- نذر المباح من التصرفات التي يباح
الوفاء بها كالأكل والشرب والنوم ونحوها.
وقد اختلف الفقهاء في انعقاد نذر المباح
وصحة الالتزام بالمباحات، وحكم الوفاء به إن
قیل بانعقاه وصحته.
والتفصيل في مصطلح (نذر ف ١٨، ١٩).
رابعاً: ما يحرم الوفاء به:
من التصرفات التي يحرم الوفاء بها ما يلي:
(١) حاشية ابن عابدين ١٢٠/٤، ١٢١.
(٢) الفروق للقرافي ٤/ ٢٥.
أ- نذر المعصية :
١٢ - نذر المعصية حرام، ويحرم الوفاء به
باتفاق الفقهاء(١)، فمن قال: لله عليّ أن أشرب
الخمر أو أقتل فلاناً فإنه يحرم الوفاء به، لقول
النبي قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر
أن يعصيه فلا يعصه))(٢).
وينظر تفصيل ذلك في (نذر ف ١٦).
ب- اليمين على فعل محرم:
١٣- من حلف على فعل محرم أو ترك واجب
فقد عصى بيمينه، ولا يلزمه الوفاء به، بل
الواجب الحنث والكفارة (٣)
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (أيمان
ف١١٨).
ج- الشروط غير المشروعة:
١٤- يحرم الوفاء بالشروط غير المشروعة
لقول الرسول صل *: ((المسلمون على شروطهم،
إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)) (٤).
(١) المغني ٣/٩، وأحكام القرآن للجصاص ٢٩٦/٢.
(٢) حديث: ((من نذر أن يطيع الله ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٨١/١١) من حديث
عائشة رضي الله عنها.
(٣) الاختيار ٤٧/٤، والمنثور ١٠٧/٣.
(٤) حديث: ((المسلمون على شروطهم ... ))
سبق تخريجه ف٧.
-٩٦-

وفاء ١٥ -١٨
(ر: شرط ف ٢١)
من يصح منه الوفاء:
١٥- يشترط فيمن يصح منه الوفاء في
الجملة، التكليف (البلوغ والعقل)، لأن
الوفاء إنما يجب أو يندب أو يباح نتيجة
التصرفات التي يباشرها الإنسان باختياره
ويوجب بها حقاً على نفسه، سواء أكانت
تنعقد بإرادتين كالبيع والإجارة، أو بإرادة
واحدة كاليمين والنذر، فلا يؤاخذ الصبي
والمجنون بهذه العقود، لأن عقودهما لا
تنعقد في الجملة (١).
وينظر تفصيل ذلك في مصطلحات (أهلية
ف١٩-٢٣، صغر ف ٣٢ وما بعدها ، جنون ف١٥
وما بعدها، عقد ف٢٨، ٢٩).
ما يتعلق بالوفاء من أحكام:
يتعلق بالوفاء عدة أحكام منها :
أولاً: ما يتم به الوفاء:
يتحقق الوفاء ويتم بما يأتي :
أ- التسليم:
١٦- يتحقق الوفاء في العقود بتسليم المعقود
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٤٠، ٢٤٢، ط عيسى
الحلبي، والأشباه لابن نجيم ص٣٠٩، والمنثور
٢٩٥/٢-٣٠١، وروضة الطالبين ٢٩٣/٣.
عليه، ففي البيع مثلاً يكون الوفاء بتسليم المبيع
للمشتري، وتسليم الثمن للبائع(١).
وهكذا في كل العقود يكون الوفاء بها بتسليم
مقتضاها.
وينظر تفصيل ذلك في كل عقد من العقود،
وفي مصطلح (تسليم ف٤ وما بعدها، قبض
ف٥- ١١).
ب- الرد:
١٧ - مما يتحقق به الوفاء رد المعقود عليه عند
انقضاء مدة العقد أو فسخه أو استحقاقه(٢).
وینظر التفصیل فی مصطلحات (رد ف٣-٧،
١٢، استزداد ف ٤-٦، إجارة ف٥٨، قرض
ف١٨، إعارة ف٢١، ٢٢).
ج- القيام بالعمل :
١٨ - قيام الشخص بأداء العمل المطلوب منه
يعتبر وفاء بما تعهد به، ومن ذلك: قيام الأجير
بالعمل الموكل إليه أو المتعاقد عليه- سواء أكان
أجيراً خاصاً أو أجيراً مشتركاً - يعتبر وفاء بهذا
العمل.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (إجارة
ف ١٠٦، ١٣٠).
(١) الدر المختار، وحاشية ابن عابدين ٤٢/٤، ٤٣،
والدسوقي ١٤٧/٣.
(٢) ينظر القواعد لابن رجب ص٥٣، القاعدة الثانية
والأربعون.
-٩٧-

وفاء ١٩-٢١
د- الحوالة :
١٩- الحوالة هي نقل الدين من ذمة إلى
أخرى، فإذا أحال المدين الدائن على شخص
آخر ليستوفي منه دينه، واستوفت الحوالة جميع
شرائطها، كان ذلك وفاء من المدين.
انظر مصطلح (حوالة ف ١٠٦).
ثانياً: وفاء دين الغير:
٢٠- يصح وفاء دين الغير وضمانه (الكفالة
به)، سواء أکان الوفاء بإذن المدین أو بدون
إذنه، وهذا باتفاق، إلا أن المالكية قيّدوا ذلك
بما إذا كان الوفاء رفقاً بالمدين، فقد جاء في
المدونة- على ما نقله الدسوقي - من أدّى عن
رجل ديناً بغير أمره جاز إن فعله رفقاً بالمطلوب،
فإن أراد الضرر بطلبه وإعناته لعداوة بينهما مُنع
من ذلك(١).
والوفاء إن کان بإذن المدین ثبت له حق
الرجوع على المدین بهذا الدين، وإن كان بغير
إذنه فقد اختلف في الرجوع عليه به.
وانظر التفصيل في مصطلح (كفالة ف ٤١،
٤٢، ٤٣، دين ف٣١، ٣٢).
(١) الدسوقي مع الشرح الكبير ٣٣٤/٣.
ثالثاً: وفاء دين الميت:
٢١- یصح ضمان دین الميت ووفاؤه، وهذا
باتفاق إذا ترك المیت ما یونی منه دينه.
أما إذا كان مفلساً ولم يترك وفاء لدينه
فجمهور الفقهاء- المالكية والشافعية
والحنابلة وأبو يوسف ومحمد من الحنفية-
يرون صحة ضمان دين الميت وأدائه وإن
كان مفلساً، لحديث أبي قتادة ﴾ فإنه
ضمن دين ميت لم يخلف وفاء، فعن سلمة
بن الأكوع : ((أن النبي # أُتي بجنازة ليصلي
عليها، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا،
فصلّی علیه، ثم أُتي بجنازة أخرى، فقال: هل
عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: فَصَلّوا على
صاحبکم، قال أبو قتادة: عليّ دینه یا رسول الله.
فصلّى عليه))(١).
وقالوا: لأنه لو تبرع إنسان بوفائه جاز.
وعند أبي حنيفة لا تصح الكفالة بدين الميت
إذا كان مفلساً، لأنه إذا لم يترك وفاء لدينه فقد
سقط دينه في حق أحكام الدنيا، ولا تصح
الكفالة بدين ساقط، لكن لو تبرع شخص
بوفائه صح عند أبي حنيفة أيضاً (٢).
(١) حديث سلمة بن الأكوع: ((أن النبي ◌َلي أتي
بجنازة ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٧٤).
(٢) الدر المختار، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٢٧٠، وفتح
القدير ٣١٧/٦، والدسوقي ٣٣١/٣، ومغني
المحتاج ٢٠٠/٢، والمغني ٤ / ٥٩٣.
-٩٨-

وفاء ٢٢ -٢٤
وانظر تفصيل ذلك في مصطلح (كفالة ف ٢١،
٢٢، رجوع ف ٢٠، ٢١، دین ف٧٨).
عدم الوفاء وأسبابه:
لعدم الوفاء بما في ذمة الإنسان أسباب
مختلفة، وبيان ذلك فيما يلي:
أ- المماطلة :
٢٢- من ترتب في ذمته دين حال، وكان
موسراً قادراً على الوفاء، ولا عذر له في عدم
الوفاء، وقد طلب الدائن دينه، فإنه يجب عليه
الوفاء فوراً بعد الطلب.
فإن لم يُوَفِّ ما علیه من دین فإنه يعتبر مماطلاً ،
وهو ظالم، لقول النبي ◌َّار: ((مَطَّل الغني
ظلم))(١). ويستحق العقوبة لظلمه، لقول
النبي: ((لَيُّ الواجد يُحِلِ عِرضَه
وعقوبته))(٢). وهذا باتفاق(٣).
والفقهاء متفقون على وجوب اتخاذ بعض
الوسائل التي تحمل المدين الموسر على الوفاء،
(١) حديث: ((مطل الغني ظلم ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٦٦/٤) ومسلم
(١١٩٧/٣).
(٢) حديث: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ... )
أخرجه أحمد (٢٢٢/٤) من حدیث الشرید بن سويد،
وحسّن إسناده ابن حجر في فتح الباري (٦٤/٥).
(٣) فتح القدير شرح الهداية ٣٧٦/٦، والمنظم للحكام
بهامش تبصرة الحكام ٢٣٢/٢، ومغني المحتاج
١٥٧/٢، وكشاف القناع ٤١٨/٣، ٤١٩.
سواء أكان ذلك ببيع ماله أو حبسه أو ضربه أو غير
ذلك من الوسائل، ومختلفون على بعضها(١).
وانظر التفصيل في مصطلح (مطل ف٩-١٦،
حبس ف ٧٩ -٨٢، إعسار ف١٥).
ب- الإعسار:
٢٣- إذا كان المدين معسراً، وثبت إعساره
بالبينة: بأن شهد عدلان أنهما لا يعرفان له مالاً
ظاهراً ولا باطناً، وحلف المدين على ذلك، فإنه
يخلى سبيله ولا يحبسه القاضي، لأن حبسه لا
تحصل به فائدة، ولأنه يستحق الإنظار، لقوله
تعالى: ﴿وَإِنْ كَنَ ذُو عُشْرَةٍ فَنَظِرَأُ إِلَى
منرؤ﴾(٢).
وكذلك لو ادعى المدين الإعسار وصدّقه
غريمه لم يحبس، ووجب إنظاره، ولم تجز
ملا زمته.
وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح (إعسار
ف١٥).
ج- الإفلاس:
٢٤ - الإفلاس: هو أن يكون الدين الذي على
الرجل أكثر من ماله، وهو سبب من أسباب عدم
الوفاء.
(١) المراجع السابقة.
(٢) سورة البقرة/ ٢٨٠.
-٩٩-

وفاء ٢٥ -٢٧
وإذا أحاط الدين بمال المدين، وطلب
الغرماء الحجر عليه، وجب على الحاكم
تفليسه عند جمهور الفقهاء.
وكذا يجوز للحاكم عندهم بيع ماله جبراً عليه.
وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح (إفلاس
ف٦ وما بعدها).
الأولوية في الوفاء:
تأتي الأولوية في الوفاء في بعض الحقوق
التي تكون حقاً لله تعالى أو تكون حقاً للعبد، أو
التي يلتزمها الإنسان في خاصة نفسه.
أ- حقوق الله :
٢٥- من حقوق الله تعالى الزكاة، ومصارف
الزكاة هي الأصناف الثمانية الذين ورد ذكرهم
في قوله تعالى: ﴿إِنََّا الصَّدَقَتُ لِلْمُقَرَآِ وَالْمُسكِينِ
وَالْعَمِنَ عَلَّهَا وَالْتَقَةِ لُوبُهُمْ وَفِ الْزِقَابِ وَأْغَدْرِمِنَ
وَفِي سَبِيلِ الَّهِ وَأَبْنِ السَّبِلِّ فَرِضَةً مِنَ الَّوْ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(١).
وقد اختلف الفقهاء في الترتيب بين هذه
المصارف.
انظر مصطلح (زكاة ف ١٨٤)
(١) سورة التوبة/ ٦٠.
ب- الحقوق المتعلقة بالتركة:
٢٦ - قال الفقهاء: الحقوق المتعلقة بالتركة
ليست على مرتبة واحدة، وإن بعضها مقدم على
بعض، فيقدم من حيث الجملة تجهيز الميت
وتكفينه، ثم أداء الدين سواء أكان من ديون الله
تعالی ام کان من دیون العباد، ثم تنفیذ وصاياه،
والباقي للورثة.
وللتفصيل انظر مصطلح (تركة ف ٢١-٣٢).
ج- الصدقة والوصايا:
٢٧- مما يلتزمه الإنسان الصدقة والوصايا،
أما الصدقة: فهي ما يخرجه الإنسان من ماله على
وجه القربة(١).
والأفضل أن يتصدق الإنسان بما يفضل عن
حاجته ومؤونته ومؤونة من ينفق عليه. والأولى
أن يتصدق من الفاضل عن كفايته وكفاية من
يمونه على الدوام(٢). لقول النبي ◌َير: ((خير
الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن
تعول)»(٣).
ويقول السرخسي: الصدقة قد تكون من
(١) المفردات في غريب القرآن للأصفهاني.
(٢) المغني ٨٣/٣، ٨٤.
(٣) حديث: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ..!
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٩٤/٣) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه.
-١٠٠-