النص المفهرس

صفحات 221-240

...
وصية ١ - ٣
وصية
التعريف :
١ - الوصية في اللغة: مأخوذة من وصیت
الشيء بالشيء أصيه - من باب وعد: وَصَلْتُهُ،
وأوصیت إليه بمال جعلته له.
والوصية تطلق أيضاً على الموصى به(١).
والوصية بالمال في الاصطلاح: تمليك
مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء
كان ذلك في الأعيان أو في المنافع(٢).
وقال الشربيني الخطيب: الإيصاء يعم
الوصية والوصاية لغة، والتفرقة بينهما من
اصطلاح الفقهاء، وهي تخصيص الوصية
بالتبرع المضاف لما بعد الموت، والوصاية
بالعهد إلى من يقوم على من بعده(٣) .
(١) القاموس المحيط والمصباح المنير والمعجم
الوسيط .
(٢) تكملة فتح القدير ٤١٦/٨، والدر المختار ورد
المحتار ٤٥٧/٥، وحاشية الصاوي على الشرح
الصغير ٥٧٩/٤، ومغني المحتاج ٣٨/٣ - ٣٩،
وكشاف القناع ٣٣٦/٤ .
(٣) مغني المحتاج ٣٩/٣ .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإيصاء:
٢ - الإيصاء مصدر أوصى، يقال: أوصى
إليه: جعله وصيه بتصرف في أمره وماله
وعياله بعد موته، وأوصى فلاناً بالشيء، أمره
به وفرضه علیه(١).
وفي الاصطلاح إقامة غيره مقام نفسه في
التصرف بعد الموت.
والصلة بين الوصية والإيصاء أن كلا منهما
أمر مضاف لما بعد الموت، غير أن الوصية
تمليك، والإيصاء العهد إلى من يقوم على من
بعده(٢).
ب - الهبة :
٣ - الهبة لغة: إعطاء شيء غيره بلا
عوض، يقال: وهب له الشيء يهبه وَهْباً
ووَهَباً، وهبة: أعطاه إياه بلا عوض(٣).
والهبة شرعاً: تمليك عين بلا عوض في
حال الحياة تطوعاً(٤).
(١) المصباح المنير والمعجم الوسيط .
(٢) الفتاوى الخانية ٥١٣/٣، ومغني المحتاج ٣٩/٣.
(٣) المعجم الوسيط .
(٤) فتح القدير ١١٣/٧، والدر المختار ورد المحتار
٥٣٠/٤، والشرح الصغير ١٣٩/٤، ومغني =
- ٢٢١ -

وصية ٤ - ٥
..
والصلة بينهما أن كلّا من الوصية والهبة
تمليك، لكن الوصية بعد الموت والهبة حال
الحياة .
ج - الصدقة :
٤ - الصدقة في اللغة : - بفتح الصاد
والدال - ما أعطيته في ذات اللَّه تعالى وفي
الاصطلاح: تمليك شيء بغير عوض في
الحياة لمحتاج لأجل ثواب الآخرة(١).
والصلة بين الوصية والصدقة أن كلاً منهما
تمليك، إلا أن الصدقة تمليك في الحياة
والوصية تمليك مضاف لما بعد الموت.
مشروعية الوصية :
٥ - الوصية مشروعة بالكتاب والسنة
والإجماع والمعقول(٢) .
أما الكتاب: فقوله تعالى في توزيع الميراث
والتركة: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ
دَيْنٍ﴾(٣) وقوله عز وجل: ﴿مِّنُ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
= المحتاج ٣٩٦/٢، والمغني ٥٩١/٥، وكشاف
القناع ٣٢٩/٤، وغاية المنتهى ٣٢٨/٢ .
(١) مغني المحتاج ٣٩٧/٢.
(٢) تكملة فتح القدير ٤١٤/١٠، وكشاف القناع
٣٧١/٤ .
(٣) سورة النساء: ١٢ .
تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾(١)، فهذان النصان
جعلا الميراث حقاً مؤخراً عن تنفيذ الوصية
وأداء الدين، لكن الدين مقدم على الوصية،
القول علي ◌َّه: ((إنكم تقرءون هذه الآية:
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيٍّ﴾ وأن
رسول الله صلی الله علیه وسلم قضی بالدّين
قبل الوصية))(٢).
وحكمة تقديمها في الآية: أنها لما أشبهت
الميراث في كونها بلا عوض، فكان في
إخراجها مشقة على الوارث، فقدمت حثاً على
إخراجها .
وأما السنة: فحديث سعد بن أبي وقاص
رضي اللّه تعالى عنه قال: قلت: يا رسول
اللَّه، أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي
واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا،
قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا، الثلث،
والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير
من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) (٣).
(١) سورة النساء: ١٢.
(٢) حديث علي: ((إنكم تقرءون هذه الآية ... )).
أخرجه الترمذي (٤١٦/٤ - ط الحلبي)، وضعف
إسناده ابن حجر في الفتح (٣٧٧/٥) .
(٣) حديث سعد بن أبي وقاص: ((قلت: يا رسول الله
أنا ذو مال .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ١٦٤) ومسلم =
- ٢٢٢ -

وصية ٦
وحديث معاذ ◌َّه قال: قال النبي وَلّ:
((إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند
وفاتكم، زيادة في حسناتكم)) (١).
وحديث ابن عمر رَان: أن رسول اللَّه وَلآل
قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن
يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة
عنده)(٢).
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على
جواز الوصية .
وأما المعقول: فهو حاجة الناس إلى
الوصية زيادة في القربات والحسنات وتداركاً
لما فرط به الإنسان في حياته من أعمال
الخير. قال الحنفية: القياس يأبى جواز
الوصية، لأنه تمليك مضاف إلى حال زوال
مالکیته، ولو أضيف إلى حال قيامها بأن قيل:
ملكتك غداً، كان باطلًا، فهذا أولى، إلا أنا
= (١٢٥٠/٣ - ١٢٥١) واللفظ لمسلم.
(١) حديث معاذ: ((إن الله قد تصدق عليكم .. ))
أخرجه الدارقطني (٣/ ١٥٠ - ط دار المحاسن)،
وذكره ابن حجر في بلوغ المرام (ص٣٢٢ - ط دار
ابن کثیر) وذکر أن طرقه کلها ضعيفة ولکن قد یقوی
بعضها بعضاً .
(٢) حديث ابن عمر: ((ما حق امرئ مسلم .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٥٥/٥) ومسلم (٣/
١٢٤٩) واللفظ لمسلم .
استحسناه لحاجة الناس إليها .
فإن الإنسان مغرور بأمله، مقصر في
عمله، فإذا عرض له المرض، وخاف البيان،
يحتاج إلى تلافي بعض ما فرط منه، من
التفريط بماله، على وجه لو مضى فيه يتحقق
مقصده المآلي، ولو انهضه البرء يصرفه إلى
مطلبه الحالي، وفي شرع الوصية ذلك
فشرعت(٩).
حكمة مشروعية الوصية :
٦ - حكمة مشروعية الوصية تحصيل ذكر
الخير في الدنيا، ونوال الثواب والدرجات
العالية في الآخرة(٢)، لذا شرعها الشارع تمكيناً
من العمل الصالح، ومكافأة لمن أسدى للمرء
معروفاً، وصلة الرحم والأقارب غير الوارثين،
وسد خلَّة المحتاجين، وتخفيف الكرب عن
الضعفاء والبؤساء والمساكين وذلك بشرط
التزام المعروف أو العدل، وتجنب الإضرار في
الوصية، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى
◌ِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾(٣).
ولحديث ابن عباس تعالي: ((الإضرار في
(١) الهداية مع شروحها ٤١٣/١٠.
(٢) الهداية مع شروحها ١٠/ ٤١١ .
(٣) سورة النساء: ١٢ .
- ٢٢٣ -

وصية ٧
الوصية من الكبائر)) (١). والعدل المطلوب:
قصرها على مقدار ثلث التركة المحدد شرعاً.
أما عدم نفاذ الوصية لوارث إلا بإجازة الورثة
الآخرين، فهو لمنع التباغض والتحاسد
وقطيعة الرحم.
الحكم التكليفي :
٧ - اختلف الفقهاء في حكم الوصية
بالمال.
فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والملكية
والشافعية والحنابلة) إلى أن الوصية بجزء من
المال ليست بواجبة على أحد، وهو قول
الشعبي والنخعي والثوري، واستدلوا بأن أکثر
أصحاب رسول اللَّه وي ليه لم ينقل عنهم وصية،
ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لم
يخلوا بذلك ولنقل عنهم نقلًا ظاهراً، ولأن
الوصية عطية لا تجب في الحياة فلا تجب بعد
الموت كعطية الأجانب.
ثم قال هؤلاء الفقهاء: تستحب الوصية
بجزء من المال لمن ترك خيراً لأن اللَّه تعالى
(١) حديث ابن عباس: ((الإضرار في الوصية من
الكبائر .. ))
أخرجه الدار قطني (١٥١/٣ - ط دار المحاسن)،
وصحح البيهقي في السنن (٢٧١/٦ - ط دائرة
المعارف العثمانية) وقفه على ابن عباس .
قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن
تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾(١)، فنسخ
الوجوب وبقي الاستحباب في حق من لا يرث
لحديث: ((لا وصية لوارث))(٢)
.
وقد روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله
والر: ((يا ابن آدم اثنتان لم تكن لك واحدة
منهما: جعلت لك نصيباً من مالك حين
أخذت بكظمك لأطهرك به وأزكيك وصلاة
عبادي عليك بعد انقضاء أجلك))(٣).
وعن معاذ قال قال رسول اللّه وَله: ((إن الله
قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند
وفاتكم»(٤).
وصرح الحنفية والمالكية والشافعية في
(١) سورة البقرة: ١٨٠ .
(٢) حديث: ((لا وصية لوارث)).
أخرجه الترمذي (٤٣٣/٤ - ط الحلبي) من حديث
أبي أمامة الباهلي، وحسنه ابن حجر في التلخيص
(٩٢/٣ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٣) حديث ابن عمر: ((يا ابن آدم، اثنتان لم تكن لك
واحدة منهما . . »
أخرجه ابن ماجه (٩٠٤/٢ - ط الحلبي)، وقال
البوصيري في مصباح الزجاجة (٩٨/٢ - ط دار
الجنان): هذا إسناد فيه مقال. ثم أشار إلى جهالة
أحد رواته وإلى ضعف آخر .
والكظم هو مخرج النفس .
(٤) حديث معاذ: ((إن الله قد تصدق علیکم . .))
تقدم تخريجه ف٥ .
- ٢٢٤ -

وصية ٧
المعتمد والحنابلة في المذهب بأنه يستحب أن
لا يستوعب الموصي الثلث بالوصية وإن كان
غنياً لقول النبي وَلي: ((الثلث والثلث كثير))(١).
وأضاف الحنابلة: إذا ثبت هذا فالأفضل
للغني الوصية بالخمس.
وروي نحو هذا عن أبي بكر الصديق وعلي
ابن أبي طالب تطرّ وهو - كما قال ابن
قدامة - ظاهر قول السلف وعلماء أهل
البصرة، وأثر عن أبي بكر الصديق تعني أنه
قال: ((الخمس في الوصية أحب إليّ، لأن الله
رضيه من الغنيمة سهماً)).
وكان ابن عباس وجماعة يستحبون الربع في
الوصية .
قال إسحاق: السنة الربع إلا أن يكون رجلًا
يعرف في ماله حرمة شبهات أو غيرها فله
استيعاب الثلث.
وقال القاضي وأبو الخطاب من الحنابلة: إن
كان الموصي غنياً استحب الوصية بالثلث(٢).
(١) حديث: ((الثلث والثلث كثير))
أخرجه البخاري (الفتح ٣٦٣/٥) ومسلم
(١٢٥٣/٣) .
(٢) الاختيار ٦٤/٥، والكافي لابن عبد البر
١٠٢٣/٢، ومغني المحتاج ٤٧/٣، وحاشية
الجمل ٤٩/٤، والمغني ٤/٦ .
وهذا باتفاق الفقهاء إذا كان الورثة أغنياء
والمال كثيراً، أما إذا كان المال قليلًا والورثة
محتاجون فقد صرح الحنفية والحنابلة بأن
الفقير الذي له ورثة محتاجون لا يستحب له أن
يوصي.
وقال علي تظّ لرجل أراد أن يوصي:
إنك لن تدع طائلًا إنما تركت شيئاً يسيراً فدعه
لورثتك .
وقال الشعبي: ما من مال أعظم أجراً من
مال يتركه الرجل لولده يغنيهم عن الناس.
وقال الكاساني: إن کان ماله قليلا وله ورثة
فقراء فالأفضل أن لا يوصي لقوله وَّ في
حديث سعد زَز : ((إنك إن تركت ورثتك
أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون
الناس))(١) ولأن الوصية في هذه الحالة تكون
صلة بالأجانب والترك يكون صلة بالأقارب
فكان أولى، وإن كان ماله كثيراً فإن كانت
ورثته فقراء فالأفضل أن يوصي بما دون الثلث
ويترك المال لورثته لأن غنية الورثة تحصل بما
(١) حديث: ((إنك إن تركت ورثتك أغنياء خير
لك .. . ))
أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٤) ومسلم
(١٢٥٣/٣) واللفظ للبخاري.
- ٢٢٥ -

وصية ٨
زاد على الثلث إذا كان المال كثيراً ولا تحصل
عند قلته .
وقال المالكية: تكره الوصية في مال
قليل(١) .
وقال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من
العلماء: إن كانت الورثة أغنياء استحب أن
يوصي بالثلث تبرعاً، وإن كانوا فقراء استحب
أن ينقص من الثلث(٢).
وذهب بعض العلماء إلى أن الوصية واجبة.
روي عن الزهري أنه قال: جعل اللَّه
الوصية حقاً عما قل أو كثر، وقيل لأبي
مجلز: على كل ميت وصية؟ قال إن ترك
خيراً.
وقال أبو بكر عبدالعزيز: الوصية واجبة
للأقربین الذین لا یرثون.
وحکي ذلك عن مسروق وطاوس وإیاس
وقتادة وابن جرير. واحتجوا بقول الله تعالى
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ أَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ
خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِيِنَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
(١) بدائع الصنائع ٣٣١/٧، والشرح الصغير
٥٧٩/٤، والخرشي ١٦٨/٨، والمغني ٣/٦.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ٨٦/١١ ط دار القلم،
وانظر الأم للشافعي ٣٠/٤ .
الْمُنَّقِينَ﴾(١)، ويخبر ابن عمر قال قال رسول
اللّه ◌َلّ: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي
فیه یبیت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة)»
قال ابن عمر: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت
رسول اللَّه وَلي قال ذلك إلا وعندي
وصيتي))(٢).
وروي عن طلحة والزبير أنهما كان يشددان
في الوصية .
وممن قال بوجوب الوصية: عبدالله بن أبي
أوفى، وطلحة بن مصرِّف وطاوس والشعبي
وأبوسليمان، وقالوا: نسخت الوصية للوالدين
والأقربین الوارثين وبقيت فيمن لا يرث من
الأقربين(٣).
أركان الوصية وكيفية انعقادها:
٨ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية
والشافعية والحنابلة) إلى أن للوصية أركاناً
أربعة: صيغة، وموصٍ، وموصی له، وموصی
ـه(٤) .
(١) سورة البقرة: ١٨٠ .
(٢) حديث ابن عمر: ((ما حق امرئ مسلم .. ))
أخرجه مسلم (١٢٥٠/٣).
(٣) المغني ١/٦ - ٣، حاشية ابن عابدين ٤١٥/٥،
والقرطبي ٣٥٩/٢، والشرح الصغير ٥٧٩/٤،
وغاية المنتهى ٣٢٨/٢، والمحلى ٣١٢/٩ .
(٤) كفاية الأخيار ٥٦/٢ وما بعدها، والمهذب =
- ٢٢٦ -

وصية ٩
وأما الحنفية فقد اختلفوا في ركن الوصية:
فقال أبو حنيفة وصاحباه: الركن هو
الإيجاب والقبول، الإيجاب من الموصي
والقبول من الموصى له، فما لم يوجدا جميعاً
لا يتم الركن، وقالوا: إن شئت قلت ركن
الوصية الإيجاب من الموصي وعدم الرد من
الموصى له وهو أن یقع الیأس عن رده.
وقال زفر: ركن الوصية هو الإيجاب من
الموصي فقط، واستدل بأن ملك الموصى له
بمنزلة ملك الوارث، لأن كل واحد من
الملكين ينتقل بالموت ثم ملك الوارث لا
يفتقر إلى قبوله فکذا ملك الموصى له.
واستدل أبو حنيفة والصاحبان على أن
الركن هو الإيجاب والقبول معاً بقوله تعالى:
﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾(١) فظاهره أن لا
یکون للإنسان شيء بدون سعیه، فلو ثبت
الملك للموصى له من غير قبول لثبت من غير
سعيه وهذا منفي إلا ما خص بدليل، ولأن
القول بثبوت الملك للموصى له من غير قبوله
= ٥٨٦/١ وما بعدها، ومغني المحتاج ٣٩/٣،
٥٢ وتحفة المحتاج ٤/٧، وكشاف القناع
٣٤٥/٤ وما بعدها، ونيل المآرب ٤٦/٢،
والشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه ٤/ ٥٨٥
وما بعدها .
(١) سورة النجم: ٣٩.
يؤدي إلى الإضرار به من وجهين:
أحدهما: أنه يلحقه ضرر المنة، ولهذا
توقف ثبوت الملك للموهوب له على قبوله
دفعاً لضرر المنة.
والثاني: أن الوصي به قد يكون شيئاً يتضرر
به الموصى له فلو لزمه الملك من غير قبوله
للحقه الضرر من غير التزامه، وإلزام من ليس
له ولاية الإلزام إذ ليس للموصي ولاية إلزام
الضرر فلا يلزمه (١).
الركن الأول: الصيغة :
٩ - الصيغة تتكون من الإيجاب والقبول،
ويتم الإيجاب بكل لفظ يدل على التمليك بعد
الموت كقول الموصي: وصيت لك بكذا، أو
وصيت لزيد بكذا، أو أعطوه من مالي بعد
موتي كذا، أو ادفعوه إليه بعد موتي، أو جعلته
له بعد موتي، أو هو له بعد موتي، أو هو له
من مالي بعد موتي، ونحو ذلك مما يؤدي
معنى الوصية(٢) .
وتنعقد الوصية بالكتابة كاللفظ باتفاق
(١) حاشية ابن عابدين ٤١٦/٥ ط بولاق، وبدائع
الصنائع ٣٣١/٧ - ٣٣٢، وتبيين الحقائق
١٨٤/٦ ٠
(٢) الفتاوى الهندية ٦/ ٩٠، وكشاف القناع ٤/ ٣٤٤،
ومغني المحتاج ٢/ ٥٢.
- ٢٢٧ -

وصية ٩
الفقهاء لقوله : ((ما حق امرئ مسلم له
شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته
مكتوبة عنده))(١) ولم يذكر أمراً زائداً على
الكتابة، فدل على الاكتفاء بها، ولأنه وَله
كتب إلى عماله وغيرهم ملزماً للعمل بتلك
الكتابة و کذا الخلفاء الراشدون من بعده، ولأن
الكتابة تنبئ عن المقصود فهي كاللفظ .
إلا أن الشافعية اعتبروا الكتابة كناية فلا
تنعقد بها إلا مع النية، ولابد من الاعتراف بها
نطقاً من الوصي أو من وارثه.
واشترط الحنابلة لصحة الوصية بالكتابة
والعمل بها أن تكون الوصية المكتوبة بخط
الموصي الثابت بإقرار ورثته أو ببينة تعرف
خطه(٢) .
واختلف الفقهاء في انعقاد الوصية بالإشارة
من القادر على النطق.
فذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى عدم انعقاد الوصية بالإشارة من
القادر على النطق.
(١) حديث: ((ما حق امرئ مسلم .. ))
تقدم تخريجه ف٥ .
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٩، والشرح
الصغير ٦٠١/٤، وتحفة المحتاج ٣٦/٧،
وكشاف القناع ٣٣٧/٤ .
وذهب المالكية إلى انعقاد الوصية بالإشارة
من القادر على الكلام(١).
كما اختلفوا في انعقاد الوصية بالإشارة من
معتقل اللسان :
فذهب الحنفية على المفتى به والمالكية
والحنابلة إلى أنه لا تصح الوصية إن كان
الموصي معتقلًا لسانه بإشارة ولو فهم: إلا إن
أيس من نطقه بأن دامت العقلة إلى وقت
الموت .
وذهب الشافعية إلى أن من اعتقل لسانه
لوصيته تصح بالإشارة(٢) .
وللتفصيل ينظر (إشارة ف١١، صيغة
ف١٢).
أما القبول فللفقهاء في تحديد المراد به ثلاثة
أقوال :
القول الأول للحنفية: وهو أن القبول
المطلوب: هو عدم الرد، فيكفي إما القبول
الصريح، مثل: قبلتُ الوصية أو رضيتُ بها،
(١) الأشباه لابن نجيم ص٣٤٣، والشرح الصغير
٥٨٤/٤، ومطالب أولي النهى ٤ /٤٤٤، وكشاف
القناع ٣٣٦/٤، ومغني المحتاج ٥٢/٣ - ٥٣.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٤٤، ومغني
المحتاج ٥٣/٣، وتحفة المحتاج ٣٦/٧، والشرح
الصغير ٥٨٤/٤، وكشاف القناع ٣٣٦/٤ .
- ٢٢٨ -

وصية ١٠
أو القبول دلالة، بأن يتصرف الموصى له في
الموصى به تصرف الملاك، كالبيع والهبة
والإجارة.
ويملك الموصى له الموصى به بالقبول إلا
في مسألة، وهي أن يموت الموصي، ثم
يموت الموصى له قبل القبول، فيدخل
الموصى به في ملك ورثته، لأن الوصية قد
تمت من جانب الموصي بموته تماماً لا يلحقه
الفسخ من جهته، وإنما توقف لحق الموصى
له، فإذا مات دخل الموصى به في ملكه، كما
لو مات المشتري في أثناء الخيار الممنوح له
قبل إجازة البيع(١).
القول الثاني للمالكية والحنابلة والشافعية
في قول: وهو أنه لابد من القبول بالقول أو ما
يقوم مقامه من التصرفات الدالة على الرضا
عند الوصية لمعيّن، ولا يكتفى بعدم الرد،
لأنه غير القبول المطلوب، فإن مات الموصى
له قبل موت الموصي، بطلت الوصية، لأنها
عطية صادفت المعطى ميتاً، فلم تصح، كما
لو وهب ميتاً(٢).
القول الثالث للشافعية في المعتمد وهو أن
(١) الهداية وشروحها ٨/ ٤٣٢ طبعة بولاق .
(٢) شرح الزرقاني ١٧٦/٨ - ١٧٧، والشرح الصغير
٥٨٣/٤، وحاشية الجمل ٤٨/٤، ومغني
المحتاج ٥٣/٣، وكشاف القناع ٤/ ٣٤٤.
المراد بالقبول القبول اللفظي فلا يكتفي بالفعل
وهو الأخذ(١).
واتفق الفقهاء على أن الوصية تبطل إذا رد
الموصى له الوصية بعد موت الموصي، لأنه
أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه،
كتنازل الشفيع عن الشفعة بعد الموت(٢).
الفورية في القبول والرد بعد الموت :
١٠ - اتفق الفقهاء على أن لا عبرة بقبول
الموصى له الوصية قبل موت الموصي، كما
لا عبرة بردها عند الجمهور، لأن قبل موت
الموصي لم يثبت للموصى له حق. ولأن أوان
ثبوت حكم الوصية بعد موت الموصي لتعلقها
به فلا يعتبر القبول قبل الموت(٣).
وقال زفر: إذا ردّ الموصى له الوصية في
وجه الموصي لم يكن له أن يقبل بعد ذلك لأنه
أسقط حقه قبل وجوبه كالشفيع قبل البيع (٤).
(١) مغني المحتاج ٥٣/٣، وحاشية الجمل ٤٨/٤ .
(٢) شرح الزرقاني ١٧٦/٨ - ١٧٧، والشرح الصغير
٥٨٣/٤، ومغني المحتاج ٥٣/٣، وكشاف القناع
٣٤٤/٤، وروضة القضاة ٤/ ٦٨٢ .
(٣) حاشية ابن عابدين ٤٢١/٥، وتكملة فتح القدير
٤٢٧/١٠، ومواهب الجليل ٣٦٧/٦، والشرح
الصغير ٥٨٣/٤، ومغني المحتاج ٥٣/٣،
وروضة الطالبين ٦/ ١٤٢ - ١٤٣ .
(٤) روضة القضاة ٢/ ٦٨١.
- ٢٢٩ -

وصية ١١ - ١٢
كما اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط كون
القبول أو الرد فوراً بعد الموت بل هما على
التراخي، فيجوز كل منهما بعد الوفاة، ولو
إلى مدة طويلة، لأن الفور عرفاً إنما يشترط
في العقود المنجزة التي يرتبط القبول فيها
بالإيجاب كالبيع، وليست الوصية منها.
وأضاف الشافعية والحنابلة: أنه إذا لم يقبل
الموصى له الوصية بعد موت الموصي ولا رد
الوصية فللوارث مطالبة الموصى له بالقبول أو
الرد، فإن امتنع حکم علیه بالرد وبطل حقه من
الوصية لأنها إنما تنتقل إلى ملكه بعد القبول
ولم يوجد(١).
الرجوع عن القبول:
١١ - للفقهاء في صحة الرجوع عن القبول
ثلاثة آراء :
الرأي الأول: صرح الحنفية والمالكية
والشافعية على المعتمد والحنابلة على
الصحیح من المذهب بأن الموصى له لو قبل
الوصية بعد الموت لم یکن له أن يردها بعد
ذلك سواء كان رد القبول قبل القبض أو بعده
لأن الوصية لزمت وصحت.
(١) مغني المحتاج ٥٣/٣، وكشاف القناع ٣٤٤/٤ -
٣٤٥، والفتاوى الهندية ٩٠/٥، وتكملة فتح
القدير ١٠/ ٤٢٧ .
ولو رد الموصى له الوصية بعد الموت ولم
يقبلها فهو رد ولا یکون له أن یقبل بعد هذا،
لأن الإيجاب بطل بالرد كإيجاب البيع(١).
الرأي الثاني: وهو قول عند كل من
الشافعية والحنابلة أنه يصح الرد بعد القبول
وقبل القيض.
وقد صحح النووي هذا القول، وقال
الأذرعي: إنه الصحيح المنصوص عليه في
الأم وجرى عليه العراقيون، واختاره من
الحنابلة القاضي وابن عقيل لأن ملك الموصى
له للموصی به قبل القبض لم يتم(٢).
الرأي الثالث: يصح رد الموصى له في
المكيل والموزون بعد قبوله وقبل القبض،
وهو قول عند الحنابلة(٣)
تجزؤ القبول:
١٢ - نص الشافعية على أنه لو قبل
(١) روضة القضاة ٢/ ٦٨١ - ٦٨٢، والشرح الصغير
٤/ ٥٨٣، وحاشية الدسوقي ٤٢٤/٤، وكشاف
القناع ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥، والإنصاف ٧/ ٢٠٥،
ونهاية المحتاج ٦٦/٦، وروضة الطالبين ٦/ ١٤٢ .
(٢) مغني المحتاج ٥٣/٣، ونهاية المحتاج ٦٦/٦،
وأسنى المطالب ٤٣/٣، وروضة الطالبين
٦/ ١٤٢، والإنصاف ٧/ ١٠٥ .
(٣) الإنصاف ٧/ ١٠٥ .
- ٢٣٠ -

وصية ١٣ - ١٤
الموصى له بعض الموصى به فيه احتمالان :
أحدهما: أنه يصح ورجحه بعض
اليمانيين. وقالوا: الفرق بين الوصية وبين
البيع فيما إذا قبل بعضه حيث لم يصح أن البيع
فيه المعاوضة فلم يغتفر فيه ما اغتفر في
الوصية .
وقال زكريا الأنصاري: أرجح الاحتمالين:
البطلان(١).
من يملك القبول والرد:
١٣ - اتفق الفقهاء على أن الموصى له
المعين يملك بنفسه القبول أو الرد إذا كان
كامل الأهلية رشيداً، لأنه صاحب الولاية على
نفسه .
واتفقوا أيضاً على أن الموصى له غير
المعين أو الجماعة غير المحصورين كالفقهاء
والمساکین ووجوه القرب کالمساجد لا يحتاج
إلى قبول ولا رد، وإنما تلزم الوصية بمجرد
إيجاب الموصي، لأن اعتبار القبول منهم
متعذر، فسقط اعتباره كالوقف عليهم.
أما إن كان الموصى له واحداً كزيد، أو
جمعاً محصوراً كأولاد عمرو، فلابد من
(١) مغني المحتاج ٥٣/٣، وأسنى المطالب ٤٣/٣.
القبول أو عدم الرد بعد الموت، لأن الوصية
تمليك مال فاعتبر قبوله كالهبة(١).
وأما المحجور عليه فيقوم وليه مقامه في
القبول أو الرد فيفعل ما فيه الحظ للمحجور
عليه كسائر حقوقه، وإن فعل الولي غير ما فيه
الحظ لم يصح، فإذا كان الحظ في قبول
الوصية لم يصح الرد وكان له قبولها بعد ذلك
وقال الشربيني الخطيب: إن امتنع ولي
المحجور عليه من قبول الوصية وكان الحظ له
فيه فالمتجه أن الحاكم يقبل ولا يحكم بالرد(٢)
(ر: إيصاء ف١٤، صغر ف٤١).
موت الموصى له المعين :
١٤ - لموت الموصى له المعين أحوال:
إما أن يموت الموصى له قبل موت
الموصي أو مع موته، فتبطل الوصية في هاتين
الحالتين باتفاق الفقهاء.
وإذا مات الموصى له بعد موت الموصي
بلا قبول ولا رد فقد اختلف الفقهاء في حكم
(١) روضة القضاة ٦٨/٢، وحاشية ابن عابدين
٤١٦/٥، والشرح الصغير ٥٨٥/٤، ومغني
المحتاج ٥٣/١، وكشاف القناع ٣٤٤/٤.
(٢) روضة القضاة ١/ ١٨٠، ومطالب أولي النهي
٤٥٩/٤ - ٤٦٠، ومغني المحتاج ٥٣/٣ - ٥٤،
ونهاية المحتاج ٦/ ٦٦ .
- ٢٣١ -

وصية ١٥
الوصية على ثلاثة أقوال:
فيرى الحنفية غير زفر: أن موت الموصى
له في هذه الحالة قبول وتصح الوصية
استحساناً .
وفي القیاس وهو قول زفر وأبي حامد من
الحنابلة - قال عنه القاضي هو قياس المذهب -
يكون الموصى به لورثة الموصي ولا يملكه
الموصى له فالوصية باطلة، لأن تمامها موقوف
على القبول، وقد فات القبول(١).
ويرى جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة) أن ورثة الموصى له يقومون مقامه
في رد الوصية وقبولها، لأنه حق ثبت للمورث
فينتقل إلى ورثته بعد موته لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((من ترك مالا فلورثته))(٢)، وكخيار
العيب. ولأن الوصية هنا عقد لازم من أحد
الطرفين فلم تبطل بموت من له الخيار(٣).
(١) روضة القضاة ٢/ ٦٨٢، وحاشية ابن عابدين
٥/ ٤٢١ والمغني لابن قدامة ٢٣/٦ - ٢٤.
(٢) حديث: ((من ترك مالًا فلورثته ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/٩) ومسلم
(١٢٣٧/٣) من حديث أبي هريرة .
(٣) الدسوقي ٤٢٤/٤، والشرح الصغير ٥٨٣/٤،
ومغني المحتاج ٥٤/٣، والمغني لابن قدامة
٢٣/٦ - ٢٤، وكشاف القناع ٣٤٤/٤، ومطالب
أولي النهى ٤٥٩/٤ .
تعليق الوصية على شرط وإضافتها
للمستقبل :
١٥ - لا خلاف بين الفقهاء في جواز تعليق
الوصية على شرط وإضافتها للمستقبل.
فقدصرح الحنفية بأن تعليق الوصية بالشرط
جائز، لأنها في الحقيقة إثبات الخلافة عند
الموت(١)، فإذا قال العبد أو المكاتب: إذا
أعتقت فثلث مالي وصية يصح(٢).
وإن قال الدائن لمدیونه: إذا مت فأنت برئ
من ديني الذي علیك، صحت وصیته، ولو
قال: إن مت لا يبرأ للمخاطرة(٣) .
وقالوا: الإيصاء والوصية لايكونان إلا
(٤)
مضافین (٤).
ونص المالكية بأنه إن قال الموصي في
صيغة وصيته إن متُ من مرضي هذا، أو إِن
متُ من سفري هذا فلفلان كذا، ولم يمت من
مرضه أو سفره فتبطل، لأنه علق الوصية على
الموت فیھما ولم يحصل.
ومحل بطلان الوصية إن لم يكتبها في كتاب
(١) الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية ٦/ ٤٣٧.
(٢) تكملة فتح القدير ١٠/ ٤٣٢.
(٣) الدر المختار ٤٢٧/٥ .
(٤) تبيين الحقائق ١٤٨/٥.
- ٢٣٢ -

وصية ١٦
وأخرجه ولم يسترده، فإن كتبها وأخرجه ولم
يسترده ولم يمت فإن الوصية لا تبطل(١).
وصرح الشافعية بأنه يجوز تعليق الوصية
على شرط في الحياة، لأنها تجوز في
المجهول فجاز تعليقها بالشرط كالطلاق
والعتاق، ويجوز تعليقها على شرط بعد
الموت، لأن ما بعد الموت في الوصية كحال
الحياة. فإذا جاز تعليقها على شرط في الحياة
جاز بعد الموت(٢).
وقال الحنابلة: إن علق الوصية على صفة
بعد موته يرتقب وقوعها كقوله: أوصيت له
بكذا إذا مر شهر بعد موتي صح، أو قال:
وصيت لفلانة بكذا إذا وضعت بعد موتي،
صح التعليق لقوله عليه الصلاة والسلام:
((المسلمون على شروطهم)) (٣).
وثبت عن غير واحد من الصحابة تعليقها،
لأن الوصية لا تتأثر بالفور فأولى أن لا تتأثر
بالتعليق لوضوح الأمر وقلة الغرر.
فإن كانت الصفة لا يرتقب وقوعها بعد
(١) الشرح الصغير ٤ / ٥٨٧ - ٥٨٨.
(٢) المهذب مع تكملة المجموع ٣٣٩/١٤.
(٣) حديث: ((المسلمون على شروطهم .. ))
أخرجه الترمذي (٦٢٦/٣ - ط الحلبي) من حديث
عمرو بن عوف المزني وقال: حديث حسن صحيح.
الموت فقد قال البهوتي: في التعليق عليها
نظر، والأولى عدم جوازه، لما فيه من إضرار
الورثة بطول الانتظار لا إلى أمد يعلم (١).
صفة الوصية من حيث اللزوم وعدمه
والرجوع عنها:
١٦ - اتفق الفقهاء على أن الوصية عقد غير
لازم، وأنه يجوز للموصي في حال حياته
الرجوع عنها كلها أو بعضها، سواء وقعت منه
الوصية في حال صحته أو مرضه، لقول عمر
رَالثُ: ((يغيَّر الرجل ما شاء في وصيته)»(٢)،
ولأنها عطية أو تبرع لم يتم، ينجز بالموت،
فجاز الرجوع عنها قبل تنجيزها كالهبة، ولأن
القبول يتوقف على الموت، والإيجاب يصح
إبطاله قبل القبول، كما في البيع.
واتفقوا أيضاً على أن الرجوع عن الوصية
يكون إما بالقول أو بالدلالة.
والرجوع بالقول مثل أن يقول الموصي:
نقضت الوصية أو أبطلتها أو رجعت فيها، أو
فسختها أو أزلتها، أو هو حرام على الموصى
له، أو هذا لوارثي ونحو ذلك.
(١) كشاف القناع ٣٥١/٤.
(٢) أثر عمر: ((يغير الرجل ما شاء في وصيته)) أخرجه
عبدالرزاق في المصنف (٧١/٩ - ط المجلس
العلمي) .
- ٢٣٣ -

وصية ١٧
واستثنى المالكية من هذا الحكم ما إذا قال
الموصي في وصيته أن لا رجوع له فيها فإنها
لا تبطل بالرجوع حتى ينص عليها.
والرجوع بالدلالة يكون بالفعل كأن يقوم
الموصي بتصرف في الموصى به يدل على
رجوعه كالبيع، والإصداق، والهبة والرهن مع
قبض أم لا، واستهلاك الشيء كذبح الشاة
الموصى بها، وخلط الموصى به بغيره خلطاً
یعسر تمییزه، وطحن حنطة وعجن دقیق،
وغزل قطن، ونسج غزل، وقطع ثوب
قميصاً، وصوغ معدن من ذهب أو فضة، وبناء
وغراس في ساحة(١).
فيرى جمهور الفقهاء: الحنفية في قول به
يفتى - وعليه المتون - والشافعية في قول
والحنابلة في المذهب أن جحود الوصية لیس
برجوع لأن الرجوع عن الشيء يقتضي سبق
(١) تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي ١٨٦/٦ وما
بعدها، وتكملة فتح القدير ٤٣٨/٨ - ٤٤١،
والدر المختار ٤٦٥/٥ وما بعدها، واللباب مع
الكتاب ١٧٨/٤ وما بعدها، وروضة القضاة
٧٠٨/٢ - ٧١٠، ومواهب الجليل ٣٦٩/٦،
والشرح الصغير ٤/ ٥٨٧، ومغني المحتاج ٧١/٣
- ٧٢، والمهذب ٤٦٨/١ وما بعدها، وكشاف
القناع ٣٤٨/٤ وما بعدها، والمغني ٦/ ٦٧ وما
بعدها، والإنصاف ٢١١/٦ وما بعدها، ومطالب
أولي النهى ٤/ ٤٦٠ وما بعدها .
وجوده وجحود الشيء يقتضي سبق عدمه إذ
الجحود نفي لأصل العقد فلو كان الجحود
رجوعاً اقتضى وجود الوصية وعدمها فيما سبق
وهو محال(١).
ويرى الحنفية في قول قال عنه في العيون
إن عليه الفتوى وفي السراجية: وعليه الفتوى
والشافعية في قول قدمه زكريا الأنصاري على
غيره، والحنابلة في وجه صححه في النظم أن
جحود الوصية رجوع.
وقال الرافعي: يقاس جحود الوصية على
جحد الوكالة فیفرق فیه بین أن يكون الرجوع
لغرض، وبين ما لم يكن لغرض، فإن كان
الجحود لغرض لا يكون رجوعاً وإن لم يكن
لغرض فيكون رجوعاً، وهذا هو المعتمد(٢).
الركن الثاني: الموصي:
١٧ - الموصي من صدرت منه الوصية.
ويشترط في الموصي ما يأتي:
أولًا: أن يكون أهلاً للتبرع: ويكون أهلًا
(١) تكملة فتح القدير ٤٣٦/١٠ ط البابي الحلبي،
ومغني المحتاج ٧١/٣، والمغني ٦٨/٦، وأسنى
المطالب ٦٤/٣، والإنصاف ٢١٣/٦، ومطالب
أولي النهى ٤ / ٤٦٣ .
(٢) المراجع السابقة .
- ٢٣٤ -

وصية ١٨
للتبرع عند توافر ما يلي:
أ - العقل والبلوغ:
١٨ - اتفق الفقهاء على اشتراط العقل، فلا
تصح وصية المجنون والمعتوه والمغمی علیه،
لأن عبارتهم ملغاة لا يتعلق بهم حکم.
وأما البلوغ فقد ذهب الحنفية والشافعية في
المذهب والحنابلة في قول إلى اشتراط
البلوغ، فلا تصح وصية الصبي المميز وغير
المميز، ولو كان مميزاً مأذوناً له في التجارة،
لأن الوصية من التصرفات الضارة ضرراً
محضاً، إذ هي تبرع، كما أنها ليست من
أعمال التجارة.
وأجاز المالكية والحنابلة في المذهب
والشافعية في قول وصية المميز، لأن عمر
رَظيم أجاز وصية صبي من غسّان له عشر
سنين أوصى لأخواله (١)، ولأنه لا ضرر على
الصبي في جواز وصيته، لأن المال سيبقى
على ملكه مدة حياته، وله الرجوع عن وصيته
ککل موص.
ونص المالكية على أن المميز الذي تصح
(١) أثر عمر ((أنه أجاز وصية صبي من غسان .. ))
أخرجه مالك في الموطأ (٦٧٢/٢ - ط الحلبي)
والبيهقي (٢٨٢/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية)،
وأعله بالانقطاع بين عمر والراوي عنه .
وصيته هو ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها إذا
أصاب وجه الوصية ولم يكن فيه اختلاط(١).
وصرح الحنابلة بأنه تصح الوصية من مميز
عاقل للوصية .
وقال المرداوي: إذا جاوز الصبي العشر
صحت وصيته على الصحيح من المذهب ولا
تصح ممن له دون السبع وفيما بين السبع
والعشر روايتان، والمذهب أنها تصح(٢).
وأما وصية المحجور عليه لسفه فقد اختلف
الفقهاء في صحتها على قولين: فذهب الحنفية
والمالكية والشافعية في المذهب والحنابلة في
أصح الوجهين إلى أنه تجوز وصية المحجور
عليه لسفه .
وقيد الحنفية نفاذ الوصية إذاكانت بالقرب
وأبواب الخير من ثلث مثاله، واعتبروا جواز
الوصية في هذه الحالة من باب الاستحسان،
قالوا: وجه الاستحسان أن الحجر عليه لمعنى
النظر له كيلا يتلف ماله ويبقى كلًا على غيره
وذلك فى حياته لا فيما ينفذ من الثلث بعد
وفاته حال استغنائه وذلك إذا وافقت وصيته
وصايا أهل الخير والصلاح كالوصية بالحج أو
(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٤ / ٥٨٠ .
(٢) كشاف القناع ٣٣٦/٤، والإنصاف ١٨٥/٧،
والمغنى ٦/ ١٠١ .
- ٢٣٥ -

وصية ١٩ - ٢٠
للمساكين أو لبناء المساجد.
القول الثاني: لا تصح وصية المحجور عليه
لسفه كتبرعاته وهو القياس عند الحنفية وأحد
الوجهين عند الحنابلة، والقول المقابل
المذهب عند الشافعية(١).
أما السكران: فقد ذهب الفقهاء إلى أن
السكران من مباح لا تصح وصيته، واختلفوا
في حکم وصية السكران إذا كان متعدياً بسكره
إلى ثلاثة أقوال:
الأول: يرى الحنفية والشافعية ووجه عند
الحنابلة صحة وصية السكران المتعدى
بسكره، لأن سكره بمحرم لا يبطل تكليفه
فتلزمه الأحكام.
الثاني: يرى الحنابلة في وجه وهو الصحيح
من المذاهب أنه لا تصح وصية السكران
المتعدي بسكره لأنه حينئذ غير عاقل أشبه
المجنون .
الثالث: يرى المالكية أن وصية السكران
المميز صحيحة أما غير المميز حال الإيصاء
(١) اللباب ٧١/٢، وحاشية ابن عابدين ٩٤/٥،
والشرح الصغير ٤/ ٥٨٠، ومطالب أولي النهى
٤/ ٤٤٣، ومغني المحتاج ٣٩/٣، وتحفة
المحتاج ٤/٧، والإنصاف ١٨٥/٦ .
فلا تصح وصيته(١).
ب - الحرية :
١٩ - اتفق الفقهاء على اشتراط الحرية،
فلا تصح وصية العبد، لأنه تبرع، وهو لیس
من أهل التبرع، ولأنه لا يملك شيئاً حتى
يملكه لغيره(٢) .
ج - الرضا والاختيار:
٢٠ - أن يكون الموصي راضياً مختاراً،
لأن الوصية إيجاب ملك، فلابد فيه من
الرضا، كإيجاب الملك بسائر الأشياء
والتصرفات من بيع وهبة ونحوهما، فلا تصح
وصية المكره والهازل والمخطىء؛ لأن هذه
العوارض تفوت الرضا (٣).
وصايا غير المسلمين
٢١ - لا يشترط إسلام الموصي لصحة
(١) الحموي مع الأشباه ٢/ ١٥١، والشرح الصغير
٥٨٠/٤، ومغني المحتاج ٣٩/٣، ٢٧٩، ومطالب
أولي النهى ٤ /٤٤٤، والإنصاف ١٨٧/٧،
والمغني ٣٠٢/٦، وكشاف القناع ٣٣٦/٤.
(٢) الاختيار ٦٤/٥، والشرح الصغير ٥٨٠/٤،
ومغني المحتاج ٣٩/٣، ومطالب أولي النهى
٤/ ٤٤٣ - ٤٤٤ .
(٣) البدائع ٣٣٥/٧، ومغني المحتاج ٧/٢، ٣٩/٣،
والشرح الصغير ٥٤٨/٢ - ٥٥٠ .
- ٢٣٦ -

وصية ٢١
الوصية باتفاق الفقهاء في الجملة، فتصح
وصية غير المسلم بما تصح به وصية المسلم.
ونص الشافعية والحنابلة على صحة وصية
الكافر ولو کان مرتداً أو حربياً ولو كان بدار
الحرب، وقيد الشافعية في الأصح عندهم
صحة وصية المرتد بأن لا يموت أو يقتل كافراً
لأن ملكه موقوف.
وصرح المالكية بأن وصية المرتد في حال
ردته باطلة(١).
ويتوقف من وصايا المرتد ما يصح من
المسلم، ويبطل ما لا يصح من المسلم عند
أبي حنيفة، وعند الصاحبين تصرفات المرتد
نافذة للحال فیصح منه ما يصح من القوم الذين
انتقل إليهم بشرط أن تكون لقوم معينين حتى
لو أوصى بما هو قربة عندهم، معصية عند
المسلمين وكان ذلك لقول غير معينيين لا
يصح عندهما.
وأما المرتدة فإنه يصح من وصاياها ما يصح
من القوم الذي انتقلت إليهم (٢).
(١) الفتاوى الهندية ١٣١/٦، والخرشي ١٦٨/٨،
ومغني المحتاج ٣٩/٣، وكشاف القناع ٣٥٢/٤
- ٣٥٣ ومعونة أولي النهى ٦/ ١٨٥.
(٢) الفتاوى الهندية ٦/ ١٣١ - ١٣٢.
وقال الحنفية: وأما إسلام الموصي فليس
بشرط لصحة وصيته فتصح وصية الذمي بالمال
للمسلم والذمي في الجملة، لأن الكفر لا
ينافي أهلية التمليك، ألا ترى أنه يصح بيع
الكافر وهبته فكذا وصيته، وكذا الحربي
المستأمن إذا أوصى للمسلم أو الذمي يصح
في الجملة، غير أنه إن کان دخل وارثه معه في
دار الإسلام وأوصى بأكثر من الثلث وقف ما
زاد على الثلث على إجازة وارثه لأنه بالدخول
مستأمناً التزم أحكام الإسلام، أو ألزمه من غير
التزامه لإمكان إجراء الأحكام عليه ما دام في
دار الإسلام، ومن أحكام الإسلام أن الوصية
بما زاد على الثلث ممن له وارث تقف على
إجازة وارثه، وإن لم یکن له وارث أصلًا
تصح من جميع المال كما في المسلم
والذمي، وكذلك إذا کان له وارث لكنه في دار
الحرب، لأن امتناع الزيادة على الثلث لحق
الورثة وحقهم غير معصوم لأنه لا عصمة
لأنفسهم وأموالهم فلأن لا يكون لحقهم الذي
في مال مورثهم عصمة أولى.
وذكر في الأصل: لو أوصى الحربي في دار
الحرب بوصية ثم أسلم أهل الدار أو صاروا
ذمة ثم اختصما إلينا في تلك الوصية فإن كانت
قائمة بعينها أجزتها وإن كانت قد استهلكت من
- ٢٣٧ -

وصية ٢٢ - ٢٣
قبل الإسلام أبطلتها لأن الحربي من أهل
التملیك ألا یری أنه من أهل سائر التملیکات
كالبيع ونحوه فكانت وصيته جائزة في نفسها
إلا أنه ليس لنا ولاية إجراء أحكام الإسلام
وتنفيذها في دارهم، فإذا أسلموا أو صاروا ذمة
قدرنا على التنفيذ فننفذها ما دام الموصى به
قائماً، فأما إذا صار مستهلكاً أبطلنا الوصية
وألحقناها بالعدم، لأن أهل الحرب إذا أسلموا
أو صاروا ذمة لا يؤخذون بما استهلك بعضهم
على بعض وبما اغتصب بعضهم من بعض بل
يبطل ذلك، كذا هذا(١).
الركن الثالث: الموصى له:
٢٢ - الموصى له من تبرع له الموصي
بجزء من ماله بعد وفاته، ويشترط في الموصى
له ما يأتي :
أولًا: أن يكون الموصى له موجوداً:
٢٣ - اختلف الفقهاء في اشتراط كون
الموصى له موجوداً حين الوصية على قولين:
القول الأول: يشترط كون الموصى له
موجوداً فإن لم يكن موجوداً لا تصح الوصية،
وهو قول الحنفية والشافعية في الأصح،
والحنابلة في المذهب، وعلى هذا إذا قال:
(١) بدائع الصنائع ٣٣٥/٧.
أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة، فإن
كان موجوداً حال الوصية صحت الوصية وإلا
فلا .
وجاء في الفتاوى الهندية: من أوصى بثلث
ماله لزيد وبكر، وبكر ميت وهو يعلم أو لا
یعلم، أو لزید وبکر إن کان حياً وهو ميت، أو
له ولمن کان في هذا البیت ولیس فیه أحد، أو
له ولعقبه، أو له ولولد بكر فمات ولده قبل
موت الموصي، أو له ولفقراء ولده، أو لمن
افتقر من ولده وفات شرطه عند موته فلزید کله
في هذه الصور، لأن المعدوم أو الميت لا
يصلح مستحقاً فلم تثبت المزاحمة لزيد،
وصار كما لو أوصى لزيد وجدارٍ، وكذا
العقب لأن العقب من يعقبه بعد موته فيكون
معدوماً في الحال(١) .
القول الثاني: ذهب المالكية والشافعية في
مقابل الأصح والحنابلة في قول إلى أنه لا
يشترط في صحة الوصية كون الموصى له
موجوداً حال الوصية، وعلى ذلك تصح
الوصية لمن سيكون من حمل موجود أو
سیوجد فیستحقه إن استهل صارخاً .
(١) بدائع الصنائع ٣٣٥/٧، والفتاوى الهندية
١٠٥/٦، الإنصاف ٢٣١/٧، ومغني المحتاج
٤٠/٣، وأسنى المطالب ٣٠/٣، وروضة
الطالبين ٦/ ١٠٠ .
- ٢٣٨ -

وصية ٢٤ - ٢٦
وجزم ابن رزين من الحنابلة بصحة الوصية
(١)
للمعدوم(١).
ثانيا: أن يكون الموصى له أهلًا للتملك:
٢٤ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط
أن يكون الموصى له المعين حال الوصية أهلًا
للتملك.
وقد فرع الفقهاء على هذا الشرط مسائل
منها :
أ - الوصية للميت:
٢٥ - اتفق الفقهاء على أنه إذا أوصى لميت
ولا يعلم الموصي حين الوصية أنه ميت فإن
الوصية باطلة لأنه ليس من أهل التملك.
أما إذا لم يعلم الموصي حال الوصية أن
الموصى له ميت فقد أجاز المالكية الوصية
ويصرف الشيء الموصى به عندهم للميت في
وفاء دينه إن كان عليه دين وإلا فلوارثه.
فإن لم یکن عليه دين ولا وارث له بطلت
الوصية ولا يأخذها بيت المال(٢)
(١) الشرح الصغير ٥٨١/٤ - ٥٨٢، وروضة الطالبين
١٠٠/٦، ومغني المحتاج ٤٠/٣، والإنصاف
٢٣١/٧ .
(٢) الفتاوى الهندية ١٠٥/٦، وروضة الطالبين
١١٦/٦، ومغني المحتاج ٤٠/٣ وكشاف القناع
٤/ ٣٦٥، والشرح الصغير ٥٨١/٤ - ٥٨٢ .
ب - الوصية للحمل:
٢٦ - اتفق الفقهاء على صحة الوصية
للحمل إن كان موجوداً حال الوصية، لأن
الحمل يرث والوصية كالميراث، ويعلم كون
الحمل موجوداً بأن يولد حياً لأقل من ستة
أشهر من حین الوصية إن كانت الأم ذات زوج
أو سيد، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا
وضعته حياً لأقل منها لزم أن يكون موجوداً
حينها، أو تضعه لأقل من أربع سنين عند
الشافعية والحنابلة إن لم تکن الأم ذات زوج
أو سيد، ولسنتين عند الحنفية.
وكذا لو أقر الموصي بأنها حامل فتثبت
الوصية له إن وضعته ما بين سنتين من يوم
أوصى، لأن وجوده في البطن عند الوصية
ثبت بإقرار الموصي فإنه غير متهم فيه، لأنه
موجب له ما هو خالص حقه بناءً على هذا
الإقرار وهو الثلث فيلحق بما لو صار معلوماً
يقيناً بأن وضعته لاقل من ستة أشهر، وإن
انفصل الحمل ميتاً بطلت الوصية لانتفاء أهلية
الملك(١).
(١) حاشية ابن عابدين ٤١٨/٥، والشرح الكبير مع
الدسوقي ٤٢٣/٤، مغني المحتاج ٤٠/٣،
وروضة الطالبين ٩٩/٦ - ١٠٠، وأسنى المطالب
٣٠/٣ - ٣١، وكشاف القناع ٣٥٦/٤.
- ٢٣٩ -
:

وصية ٢٧ - ٢٩
..
وذهب المالكية إلى أن الوصية تصح
للموصى له، سواء أكان موجوداً حين
الوصية، أم منتظر الوجود كالحمل، وتصح
لمن سيكون من حمل موجود أو سيوجد إن
استهل صارخاً ونحوه، مما يدل على تحقق
حياته، لكن في قول: لا يستحق شيئاً من غلة
الموصى به، لأنه لا يملك إلا بعد وضعه
حياً، فتكون الغلة لوارث الموصي.
وفي قول آخر : توقف وتدفع للموصى له إذا
استهل کالموصى به، ويوزع الشيء الموصى به
لمن سیکون إن ولدت لأکثر من واحد بحسب
العدد، أي إن الذكر كالأنثى عند الإطلاق، فإن
نص الموصي على تفضيل عمل به (١).
ثالثاً: أن يكون الموصى له معلوماً غير
مجهول :
٢٧ - ذهب الفقهاء إلى اشتراط كون
الموصى له معلوماً غير مجهول أي معيناً
بشخصه کزید أو بنوعه کالمساکین.
وفرع الفقهاء على هذا الشرط مسائل منها:
أ - الوصية للمبهم:
٢٨ - لو أوصى بثلث ماله لأحد هذين
(١) الشرح الكبير ٤٢٣/٤، والشرح الصغير ٤ /٥٨١
- ٥٨٢ .
الرجلين فالوصية باطلة عند أبي حنيفة وزفر
والمالكية والشافعية والحنابلة لجهالة الموصى
له.
وقال أبو يوسف: إن اصطلحا فالوصية
لهما .
وقال محمد: الخيار إلى الورثة يعطون
أيهما شاؤا(١) .
ب - الوصية لجماعة :
٢٩ - لو أوصى رجل لجماعة لا يمكن
حصرهم واستيعابهم كالقبيلة العظيمة والفقراء
والمساكين صحت الوصية عند المالكية
والشافعية والحنابلة، ثم اختلفوا في لزوم
التعمیم من عدمه :
فقال المالكية: لا يلزم التعميم ولا
التسوية، ويعطون بالاجتهاد بقدر الحاجة.
وقال الشافعية في الأظهر: يجزئ دفع
الوصية إلى ثلاثة منهم.
وقال الحنابلة: يجزئ الدفع إلى واحد
منهم.
(١) حاشية ابن عابدين ٤١٦/٥، وروضة القضاة
٦٩٨/٢ - ٦٩٩، وعقد الجواهر الثمينة
٤١٦/٣، وكشاف القناع ٣٥٧/٤، ومغني
المحتاج ٤٠/٣ .
- ٢٤٠ -