النص المفهرس
صفحات 21-40
وديعة ١٦ - ١٧ وقد عللوا ذلك بأن الإيداع عقد استحفاظ، وحفظ الشيء بدون إثبات الید علیه محال، فلما تعذر التزام الوديع بحفظه، لعدم إمكان إحرازه وحوزه، امتنع تكليفه شرعاً به في عقد الوديعة لعسره أو استحالته في حقه، إذ لا تكليف بما لا يطاق، ولا اعتبار لعقد لا يتصور تنفيذه(١). أما الشافعية والحنابلة فاشترطوا لصحة العقد أن تكون العين المودعة مالًا أو مختصاً، ولم يقصروها على المال وحده. وبناءً على اعتبار المالية نصوا على عدم صحة إيداع الخمر غير المحترمة ونحوها من المحرمات، لأنها ليست بمال. وبناءً على اعتبار المختص قالوا: أما ما فيه اختصاص کجلد ميتة لم يدبغ، وزبل، وکلب صيد محترم، ونحوها، فيجوز إيداعه كالمال، لجواز اقتنائه، بخلاف النجس الذي لا يقتنى، والكلب الذي لا ينفع بحراسة أو صيد، وآلات اللَّهو، فلا يصح إيداعها لكونها غير محترمة، ولا يجوز تمولها ولا اقتناؤها(٢). (١) الفتاوى الهندية ٣٣٨/٤، والدر المنتقى ٣٣٦/٢، والعناية والكفاية على الهداية ٧/ ٤٥٢، والبحر الرائق ٢٧٣/٧، ورد المحتار ٤ / ٤٩٤ . (٢) كشاف القناع ١٨٥/٤، وأسنى المطالب ٧٤/٣، ٧٥، وتحفة المحتاج ٩٩/٧، وروضة الطالبين ٣٢٤/٦ . وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية وابن عرفة من المالكية إلى صحة إيداع الصكوك والوثائق بذكر الحقوق(١). أن تكون العين المودّعة منقولا : ١٦ - ذهب ابن عرفة من المالكية إلى أنه يشترط في العين المودعة أن تكون مما يمكن نقله فيخرج العقار. وذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والمالكية) إلى عدم اشتراط ذلك فتصح أن تكون العين المودعة عقاراً أو منقولًا(٢). آثار عقد الوديعة : ١٧ - إذا انعقد الإيداعُ صحيحاً، ترتب عليه ثلاثة آثار: كون الوديعة أمانةً عند الوديع (١) التاج والإكليل ومواهب الجليل ٢٥٠/٥، والزرقاني على خليل ١١٣/٦، وميارة على التحفة ١٨٨/٢، وحاشية البناني على شرح الزرقاني لمختصر خليل ١١٤/٦، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤١٩/٣، وانظر الفتاوى الهندية ٣٥٣/٤، وأسنى المطالب ٨٧/٣، والقليوبي ١٨٧/٣، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ١٢٨/٧ . (٢) مواهب الجليل ٢٥١/٥، وانظر المدونة ١٢٦/١٥، ١٢٨، وحاشية البناني على شرح الزرقاني ١١٣/٦، والدر المختار مع رد المحتار ٤٩٩/٤، وروضة الطالبين ٣٢٤/٦، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٧/ ١٠١ . - ٢١ - وديعة ١٨ ..... ... ووجوب الحفظ عليه، ولزوم الردّ عند الطلب . وتفصيل ذلك فيما يلي: أولًا: كون الوديعة أمانة: ١٨ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على المعتمد والثوري والأوزاعي والنخعي وربيعة والقاضي شريح وغيرهم إلى أن الوديعة أمانة في يد الوديع، فإن تلفت من غیر تعدیه أو تفريطه فلا ضمان علیه، حتی ولو کانت بین ماله ولم يذهب معها شيء منه(١) . قال ابن المنذر: اجمع أكثر أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم تلفت من غير جنايته أن لا ضمان عليه(٢) . (١) البحر الرائق ٢٧٣/٧، وروضة القضاة ٦٠٨/٢، ورد المحتار ٤٩٤/٤، والتفريع لابن الجلاب ٢٦٩/٢، والكافي لابن عبدالبر ص٤٠٣، وبداية المجتهد ٣١٠/٢، والتاج والإکلیل ٢٥٠/٥، وشرح الزرقاني ١١٤/٦، والأم ٤/ ٦٢، والإشراف لابن المنذر ٢٥١/١، وأسنى المطالب ٧٦/٣، وتحفة المحتاج ١٠٥/٧، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٠، المبدع ٢٣٣/٥، وكشاف القناع ١٨٦/٤، والمغني ٩/ ٢٥٧. (٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر ٢٥١/١ . أما إذا تعدى الوديع عليها أو فرط في حفظها، فعليه ضمانها. قال ابن قدامة: بغير خلاف نعلمه، لأنه متلف لمال غيره، فضمنه كما لو أتلفه من غير استيداع(١). واستدل الفقهاء على كونها أمانة بالسنة وقول الصحابة والإجماع والمعقول: فأما السنة: فبما روي عن عبد الله بن عمرو رَّهَا أن رسول اللَّهِ وَ الإ قال: ((من أودع وديعة فلا ضمان علیه))(٢). وبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي وَال* قال: ((ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان))(٣). والمغل هو الخائن. وأما قول الصحابة: فبما روي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وجابر ## أن (١) المغني ٢٥٨/٩. (٢) حديث: ((من أودع وديعة فلا ضمان عليه)). أخرجه ابن ماجه (٨٠٢/٢ - ط الحلبي)، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٤٢/٢ - ط دار الجنان) لضعف راويين في إسناده. (٣) حديث: ((ليس على المستعير غير المغل ضمان ... )) أخرجه الدارقطني (٤٠١/٣ - ط دار المحاسن)، وذكر أن في إسناده راویین ضعيفين. - ٢٢ - وديعة ١٨ الوديعة أمانة في يد الوديع(١). وأما الإجماع: فقد أجمع فقهاء الأمصار على كونها أمانةً في يد الوديع . وأما المعقول: فلأن الوديع إنما يحفظها لمالكها، فتکون یده کیده(٢) . ولأنه قبض العين بإذن مالكها، لا على وجه التمليك ولا الوثيقة، فلا يضمنها، إذ لا موجب للضمان (٣). ولأن الأصل في حفظ الوديعة أنه معروف وإحسان من الوديع، فلو ضمن من غير عدوان أو تقصیر لزهد الناس في قبولها، ورغبوا عنه، وفي ذلك تعطيل لمصالح المسلمين، لمسيس الحاجة إليها (٤). وفي رواية عن أحمد: أن الوديع ضامن إذا تلفت الودیعة من بین ماله(٥)، لما روي عن عمر بن الخطاب ◌َه أنه ضمّن أنس بن مالك ودیعة ذهبت من بین ماله(٦) . (١) التلخيص الحبير ٩٨/٣. (٢) أسنى المطالب ٧٦/٣، والمهذب ٣٦٦/١. (٣) روضة القضاة ٢/ ٦١٢. (٤) المغنى ٢٥٧/٩، والمهذب ٣٦٦/١. (٥) المغنى ٩/ ٢٥٧، وكشاف القناع ١٨٦/٤، والمبدع ٢٣٤/٥ . (٦) أثر عمر بن الخطاب رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢٨٩/٦) . وقال المالكية والشافعية إنه لا فرق في كون الوديعة أمانة في يد الوديع لا تضمن بغير تعديه أو تفريطه، سواء کانت بأجر أو بدونه، حیث إن أخذ الأجرة في الوديعة لا يغير شيئاً من أحكام الأمانة أو الضمان فيها(١). أما الحنفية، فقد فرقوا في موجبات الضمان فيها بين ما إذا كانت بأجر أو بدون أجر، مع اعتبارها في الحالين أمانة في يد الوديع، فقالوا: إذا تلفت الوديعة بما لا يمكن التحرز عنه من الأسباب - کحريق غالب وغرق غالب ولصوص مكابرین - فلا ضمان على الوديع، سواء أكانت بأجر أم مجاناً . أما إذا هلكت بما یمکن التحرز عنه، فينظر: إن كانت بغير أجر، فلا يجب على الوديع الضمان. أما إذا كانت بأجر، فإنه يكون ضامناً(٢). جاء فى المادة (٧٧٧) من المجلة العدلية : (١) ميارة على التحفة ١٩٥/٢، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٧٦/٣، وتحفة المحتاج للهيتمي ١٠٥/٧. (٢) الدر المنتقى ٣٣٨/٢، والدر المختار مع رد المحتار ٤٩٤/٤، وشرح المجلة للأناسي ٢٤٣/٣، ودرر الحكام ٢٣١/٢، وما بعدها، وانظر الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٣٠، والبحر الرائق ٢٧٣/٧ . - ٢٣ - وديعة ١٩ الوديعة أمانة في يد الوديع. وبناءً عليه: إذا هلکت بلا صنع الوديع أو تعديه أو تقصيره في الحفظ، فلا يلزمه الضمان، إلا إذا كان الإيداع بأجرة على حفظ الوديعة، فهلکت أو ضاعت بسبب یمکن التحرز منه، لزم الوديع ضمانها. فوجه تضمين الوديع بأجر في هذه الصورة عندهم: أن الحفظ مستحق عليه فيها، لأنه مستأجر على الحفظ قصداً، إذ العقد عقد الحفظ والأجر في مقابل الحفظ، والمتاع في يد الأجير(١). ويتفرع عن القول بكون الوديعة أمانة ما يلي : أ - اشتراط الضمان فى الوديعة أو عدمه: ١٩ - إذا اشترط رب الوديعة على الوديع ضمانها، فقبل، أو قال للمودع: أنا ضامن لها، فتلفت أو سرقت من غير تعديه أو تفريطه في المحافظة عليها، فلا ضمان عليه، لأن اشتراط الضمان على الأمين باطل، وجعل ما أصله أمانة مضموناً بالشرط لا يصح، كمال المضاربة والشركة والوكالة. وبذلك قال جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية (١) شرح المجلة للأتاسي ٢٤٣/٣، ورد المحتار ٤/ ٤٩٤ . والشافعية والحنابلة والثوري وإسحاق وابن المنذر وغيرهم(١) . وقد علل الفقهاء ذلك بأن هذا الشرط منافٍ لمقتضى العقد ومفوت لموجبه، فلا يعتبر. قال الزرقاني : شرط ضمانها يخرجها عن حقيقتها، ويخالف ما يوجبه الحكم(٢)، وقال ابن قدامة: ولأن شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه، فلم يلزمه، کما لو شرط ضمان ما يتلف في يد مالكه(٣). وحكي عن عبيدالله بن الحسن العنبري أنه خالف في ذلك وقال بضمانه بالشرط (٤). ولو أودعها بشرط عدم ضمان الوديع إذا تعدى عليها أو فرط في حفظها، فقد قال الحنفية والشافعية: لا يصح هذا الشرط، لأنه (١) البحر الرائق ٧/ ٢٧٤، ومجمع الأنهر ٣٣٨/٢، والدر المختار ٤٩٤/٤، وروضة القضاة ٢/ ٦١٧، والمهذب ٣٦٦/١، والإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبدالوهاب ٢/ ٤٢، والزرقاني على خليل ٦/ ١١٧، وبداية المجتهد ٣١١/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٦٦/١، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٧٦/٣، والمغني ٢٥٨/٩، وكشاف القناع ٤/ ١٨٧ . (٢) الزرقاني على خليل ٦/ ١١٧ . (٣) المغني ٢٥٨/٩ . (٤) الإشراف للقاضي عبدالوهاب ٤٢/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٦٦/١ . - ٢٤ - وديعة ٢٠ إبراء عما لم يجب، وهذا في صحيح الوديعة وفاسدها(١). ب - قبول قول الوديع في هلاك الوديعة: ٢٠ - فرع الفقهاء على كون الوديعة أمانةً في يد الوديع قبول قوله في براءة نفسه عند ادعاء هلاكها أو ضياعها بغير تعديه أو تفريطه إذا كذّبه المالك، سواء قبضها ببينة أو بغير بينة، وعلى ذلك نص الحنفية والمالكية(٢). وعلل الكاساني ذلك بقوله: إن المالك يدعي على الأمين أمراً عارضاً، وهو التعدي، والوديع مستصحب لحال الأمانة، فكان متمسكاً بالأصل، فكان القول قوله لكن مع اليمين، لأن التهمة قائمة فيستحلف دفعاً للتهمة(٣) . وفصل الشافعية والحنابلة في المسألة فقالوا: إذا ادعى تلف الوديعة بسبب ظاهر - (١) روضة القضاة ٦١٧/٢، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٧٦/٣ . (٢) روضة القضاة ٦٢٤/٢، والبدائع ٢١١/٦، والفتاوى الهندية ٣٥٧/٤، والقوانين الفقهية ص٣٧٩، والمقدمات الممهدات ٤٥٩/٢، وبداية المجتهد ٣١٠/٢، وكفاية الطالب الرباني ٢٥٤/٢، التفريع لابن الجلاب ٢٧٠/٢، والكافي لابن عبد البر ص٤٠٢، والتاج والإكليل ٢٦٤/٥، وميارة على تحفة ابن عاصم ١٩٠/٢، الزرقاني على خليل ٦/ ١٢٣ . (٣) بدائع الصنائع ٦/ ٢١١. کحريق وغرق وغارة - لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على وجود ذلك السبب في تلك الناحية(١)، فإن لم يقم بينة به ضمن، لأنه لا يتعذر إقامة البينة عليه، والأصل عدمه. أما إذا ادعى الهلاك بسبب خفي - كسرقة وضياع - أو لم يبين السبب، فالقول قوله في هلاكها، لتعذر إقامة البينة على ذلك، فلو لم يقبل قوله، لامتنع الناس عن قبول الودائع مع مسيس الحاجة إليها(٢). وحیث کان القول للودیع في دعوى التلف، فهل يكتفى بقوله دون يمينه، أم لابد من يمينه معه؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال : الأول: لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية في غير المشهور والحنابلة وهو أن القول قوله بيمينه(٣). قال الكاساني: (١) تحفة المحتاج ١٢٦/٧، وأسنى المطالب ٨٥/٣، وكشاف القناع ١٩٩/٤ . (٢) روضة الطالبين ٣٤٦/٦، وأسنى المطالب ٨٥/٣، والمهذب ٣٦٩/١، تحفة المحتاج ١٢٦/٧، شرح منتهى الإرادات ٤٥٦/٢، وكشاف القناع ١٩٩/٤ . (٣) التفريع لابن الجلاب ٢٧٠/٢، والإشراف لابن المنذر ٢٥٤/١، والقوانين الفقهية ص٣٧٩، وروضة القضاة ٦٢٤/٢، والفتاوى الهندية ٣٥٧/٤، والبدائع ٢١١/٦، والعقود الدرية = - ٢٥ - وديعة ٢١ لأن التهمة قائمة، فيستحلف دفعاً للتهمة(١). الثاني: لأحمد في رواية عنه: وهو أنه يصدق في ادعاء تلفها بغير يمين(٢). والثالث: للمالكية في المشهور: وهو أنه يحلف المتهم دون غيره(٣). قال العدوي: وعلی المشهور محل كونه لا يحلف إلا المتهم إذا لم تكن الدعوى دعوى تحقيق، وأما دعوى التحقيق فلا فرق بين متهم وغيره. وغرم بمجرد النكول في دعوى الاتهام القاصرة على المتهم، وبعد حلف المودع في دعوى التحقيق التي ليست قاصرةً على (٤) المتهم (٤). = لابن عابدين ٢/ ٧٣، والمبدع ٢٤٢/٥، شرح منتهى الإرادت ٤٥٥/٢، والمغني ٢٧٣/٩، وكشاف القناع ١٩٩/٤، وأسنى المطالب ٨٥/٣، وتحفة المحتاج ١٢٦/٧، وروضة الطالبين ٣٤٦/٦، والمهذب ٣٦٩/١ . (١) بدائع الصنائع ٦/ ٢١١ . (٢) المبدع ٢٤٢/٥ . (٣) كفاية الطالب الرباني ٢٥٤/٢، والتاج والإكليل ومواهب الجليل ٢٦٤/٥، والزرقاني علي خليل ٦/ ١٢٣ . (٤) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢٥٤/٢، وانظر مواهب الجليل ٢٦٤/٥، والزرقاني على خليل وحاشية البناني عليه ١٢٣/٦ . ودعوى التحقيق هي الدعوى التي يدعي فيها المدعي علماً بصفة الشيء المدعى = ج - قبول قول الوديع في رد الوديعة: ٢١ - إذا ادعی الوديع رد الوديعة إلى ربها - وعبر الشافعية بقولهم ردها إلى من ائتمنه - فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والثوري وإسحاق وابن القاسم من المالكية في رواية أصبغ عنه وغيرهم إلى أن القول قول الوديع بيمينه(١). وقال القاضي أبو الطيب من الشافعية: ولأنه يصدق في التلف قطعاً، فكذا في الرد(٢). وقال صاحب المهذب: لأنه أخذ العين لمنفعة المالك، فكان القول في الرد قوله(٣). = به وقدره، كأن يقول: أتحقق أن لي عندك ديناراً أو ثوباً صفته كذا. (حاشية العدوي مع كفاية الطالب الرباني (٣١٢/٢). (١) بدائع الصنائع ٢١١/٦، والعقود الدرية لابن عابدين ٧٩/٢، المبسوط للسرخسي ١١٣/١١، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٢٨، والمهذب ٣٦٩/١، وكفاية الأخيار ١٠/٢، تحفة المحتاج ١٢٦/٧، وأسنى المطالب ٨٥/٣، وروضة الطالبين ٣٤٦/٦، وكشاف القناع ١٩٨/٤، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٥، والمغني ٢٧٣/٩، والمبدع ٢٤٢/٥، والإشراف لابن المنذر ٢٥٤/١، والقوانين الفقهية ص٣٧٩، والمقدمات الممهدات ٤٥٩/٢، وبداية المجتهد ٣١٠/٢ . (٢) كفاية الأخيار ١٠/٢ . (٣) المهذب للشيرازي ٣٦٩/١ . - ٢٦ - وديعة ٢٢ ووافقهم في ذلك المالكية فيما إذا كان الوديع قبضها بدون بينة، أما إذا قبضها ببينة قصد بها التوثق، فقالوا: لا يقبل قوله في ردها على مالكها إلا ببينة(١). وقد علل ذلك القاضي عبد الوهاب البغدادي بقوله: لأنه لما أشهد عليه وتوثق منه، جعله أميناً في الحفظ دون الرد، فإذا ادعى ردها، فقد ادعى براءته مما ليس بمؤتمن فيه، فلم يقبل منه إلا ببينة، ولأن هذه فائدة الإشهاد عليه، فإذا أزلناه لم يبق له فائدة(٢). وقد وافق المالكية في هذا التقسيم والتفصيل أحمد في رواية عنه، غير أنه لم يقيد البينة - فيما إذا قبض الوديع الوديعة ببينة - بأن يكون التوثق مقصوداً بها(٣). قال ابن رجب: وخرجها ابن عقيل على أن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب، فيكون تركه تفريطاً، فيجب فيه الضمان(٤). (١) مواهب الجليل ٢٦٤/٥، والزرقاني على خليل ١٢٣/٦، وميارة على التحفة ٢/ ١٩٠، والتفريع لابن الجلاب ٢٧٠/٢، والقوانين الفقهية ص٣٧٩، وكفاية الطالب الرباني ٢/ ٢٥٣، وبداية المجتهد ٣١٠/٢، والتاج والإكليل ٢٦٤/٥. (٢) الإشراف على مسائل الخلاف ٢/ ٤١. (٣) المبدع ٢٤٢/٥، وإعلام الموقعين ٨/٤، والقواعد لابن رجب ص٦٢ . (٤) القواعد لابن رجب ص ٦٢ . وقال الشافعية: إذا ادعى الوديع الرد على غیر من ائتمنه كوارثه، أو ادعى وارث الوديع الرد منه على المالك للوديعة، أو أودع الوديع عند سفره أميناً لم يعينه المالك فادعى الأمين الرد على المالك طولب كل ممن ذكر ببينة، لأن الأصل عدم الرد ولم يأتمنه. أما لو ادعى وارث الوديع أن مورثه ردها على المودع أو أنها تلفت في يد مورثه أو في يده قبل التمكن من الرد من غير تفريط فيصدق بيمينه، لأن الأصل عدم حصولها في يد الوارث وعدم تعديهما(١). د - کون زوائد الوديعة لصاحبها ٢٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المنافع المتولدة من الوديعة - متصلة أو منفصلة - تكون لصاحبها، لأنها نماء ملكه، وأنها أمانة بید الودیع(٢). قال الحنفية إن اجتمع عنده مقدار منها، وخاف فساده بيده، والمودع غائب، كما إذا (١) تحفة المحتاج ١٢٦/٧ . (٢) درر الحكام ٢٧٩/٢، وشرح المجلة للأتاسي ٢٨٧/٣، وانظر المادة (٧٩٨) من المجلة العدلية، والمنثور في القواعد ٣٥٢/٣ - ٣٥٣، والقواعد لابن رجب ص١٦ القاعدة (٨٢)، والمنتقى شرح الموطأ ٢٨١/٥ . - ٢٧ - وديعة ٢٣ تجمع لدیه کمیة من لبن الحیوان المودع أو من ثمار الكرم أو البستان المودع، وخيف فسادها، يبيع الوديع هذه الزوائد لحساب صاحبها بإذن الحاكم(١). فإن باعها الودیع بدون أمر الحاكم فإن كان في بلدة أو موضع يمكنه مراجعة الحاكم يضمن، وأما إذا باعها لعدم إمكانه مراجعة الحاكم، كأن كان في المفازة مثلًا، فيصح بيعه بناءً على أن الضرورات تبيح المحظورات(٢). هـ - کون نفقة الوديعة على صاحبها ٢٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الوديعة التي تحتاج إلى نفقة ومؤنة، تكون نفقتها ومصاريفها على صاحبها لا على الوديع(٣). فإن أذن مالکها للودیع بالإنفاق عليها كان وكيلًا عنه في ذلك، ويعود عليه بما أنفق. فإن لم ينفق عليها، ولا أذن له بالانفاق، فللوديع (١) درر الحكام ٢٧٩/٢، والمبسوط السرخسي ١٢٦/١١ . (٢) رد المحتار ٥٠١/٤، ودرر الحكام ٢٧٩/٢، والمبسوط ١٢٦/١١ . (٣) رد المحتار ٥٠١/٤، بداية المجتهد ٣١٢/٢، وانظر المادة (٨٢٩) من مرشد الحيران، والمادة (١٣٣١) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، وقد جاء في المادة (٧٨٦) من المجلة العدلية: ((الوديعة التي تحتاج إلى النفقة كالخيل والبقر نفقتها على صاحبها)). مطالبته بالإنفاق عليها أو ردها أو الإذن له بالإنفاق علیھا، لیرجع علیه به(١). وهذا إذا كان حاضراً. فإن كان غائباً، فقد اختلف الفقهاء في الإجراء الذي ينبغي للوديع أن يتبعه من أجل الإنفاق عليها، وذلك على النحو التالي: فذهب الحنفية إلى أن المستودع يرفع الأمر إلى الحاكم، والحاكم حينئذ يأمر بإجراء الأنفع والأصلح في حق صاحب الوديعة، لأن تصرفه على الرعية منوط بالمصلحة، فإن كان يمكن إكراء الوديعة، فيؤجرها الوديع برأي الحاكم، وينفق من أجرتها، وإن لم تكن صالحة للكراء، فيأمره ببيعها فوراً بثمن المثل، إن كان الأصلح لصاحبها ذلك. وإن كان الأصلح أن تبقى له، فيأمره بأن ينفق عليها من ماله إلى ثلاثة أيام رجاء أن يحضر المالك، فإن لم يحضر خلالها أمره ببيعها . وقيد الحنفية الإنفاق على الوديعة إذا كانت حيواناً بألا يتجاوز هذا الإنفاق قيمة الحيوان، فإن تجاوزها فللمستودع أن يرجع بقدر قيمة الحيوان لا بزيادة على ذلك(٢) . (١) كشاف القناع ١٨٩/٤، والمغني ٢٧٤/٩. (٢) رد المحتار ٥٠١/٤، النتف في الفتاوى للسغدي ٥٨١/٢، درر الحكام ٢٥١/٢، ٢٥٢، وشرح المجلة للأتاسي ٢٥٧/٣، م(٨٢٩) من مرشد = - ٢٨ - ... وديعة ٢٤ وقال الشافعية: إن فقد المالك أو وكيله فيراجع الوديع الحاكم ليقترض الوديع على المالك أو يؤجرها ويصرف الأجرة في مؤنتها أو يبيع جزءاً منها أو جميعها إن رآه. فإن فقد الحاكم تصرف الوديع وفق ما ذكر بنفسه وأشهد لیرجع، فإن لم یشهد لم يرجع في أحد وجهين وهو المعتمد. وقال إمام الحرمين: والقدر الذي يعلفها على المالك هو الذي يصونها عن التلف والتعييب لا ما يحصل به السمن(١). وقال الحنابلة: يرفع الوديع الأمر إلى الحاكم، ليأمر بالإنفاق عليها من مال صاحبها إذا كان له مال، لأن للحاكم ولايةً على مال الغائب، فإن لم یکن له مال، فعل ما يرى فيه الحظ للغائب: من بيعها وحفظ ثمنها لربها، أو بيع بعضها لنفقة الباقي، أو إجارتها لينفق من أجرتها عليها، أو الاستدانة على صاحبها، أو الإذن للوديع بالإنفاق عليها من ماله ليرجع على صاحبها(٢). = الحيران، وم (٧٨٦) من المجلة العدلية، والفتاوى الهندية ٤/ ٣٦٠ . (١) مغني المحتاج ٨٥/٣ . (٢) كشاف القناع ١٨٩/٤. ٢٤ - ولو أنفق الوديع على الوديعة بدون إذن الحاكم، فهل يرجع على صاحبها بما أنفق؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال : الأول للحنفية والشافعية: وهو أنه لا رجوع له على صاحب الوديعة بشيء، لأنه متطوع بما أنفق، لإنفاقه على ملك الغير بغير أمره(١). والثاني للمالكية: وهو أنه إذا أنفق عليها نفقة تلزمها، فإنه يرجع على صاحبها بما أنفق علیها ولو وقع ذلك بدون إذنه أو إذن الحاكم إذا ثبت الإنفاق بالبيئة (٢). والثالث للحنابلة: وهو أنه إن لم يقدر على استئذان الحاكم، فأنفق عليها ناوياً الرجوع على صاحبها بنفقتها، وأشهد على الرجوع، رجع عليها بما أنفق روايةً واحدةً، لأنه مأذون فيه عرفاً، ولا تفريط منه إذا لم يجد حاكماً. وإن فعل ذلك مع إمكان استئذان الحاكم (١) رد المحتار ٥٠١/٤، الأم ٦٣/٤، الإشراف لابن المنذر ٢٦٢/١، الإقناع ٤٠٥/٢، درر الحكام ٢٥٢/٢، وانظر المادة (٨٣٠) من مرشد الحيران، والمبسوط السرخسي ١٢٦/١١ . (٢) الكافي لابن عبدالبر ٢/ ١٣٧، والمدونة ١٥/ ١٥٧. - ٢٩ - وديعة ٢٥ - ٢٦ من غير إذنه، فهل له الرجوع؟ يخرج على من منزله أو دكانه، فرآه وسكت، أو اشار إليه أن ضعها هناك(١). روایتین : (إحداهما) يرجع به، لأنه مأذون فيه عرفاً. (والثانية) لا يرجع، لأنه مفرط بترك استئذان الحاكم على الصحيح من المذهب (١). ثانياً: وجوب الحفظ على الوديع: ٢٥ - اتفق الفقهاء على أنه يجب على الوديع حفظ الوديعة وصيانتها لصاحبها. فإن قصر في حفظها أو تعدى، فهلکت، ضمنها(٢). وقد ذهب الفقهاء إلى أنه لا يكفي الإيجاب والقبول في حق وجوب حفظها على الوديع حتى يثبت يده عليها بالقبض، لأن حفظ الشيء بدون إثبات اليد عليه محال، قالوا: وإن من إثبات اليد على الوديعة ما لو وضع المودع الوديعة بین یدي الوديع، أو في موضع (١) المغني لابن قدامة ٢٧٥/٩، والإنصاف ٦/ ٣٢٠ - ٣٢١ . (٢) الدر المختار ٤٩٤/٤، والبحر الرائق ٢٧٣/٧، والمقدمات الممهدات ٤٦٦/٢، والعدوي على كفاية الطالب الرباني ٢/ ٢٥٤، وأسنى المطالب ٧٨/٣، وروضة الطالبين ٣٤١/٦، والفتاوى الهندية ٣٣٨/٤، والمغني ٢٥٨/٩، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٠، وكشاف القناع ٤/ ١٨٧ . ويتعلق بوجوب الحفظ على الوديع مسألتان: ٢٦ - المسألة الأولى: كيفية الحفظ: لا خلاف بين الفقهاء في أن على الوديع أن يصون الوديعة بما يصون به ماله، وفرقوا بين حالتین : (الأولى) أن يعين المودع الحرز، كما إذا قال للوديع: احفظها في هذا البيت، أو في هذا الموضع منه. وقد نص الفقهاء على أنه يلزمه حفظها فيه، فإن نقلها إلى ما دونه ضمن، لأن من رضي حرزاً، لم يرض بما دونه. وإن نقلها إلى مثله أو إلى إما هو أحرز منه لم يضمن، لأن تعيين الحرز يقتضي الإذن في مثله وفيما هو أحفظ منه بطريق الأولى(٢). (١) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ١٩٤/٢، والمهذب للشيرازي٣٦٦/١، وكفاية الأخيار للحصني ١٠/٢، والدر المختار مع رد المختار ٤٩٤/٤، وشرح المجلة للأتاسي ٢٤١/٣، والبحر الرائق ٢٧٣/٧، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٠/٢، ومغني المحتاج ٨٠/٣. (٢) البحر الرائق ٢٧٩/٧، ومجمع الأنهر والدر المنتقى ٣٤٣/٢، وبداية المجتهد ٣١١/٢ - ٣١٢، والبدائع ٢٠٩/٦ - ٢١٠، والمهذب = - ٣٠ - وديعة ٢٦ (والثانية) ألا یعین المودع الحرز، وقد نص الفقهاء في هذه الحالة على أنه يلزمه حفظها في حرز مثلها، وهو: ما لا يعد الواضع فيه مضيعاً لما له، وذلك لأن الإطلاق يقتضيه، فتوضع الدراهم في الصندوق، والأثاث في البيت، والغنم في صحن الدار ونحو ذلك(١). فإن أخر إحرازها فتلفت، لزمه الضمان، لأن ترك الحفظ من غير عذر تفريط موجب لتضمينه. وإن وضعها في حرز دون حرز مثلها ضمن، لأن الإيداع يقتضي الحفظ، فلما أطلق حمل على المتعارف، وهو حرز المثل، فإن تركها فيما دونه كان مفرطاً، فلزمه الضمان. وإن وضعها في حرز فوق حرز مثلها، فلا ضمان علیه، لأن من رضي بحرز المثل رضي بما فوقه. = ٣٦٦/١، وروضة الطالبين ٣٣٩/٦، وأسنى المطالب ٨١/٣، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٠/٢، وكشاف القناع ١٨٧/٤، والمغني ٢٥٩/٩، والمبدع ٢٣٤/٥ . (١) العقود الدرية لابن عابدين ٧٦/٢، قرة عيون الأخيار ٢/ ٢٣٧، روضة الطالبين ٦/ ٣٤١، أسنى المطالب ٨٢/٣، وكفاية الأخيار ٢/ ١٠، والمهذب ٣٦٦/١، والمقدمات الممهدات ٤٦٦/٢، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٠، وكشاف القناع ٤/ ١٨٧، والمغني ٢٥٩/٩، ٢٦٥، ودرر الحكام ٢٤٣/٢، وشرح المجلة للأتاسي ٢٤٩/٣ . ولا يخفى أن ضابط حرز المثل عند جمهور الفقهاء عرفي، أي بحسب عادة الناس وما يرونه مناسباً لحفظ الأشياء بحسب نفاستها ودناءتها، وکثرتها وقلتها، وهذه الأمور تختلف كثيراً بحسب الأقاليم والحواضر والبوادي، وباعتبار الأزمنة والأمكنة، وكثرة السرقة في البلد أو ندرتها ... ونحو ذلك من الاعتبارات(١)، وقد أفصح الإمام الشافعي عن هذا المعنى بقوله: وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة، فوضعها في موضع من داره يحرز فيه ماله، ويرى الناس مثله حرزاً - وإن كان غيره من داره أحرز منه - فهلكت، لم يضمن، وإن وضعها في موضع من داره لا يراه الناس حرزاً، ولا يحرز فيه مثل الوديعة، فهلکت، ضمن(٢). فضابط الحرز في الوديعة عند الفقهاء أن تحرز فيما يحرز فيه أمثالها مع مراعاة الأعراف والأزمان والأماكن(٣). (١) حاشية الحسن بن رحال على ميارة ١٨٨/٢، والمبدع ٢٣٤/٥، والمجلة العدلية المادة ٧٨٢، ومجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد المادة ١٣٤٨ . (٢) الأم ٤/ ١٣٧. (٣) قرة عيون الأخيار ٢٣٧/٢، وحاشية ابن رحال على ميارة ١٨٨/٢، وتحفة المحتاج ١٢٠/٧، والمغني لابن قدامة ٩/ ٢٥٩ ط هجر. - ٣١ - وديعة ٢٧ ...... وفي هذا المقام ذكر جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة واللیث بن سعد وغيرهم أن للوديع أن يحفظ الوديعة بنفسه أو عند من يأتمنه على حفظ ماله من عياله، كزوجته وولده وخادمه ونحوهم(١)، لأن الإنسان لا يلتزم بحفظ مال غيره عادة إلا بما یحفظ به مال نفسه، وإنه یحفظ مال نفسه بیده مرة وبيد هؤلاء أخرى، فله أن يحفظ الوديعة بيدهم أيضاً(٢). وعلى ذلك فإن دفعها إلى أحد منهم فلا ضمان عليه، أما إذا وضعها عند من لا يأتمنه منهم ولا یحفظ ماله عندهم، فإنه یصیر بذلك ضامناً، لأنه تفريط في حفظ الوديعة. (١) البحر الرائق ٢٧٤/٧، والفتاوى الهندية ٣٣٩/٤، ومجمع الأنهر ٣٣٩/٢، ورد المحتار ٤٩٤/٤، والعقود الدرية ٧١/٢، ٧٨، درر الحكام ٢٣٩/٢، النتف في الفتاوى للسغدي ٥٨٠/٢، والتاج والإكليل ٢٥٧/٥، والزرقاني على خليل ١١٧/٦، المقدمات الممهدات ٤٦٦/٢، وبداية المجتهد ٣١١/٢، الكافي لابن عبدالبر ص٤٠٣، والتفريع لابن الجلاب ٢٧١/٢، والاشراف لابن المنذر ٢٥٢/١، روضة القضاة ٦١٨/٢، والمبدع ٢٣٧/٥، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢٥٤/٢، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٢/٢، وكشاف القناع ١٨٧/٤، والمغني لابن قدامة ٩/ ٢٦٠ . (٢) بدائع الصنائع ٢٠٨/٦ . وزاد الحنفية أنه لو نهاه عن دفعها إلى بعض عیاله، فدفعها إلیه ضمن إن كان له بد بأن كان له عیال غیرہ، وإن لم یکن له بد منه لا يضمن(١). واشترط المالكية في العيال الذين يجوز للوديع دفع الوديعة إليهم أن يكونوا تحت غلقه من زوج أو ولد أو والدة ومن أشبههم (٢). وقال الشافعية: إذا أودعها عند غيره بلا عذر من غير إذن المالك، فإنه يكون بذلك ضامناً، سواء أكان ذلك عند أحد من عياله كزوجته وابنه ونحوهم. أو عند أجنبي، لأن المستودع رضي بأمانته لا بأمانة غيره، ولم يسلطه على أن يودعها غيره، فإن فعل ذلك كان متعدياً، ويلزمه ضمانها(٣). المسألة الثانية : مدة حفظ الوديعة : ٢٧ - اختلف الفقهاء في المدة التي ينبغي للوديع أن يحفظ بها الوديعة إذا غاب ربها غيبة (١) ابن عابدين ٤٩٥/٤، والبدائع ٢٠٩/٦، والبحر الرائق ٢٧٩/٧ . (٢) المقدمات الممهدات ٤٦٦/٢ . (٣) تحفة المحتاج ٧/ ١٠٥، وروضة الطالبين ٣٢٧/٦، وكفاية الأخيار ٨/٢، والمحلي على المنهاج ١٨٢/٣، اختلاف العراقيين ٦٣/٤ (مطبوع بهامش الأم للشافعي). - ٣٢ - وديعة ٢٧ منقطعة، أي فقد بحيث لا یدری أحي هو أم ميت، وماذا يفعل بها بعد ذلك، على أربعة أقوال: (الأول) للحنفية: وهو أنه يلزمه حفظها حتى يعلم موت صاحبها أو حياته، لأنه التزم حفظها له، فعليه الوفاء بما التزم به لحديث ((وفاء لا غدراً)) (١)، وليس له أن يتصدق بها، كما هو الحال في اللقطة، لأن مالك اللقطة غير معلوم للملتقط فبعد التعريف يكون التصدق بها طريقاً لإيصالها إليه، بخلاف الوديعة، فإن مالكها معلوم، فكان طريق إيصالها الحفظ إلى أن يحضر المالك أو یتبین موته، فيطلبها وارثه، ويدفعها إليه. قالوا: إلا أن تكون الوديعة مما يفسد أو يتلف بالمکث، فحينئذ يكون للوديع بيعها بأمر الحاكم، وحفظ ثمنها أمانة عنده مثل أصلها؛ لكن إذا لم يبعها، ففسدت بالمكث لا يضمن، لأنه حفظ الوديعة على (١) حديث: ((وفاء لا غدراً)). ورد ذلك من قول عمرو بن عبسة موقوفاً علیه، ثم قال عمرو بن عبسة: سمعت رسول اللَّه ◌َلاير: ((من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهداً ولا يشدنه حتى يمضى أمده أو ينبذ إليهم على سواء)). أخرجه الترمذي (٤/ ١٤٣ - ط الحلبي) وقال: حديث حسن صحيح. الوجه الذي أمر به (١). (الثاني) للمالكية: وهو أنه ينتظر بها إلى أقصى ما يحيى المودع إلى مثله، ثم يدفعها إلى ورثته، فإن لم يكن له وارث، تصدق بها عنه(٢). (الثالث) للشافعية على المعتمد: وهو أن هذا مال ضائع، فمتى لم ييأس من مالكه أمسكه له أبداً، مع التعريف به ندباً، أو أعطاه للقاضي الأمین، فیحفظه له كذلك، ومتى أيس منه أي بأن يبعد في العادة وجوده فيما يظهر، صار من جملة أموال بيت المال، فيصرفه في مصارفها من هو تحت يده، أو يدفعه للإمام ما لم يكن جائراً فيما يظهر(٣). وأفتى الشيخ العز بن عبدالسلام فيمن عنده وديعة أيس من معرفة مالكها بعد البحث التام، (١) الفتاوى الهندية ٣٤٦/٤، والعقود الدرية لابن عابدين ٢/ ٧٠، وشرح المجلة للأتاسي ٢٥٥/٣، والمبسوط ١٢٩/١١، ورد المحتار ٥٠١/٤، وقرة عيون الأخيار ٢٦١/٢، والمادة (٧٨٥) من المجلة العدلية، ودرر الحكام ٢/ ٢٥٠ . (٢) التفريع لابن الجلاب ٢٧١/٢، والكافي لابن عبدالبر ص ١٣٧ ط حسان، والمدونة ١٥/ ١٦٠ . (٣) تحفة المحتاج ١٢٧/٧، وما بعدها، ومغني المحتاج ٩٢/٣. - ٣٣ - وديعة ٢٨ أن يصرفها في أهم مصالح المسلمين، فأهمها، وليقدم أهل الضرورة ومسيس الحاجة على غيرهم، ولا يبني بها مسجداً، ولا يصرفها إلا فيما يجب على الإمام العادل صرفها فيه. فإن جهل ذلك، فليسأل عنه أورع العلماء، وأعرفهم بالمصالح الواجبة التقديم(١). (الرابع) للحنابلة: وهو أن الوديعة التي فقد مالکها، ولم يطلع على خبره، وليس له ورثة - وكذا الوديعة التي جهل مالكها - يجوز للوديع بدون إذن الحاكم أن يتصدق بها بنية غرمها إذا عرفه أو عرف وارثه، وله أن يدفعها إلى الحاكم، ويلزم الحاكم قبولها(٢). ثالثاً: لزوم رد الوديعة عند الطلب: أ - إذا كانت الوديعة لواحد: ٢٨ - ذهب الفقهاء إلى أنه يجب على الوديع رد الوديعة لمالكها على الفور إذا طلبها(٣). فإن أخر ردها أو منعها بعد طلبها بغير عذر، فهلكت، ضمنها، لكونه متعدياً (١) فتاوى العز بن عبدالسلام ص١١٨، وتحفة المحتاج ١٢٧/٧، ومغني المحتاج ٩٢/٣ . (٢) كشاف القناع ٤/ ١٩٥ . (٣) البدائع ٦/ ٢١٠، والبحر الرائق ٧/ ٢٧٥، وروضة الطالبين ٣٤٣/٦، وأسنى المطالب ٨٤/٣، = بذلك، وهذا لأنه لما طلبها، لم يكن راضياً بإمساك الوديع بعد الطلب، فيضمنها بحبسها عنه، ولأنه صار غاصباً، لكونه أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم(١). أما إذا كان ذلك لعذر، فلا ضمان عليه إن تلفت قبل الرد، استصحاباً ليد الأمانة، ولانتقاء موجب تضمینه، حیث إنه لا يعد بذلك متعدياً ولا مفرطاً، لأن اللَّه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك(٢). أما العذر المسوغ لتأخير رد الوديعة أو منعه، فمثل کونه بالليل، ولم يتأت فتح الحرز حينئذ، أو كان في صلاة أو قضاء حاجة أو طهارة أو أكل أو حمام أو ملازمة غريم يخاف هربه، أو يخشى المطر والوديعة في موضع آخر، ونحو ذلك أو عجز عن حملها ونحو = وتحفة المحتاج ١٢٤/٧، وكشاف القناع ٢٠٢/٤، والمغني ٢٦٨/٩، وكفاية الطالب الرباني ٢/ ٢٥٣. (١) مجمع الأنهر ٢/ ٣٤٠، والمغني ٢٦٩/٩. (٢) روضة القضاة للسمناني ٢/ ٦٢٤، والمبدع ٢٤٤/٥، وكشاف القناع ٢٠٢/٤، والمغني ٢٦٩/٩، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٦/٢، والمهذب ٣٦٩/١، وروضة الطالبين ٢٤٤/٦، وتحفة المحتاج ٧/ ١٢٤، وأسنى المطالب ٨٤/٣، وكفاية الطالب الرباني ٢/ ٢٥٣، ومجمع الأنهر ٢/ ٣٤٠، وبدائع الصنائع ٢١٠/٦، ورد المحتار ٤ /٤٩٥ . - ٣٤ - وديعة ٢٨ - ٢٩ ذلك فالتأخير جائز، ولا يعد بذلك متعدياً ولا مماطلًا(١). وقال الحنفية: العذر قد يكون حسياً، وقد یکون معنوياً. فأما الحسي: فلوجود الوديعة في محل بعيد لا يستطيع الوصول إليه حين طلبها. وأما المعنوي: فكما إذا خاف الوديع على نفسه من ظالم أن يقتله أو دائن أن یحبسه، وهو غير قادر على الوفاء، أو كانت امرأةً وخافت من فاسق، أو خاف على ماله بأن كان مدفوناً معها، فإذا ظهر اغتصبه غاصب، أو كان صاحب الوديعة ظالماً، فطلب الوديعة ليظلم بها، بأن كانت سيفاً فعلم أو شك أنه طلبه ليقتل به رجلًا بغير حق، أو كانت كتاباً فیه إقرار المودع بمال الغیر، أو بقبض دینه من الغير، فله عند وجود عذر من هذه الأعذار أن يمنع الوديعة من مالكها، ولا يكون ظالماً بمنعها حينئذ، حتى لو هلكت الوديعة بعدذلك الطلب لا يضمنها(٢). (١) كفاية الأخيار ١٠/٢، والمادة (١٣٣٦) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد. (٢) درر الحكام ٢/ ٢٧٥، وشرح المجلة للأتاسي ٢٧٧/٣، والدر المنتقى ٣٤٠/٢، ورد المحتار ٤٩٥/٤، والبحر الرائق ٢٧٥/٧، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٣٠ . وإذا أخر الوديع رد الوديعة لصاحبها بعد طلبها للإشهاد على الرد فقد ذهب الشافعية إلى أنه ليس له ذلك، حتی ولو کان مالکها قد أشهد على تسليمها إليه، وذلك لقبول قوله في الرد إلیه عند ادعائه دون توقف علی بینة(١). ١ وذهب المالكية إلى أنه إذا كان قبضها ببينة مقصودة للتوثق، فإنه يعد معذوراً في تأخير ردها إلیه حتی یشهد عليه، إذ لا يقبل قوله في ردها في هذه الحالة إلا بالبينة. وفيما عدا ذلك ليس له تأخيره للإشهاد عليه، لأنه مصدق في دعوى ردها لصاحبها بدونه. فإن أخره فتلفت، كان ضامناً، لأنه متسبب في ضياعها(٢). ٢٩ - ومما يتفرع على التزام الوديع برد الوديعة إلى ربها أن يقوم برد الوديعة بنفسه أو على يد أمينه - كزوجته وخازنه ووكيله ونحوهم إلى المودع - استبراءً من تحمل التبعة، ورعاية للأمانة وأداءً لحقها. وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة(٣). (١) تحفة المحتاج ١٢٤/٧ . (٢) الزرقاني على خليل ١٢٤/٦ . (٣) بدائع الصنائع ٢٠٨/٦، والفتاوى الهندية ٣٥٤/٤، النتف في الفتاوى للسغدي ٥٨٠/٢، شرح المجلة للأناسي ٢٧٨/٣، وكشاف القناع ١٩٨/٤، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٥ . - ٣٥ - ے وديعة ٢٩ وذهب الحنابلة وهو قول عند الحنفية - وعليه الفتوى - إلى أنه كما يصح للوديع رد الوديعة إلى مالكها، فإنه يصح ردها إلى من يحفظ ماله عادةً، لأن أيديهم كيده، وذلك تخلصاً من دركها، وإيصالًا للحق إلى مستحقه . والقول الثاني للحنفية أنه يلزم ردها إلى المودع بالذات(١). وقال الحنفية: لو طلب وكيل المودع الوديعة يلزم الوديع ردها إذا ثبتت وكالة الوكيل بالبيئة(٢). وقال الحنابلة: إن أمره بالدفع إلى وكيله فتمكن وأبى ضمن، والأصح ولو لم يطلبها و کیله(٣). وذهب المالكية - في حالة ردها إلى غير مالكها - إلى أنه يلزمه توثيق ردها بالشهادة، ليصدق في دعوى الرد إذا أنكر القابض، قال (١) رد المحتار ٤٩٥/٤، والفتاوى الهندية ٣٥٤/٤، والبحر الرائق ٢٧٤/٧، ودرر الحكام ٢٧٧/٢، والمبدع ٢٤٤/٥، وكشاف القناع ١٩٨/٤ ، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٥، والمادة (١٣٣٧) و(١٣٤٢) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد. (٢) درر الحكام ٢٧٣/٢ . (٣) المبدع ٢٤٤/٥. ابن رشد: من دفع الوديعة إلى غير اليد التي دفعتها إليه، فعليه ما على ولي اليتيم من الإشهاد، قال اللَّه عز وجل ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾(١). فإن لم يشهد، فلا يصدق في الدفع إذا أنكر القابض، ولا أحفظ في هذا الوجه نص خلاف إلا على قول ابن الماجشون فيمن بعث ببضاعة إلى رجل مع رجل، أنه لا يلزمه الإشهاد في دفعها إلیه، وهو مصدق، وإن أنكر القابض ديناً كانت أو صلة(٢). وفي وجوب الإشهاد على دفع الوديعة إلى وكيل المالك وجهان عند الشافعية: أصحهما عند البغوي الوجوب، كما لو أمره بقضاء دينه، يلزمه الإشهاد، وأصحهما عند الغزالي وابن الرفعة عدمه، لأن قول الوديع مقبول في الرد والتلف، فلا يقتضي الإشهاد، لأن الودائع حقها الإخفاء، بخلاف قضاء الدین، وبه جزم في الأنوار والحاوي الصغير، وهو مقتضى كلام النووي في تصحيح التنبيه، وصححه في الروضة في الوكالة(٣). وأضاف الشافعية أن للوديع تأخير الرد (١) سورة النساء: ٦ . (٢) المقدمات الممهدات لابن رشد ٢/ ٤٦١، وانظر مواهب الجليل ٢٦٢/٥، وبداية المجتهد ٣١٠/٢ . (٣) أسنى المطالب ٨٥/٣، وروضة الطالبين ٣٤٥/٦. - ٣٦ - وديعة ٣٠ للإشهاد علیه إذا طلب مالكها ردها إلی و کیله. قال النووي في الروضة: إذا قال له: ردها على فلان وکیلي، فطلب الوکیل، فلم يرد، فهو كما لو طلب المالك فلم يرد، لكن له التأخير ليشهد على المدفوع إليه بالقبض، لأنه لو أنكر صدق بيمينه . وإن لم یطلب الوکیل، فإن لم یتمکن من الرد، لم تصر مضمونة، وإلا فوجهان، لأنه لما أمره بالدفع إلی و کیله عزله، فيصير ما في يده كالأمانة الشرعية، مثل الثوب تطيره الريح إلی داره، وفيها وجهان (أحدهما) تمتد إلى المطالبة، (وأصحهما) تنتهي بالتمكن من الرد (١). ب - رد الوديعة المشتركة: ٣٠ - إذا كانت الوديعة مشاعاً لشخصين أو أكثر، كما إذا أودع رجلان مالهما المشترك عند شخص، ثم طلب أحد الشركاء في غیاب الآخر حصته، فقد اختلف الفقهاء في لزوم رد نصيبه إليه على ثلاثة أقوال : (أحدها) لأبي حنيفة: وهو أنه ليس للوديع أن يدفع إليه نصيبه حتى يحضر الآخر، لأن (١) روضة الطالبين ٣٤٥/٦، وانظر أسنى المطالب ٨٤/٣، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ١٢٤/٧ . الوديع غير مالك للمال المشترك، فيكون إعطاؤه على هذا الوجه تعدياً على ملك الغير، حيث إنه لا يملك القسمة بينهما(١). ووجه قول أبي حنيفة: أن الوديع لو دفع شيئاً إلى الشريك الحاضر، فلا يخلو: إما أن يدفع إليه من النصيبين جميعاً، وإما أن يدفع إلیه من نصیبه خاصة، ولا وجه إلى الأول، لأن دفع نصيب الغائب إليه ممتنع شرعاً، ولا سبيل إلى الثاني، لأن نصيبه شائع في الكل، إذ الوديعة مشتركة بينهما، ولا تتميز إلا بالقسمة، والقسمة على الغائب غير جائزة (٢). (الثاني) للشافعية والقاضي من الحنابلة: وهو أنه ليس للوديع قسمة الوديعة وإعطاؤه حصته، ولا تسلیم الجميع، بل يرفع الأمر إلى الحاکم لیقسمها ويدفع إلیه نصيبه لاتفاقهما على الإيداع فكذا في الاسترداد(٣). ( الثالث) للحنابلة والصاحبين أبي يوسف ومحمد من الحنفية، وعليه جرت مجلة (١) الدر المختار مع رد المحتار ٤٩٩/٤، والبحر الرائق ٢٧٨/٧، والبدائع ٦/ ٢١٠، ودرر الحكام ٢٧٧/٢، وشرح المجلة للأتاسي ٢٨٣/٣، ٢٨٥ . (٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢١٠. (٣) روضة الطالبين ٣٤٥/٦، وتحفة المحتاج ٧/ ١٢٤، وأسنى المطالب ٨٤/٣، وكشاف القناع ٤/ ١٨٤ . - ٣٧ - وديعة ٣١ .... الأحكام العدلية: وهو التفريق بين ما إذا كانت الوديعة من المثليات وبين ما إذا كانت من القيميات(١). فإن كانت من المثليات التي لا تنقص بالقسمة، فطلب الحاضر نصيبه منها، فيؤمر الوديع بالدفع إليه، فإن امتنع من دفع حصته یکون ضامناً لها. قال الحنابلة: لأنه حق مشترك یمکن فیه تمییز نصیب أحد الشریکین من نصیب الآخر بغير غبن ولا ضرر، فإذا طلب أحدهما نصيبه لزم دفعه إليه كما لو كان متميزاً (٢). وقال الصاحبان: لأن لكل من المتشاركين أن يأخذ حصته فى المثليات المشتركة في غیاب الآخر وبدون إذنه، كما إذا كان لرجلين دين مشترك على رجل، فجاء أحدهما وطلب حصته من الدين، فإنه يدفع إليه حصته(٣). وإن كانت من القیمیات، فلیس للودیع أن (١) كشاف القناع ٢٠٥/٤، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٨/٢، ودرر الحكام ٢٧٧/٢، وشرح المجلة للأتاسي ٢٨٣/٣ المادة (٧٩٦)، ورد المحتار ٤٩٩/٤، والبدائع ٢١٠/٦، والمادة (١٣٣٩) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد. (٢) المبدع ٢٤٦/٥ . (٣) درر الحكام ٢٧٧/٢، وشرح المجلة للأناسي ٢٨٣/٣، مجلة الأحكام العدلية المادة (٧٩٦). يعطي الحاضر حصته، فإن فعل وهلكت ضمنها . لأن قسمة غير المثلي بيع، وليس للوديع أن يبيع على المودع، لأن قسمة ذلك لا يؤمن فيها الحيف، لأنه يفتقر إلى التقويم، وذلك ظن وتخمين(١). ولأن الإفراز غالب في المثلي، والمبادلة غالبة في القيمي، وبما أن الوديع ليس مأذوناً بالمبادلة، فليس له أن يعطي القيمي(٢). کیفیة رد الوديعة ومؤنته: ٣١ - ذكر الحنفية والشافعية والحنابلة أن رد الوديعة يحصل برفع اليد والتخلية بينها وبين المالك على وجه يجعله متمكناً من رقبتها دون مانع، كما إذا وضعها أمامه، وقال له اقبضها. ولا يلزم الوديع نقلها إلى دار المودع أو دكانه أو إلى أي مكان آخر إذا طلب ذلك منه المودع، سواء قلت المؤنة أو كثرت، لأن الوديع إنما قبض العين لمنفعة مالكها على الخصوص، فلم تلزمه الغرامة (١) المبدع ٢٤٧/٥، وانظر كشاف القناع ٢٠٥/٤، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٨/٢، ومجلة الأحكام العدلية ٧٩٦ . (٢) درر الحكام ٢٧٨/٢ . - ٣٨ - وديعة ٣٣ عليها، كما لو وكله على حفظها في ملك صاحبها، وإنما عليه التمكين من أخذها. وعلى ذلك، فإذا امتنع الوديع عن نقلها إلیه، وهلکت بعده بيده، لا يلزمه الضمان، لأن مؤنة الرد على المالك، وليس على الوديع شيء غير التخلية والتمكين (١) . مكان رد الوديعة : ٣٢ - مكان رد الوديعة هو المكان الذي وقع فيه الإيداع، سواء قلت مؤنة حمل الوديعة أو كثرت، لأن الواجب على الوديع بعد الطلب أن يخلي بين الوديعة ومالكها، لا الحمل والرد. ولا يجبر الوديع على تسليم الوديعة في مكان آخر وعلى ذلك نص الحنفية والشافعية والحنابلة (٢). (١) كشاف القناع ٢٠٣/٤، شرح منتهى الإرادات ٤٥٧/٢، والمغني ٢٦٩/٩، والبحر الرائق ٢٧٦/٧، وروضة الطالبين ٣٤٤/٦، وأسنى المطالب ٨٤/٣، وتحفة المحتاج ١٢٤/٧، ودرر الحكام ٢٧٢/٢ . المادة (٧٩٤) من المجلة العدلية . (٢) المغني لابن قدامة ٢٦٩/٩، والفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي ٧١/٤، وكشاف القناع ٢٠٣/٤، ودرر الحكام ٢٧٩/٢، وشرح المجلة للأتاسي ٢٨٦/٣. موت الودیع قبل رد الوديعة: ٣٣ - إذا مات الوديع قبل رد الوديعة، وانتقلت إلى يد وارثه، فيجب عليه ردها لمالکھا مع العلم به والتمكن منه، لزوال الائتمان (١). وإذا وجد في تر کة متوف صندوق أو کتاب أو كيس فيه نقود، كُتب عليه بخط المتوفى أنه وديعة لفلان، فقد اختلف الفقهاء فيما يلزم الوارث فعله على قولين: (أحدهما) للحنفية والمالكية وهو الصحيح في المذهب عند الحنابلة: وهو أن على الوارث أن يعمل وجوباً بخط مورثه أن هذا الشيء وديعة لفلان، ولا يحتاج إلى إثبات بوجه آخر(٢) . (والثاني) للشافعية وابن قدامة من الحنابلة: (١) الإشراف لابن المنذر ٢٥٥/١، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٦/٢، وكشاف القناع ٤/ ٢٠٢، والمادة (٨٣٤) من مرشد الحيران، والمادة (٨٠١) من المجلة العدلية. (٢) رد المحتار ٣٥٤/٤، والتاج والإكليل ٢٥٩/٥، وكشاف القناع ٢٠٣/٤، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٧/٢، والإفصاح لابن هبيرة ٢/ ٢٧، ومختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص٦٠٨، ودرر الحكام ١٤٣/٤، ومواهب الجليل ٢٥٩/٥، والزرقاني على خليل ١٢٠/٦. - ٣٩ - .. وديعة ٣٤ - ٣٦ وهو أنه لا يلزم الورثة التسليم بذلك، لاحتمال أنه کتبه ناسیاً، وإمکان وقوع التزوير بالخط ونحو ذلك(١). وإنما يلزم الوارث التسليم بإقراره أو إقرار المورث أو وصيته أو ببينة(٢). قال ابن قدامة: ولا تثبت الوديعة إلا بإقرار من المیت أو ورثته أو ببينة تشهد بها، وإن وجد عليها مكتوباً وديعة لم يكن حجة عليهم، لجواز أن يكون الظرف كانت فيه وديعة قبل هذا، أو كان وديعة لمورثهم عند غيره، أو كانت وديعة فابتاعها، وكذا لو وجد في رزمانج أبيه أن لفلان عندي وديعة، لم يلزمه بذلك، لجواز أن يكون قد ردها ونسي الضرب على ما كتب، أو غير ذلك(٣). استيفاء الوديع حقه من الوديعة: ٣٤ - إذا كان للوديع على مالك الوديعة حق عجز عن أخذه منه، لجحوده وامتناعه بالباطل عن أدائه فقد اختلف الفقهاء في جواز استيفاء الوديع حقه من الوديعة، فمنهم من أجاز ومنهم من منع . (١) أسنى المطالب ٧٨/٣، وكفاية الأخيار ٨/٢، وكشاف القناع ٢٠٣/٤ . (٢) روضة الطالبين ٦/ ٣٣١، وأسنى المطالب ٧٨/٣. (٣) المغني ٩/ ٢٧٠. وتفصيل ذلك في مصطلح (ظفر بالحق ف ٤ وما بعدها، واستيفاء ف ١٧ - ١٨). موجبات ضمان الوديعة : ٣٥ - الأصل في الوديعة أنها أمانة، وأنه لا ضمان على الوديع في الوديعة إلا إذا فرط في حفظها، لأن المفرط متسبب بترك ما وجب عليه من حفظها أو تعدى على الوديعة، لأن المتعدي متلف لمال غيره فیضمنه (١)، وقد فصل الفقهاء ذلك وبيانه فيما يلي: أ - إتلاف الوديعة : ٣٦ - إتلاف الوديعة هو أن يفعل الوديع بالوديعة ما يؤدي إلى ذهابها وضياعها، أو إخراجها عن أن تكون منتفعاً بها المنفعة المطلوبة منها عادة، كإحراق الثوب، وقتل الحيوان، وأكل الطعام ونحو ذلك. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحرم على الوديع اقتراف هذا العمل في حالة السعة والاختيار (٢)، لنهي النبي وَلقول عن إضاعة المال(٣)، وقوله وَليل: ((كل المسلم على (١) كشاف القناع ١٦٧/٤. (٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر ٢٦٤/١، والزرقاني على خليل ٦/ ١١٤، ومواهب الجليل ٢٥١/٥ . (٣) حديث: نهي النبي وَلهو عن إضاعة المال ورد = - ٤٠ -