النص المفهرس
صفحات 281-300
هزل ٢٦ حكم الهزل في النكاح الهزل في النكاح إما أن يقع في أصل العقد، أو في قدر المهر، أو في جنسه، ونبین آراء الفقهاء في كل صورة من هذه الصور فيما يلي : الصوة الأولى: الهزل في أصل عقد النكاح ٢٦- إذا هزل العاقدان في أصل النكاح، مثل أن يتزوج المرأة بمهر هو ألف - مثلا - ولا يكون بينهما نكاح في نفس الأمر، فقد اختلف الفقهاء في حكمه إلى ثلاثة آراء: الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء أن نكاح الهازل صحيح، والهزل باطل، وتلزمه موجبات العقد، ولا عبرة بقصده، قال بذلك الحنفية، والمالكية - في المشهور - والشافعية - والحنابلة، وقد روى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي وأبي الدرداء وابن مسعود ، وروي أيضا عن سعيد بن المسيب، وقال ابن القيم: وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور(١). (١) فتح القدير ٣٥١/٢، كشف الأسرار ١٤٨٢/٤، ١٤٨٣، وتيسير التحرير ٢٩٥،٢٩٤/٢، والمدونة ١٦٨/٢، وجواهر الإكليل ١/ ٢٧٧، الخرشي ١٧٤/٣، ومواهب الجليل ٤٢٣/٣ - ٤٢٤، ومغني المحتاج ٢٨٨/٣، ونهاية المحتاج ٢٧٣/٦، وحاشية الجمل ٣٣٨/٤، ٣٣٩، = وقد استدلوا بما روي عن فضالة بن عبيد رَفيه عن النبي وَلو أنه قال: ((ثلاث لا يجوز اللعب فيهن: الطلاق، والنكاح، والعتق))(١). ولبعض الفقهاء إيضاح وتفصيل : ٠ فقد نص الحنفية على أن الهزل بأصل النكاح جِد، وصورته أن يقول لامرأة: إني أتزوجك بألف تزوجاً باطلا وهزلا، ووافقته المرأة ووليها على ذلك، وحضر الشهود هذه المقالة، ثم تزوجها، كان النكاح لازماً في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى بما سميا من المهر للحديث: ((ثلاث چدهن چِد))، ولأن الهزل إنما يؤثر فيما يحتمل الفسخ بعد تمامه، والنكاح غير محتمل للفسخ، ولهذا لا یجری فیه الرد بالعيب، وخيار الرؤية، فلا يؤثر فيه الهزل، والمال في النكاح تبع، لأن المقصد الأصلي فيه من الجانبين الحل للتوالد، وكذا يصح بدون ذكر المهر، ويتحمل في المهر من الجهالة ما لا يتحمل في غيره. = وروضة الطالبين ٥١/٦، والفروع لابن مفلح ١٦٨/٥، وإعلام الموقعين ١٢٤/٣. (١) حديث: ((ثلاث لا يجوز اللعب فيهن٠٠٠)) سبق تخريجه ف ٢٤ . - ٢٨١ - هزل ٢٧ - ٢٨ وقالوا: إن عقد نكاح الهازل لازم، والهزل باطل سواء اتفق العاقدان على بناء العقد على المواضعة، او اتفقا على الإعراض عنها، أو اتفقا على أنهما لم يحضرهما شيء من البناء على المواضعة أو الإعراض عنها عند العقد، أو اختلفا في البناء عليها، أو الإعراض عنها(١). وقال المالكية: المشهور المعلوم من قول مالك وأصحابه أن هزل النكاح لازم، ولو عُلِمَ أنه قصد الهزلَ، وبذلك صرح غير واحد من الشيوخ، قال في النوادر عن كتاب ابن المواز: قال مالك: من قال لرجل - وهو يلعب - زوج ابنتك من ابني، وأنا أمهرها كذا، فقال الآخر - على ضحك ولعب - أتريد ذلك؟ قال: نعم زوّجْه، وهو يضحك، فقال: قد زوجته، فذلك نكاح لازم(٢). الرأي الثاني: یری أن هزل النكاح هزل، ولا يجوز منه إلا ما كان على وجه الجد، وهو خلاف المشهور عند المالكية (٣). الرأي الثالث: یری أن هزل النكاح جد ما (١) كشف الأسرار ٤/ ١٤٨٢، ١٤٨٣، وتيسير التحرير ٢٩٥،٢٩٤/٢ . (٢) مواهب الجليل ٢٣/٣، وجواهر الإكليل ٢٧٧/١ . (٣) مواهب الجليل ٤٢٤/٣، وجواهر الإكليل ٢٧٧/١، والذخيرة ٤/ ٤٠٣ . لم يقم الدليل على الهزل، فإن قام الدليل على الهزل لم يلزم النكاح، وهو رأي عند المالكية أيضاً (١). الصورة الثانية: الهزل في قدر المهر ٢٧- إذا هزل المتعاقدان فی قدر المهر، بأن تزوجها بألفين علانية، وبألف سراً، أي أَظْهرا في العقد أن المهر ألفان، وأَسَرًّا أنه ألف، فإن للفقهاء تفصيلات في حكم هذا العقد. وينظر تفصيله في مصطلح (مهر ف ٥٨) الحالة الثالثة: الهزل في عقود لا تحتمل النقض والمال فيها مقصود ٢٨- هناك عقود، لا تحتمل النقض ويكون المال فيها مقصوداً، أي أن المال في هذه العقود لا يجب إلا بالتسمية، وهذه العقود هي: الخلع، ومثله الطلاق على مال، والعتق على مال، والصلح عن دم العمد على مال. فإذا وقع الهزل في أي عقد من هذه العقود، فإن الأمر لا يخلو من أن يقع الهزل في أصل العقد، أو في قدر المسمى من المال، أو في جنسه كما إذا طلق امرأته على مال بطريق الهزل، أو طلقها على ألفين مع المواضعة (١) مواهب الجليل ٤٢٣/٣ - ٤٢٤ . - ٢٨٢ - : ٤ ٠٠ هزل ٢٩ - ٣٠ على أن المال ألف، أو طلقها على مائة دينار مع المواضعة على أن المال ألف درهم، وكذا في العتق على مال، أو في الصلح عن دم العمد على مال، ونوضح آراء الفقهاء فيما يلي: أ- الهزل في أصل الخلع : ٢٩- قال الحنفية: إذا هزل الزوجان في أصل الخلع، فإما أن يتفقا بعد العقد على البناء على المواضعة، أو على الإعراض عنها، أو على أنهما لم يحضرهما شيء من البناء أو الإعراض، أو يختلفا في ذلك، فهذه أربع صور: الصورة الأولى: الهزل في أصل الخلع: ٣٠- إذا هزل الزوجان بأصل الخلع، بأن اتفقا على أنهما يخالعان بكذا عند الناس، ویکون ذلك هزلا، وأشهدا علیه، واتفقا بعد العقد على أن بنيا العقد على المواضعة، فقد اختلف الحنفية في حكم هذه الصورة: فيرى أبو يوسف ومحمد: أن الطلاق واقع، والمال لازم كله، لأن الهزل لا يؤثر في الخلع أصلا عندهما، لأن الخلع لا يحتمل خيار الشرط، حتى لو شرطا في الخلع الخيار لها وقع الطلاق ووجب المال، وبطل الخیار، لأن الخلع تصرف يمين من جانب الزوج، فلهذا لا يملك الرجوع قبل القبول، وقبولها شرط اليمين، فلا يحتمل الخيار كسائر الشروط، وإذا لم يحتمل الخيار لا يحتمل الهزل، لأن الهزل بمنزلة خيار الشرط . هذا ولا يختلف الحال عند أبي يوسف ومحمد بالبناء على المواضعة، أو بالإعراض عنها، أو بالاختلاف. ويرى أبو حنيفة: أن الطلاق لا يقع، بل يتوقف على اختيار المرأة الطلاق بالمال المسمى بطريق الجد وإسقاط الهزل، سواء هزلا بأصل العقد، أو بقدر البدل، أو بجنسه، أي أنه يتوقف على مشيئة المرأة لإمكان العمل بالمواضعة، بناء على أن الخلع لا يفسد بالشروط بخلاف البيع، والعمل بالمواضعة أن . يتعلق الطلاق بجميع البدل، ولا يقع في الحال، بل يتوقف على اختيارها. قال التفتازاني: كما إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثا على ألف درهم، على أنك بالخيار ثلاثة أيام، فقالت: قبلت، فعند أبي يوسف ومحمد يقع الطلاق، ويلزم المال. وعند أبي حنيفة: إن رَدَّتْ الطلاق في الثلاثة الأيام بطل الطلاق، وإن أجازت، أو لم تردّ حتى مضت المدة فالطلاق واقع والألف - ٢٨٣ - : هزل ٣١ - ٣٣ لازم، وهذا معنی قول أبي حنيفة رحمه الله: لا يقع الطلاق ولا يجب المال حتى تشاء المرأة(١). الصورة الثانية: الاتفاق على الإعراض عن الهزل : ٣١ - إذا أعرض الزوجان في الخلع عن المواضعة واتفقا على أن العقد كان جِدًّا، وقع الطلاق، ووجب المال المسمى عليها بالاتفاق بين الإمام أبي حنيفة وصاحبيه: أبي يوسف ومحمد . أما عند الصاحبين، فلأن الهزل باطل من الأصل. وأما عند أبي حنيفة، فلأن الهزل باطل باتفاقهما على الإعراض عن المواضعة. (٢). الصورة الثالثة: الاختلاف بين الزوجين في الإعراض عن المواضعة أو في البناء عليها: ٣٢- إذا اختلف الزوجان في الإعراض عن المواضعة، والبناء عليها. فيرى أبو حنيفة أن القول قول من يدعي (١) شرح التلويح على التوضيح ١٩٠/٢، والمبسوط ١٢٦/٢٤، وشرح المنار ص ٩٨٥، وكشف الأسرار ١٤٨٤/٤. (٢) المراجع السابقة. الإعراض عن المواضعة، حتى لزم التصرف ووجب المال، لأنه جعل الهزل مؤثراً في أصل الطلاق بالمنع من الوقوع، وفي الخلع من حيث أنه لا يقع، كما جعله مؤثرا في البيع، ثم عند اختلاف المتعاقدين في البيع يعتبر قول من يدعي الإعراض ترجيحا للجد - الذي هو أصل عند أبي حنيفة - على الهزل الذي هو خلاف الأصل، فكذلك ههنا. وعند الصاحبين (أبي يوسف ومحمد) : الخلع جائز أي لازم والمال واجب، ولا يفيد اختلاف المتعاقدين في البناء على الهزل والإعراض عنه، لأن الهزل عندهما لا يؤثر في أصل التصرف ولا في المال في حال اتفاقهما على البناء، ففي حال الاختلاف أولى ألا يؤثر(١) . الصورة الرابعة: السكوت عن الإعراض والبناء، حيث لم يحضرهما شيء. ٣٣- يرى الحنفية أن الخلع جائز أي لازم حتى وقع الطلاق ولزم المال بالاتفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه. أما عند أبي حنيفة فلرجحان جانب الجد (١) كشف الأسرار على أصول للبزدوي ٤/ ١٤٨٥، وشرح التلويح على التوضيح ١٩٠/٢، وشرح المنار ص٩٨٦ . - ٢٨٤ - هزل ٣٤ عنده، وأما عند الصاحبين فلبطلان الهزل(١). ب - الهزل في قدر المال المخالع علیه: ٣٤- قال الحنفية: إذا كان الهزل في قدر المال المخالع عليه، بأن سمى الزوجان ألفين، والبدل في الواقع ألف، أي طلقها على ألفين مع المواضعة على أن المال ألف: فإن اتفق الزوجان - بعد المخالعة - على بنائهما العقد على المواضعة: فذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الطلاق واقع والمال لازم كله، وهو الألفان، لأن الهزل لا يؤثر في الخلع عندهما، وإن كان مؤثرا في المال، لكن المال تابع للخلع، وثابت في ضمنه، فلا يؤثر الهزل فيه. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجب أن يتعلق الطلاق باختيار المرأة الطلاق بجميع المسمى على سبيل الجِد، لأن الطلاق يتعلق بكل البدل، وبعض البدل قد يتعلق بالشرط، وهو اختيار المرأة، فبعض الطلاق يتعلق باختيارها، لكن الطلاق لا يتبعض فتعلق الكل باختيارها، فما لم تقبل جميع المذكور في العقد لا يقع، وقد عبر التفتازاني عن رأي الإمام بقوله: وعند أبي حنيفة يتوقف الطلاق (١) المراجع السابقة. على مشيئة المرأة، لإمكان العمل بالمواضعة بناء على أن الخلع لا يفسد بالشروط الفاسدة، بخلاف البيع، والعمل بالمواضعة: أن يتعلق الطلاق بجمیع البدل. ولا يقع في الحال، بل يتوقف على اختيارها(١). وإن اتفقا على الإعراض عن الهزل لزم الطلاق ووجب المال كله لرضاهما بذلك. وكذا إن اتفقا على أنهما لم يحضرهما شيء وقع الطلاق ووجب المال المسمى في العقد كله عند أبي حنيفة وصاحبيه، أما عند أبي حنيفة فلأنه قد حمله على الچِد، وجعله أولی من المواضعة. وأما عندهما فلبطلان الهزل من الأصل، فكذا في المال تبعاً، حتى وجب المال فيما إذا اتفقا على البناء ولم يؤثر الهزل فيه، ففيما إذا اتفقا على أنهما لم يحضرهما شيء بالطريق الأولى. وإن اختلفا يكون القول قول من يدعي . الإعراض عن الهزل عند أبي حنيفة، لرجحان جانب الجِد عنده، فوقع الطلاق ووجب المال كله، وكذلك الحكم عند الصاحبين، لبطلان (١) فتح الغفار ١١٣/٣، وشرح المنار ص٩٨٦، وشرح التلويح على التوضيح ١٩٠/٢ . - ٢٨٥ - هزل ٣٥ الهزل من الأصل عندهما، فالاختلاف لا یفید(١) (١) . جـ- الهزل في جنس المال المخالع عليه. ٣٥- قال الحنفية: إن كان الهزل في جنس المال المخالع علیه، بأن تواضع الزوجان على أن يذكرا في العقد مائة دينار، ويكون البدل فيما بينهما مائة درهم فقد اختلف أبو حنيفة مع صاحبيه : فيرى الصاحبان أنه يجب المسمى بكل حال، أي سواء اتفقا على الإعراض أو على البناء على المواضعة، أو على أنهما لم يحضرهما شيء من البناء والإعراض، أو اختلفا في البناء والإعراض وذلك لبطلان الهزل في الخلع عندهما، فكذا في المال، أو لأن الهزل لا يؤثر في أصل التصرف فكذا في المال، تبعا للأصل. وذهب أبو حنيفة إلى أنهما إن اتفقا على الإعراض عن المواضعة، وجب المسمى في العقد لصيرورة الهزل باطلا بالإعراض عنه، ولرضاهما به. وإن اتفق الزوجان على البناء على (١) فتح الغفار ١١٣/٢، وشرح المنار/ ٩٨٦، والمستصفى ١٦٣/١ . المواضعة، توقف الطلاق على قبول المرأة المسمى بطريق الجد، واختيارها الطلاق، لأن الهزل لما كان بمنزلة شرط الخيار منع صحة قبول المرأة المسمى في العقد، فصار كأنه علق الطلاق بقبول الدنانير وهي لم تقبل، فيتوقف الطلاق على القبول، كما في شرط الخيار. : وان اتفقا على أنهما لم يحضرهما شيء من البناء والاعراض وجب المسمى في العقد، وهو الدنانير، ووقع الطلاق، لرجحان جانب الجد. وإن اختلف الزوجان، فى البناء والإعراض ... فالقول لمدعي الإعراض عن المواضعة، لكونه هو الأصل عند الإمام. وفي كل من العتق والصلح عن دم العمد مثل ما في الطلاق من الأحكام والتعريفات(١) وذهب الشافعية إلى أن حكم الهزل بالخلع كحكم الطلاق هزلا(٢)، للحديث: ((ثلاث جِدهن جِد، وهزلهن جد)» . (١) شرح المنار ٩٨٧، وفتح الغفار ١١٣/٣. (٢) أسنى المطالب ٢٤٢/٣، وروضة الطالبين ٥٪ ٦٨٥ . - ٢٨٦ - هزل ٣٦ - ٣٧ وقد تقدم أن طلاق الهازل يقع ظاهراً وباطنا الحنفية، ومقابل الصحيح عند الحنابلة (١). فلا یدیّن(١). جاء في روضة الطالبين: إذا تخالعا هازلين نفذ إن قلنا: إنه طلاق، وإن قلنا: فسخ فهو کبیع الهازل، وفيه خلاف سبق(٢) وقد تقدم الخلاف في بيع الهازل عند الشافعية في (ف ١٩) وأما الحنابلة فقد نصوا على أن الزوجين إن تخالعا هازلين بلفظ طلاق أو نيته صح الطلاق. أما إن تخالعا هازلين بغير لفظ طلاق ولا نيته فلا يصح الخلع لخلوه عن العوض، (٣) كمبيع ... (٣). النوع الثالث: الهزل في التبرعات أ- الهزل في الهبة: ٣٦- اختلف الفقهاء في صحة هبة الهازل ولهم في حکمها قولان: الأول: أن الهزل لا يُبطل الهبة، وهو رأي (١) أسنى المطالب ٢٨١/٣. (٢) روضة الطالبين ٦٨٥/٥. (٣) كشاف القناع ٢١٥/٥، ومنتهى الإرادات ١١٠/٣. الثاني: عدم صحة هبة الهازل، وهو قول الحنابلة: فقد نصوا على أنه لا تصح الهبة هزلًا، ولا تلجئة ، بألا تراد الهبة باطنا، كأن توهب في الظاهر، وتقبض، مع اتفاق الواهب والموهوب له على أنه يَنْزِعُه منه متى شاء، أو توهبَ لخوف من الموهوب له أو غيره، فلا تصح، وللواهب استرجاعها إذا زال ما يخاف، أو جعلت الهبة طريقاً إلى منع وارث حقه، أو منع غريم حقه فهي باطلة، لأن الوسائل لها حكم المقاصد(٢). ونص في الاختيارات على أن الهبة والتمليك لا تصح من الهازل على (٣) الصحيح(٣). ب - الهزل في الوقف: ٣٧ - نص الحنابلة على حكم الهزل بالوقف، ولهم في حکمه قولان: الأول: أنه لا يصح وقف الهازل. والثاني: يصح وقفه. (١) الأشباه لابن نجيم ص١٨، والاختيارات ص ١٧٠ . (٢) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٣٧٨/٤، ونيل المآرب ٢٨/٢، ومنار السبيل ٢١/٢ . (٣) الاختيارات ص ١٧٠ . - ٢٨٧ - : هزل ٣٨ - ٤٠ قال البهوتي: ووقف الهازل ... إن غلب على الوقف جهة التحرير، من جهة أنه لا يقبل الفسخ فينبغي أن يصح كالعتق والإتلاف، فإن غلب عليه شبه التمليك، فيشبه الهبة والتمليك، وذلك لا يصح من الهازل على الصحيح، قاله في الاختيارات(١). جـ- الهزل في الوصية: ٣٨- نص الحنفية على أن الوصية يبطلها الهزل. قال الكاساني: من الشروط التي ترجع إلى الموصي: رضا الموصي، لأنها إيجاب ملك، أو ما يتعلق بالملك، فلا بد فيه من الرضا، كإيجاب الملك بسائر الأشياء، فلا تصح وصية الهازل، والمكره، والخاطىء، لأن هذه العوارض تُفَوِّتُ الرضا. (٢). د - تسليم الشفعة بطريق الهزل: ٣٩- نص الحنفية على أنه إذا سلم الشفيع الشفعة هازلا قبل طلب المواثبة بطلت شفعته، لأن التسليم بطريق الهزل كالسكوت مختاراً، إذ اشتغاله بالتسليم هازلا سكوت عن طلب (١) كشاف القناع ٢٤٣/٤، والاختيارات لابن تيمية ص١٧٠ . (٢) بدائع الصنائع ٢٣٥/٧، والفتاوى الهندية ٦/ ٩٢. الشفعة على الفور ضرورة، وأنها تبطل بحقيقة السكوت مختاراً بعد العلم بالبيع، لأنه دلیل الإعراض عن طلبها، فكذا تبطل بالسكوت حکما . أما بعد طلب المواثبة، وطلب التقرير والإشهاد، فإن التسليم بطريق الهزل باطل، والشفعة باقية، لأن التسليم من جنس ما يبطل بخيار الشرط، حتى لو سَلَّم الشفعة بعد طلب المواثبة، وطلب التقرير، على أنه بالخيار ثلاثة أيام بطل التسليم، وبقيت الشفعة، لأن تسليم الشفعة في معنى التجارة، لأنه استبقاء أحد العوضین علی ملکه، ولهذا يملك الاب والوصيّ تسليم شفعة الصبي عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، كما يملكان البيع والشراء له، فيتوقف على الرضا بالحكم، والخيار يمنع الرضا به، فيبطل التسليم، فكذا الهزل يمنع الرضا بالحكم، فيبطل به التسليم، كما يبطل بخيار الشرط، وتبقى الشفعة(١). : هـ - إبراء الغريم هزلًا : ٤٠- نص الحنفية على أن إبراء الغريم من : الدين مثل تسليم الشفعة، فقالوا: يبطل إبراء الغريم من دينه هزلا، فلو أبرأه هازلًا، لا (١) المبسوط ٦٦/٢٤، وكشف الأسرار ١٤٨٧/٤. - ٢٨٨ - هزل ٤١ - ٤٢ يصح الإبراء، ويبقى الدين على حاله، لأنه لو قال: أبرأتك من الدين على أني بالخيار لا يسقط الدين، لأن في الإبراء معنى التمليك، ولهذا يرتد بالرد، وإلى معنى التمليك أشير في قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّحِكُمْ﴾(١) فيؤثر في الإبراء خيار الشرط، فکذا الهزل يؤثر فيه، لأنه بمنزلة خيار الشرط. (٢). و- إبراء الكفيل هزلًا: ٤١- نص الحنفية على أنه لو أبرأ الكفيل هازلًا لا يصح مع أنه مما لا يرتد بالرد، لأنه يحتمل الفسخ، بدليل أنه لو صالح الكفيل على عين، وهلكت العين، أو ردها بعيب ينفسخ الصلح وتعود الكفالة، فإذا كان كذلك يعمل فيه الهزل فيمنعه من الثبوت، کالخيار(٣). القسم الثاني: الهزل في الإخبارات: ٤٢- اختلف الفقهاء في أن الهزل يُبْطل الإخبارات ولهم في ذلك تفصيل: (١) سورة البقرة/ ٢٨٠ . (٢) كشف الأسرار للبزدوي ٤ /٥٩٨ . (٣) كشف الأسرار للبزدوي ٥٩٩/٤ ط دار الكتاب العربي. فقد نص الحنفية على أن الإخبارات يبطلها الهزل، سواء كانت إخباراً عما يحتمل الفسخ کالبیع والنكاح، أو لا يحتمله كالطلاق والعتاق، وسواء كانت إخباراً شرعا ولغة كما إذا تواضعا على أن يُقرَّا بأن بينهما نكاحاً، أو بأنهما تبايعا في هذا الشيء بكذا، أو كانت إخباراً لغة فقط، كما إذا أقَرَّ بأن لزيد عليه كذا، وذلك لأن الإخبار يعتمد صحة المخبر به، أي تحقق الحكم الذي صار الخبر عبارة عنه، وإعلاماً بثبوته أو نفيه، والهزل ينافى ذلك ويدل على عدمه، فكما أنه يبطل الإقرار بالطلاق والعتاق مكرها، كذلك يبطل الإقرار بهما هازلًا، لأن الهزل دليل الكذب كالإكراه، حتى لو أجاز ذلك بعد الهزل به لم يجز، لأن الإجازة إنما تلحق شيئا منعقداً يحتمل الصحة والبطلان، وبالإجازة لا يصير الكذب صدقاً، وهذا بخلاف إنشاء الطلاق والعتاق ونحوهما مما لا يحتمل الفسخ، فإنه لا أثر فيه للهزل (١) على ما سبق(١). وقال المالكية: إذا قال: أقررت بكذا وأنا صبی أو نائم فلا يلزمه شيء حیث قاله نسقا (١) شرح التلويح على التوضيح ١٩١/٢، وفواتح الرحموت ١٦٣/١، وحاشية ابن عابدين ٤/٢، وفتح القدير ٣٤٥/٣، وتكملة حاشية ابن عابدين ٨١/٢، والفتاوى الخيرية ٩٤/٢. : - ٢٨٩ - هزل ٤٢ (أي بدون فصل في الكلام)، ولم تكذبه البينة. وكذا لا يلزمه شيء إذا قال: أقررت بكذا قبل أن أُخلق، حيث قاله نسقا لأن هذا خارج مخرج الاستهزاء، فلو قال: أقررت بألف ولم أدر أكنت صبيا أو بالغا لم يلزمه شيء حتى يثبت أنه بالغ، لأن الأصل عدم البلوغ، بخلاف ما لو قال: لا أدري أكنت عاقلا أم لا فيلزمه، لأن الأصل العقل حتى يثبت انتفاؤه(١). وجاء في التاج والإكليل أنه إذا أقر اعتذاراً: سمع أشهب: من اشترى مالًا فسأل الإقالة، فقال: تصدقتُ به على أبي، ثم مات الأب، فلا شيء للابن بهذا، لأنه لم يرد باللفظ ظاهره، وإنما أراد به لازمه، وهو خروجه من ملکه، وأنه الآن غير مالك له. قال ابن القاسم عن مالك: وإن سئل كراء منزله، فقال: هو لابنتي، ثم مات، فلا شيء لها بهذا، وإن كانت صغيرة في حجره، لأنه قد یعتذر بمثل هذا من یرید منعه. وسمع أشهب وابن نافع: لو سأله ابن عمه أن يسكنه منزلًا، فقال: هو لزوجتي، ثم قال لثان وثالث ذلك القول عندما سألاه، فقامت (١) الشرح الصغير ٥٣٢/٣، والدسوقي ٤٠٤/٣. امرأته بذلك، فقال: إنما قلته اعتذاراً لنمنعه، فلا شيء لها بهذا. وقد يقول الرجل للسلطان في الأمة: ولدت مني، وفي العبد هو مدبر، لئلا يأخذهما السلطان فلا يلزمه الإشهاد فيه. أي أنه لا يعتد بهذا الإقرار(١). ونص الشافعية والحنابلة على أن الهزل لا يبطل الإقرار: فقد جاء في حاشية البجيرمي على الخطيب: أن الأمة قد أجمعت على المؤاخذة على الإقرار ولو هازلًا، أو لاعباً، أو كاذبا، وإن كان يجوز الرجوع عنه في بعض صوره(٢). وجاء في نيل المآرب: لا يصح الإقرار إلا من مكلف مختار ولو كان المقر هازلا(٣). وينظر تفصيل ما يجوز الرجوع عنه من الإقرار، وما لا يجوز الرجوع عنه - سواء (١) التاج والإكليل هامش مواهب الجليل ٥٪ ٢٢٧،٢٤٦، وتبصرة الحكام ٥٦/٢، والشرح الصغير ٥٣٢/٣، والدسوقي ٤٠٤/٣ . (٢) حاشية البجيرمي على الخطيب ١١٩/٣ ط دار المعرفة بيروت. (٣) نيل المآرب شرح دليل الطالب لابن أبي تغلب ٤٩٦/٢، وانظر منار السبيل في شرح الدليل لإبراهيم ابن ضويان ٥٠٦/٢ . - ٢٩٠ - : هزل ٤٣ أکان ذلك في حق من حقوق الله تعالی أم كان في حق من حقوق العباد - في مصطلح (إقرار، ف ٥٩ - ٦٩) القسم الثالث: الهزل في الاعتقادات: إذا هزل الإنسان بما يمسّ عقيدته، فإما أن يهزل بما يوجب كفراً، أو يهزلَ بما يوجب إسلاماً. أ- هزل المسلم بما يوجب كفراً: ٤٣- إن هزل المسلم بما يوجب كفراً، كأن سب الله تعالی، أو ملائكته، أو کتبه، أو رسله صلوات الله وسلامه عليهم، أو أنكر ذلك، أو أنكر اليوم الآخر، أو الجنة أو النار، أو أنكر أمراً علم من الدين بالضرورة، فقد اتفق الفقهاء على أنه يكفر بذلك، ويكون مرتداً عن الإسلام، غير أن لهم تفصيلات نوضحها فيما يلي: نص الحنفية على أن الهزل في الردة كفر، كقوله للصنم إله - هزلا - وإن لم يعتقد الهازل ما هزل به، أي أنه قد كفر بعين تلفظه بكلمة الكفر هزلًا، لأن الهازل نطق بذلك عن رضا واختيار فتعين في حقه الهزل جداً، ولكون الهزل بذلك استخفافا بالدين الحق، والاستخفاف بالدين الحق كفر (١)، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب وبالقياس : أما الكتاب فبقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ثُكِتُهُم بِمَا فِ قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ (١١) وَلَین سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا غَخُوضُ وَتَلْعَبُّ قُلّ 60 لا أَبِاللَّهِ وَمَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُ بَعْدَ إِمَنِكُمْ إِن نَعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنَكُمْ تُعَذِّبْ طَاِفَةٌ بِأَتَهُمْ كَانُواْ تُجْرِمِينَ﴾(٢). : قال الجصاص: فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر، على غير وجه الإكراه، لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوه لعباً، فأخبر اللَّه عن كفرهم باللعب(٣) . وأما القياس، فقد قالوا: إن كفر الهازل بذلك ککفر العناد، أي ککفر من صَدَّق بقلبه، وامتنع عن الإقرار بالشهادتين، عناداً ومخالفة، فإنه أمارة عدم التصديق(٤). : (١) فتح الغفار ١١٤/٢ . (٢) سورة التوبة/ ٦٤ - ٦٦ . (٣) أحكام القرآن للجصاص ١٤٢/٣. (٤) حاشية ابن عابدين ٢٨٤/٣، والمبسوط ٥٨/٢٤، ٥٩، وفتح الغفار ١١٤/٢، وشرح = - ٢٩١ - هزل ٤٤ ونص المالكية: على أن كفر المسلم يكون بصريحٍ - كقوله: العزير ابن الله - أو لفظٍ يقتضي الكفر، كأن يجحد ما علم من الدين بالضرورة، أو فعلٍ يتضمن الكفر ويقتضيه كإلقاء مصحف بقذر، أو خرقه، استخفافاً، وشد زنار في وسطه بأن فعل ذلك محبة في ذلك الزيّ وميلًا لأهله، وأما إن فعله هزلا ولعباً فهو مُحَرَّمُ إلا أنه لا ينتهي إلى الكفر (١). ونص الشافعية والحنابلة: على أن الردة هي قطع الإسلام، ودوامه بنية كفر، أو قطع الإسلام بسبب قول كفر، أو فعل مكفر، وسواء قاله استهزاء، أو عناداً أو اعتقاداً(٢)، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُتُمْ لَا تَقْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَتُ بَعْدَ تَسْتَهْزِءُونَ ٦٥ إِمَنِكُمْ﴾(٣). ب - هزل الكافر بما يوجب إسلاماً: ٤٤- اختلف الفقهاء في إسلام الكافر إذا = المنار وحواشيه ص ٩٨٧، والتلويح على التوضيح ١٩١/٢. (١) الخرشي ٦٢/٨، والذخيرة ١٣/١٢، والشرح الصغير ٤ /٤٣١ . (٢) مغني المحتاج ٤/ ١٣٣ - ١٣٦، والإنصاف ١٠/ ٣٢٦ . (٣) سورة التوبة/ ٦٥ - ٦٦ . هزل الکافر بکلمة الإسلام، وتبرأ عن دينه هازلًا . فقد نص الحنفية: على أنه يجب أن يحكم بإيمانه في أحكام الدنيا، لأن الإيمان هو التصدیق بالقلب والإقرار باللسان، وقد باشر أحد الركنين، وهو الإقرار باللسان على سبيل الرضا، والإقرار هو الأصل في أحکام الدنيا، فيجب الحكم بالإيمان بناء عليه، كالمكره على الإسلام إذا أسلم يحكم بإسلامه بناء على وجود أحد الرکنین، مع أنه غير راض بالتكلم بكلمة الإسلام. وهو أيضا بمنزلة إنشاء لا يقبل حكمه الرد والتراخي، فإنه إذا أسلم لا يحتمل أن يكون حکم الإسلام متراخیا عنه، ولا یحتمل أن يُرَدَّ إسلامه بسبب كما يرد البيع بخيار العيب والرؤية، فكان بمنزلة الطلاق، والعتاق، فلا يؤثر فيه الهزل(١). : وقال الشافعية: وأما الإسلام هازلا فيصح، لأنه إنشاء لا يحتمل حكمه الرد والتراخي، ترجيحاً لجانب الإيمان كما في الإكراه (٢). وأما الحنابلة فقد قال ابن رجب: لو أتى (١) كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبدالعزيز البخاري ١٤٨٩/٤ . (٢) التلويح على التوضيح للتفتازاني ٣٧٩/٢. - ٢٩٢ - : هزل ٤٥، هلاك ١ - ٢ الكافر بالشهادتين على طريق الاستهزاء والحكاية، وقال: لم أرد الإسلام مع دلالة الحال على صدقه، فهل يقبل منه؟ على روايتين حكاهما القاضي في روايتيه(١). وقال ابن القيم: لو تكلم الكافر بكلمة الإسلام هازلا ألزم به وجرت عليه أحكامه ظاهرا(٢). القسم الرابع: الهزل في الجنايات ٤٥- صرح بعض الفقهاء بأثر الهزل في القذف : فذهب الشافعية إلى أن الهزل بالقذف كالجد به، فلو قال له: يا ولد الزنا، ولو كان هازلا، كان قاذفاً لأمه، فيحد لها حد القذف، إذا توافرت شروط إقامة الحد(٣). ونص الحنفية على أنه لو قذف من تعود الهزل بالقبيح عزر (٤). (١) القواعد لابن رجب ص ٣٢٣ . (٢) إعلام الموقعين ٩٨/٣. (٣) نهاية المحتاج ٤١٦/٧ . (٤) البحر الرائق، وشرح كنز الرقائق ٤٨/٥، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ١/ ٥٦٦ . ++ هلاك التعريف : ١ - الهلاك: مصدر لفعل هلك، يقال: هلك: الشيء: هَلکا من باب ضرب وهلاكا، وهلوكا: مات. ويتعدى بالهمزة، يقال: أهلكته. وفي لغة بني تميم يتعدى بنفسه: فيقال: هلكته، ويستعمل على فقد الشيء مع وجوده مع غيره. وعلى السقوط، والفساد، ومصير الشيء إلی حیث لا يدري أين هو (١). وفي الاصطلاح: هو خروج الشيء عن الانتفاع المقصود به سواء بقي أو لم يبق أصلًا . والهلاك يطلق أيضا على الموت(٢). الألفاظ ذات الصلة : الفناء : ٢- الفناء في اللغة: مصدر فنى أي باد (١) لسان العرب، والمغرب في ترتيب المعرب، : والمصباح المنير والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني. (٢) قواعد الفقه للبركتي. - ٢٩٣ - هلاك ٣ وانتهى وجوده يقال: فنى فلان أي هرم وأشرف على الموت. واصطلاحا: صيرورة الشيء معدوماً بذاته أو بأجزائه بحيث لم يبق منه شيء أصلًا(١). والعلاقة بين الهلاك والفناء: أن الفناء أعم من الهلاك. الأحكام المتعلقة بالهلاك: يتعلق بالهلاك أحكام منها: أ- هلاك المبيع: ٣- إن هلك المبيع قبل القبض فهو في ضمان البائع، وان هلك عند المشتري ثم علم عيبا بعد هلاكه كأن تلف بآفة سماوية أو بغيرها، أو خرج عن قبول النقل كأن يعتقه المشتري قبل العلم بالعيب أو وقفه أو استولد الأمة وهو لا يعلم العيب، أو جعل الشاة أضحية ثم علم بالعيب رجع بالأرش لتعذر الرد حساً في حالة التلف، ولعدم قبول النقل في حالات الإعتاق والاستيلاد والوقف ونحوها مما يمنع النقل. أما الهلاك فلأن الملك انتهى به، والامتناع حكمي لا بفعله، وأما الإعتاق فإنه إنهاء للملك لأن الآدمي لم (١) المعجم الوسيط، وقواعد الفقه للبركتي. يخلق للملك وانما يثبت الملك موقتا إلى الإعتاق فكان الإنهاء به كالموت(١). والتفصيل في مصطلح (بيع ف ٥٩، عيب ف ٦، وما بعدها، تلف ف ٩ وما بعدها، ضمان ف ٣١ وما بعدها). وفصل المالكية فقالوا: إن هلك المبيع عند المشتري ثم علم بعد هلاكه عيبا قديما فيه فإن لم یدلسه البائع بأن لم يعلمه رجع المشتري بأرش العيب فقط . : أما إن هلك بسبب عيب دلّسه البائع بأن علمه وكتمه أو هلك بآفة سماوية في زمن تلبسه بالعيب المدلس کموته في إباقه كأن اقتحم نهراً في إباقه أو تردی في نهر ونحوه، أو دخل جحراً فنهشته حية، وكذا لو مات حكما كأن لم يعلم له خبر في زمن إباقه الذي دلّس فيه فهلك أو غاب ولم يدر حياته ولا موته يرجع المشتري على البائع المدلس بجميع الثمن لا بالأرش فقط(٢). وإن مات بسماوي في غير حالة تلبسه بعيب التدلیس فلا يرجع بثمنه بل یرجع بالأرش (١) مغني المحتاج ٥٤/٢، والبحر الرائق ٦/ ٥٧، والمغني ٤/ ١٨٠، وحاشية الدسوقي ١٣١/٣. (٢) شرح الزرقاني ١٤٧/٥، وحاشية الدسوقي ١٣١/٣ . - ٢٩٤ - هلاك ٤ - ٦ القديم فقط. (١) وإن باعه المشتري قبل اطلاعه على العيب فهلك عند المشتري منه بعیب التدليس رجع المشتري الثاني على البائع الأول المدلس، إن لم يمكن رجوعه على بائعه لعدمه أو غيبته ولا مال له حاضر بجميع الثمن الذي أخذه المدلس، لكشف العيب أنه لا يستحقه بتدليسه. فإن ساوى ما أخذه ما خرج من يده فواضح. وإن زاد الثمن الأول المأخوذ من المدلس على ما أخذه منه البائع الثاني فالزيادة للبائع الثاني وهو المشتري الأول يحفظه له المشتري الثاني حتی یدفعه له أو لورثته، وان نقص المأخوذ من المدلس على ما خرج من يده فهل يكمله البائع الثاني للمشتري منه لأنه قبض هذا الزائد منه فيرجع عليه به أو لا يكمله له لأنه لما رضى باتباع الأول فلا رجوع له على الثاني فيه قولان عند المالكية : الأول: حكاه المازري وابن شاس، والثاني حكاه في النوادر وفي كتاب ابن يونس(٢). (١) المراجع السابقة. (٢) حاشية الدسوقي ١٣١/٣، وشرح الزرقاني ٥٪ ١٤٧ . ب - سقوط الزكاة بهلاك المال محل الوجوب : ٤- إن هلك المال قبل تمام الحول أو بعد تمامه قبل التمكن من إخراج الزكاة تسقط الزكاة ولا شيء على المالك. وان هلك بعد تمام الحول والتمكن من أدائها تستقر في ذمة المالك فتصير عليه دينا للتقصير في تأخير إخراجها فيكون ضامنا. وهذا عند الجمهور خلافا للحنفية . والتفصيل في مصطلح (تلف ف ٤ وما بعدها). جـ- هلاك المال بعد وجوب زكاة الفطر: ٥- ذهب الفقهاء إلى أن هلاك المال بعد وجوب زكاة الفطر لا يسقطها إن كان بعد الوجوب والتمكن من إخراجها. أما بعد الوجوب، وقبل التمكن فتسقط عنه عند المالكية، وأصح الوجهين عند الشافعية والحنابلة. والتفصيل في (تلف ف ٥ وما بعدها) د - هلاك الأضحية: ٦- إن عين شاة أو بدنة للأضحية: كأن يقول: جعلت هذه الشاة أضحية، أو نذر: - ٢٩٥ - هلاك ٧ - ٩ كأن يقول: لله عليّ أن أضحي هذه البدنة أو الشاة فماتت قبل يوم النحر، أو سرقت قبل تمکنه من ذبحها يوم النحر فلا شيء عليه. وكذا الهدي المعين إذا تلف قبل بلوغ المنسك أو بعده وقبل التمكن من ذبحه. أما إن تلف قبل التمكن من ذبحه بتفريط منه فيجب عليه الضمان . والتفصیل في مصطلح (تلف ف ٦، هدي ف٧). هـ - هلاك المهر : ٧- إذا هلك المهر فإن الحكم في ضمانه یختلف باختلاف کون هلاكه في يد الزوجة أو في يد الزوج قبل الدخول أو بعده، أو كان الهلاك بفعل أحدهما أو بفعل أجنبي. وانظر تفصيل ذلك في مصطلح (مهر ف ٥٤) و - هلاك المرهون: ٨-ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن يد المرتهن على العين المرهونة يد أمانة فلا يضمن إن هلكت بغير تعد لخبر: ((لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه))(١). (١) حديث: ((لا يغلق الرهن ... )) = وقال الحنفية: إنها يد ضمان فيضمن المرتهن إن هلك بيده بالأقل من قیمته ومن الدین. وقال المالكية: إن كان مما يمكن إخفاؤه يضمن إن لم يكن المرهون عند أمين، وإن کان مما لا يمكن إخفاؤه فلا يضمن إلا بتعد. والتفصیل في مصطلح (رهن ف ١٨ وما بعدها). ز- هلاك المعار: ٩- لا خلاف بين الفقهاء في أن العارية إن هلکت بتعد من المستعير فإنه یضمنه . واختلفوا في هلاك المعار بغير تعد من المستعير . والتفصيل في مصطلح (عارية ف ١٥). = أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ١٧٠ - ١٧٢ ط : الرسالة) من حديث ابن المسيب مرسلاً وأخرجه الدار قطني (٣٢/٣-٣٣) والحاكم (٢/ ٥١) من حديث أبي هريرة. قال ابن حجر في بلوغ المرام (ص ٢٨٥ - ط دار ابن كثير) رجاله ثقات ، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله. - ٢٩٦ - هلال ١ - ٣ هلال التعريف : ١- الهلال في اللغة: هو القمر في حالة خاصة، قال الأزهري: ويُسمى القمر لليلتين من أول الشهر هلالًا: وفي ليلة ست وعشرين وسبع وعشرين أيضاً هلالًا، وما بين ذلك يسمى قمراً. وقال الفارابي وتبعه في الصحاح: الهلال لثلاث ليال من أول الشهر، ثم هو قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال هو الشهر بعينه(١). وفي الاصطلاح الهلال: ما يُرى من المضئ من القمر أول ليلة (٢). الألفاظ ذات الصلة السلخ : ٢- السلخ في اللغة من مصدر سلخ، ومن معانيه: آخر الشهر، ويقال: سلخت الشهر سلخاً من باب نفع وسلوخاً: سرت في آخره، (١). المصباح المنير، وغريب القرآن للأصفهاني. (٢) قواعد الفقه للبركتي. فانسلخ أي مضى(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . والعلاقة بين الهلال والسلخ التضاد. الأحكام المتعلقة بالهلال: يتعلق بالهلال أحكام منها : التوقيت بالأهلة: ٣- جعل الشارع الحكيم الأهلة مواقيت للناس يؤقّتون بها معاملاتهم القابلة للتأجيل: كالإجارات وبيوع الأجل كتسليم المسلم فيه وغيره، وحلول ديونهم وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية، كما جعلها مَعْلماً يعلمون به أوقات عباداتهم کالحج ومناسكه، والصوم، والفطر، وعيد الأضحى، وغيرها مما يترتب عليه آثار شرعية: كعدة النساء، ومدة الحمل والرضاع، والأيمان كمدة الإمهال للإيلاء، ومدة كفارتي الظهار والقتل بالصوم. فقال عز من قائل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَأَلْحَجُّ﴾(٢) وروي عن ابن عباس رَهنا قال: ((سأل الناسُ رسولَ اللَّه ◌َ لِّ عن الأهلة فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْتَلُونَكَ (١) المصباح المنير. (٢) سورة البقرة/ ١٨٩ . - ٢٩٧ - ٠٠ هلال ٤ - ٥ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ﴾ یعلمون بها حل دینهم وعِدَدِ نسائهم ووقت حجهم))(١). وخص الحج بالذکر في الآية دون سائر المصالح مع أن الحج من عامة مصالح الناس المتوقفة على الوقت تنبها على فضله، لأن ذكر الخاص بعد العام على سبيل العطف، والعطف يقتضي المغايرة، وفيه تنبيه على مزية الخاص وفضله، کأنه لیس من جنس العام، تنزيلًا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات (٢). ما يؤقت بالأهلّة من العبادات وغيرها: ٤- لا يؤقت للعبادات إلا الشارع سبحانه وتعالى: بنص من القرآن، أو على لسانه نبيه الذي لا ينطق عن الهوى. ففي الصوم: قال عز من قائل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾(٣) وفي السنة النبوية ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))(٤) وفي (١) جامع البيان لابن جرير الطبري ٥٥٤/٥ - ط المعارف. (٢) حاشية الشيخ زاده على تفسير البيضاوي ٤٨٩/١. (٣) سورة البقرة/ ١٨٥ . (٤) حديث حديث ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١١٩/٤ ط السلفية) ومسلم (٧٦٢/٢ ط الحلبي). الميقات الزماني للحج: قال جل شأنه: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَنٌ﴾(١). وكذا وقت الشارع بعض الأمور مما يترتب عليه من آثار شرعية كالعدة، قال تعالى في عدة المتوفى عنها زوجها: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَّفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَرَبِّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾(٢). وأما اللائي يئسن من المحيض واللائى لم يحضن لصغر السّن أو لمرض أو جبلة قال جل شأنه فيهن: ﴿وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْبَبْتُمُّ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَأَلَِّى لَمْ يَِضْنَّ﴾(٣). وفي مدة إمهال الإيلاء قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآَبِهِمْ تَرَبُّهُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٤) . وفي مدة الرضاع قال تعالى: ﴿وَاُلْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ : الرََّاعَةُ﴾ (٥). ٥- أما توقيت المعاملات فهو اتفاقيّ، وللأطراف أن يؤقتوها بوقت معلوم فيجوز أن یؤقتوها بشهور العرب والفرس والروم لأنها (١) سورة البقرة/ ١٩٧ . (٢) سورة البقرة/ ٢٣٤ . (٣) سورة الطلاق/ ٤ . (٤) سورة البقرة/ ٢٢٦ . (٥) سورة البقرة/ ٢٣٣ . - ٢٩٨ - هلال ٦، هم ١ ٠٠ معلومة مضبوطة . وإن أطلق الشهر يحمل على الهلاليّ. والتفصيل في مصطلح (أجل ف٧ وما بعدها). عدم التعويل على كبر الهلال وصغره: ٦- قال القرطبي: إذا رؤى الهلال كبيراً فقال علماؤنا: لا يعول على كبر الهلال أو صغره في تحديد غرة الهلال، وإنما هو ابن ليلة الرؤية (١). روي عن أبي البختري: قال خرجنا إلى العمرة فلما نزلنا ببطن نخلة تراءينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين، فلقينا ابن عباس فقلنا: إنّا رأينا الهلال: فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين فقال: أيّ ليلة رأيتموه؟ فقلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول اللَّهُ وَّه: قال: إنّ اللَّه مدّه للرؤية فهو لليلة رأيتموه))(٢). هَمّ التعريف : ١- الهَمّ في اللغة بالفتح: أول العزيمة، وهو أيضاً: الحزن، وقال ابن فارس: الهَمّ: ما هممت به، وهممت بالشيء همّاً من باب قتل: إذا أردتَه ولم تفعله. وقد تطلق الهمة على: العزم القوي، فيقال: همة عالية وهي: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره(١). والهم في الاصطلاح: عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر(٢). وقال ابن حجر العسقلاني: الهم ترجيح قصد الفعل، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب(٣) . (١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣٤٤/٢، وشرح صحيح مسلم للنوي ٧/ ٢٠٥ - ٢٠٧ . (٢) حديث: ((إن الله مده للرؤية ... )) أخرجه مسلم (٢ / ٧٦٥ - ط الحلبي). (١) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن. (٢) التعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه للبركتي. (٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٣٢٣/١١. - ٢٩٩ - : : : هم ٢ - ٥ : الألفاظ ذات الصلة : أ - الخاطر : ٢- الخاطر في اللغة: ما يخطر في القلب من تدبير أمر أو رأي أو معنى، يقال: خطر ببالي وعلى بالي، من بابي ضرب وقعد، ويقال: خطر الشيطان بين الإنسان وقلبه: أوصل وساوسہ إلی قلبه، ومنه قوله ٹے: إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط فإذا قضي أقبل فإذا ثوّب بها أدبر فإذا قضي أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه))(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . والصلة بينهما أن كلّا من الهم والخاطر من أعمال القلوب(٢). ب - الفکر : ٣- الفكر في اللغة: تردد القلب بالنظر والتدبر لطلب المعاني، يقال: لي في الأمر فكر: أي نظر ورويّة. والفكر أيضاً: هو (١) حديث: ((حتى يخطر بين المرء وقلبه)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٣٣٧ ط السلفية)، ومسلم (٢٩١/١ - ٢٩٢ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة تَّثه ، واللفظ للبخاري. (٢) المصباح المنير، والمغرب في ترتيب المعرب، والمعجم الوسيط. ترتيب أمور في الذهن یتوصل بها إلى مطلوب يكون علماً أوظناً(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى (٢) . . اللغوي والصلة بين الهم والفكر أن كلّ منهما من أعمال القلوب. ج - النية : ٤-من معاني النية في اللغة: القصد، وهو عزم القلب على الشيء، والنية أيضاً: الوجه الذي يذهب فيه، والنية والنوى: البعد(٣). والنية اصطلاحاً: عرفها المالكية: بأنها قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله(٤). والصلة بين الهمّ والنية: أن محل كلٌّ منهما القلب. د - العزم: ٥- العزم في اللغة: عقد القلب على إمضاء الأمر. وعزم عزيمةً وعزمةً: اجتهد وجدّ في أمره. (١) المصباح المنير. (٢) قواعد الفقه للبركتي والتعريفات للجرجاني. (٣) المصباح المنير، ولسان العرب، والقاموس المحيط . (٤) مواهب الجليل ٢٣٠/١، والذخيرة ٢٤٠/١. - ٣٠٠ -