النص المفهرس
صفحات 221-240
هدنة ١٦ الغدر وهو محرم بالعمومات: نحو ما صح عن النبي وَّر من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص تََّا قال: قال النبي وَلّ: (أربع خلال من كن فيه كان منافقاً خالصاً: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))(١)، وقال سليم بن عامر: ((كان بين معاوية تَظّه وبين الروم عهد، وكان يسير في بلادهم حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم. فجاء رجل على دابة أو فرس وهو يقول: الله أكبر، وفاءً لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة تَّ فسأله معاوية عن ذلك، فقال: سمعت رسول اللَّه وَله. يقول: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهداً ولا يشدنه حتی یمضي أمده أو ینبذ إليهم على سواء فرجع معاوية بالناس))(٢). ولا بد من اعتبار مدة بلوغ الخبر إلى جميعهم، ويكتفى من ذلك مدة يتمكن رئيسهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ الخبر إلى مملكته، لأنه بذلك ينتفي الغدر. فإن كانوا (١) حديث: ((أربع خلال من كن فيه كان منافقاً خالصاً ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٧٩/٦ - ط السلفية)، ومسلم (١/ ٧٨ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري. (٢) حديث: ((كان بين معاوية وبين الروم عهد ... )) أخرجه الترمذي (١٤٣/٤ - ط الحلبي)، وقال: حديث حسن صحيح. خرجوا من حصونهم أو تفرقوا، أو خربوا حصونهم اتكالا على الأمان فحتى يعودوا کلهم إلی مأمنهم ویعمروا حصونهم مثل ما كانت توقیا من الغدر. والمراد بالنبذ إعلانهم نقض العهد. ويكون النبذ على الوجه الذي كان الأمان، فإن كان منتشراً یجب أن یکون النبذ کذلك، وإن كان غير منتشر بأن أمنهم مسلم واحد سراً يكتفى بنبذ ذلك الواحد(١). آثار الهدنة: ١٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا تم عقد الهدنة مستوفيا لشروطه أمن الموادعون علی أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراریھم، ووجب على الإمام وعلى من بعده من الأئمة - إذا مات أو عزل - حمايتهم من أذى المسلمين ومن أذى أهل الذمة المقيمين في دار الإسلام لأنه أمنهم مما هو تحت حكمه وفي قبضته وفاء بالعهد، لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا أَوْفُوا پآلمُقُودٍ﴾(٢)، وقوله عز من قائل: ﴿فَأَتِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُذَّتِهِمّ﴾(٣)، (١) البدائع ١٠٩/٧، والبحر الرائق ٨٦/٥، وفتح القدير ٤٥٧/٥، وأحكام القرآن للجصاص ٦٧/٣ - ٦٨ . (٢) سورة المائدة/ ١ . (٣) سورة التوبة/ ٤١. - ٢٢١ - هدنة ١٧ فلو أتلف أحد من المسلمين أو أهل الذمة عليهم شيئا فعليه الضمان. أما حمايتهم من أهل الحرب، وكذا حماية بعضهم عن بعض فلا تلزم المسلمين، لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط لا حفظهم، بخلاف عقد الذمة حيث ندفع عنهم ما ندفع عن أنفسنا(١). وقد نص الحنفية على أنه لو خرج قوم من الموادعين إلى بلدة أخرى ليست بينهم وبين المسلمين موادعة، فغزا المسلمون تلك البلدة، فهؤلاء آمنون لا سبیل لأحد علیھم، لأن عقد الموادعة أفاد الأمان لهم فلا ينتقض بالخروج إلى موضع آخر كما في الأمان المؤبد - وهو عقد الذمة - أنه لا يبطل بدخول الذمي دار الحرب كذا هذا، وكذلك لو دخل في دار الموادعة رجل من غیر دارهم بأمان ثم خرج إلى دار الإسلام بغير أمان فهو آمن لأنه لما دخل دار الموادعین بأمانهم صار كواحد من جملتهم فلو عاد إلى داره ثم دخل دار الإسلام (١) مغني المحتاج ٢٦٠/٤ - ٢٦١ - ٢٦٢، وتحفة المحتاج ٣٠٧/٩، وشرح روض الطالب ٢٢٥/٤، والمغني ٤٦٣/٨، وشرح السير الكبير ٨٢/٢، والبدائع ١٠٩/٧، والدسوقي ١٨٤/٢، وجواهر الإكليل ٢٧٠/١، وكشاف القناع ١١٥/٣ . بغير أمان كان فيئاً لنا أن نقتله ونأسره لأنه لما رجع إلى داره فقد خرج من أن يكون من أهل دار الموادعة فبطل حكم الموادعة في حقه. فإذا دخل دار الإسلام فهذا حربي دخل دار الإسلام ابتداء بغير أمان. ولو أسر أهل دار أخرى واحداً من الموادعین فغزى المسلمون على تلك الدار کان المأسور فیئاً، ولو دخل إلیھم تاجر فهو آمن ووجه الفرق أنه لما أسر فقد انقطع حكم دار الموادعة في حقه وإذا دخل تاجراً لم ينقطع(١). من تعقد له الهدنة: أ - أهل الحرب: ١٧ - يجوز عقد الهدنة لأهل الحرب سواء كانوا أهل كتاب من نصارى ويهود أم غير أهل الكتاب. والأصل في هذا عموم قوله تعالى : ﴿بَرَآءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ الْمُشْرِكِينَ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ ٢ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِنَ الْمُشْرِكِينٌّ وَرَسُولٌ، فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَّرٌ لَّكُمٌّ وَإِن تَوَلَّئْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ : (١) بدائع الصنائع ١٠٩/٧ . - ٢٢٢ - هدنة ١٨ - ١٩ غَيِّرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ ٣ يَنْقُّصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتُِّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾(١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَّكَّلْ عَلَى اَللَّهِ﴾(٢)، ولأن النبي ﴿لتر هادن بني قريظة وهم أهل كتاب، وهادن قريشاً وقبائل عربية أخرى وكان عامتهم و ثنیین(٣). ب - المرتدون: ١٨ - نص الحنفية على جواز موادعة المرتدين إذا غلبوا على دار من دور الإسلام وصارت دارهم دار حرب، وخیف منهم ولم تؤمن غائلتهم لما فيه من مصلحة دفع الشر للحال، ورجاء رجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم، ولا يؤخذ منهم على ذلك مال، لأن المال المأخوذ على ترك القتال يكون فى معنى الجزية، ولا تؤخذ الجزية إلا من كافر. أما إذا لم يستولوا على بلدة ولم يكن لهم (١) سورة التوبة/ ١ - ٤ . (٢) سورة الأنفال/ ٦١ . (٣) مغني المحتاج ٢٦٠/٤، وكشاف القناع ١١١/٣ ، وجواهر الإكليل ٢٦٩/١، والفتاوى الهندية ٢/ ١٩٦ - ١٩٧ . وأحاديث المهادنة سبق تخريجها ف ٥ . کیان فلا یعقد لهم هدنة، لأن في ذلك تقرير المرتدين على الردة(١). وقال المالكية: وإن ارتد عن دين الإسلام جماعة بعد تقرر إسلامهم وحاربوا بعد ارتدادهم المسلمين ثم قدرنا عليهم فكالمرتدين من المسلمين الأصليين، فيحكم فیهم بحكم المرتد من المسلمين لا بحكم الكفار الناقضين للعهد(٢). وقال الشافعية والحنابلة: إن المرتدين إذا انحازوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ممتنعين يجب قتالهم على الردة بعد مناظرتهم على الإسلام وإيضاح دلائله، ويجري على قتالهم بعد الإنذار والإعذار حكم قتال أهل الحرب(٣). ٤ ج - البغاة: ١٩- لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يجوز موادعة البغاة بمال. فإن وادعهم الإمام بمال بطلت الموادعة، وإن طلبوها أجيبوا إذا كانت (١) بدائع الصنائع ١٠٩/٧، وفتح القدير ٢٠٧/٥ . (٢) جواهر الاكليل ٢٦٩/١، ومواهب الجليل ٣/ ٣٨١ - ٣٨٦ . (٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥٦، والحاوي ٤٢٥/١٦، وكشاف القناع ١٨٣/٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٥٢ . : - ٢٢٣ - هدنة ٢٠ بغير مال وكان في عقدها مصلحة لأهل الجماعة، والتفصيل في مصطلح (بغاة ف ٢٢) نقض الهدنة: ٢٠ - عقد الهدنة إما أن يكون مؤقتاً بوقت معلوم، وإما أن يكون مطلقاً عن الوقت، فإن كان مؤقتاً بوقت معلوم ينتهي العهد بانتهاء الوقت من غير الحاجة إلى النبذ، حتى كان للمسلمين أن يغزو عليهم لأن العقد المؤقت إلى غاية ينتهي بانتهاء الغاية من غير الحاجة إلى الناقض. وإذا كان واحد منهم دخل دار الإسلام بالهدنة المؤقتة فمضى الوقت وهو في دار الإسلام فهو آمن حتى يرجع إلى مأمنه لأن التعرض له يوهم الغدر والتغرير، فيجب التحرز عنه ما أمكن(١) . وأما إن كان عقد الهدنة مطلقاً عن الوقت عند من يجيز إطلاقه وهم الحنفية أو مقيداً بوقت عند من لا یجیز ذلك وهم الجمهور، فالذي ينتقض به نوعان: تصريح ودلالة. فالتصريح هو النبذ صريحاً. وأما الدلالة فهي أن يوجد منهم ما يدل على (١) بدائع الصنائع ١٠٩/٧ - ١١٠، وشرح السير الكبير ١٧١٠/٥، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥٩١ . النبذ (١)، ومن أمثلة النقض دلالة: أ) خروج قوم من دار الموادعة بإذن ملكهم وقطعهم الطريق في دار الإسلام، لأن إذن ملکهم بذلك دلالة النبذ. ب) قتالهم المسلمین حیث لا شبهة لهم، فإن كان لهم شبهة كأن أعانوا البغاة مكرهين فلا ينتقض عهدهم. جـ) مكاتبتهم أهل الحرب بعورة للمسلمين . د) قتلهم مسلماً أو ذمياً بدار الإسلام عمداً إن لم ينكر غير القاتل عليه بعد علمه. هـ) إيواؤهم عيناً للكفار. و) أخذهم أموال المسلمين. ز) سبهم اللَّه أو القرآن أو رسول اللَّه ◌َله.(٢). ح) فعل شيء مما اختلف في نقض عقد الذمة به (٣) . (١) بدائع الصنائع ١٠٩/٧، ونهاية المحتاج ١٠٢/٨. (٢) بدائع الصنائع ١٠٩/٧، ونهاية المحتاج ١٠٢/٨، وروضة الطالبين ٩/ ٢٣٧، وتحفة المحتاج ٣٠٧/٩ ٠ (٣) نهاية المحتاج ١٠٢/٨، وروضة الطالبين ٣٣٧/١٠. - ٢٢٤ - هدنة ٢١ - ٢٢ وصرح الشافعية بأن فعل شيء من هذه الأمور ناقض للهدنة وإن لم يعلم أهل الهدنة أنه ناقض(١) . وبالنظر فيما ذكره الفقهاء من نواقض عقد الهدنة يمكننا إرجاعها إلى الأسباب التالية: أ - العدول عن الموادعة في الظاهر. ب - الخيانة في الباطن. جـ- العدول عن المجاملة في القول والفعل. د - النبذ من قبل الإمام إذا رأى نقض الصلح أصلح عند مَنْ يجيز ذلك وهم الحنفية. أولًا: العدول عن الموادعة في الظاهر: ٢١ - من موجبات عقد الهدنة الموادعة في الظاهر، وهي الكف عن القتال وترك التعرض للنفوس والأموال، فيجب على أهل الهدنة مثل ما يجب لهم على المسلمين . فإن عدل أهل الهدنة عن الموادعة إلى ضدها فقاتلوا قوماً من المسلمين أو قتلوا قوماً من المسلمين أو أخذوا مال قوم من المسلمين (١) نهاية المحتاج ١٠٢/٨، وروضة الطالبين ١٠/ ٣٣٧. انتقضت هدنتهم بفعلهم ولم يفتقر إلى حكم الإمام لنقضها، وجاز أن يبدأ بقتالهم من غير إنذار ويشن عليهم الغارة ويهجم عليهم غرة وبياتاً، وجرى ذلك في نقض الهدنة مجرى تصريحهم بالقول بأنهم قد نقضوا الهدنة(١). وقد غزا النبي وفر أهل مكة بعد الهدنة من غير أن ينبذ إليهم لأنهم كانوا نقضوا العهد بمعاونتهم بني كنانة على قتال خزاعة، وكانت حلفاء للنبي ◌َلّ، ولذلك جاء أبوسفيان إلى المدینة يسأل النبي گآپ# تجدید العهد بينه وبين قریش فلم يجبه النبي ێ إلى ذلك، فمن أجل ذلك لم يحتج إلى النبذ إليهم إذ كانوا قد أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء النبي ◌َِّ(٢). ثانياً: الخيانة في الباطن: ٢٢ - من موجبات عقد الهدنة ترك الخيانة بأن لا يستسر أهل الهدنة بفعل ما ينقض الهدنة لو أظهروه، مثل أن يمايلوا في السر (١) الحاوي ٤٤٣/١٨، والبحر الرائق ٨٥/٥، والمبسوط السرخسي ٨٦/١٠ - ٨٨، وأحكام القرآن للجصاص ٦٧/٣ . (٢) حديث: ((مجيء أبي سفيان إلى رسول اللَّهُ وَّه لتجدید العهد . . . ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٩/٥ - ط دار الكتب العلمية) من حديث موسى بن عقبة مرسلًا. - ٢٢٥ - هدنة ٢٣ عدواً أو يقتلوا في السر مسلماً، أو يأخذوا له مالًا، أو يزنوا بمسلمة، وهذا ما صرح به الشافعية والحنابلة(١). وصرح الحنفية بأن المهادن لو تجسس أخبار المسلمين فبعث بها إلى عدو المسلمين أو زنى بمسلمة أو ذمية كرهاً أو سرق لا ینتقض عهده(٢) . وإذا استشعر الإمام ممن هادنه وظهرت أمارة تدل على خيانتهم فقد ذهب الحنفية والحنابلة والشافعية في الصحيح المنصوص إلی أنه جاز للإمام أن ینبذ إليهم عهدهم بأن يعلمهم أن لا عهد بينه وبينهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾(٣)، يعني إذا خفت غدرهم وخدعتهم وإيقاعهم بالمسلمين وفعلوا ذلك خفياً ولم يظهروا نقض العهد فانبذ إليهم على سواء أي ألقٍ إليهم فسخ ما بينك وبينهم من العهد والهدنة حتى يستوي الجميع في معرفة ذلك، وهو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى سَوَلَءْ﴾ لئلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب(٤). (١) الحاوي ٤٤٣/١٨، وروضة الطالبين ٣٣٧/١٠، ومطالب أولي النهى ٥٨٩/٢، ٦٢٢، ٦٢٣ . (٢) حاشية ابن عابدين ٢٤٩/٣ . (٣) سورة الأنفال/ ٥٨ . (٤) أحكام القرآن للجصاص ٦٧/٣، وعمدة القاري = ويرى المالكية أنه يجب على الإمام نبذ عهدهم وإنذارهم، فإن تحقق خيانتهم نبذه بلا إنذار. قال ابن العربي: إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها وجب نبذ العهد لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين ههنا بالظن للضرورة، وإذا كان العهد قد وقع فهذا الشرط عادة وإن لم يصرح به لفظاً، إذ لا يمكن أكثر من هذا(١). وقال الشيخ أبو حامد من الشافعية: ينتقض عهد أهل الذمة بمجرد خيانتهم ولا يفتقر إلى حکم الإمام لنقضها. : وحُكي قول عند الشافعية أنه لا ينبذ عقد الهدنة كما لا ينبذ عقد الذمة بالتهمة(٢). ثالثاً: العدول عن المجاملة في القول : والفعل : ٢٣- من موجبات عقد الهدنة المجاملة في الأقوال والأفعال، فهي في حقوق المسلمين = ١٠٠/١٥ - ١٠١، والدسوقي ٢٠٦/٢، وروضة الطالبين ٣٣٨/١٠، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥٩٠ . (١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٦٠/٢ - ٨٦١، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٢ . (٢) روضة الطالبين ٣٣٨/١٠. - ٢٢٦ - هدنة ٢٤ أغلظ منها في حقوق الكفار المهادنین، فيلزمهم في حقوق المسلمين أن يكفوا عن القبيح من القول والفعل ويبذلوا لهم الجميل في القول والفعل، ولهم على المسلمين أن يكفوا عن القبيح في القول والفعل، وليس عليهم أن يبذلوا لهم الجميل في القول والفعل لقول الله تعالى: ﴿يُظْهِرَهُ عَلَى الّذِينِ كُلٍِّ﴾(١)، فإن عدل الكفار المهادنون عن الجميل في القول والفعل، فكانوا يكرمون المسلمين فصاروا يستهينون بهم، وكان یضیفون الرسل ویصلونهم فصاروا يقطعونهم، وكانوا يعظمون كتاب الإمام فصاروا يطرحونه، وكانوا يزيدونه في الخطاب فصاروا ينقصونه، فهذه ريبة لوقوعها بين شكين، لأنها تحتمل أن يريدوا بها نقض الهدنة، وتحتمل أن لا يريدون بها نقضها، فيسألهم الإمام عنها وعن السبب فيها، فإن ذكروا عذراً يجوز مثله قبله منهم وكانوا على هدنتهم، وإن لم يذكروا عذراً أمرهم بالرجوع إلى عادتهم من المجاملة في أقوالهم وأفعالهم، فإن عادوا أقام على هدنتهم، وإن لم يعودوا نقضها بعد إعلامهم بنقضها(٢) . (١) سورة الصف/ ٩ . (٢) الحاوي للماوردي ٤٤٤/١٨ . ذكرهم النبي ◌َ طير بسوء: ٢٤- اختلف الفقهاء في أثر هذا السب علی عقد الهدنة . فذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن مما ينتقض به العهد هو سبهم الله تعالى أو القرآن أو الرسول وَليل أو نبياً من الأنبياء عليهم السلام مجمعاً على نبوته عندنا(١). وذهب الحنفية إلى عدم انتقاض عقد الهدنة بسب النبي وي لر، لأن سب النبي وَل كفر من الكافر المهادن، والكفر المقارن لعقد الهدنة لا يمنع عقد الهدنة في الابتداء فالكفر الطارئ لا يرفعه في حال البقاء (٢)، روى عروة عن عائشة ريثما قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صل# فقالوا: السام عليك، ففهمتها، فقلتُ: عليكم السام واللعنة، فقال رسول اللَّه وَلتفي: ((مهلًا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول اللَّه أولم تسمع ما قالوا؟ (١) شرح الزرقاني ١٤٧/٣، وجواهر الأكليل ١/ ٢٦٩، وتحفة المحتاج ٣٠٢/٩، ومغني المحتاج ٤/ ٢٦٤، ومطالب أولي النهى ٢/ ٦٢٢ . (٢) حاشية ابن عابدين ٢٧٨/٣، ٢٤٩، وفتح القدير ٣٨١/٤ ط الأميرية. - ٢٢٧ - هدنة ٢٥ - ٢٧ قال رسول اللّه وَله: فقد قلت: عليك))(١). ولا شك أن هذا سب منهم له وَّر، ولو كان نقضاً للعهد لقتلهم لصيرورتهم حرییین(٢). وقيد الحنفية عدم الانتقاض بما إذا لم يعلن المهادن السب، أما إذا أعلن بالسب أو اعتاده وكان مما لا يعتقده قُتل ولو امرأة، وبه يُفتى(٣). رابعاً: نبذ الهدنة إذا رآه الإمام أصلح: ٢٥- صرّح الحنفية بأنه لو رأى الإمام الموادعة خيراً فوادع أهل الحرب ثم نظر فوجد موادعتهم شراً للمسلمين نبذ إلى ملكهم الموادعة وقاتلهم(٤). بلوغ المهادن مأمنه بعد نقض العهد : ٢٦ - وعند نبذ العهد يجب إبلاغ من بدار الإسلام من أهل الهدنة إلى مأمنه، لكن من (١) حديث عائشة: ((دخل رهط من اليهود ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤١/١١، ٤٢ - ط السلفية)، ومسلم (١٧٠٦/٤ - ط الحلبي). (٢) فتح القدير ٣٨١/٤ ط الأميرية. (٣) ابن عابدين ٢٧٨/٣ - ٢٧٩ . (٤) المبسوط السرخسي ٨٧/١٠، والفتاوى الهندية ١٩٧/٢، وشرح السير الكبير ١٦٩٧/٥، تبيين الحقائق ٢٤٦/٣ . علیه حق آدمي من مال أو حد قذف أو قصاص يستوفى منه أولًاً(١). والمعتبر في إبلاغ الكافر المأمن عند الشافعية أن يمنعه من المسلمين ومن أهل عهدهم ويلحقه بدار الحرب، واكتفى ابن كج من الشافعية بإلحاقه بأول بلاد الكفر وقال: لا يلزم إلحاقه ببلده الذي یسکنه فوق ذلك إلا أن یکون بین أول بلاد الكفر وبلده الذي يسكنه بلد للمسلمین یحتاج إلی المرور علیه. ونقل النووي عن البحر: أنه لو كان مأمنان لزم الإمام إلحاقه بسكنه منهما، ولو كان يسكن بلدين فالاختيار للإمام(٢). أحوال نقض الهدنة من قبل الكفار المهادنین : ٢٧- نقض الهدنة من قبل الكفار المهادنين إما أن يكون من جميعهم أو من بعضهم، فإن كان النقض من جميعهم انتقض عهدهم جميعاً وليس لواحد منهم أمان على نفس أو مال(٣). (١) روضة الطالبين ١٠/ ٣٣٨، ومطالب أولي النهى ٥٩١/٢ . (٢) روضة الطالبين ٣٣٨/١٠ - ٣٣٩. (٣) تبيين الحقائق ٢٤٦/٣، وشرح السير الكبير ٥٪ ١٦٩٦ - ١٦٩٧، الحاوي ١٨/ ٤٤٠ - ٤٤١، والمغني ٤٦٢/٨، وحاشية الدسوقي ٢٠٤/٢ - ٢٠٦، وجواهر الإكليل ١/ ٢٧٠ . - ٢٢٨ - هدنة ٢٧ وإن كان النقض من بعضهم فإما أن يظهر البعض الآخر الرضا بهذا النقض أو يسكتوا عنه أو يظهروا الكراهة له. فإن أظهر البعض الآخر الرضا في قول أو فعل فينتقض عهدهم جميعاً، الناقضون والراضون به، ویصیرون جميعهم حرباً. وكذا إن سكت البعض الآخر فلم يظهروا رضا بالنقض ولا كراهة له في قول أو فعل انتقض عهد الجميع، ويكون سكوتهم نقضاً للعهد (١). قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَضَةٌ﴾(٢)، وكذلك كانت سنة الله تعالى في عاقر ناقة صالح، باشر عقرها أحيمر وهو القداد بن سالف، وأمسك قومه عنه، فأخذ اللَّه جميعهم بذنبه، فقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَّرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾(٣) . ١٤ رَبُّهُمْ يِذَنِيِهِمْ فَسَوَّهَا وقد وادع رسول اللّه ◌َله يهود بني النضير، وهَمّ بعضهم بقتله، فجعله نقضاً منهم لعهده (١) روضة الطالبين ٣٣٨/١٠، ومطالب أولي النهى ٥٩١/٢، والمغني ٨/ ٤٦٢١، والبحر الرائق ٥٪ ٨٦، وبدائع الصنائع ١٠٩/٧ - ١١٠ . (٢) سورة الأنفال/ ٢٥ . (٣) سورة الشمس/ ١٤ - ١٥. فغزاهم وأجلاهم(١). ووادع يهود بني قريظة فأعان بعضهم أباسفيان بن حرب على حرب رسول اللّه وَل في الخندق، وقيل: إن الذي أعانه منهم ثلاثة: حيي بن أخطب وأخوه وآخر، فنقض به عهدهم وغزاهم حتى قتل رماتهم وسبى (٢) ذراريهم(٢) . وهادن قريشاً في الحديبية، وكان بنوبكر في حلف قريش، وخزاعة في حلف رسول الله ﴿14، فجعله رسول اللَّه لل نقضاً لعهد جمیعهم فسار إليهم محارباً، وأخفی عنهم أثره حتى نزل بهم وفتح مكة(٣). فدلّ على أن الممسك يجري عليه في نقض العهد حكم المباشر، ولأنه لما كان عقد بعضهم للهدنة موجباً لأمان جميعهم وإن (١) حديث: ((موادعة الرسول وَل يهود بني النضير)) عزاه ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٣١ - ط السلفية) إلى ابن إسحاق في سیرته من حدیث یزید بن رومان مرسلاً. (٢) حديث: قصة تحريض حيي بن أخطب بني قريظة أوردها ابن هشام في السيرة (١٧٢/٣ - ١٧٣ ط دار الكتاب العربي. (٣) حديث: قصة مهادنة الرسول وَه قريشًا معهم بنو خزاعة وبنو بكر. ذكرها ابن هشام في السيرة (٢٦٤/٣ - ط دار الكتاب العربي) - ٢٢٩ - هدنة ٢٧، هدهد أمسكوا، كان نقض بعضهم موجباً لحرب ليتميزوا أو يسلموهم، فإن لم يفعلوا مع القدرة صاروا ناقضين أيضاً. جميعهم إذا أمسكوا (١). وإن كان النقض من بعضهم وأظهر البعض الآخر الكراهة للنقض بقول أو فعل انتقض العهد في حق الناقضين فقط(٢). ونص الشافعية على أنه لو نقض السوقة العهد ولم يعلم الرئيس والأشراف بذلك، ففي انتقاض العهد في حق السوقة وجهان: وجه المنع: أنه لا اعتبار بعقدهم فكذا بنقضهم. ولو نقض الرئيس وامتنع الأتباع وأنكروا، ففي الانتقاض في حقهم قولان. وجه النقض: أنه لم يبق العقد في حق المتبوع فكذا التابع . قال النووي: والصحيح أنهم إن أنكروا بقول أو فعل بأن اعتزلوه أو بعثوا إلى الإمام بأنا مقيمون على العهد لم ينتقض. وإذا انتقض في حق بعضهم، فإن تميزوا فذاك، وإلا فلا يبيتهم الإمام ولا يغار عليهم إلا بعد الإنذار، ويبعث إلى الذين لم ينقضوا (١) الحاوي للماوردي ٤٤٠/١٨ - ٤٤١، وانظر روضة الطالبين ١٠/ ٣٣٧ . (٢) بدائع الصنائع ١٠٩/٧ - ١١٠، والبحر الرائق ٨٦/٥، وروضة الطالبين ٣٣٨/١٠، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥٩١، المغني ٤٦٢/٨. ومن أخذ منهم واعترف بأنه من الناقضين أو قامت عليه بینة لم يخف حكمه، وإلا فيُصَدّق بيمينه أنه لم ينقض(١). هُذْهُد انظر: أطعمة (١) روضة الطالبين ٣٣٨/١٠. - ٢٣٠ - : هدي ١ - ٤ هذي التعريف : ١- الهَذْيُ لغة: بإسكان الدال وتخفيف الياء، أو بكسر الدال مع تشديد الياء لغتان مشهورتان، والواحد: هَذْيَة وهَدِيَّةُ. تقول فيه: «أهديت الهدي)). ومن معاني الهدي في اللغة: ما يهدى إلى الحرم من النعم(١). والهدي اصطلاحاً: ما يهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم(٢). الألفاظ ذات الصلة : أ- الأضحية : ٢- الأضحية في اللغة: شاة ونحوها يضحی بها في عيد الأضحى(٣). (١) المصباح المنير والقاموس المحيط والمعجم الوسيط . (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢٤٩/٢ والمجموع ٢٦٨/٨ - ٢٦٩ . (٣) المعجم الوسيط. وفي الاصطلاح: ما يذكى تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر بشرائط مخصوصة(١). والصلة بينهما أن كلا من الهدي والأضحية قربة إلى الله تعالى. ب - العقيقة : ٣- من معاني العقيقة في اللغة: الذبيحة التي تذبح عن المولود(٢). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. والصلة بينهما أن كلا من العقيقة والهدي قربة، غير أن العقيقة مرتبطة بوقت ولادة المولود وفي أي مكان، أما الهدي ففي أيام النحر وفي الحرم. الحكم التكليفي: يختلف الحكم التكليفي للهدي بحسب نوعه، ونبین حکم کل نوع فيما يلي: النوع الأول: هدي التطوع: أ- لمريد النسك : ٤- هدي التطوع هو الذي یتقرب به إلى (١) شرح المنهج بحاشية البجيرمي ٢٩٤/٤، والدر المختار بحاشية ابن عابدين ١٩٨/٥ طبعة بولاق. (٢) المعجم الوسيط، والقليوبي ٤/ ٢٥٥ . - ٢٣١ - هدي ٥ - ٩ اللَّه دون سبب ملزم اقتداءً بالنبي ◌َّر، فقد أهدى النبي ◌َّ في حجة الوداع مائة بدنة(١). قال النووي: اتفقوا على أنه يستحب لمن قصد مکة بحج أو عمرة أن يهدي هدیاً من الأنعام وينحره هناك، ويفرقه على المساكين الموجودين في الحرم(٢). ب- لمن لم يرد الحج: ٥- ذهب الفقهاء إلى أنه يسن لمن يُرد الذهاب إلى الحج أن يرسل هديا وأن يشعره ويقلده ولا يحرم عليه بإرساله شيء مما يحرم على المحرم(٣) . واستدلوا بما ورد عن عائشة رَيها قالت: «فتلت قلائد بدن النبي ◌ُّطير بيدي، ثم أشعرها وقلدها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلا)) (٤). (١) حديث: ((أهدى النبي ◌َّر في حجة الوداع مائة بدنة)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٥٧ - ط السلفية). (٢) المجموع ٣٥٦/٨، ٤١٤، والإيضاح مع حاشيته ص ٣٦٤، وانظر الهداية وشرحها ٢/ ٣٢٢، و٨/ ٧٦ - ٧٧، والمسلك المتقسط ٢٧١، ومواهب الجليل ١٠٥/٣ . (٣) المبسوط ١٤٠/٤، والمدونة ٤١٢/١، والمجموع ٣٦١/٨، والمغني ٨٢/٣، ومطالب أولي النهى ٤٦١/٢-٤٦٢ . (٤) حديث عائشة: ((فتلت قلائد بدن النبي (ێز)) . = النوع الثاني: الهدي الواجب: وهو ثلاثة أصناف: الصنف الأول: هدي واجب للشكر ٦ - الهدي الواجب للشكر: هو الهدي الواجب على المتمتع والقارن، فهو عند الحنفية دم واجب شكراً لله تعالى على أن وفقه لأداء النسكين في سفرٍ واحد. الصنف الثاني: هدي واجب للجبران: ٧- وهو الهدي الواجب لجبر الخلل الواقع في الحج أو العمرة، من جزاء جناية من الجنايات أو دم إحصار. الصنف الثالث: هدي النذر: ٨- هدي النذر هو ما ينذره الحاج للبيت الحرام وهو واجب لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا تُذُورَهُمْ﴾(١) . حکم ولد الهدي: ٩- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ولد الهدي يتبع أمه، وخص الشافعية ذلك بالهدي المنذور وللفقهاء تفصيل بعد ذلك. = أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٥٤٢ - ط السلفية) ومسلم (٢/ ٩٥٧ - ط الحلبي) والسياق لمسلم. (١) سورة الحج/ ٢٩ . - ٢٣٢ - هدي ٩ قال الحنفية: إذا ولدت البدنة بعدما اشتراها لهديه ذبح ولدها معها، لأن جعلها خالصة لله تعالی والولد جزء منها، ثم انفصل بعدما سرى إليه حق الله تعالى، فعليه أن يذبحه معها، ولو باع الولد فعلیه قیمته، فإن اشترى به هدیا فحسن، وإن تصدق بها فحسن اعتبارا للقيمة بالولد(١). وقال المالكية: حق الهدي يسري إلى الولد كحق العتق في الاستيلاد والتدبير والكتابة، فإذا ولدت ساقه مع أمه إن أمكن إلى محل الهدي، فإن لم یمکن سوقه حمله، فإن كان له محل غير أمه حمله عليه كما يحمل عليها زاده عند الحاجة والضرورة، فإن لم یکن فيها ما يحمله قال ابن القاسم: یتکلف حمله، یرید لأن عليه بلوغه بكل حيلة يقدر عليها، قال أشهب: وعليه أن ينفق عليه حتى يجد له محلا ولا محل له دون البيت، فإن لم يجد إلى ذلك سبیلا کان حكم هذا الولد حکم الهدي إذا وقف منه، فإن كان في مسغبة فإنه ينحره في موضعه ويخلي بين الناس وبينه ولا يأكل منه كانت أمه تطوعاً أو عن واجب، فإن أکل شیئا من الولد قال ابن الماجشون عن ابن حبيب: عليه بدله، ثم قال أشهب: وإن نحره في (١) فتح القدير ١٦٥/٣، وتبيين الحقائق ٩١/٢. الطريق أبدله بهدي كبير، ولا يجزئه بقرة يريد في نتاج البدنة . قال الحطاب: وهذا مما ولد بعد التقلید، وأماما ولد قبله فلا يجب ذلك فيه. قال مالك في الموازية: وأحب إلي أن ینحره معها إن نوی ذلك، قال محمد: یعني نوی بأمه الهدي. ولو وجد الأم معيبة لم يكن له أن يتصرف في ولدها وكان تبعا لها في حكم الهدي(١). وقال الحنابلة: إن ولدت التي عينت هديا ابتداء أو عن واجب في الذمة ذبح ولدها معها إن أمكن حمل الولد على ظهرها أو ظهر غيرها، أو أمكن سوقه إلى محل ذبح الهدي سواء عينها حاملًا أو حدث الحمل بعد التعيين، لأن استحقاق المساكين الولد حكم يثبت بطريق السراية من الأم، فيثبت للولد ما يثبت لأمه. وقال المغيرة بن حَذَف ((أتى رجل عليّاً ببقرة قد أولدها فقال له: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم الأضحى ضحيت بها وولدها عن سبعة)) . وإن لم يمكن حمل الولد ولا سوقه إلى محله فکهدي عطب فیذبحه في موضعه. (١) مواهب الجليل ١٩٤/٣. - ٢٣٣ - : هدي ١٠ - ١١ ٠٠٠ وقال القاضي في المعین بدلا عن الواجب: يحتمل أن لا يتبعها ولدها لأن ما في الذمة واحد (١). ما یجزئ في الهدي. ١٠- لا یصح الهدي إلا أن یکون من الابل والبقر والغنم، وتختلف هذه الأصناف فيما يجزىء ويصح أن تذبح عنه من الأشخاص. كما هو حال إجزائها في الأضحية. (ر: أضحية ف ٢٣ - ٣٨). صفة الهدي المستحبة : ١١- ذهب الفقهاء إلى أن البدنة أفضل من البقرة لأنها أعظم، والبقرة أفضل من الشاة لأنها بسبع من الغنم، والشاة أفضل من مشاركة سبعة في بدنة أو بقرة، لأنه ينفرد بإراقة الدم، والضأن أفضل من الماعز لأن النبي وَّر كان يضحي بالضأن، والسمينة أفضل من غير السمينة . قال بعض الحنفية: الشاة السمينة التي تساوي البقرة قيمة ولحماً أفضل من البقرة. وقال بعض الشافعية: التضحية بشاة سمينة أفضل من شاتين دونها. لما قال ابن عباس في (١) كشاف القناع ١٢/٣، والمغني لابن قدامة ٣/ ٥٣٩، ومطالب أولي النهى ٢/ ٤٨٢ . تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَِّرَ اللَّهِ﴾(١) استعظامها: استحسانها واستسمانها (٢). وقال علي ◌َّ : إذا اشتريت أضحية، فاستسمن، فإن أكلت أكلت طيباً، وإن أطعمت أطعمت طيباً واشتر ثنياً فصاعداً(٣). قال الدسوقي من المالكية: والحق أن ذلك يختلف باختلاف البلاد، ففي بعضها تكون الإبل أطيب لحما فتكون أفضل، وفي بعضها يكون البقر أطيب لحماً فيكون أفضل. ولا خلاف في جواز الهدي من الذكر والأنثى، لكن الذكر أفضل (٤)، وأفضلها ما ضحى النبي وَ﴾، لما ورد عن أنس ◌َظ قال: ((ضحى النبي ◌ّ﴾ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر ووضع رجله على صِفاحهما))(٥) . (١) سورة الحج/ ٣٢ . (٢) أثر ابن عباس في تفسير قوله تعالى ﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٧/ ١٥٦ - ط الحلبي). (٣) أثر علي ((إذا اشتريت أضحية ... )) أخرجه ابن حزم في المحلى (٧/ ٣٦١ - ط المنيرية). (٤) الدر المختار ورد المحتار ٢٨١/٥، ومطالب أولي النهى ٤٦٢/٢، والدسوقي ١٢١/٢، والمجموع ٨/ ٣١٠ - ٣١٤ و٣٥٦ - ٣٥٧ - ٣٦١ - ٣٩٥ - ٣٩٦ . (٥) حديث أنس ◌َثُ: ((ضحى النبي ◌َّ ر بكبشين)) = - ٢٣٤ - هدي ١٢ سوق الهدي : ١٢ - سوق الهدي من شعائر الله ومعالم النسك، ومن أحكامه ما يلي: قال الحنفية: لا يجب الذهاب بالهدي إلى عرفة ولا التشهير بالتقليد لأن الهدي ینبیء عن النقل إلى مكان ليتقرب بإراقة دمه فيه، لا عن الذهاب به إلى عرفة، فلا يجب. فإن ذهب إلى عرفات بهدي المتعة والقران فحسن، لأنه يتوقت بيوم النحر، فعسى ألا يجد من یمسكه فیحتاج إلی أن یعرف به، ولأنه دم نسك فيكون مبناه على التشهير تحقيقاً لمعنى الشعائر، بخلاف دماء الكفارات لأنه يجوز ذبحها قبل يوم النحر، وسببها الجناية فيليق بها الستر، ويجوز ذبحها قبل يوم النحر فلا حاجة إلى التعريف بها(١). ويشترط المالكية لصحة الهدي أن يجمع فيه بین حل وحرم، فلا يجزىء ما اشتراه بمنى أيام النحر وذبحه بها، بخلاف ما اشتراه من عرفة لأنها من الحل، فإن اشتراه في الحرم فلا بد أن يخرج به للحل: عرفة أو غيرها سواء = أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٣/١٠ - ط السلفية) ومسلم (١٥٥٦/٣ - ط الحلبي). (١) فتح القدير ٨١/٣، وتبيين الحقائق ٩٠/٢، والفتاوى الهندية ١/ ٢٦٢ . خرج به هو أو نائبه محرماً أم لا، كان الهدي واجباً أو تطوعاً(١). وقال ابن عمر وسعيد بن جبير: لا هدي إلا ما أحضر عرفات(٢). وذهب الشافعية: إلى أنه يستحب للحاج أن يسوق هديه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة، ثم من مكة ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلا بل اشتراه من منى جاز وحصل أصل الهدي. وبه قال ابن عباس(٣) . ويرى الحنابلة أن سوق الهدي من الحل مسنون لأن النبي و 18 فعله، فساق في حجة . الوداع مائة بدنة(٤)، وکان یبعث بهديه إلى الحرم وهو بالمدينة(٥). ولا يجب سوق الهدي إلا بالنذر لأنه وَليّ لم يأمر به والأصل عدم الوجوب. ويستحب أن يقف الهدي بعرفة، ويسن أن (١) الشرح الصغير ٢/ ٤٤٨ . (٢) المجموع ٣٥٧/٨ . (٣) المجموع ٣٥٧/٨ طبعة دار الفكر. (٤) سبق تخريجه ف ٤ . (٥) حديث: ((أن الرسول ◌َ﴿ كان يبعث بهديه إلى الحرم وهو بالمدينة». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٤٣/٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٥٧ - ط الحلبي). - ٢٣٥ - ٠٠ هدي ١٣ - ١٤ ... يجمع في الهدي بین الحل والحرم، فلو اشتراه في الحرم ولم يخرجه إلى عرفة وذبحه كفاه(١) . تقليد الهدي: ١٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه يسن وضع القلادة للإبل والبقر، لما روى ابن عباس رَوافقها ((أن النبي وَلقوله صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلدها نعلين))(٢). واختلفوا في تقليد الغنم، وتفصيل ذلك في مصطلح (تقليد ف ٣ - ٨). إشعار الهدي : ١٤ - الإشعار في اللغة: الإعلام وصفة الإشعار عند الفقهاء هي: أن يضرب بالمبضع في أحد جانبي سنام البدنة حتى يخرج الدم منه، ثم يلطخ بذلك الدم سنامه. وسمي ذلك إشعاراً بمعنى أنه جعل ذلك (١) الإنصاف ١٠٠/٤، وكشاف القناع ١٧/٣-١٨، ومطالب أولى النهى ٤٨٦/٢ . (٢) حديث ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ صلى الظهر بذي الحليفة ... )). أخرجه مسلم (٩١٢/٢- ط الحلبي). علامة له(١). وذهب الفقهاء إلى عدم سنية إشعار الغنم. أما إشعار الإبل والبقر فقالوا بسنيته، فقد صح في الحديث أن النبي وَ ل ◌ّ أشعر البدن بيده، قالت عائشة رَثُها ((فتلت قلائد هدي النبي ◌ُّل﴾ ثم قلدها وأشعرها))(٢)، وفعله الصحابة ** ، وقالوا: الإشعار وإن كان فيه إيلام فهو إيلام لغرض صحيح، فجاء كالكي والوسم والفصد والحجامة، والغرض أن لا تخلط بغيرها . وقال الطحاوي وأبو منصور الماتريدي عما نقل من أبي حنيفة من كراهة الإشعار: أن أبا حنيفة لم يكره أصلًا الإشعار، وكيف يكرهه مع ما اشتهر فيه من الأخبار، وإنما كره إشعار أهل زمانه الذي يخاف منه الهلاك، خصوصاً في حر الحجاز، فرأى الصواب حينئذ سد هذا الباب على العامة، فأما من وقف على الحد بأن قطع الجلد دون اللحم فلا بأس بذلك، قال الكرماني: هذا هو الأصح وهو اختيار (١) المبسوط للسرخسي ١٣٨/٤، والمغني ٥٤٩/٣، ومطالب أولي النهى ٤٨٦/٣، والشرح الصغير ٤٥٠/٢، وروضة الطالبين ١٨٩/٣. (٢) حديث عائشة: ((فتلت قلائد هدي النبي ◌َّر ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٤٢/٣ - ط السلفية) ومسلم (٢/ ٩٥٧ - ط الحلبي) والسياق للبخاري. - ٢٣٦ - هدي ١٥ - ١٧ ٠٠ قوام الدين الكاكي وابن الهمام فهو مستحب لمن أحسنه(١). موضع الإشعار: ١٥ - اختلف الفقهاء في موضع الإشعار من السنام من الإبل والبقر فيرى الحنفية والمالكية أن الإشعار يكون في أحد جانبي سنام البدنة حتى يخرج منه الدم. ويرى المالكية، وأبو يوسف، وأحمد في رواية، وابن أبي ليلى أنه يكون في الجانب الأيسر من السنام ويرى الشافعية والحنابلة والمالكية في قول آخر وابن أبي ليلى في قول له أنه يكون في الجانب الأيمن من السنام. وأضاف المالكية أن البقر لا تشعر إلا إذا كانت لها أسنمة فحينئذ تشعر كالإبل. وقال الشافعية والحنابلة إن ما لا سنام له من الإبل والبقر يشق محل السنام(٢). (١) المبسوط ١٣٨/٤، وابن عابدين ٢/ ١٩٧، وحاشية الدسوقي ٨٨/٢-٨٩، وروضة الطالبين ١٨٩/٣، والمغني ٥٤٩/٣، ومطالب أولي النهى ٤٨٦/٣ . (٢) المبسوط ١٣٨/٤، وابن عابدين ٢/ ١٩٧، وروضة الطالبين ١٨٩/٣، ومطالب أولي النهى ٤٨٦/٣، والمغني ٥٤٩/٣، والمجموع ٣٦٠/٨. تجليل الهدي : ١٦- التجليل هو: أن يجعل على الهدي شيئا من الثياب بقدر وسعه، وقد ذهب الفقهاء إلى أنه يستحب تجليل الهدي، والتصدق بالجل، قال الحنفية إن التجليل حسن، لأن هدايا رسول اللَّه ◌َ ل كانت مقلدة مجللة حيث أمر عليّاً تَظفيه: ((أن يتصدق بجلالها وجلودها))(١)، وإن ترك التجليل لم يضر وخص المالكية التجليل بالبدن دون البقر (٢) والغنم(٢). التصرف في الهدي قبل نحره أولًا: الهدي الواجب: إجارة الهدي الواجب: ١٧ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز له أن يؤاجر الهدايا، ولا يتعوض بمنافعها بدلًا، فلما کان لیس له تملیك منافعها ببدل، کان كذلك ليس له الانتفاع بها، ولا يكون له الانتفاع بشيء إلا شيء له التعوض بمنافعه إبدالا منها، وقد نقل القاضي عياض إجماع (١) حديث: أمر الرسول * عليًّا أن يتصدق بجلالها وجلودها. أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٥٥٧ - ط السلفية) ومسلم (٢/ ٩٥٥ - ط الحلبي). : (٢) المبسوط ١٣٨/٤، ومواهب الجليل للحطاب ١٩٠/٣، والمجموع ٢٧٤/٨، والفروع ٣/ ٥٤٧ . - ٢٣٧ - .. هدي ١٨ المسلمين على هذا. ونص الشافعية على أنه لو خالف وأجرها، فرکبها المستأجر فتلفت ضمن المؤجر قيمتها، والمستأجر الأجرة، وفي قدرها وجهان: أصحهما أجرة المثل، والثاني الأكثر من أجرة المثل والمسمى، ثم في مصرفها وجهان: أحدهما: الفقراء فقط، وأصحهما تصرف مصرف الضحايا(١). أما إعارته فقد نص الشافعية على أنه يجوز إعارة الهدي، لأنها إرفاق، كما يجوز الارتفاق به(٢). إبدال الهدي الواجب : ١٨ - اختلف الفقهاء في حكم إبدال الهدي الواجب إلى ثلاثة آراء : الرأي الأول: ذهب الجمهور (المالكية والشافعية وأبوالخطاب من الحنابلة) إلى أنه لا يجوز إبداله مطلقاً ولو کان بمثله أو بخير منه، لأن ملكه قد زال عنه بالنذر والتعيين وعليه ذبحه بعينه . (١) شرح معاني الآثار للطحاوي ٣٢٨/٢، والمجموع ٣٢٨/٨، ومطالب أولي النهى ٢/ ٤٨١ - ٤٨٢، والمنتقى شرح الموطأ ٣٠٩/٢ . (٢) المجموع ٣٢٨/٨. لما روى ابن عمر رَات قال: «أهدي عمر ابن الخطاب نجیباً، فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي وَل﴿ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدْنا؟ قال: لا، انحرها إياها))(١). فلو كان إبدالها أو بيعها جائزاً بعد النذر أو التعيين عما في الذمة من دم واجب لأذن فيه لأن البدن أكثر لحماً من النجيبة، وهو أنفع للمساكين(٢). الرأي الثاني: ذهب الحنابلة إلى أنه يجوز . إبداله بخير منه وبيعه ليشتري بثمنه خيراً منه، ولا يجوز إبداله بمثله أو بدونه لعدم الفائدة في ذلك. وقال ابن قدامة: نص على هذا أحمد، وهو اختيار أكثر الأصحاب، وقالوا: لأن النذور محمولة على أصولها في الفرض وهو الزكاة يجوز فيها الإبدال، كذلك هذا، ولأنه لو زال ملكه لما عاد إليه بالهلاك كسائر الأملاك إذا زالت(٣). (١) حديث ابن عمر: ((أهدى عمر بن الخطاب نجيباً)). أخرجه أبوداود (٣٦٥/٢ - ط حمص) والبيهقي (٢٤١/٥ ط دائرة المعارف العثمانية)، وذكر ابن التركماني أن في إسناده راوياً مجهولًا . (٢) الحاوي الكبير ٤٨٥/٥ - ٤٧٦، والمجموع ٨/ ٣٦٢، وما بعدها والمغني ٥٣٩/٣، والمدونة ٣٨٥/١ . (٣) المغني ٥٣٩/٣. - ٢٣٨ - هدي ١٩ - ٢٠ الرأي الثالث: للحنفية روايتان في جواز إبدال الهدي المعين: رواية أبي سليمان ورواية أبي حفص، ففي رواية أبي سليمان يجوز إيدال الهدي بقيمته أو بخير منه أو بمثله من باب أولى. وفي رواية أبي حفص لا يجوز إبداله بقيمته، ويجوز إبداله بمثله أو بخير منه بالأولى. وجه الرواية الأولى: اعتبار البدنة بالأمر، ثم فيما أمر الله تعالى في إخراج الزكاة من النعم: يجوز القيمة فيه وكذا في النذور. ووجه الثانية: إن القربة تعلقت بشيئين إراقة الدم، والتصدق باللحم لم يوجد أحدهما في القيمة، وهو إراقة الدم فلم يجزئ(١). الانتفاع بالهدي وما يتولد منه: ١٩ - يجوز ركوب الهدي، إذا احتاج إليه بلا ضرر عند الحنفية والشافعية والحنابلة. وعند المالكية يكره ركوبها من غير ضرورة لحديث جابر رضي قال: ((سمعت النبي وَل يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى (١) بدائع الصنائع ٢٢٤/٢ - ٢٢٥، والمبسوط ٤/ ١٤٦ - ١٤٧، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ٢ /٥٥٥ . تجد ظهرا))(١) فإن لم تكن هناك حاجة لركوبها فإنه يحرم الركوب عند الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب. وفي قول عند الحنابلة: يجوز الركوب من غير حاجة لما روى أبو هريرة وأنس: ((أن رسول اللَّه وَ ل﴿ رأى رجلا يسوق بدنة فقال: اركبها فقال له: يا رسول اللَّه إنها بدنة قال: اركبها، ويلك، في الثانية أو في الثالثة))(٢). فإن رکبها بسبب ما ذکر فانتقصت به، ضمن قيمة النقصان، ويتصدق بها كما صرح بذلك الحنفية والشافعية والحنابلة لأنه صرف جزءا منها إلى حاجته(٣). حكم شرب لبن الهدي: ٢٠- قال الشافعية والحنابلة: إن المهدي لا يشرب من لبن الهدي إلا ما فضل عن ولدها ولم يضرها ولا ينقص لحمها، لأنه انتفاع لا يضرها ولا ولدها. (١) حديث: ((اركبها بالمعروف إذا إلجئت إليها ... )) أخرجه مسلم (٩٦١/٢ - ط الحلبي). (٢) حديث: ((أن رسول اللَّه وَلو رأى رجلا يسوق بدنة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٣٦/٣ - ط السلفية) ومسلم (٢/ ٩٦٠ - ط الحلبي) والسياق لمسلم. (٣) المبسوط ١٤٤/٤-١٤٥، والدسوقي ٩٢/٢، والمجموع ٢٧٨/٨، والمغني ٤٥٠/٣ . - ٢٣٩ - هدي ٢١ - ٢٣ أما إن أضر بها أو بولدها فيحرم وعليه الصدقة به، فإن شربه ضمنه لتعديه بأخذه(١). وعند الحنفية: إن كان وقت الذبح قريبا لم يحلبها، وينضح ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن، وإن كان وقت الذبح بعيداً يحلبها ويتصدق به كي لا يضر ذلك بها، وإن صرف اللبن إلى حاجة نفسه أو إلى غني تصدق بمثله أو بقيمته(٢). وعند المالكية: لا یشرب المهدي من لبنها بعد التقليد أو الإشعار وإن فضل عن ري فصيلها بل يكره ولا شيء عليه، ويحرم الشرب إن لم يفضل أو أضر بالأم أو الولد، فإن شرب فيغرم موجب فعله الأرش أو البدل(٣). جز وبر الهدي : ٢١- لا يجوز جز وبر الهدي، فإن جزه تصدق به أو بقيمته إن استهلكه عند الحنفية والدارمي من الشافعية، وكذا الحنابلة إن كان في بقائه ضرر. (١) مطالب أولي النهى ٤٨٢/٢، والمجموع ١٨ ٣٦٦-٣٦٧ . (٢) تبيين الحقائق ٩١/٢، وفتح القدير ١٦٧/٣. (٣) حاشية الدسوقي ٢/ ٩٢ . وأجاز ذلك الشافعية في المذهب إن كان في جزه مصلحة بأن يكون قد بقى إلى وقت النحر مدة طويلة، وأجازوا له أن ينتفع به، والأفضل أن يتصدق به، وإن كان في بقاء الصوف مصلحة لدفع ضرر حر أو برد أو نحوهما أو كان وقت ذبحه قريبا ولم يضره بقاؤه لم يجز جزه(١). ثانياً : هدي التطوع: ٢٢- نص الحنفية والشافعية على جواز بيع هدي التطوع، كما يجوز الانتفاع به، وتمليك منافعه ببدل، وهو الإجارة، وبدون بدل، وهو الإعارة. وذلك لأنه باقٍ على ملکه وتصرفه إلی أن ينحر لأن ما وجد منه مجرد نية ذبح الهدي وهذا لا يزيل الملك(٢). التصرف في الهدي بعد نحره: بيع شيء من الهدي: ٢٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه يحرم بيع شيء من لحم الهدي وجلده وشحمه وغير ذلك من (١) المجموع ٢٧٩/٨ - ٢٨٠، والمغني ٥٤٠/٣، والمبسوط ٤ /١٤٤ . (٢) شرح معاني الآثار ٢/ ١٦٢، والمجموع ٣٦٤/٨ - ٣٦٥ . - ٢٤٠ - :