النص المفهرس
صفحات 161-180
هجاء ٩ - ١٠ ترتب الحكم الشرعي على ما ينطق بالتھجي : ٩ - ذهب الفقهاء إلى أن الأحكام الفقهية تترتب على ألفاظ العقود أو التصرفات التي تتعلق بها هذه الأحكام(١). ونص الحنفية على أن هجاء اللفظ الذي يقع به الطلاق أو العتق يقع به الطلاق أو العتق كذلك، قال ابن الهمام: يقع الطلاق بالتهجي كأنت (ط ال ق) وكذا لو قيل له: طلقتها؟ فقال: (ن ع م) إذا نوى، وصرح بقيد النية في البدائع(٢). وقال الشافعية: يشترط قصد لفظ الطلاق لمعناه، ولا يكفي قصد حروف الطلاق من غير قصد معناه (٣). حکم التهاجي: ١٠ - إذا هجا شخص آخر دون حق، فبادله المهجو الهجاء، فهل يأثمان أو يأثم = أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٩/٣ ط دار الكتاب العربي) وقال: صحيح ووافقه الذهبي. (١) المغني لابن قدامة ٧/ ١٢١ (مطبعة أنصار السنة المحمدية - القاهرة). : (٢) شرح فتح القدير ٣٥٤،٣٢٥/٣ (دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان). (٣) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج ٣/ ٢٨٠ (دار الفكر). البادي منهما ؟ روى أبو هريرة تَظنه أن رسول اللّهِ وَ لَه قال: ((المُسْتَبَّان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتدِ المظلوم)»(١) . ونقل ابن علان عن النووي في شرح هذا الحديث: معناه أن إثم السباب الواقع بينهما يختص بالبادي منهما كله، إلا أن يجاوز الثاني قدر الانتصار فيؤذي الظالم بأكثر مما قاله. وقال: وفيه جواز الانتصار، ولا خلاف فيه، وتظاهر عليه الكتاب والسنة، ومع ذلك فالصبر والعفو أفضل كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُرِ﴾(٢)، وقال رسول اللَّه وَلته: (( ... وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا))(٣). وإذا حدث الانتصار دون تجاوز يبرأ المنتصر، ويبرأ البادئ عن ظلمه بوقوع القصاص، ومع ذلك يكون إثم الابتداء على البادئ(٤). (١) حديث: ((المُسْتَّان ما قالا فعلى البادي ... )). أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٠ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة رَله . (٢) سورة الشورى/ ٤٣ . (٣) حديث: ((وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً». أخرجه مسلم (٢٠٠١/٤ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ◌َ له. (٤) دليل الفالحين ٤ / ٤١٤ . - ١٦١ - ٠٠. هجاء ١١، هجر ١ وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٍّ ... ﴾(١)، حكى الطبري عن فرقة أنها قالت: إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ألا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره، وحكاه الماوردي عن ابن سيرين ومجاهد(٢) . تعزير الهجّاء : ١١ - للإمام أن يعزر من يهجو الناس بغير حق وذلك لأنّ هذا النوع من الهجاء محرم وفعله معصية، و كل معصية ليس فيها حد وجب فيها التعزير. وينظر التفصيل في مصطلح (تعزير ف٨). (١) سورة النحل / ١٢٦ . (٢) تفسير القرطبي ٢٠١/١٠، ٢٠٢ و٢٠٧/١، ٢٠٨. هَجْر التعريف : ١ - الهَجر في اللغة: مصدر هَجَرَ، وهو ضد الوصل، يقال: هجرته هجراً: قطعته، وهَجَر فلان هُجراً: تباعد، وهَجَر الفحلُ: ترك الضراب، وهَجَر الشيءَ أو الشخص: تركه وأعرض عنه، وهَجَر زوجته: اعتزل عنها ولم يطلقها ... وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَّتِى تَّخَافُونَ نُشُوزَهُرْبَ فَعِظُوهُرْ» وَأَهْجُرُوهُنَّ فِىِ الْمَضَارِعِ﴾(١) . واصطلاحاً: قال البركتي والراغب: الهَجْر: ترك ما يلزم تعهده، ومفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ كناية عن عدم قربهن . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِى أَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾(٢)، فهذا هجر بالقلب أو بالقلب واللسان، وقوله عز وجل: ﴿وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرًا (١) سورة النساء / ٣٤ . (٢) سورة الفرقان / ٣٠ . - ١٦٢ - : هجر ٢ - ٤ جَميلًا﴾(١) يحتمل الثلاثة(٢). الألفاظ ذات الصلة : أ - التّزْك: ٢ -الترك في اللغة: مصدر تَرَك، يقال: ترك الشيءَ تركاً: طرحه وخلاه، وتركتُ المنزل: رحلت عنه، وتركت الرجل: فارقته، ثم استعير للإسقاط في المعاني فقيل: ترك حقه إذا أسقطه، وترك ركعة من الصلاة لم يأت بها، فإنه إسقاط لما ثبت شرعاً، وتركت البحر ساكناً: لم أغيره عن حاله، وترك الميت مالًا: خلفه، والاسم التركة(٣). وفي الاصطلاح: قال البركتي: الترك عدم فعل المقدور بقصد أو بغير قصد، أو مفارقة ما یکون الإنسان فيه(٤). والصلة بين الهجر والترك عموم وخصوص (١) سورة المزمل / ١٠ . (٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، وتهذيب الأسماء واللغات (١٧٩/٤ ط دار الكتب العلمية)، والمفردات في غريب القرآن، وقواعد الفقه للبركتي، والجامع لأحكام القرآن ( ١٧١/٥ - ١٧٢، ط دار إحياء التراث العربي، لبنان) ومغني المحتاج (٢٥٩/٣ ط دار الفكر) ، وكشاف القناع ٢٠٩/٥ . (٣) المصباح المنير، والمعجم الوسيط. (٤) قواعد الفقه للبركتي. مطلق، والترك أعم. ب - النشوز: ٣ - من معاني النشوز في اللغة: العصيان والامتناع، يقال: نشزت المرأة من زوجها نشوزاً: عصته وامتنعت عليه، ونشز الرجل من امرأته نشوزاً: تركها وجفاها. قال أبو إسحاق: النشوز يكون بين الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٢) . والصلة بين الهجر والنشوز: أن نشوز الزوجة يكون سبباً لهجر الزوج لها في المضجع تأديباً لها على نشوزها. ج - البُغض : ٤ -البغض لغة: الكُره والمقت، يقال: بَغَض الشيءَ بغضاً: كرهه ومقته، والبغضاء: (١) المصباح المنير، ولسان العرب. (٢) الدر المختار ورد المحتار (٤٤٦/٢ دار إحياء التراث العربي) ، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (٢/ ٣٤٤ دار الفكر) ، وحاشية القليوبي ٢٩٩/٣، والمغني (٧/ ٤٦ دار المنار - القاهرة)، والمفردات في غريب القرآن. - ١٦٣ - . هجر ٥ شدة البغض، وهي - كما قال البركتي - في القلب . واصطلاحاً: قال الراغب: البغض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه، وهو ضد الحب الذي هو انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه(١) . والصلة: أن البغض قد يكون سبباً من أسباب الهجر. الأحكام المتعلقة بالھجر: تتعلق بالهجر أحكام منها: أولًا: هجر ما نهى الشرع عنه: ٥ -ورد الأمر بهجر المنهي عنه شرعاً وتركه واجتنابه، فعن عبد الله بن عمرو ریٹنا عن النبي وَالر قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه))(٢) وفي رواية: ((المهاجر من هجر السيئات))(٣). (١) المعجم الوسيط، وقواعد الفقه للبركتي، والمفردات في غريب القرآن. (٢) حديث: ((المسلم من سلم ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٣ ط السلفية). (٣) حديث: ((المهاجر من هجر السيئات ... )). أخرجه ابن حبان (الإحسان ٤٢٥/١ ط مؤسسة الرسالة). قال ابن حجر العسقلاني: المهاجر بمعنى الهاجر وإن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع فعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر، ویحتمل أن یکون علی بابه لأن من لازم کونه هاجراً وطنه مثلًا أنه مهجور من وطنه، وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييباً لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه(١). وقال ابن علان: المهاجر الكامل من هجر - امتثالا لأمر الله وإجلاله وخوفاً منه - ما نھی الله عنه، شمل صغائر الذنوب و کبائرها، وكامل الهجرة من هجر المعاصي رأساً وتحلى بالطاعة(٢) . وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تأمر باجتناب ما نهى الله عنه (ر: مصطلح ترك ف ٨ - ١١). (١) فتح الباري ١/ ٥٤. (٢) دليل الفالحين ٤ / ٤١٧ . - ١٦٤ - ٠ ٠٠٠ ٠٠ هجر ٦ ثانياً: هَجْرُ المسلم أخاه: ٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يحرم على المسلم هجر أخيه المسلم فوق ثلاث ليالٍ بأيامها، حيث ورد عن أبي أيوب الأنصاري رَفي أن رسول اللَّهِ وَ الإِ قال: ((لا يحلُّ لمسلم أن یھجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)»(١) . فهذا الحديث نصٌّ في منع ما زاد على الثلاث في حق المسلم(٢) . وقد عدَّ ابن تيمية وابن حجر الهيتمي هَجر المسلم أخاه فوق ثلاث من الكبائر، لما فيه من التقاطع والإيذاء والفساد، وثبوتٍ الوعيد عليه في الآخرة(٣) لحديث: ((من هجر أخاه فوق ثلاث فهو في النار إلا أن يتداركه الله بكرامته)) (٤). (١) حديث: ((لا يحل لمسلم ... )). أخرجه البخاري ( فتح الباري ١٠/ ٤٩٢ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٩٨٤ ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم. (٢) مرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٧١٦/٤، والجامع من المقدمات لابن رشد (ص٢٦٧ ط دار الفرقان)، والنووي على مسلم ١٦/ ١١٧، وعمدة القاري ١٧٩/١٨، وفتح الباري ٤٩٥/١٠، والمنتقى للباجي ٢١٥/٧، وكفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني ٢/ ٣٩٤ . (٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٤٢/٢، ٤٤، والآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٢٤٢ . (٤) حديث: ((من هجر أخاه فوق ثلاث فهو ... )) . =. أما هجرة المسلم لأخيه مدة ثلاث، فجماهير الفقهاء على إباحتها اعتباراً لمفهوم المخالفة - دليل الخطاب - في الحديث. قالوا: وإنما عُفي عنها في الثلاث، لأن الآدمي مجبول على الغضب ونحوه، فعُفي عن الهجرة في الثلاثة ليذهب ذلك العارض(١). قال الخطابي: فرُخّص له في مدة ثلاث لقلتها، وجُعِل ما وراءها تحت الحظر(٢). وقد بيَّن القاضي أبوالوليد ابن رشد وجه تحديد الترخيص بثلاث فقال(٣): الثلاث آخر حدّ اليسير في أشياء كثيرة من أحكام الشرع، فاستُخِفّ في المهاجرة لجري العادة في الطباع بها عند وقوع ما يثيرها. والأصل في تحديدها في الهجر وغيره قول الله عز وجل: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَّاءٍ﴾(٤). = أخرجه الطبراني في الكبير (٣١٥/١٨ ط العراق) من حديث فضالة بن عبيد وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٧/٨ ط القدسي): رجاله رجال الصحيح. (١) النووي على مسلم ١١٧/١٦، وانظر عمدة القاري ١٨٤/١٨، والمنتقى للباجي ٢١٥/٧، والأبي على مسلم ١٦/٧، وكفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني وحاشية العدوي عليه ٢/ ٣٩٥ . (٢) معالم السنن (٧/ ٢٣١ - بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري) . (٣) الجامع من المقدمات لابن رشد ص٢٦٨ . (٤) سورة هود / ٦٤ . - ١٦٥ - هجر ٦ وأما من لا يعتدُّ بمفهوم المخالفة من الفقهاء فقال: إنّ الحديث لا يقتضي إباحة الهجرة في الثلاث(١). جاء في مرقاة المفاتيح: قال أكمل الدين من أئمتنا - أي الحنفية -: في الحديث دلالة على حرمة هجران الأخ المسلم فوق ثلاثة أيام، وأما جواز هجرانه في ثلاثة أيام فمفهوم منه لا منطوق، فمَنْ قال بحجيّة المفهوم كالشافعية جاز له أن يقول بإباحته، ومَنْ لا فلا(٢) . وقد حَمَل الفقهاءُ الهَجْرَ المنهي عنه فوق ثلاث على ما كان لحظّ الإنسان، بأن يهجر أخاه في عَتْبٍ ومَوْجِدَةٍ أو لنَبْوَةِ تكون منه أو تقصير في حقوق العشرة والصحبة، دون ما كان في جانب الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مرِّ الأوقات ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق، فإنه وَل# لما خاف على كعب بن مالك وأصحابه النفاقَ حين تخلّفوا عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم، وأمرهم بالقعود في بيوتهم نحو خمسين يوماً (٣)، إلى (١) النووي على مسلم ١١٧/١٦، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢٤٢/١. (٢) مرقاة المفاتيح ٧١٦/٤، وانظر المنتقى للباجي ٢١٥/٧ . (٣) حديث: ((أمر رسول اللـه ◌َله بهجرة كعب = أن أنزل اللَّه سبحانه وتعالى توبته وتوبة أصحابه فعرف رسول اللَّه وَ له براءتهم من النفاق(١). وورد أن قريباً لعبد الله بن مغفل صالله خذف(٢) فنهاه وقال إن رسول اللَّه ◌ُ لّ نهى عن الخذف، فأعاد. فقال عبد الله : أحدثك أن رسول اللّه ** نهى عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبداً(٣). قال النووي في تعليقه على أثر عبد الله بن مغفل: فيه هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة مع العلم، وأنه يجوز هجرانه دائماً، والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما = وأصحابه ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ١١٤/٨ - ١١٥ ط السلفية)، ومسلم (٢١٢٤/٤ ط الحلبي). (١) الأبي على مسلم ١٦/٧، والآداب الشرعية ١/ ٢٥٢، وغذاء الألباب للسفاريني ٢٥٦/١، ومرقاة المفاتيح ٧١٦/٤، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠٧/٢٨، ومعالم السنن للخطابي ٧/ ٢٣١، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٣٩٥/٢ . (٢) الخذف هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها، أو تتخذ مخذفة من خشب ثم ترمي بها الحصاة (النهاية لابن الأثير ١٦/٢). (٣) حديث: عبد الله بن مغفل أن رسول اللّه وَلل نهى عن الخذف أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٦٠٧ - ط السلفية) ومسلم (١٥٤٨/٣ - ط الحلبي). - ١٦٦ - هجر ٧ هو فیمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع فهجرانهم دائماً (١). ·قال ابن عبدالبر: وأجمعوا على أنه لايجوز الهجران فوق ثلاث، إلّا لمن خاف من مکالمته ما یفسد علیه دینه أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرّة، فإن كان كذلك جاز، وربَّ هجرٍ جميلٍ خيرٌ من مخالطة مؤذية(٢). وذهب بعض الفقهاء إلى أنّ هجران الوالد للولد والزوجَ للزوجة والأستاذ لتلميذه ومَنْ كان في معناهم لا يُضيَّق بالمنع فوق ثلاث حملًا للحديث على المتآخيين أو المتساويين، أو حملًا للهجرة المحرمة على التي تكون مع العداوة والشحناء، وأنّ غيرها مباح أو خلاف الأولى وهذا في غير الأبوين، أما الأبوان فلا يجوز للولد هجرهما ولو لطرفة عين(٣). جزاء الهجر المحرّم: ٧ - ورد في حديث رسول اللَّه وَال وعيد لمن يتقحم الهجر المحرم، فعن أبي هريرة (١) صحيح مسلم بشرح النووي (ط المطبعة المصرية) ١٠٦/١٣ ٠ (٢) فتح الباري ٤٩٦/١٠. (٣) مرقاة المفاتيح ٧١٦/٤، ومعالم السنن للخطابي ٧/ ٢٣١، وانظر فتح الباري ٤٩٦/١٠، وحاشية العدوي المالكي على كفاية الطالب الرباني ٢/ ٣٩٥ وحاشية الجمل ٢٩٠/٤ . رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول الله وَالر: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار))(١). قال ابن علان في شرح الحديث: فمن هجر فوق ثلاث فمات مصراً على الهجر والقطيعة دخل النار إن شاء الله تعذيبه مع عصاة الموحدين، أو دخل النار خالداً مؤبداً إن استحل ذلك مع علمه بحرمته والإجماع عليها(٢). وعن أبي خراش حدرد بن أبي حدرد الأسلمي رضي اللّه تعالى عنه أنه سمع النبي وَ الر يقول: ((من ھجر أخاه سنة فهو كسفك دمه))(٣). قال ابن علان: فهو من حيث الإثم کسفك دمه إي إراقته عدواناً(٤). وقال المالكية: إنه إذا اعتزل كلامه لم تجُز شهادته عليه، ولو سلّم عليه. قاله القاضي (١) حديث: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ... )) . أخرجه أبو داود (٢١٥/٥ ط حمص). (٢) دليل الفالحين ٤٤٥/٤ - ٤٤٦. (٣) حديث: ((من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه)). أخرجه أبو داود (٢١٥/٥، ٢١٦ ط حمص)، والحاكم (١٦٣/٤ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . (٤) دليل الفالحين ٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦. - ١٦٧ - ٠٠ هجر ٨ - ٩ عياض(١). وروي عن ابن القاسم أنه قال: إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته علیه، وإن کان غير مؤذٍ له(٢). وعلة ذلك أن الشهادة يُتَوقّی فيها ويُحتاط، وترك المكالمة يُشعر بأن في باطنه عليه شيئاً، فمن أجل ذلك لم تُقبل شهادته عليه(٣). الحلف على الهجر هل يشمل المكاتبة والمراسلة ؟ : ٨ -لو حلف مسلم أن يهجر مسلماً فهل يحنث لو كاتبه أو راسله ؟ قال النووي: في الجدید لا يحنث حملاً للكلام على الحقيقة، وفي القديم يحنث حملًا للكلام على الحقيقة والمجاز. ولو كاتبه أو راسله بالإيذاء والإيحاش لا يحنث بذلك إذا كان قد حلف على المهاجرة(٤). أثر المراسلة والكتابة للغائب في زوال الهجر: ٩ -اختلف الفقهاء في كون المراسلة (١) فتح الباري ٤٩٦/١٠، والأبيّ على صحيح مسلم ١٦/٧ . (٢) المنتقى ٢١٥/٧ . (٣) انظر فتح الباري ٤٩٦/١٠ . (٤) روضة الطالبين ٦٤/١١، ومغني المحتاج ٣٤٥/٤ . والكتابة للغائب مزيلة للهجر على قولين: أحدهما: أن الهجر المحرّم لا يزول بغير مشافهة. وهو قول الشافعي في رواية البيهقي وظاهر كلام الحنابلة (١). والثاني: أنه يزول بالكتابة والمراسلة للغائب، لزوال الوحشة بذلك، وهو الوجه الأصح في مذهب الشافعية(٢)، قال ابن مفلح: ويتوجه على قول من جعل من أصحابنا الكتابة والمراسلة كلاماً أن يزول الهجر المحرم بها. ثم قال: وجدت ابن عقيل ذكره(٣) . قال السفاريني الحنبلي: وظاهر كلام الإمام أحمد أنه يزول. قال ابن رزين في مختصره فيما لو حلف أن لا يكلمه، فكتب أو أرسل إلیه. نصَّ أحمد على أنه ينظر إلى سبب یمینه، فإن كانت نيّته أو سبب يمينه يقتضي هجرانه وتَرْك صلته حنِثَ. فدلّ هذا على أنّ الكتابة والمراسلة كلام(٤). (١) الآداب الشرعية ٢٥٤/١، وغذاء الألباب ٢٧٤/١. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١١٧/١٦ وما بعدها . (٣) الآداب الشرعية ٢٨٩/١، وغذاء الألباب ٢٧٤/١ وما بعدها. (٤) غذاء الألباب ١/ ٢٧٥ . - ١٦٨ - هجر ١٠ - ١٢ وقال النووي: فلو كاتبه أو راسله، فهل يزول الإثم ؟ نظر إن كانت مواصلتهما قبل الهجران بالمكاتبة أو المراسلة، ارتفع الإثم، وإلّا فإن تعذر الكلام لغيبة أحدهما، فكذلك، وإلا، فوجهان بناء على القولين الجديد والقديم، حتى لو حلف أن يهاجره، فهل يحنث بالمكاتبة والمراسلة ؟ فيه هذا الخلاف. وأطلق ابن أبي هريرة أنه يرتفع الإثم بالمكاتبة والمراسلة، ثم لا يخفى أن المكاتبة إنما ترفع الإثم إذا خلت عن الإيذاء والإيحاش، وإلا فهو كما لو كلمه بالشتم والإيذاء، فإنه لا تزول به المهاجرة، بل هو زيادة وحشة، وتأكيد للمهاجرة، ولا يحنث بمثل هذه المكاتبة إذا حلف على المهاجرة(١). الصلاة خلف أحد المتهاجرين: ١٠ -جاء في مواهب الجليل: سئل أبو محمد عن الصلاة خلف أحد المتهاجرین، فأجاب: إن كان تهاجرهما لأمر دنيوي فالصلاة خلف غيرهما أحب إليّ، ولا إعادة على من صلى خلف أحدهما(٢). (١) الروضة ١١/ ٦٤ . (٢) مواهب الجليل بشرح مختصر خليل (دار الفكر - بيروت) ٩٥/٢. الهجر بخبر الواحد عما يوجب الهجر: ١١- قال العلماء: لا يجوز الهجر بخبر الواحد عما يوجب الهجر لما روي عن النبي مَ له: ((أنه كان لا يأخذ بالقَرف ولا يقبل قول أحد على أحد))(١)، قال المناوي: وقوفاً مع العدل لأن ما يترتب عليه موقوف على ثبوته عنده بطريقه المعتبر، وقال ابن عبدالبر: قال معاذ بن جبل رَّ: ((إذا كان لك أخ في الله تعالی فلا تماره ولا تسمع فیه من أحد فربما قال لك ما ليس فيه فحال بينك وبينه))(٢). زوال الهجر بالسلام: ١٢ -اختلف الفقهاء في كون الهجر يزول بالسلام على قولين: أحدهما: لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعي ومالك ورواية عن أحمد، وهو أنّ السلام يقطع الهجرة ويرفع إثمها ويزيله(٣). (١) حديث: ((كان لا يأخذ بالقرف ... )). أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٠/٦ ط السعادة) من حديث أنس بن مالك، وقال: ((غریب))، وضعفه السيوطي في الجامع الصغير (١٨/٥ - بشرحه الفيض - ط المكتبة التجارية)، والقرف - بفتح القاف وسكون الراء - التهمة. (٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير ١٨١/٥ والأداب الشرعية ١/ ٢٤٠ وما بعدها. (٣) عمدة القاري ١٧٩/١٨، ومرقاة المفاتيح = - ١٦٩ - هجر ١٣ ودليلهم قوله ◌َلي في حديث أبي أيوب الأنصاري: ((وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام»(١). وقالوا: فلولا أنّ السلام يقطع الهجرة لما كان أفضلها الذي يبدأ بالسلام(٢). والثاني: لأحمد وابن القاسم من أصحاب مالك، وهو أنّ تَزْك الكلام إن كان يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام(٣). قال أبو يعلى: ظاهر كلام أحمد أنه لا يخرج عن الهجرة بمجرد السلام، بل حتى يعود إلى حاله مع المهجور قبل الهجرة، ثم قال: وإنما لم يجعله أحمد خارجاً عن الهجرة بمجرد السلام حتى يعود إلى عادته معه في الاجتماع والمؤانسة؛ لأن الهجرة لا تزول إلّا بعودته إلى عادته معه(٤). = ٤ /٧١٧ والنووي على مسلم ١١٧/١٦، والمنتقى ٢١٥/٧، والأبي على مسلم ١٦/٧، وفتح الباري ٤٩٦/١٠، وغذاء الألباب للسفاريني ٢٧٤/١، والآداب الشرعية ٢٤٤/١. (١) حديث: ((وخيرهما ... )). سبق تخريجه ف ٦ . (٢) النووي على مسلم ١١٧/١٦، والمنتقى ٢١٥/٧ . (٣) الأبي على مسلم ١٦/٧، وفتح الباري ٤٩٦/١٠، والنووي على مسلم ١١٧/١٦، وعمدة القاري ١٧٩/١٨ . (٤) الآداب الشرعية ٢٥٤/١، وغذاء الألباب للسفاريني ٢٧٤/١ . وقال ابن القاسم في المزنيّة في الذي يُسلّم على أخيه ولا یکلمه بغير ذلك، بل يجتنب كلامه: إذا کان - أي اجتناب مكالمته - غیر مؤذٍ له، فقد برئ من الشحناء، وإن كان مؤذياً له، فلا يبرأ منها(١) . ووجه هذا القول: أنه إذا کان لا يؤذيه ترك مكالمته، فإنه يبرأ من الهجرة لأنه أتى من المواصلة بما لا أذی فیه، وإن کان یؤذيه، فلا يبرأ من المهاجرة، لأنّ الأذى أشدّ من المهاجرة(٢). فضل البدء بالسلام بعد الهجر: ١٣ - تجدر الإشارة إلى أنه إذا ابتدأ أحدُ المتهاجِرَين صاحبه بالسلام فلم يردَّ الآخر، فإن إثم الهَجْر يسقط عن ملقي السلام، ويبوءُ الممتنع عن رده بالإثم، ويصير بذلك فاسقاً، ويحلُّ هجرانه(٣). يشهد لذلك ما ورد عن أبي هريرة رَّم عن النبيِ وَلّ قال: ((لا يحلُّ لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث، فإن مرّت به ثلاث، فَلْيَلْقَه، فلْيُسَلُّم عليه، فإنْ ردّ عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإنْ لم يردّ عليه (١) المنتقى للباجي ٢١٥/٧. (٢) المنتقى ٢١٥/٧ . (٣) مرقاة المفاتيح ٧١٧/٤ . - ١٧٠ - هجر ١٤ - ١٦ فقد باءَ بالإثم))(١). . وقال بعض الفقهاء: يجب هجرُهُ لعدم ردّ السلام، لأنه فاسق، ولا خير فيه أصلًا(٢) وذلك تأديباً. هذا، وقد نبّه المصطفى عليه الصلاة والسلام في حديث أبي أيوب الأنصاري الآنف الذكر إلى أنّ خيرَ المتهاجِرَین مَنْ يبدأ صاحبه بالسلام، أي أفضلهما وأكثرهما ثواباً. قال الباجي: لأنه الذي بدأ بالمواصلة المأمور بها، وتَرْك المهاجرة المنهي عنها، مع أنّ الابتداء بها أشدّ من المساعدة عليها(٣). وقيل: لدلالة فِعْلِهِ على أنه أقرب للتواضع وأنسب إلى الصفاء وحُسْن الخلق، ولإشعاره بأنه معترف بالتقصير، ولإيمائه إلى حفظ العهد والحرص على المودة القديمة (٤). ثالثاً: هجر غير المسلم: ١٤ -أما هجر المسلم لغير المسلم، (١) حديث: ((لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمناً ... )). أخرجه أبو داود (٢١٤/٥ - ٢١٥ ط حمص) وصحح إسناده ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٩٥ ط السلفية). (٢) مرقاة المفاتيح ٤/ ٧١٧ . (٣) المنتقى شرح الموطأ ٢١٥/٧ . (٤) مرقاة المفاتيح ٤/ ٧١٧ . فيجوز أن يكون فوق ثلاث، لأنّ المراد بالأخوّة في الحديث أخوّة الإسلام، فمن لم يكن كذلك جاز هجرُه فوق ثلاث(١). قال الطيبي: وتخصيصه بالذكر إشعار بالعلّية، والمراد به أخوّة الإسلام، ويُفهَم منه أنه إذا خالف هذه الشريطة وقطع هذه الرابطة جاز هجره فوق ثلاث(٢) رابعاً: تأديب الزوجة لنشوزها بالهجر: ١٥ -للزوج تأديب زوجته إذا نشزت بأمور منها هجرها في المضجع، لقول الله تعالى: ﴿﴿وَِّ تَخَافُونَ نُوزَهُنَ فَعِظُوهُربَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى اُلْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٍّ﴾(٣). والتفصيل في مصطلح (نشوز ف ١٥) . ما ينقضي به جواز هجر الزوجة: ١٦ -ذهب الفقهاء إلى أن هجر الزوج لزوجته الناشزة ينقضي جوازه بانقضاء نشوزها ورجوعها عنه وعودتها إلى طاعة الزوج فيما فرض الله تعالى عليها طاعته فيه، لأنها بذلك تكون قد أقلعت عما استحقت به الهجر (١) الأبيّ على مسلم ١٦/٧، وفتح الباري ٤٩٦/١٠. (٢) مرقاة المفاتيح ٧١٦/٤ . (٣) سورة النساء / ٣٤ . - ١٧١ - ... هجر ١٧ واعتبرت به ناشزاً(١)، وذلك لقول الله عز وجل في آية النشوز: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ ثَبْغُواْ عَلَيْهِنَ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرً﴾(٢). خامساً: هجر المجاهرين بالمعاصي زجراً وتأديباً: ١٧ -ذهب الفقهاء إلى مشروعية هجر المجاهرين بالمعاصي والمنكرات أو البدع والأهواء، لحقّ اللَّه تعالى، على سبيل الزجر والتأديب(٣). قال البغوي: فأما هجران أهل العصيان والريب في الدين، فشُرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم وتظهر توبتهم (٤). وقال الإمام أحمد: إذا عُلِم أنه مقيم على معصية، وهو يعلم بذلك، لم يأثم إن جفاه حتى يرجع، وإلّا كيف يتبين للرجل ما هو عليه، إذا لم ير منكِراً ولا جفوة من صديق(٥) . (١) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢، وتفسير القرطبي ١٧٤/٥، والأم للشافعي (١١٢/٥ و١٩٤ دار المعرفة - بيروت ) ، وكشاف القناع ٢٠٩/٥، ومنار السبيل في شرح الدليل (دار الحكمة) ٢/ ٢٢٧ . (٢) سورة النساء / ٣٤ . (٣) الأبيّ على مسلم ١٦/٧، وعمدة القاري ١٨/ ١٨٦، والآداب الشرعية ٢٤٤/١، والفتاوى الكبرى لابن تيمية (ط الريان بمصر) ٤٣٥/٣. (٤) شرح السنة للبغوي ١٣/ ١٠١ . (٥) الآداب الشرعية ٢٢٩/١، وغذاء الألباب للسفاريني ٢٥٦/١ . وقال ابن رشد: لأن الحب في الله والبغض في اللَّه واجب، ولأن في ترك مؤاخاة البدعي حفظاً لدينه، إذْ قد يسمع من شُبَهِه ما يعلق بنفسه، وفي ترك مؤاخاة الفاسق ردع له عن فسوقه(١). وقال ابن عقيل: الصحابة ﴾ آثروا فراق نفوسهم لأجل مخالفتها للخالق سبحانه وتعالى، فهذا يقول: زنيتُ، فطهرني. ونحن لا نسخوا أن نقاطع أحداً فيه لمكان المخالفة!؟(٢). وهجران المجاهرين بالمعاصي على مرتبتين: الهجران بالقلب، والهجران باللسان. فهجران الكافر بالقلب، وبترك التودد والتعاون والتناصر، لا سيّما إذا كان حربياً. وإنما لم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، بخلاف العاصي المسلم، فإنه ينزجر بذلك غالباً. ويشترك كلٍّ من الكافر والعاصي في مشروعية مكالمته بالدعاء إلى الطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(٣). (١) المقدمات الممهدات لابن رشد (ط دار الغرب الإسلامي) ٤٤٦/٣ . (٢) الآداب الشرعية ٢٣٥/١. (٣) فتح الباري ١٠/ ٤٩٧. - ١٧٢ - هجر ١٨ ١٨ - وقد اختلفوا في الحكم التكليفي لذلك وما يُشترط له على ثمانية أقوال: أحدها: يُسنّ هجر من جهر بالمعاصي الفعلية أو القولية أو الاعتقادية. قاله ابن مفلح من الحنابلة(١) . والثاني: يجب هجره مطلقاً، فلا يكلّم ولا يسلّم عليه، وهو ظاهر ما نُقل عن الإمام أحمد، وبه قطع ابن عقيل في معتقده، وقال: ليكون ذلك كسراً له واستصلاحاً . · والثالث: يجب هجره مطلقاً إلا من السلام بعد ثلاثة أيام. والرابع: يجب هجره إن ارتدع بذلك، وإلا كان مستحباً(٢). والخامس: يجب هجر مَن كفر أو فسق ببدعة أو دعا إلى بدعة مضلّة أو مفسّقة على مَن عجز عن الردّ عليه أو خاف الاغترار به والتأذي دون غيره. أما من قدر على الرد أو كان ممن يحتاج إلى مخالطتهم لنفع المسلمين وقضاء حوائجهم ونحو ذلك من المصالح فلا يجب عليه الهجر، لأن من يرد عليهم (١) الآداب الشرعية ٢٢٩/١. (٢) الآداب الشرعية ٢٢٩/١، ٢٣٧، وغذاء الألباب للسفاريني ٢٥٩/١، ٢٦٨ . ويناظرهم يحتاج إلى مشافهتهم ومخالطتهم لأجل ذلك. وكذا من كان في معناه دون غيره. وهو رواية عن الإمام أحمد(١). والسادس: أن هجران ذي البدعة المحرمة أو المتجاهر بالكبائر واجب بشرطين: أحدهما: أن لا يقدر على عقوبته الشرعية - كالحدّ وبقية أنواع التعزير في كل شيء بما يليق به - إذا كان لا يتركها إلا بالعقوبة. بحيث إذا قدر على عقوبته بالوجه الشرعي لزمَه. وليس ذلك إلا لمن بسطت يده في الأرض. هذا إذا لم يخف منه. أما إذا خاف منه إذا ترك مخالطته فعليه أن يداريه. والمداراة هي أن يظهر خلاف ما يضمر الاكتفاء الشر وحفظ الوقت، بخلاف المداهنة التي معها إظهار ذلك لطلب الحظ والنصيب من الدنيا . والثاني: أن لا يقدر على موعظته، لشدة تجبُّره، أو يقدر عليها لكنه لا يقبلها، لعدم عقل ونحوه. أما لو كان يتمكن من زجره عن مخالطة الكبائر بعقوبته بيده - إن كان حاكماً أو في ولايته أو برفعه للحاكم - أو بمجرد وعظه، (١) الآداب الشرعية ٢٣٧/١، وغذاء الألباب ٢٦٩/١. - ١٧٣ - هجر ١٨ لوجب عليه زجره وإبعاده عن فعل الكبائر، ولا يجوز له تركه بهجره . وهو قول المالكية(١) . والسابع: أن هجران أهل البدع كافرهم وفاسقهم والمتظاهرين بالمعاصي وترك السلام عليهم فرض كفاية، ومكروه لسائر الناس. وهو قول ابن تميم من الحنابلة(٢) . والثامن: أن الرجل إذا أظهر المنكرات وجب الإنكار عليه علانية، ولم يبق له غيبة، ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره، فلا يسلّم عليه ولا يُرَدّ عليه السلام، إذا كان الفاعل لذلك متمكناً من ذلك من غير مفسدة راجحة، فإن أظهر التوبة أُظهِر له الخير. وهو قول تقي الدين ابن تيمية(٣) وقال: الهجر الشرعي نوعان: أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات. والثانى: بمعنى العقوبة عليها. وهو الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يُظهر المنكرات، (١) كفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٣٩٥/٢، ٣٩٦. (٢) الآداب الشرعية ٢٢٩/١، ٢٣٧، وغذاء الألباب ٢٥٩/١، ٢٦٩ . (٣) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (ط دار الريان بالقاهرة) ٤٣٥/٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢١٧/٢٨، ٢١٨ . يُهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي تَل آل والمسلمون الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى أنزل الله توبتهم(١)، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعيّن عليهم بغير عذر، ولم يهجر مَن أظهر الخير وإن كان منافقاً، فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير(٢). وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلّتهم وكثرتهم، فإنّ المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحیث یُفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل یزید الشر، والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يُشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف. ولهذا كان النبي وسل* يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لمّا كان أولئك كانوا (١) حديث ((هجر النبي والقر والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا ... )) سبق تخريجه ف ٦ . (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠٣/٢٨ . - ١٧٤ - هجر ١٩ سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم. وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أنّ المشروعَ في العدو: القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة. كلّ ذلك بحسب الأحوال والمصالح(١). هجر المستتر بالمعصية : ١٩ - أما المستترون من أهل الفسق والمعصية وغير المجاهرين بما هم عليه من أهل الأهواء والبدع، فقد اختلف الفقهاء في حكم هجرهم على ثلاثة أقوال: أحدها: يجب هجرهم، ليكفّوا عنها. قال ابن حجر معلّقاً على ترجمة البخاري - باب ما يجوز من الهجران لمن عصى - فتبين هنا السبب المسوِّغ للهجر، هو لمن صدرت منه معصية، فيسوغ لمن اطلع عليها منه هجره عليها ليكف عنها(٢) . وقال أبو الحسين الفرّاء الحنبلي: لا تختلف الرواية - أي عن أحمد - في وجوب (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٢٠٤ - ٢٠٦، وانظرها ٢١٦/٢٨ أيضاً. (٢) فتح الباري ١٠/ ٤٩٧ . هجر أهل البدع وفسّاق الملة، وظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين المجاهر وغيره في المبتدع والفاسق. قال: ولا فرق في ذلك بين ذي الرحم والأجنبي إذا كان الحق لله تعالى. فأما إذا كان الحق لآدمي كالقذف والسبّ والغيبة وأخذ ماله غصباً ونحو ذلك، نظر: فإن كان الهاجر والفاعل لذلك من أقاربه وأرحامه، لم تجز هجرته. وإن كان غيره، فهل تجوز هجرته أم لا؟ علی روایتین(١). والقول الثاني: لا يهجرون. حكاه القاضي أبو يعلى عن ظاهر كلام للإمام أحمد بن حنبل(٢). والثالث: أنّ فاعل المنكر إن كان مستتراً بذلك وليس معلناً له أنكر عليه سراً وسُتِرِ عليه كما قال النبي ◌َّلته: ((من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة))(٣)، إلّا أن يتعدى ضرره، والمتعدي لا بدَّ من كفّ عدوانه. وإذا نهاه (١) الآداب الشرعية ٢٣٨/١، وغذاء الألباب ٢٥٩/١. (٢) الآداب الشرعية ٢٣٣/١، وغذاء الألباب ٢٦٠/١. (٣) حديث: ((من ستر مسلماً ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٩٧ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٩٩٦ ط الحلبي) من حديث عبد الله ابن عمر، وأخرجه مسلم (٢٠٧٤/٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((ستره الله في الدنيا والآخرة)). - ١٧٥ - هجر ٢٠ المرء سرّاً فلم ينته، فعل ما ینکفُ به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في الدين. وهو قول تقي الدين ابن تيمية (١) . هجر مكان المعصية : ٢٠- قال العلماء: مجالسة أهل المنكر لا تحل، وقال ابن خويزمنداد: من خاض في آيات الله ترکت مجالسته وهجر، مؤمناً كان أو كافراً، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِىِ حَدِيثٍ غَيْرِّ وَإِمَّا يُنسِيَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَِّينَ﴾(٢) ولقوله تعالى: ﴿وَقَّدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفِّرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِوَّةٍ إِنَّكُمْ إِذَّا مِثْلُهُمَّ﴾(٣) . قال القرطبي: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر. وقال الجصاص: وفي هذه الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر على فاعله، وأن من (١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (ط الريان) ٣/ ٤٣٤، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢١٧/٢٨ . (٢) سورة الأنعام / ٦٨ . (٣) سورة النساء / ١٤٠ . إنكاره إظهار الكراهية إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها(١). (١) تفسير القرطبي ٤١٧/٥-٤١٨، ١٣/٧، وأحكام القرآن للجصاص ٣٥٣/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٢٦٠، ودليل الفالحين ٩٨/١ط الحلبي. - ١٧٦ - هجرة ١ - ٤ هجرة التعريف : ١ - الهجرة لغة: مفارقة بلد إلى غيره، وهي اسم من هاجر مهاجرة. وفي الاصطلاح: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام. فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية(١). الألفاظ ذات الصلة : أ - دار الإسلام: ٠ ٢ - دار الإسلام: هي كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة (ر: دار الإسلام ف١). والصلة بين الهجرة ودار الإسلام أنها الدار التي يهاجر إليها المسلم قربة لله تعالى. ب - دار الحرب: : ٣ - دار الحرب: هي كل بقعة تكون (١) المصباح المنير، والقاموس المحيط، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص٣١٣، وبصائر ذوي التمييز ٣٠٥/٥، والتعريفات للجرجاني، ومفردات الراغب، والمطلع ص ٩٨، وفتح المعين لابن حجر الهيتمي ص٥٢ . أحكام الكفر فيها ظاهرة (ر: دار الحرب ف١). والصلة بين الهجرة وبين دار الحرب أنها الدار التي يهاجر منها المسلم إلى دار الإسلام قربة إلى الله تعالى. أقسام الهجرة: ٤ - قسمت الهجرة إلى أنواع، ومن ذلك ما ذكره ابن دقيق العيد وهو أن اسم الهجرة يقع على أمور: أ - الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة رضوان الله عليهم. ب - الهجرة الثانية من مكة إلى المدينة. ج - الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى النبي وَليه لتعلُّم الشرائع، ثم يرجعون إلى المواطن ویعلّمون قومهم. د - الهجرة الرابعة: هجرة مَنْ أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي وَ لقر ثم يرجع إلى مکة . هـ - الهجرة الخامسة: هجر ما نهى اللَّه عنه(١). (١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ١١/١ . - ١٧٧ - هجرة ٥ وقد ذكر ابن القيم أن الهجرة هجرتان: الأولی: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة . الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهي هجرة تتضمن (مِنْ) و (إلى)، فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتو کل علیه إلی خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له(١). ثم تعرَّض لحال العبد المؤمن المهاجر إلى ربه فقال: وله في كل وقت هجرتان: هجرة إلى اللَّه بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق الملجأ والافتقار في كل نَفَس إليه. وهجرة إلى رسوله وَّر في حركاته، وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تکون موافقةً لشرعه الذي هو تفصيلُ محابٍ اللَّه ومرضاته، ولا يَقبَلُ اللَّهُ من أحد ديناً سواه، وكلُّ عملٍ سواه، فعيشُ النَّفْس وحظُّها لا زاد المعاد (٢). (١) الرسالة التبوكية لابن القيم ص٢٤، ٢٥ . (٢) طريق الهجرتين لابن القيم ص٧ . الأحكام المتعلقة بالهجرة: تتعلق بالهجرة أحكام منها: هجرة النبي وقيم أساس التاريخ الهجري: ٥ - التاريخ الهجري: هو تعريف الوقت بإسناده إلى أول العام الذي هاجر فيه النبي وَله إلى المدينة المنورة. جاء في ((العقود الدرية)): سبب وضع التاريخ أول الإسلام أن عمر بن الخطاب رڅ أُتي بصكُ مكتوبٍ إلی شعبان، فقال: أهو شعبان الماضي أم شعبان القابل؟ ثم أمر بوضع التاريخ، واتفقت الصحابة . على ابتداء التاريخ من هجرة النبي ◌ِّل إلى المدينة، وجعلوا أول السنة المُحرّم(١). وروى ابن عساكر عن الشعبي قال: كتب أبو موسى إلى عمر أنه تأتينا من قبلك كتب ليس لها تأريخ، فأرّخ. فاستشار عمر في ذلك، فقال بعض الصحابة: أرّخ بمبعث النبي د. وقال بعضهم: بوفاته. فقال عمر: لا، بل نؤرخ بمهاجره، فإنّ مهاجره فرّق بین الحق والباطل، فأُرّخ به(٢) . (١) العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين ٢/ ٣٣٥ ط بولاق. (٢) الشماريخ في علم التاريخ للسيوطي ص ٢٣. - ١٧٨ - هجرة ٦ - ٧ الهجرة قبل فتح مكة : تتضمن الهجرة قبل فتح مكة مرحلتين: مرحلة الإذن بالهجرة، ومرحلة فرض الهجرة: أ - الإذن للمسلمين بالهجرة: ٦- قال الإمام الشافعي: كان المسلمون مستضعفين بمكة زماناً، لم يؤذن لهم فيه بالهجرة منها، ثم أَذِن اللَّه عز وجل لهم بالهجرة، وجعل لهم مخرجاً. فيقال نزلت: ﴿وَمَّنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْكًا﴾(١) فأعلمهم رسول اللَّه و﴿ أَنْ قد جعل الله لهم بالهجرة مخرجاً. وقال تعالى: ﴿وَمِّنْ يُهَاِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَدْ فِ اَلْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَّةً﴾(٢). وأمرهم ببلاد الحبشة، فهاجرت إليها منهم طائفة، ثم دخل أهل المدينة بالإسلام، فأمر رسول الله وَي* طائفة فهاجرت إليهم، غير مُحَرِّم على مَنْ بقي ترك الهجرة إليهم(٣). فكانت الهجرة في أول الإسلام مندوباً إليها غير مفروضة. ثم أذِنَ الله تبارك وتعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة، ولم يُحرّم في هذا على مَنْ بقي بمكة المقامَ بها، وهي دار شرك، وإن قَلُّوا بأن يُفتنوا، ولم يأذن لهم بجهاد. (١) سورة الطلاق / ٢ . (٢) سورة النساء / ١٠٠. (٣) الأم ٤/ ٨٣، ٨٤ ط بولاق. ثم أذن اللَّه عز وجل لهم بالجهاد، ثم فرض بعد هذا عليهم أن يهاجروا من دار الشرك(١). ب - فرض الهجرة: ٧ - لمّا فرض الله عز وجل الجهاد على رسوله ول، وجاهد الرسول وقلله المشركين بعد إِذ كان أباحه، وأثخن رسول اللَّه وَل ﴾ في أهل مكة، ورأوا كثرة من دخل في دين الله عز وجل اشتدوا على مَنْ أسلم منهم، ففتنوهم عن دينهم أو مَنْ فتنوا منهم، فعَذَرَ اللَّهُ مَنْ لم يقدر على الهجرة من المفتونين فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيْنٌّ ◌ِاَلْإِيمَانِ﴾(٢)، وبعث إليهم رسول اللَّه وَلي أنّ اللَّه عز وجل جَعَلَ لکم مخرجاً، وفرض علی مَنْ قدر على الهجرة الخروجَ إذا كان ممن يُفْتَن عن دينه ولا (٣) يمتنع(٣). وقال البغوي(٤): فلما هاجر النبي ◌َّو إلى المدينة، أُمِروا بالهجرة والانتقال إلى حضرته، (١) الأم ٤/ ٨٤ . (٢) سورة النحل / ١٠٦ . (٣) الأم ٨٤/٤، وانظر معالم السنن للخطابي (بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٥٢/٣)، وأحكام القرآن للشافعي ١٦/٢ . (٤) شرح السنة للبغوي ١٠/ ٣٧٢. - ١٧٩ - هجرة ٨ ليكونوا معه ویتظاهروا إن حَزَبھُم أمر، وليتعلموا منه أمر دينهم، وقطع اللَّه الولاية بين من هاجر من المسلمین وبین من لم یهاجر، كما قال جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاُِواْ﴾(١). وقد أكّد هذا المعنى أبو الوليد ابن رشد حيث قال: فكانت الهجرة إلى النبي ◌َ ﴾ قبل فتح مكة على مَنْ أسلم من أهلها واجبة مؤبدة، افترض اللَّه عليهم فيها البقاء مع رسوله ﴾ حیث استقرّ، والتحولَ معه حیث تحوّل، لنصرته ومؤازرته وصحبته، وليحفظوا عنه ما یشرعُهُ لأمته، ویبلّغوا ذلك عنه إليهم، ولم يرخّص لأحد منهم في الرجوع إلى وطنه وترك رسول اللَّه وَ﴾، ألا ترى أنّ رسول الله مَّي﴿ قال في حجة الوداع: «لا يقيمنَّ مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث»(٢)، خصَّ اللَّه بهذا مَنْ آمن من أهل مكة بالنبي ◌َّر وهاجر إليه، ليتَّ له بالهجرة إليه والمقام معه وترك العودة إلى الوطن الغاية من الفضل الذي سبق لهم في سابق علمه، وهم الذين سمّاهم (١) سورة الأنفال / ٧٢ . (٢) حديث: ((لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء ... )). أخرجه مسلم (٩٨٥/٢ ط عيسى الحلبي) من حديث العلاء بن الحضرمي بلفظ : ((يقيم المهاجر بمکة بعد قضاء نسکه ثلاثاً». اللَّه بالمهاجرين، ومَدَحَهم بذلك، فلا ينطلق هذا الاسم على أحد سواهم(١) . بقاء الهجرة بعد فتح مكة: ٨ - رويت أحاديث ظاهرها التعارض في هذه المسألة : فبعض الأحاديث يدلُّ على أنَّ الهجرة انقطعت بفتح مكة، مثل ما ورد عن النبي وَل أنه قال: ((لا هجرة بعد الفتح، ولکن جهاد ونيّة))(٢). وما روي أيضاً ((أن عبيد بن عمير سأل عائشة تعطيها عن الهجرة؟ فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرّ أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله و لر مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر اللَّه الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية))(٣). وكذلك ما ورد عن مجاشع بن مسعود رَّه قال: انطلقتُ بأبي معبد إلى النبي ◌َّل ليبايعه على الهجرة، قال ◌َلهر: ((مضت الهجرة (١) المقدمات الممهدات لابن رشد ٢/ ١٥٢. (٢) حديث: ((لا هجرة بعد الفتح ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٣٧ ط السلفية)، من حديث عبد الله بن عباس. (٣) حديث: ((أن عبيد بن عمير سأل عائشة ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٢٦/٧ ط السلفية). - ١٨٠ -