النص المفهرس
صفحات 141-160
هبة ٣٥ فيها حكم الهبة قبل القبض والبيع بعده، فإذا وقعت الهبة بشرط العوض المعين فهي هبة ابتداء وبيع انتهاء. أما لو كان العوض مجهولًا بطل اشتراطه فيكون هبة ابتداء وانتهاءً، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة(١). ويرى المالكية أنه إذا كان الثواب غير معين ولم يحصل قبض فإن الهبة لا تلزم الواهب، أما إذا قبض الموهوب له الهبة فإنها تكون لازمة بالنسبة للواهب، أما الموهوب له فإنها لا تلزم في حقه، ولذلك له أن يردها بعینھا، فإن فاتت عنده بزيادة أو نقص وجب عليه دفع القيمة (٢) تكييف الهبة بشرط العوض : ٣٥ - اختلف الفقهاء في التكييف الفقهي للهبة بشرط العوض على أقوال: : القول الأول: ذهب المالكية والشافعية في الصحيح وهو المذهب عند الحنابلة وزفر من الحنفية إلى أن الهبة بشرط العوض بيع ابتداءً وانتهاءً وتثبت فيها أحكام البيع، فلا يبطل (١) الاختيار ٥٣/٣، والدر المختار ٥١٩/٢، وتكملة فتح القدير ٩/ ٥٠ . (٢) الخرشي ٧/ ١١٧، وحاشية الدسوقي ١١٤/٤. بالشيوع، ويفيد الملك بنفسه من غير شرط القبض، ولا يملكان الرجوع عن التصرف. وحجة هذا القول عند زفر: أن معنى البيع موجود في هذا العقد لأن البيع تمليك العين بعوض وقد وجد، إلا أنه اختلفت العبارة، واختلافها لا يوجب اختلاف الحكم كحصول البيع بلفظ التمليك(١). القول الثاني: يرى أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد وهو قول عند كل من الشافعية والحنابلة: أن الهبة بشرط العوض عقد هبة ابتداءً بيع انتهاءً إذا حصل التقابض من الطرفين، قال الحنفية: وبناءً عليه فإنه قبل القبض من الطرفين لا يجوز هبة المشاع الذي ينقسم ولا يثبت الملك في کل واحد منهما، ولكل واحد منهما أن يرجع ما لم يتقابضا، وكذلك لو قبض أحدهما ولم يقبض الآخر فإن لكل منهما أن يرجع؛ القابض وغير القابض فيه سواء حتى يتقابضا جميعاً. (١) الخرشي ١١٧/٧، والحطاب ٦٦/٦ -٦٧، وحاشية الدسوقي ١١٤/٤، والقوانين الفقهية ص٣١٥، وبداية المجتهد ٢٤٨/٢، والزرقاني ١٠٧/٧، والمهذب ٤٤٧/١، ومغني المحتاج ٤٠٤/٢، والمغني مع الشرح الكبير ٢٩٩/٦، والإنصاف ١١٦/٧، المبسوط ٧٥/١٢، وتكملة فتح القدير ٧/ ١٣٣، والبدائع ٣٢/٦ . a - ١٤١ - هبة ٣٦ أما إذا تقابضا فان الهبة بعوض تكون بمنزلة البيع، فلكل منهما أن يرد بالعيب وعدم الرؤية، ويرجع في حالة الاستحقاق وتجب الشفعة إذا كان غير منقول وهذه كلها أحكام بيع. لكن ابن نجيم يذكر أنه: لو أكره على الهبة بشرط العوض كان بيعاً ابتداءً وانتهاءً(١). وحجتهم فیما ذهبوا إليه أنه قد وجد في هذا العقد لفظ الهبة ومعنى البيع فيعمل بالشبهين قدر الإمكان، فيعتبر فيه القبض والحيازة عملًا بشبه الهبة، ويثبت فيه حق الرد بالعيب وعدم الرؤية وحق الشفعة عملا بشبه البيع(٢). القول الثالث: نقل أبو الخطاب عن الإمام أحمد أن الهبة بشرط العوض يغلب فيها حكم الهبة. فلا تثبت فيها أحكام البيع الخاصة. وانتصر الحارثي لهذا القول وقال: وهو الصحيح، وفسر القاضي هذا الرأي قائلًا: الهبة بشرط العوض ليست بيعاً وإنما الهبة تارة تکون تبرعاً، وتارة تکون بعوض، وكذلك (١) البحر الرائق ٣٢٢/٧، والإنصاف ١١٦/٧، ومغني المحتاج ٤٠٥/٢ . (٢) المبسوط ٧٥/١٢، وبدائع الصنائع ٣٢/٦، وتكملة فتح القدير ٧/ ١٣٣، وحاشية ابن عابدين ٥٣٩/٤ . العتق، ولا يخرجان عن موضوعهما(١). لزوم العوض بدون اشتراط : ٣٦ - اختلف الفقهاء في وجوب العوض : عن الهبة المجردة عن ذكر العوض على أقوال : القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية وهو المذهب عند الحنابلة إلی عدم وجوب العوض وإن كانت دلالة الحال تفيده. فإذا أعطاه عوضاً كان هبة مبتدأة إلا أن يقول الموهوب له: هذا عوض عن هبتك أو بدلها(٢). وقال الحنفية: ولو دفع الموهوب له عوضاً فإنه ليس ممنوعاً بل هو جائز إلا أنهم وضعوا شروطاً حین یدفع الموهوب له العوض وهذه الشروط هي: أولًا : تصریح الموهوب له بأن المدفوع من قبله إنما هو عوض لهبته نحو أن يقول له: هذا عوض عن هبتك أو بدل عنها أو مكانها. وذلك لأن العوض اسم لما يقابل المعوض فلا بد من لفظ يدل على المقابلة حتى لو وهب : (١) الإنصاف ١١٦/٧، والمغني مع الشرح الكبير ٦/ ٣٠٠ . (٢) بدائع الصنائع ١٣٠/٦، والإنصاف ١١٦/٧، ومغني المحتاج ٤٠٤/٢ - ٤٠٥، وحاشية البجيرمي ٢٢١/٣ . - ١٤٢ - هبة ٣٦ لآخر شيئاً وقبضه الموهوب له ثم إن الموهوب له وهب شيئاً للواهب ولم يقل: هذا عوض عن هبتك أي لم يصرح بقصد العوضیة فإنه لا یکون عوضاً، بل إنه يكون هبة مبتدأة، ویثبت لكل واحد منهما حق الرجوع . ثانياً: أن لا يكون العوض في العقد مملوكاً بذلك العقد ذاته، كما لو وهب الواهب شيئاً ثم وهبه الموهوب له للواهب عوضاً عن الهبة، فإن هذا لا يصح ولا يكون عوضاً أما لو عوضه الموهوب له ببعض الشيء الموهوب عن باقيه فإنه لا يخلو من: إما أن یکون الموهوب على حاله التي كان عليها وقت عقد الهبة أو لم يكن كذلك فإن كان على حاله التي كان عليها وقت الهبة فإنه لا يكون عوضاً، لأن التعويض ببعض الشيء الموهوب لا يكون مقصود الواهب في العادة، إذ لو كان ذلك مقصوده لأمسكه ولما وهبه، فلم يحصل مقصوده بتعويض بعض ما دخل تحت العقد فلا يبطل حق الرجوع. وإن کان الشيء الموهوب قد تغیر عن حاله تغيراً يمنع الرجوع فإن بعض الموهوب يكون عوضاً عن الباقي، لأنه بالتغير صار بمنزلة عين أخرى فصلح عوضاً. هذا إذا وهب الواهب شيئاً واحداً أو شيئين في عقد واحد. وأما إذا وهب شيئين في عقدين مختلفين، فعوض أحدهما عن الآخر فقد حصل الخلاف فیه : فقال أبو حنيفة ومحمد: يكون عوضاً عن الشيء الموهوب، لأن الشيء الموهوب وعوضه ملكا بعقدين مختلفين، فجاز جعل أحدهما عوضاً عن الآخر، وذلك لأنه يجوز أن يكون مقصود الواهب من هبته الثانية عود الهبة الأولى لأن الإنسان قد یھب شيئاً ثم يبدو له الرجوع فیه. وقال أبو يوسف: لا يكون عوضاً، لأن حق الرجوع ثابت في غير ما عوض، لأنه موهوب، وحق الرجوع في الهبة ثابت شرعاً - أي عند الحنفية - فإذا عوض يقع عن الحق المستحق شرعاً، فلا يقع موقع العوض، وهذا بخلاف ما إذا تغير الشيء الموهوب فجعل بعضه عوضاً عن الباقي فإنه يجوز ويقع موقع العوض لأن حق الرجوع بطل بالتغير فجاز إيقاعه عوضاً. ولو وهب له شيئاً وتصدق عليه بشيء، - ١٤٣ - هبة ٣٦ فعوضه الصدقة من الهبة كانت الصدقة عوضاً بالإجماع عند الحنفية على اختلاف الأصلين أصل أبي حنيفة ومحمد وصحته عوضاً ظاهر، وأصل أبي يوسف لأن الصدقة لا يجوز الرجوع فيها. ثالثاً: سلامة العوض للواهب: ويراد به أن لا يكون العوض مستحقاً فإن ظهر مستحقاً لم يكن عوضاً وله أن يرجع في الهبة، لأنه تبین أن التعويض لم يصح بعد ظهور استحقاقه. وعليه فإن للواهب الرجوع إذا كان الشيء الموهوب قائماً بعينه لم يهلك ولم يزدد خيراً ولم يحدث فيه ما يمنع الرجوع. فإن کان قد هلك أو استهلكه الموهوب له لم یضمنه . وإن استحق بعض العوض وبقي البعض، فإن الباقي يكون عوضاً عن كل الشيء الموهوب، وإن شاء رد ما بقي من العوض، ويرجع في كل الموهوب إن كان قائماً بيده ولم يحدث فيه ما يمنع الرجوع، وهذا عند أبي حنيفة وصاحبيه. وحجتهم: أن الباقي يصلح عوضاً عن كل الهبة، ألا ترى أنه لو لم يعوضه إلا به في الابتداء كان عوضاً مانعاً عن الرجوع فكذا في الانتهاء بل أولى لأن البقاء أسهل، إلا أن للواهب أن يرده ويرجع في الهبة لأن الموهوب له قد غزّه حيث عوضه لإسقاط الرجوع بشيء لم يسلم له فیثبت له الخيار. وقال زفر: يرجع في الهبة بقدر المستحق من العوض، لأن معنى المعاوضة ثبت من الجانبين جميعاً، فكما أن الثاني عوض عن الأول فكذا الأول يصير عوضاً عن الثاني. ثم لو استحق بعض الهبة الأولى كان للموهوب له الرجوع في بعض العوض فكذا إذا استحق بعض العوض كان للواهب أن يرجع في بعض الهبة تحقيقاً للمعاوضة (١). ونص الشافعية: على أنه إذا وهب الواهب لمن هو دونه فلا يجب العوض إذ لا تقتضيه لفظاً ولا عادةً، وألحق الماوردي بهذا: هبة الأهل والأقارب لأن القصد هو الصلة، وهبة العدو لأن القصد التآلف، وهبة الغني للفقير لأن المقصود نفعه، والهبة للعلماء والزهاد لأن القصد القربة والتبرك، وهبة المكلف لغير المكلف لعدم صحة الاعتياض عنه، والهبة للأصدقاء والإخوان لأن القصد تأكد المودة، والهبة لمن أعان بجاهه أو ماله لأن المقصود مكافأته. (١) المبسوط ٨٢،٧٦/١٢، والبدائع ٦/ ١٣٢. - ١٤٤ - هبة ٣٦ أما إن وهب الواهب لمن هو أعلى منه كهبة الغلام لأستاذه فلا عوض في الأظهر، ومقابل الأظهر يجب الثواب لاطراد العادة بذلك. وإن وهب لنظيره فلا عوض على المذهب المقطوع به، لأن القصد من مثله الصلة وتأكد الصداقة. وقيل: فيها القولان السابقان. : وحيث وجب العوض على مقابل الأظهر، فإنه يجب قيمة الموهوب أي قدره على الأصح، لأن العقد إذا اقتضى العوض ولم يسم فيه شيء تجب فيه القيمة والاعتبار بقيمة وقت القبض لا وقت العوض. ومقابل الأصح: يلزمه ما يعد عوضاً لمثله عادة، فإن لم يثبه هو ولا غيره، فللواهب الرجوع في الموهوب إن كان باقياً، وببدله إن تلف . ولو تنازع الواهب والموهوب له في وجود العوض فإن القول قول الموهوب له لأنهما اتفقا على أنه ملكه والأصل عدم ذكر البدل(١) . القول الثاني: يرى المالكية والحنابلة في قول وجوب العوض إذا دل العرف وحال (١) المهذب ٤٤٧/١، ومغني المحتاج ٤٠٤/٢- ٤٠٥، وحاشية البجيرمي ٢٢١/٣ . الواهب عليه(١). ويفرع المالكية على مذهبهم هذا: أنه لو تنازع الواهب والموهوب له في وجوب الثواب فإن القول قول الواهب إن شهد له العرف أو لم يشهد له ولا عليه. أما إن شهد العرف للموهوب له بأن كان مثل الواهب لا يطلب في هبته عوضاً فإن القول حينئذٍ قول الموهوب له، وفي طلب حلف الواهب مع تصديقه قولان. ومن تفريعات المالكية: أن الواهب إذا طلب العوض ولم تكن هبته مدفوعة للموهوب له فلا إلزام على الموهوب له في دفع العوض، أما إذا كانت مدفوعة، فدفع الموهوب له العوض فعلی الواهب قبوله ولیس بلازم على الموهوب له دفع العوض، لأن له أن يرد الهبة ويرفض الشيء الموهوب، اللّهم إلا أن يفوت الشيء الموهوب بيده بزيادة كما لو سمن الهزيل، أو بنقص كما لو هرم الكبير، فإنه يلزم الموهوب له حينئذٍ القيمة يوم قبض الهبة، وعلى الواهب قبول القيمة(٢). (١) بداية المجتهد ٢٤٨/٢، والخرشي ١١٨/٧، والإنصاف ١١٦/٧ . (٢) الخرشي ٧/ ١١٤ . - ١٤٥ - ٠٠ هبة ٣٧ ومن تفريعاتهم أيضاً: أنه يجوز للواهب حبس الهبة عنده حتى يقبض العوض المشترط أو ما يرضى به، ولو قبض الموهوب له الهبة قبل دفع العوض وقف: فإما يعوض أو يرد الهبة، ويتلوم لها تلوماً لا يضر بهما فيه(١). ولو مات الواهب بشرط العوض والشيء الموهوب بیدہ فإن الھبة نافذة کالبیع، وللموهوب له قبضها إن دفع العوض للورثة، وإن مات الموهوب له قبل أن يدفع العوض فإنه يثبت لورثته ما كان له من الحقوق(٢). والعوض يكفي أن يكون مما يعاوض به الناس في البيع وعلى الواهب قبوله وإن كان معيباً طالما أن في قيمته وفاء أو يكمله له. أما إذا کان العوض مما لم يعتد الناس التعاوض به كالحطب والتبن فإنه لا يلزم الواهب قبوله(٣). على أنه لا يصدق الواهب في طلب العوض على النقود المسكوكة أو السبائك أو الحلي المكسر إلا أن يشترط ذلك في العقد، فإذا اشترطه عوّض عروضاً أو طعاماً، ومثل الشرط: العرف والعادة (٤). (١) الخرشي ٧/ ١١٤ . (٢) المرجع السابق. (٣) الخرشي ٧/ ١٢٠. (٤) الخرشي ١١٨/٧ . ولو وهب أحد الزوجين شيئاً للآخر ثم طلب العوض على ذلك فإنه لا يصدق لأن العرف قاضٍ بنفي الثواب بينهما (١). القول الثالث: وهو قول عند الحنابلة أن الهبة المطلقة تقتضي عوضاً(٢). التكييف الفقهي للعوض المتأخر عن الهبة المطلقة : ٣٧ - صرح الفقهاء ( الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب) القائلون بأن الهبة المطلقة لا تقتضي عوضاً بأن التعويض المتأخر عن الهبة المطلقة هبة مبتدأة. فقد جاء في الفتاوى الهندية: التعويض المتأخر عن الهبة هبة مبتدأة بلا خلاف بين أصحابنا يصح بما تصح به الهبة ويبطل بما تبطل به الهبة لا يخالفها إلا في إسقاط الرجوع على معنى أنه يثبت حق الرجوع في الأولى ولا يثبت في الثانية، فأما فيما وراء ذلك فهو في حكم هبة مبتدأة. ولو وجد الموهوب له بالموهوب عيباً فاحشاً لم يكن له أن يرد ويرجع في العوض، وكذلك الواهب إذا وجد : بالعوض عيباً لم يكن له أن يرد العوض ويرجع (١) الخرشي ١١٨/٧ . (٢) الإنصاف ١١٦/٧ . - ١٤٦ - هبة ٣٨ - ٣٩ في الهبة فإذا قبض الواهب العوض فليس لكل واحد منهما أن يرجع على صاحبه فيما ملكه سواء عوضه الموهوب له أو أجنبي بأمر الموهوب له أو بغير أمره، ويشترط شرائط الهبة في العوض بعد الهبة من القبض والحيازة والإفراز، ولا يكون في معنى المعاوضة ابتداءً وانتهاءً فلا يثبت للشفيع الشفعة ولا للموهوب له الرد بالعيب. وقال المتولى من الشافعية: إذا لم يجب (العوض) فأعطاه المتهب ثواباً كان ذلك ابتداءً هبة، حتى لو وهب لابنه فأعطاه الابن ثواباً لا ينقطع حق الرجوع(١). ثبوت الملك للموهوب له : ٣٨ - إذا تمت الهبة صحيحة بشروطها المتقدمة فإن الملك يثبت للموهوب له في الشيء الموهوب(٢). والأصل أن الهبة تكون بلا عوض، وهكذا يثبت الملك فيها بلا عوض فإذا اشترط العوض فيها كانت على شرطها. (١) الفتاوى الهندية ٣٩٤/٤، وروضة الطالبين ٣٨٦/٥، والمغني مع الشرح الكبير ٢٩٩/٦ . (٢) البحر الرائق ٧/ ٣١٠، وانظر تعاريف الفقهاء في الهبة . وهذا الملك اشترط جمهور الفقهاء في ثبوته للموهوب له أن يقبض الشيء الموهوب واعتبروه شرطاً لصحة الهبة وتمامها. أما المالكية فقد قرروا ثبوت الملك بمجرد العقد (الإيجاب والقبول) وما القبض عندهم إلا أثراً من آثار العقد يلزم الواهب تنفيذه وذلك بتسهیل إقباض الموهوب له، وما على الموهوب له إلا أن يسرع في حيازة الشيء الموهوب ولا يفرط فيه. وقد نحا الحنابلة منحى المالكية في الهبة التي ليست من المكيلات والموزونات والمعدودات والمذروعات فقرروا ثبوت الملك فيها بمجرد العقد (١). الرجوع في الهبة : ٣٩ - اختلف الفقهاء في جواز رجوع الواهب في هبته بعد قبض الموهوب له الشيء الموهوب ولهم في ذلك أقوال: الأول: عدم جواز الرجوع إلا لأب فيما وهب ولده، وهذا مذهب المالكية والحنابلة في المذهب ومقابل المشهور عند الشافعية، (١) تكملة رد المحتار ٤٢٤/٨، ٤٧٠ ط الحلبي، وروضة الطالبين ٣٧٥/٥، والقواعد لابن رجب ص٧١، والشرح الكبير ١٠١/٤ . - ١٤٧ - هبة ٣٩ وفي المشهور عندهم يلحق سائر الأصول بالأب في جواز الرجوع. وألحق المالكية الأم بالأب بشرط أن يكون الابن غير يتيم، وظاهر كلام الخرقي أن الأم كالأب في الرجوع مطلقاً (١). وحجة هذا القول ما روي عن النبي وتلقى : ((لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا فيما يهب الوالد لولده))(٢)، فالحديث نص في عدم جواز رجوع غير الأب في هبته لولده. وقوله وَلير: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه))(٣) وفي رواية أخرى: ((ليس لنا مثل (١) الخرشي ٧/ ١١٤، والقوانين الفقهية ص٣١٥، وحاشية الدسوقي ١١٠/٤، وبداية المجتهد ٢٤٨/٢، والمهذب ٤٤٧/١، ومغني المحتاج ٤٠٢/٢، وحاشية البجيرمي ٢١٩/٣، وحاشية القليوبي وعميرة ٣١٣/٣، والمغني والشرح الكبير ٢٧٢/٦، والإنصاف ١٤٥/٧، والفروع ٤/ ٦٤٧ . (٢) حديث: ((لا يحل لواهب أن يرجع ... )). أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٧٩/٤ ط مطبعة الأنوار المحمدية)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٧٩/٦ - ١٨٠ ط دائرة المعارف) وقال: منقطع، وفي الباب موصلاً بلفظ آخر. (٣) حديث: «العائد في هبته کالعائد في قیئه)). أخرجه البخاري (٢٣٤/٥ ط السلفية)، ومسلم (٣/ ١٢٤١ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عباس السوء: العائد في هبته كالكلب يعود في قیته))(١). الثاني : يصح الرجوع للواهب في هبته بعد القبض إذا لم يمنع مانع من موانع الرجوع ولكنه يكره تنزيها، وهذا مذهب الحنفية(٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِِّثُمْ بِنَحِيَّةِ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾(٣) والتحية هنا تفسر بالهدية بقرينة قوله (أو ردوها) لأن الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأعراض، لأنه عبارة عن إعادة الشيء وهو غير متصور في الأعراض كالتحية. واستدلوا بقوله ◌َله: ((الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها))(٤) أي يعوض، فقد جعل النبي * الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض. (١) حديث: ((ليس لنا مثل السوء: العائد في هبته كالكلب ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٣٤/٥ - ٢٣٥ ط السلفية)، ومسلم (٣/ ١٢٤٠ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عباس تظفت . (٢) بدائع الصنائع ١٢٧/٦، وتكملة فتح القدير ٧/ ١٢٩، والبحر الرائق ٧/ ٢٩٠، ٣١٦، وحاشية ابن عابدين ٥٣٩/٤. (٣) سورة النساء/ ٨٦. (٤) حديث: ((الواهب أحق بهبته ... )). سبق تخريجه ف ٣٢ . - ١٤٨ - هبة ٤٠ وقال الكاساني: إن الرجوع في الهبة مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وأبي الدرداء وفضالة بن عبيد وغيرهم # أجمعين، ولم يرد خلافه عن غيرهم فكان إجماعاً. واستدلوا: بأن العوض المالي قد يكون مقصوداً من هبة الأجانب، فإن الإنسان قد يهب الأجنبي إحساناً إليه وإنعاماً عليه، وقد يهب له طمعاً في المكافأة والمجازاة عرفاً وعادة، فالموهوب لأجله مندوب إليه شرعاً، وقد لا يحصل ذلك المقصود من الأجنبي وفوات المقصود من عقد محتمل للفسخ يمنع لزومه كالبيع، لأنه يعدم الرضا والرضا في هذا الباب كما هو شرط للصحة فهو شرط للزوم كما في البيع إذا وجد المشتري في المبيع عيباً لم يلزمه العقد لعدم الرضا عند عدم حصول المقصود وهو السلامة فكذا هذا. واشترط الحنفية في صحة الرجوع للواهب التراضي أو التقاضي حتى لا يصح الرجوع بدون واحد منهما . · وحجتهم أن الرجوع فسخ العقد بعد تمامه، وفسخ العقد بعد تمامه لا يصح بدون القضاء أو الرضا. ولم يشترط الحنفية الإفراز في الشائع، لأن الشيوع لا يمنع من الرجوع في الهبة (١). الثالث عن أحمد: ليس للأب الرجوع في الهبة . الرابع عن أحمد: أن للأب الرجوع إن لم يتعلق به حق أو رغبة كتزويج وفلس أو ما يمنع تصرف المتهب مؤبداً أو مؤقتاً(٢). موانع الرجوع في الهبة: اختلف الفقهاء في موانع الرجوع في الهبة على التفصيل التالي: أولًا: موانع الرجوع عند الحنفية(٣): ٤٠ - منع الحنفية الرجوع في الهبة في الأحوال الآتية: أ - هلاك الشيء الموهوب أو استهلاكه: فإذا تلف الشيء الموهوب أو استهلكه الموهوب له فإنه يمتنع الرجوع، وذلك لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الشيء الهالك، كما أنه لا سبيل إلى الرجوع في قيمته، لأن قبض (١) البدائع ١٢٨/٦، وتكملة فتح القدير ١٣٥/٧. (٢) الإنصاف ١٤٥/٧ - ١٤٦، والمغني مع الشرح ٦/ ٢٧٠، والفروع ٤/ ٦٤٧ . (٣) بدائع الصنائع ١٢٧/٦، وتكملة فتح القدير ١٢٩/٧، والبحر الرائق ٣١٦/٧، ٢٩٤، وحاشية ابن عابدين ٥١٨/٤ . - ١٤٩ - هبة ٤٠ الموهوب له ليس قبضاً مضموناً، وقيمته ليست موهوبة لعدم ورود العقد عليها. وهذا في الهلاك الكلي. أما إذا كان الهلاك جزئياً فإنه لا يمنع الرجوع، لأن الرجوع حينئذ يكون رجوعاً في بعض الشيء الموهوب، والأصل أن للواهب أن يرجع في بعض الموهوب وهو قائم فكذلك إذا نقص. وليس على الموهوب له ضمان النقص لأن القبض في الهبة ليس قبض ضمان . ب - خروج الشيء الموهوب عن ملك الموهوب له بأي سبب كان كالبيع والهبة والموت ونحوها، وذلك لأن الملك يختلف بهذه الأمور، إذ أن ملك الشيء الموهوب سيكون للمشتري أو الموهوب له الثاني أو الوارث. ج - الزيادة المتصلة إذا حدثت في الشيء الموهوب سواء كانت بفعل الموهوب له أو بفعل غيره، وسواء كانت متولدة من الشيء أم ليست متولدة منه، نحو ما إذا كان الشيء الموهوب داراً فبنی الموهوب له زيادة فيها، أو كانت أرضاً فغرس فيها أشجاراً، أو ثوباً فصبغه صبغاً زاد في قيمته، أو طرأ سمن على الشيء الموهوب، ففي كل هذه الأحوال اختلط الموهوب بغيره فلا يصح الرجوع. أما الزيادة المنفصلة فإنها لا تمنح الرجوع، سواء كانت متولدة من الشيء الموهوب کاللبن والثمر، أو غير متولدة منه كالكسب والغلة، لأن هذه الزوائد لم يرد عليها العقد وكذلك لا يرد عليها الفسخ، كما أنه يمكن فسخ العقد دون الزيادة بخلاف الزيادة المتصلة . أما نقصان الشيء الموهوب فلا يمنع الرجوع لأنه ما دام للواهب حق الرجوع في كل الشيء الموهوب كان له الرجوع في بعضه مع بقائه، فکذا عند نقصانه. د - وجود العوض: إذا كانت الهبة بعوض وقبضه الواهب لم يجز له الرجوع، والحجة في ذلك: قوله وَ له: ((الواهب أحق بهبته ما لم یثب منها)»(١). كما أن التعويض دليل على أن مقصود الواهب هو الوصول إلى العوض، فإذا وصل إليه فقد حصل مقصوده فيمتنع الرجوع. ولا فرق بين أن يكون العوض قليلاً أو كثيراً. هـ - إذا كان في الهبة ما هو في معنى العوض: ويتحقق ذلك في الأحوال التالية: (١) حديث: ((الواهب أحق بهبته ... )). سبق تخريجه ف ٣٢ . - ١٥٠ - هبة ٤٠ - ٤١ - الهبة لصلة الرء. لا رجوع في الهبة لذي رحم محرم من الواهب. وحجتهم ما روي عن النبي وَلّ: ((الواهب أحق بهبتما لم يثب منها)) ومعناه أن للواهب أن يرجع ما لم يعوض، وصلة الرحم عوض معنى، لأن التواصل سبب للتناصر والتعاون في الدنيا وسبب للثواب في الآخرة. كم أن الشرع قد أمر بصلة الرحم، وأن عمر بن الخطاب ته قد منع الرجوع في مثل هذه الهبة . أما إذا كانت الهبة لذي رحم غير محرم فيجوز الرجوع لقصور معنى الصلة فلا يكون في معنى العوض. - الزوجية: لا يرجع أي من الزوجين فيما وهب لصاحبه، والعبرة بقيام الزوجية وقت الهبة، لأن صلة الزوجية تجري مجرى صلة القرابة الكاملة بدليل تعلق التوارد ، بها في جميع الأحوال. - الثواب أو الصدقة: إذا كانت الهبة إلى فقير فهي صدقة يطلب فيها ثواب الله وهو بمعنى العوض وليس كذلك الهبة للأغنياء(١). (١) حاشية ابن عابدين ٥١٨/٤، والبحر الرائق ٢٤٩/٧ . و - موت أحد المتعاقدين: فإذا مات أحدهما بعد التسليم يمتنع الرجوع لأنه بموت الموهوب له ينتقل الملك إلى الورثة كما إذا انتقل في حال حياته، وإذا مات الواهب فوارثه أجنبي عن العقد. ز - تغير الموهوب: بأن كان حنطة فطحنها، أو دقيقاً فخبزه، أو سويقاً فلته بسمن فيمتنع الرجوع(١). ثانياً: موانع الرجوع عند المالكية فيما أجازوا الرجوع فيه : ٤١ - يذهب المالكية إلى سقوط حق الأب أو الأم في اعتصار الهبة (أي الرجوع فيها) حين يهب لولده بوجود أحد الموانع الآتية: أ - أن يزيد الشيء الموهوب أو ينقص في ذاته كأن يكبر الصغير أو يسمن الهزيل أو يهزل السمين، أما إذا تغيرت قيمة الشيء الموهوب بسبب تغير الأسواق فإن ذلك لا يمنع الرجوع، لأن الهبة على حالها، وزيادة القيمة أو قصانها لا تعلق لها بالشيء الموهوب، كاحتلاف السعر من مكان إلى مكان. (١) البحر الرائق ٧/ ٢٩٢، والفتاوى الهندية ٣٨٦/٤. - ١٥١ - هبة ٤٢ - ٤٣ ب - أن يقصد الناس مداينة الولد أو تزويجه لأجل الهبة، لكونه أصبح بالهبة موسراً، فمن عقد زواج الذكر أو الأنثى لأجل يسرهما بالهبة أو أعطى أحدهما ديناً لأجل ذلك، أو اشتريا شيئاً في الذمة، فإنه لا يجوز للأب الرجوع في هبته. أما إذا كان الزواج والمداينة لأمر غير الهبة فإنه لا يمنع الرجوع. ج - أن یمرض الولد الموهوب له مرض الموت وذلك لتعلق حق ورثته بالهبة فيمتنع الرجوع، وكذلك الحكم إذا مرض الواهب ذلك المرض، فإن مرضه هذا يمنعه من الرجوع فیما وهب لولده، لأن رجوعه يكون لغيره، أي يموت فتكون الهبة التي رجع فيها لغير الولد كزوجة الأب مثلًا، أما إذا وهب الوالد ولده المتزوج أو المدين أو المريض أو كان الوالد مريضاً وقت الهبة فإنه لا يمنع الرجوع. د - أن تفوت الهبة عند الموهوب له بما يخرجها عن ملكه من بيع أو هبة أو نحوهما أو تفوت بصفة فيها مما يغيرها عن حالها كجعل الدنانير حلياً (١). (١) بداية المجتهد ٢٤٨/٢، والقوانين الفقهية ص٣١٥، والخرشي ٧/ ١١٤، وحاشية الدسوقي ١١٠/٤، ومنح الجليل ٤/ ١٠٤. ثالثاً: موانع الرجوع عند الشافعية فيما أجازوا الرجوع فيه: ٤٢ - يمنع الرجوع للأب وسائر الأصول عند الشافعية إذا خرج الشيء الموهوب عن سلطنة الولد. ويتحقق الخروج ببيع الشيء الموهوب كله أو وقفه أو هبته لآخر مع قبض الموهوب له. أما غصب الموهوب أو رهنه أو هبته قبل القبض أو إجارته على المذهب فكل ذلك لا يزيل سلطنة الولد فيجوز للأب الرجوع. ولو باع الولد الشيء الموهوب له من أبيه ثم عاد إليه ذلك الشيء بشراء أو إرث لم يكن للأب الرجوع في الأصح لأن عود السلطنة هنا کان بسبب جدید. ولا تمنع الزيادة المتصلة الرجوع، أما الزيادة المنفصلة فهي للولد، ولأنها حصلت على ملكه ويرجع الوالد بالشيء الموهوب(١). رابعاً: موانع الرجوع عند الحنابلة فيما : أجازوا الرجوع فيه : ٤٣ - أ - إذا خرج الموهوب عن ملك (١) المهذب ٤٤٧/١، ومغني المحتاج ٤٠٢/٢، وحاشية البجيرمي ٢١٩/٣ . - ١٥٢ - : هبة ٤٣ الموهوب له بأي سبب کبيع أو هبة أو وقف أو إرث أو غير ذلك لم يكن للوالد الرجوع لأنه إيطال لملك غير الموهوب له. وإن عاد الملك بسبب جديد لم يملك الأب الرجوع. أما إن عاد إليه بفسخ البيع لعيب أو إقالة أو فلس المشتري ففي جواز رجوع الأب وجهان: الجواز وعدمه. ب - عدم بقاء الشيء الموهوب في تصرف الولد بحيث يملك التصرف في رقبته، فإن رهنه أو أفلس أو حجر عليه لم يملك الأب الرجوع فيه، لأن في ذلك إبطالًا لحق غير الولد، فإذا زال المانع من التصرف جاز الرجوع. ج - إذا تعلق بالشيء الموهوب رغبة لغير الولد، مثل أن يهب الوالد لولده شيئاً فيرغب الناس في معاملته ومداينته أو رغبوا في تزويجه فزوجوه ذكراً كان أو أنثى فعن أحمد في جواز الرجوع روايتان: الأولى: ليس له الرجوع لأنه غر الناس بما وهبه لولده حتى وثقوا به فأقدموا على مداينته أو تزویجه، فإذا رجع کان ذلك إضراراً بهم، وقد قال النبي ◌َّالقر: ((لا ضرر ولا ضرار))(١)، (١) حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)). = ولأن في هذا الصنيع تحايلًا على إلحاق الضرر بالناس وهو غير جائز. الثانية: له الرجوع، لعموم الخبر عن النبي وَّ في رجوع الأب فيما وهب لولده، ولأن حق الدائن والمتزوج لم يتعلق بعين الشيء الموهوب فلم يمنع من الرجوع. د - إذا زاد الشيء الموهوب زيادة متصلة کالسمن والكبر وتعلم الصنعة فإن زادت فعن أحمد في جواز الرجوع روايتان: الأولى: يمتنع الرجوع، لأن الزيادة للموهوب له لكونها نماء ملكه، ولم تنتقل إليه من جهة والده، وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع الرجوع في الأصل أيضاً. الثانية: لا يمتنع الرجوع، لأنها زيادة في الشيء الموهوب فلم تمنع الرجوع كالزيادة قبل القبض وكالزيادة المنفصلة فإنها لا تمنع(١). هـ - وقد ورد عن أحمد أنه يجوز للزوجة = أخرجه ابن ماجة (٢/ ٧٨٤ ط عيسى الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت، وابن عباس ﴾ ، وأحمد في المسند (٣١٣/١ ط الميمنية)، والحاكم في المستدرك (٥٧/٢ - ٥٨ ط دائرة المعارف) وقال: صحيح. (١) المغني والشرح الكبير ٢٧٦/٦، وكشاف القناع ٣١٤/٤، وقواعد ابن رجب ق٣٢. - ١٥٣ - هبة ٤٤ - ٤٥ أن ترجع في صداقها الذي وهبته لزوجها إذا طلقها إذا كان الزوج قد سألها الهبة، لأنها كانت بهذه الهبة تبتغي استدامة النكاح فلما طلقها جاز لها الرجوع. هذه رواية عن أحمد. وعنه رواية أخرى: أن للمرأة أن ترجع سواء كانت الهبة بطلب من الزوج أم لا وبه قال شريح وحكاه الزهري عن القضاة. وعنه رواية ثالثة: أنه لا يجوز للمرأة الرجوع مطلقاً وهو قول عمر بن عبد العزيز والنخعي وربيعة والثوري وأبي ثور وعطاء وقتادة (١). ٤٤ - لو تصرف الأب في الشيء الموهوب لولده من قبله فإنه لا يكون رجوعاً. ولو أسقط الأب حقه من الرجوع ففي سقوطه احتمالات : الأول: لا يسقط لأنه ثابت بالشرع. الثاني: يسقط لأنه حقه فله إسقاطه(٢). ماهية الرجوع في الهبة: ٤٥ - الرجوع في الهبة عند الحنفية قد يكون بالتقاضي أو يكون بالتراضي. (١) المغني والشرح الكبير ٢٩٧/٦، والإنصاف ١٤٧/٧ ٠ (٢) الإنصاف ١٤٨/٧ -١٤٩ . فإن كان بالتقاضي فلا خلاف في أن الرجوع في الهبة يكون فسخاً لأنه تم بقضاء القاضي وحکمه الفسخ. أما إذا كان الرجوع بالتراضي فقد ذهب الحنفية غير زفر إلى أن الرجوع فسخ للهبة، وقال زفر: إنه هبة مبتدأة(١) . وحجة الحنفية: أن الواهب بالفسخ يستوفي حق نفسه، واستيفاء الحق لا يتوقف على قضاء القاضي، وهذا بخلاف الرد بالعيب بعد القبض بغیر قضاء فإنه يعتبر بيعاً جديداً في حق ثالث، لأنه لا حق للمشتري في الفسخ، وإنما حقه صفة السلامة، فإذا لم يسلم المبيع اختل رضاه، فیثبت حق الفسخ ضرورة، فتوقف لزوم موجب الفسخ في حق ثالث على قضاء القاضي. وحجة زفر: أن ملك الشيء الموهوب عاد إلى الواهب بتراضيهما فأشبه الرد بالعيب فيعتبر عقداً جديداً في حق ثالث، كالرد بالعيب بعد القبض، والدليل على أنه هبة مبتدأة ما ذكره محمد بن الحسن في کتاب الهبة: أن المتهب إذا رد الهبة في مرض موته فإنها تكون من الثلث، وهذا حكم الهبة (١) البدائع ١٣٤/٦، وحاشية ابن عابدين ٥٤٢/٤. - ١٥٤ - : هبة ٤٦ - ٤٧ المبتدأة لا حكم الفسخ. أما غير الحنفية فإنهم لم يشترطوا في الرجوع قضاء القاضي ولا التراضي لأنهم حين أجازوا رجوع الأب فيما وهبه لولده إنما اعتمدوا نصاً من الشرع، فالرجوع بعدئذٍ لا يفتقر إلى أي شرط لخلو النص الذي أجازه عن مثل هذا الشرط (١). فإذا رجع الأب فإنه خیار في فسخ عقد الهبة كالفسخ في خيار الشرط ولا يكون الرجوع هبة مبتدأة(٢). وإذا كانت الهبة بعوض فإن حكمها حكم البيع وتأخذ أحكامه في الفسخ والإقالة. وقد ذكر الشافعية أن التفاسخ في الهبة والتقايل ليس رجوعاً فلا تنفسخ الهبة بهما(٣). الآثار المترتبة على الرجوع في الهبة: ٤٦ - إذا حصل الرجوع في الهبة ترتبت عليه الآثار التالية: أ - يعود الشيء الموهوب إلى ملك الواهب . (١) المغني والشرح الكبير ٢٨٢/٦، وحاشية القليوبي وعميرة ١١٤/٣ . (٢) المغني والشرح الكبير ٦/ ٢٨٢. (٣) حاشية القليوبي وعميرة ١١٤/٣. ب - يملكه الواهب وإن لم يقبضه لأن القبض يعتبر في انتقال الملك لا في عود ملك قديم. ويتوقف على القبض عند من يرى أن الرجوع هبة مبتدأة وهو قول زفر. ج - الشيء الموهوب بعد الرجوع يكون أمانة بيد الموهوب له، حتى لو هلك في يده لا يضمن، لأن قبض الهبة قبض غير مضمون، فإذا انفسخت الهبة بقي قبض الواهب قائماً وعلى الموهوب له أن يعيد الهبة ولا يضمن إلا بالتعدي لأنها أمانة بيده. ٤٧ - إذا وهب الموهوب له الشيء الموهوب للواهب فإذا لم يحصل ذلك بتراضٍٍ ولا قضاء قاض فإنه هبة مبتدأة. وبناء عليه لزم ما يلي: - لا يملكه الواهب حتى يقبضه. - إذا قبضه كان بمنزلة الرجوع بالتراضي أو التقاضي. - ليس للمتهب أن يرجع فيه (١). (١) بدائع الصنائع ٦/ ١٣٤. - ١٥٥ - هتماء ١ - ٢ هَتْماء التعريف : ١ - الهتماء في اللغة: هي التي انكسرت ثناياها من أصلها وانقلعت(١). ويستعمل الفقهاء هذا اللفظ بالمعنى اللغوي نفسه . فقد عرف مرعي الكرمي صاحب غاية المنتهى وغيره الهتماء بأنها هي التي ذهبت ثناياها من أصلها(٢). حكم التضحية بالهتماء : ٢- اختلف الفقهاء في حكم التضحية بالهتماء: ولهم في ذلك تفصيل : ذهب الحنفية في الصحيح إلى أن الهتماء إن كانت ترعى وتعلف جازت التضحية بها (١) المعجم الوسيط والمصباح المنير، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثيره/ ٢٤٣ . (٢) مطالب أولي النهى ٢ / ٤٦٥، وانظر تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٦/ ٦، والبناية شرح الهداية ١٤٩/٩ . وإلا فلا (١). وقالوا في رواية: والتي لا أسنان لها وهي تعتلف أو لا تعتلف لا تجوز (٢). وعن أبي يوسف أنه يعتبر في الأسنان الكثرة والقلة، لأن الأسنان عضو كالأذن فيعتبر فيه بقاء الأكثر. : وعنه أنه إن بقي ما يمكن الاعتلاف به أجزأه لحصول المقصود، لأن المقصود من الأسنان الأكل بها، فاعتبر بقاء المقصود(٣) . ويرى المالكية أن فقد السن الواحد لا يضر مطلقاً وكذا الأكثر لإثغار أو كبر، وأما لغيرهما بضرب أو مرض فمضر (٤). وقال اللخمى من المالكية: لا تجزئ الذاهبة الأسنان بكسر، ومنع مالك مرة إذا كان ذهاب أسنانها لكبر (٥). : وقال الشافعية: تجزئ التي ذهب بعض أسنانها، فإن انكسر أو تناثر جميع أسنانها فقد .. (١) الفتاوى الهندية ٢٩٨/٥، وحاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق ٦/٦ . (٢) حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٠٦ . (٣) البناية شرح الهداية ١٤٩/٩- ١٥٠. (٤) الشرح الصغير ١٤٤/٢ ط دار المعارف. (٥) الذخيرة للفرافي ١٤٨/٤ . - ١٥٦ - هتماء ٢، هجاء ١ ...... أطلق صاحب التهذيب وجماعة أنها لا تجزئ، وقال إمام الحرمين: قال المحققون: تجزئ. وقيل: لا تجزئ. وقال بعضهم: إن كان ذلك لمرض أو كان يؤثر في الاعتلاف وينقص اللحم منع وإلا فلا . وعلق النووي على هذا القول قائلًا: وهذا حسن ولكنه يؤثر بلا شك فيرجع الكلام إلى المنع المطلق. ثم قال: الأصح المنع(١). وقال الحنابلة: لا تجزئ ما ذهب ثناياها من أصلها وهي الهتماء، فلو بقي من الثنايا بقية أجزاً(٢). (١) روضة الطالبين ١٩٦/٣-١٩٧، وانظر أسنى المطالب ١/ ٥٣٦ . (٢) مطالب أولى النهي ٢ / ٤٦٥ . هِجَاء التعريف : ١ - الهجاء في اللغة: خلاف المدح، وهو السب والشتم وتعديد المعايب: يقال: هجاه یهجوه هجواً وهجاءً: شتمه بالشعر، قال ابن منظور: روي عن النبي ◌َِّ أنه قال: ((اللَّهم إن فلاناً هجاني فاهْجُه اللَّهم مكان ما هجاني))(١) أي جازه علی هجائه إياي جزاء هجائه. والهَجّاء: من يكثر سب غيره وتعديد معايبه . ويقال: هاجاه مهاجاةً وهجاءً: هجاكل واحد منهما صاحبه، وتهاجیا: هجا کل واحد منهما الآخر. والهجاء أيضاً: تقطيع اللفظة إلى حروفها والنطق بهذه الحروف مع حركاتها، يقال: تهجی حروف الأبجدية: عددها بأسمائها أو (١) حديث: ((اللهم إن فلاناً هجاني ... )). أورده ابن أبي حاتم في علل الحديث (٢٦٣/٢ ط دار المعرفة)، ونقل عن أبيه أنه صوب کونه مرسلاً من حديث عدي بن ثابت. - ١٥٧ - هجاء ٢ - ٤ نطق بالأصوات التي تمثلها، وحروف الهجاء: ما تتركب منها الألفاظ من الألف إلى الياء. ويقال: هجا الكتاب هجواً وهجاءً: قراه وتعلمه، وتهجی القرآن: تلاہ أو تعلم تلاوته. ويقال: هذا علی هجاء كذا: على شكله، وفلان على هجاء فلان: على مقداره في الطول والشكل(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٢). الألفاظ ذات الصلة: أ- السب: ٢ - السب لغة: الشتم(٣). واصطلاحاً: قال الدسوقي: هو كل كلام (٤) قبيح(٤). والصلة بين الهجاء والسب أن الهجاء يكون بالشعر والسب أعم منه. (١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، ولسان العرب. (٢) قواعد الفقه للبركتي. (٣) المعجم الوسيط. (٤) الدسوقي ٣٠٩/٤. ب - اللعن: ٣ - اللعن في اللغة: الإبعاد والطرد، وقيل: الطرد والإبعاد من اللَّه، ومن الخلق السب والدعاء(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . والصلة بين الهجاء واللعن: أن اللعن خاص بالدعاء بالطرد من رحمة الله. ج - القذف: ٤ - القذف في اللغة: الرمي، يقال: قذف بالحجارة قذفاً: رمى بها، وقذف المحصنة قذفاً: رماها بالفاحشة، وقذف بقوله: تكلم من غير تدبر ولا تأمل. والقذيفة: القبيحة وهي الشتم، وشيء یرمي به(٢). واصطلاحاً: عرفه المالكية بأنه رمي مكلف حراً مسلماً بنفي نسب عن أب أو جد أو بزنا(٣) (١) لسان العرب. (٢) المصباح المنير، لسان العرب. (٣) الشرح الصغير للدردير ٤/ ٤٦١-٤٦٢ (ط دار المعارف - مصر). - ١٥٨ - هجاء ٥ - ٦ والصلة بين الهجاء والقذف أن كلّ من الهجاء والقذف إساءة إلى المهجو والمقذوف، غير أن الهجاء يكون بكل ما يسوء، لكن القذف يكون بنوع من الإساءة وهو الرمي بالزنا وما يحمله معناه مما يقدح في العفة فبينهما عموم وخصوص مطلق، فالهجاء أعم. د - الغيبة : ٥ - الغيبة في اللغة من الاغتياب، يقال: اغتاب الرجل صاحبه اغتياباً إذا وقع فيه، وهو أن يتكلم خلف إنسان مستور بسوء، أو بما يغمه لو سمعه وإن كان فيه، فإن كان صدقاً فهو غيبة، وإن كان كذباً فهو البَهْت، كذلك جاء عن النبي وَلِ﴾(١)، ولا يكون ذلك إلا من ورائه، والاسم الغيبة . وروي عن بعضهم أنه سمع: غابه یغیبه إذا عابه وذكر منه ما يسوء، وعن ابن الأعرابي: غاب إذا اغتاب، وغاب إذا ذكر إنساناً بخير أو شر (٢). (١) ورد عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((أتدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((ذكرك أخاك بما يكره)) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم یکن فیه فقد بهته)). أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠١ ط عيسى الحلبي). (٢) لسان العرب. واصطلاحاً: قيد البركتي الغيبة بأن تكون على وجه الازدراء، فقال: هي ذكر مساوئ الإنسان على وجه الازدراء وهي فيه، فإن لم تکن فيه فبهتان، وإن واجهه فهو شتم(١). والصلة أن كلّ من الهجاء والغيبة إساءة إلى المهجو المغتاب، لكن الإساءة في الغيبة تکون في غير حضور من قيلت فيه، وفي الهجاء قد تكون بحضرة المهجو أو في غيابه. هـ - النميمة: ٦ - النم: هو السعي لإيقاع الفتنة أو الوحشة والاسم النميمة، وهي: التحريش والإغراء ورفع الحديث، وفي التهذيب النميم والنميمة هما الاسم، والوصف نمام، والنميمة: صوت الكتابة، والكتابة ... والصوت الخفي من حركة شيء أو وطء قدم(٢). وفي الاصطلاح قال الراغب الأصفهاني: النميمة: الوشاية، والنم: إظهار الحديث بالوشاية، وقال البركتي: النمام: الذي يتحدث مع القوم فينم عليهم فيكشف ما يكرهون(٣). (١) قواعد الفقه للبركتي. (٢) لسان العرب، والمصباح المنير. (٣) المفردات في غريب القرآن، وقواعد الفقه للبركتي. - ١٥٩ - : هجاء ٧ - ٨ الحكم التكليفي : ٧ -ذهب الفقهاء إلى جواز هجو الكافر غير المعصوم وكذا المرتد، لأن النبي وَالقر أمر حسان بن ثابت ◌َمنّه بهجو الكفار(١). كما ذهب الفقهاء إلى عدم جواز هجو المسلم، واستثنى الشافعية المبتدع والفاسق المعلن بفسقه فيجوز هجوهم. وعند الحنفية يجوز هجو المسلم المنافق(٢). وقد استدل الفقهاء على عدم جواز هجو المسلم بقول الله تعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اُلْمُؤْمِنَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِثْمَا قُبِينًا﴾(٣)، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ (١) حديث: ((أمر النبي وَليل حساناً بهجو الكفار ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٣٠٤ ط السلفية)، ومسلم (٤/ ١٩٣٣ ط عيسى الحلبي) من حديث البراء بن عازب. (٢) الوسيلة الأحمدية بهامش بريقة محمودية ٤/ ٢٦، والقوانين الفقهية ص ٤٢٢ ط دار الكتاب العربي، والفواكه الدواني ٤٥٨/٢، ومغني المحتاج ٤٣٠/٤، وحاشية القليوبي ٣٢١/٤، والمغني١٧٦/٩ - ١٧٩، والقرطبي ١٤/ ٢٤٠، ودليل الفالحين ٤ / ٤١٧ . (٣) سورة الأحزاب/ ٥٨ . خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِسَآءٍ عَسَوَ أَنْ يَكُنَّ خَيْا عِنْهُنّ وَلَا تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلَا نَتَبَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الِاسْمُ اٌلْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُّبْ فَأُوْلَكَ هُ الظَّالِمُونَ﴾(١)، وقول النبي بَّ: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))(٢)، وقوله وَ لجر: ((ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء))(٣) . ٨ - وحكم هجاء الأموات کحکم هجاء الأحياء(٤)، فعن عائشة تَّتها قالت: قال رسول اللّه وَلتفي: ((لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا))(٥)، وعن ابن عباس أن النبي وَّلي قال: «لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا به الأحياء))(٦). (١) سورة الحجرات/ ١١ . (٢) حديث: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ویده)) . أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٣ ط السلفية)، ومسلم (١/ ٦٥ ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، واللفظ للبخاري. (٣) حديث: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)). أخرجه الترمذي (٤/ ٣٥٠ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي: حسن غريب. (٤) المراجع الفقهية السابقة. (٥) حديث: ((لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا إليه ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ١١/ ٣٦٢ ط السلفية). (٦) حديث: ((لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا به الأحياء)) . = - ١٦٠ - :