النص المفهرس
صفحات 121-140
هبة ٤ - ٥
في الهدية .
ج - الصدقة :
٤ - الصدقة لغة: العطية. يقال: تصدقت
بكذا أي أعطيته صدقة.
واصطلاحاً: تمليك مال بلا عوض طلباً
لثواب الآخرة(١).
والصلة بين الصدقة والهبة أن الصدقة تكون
طلباً لثواب الآخرة، بينما الهبة تكون للتودد
والمحبة غالباً، وأن الهبة يلزم فيها القبول،
وأما الصدقة فلا يلزم فيها القبول عند بعض
الفقهاء .
مشروعية الهبة :
٥ - الهبة مشروعة في الكتاب والسنة
والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن
شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيْئًا تَرًِّ﴾(٢).
ومن السنة قوله {وَله: ((تهادوا تحابوا))(٣)،
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات
للراغب، والمغني ٦٤٩/٥، والخرشي ٧/ ١٠١،
والبدائع ١١٦/٦، والقليوبي ١١٠/٣.
(٢) سورة النساء/ ٤ .
(٣) حديث: ((تهادوا تحابوا)).
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص١٥٥ - =
والهدية هي الهبة، وقوله وَالر: ((لا تحقرن
جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (١) والفرسن:
الظلف .
وقبول النبي وَلـ هدية المقوقس وهو
كافر(٢)، كما قبل هدية النجاشي وهو مسلم
وتصرف بها وهداه أيضاً (٣).
وأما الإجماع فقد انعقد على جوازها
ومشروعيتها، بل على استحبابها بجميع
أنواعها، لما فيها من التعاون على البر والتقوى
وإشاعة الحب والتواد بین الناس(٤) وبه تتبین
= ط السلفية) من حديث أبي هريرة، وحسن إسناده
ابن حجر في التلخيص (٧٠/٣ - ط شركة الطباعة
الفنية).
(١) حديث: ((لا تحقرن جارة لجارتها ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ١٩٧ - ط
السلفية)، ومسلم (٧١٤/٢ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى
رسول الله رَالر ... إلخ)).
أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١٥٠ ط مكتبة
المعارف - الرياض) وذكره الهيثمي في مجمع
الزوائد وعزاه إلى الطبراني في الأوسط عن عائشة
(٤/ ١٥٢ ط القدسي) ورجاله ثقات.
(٣) حديث: ((أهدى النجاشي لرسول الله وَّل
قارورة ... )).
أخرجه ابن عدي في الكامل (٢١١٤/٦ ط دار
الفكر)، وقال: متنه غريب ولا أعلم رواه عن
العرزمي عن أبي الزبير غير عصمة.
(٤) تحفة الفقهاء للسمر قندي ٢٥٣/٣، والمبسوط
السرخسي ٤٧/١٢، والمغني والشرح الكبير =
- ١٢١ -
هبة ٦ - ٩
الحكمة من مشروعيتها .
الحكم التكليفي :
٦ - الهبة مندوبة بالإجماع، وقد يطرأ عليها
ما يجعلها محرمة إذا قصد بها معصية أو إعانة
على ظلم، أو قصد بها رشوة أصحاب
الولايات والعمال(١).
وقد تكون الهبة مكروهة إذا قصد الواهب
بها الرياء والمباهاة والسمعة(٢).
أركان الهبة وشروطها :
٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان
الهبة هي: العاقدان (الواهب والموهوب له)،
والمعقود عليه (الشيء الموهوب)
والصيغة(٣).
أما الحنفية فذهبوا إلى أن ركن الهبة هو
صيغتها (٤).
وتفصيل هذه الأرکان کما يلي :
= ٢٤٦/٦، ومغني المحتاج ٣٩٦/٢.
(١) مغني المحتاج ٣٩٦/٢، وقواعد ابن رجب الحنبلي
ق١٥٠ ص٣٢٢، وكشاف القناع ٢٩٩/٤ .
(٢) كشاف القناع ٢٩٩/٤ .
(٣) القوانين الفقهية لابن جزي ط دار الفكر ص٣١٤،
ومغني المحتاج ٣٩٧/٢، وكشاف القناع ٢٩٩/٤ .
(٤) المبسوط ٥٧/١٢، وبدائع الصنائع ١١٥/٦،
والعناية بهامش فتح القدير ٧/ ١١٣ .
أولًا: العاقدان:
العاقدان هما الواهب والموهوب له ولکل
منهما شروط .
شروط الواهب:
٨ - اشترط الفقهاء في الواهب أن يكون
من أهل التبرع وذلك بأن يكون عاقلًا بالغاً
رشيداً، وأن يكون مالكاً للشيء الموهوب (١).
وبناءً عليه فلا تصح الهبة ممن حجر عليه
التصرف بوجه كالمجنون والصغير مميزاً أو
غير مميز بلا خلاف، كما لا تصح من محجور
بالدين أو السفه عند من يرى جواز هذا
الحجر، وهم جمهور الفقهاء خلافاً لأبي
حنيفة .
ومَنْعُ هؤلاء المحجورين من الهبة بسبب
كونها ضرراً محضاً لأنها نقل الملك إلى الغير
بدون عوض.
٩ - أما المريض مرض الموت فإن حكم
(١) بدائع الصنائع ١١٨/٦، والقوانين الفقهية
ص٣١٥، والخرشي ٧/ ١٠٢، والغاية القصوى
٦٥٣/٢، مغني المحتاج ٣٩٧/٢، والمغني
والشرح الكبير ٢٦١/٦، والإنصاف للمرداوي
١٦٥/٧، ١٦٨، وكشاف القناع ٢٩٩/٤،
والمغني ٣١٥/٤ ط الرياض.
- ١٢٢ -
هبة ١٠
هبته حکم وصيته، فله هبة ثلث أمواله، وفيما
زاد لا يجوز إلا بموافقة الورثة.
وألحق الحنابلة بالمريض مرض الموت
المقاتل بين الصفين وكون الشخص في لجة
البحر أو في بلد وقع الطاعون فيه والحامل في
المخاض ومن قدم للقصاص.
ويرى المالكية أن هبة المريض فيما زاد
على الثلث صحيحة موقوفة على إجازة
الورثة، إلا أن العدوي قال: أفاد بعض
مشائخنا أن الراجح بطلانه في المريض.
ومقابل الراجح الوقف على إجازة الورثة.
كما ألحق المالكية وأحمد في رواية الزوجة
في حَجْرها عن الهبة بأكثر من الثلث، ويكون
الزائد على الثلث موقوفاً على إجازة زوجها.
كما أن هبة المحجور بدين موقوفة على إذن
الغارمين لأنه محجور لمصلحتهم.
١٠ - ويتفق الفقهاء على عدم جواز هبة
الأب أموال ابنه الصغير بدون عوض.
أما إذا وهبها الأب مقابل عوض مشروط
فللفقهاء في صحته رأیان:
الأول: عدم الجواز. وبه قال أبو حنيفة
وأبو يوسف.
وحجة هذا القول: أن الهبة بشرط العوض
تقع تبرعاً ابتداءً، ثم تصير بيعاً في الانتهاء،
بدليل أنها لا تفيد الملك قبل القبض، ولو
وقعت بيعاً من حين وجودها لما توقف الملك
فيها على القبض، لأن البيع يفيد الملك
بنفسه، فدل على أنها وقعت تبرعاً ابتداءً،
وتبرع هؤلاء ممنوع فلم تصح الهبة حين
وجودها، ولا يتصور أن تكون بيعاً، فالأصل
عند أبي حنيفة وأبي يوسف: أن كل من لا
يملك التبرع لا يملك الهبة بعوض وبغيره.
الثاني: تجوز هبة الأب مال ابنه الصغير مع
شرط العوض، وبه قال محمد بن الحسن
الشيباني.
وذلك بناء على أن الأصل عنده: أن من
يملك البيع يملك الهبة بعوض. فالهبة
تمليك، فإذا شرط فيها العوض كانت تمليكاً
بعوض، وهو تفسير البيع، ولا عبرة باختلاف
العبارة بعد اتفاق المعنى كلفظ البيع ولفظ
التمليك (١)
٠
وذهب المالكية إلى جواز هبة الأب مال ابنه
بشرط العوض (٢).
(١) بدائع الصنائع ١١٨/٦.
(٢) الخرشي ٧/ ١٢٠، وحاشية الدسوقي ١٠١/٤،
وحاشية العدوي على الخرشي ٧/ ١٠٣ .
- ١٢٣ -
هبة ١١ - ١٢
هبة الفضولي:
١١ - اختلف الفقهاء في هبة الفضولي:
فذهب جمهور المالكية، والشافعية في
أصح القولين عندهم والحنابلة إلى أن هبة
الفضولي باطلة(١) .
وذهب الحنفية والشافعية في القول الثاني،
وبعض المالكية - وهو ما اختاره العدوي -
إلى أن هبة الفضولي تنعقد موقوفة، إن أجازها
المالك نفذت وإلا بطلت(٢)، فقد جاء في
منحة الخالق: كل تصرف صدر من الفضولي
وله مجيز حال وقوعه انعقد موقوفاً من بيع أو
نكاح أو طلاق أوهبة، وكذا كل ما صح به
التوكيل(٣) .
هبة السكران :
١٢ - السكر إما أن يكون بمباح أو بحرام.
فإن سكر بمباحٍ أو بما يعذر فيه، كما لو
سكر بالبنج أو أُوجر خمراً: فإن جميع
تصرفاته الصادرة عنه لا تنفذ، لأنه إذا كان
(١) حاشية الدسوقي ٩٨/٤، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص ٢٨٥، ومطالب أولي النهى ١٩/٣.
(٢) فتح القدير ٦/ ٣١١ ط الأميرية، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص ٢٨٥، حاشية الدسوقي ٩٨/٤ .
(٣) حاشية منحة الخالق على البحر الرائق ٦/ ١٦٤ .
مباحاً جعل عذراً.
وأما إن سكر بمحرم، كما لو شرب مسكراً
باختياره (متعدياً) فقد اختلف الفقهاء في نفاذ
تصرفاته :
فيرى الحنفية والشافعية على المذهب وكذا
الحنابلة في قول أنه تنفذ تصرفاته وأقاريره
جميعها .
وقد استدلوا على ذلك أن السكر بالإجماع
لاينافي الخطاب، بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى
تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾(١) وإن كان خطاباً في حال
السكر فلا شبهة فيه، وإن كان في حال الصحو
فكذلك .... ، وإذا ثبت أنه مخاطب ثبت أن
السكر لا يبطل شيئاً من الأهلية، فيلزمه أحكام
الشرع كلها وتصح عباراته كلها بالطلاق
والعتاق والبيع والشراء والأقارير، وإنما ينعدم
بالسكر القصد دون العبارة.
ويرى المالكية أن السكران بحرام تلزمه
الجنايات والعتق والطلاق، ولا تلزمه
الإقرارات والعقود من بيع وإجارة وهبة
وصدقة وحبس على المشهور.
ويرى الشافعية في مقابل المذهب والحنابلة
(١) سورة النساء/ ٤٣ .
- ١٢٤ -
هبة ١٣ - ١٥
٠٠
في القول الثاني أن تصرفات السكران وأقاريره
لا تنفذ، وقد استدلوا بأن السكران مفقود
الإرادة أشبه المكره، ولأن العقل شرط
للتكليف، ولا فرق بين زوال الشرط بمعصية
أو غيرها (١).
شروط الموهوب له :
١٣ - يشترط الفقهاء في الموهوب له أن
یکون أهلا لملك ما یوهب له.
فإن کان الموهوب له عاقلا بالغاً فإنه يقبض
الهبة، أما إذا لم يكن من أهل القبض، فإن
الهبة له صحيحة لكن يقبض عنه من يصح منه
القبض من ولي وغيره.
وتفصيل ذلك في مصطلح (قبض
ف٢٠ - ٢١).
عطية الأب لأولاده:
:
١٤ - يتفق أهل العلم على أن الأب إذا
أعطى لأولاده صحت عطاياه.
(١) حاشية ابن عابدين ٣٢٤/٢، وفتح القدير
٣٤٥/٣، وحاشية الحموي ١٥١/٢، ١٥٢،
وحاشية الدسوقي ٣٦٥/٢، ٣٩٧/٣، ومواهب
الجليل ٤٣/٤، وروضة الطالبين ٦٢/٨، وأشباه
السيوطي ٢١٦، والإنصاف ٤٣٢/٨، والقواعد
لابن رجب ٢٢٩، ٢٣٠، والمغني ١١٥/٧ .
واستحبت التسوية بينهم عند أكثر الفقهاء،
ويرى الحنابلة ومالك في رواية عنه وجوب
التسوية، ويكره عند الجميع التفضيل
بينهم(١) .
والتفصيل في مصطلح (تسوية ف١١).
ثانياً: شروط الشيء الموهوب:
١٥ - الشيء الموهوب هو المعقود عليه
في الهبة، والقاعدة أن ما صح بيعه صحت
هبته(٢) مع استثناءات ذكرها الفقهاء على هذا
الضابط .
أما شروطه على وجه التفصيل فهي ما
يأتي :
أ - أن يكون الشيء الموهوب موجوداً.
ب - أن يكون الشيء مملوكاً بنفسه غير
مباح، مملوكاً للواهب.
(١) بدائع الصنائع ١٢٧/٦، والقوانين الفقهية
ص٣١٤، ومغني المحتاج ٤٠١/٢، وحاشية
البجيرمي على منهج الطلاب ٢١٩/٣، وحاشية
القليوبي وعميرة ١١٣/٣، والمغني والشرح
الكبير ٢٦٣/٦، وكشاف القناع ٣٠٩/٤ .
(٢) بدائع الصنائع ١١٩/٦، ومغني المحتاج
٣٩٩/٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٤٦٩
نشر دار الكتب العلمية بيروت، والمغني والشرح
الكبير ٢٦٢/٦، والإنصاف ١٣١/٧.
- ١٢٥ -
هبة ١٦
ج - أن يكون مالاً متقوماً.
د - أن يكون محوزاً.
هـ - أن يكون مقبوضاً.
وتفصيل ذلك فيما يلي:
أ - أن يكون الشيء الموهوب موجوداً:
١٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يشترط
في الشيء الموهوب أن يكون موجوداً حين
الهبة، لأنها تمليك في الحال، وبناء عليه لا
يصح هبة ما ليس موجوداً وقت العقد، كما لو
وهبه ما يثمر نخله هذا العام، أو ما تلد أغنامه
هذه السنة ونحوه. ومثله: لو وهبه ما في بطن
هذا الحيوان حتى وإن سلطه على القبض عند
الولادة. ومثله: لو وهبه زبداً في لبن أو دهناً
في سمسم لأنه معدوم في الحال.
وهذا بخلاف ما إذا وهبه صوفاً على ظهر
غنم وجزه وسلمه، فإنه يجوز، لأن الشيء
الموهوب موجود ومملوك في الحال، لكنه لم
ينفذ حالا لمانع، وهو كون الموهوب مشغولًا
بما ليس بموهوب، فإذا جزه فقد زال المانع
فینفذ عند وجود القبض، وصار كما لو وهب
شخصاً مشاعاً ثم قسمه وسلمه.
وبناء على ما تقدم فإن هبة المعدوم
والمجهول لا تجوز، لأن الهبة تمليك،
وتمليك المعدوم والمجهول لا يجوز فيقع
(١)
العقد باطلًا، وهذا على مذهب الجمهور
.
وذهب المالكية إلى جواز هبة كل مملوك
وإن كان لا يصح بيعه كالبعير الشارد
والمجهول، والثمرة قبل بدو صلاحها
والمغصوب، إذ الأصل عند المالكية أنه يصح
هبة كل ما يقبل النقل شرعاً وإن كان
مجهولًا(٢).
كما صرّح المالكية بالنسبة لهبة المعدوم بأن
الذي يهب ثمرة نخله لرجل عشرين سنة أو
أقل أو أكثر أن ذلك جائز(٣).
وقال الحنابلة: إن كان الشيء الموهوب
مجهولًا فلا يخلو: إما أن يتعذر علمه أو لا .
فإن کان یتعذر علمه کزیت اختلط بزيت أو
شيرج، فإن الصحيح في المذهب صحة الهبة
كالصلح على مجهول للحاجة، وقيل: لا
يصح.
(١) المراجع السابقة.
(٢) بداية المجتهد ٢٤٨/٢، والقوانين الفقهية
ص٣١٥، والخرشي ٧/ ١٠٣، ومنح الجليل
٤/ ٨٢ .
(٣) المدونة ١٢٤/٦، والذخيرة للقرافي ٢٢٦/٦.
- ١٢٦ -
هبة ١٧
وإن كان مما لا يتعذر علمه كالحمل في
البطن واللبن في الضرع والصوف على الظهر،
فالصحيح عدم الصحة للجهالة وتعذر
التسليم، وعليه جماهير الأصحاب، وقيل:
تصح هبة المجهول(١).
ب - أن يكون مملوكاً للواهب:
١٧ - من الشروط الواجبة في الشيء
الموهوب أن يكون مملوكاً في نفسه، فلا
يجوز هبة المباحات، وذلك لعدم الإحراز،
ولأن الهبة تمليك، وتمليك ما ليس بمملوك
محال.
كما يلزم أن يكون الشيء الموهوب مملوكاً
للواهب، لأن هبة مال الغير ممنوع بغير إذنه.
ويستوي أن يكون المملوك للواهب عيناً أو
ديناً :
أما هبة العين فظاهر الجواز لإمكانية قبضه
بعينه .
أما هبة الدين: فإن كان الواهب قد وهب
الدين لمن هو عليه فإنه جائز عند الفقهاء بلا
خلاف، لأنه بمثابة إبراء للمدين أو إسقاط
الدین عنه، ولا حاجة لقبض جدید.
(١) الإنصاف ١٣٢/٧، والكشاف ٣٠٦/٤ .
أما هبة الدين لغير من هو عليه فقد اختلف
الفقهاء فيه على قولين:
الأول: الجواز. وهو مذهب الحنفية
والمالكية ومقابل الأصح عند الشافعية،
واختاره زكريا الأنصاري في المنهج.
وبني الجواز على أنه إنابة في قبض الدين،
ولأن ما في الذمة مقدور التسليم والقبض، ألا
يرى أنه يجبر المديون على تسليمه، إلا أن
قبضه بقبض عينه، فإذا قبض العين قام قبضها
مقام قبض عين ما في الذمة، إلا أنه يفتقر إلى
الإذن بالقبض صريحاً، ولا يكتفى فيه بالقبض
بحضرة الواهب بخلاف هبة العين. وهذا وجه
الاستحسان عند الحنفية.
الثاني: عدم الجواز. وهو مذهب الشافعية
في الأصح المعتمد وبه قال الحنابلة، وهو
القياس عند الحنفية.
ووجه القياس: أن القبض شرط جواز
الهبة، وما في الذمة لا يحتمل القبض، وهو
بخلاف ما لو وهب للمدين، لأن الدين في
ذمته، وذمته في قبضه، فكان الدين في قبضه
بواسطة قبض الذمة.
واستدل الشافعية والحنابلة عليه: بأن الهبة
على هذا الوجه غير مقدورة التسليم، وأن ما
- ١٢٧ -
هبة ١٨ - ١٩
يقبض من الديون عين لا دين، والقبض في
الهبة إنما يكون فيما ورد العقد عليه(١).
ج - أن يكون الموهوب متقوماً:
١٨ - المال المتقوم هو ما كان مالًا في نظر
الشرع له قيمة يضمن بها عند الإتلاف.
وبناءً عليه لا يجوز هبة ما ليس مالًا أصلًا
كالميتة ولحم الخنزير والدم، ولا هبة ما ليس
متقوماً كالخمر والمسكرات، ولا هبة كل ما
هو محرم شرعاً.
واختلف فقهاء الشافعية في صحة هبة الحبة
أو الحبتين من الحنطة والتمرة، مما ليس
متمولًا .
فمنهم من رأى الجواز بناء على صحة
الصدقة بالتمرة، والصدقة هبة، ومنهم من
رأى المنع بناء على عدم التمول(٢).
(١) البدائع ١١٩/٦، والبحر الرائق ٣٠٩/٧،
والخرشي ٧/ ١٠٥، ومنح الجليل ٨٦/٤، ومغني
المحتاج ٢/ ٤٠٠، ومنهج الطلاب مع البجيرمي
٢١٧/٣، وحاشية القليوبي وعميرة ١١٢/٣،
والمغني مع الشرح ٢٥٥/٦، والإنصاف
١٢٧/٧، وكشاف القناع ٣٠٦/٤.
(٢) البدائع ١١٩/٦، ومغني المحتاج ٣٩٩/٢، وحاشية
القليوبي ١١٢/٣، والمغني والشرح ٢٦٢/٦،
والإنصاف ٧/ ١٣١، وبداية المجتهد ٢٤٨/٢،
والخرشي ٧/ ١٠٣، والقوانين الفقهية ص٣١٥.
د - أن يكون الموهوب محوزاً:
١٩ - والكلام هنا عن هبة الشيء المشاع.
وللفقهاء في جوازها قولان:
الأول: أن هبة المشاع جائزة كالبيع،
فيسلم الواهب جميع الشيء الموهوب إلى
الموهوب له یستوفي منه حقه، ویکون حق
الشريك في يده وديعة، وقيل: إن قبضه
لينتفع به فإعارة، وهذا مذهب المالكية
والشافعية والحنابلة.
وحجتهم كما قال ابن رشد: إن القبض في
هبة المشاع غير المقسوم يصح كالقبض في بيع
المشاع غير المقسوم.
وللفقهاء في قبض الحصة الشائعة تفصيل
ينظر في مصطلح (قبض ف ٣٠).
القول الثاني: جواز هبة المشاع فيما لا
يقسم وعدم جواز هبة المشاع الذي يقسم،
ولا فرق بين هبة المشاع لأجنبي أو للشريك،
وهذا مذهب الحنفية .
وحجتهم إجماع الصحابة، فهو مروي عن
أبي بكر وعمر وعلي ، ولم ينكر ذلك
أحد من الصحابة .
واحتجوا أيضاً بأن القبض شرط جواز
- ١٢٨ -
هبة ٢٠ - ٢١
العقد، والشيوع يمنع القبض، لأن معنى
القبض هو التمكن من التصرف في المقبوض،
والتصرف في النصف الشائع وحده لا يتصور،
وهكذا يقال في المشاع الذي لا يقسم أيضاً،
لكن جوزنا هبته للضرورة لأنه يحتاج إلى هبة
بعضه، ولا حكم للهبة بدون القبض، والشيوع
مانع من القبض، ولا سبيل لإزالة المانع
بالقسمة لتعذر قسمته - كالدابة - فمست
الضرورة إلى الجواز وإقامة صورة التخلية مقام
القبض، ولا ضرورة فيما يمكن قسمته لإمكان
إزالة المانع .
ولأن الهبة عقد تبرع، فلو صحت في مشاع
يحتمل القسمة لصار عقد ضمان، لأن
الموهوب له يملك مطالبة الواهب بالقسمة
فيلزمه ضمان القسمة فيؤدي إلى تغيير الثابت
بالشرع، بخلاف مشاع لا يحتمل القسمة، لأنه
لا يتصور إيجاب الضمان على المتبرع، لأن
الضمان ضمان القسمة، والمحل لا يحتمل
القسمة(١).
(١) البدائع ١١٩/٦، ومغني المحتاج ٣٩٩/٢،
وحاشية القليوبي ١١٢/٣، والمغني والشرح ٦/
٢٦٢، والإنصاف ١٣١/٧، وبداية المجتهد ٢/
٢٤٨، والخرشي ١٠٣/٧، والقوانين الفقهية
ص٣١٥، وروضة الطالبين ٣٧٦/٥.
هـ - أن يكون الموهوب متميزاً عن غير
الموهوب وغیر متصل به :
٢٠ - يشترط الحنفية لصحة القبض أن لا
يكون الشيء الموهوب متصلًا بما ليس
بموهوب اتصال الأجزاء، وذلك لأن قبض
الشيء الموهوب وحده لا يتصور، وغيره ليس
بموهوب فكان هذا في معنى المشاع.
وعلى هذا يخرج فيما لو وهب أرضاً فيها
زرع دون الزرع، أو شجراً دون ثمره، أو
وهب الزرع دون الأرض، أو الثمر دون
الشجر، ثم خلی بينه وبين الموهوب له فإن
الهبة لم تجز، ولو وهب الأرض ثم الزرع
وسلمها جميعاً جاز(١).
هبة المنافع:
٢١ - تتصور هبة المنافع غالباً في العارية،
فقد عرّف الفقهاء العارية بأنها هبة المنافع مع
بقاء ملك الرقبة (٢)
وتدخل فيها العمرى عند من يعتبر العمرى
تمليك منفعة(٣).
(١) بدائع الصنائع ١٢٣/٦، وتحفة الفقهاء ٣٢٥/٣-
٣٢٦ ط دار الفكر.
(٢) الاختيار ٥٥/٣، والمبدع ١٣٧/٥ .
(٣) حاشية البناني على الزرقاني ٢٢٦/٦.
- ١٢٩ -
٠٠
هبة ٢٢
وللتفصيل (ر: إعارة، عمرى ف٦).
و - اشتراط قبض الشيء الموهوب:
٢١ - اختلف الفقهاء في اشتراط القبض
لتمام الهبة، أي أن الهبة حین تصدر صيغتها
فهل تعتبر عقداً تاماً يفيد الملك في الحال؟ أم
لابد من قبض الشيء الموهوب ؟ للفقهاء في
هذه المسألة ثلاثة أقوال(١):
القول الأول: يرى الحنفية والشافعية ورواية
مرجوحة عند الحنابلة أن الهبة لا تثبت إلا
بالقبض، فلا يثبت الملك للموهوب له قبل
قبض الشيء الموهوب، وليس في الإيجاب
والقبول فقط قوة إلزام للواهب لإقباض الشيء
الموهوب للموهوب له، بل له الخيار بالإذن
بالقبض أو الرجوع عن الهبة.
وإذا مات أيّ من الواهب أو الموهوب له
لم ينفسخ العقد على المعتمد وقام ورثة كل
واحد مقامه، أي أن وارث الواهب يقوم مقام
الواهب في الإقباض والإذن في القبض،
(١) المبسوط ٥٧/١٢، وبدائع الصنائع ١٢٣/٦،
وتكملة فتح القدير ١١٣/٧، وبداية المجتهد
٢٤٨/٢، الخرشي ١٠٥/٧، وحاشية الدسوقي
١٠١/٤، والمهذب ٤٤٧/١، ومغني المحتاج
٤٠٠/٢، وحاشية البجيرمي على المنهج
٢١٨/٣، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٢٥٠-
٢٥١، والإنصاف ١٤٧/٧.
ويقوم وارث المتهب مقام المتهب في القبض.
وقيل: ینفسخ العقد بالموت لأنه عقد جائز
كالشركة والوكالة.
ولو أذن الواهب بالقبض ثم مات بطل
الإذن.
:
وقيد الشافعية ذلك بأن تكون الهبة صحيحة
غیر ضمنية وغير ذات ثواب(١).
وحجة هؤلاء إجماع الصحابة، فقد روي عن
أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن
عفان وعلي بن أبي طالب وابن عباس
أجمعين أنهم قالوا: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة
محوزة، وقد روي أن النبي ◌َّ قال لأم سلمة:
((إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من
مسك، ولا أرى النجاشي إلا قدمات، ولا
أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت على
فهي لك. وكان كما قال رسول وَلِّ))(٢).
(١) قواعد ابن رجب ق١٤٥ ص٣١٨، وانظر
البجيرمي ٢١٨/٣، والإنصاف ١٤٧/٧، وتحفة
المحتاج ٣٠٧/٦ .
(٢) حديث: ((إني قد أهديت إلى النجاشي حلة
وأواقي من مسك ... )).
أخرجه أحمد (٤٠٤/٦ - ط الميمنية) والحاكم في
المستدرك (١٨٨/٢ ط دائرة المعارف)، وقال
الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه
الذهبي فقال: منكر فيه مسلم الزنجي ضعيف.
- ١٣٠ -
هبة ٢٢
1
واحتجوا أيضاً بأن الهبة عقد تبرع، فلو
صحت بلا قبض لثبت للموهوب له ولایة
مطالبة الواهب بالتسليم، فتصير عقد ضمان
بالتسليم، وهذا تغيير لما تقرر شرعاً في الهبة
من أنها تبرع.
القول الثاني: وهو المذهب عند الحنابلة أن
الهبة تصح وتملك بعقد، فيصح تصرف قبل
القبض، وتلزم الهبة بقبضها بإذن الواهب، ولا
تلزم قبلهما ولو كانت الهبة في غير مكيل
وموزون(١)، لما روت عائشة ((أن أبابكر ◌َ﴿اقهنا
نحلها جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالعالية،
فلما مرض قال: يا بنية كنت نحلتك جذاذ
عشرین وسقاً ولو کنتٍ جذدتیه أو قبضتیه كان
ذلك فإنما هو الیوم مال وارث، فاقتسموه على
كتاب الله تعالى))(٢).
وعن ابن حامد أن الملك في الهبة يقع
مراعى: فإن وجد القبض تبينا أنه كان
للموهوب بقوله، وإلا فهو للواهب، قال
البهوتي : وهو وجه حسن.
(١) كشاف القناع ٤/ ٣٠٠.
(٢) أثر عائشة: ((أن أبا بكر - رَ - نحلها جذاذ
عشرين ... )).
أخرجه مالك في الموطأ (٧٥٢/٢ ط عيسى
الحلبي).
وقال المرداوي: وظاهر كلام الخرقي
وطائفة أن ما يكال ويوزن لا يصح إلا
مقبوضاً (١).
القول الثالث: وهو مذهب المالكية.
وعندهم أن القبض ليس شرطاً في صحة
الهبة، بل إن القبض شرط في تمامها فإن عدم
لم تلزم مع كونها صحيحة(٢).
وذهب أبو ثور إلى لزوم الهبة بالإيجاب
والقبول لعموم قوله عليه الصلاة والسلام:
((العائد في هبته كالعائد في قيئه)) ولأنه إزالة
ملك بغير عوض فلزم بمجرد العقد كالوقف
والعتق(٣).
وللموهوب له إجبار الواهب علی تمکینه
من القبض حيث طلبه على المشهور، فله
طلبها منه حيث امتنع الواهب ولو عند حاكم
ليجبره على تمكين الموهوب له منه، قال ابن
عبد السلام: القبول والحيازة معتبران، إلا أن
القبول ركن والحيازة شرط، وتبطل الهبة إن
تأخر حوزها لدين محيط بمال الواهب ولو بعد
(١) كشاف القناع ٣٠٠/٤، والإنصاف ١٢٠/٧-
١٢١، والمغني والشرح الكبير ٢٤٦/٦.
(٢) الخرشي ٧/ ١٠٤، ١٠٧، وحاشية الدسوقي
٠١٠١/٤
(٣) المغني مع الشرح ٢٤٦/٦.
- ١٣١ -
هبة ٢٣
عقدها، أو وهبها لشخص ثان، وحاز الثاني
قبل الأول، فالهبة للثاني لتقوي الهبة
بالحيازة، ولا قيمة على الواهب للأول لأنه
فرط في الحوز، وهذا هو المشهور، وسواء
علم الأول وفرط أم لا، مضى من الزمان ما
يمكنه فيه القبض أم لا، وكذلك تبطل الهبة إذا
أعتق الواهب العبد قبل أن يحوزه الموهوب
له(١) .
شرائط صحة القبض :
اشتراط إذن الواهب:
٢٣ - اختلف الفقهاء في اشتراط إذن
الواهب في القبض إلى قولين:
الأول: يشترط لصحة القبض أن يكون بإذن
الواهب، وهذا عند الحنفية والشافعية
والحنابلة .
قال الكاساني: إن الإذن بالقبض شرط
لصحته في باب البيع، حتى لو قبض المشتري
بدون إذن البائع قبل نقد الثمن كان للبائع حق
الاسترداد، فلأن يكون ذلك في الهبة أولى،
لأن البيع يصح بدون القبض بخلاف الهبة.
ولأن القبض في الهبة يشبه الركن وإن لم
(١) الخطاب ٥٤/٦، والخرشي ٧/ ١٠٥.
يكن ركناً على الحقيقة فيشبه القبول في البيع.
والإذن قد يكون صريحاً أو دلالة:
فالصريح أن يقول: اقبض أو أذنت لك
بقبضه وما جرى مجراه.
فيجوز قبضه استحساناً سواء قبضه
:
الموهوب له بحضرة الواهب أو بغير حضرته.
ووجه الاستحسان ما روي عن رسول الله
﴿ ﴿ أنه قد حمل إليه ست بدنات فجعلن
يزدلفن إليه، فقام عليه الصلاة والسلام
فنحرهن بيده الشريفة، وقال: ((من شاء
اقتطع))(١) وانصرف.
وجه الدلالة أنه عليه الصلاة والسلام قد أذن
بالقبض بعد الافتراق حين أذن لهم بالقطع فدل
على جواز القبض واعتباره بعد الافتراق.
أما عند الإمام زفر فإنه لا يجوز القبض بعد
الافتراق عن المجلس وهو القياس.
ووجهه أن القبض عنده ركن بمنزلة القبول
1
فلا يصح بعد الافتراق كالقبول في باب البيع.
(١) حديث: ((من شاء اقتطع)).
أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٥٠ ط الميمنية)
والحاكم في المستدرك (٢٢١/٤ ط دائرة المعارف)
وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
- ١٣٢ -
هبة ٢٤ - ٢٥
أما القبض دلالة: فهو أن يقبض الموهوب
له العين فى المجلس ولا ينهاه الواهب، فإن
قبضه يجوز استحساناً، لأن إيجاب الهبة
بمنزلة الإذن بالقبض دلالة، والثابت دلالة
كالثابت نصاً.
والقياس أن لا يجوز القبض بدون إذن
صريح وهو قول زفر(١).
والثاني: ذهب المالكية إلى أن الإذن ليس
شرطاً في القبض عندهم، بل إن القبض كما
سبق بيانه ليس شرطاً لصحة الهبة، بل إن
الملك يثبت بالعقد وعلى الواهب التسليم.
وبه قال بعض الحنابلة(٢).
أن لا یکون الموهوب مشغولاً بما لیس
بموهوب :
٢٤ - يشترط الحنفية لصحة القبض أن لا
يكون الشيء الموهوب مشغولاً بما ليس
بموهوب لصحة القبض.
وهذا الشرط يأتي بناءً على أن معنى القبض
هو التمكن من التصرف في المقبوض فإذا كان
(١) البدائع ١٢٣/٦، مغني المحتاج ٤٠٠/٢،
والإنصاف ٧/ ١٢٢ .
(٢) الخرشي ١٠٤/٧-١٠٧، والدسوقي ١٠١/٤،
والإنصاف ٧/ ١٢٢ .
مشغولًا لا يتحقق هذا المعنى.
وعلى هذا يخرج ما إذا وهب داراً فيها متاع
الواهب وسلم الدار إلیه أو سلم الدار مع ما
فيها من المتاع فإنه لا يجوز، لأن الفراغ شرط
صحة التسليم والقبض ولم يوجد.
وهذا بخلاف ما لو وهب المتاع فقط دون
الدار وخلى بين الموهوب له وبين المتاع فإن
الهبة جائزة، لأن المتاع ليس مشغولا بالدار بل
الدار مشغولة بالمتاع(١).
كيفية تحقق القبض :
٢٥ -الأصل أن المناولة والأخذ إقباض
وقبض، كذلك تكون التخلية قبضاً إذا خلى
الواهب بين الموهوب له والشيء الموهوب.
أما لو كان الشيء الموهوب مقبوضاً قبل
الهبة، كما لو وهب المودع الوديعة للوديع
والمعير العارية للمستعير فإن الهبة جائزة ولا
يحتاج إلى قبض جديد(٢).
والتفصیل في مصطلح (قبض ف٥ وما
بعدها).
(١) بدائع الصنائع ١٢٥/٦.
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٢٣، والمغني والشرح٦/ ٢٥٠،
والإنصاف ٧/ ١٢٢ .
- ١٣٣ -
هبة ٢٦
ثالثاً : صيغة الهبة:
٢٥ - اختلف الفقهاء في ركن صيغة الهبة
إلی قولین :
الأول: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة
وزفر من الحنفية إلى أن ركن صيغة الهبة
يتكون من الإيجاب والقبول، وهو القياس،
وفي قول لزفر أن القبض ركن أيضاً.
واختار ابن نجيم أن ركن الهبة الإيجاب
والقبول(١) .
وقال ابن عقيل من الحنابلة: أن القبض
ركن في الهبة كالإيجاب في غيرها وكلام
الخرقي يدل عليه(٢).
وحجة الجمهور: أن الهبة تصرف شرعي،
ووجود التصرف الشرعي هو اعتباره شرعاً
وهو انعقاده في حق الحكم (التمليك) والحكم
لا يثبت بنفس الإيجاب فلا يكون ذات
(١) تحفة الفقهاء ٣٥٤/٣، والمبسوط ١٢/ ٥٧،
وبدائع الصنائع ١١٥/٦، والعناية بهامش تكملة
فتح القدير ١١٣/٧، وحاشية ابن عابدين
٣١٥/٤، والبحر الرائق ٧/ ٣١٠، والقوانين
الفقهية ص٣١٥، ومغني المحتاج ٣٩٧/٢،
وحاشية القليوبي وعميرة ١١١/٣، والمغني
والشرح الكبير ٦/ ٢٥٠ وكشاف القناع ٤/ ٣٠٠ .
(٢) الإنصاف ٧/ ١٢١ .
الإيجاب هبة شرعاً بدون قبول، ولهذا لم یکن
الإيجاب بدون القبول في البيع بيعاً، كذلك
هنا .
الثاني : ذهب أبو حنيفة وصاحباه محمد
وأبو يوسف إلى أن القبول ليس ركناً في صيغة
الهبة وإنما ركنها الإيجاب فقط استحساناً(١).
وجه الاستحسان: إن معنى الهبة في اللغة
عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شرط
القبول، وإنما يطلب القبول والقبض لثبوت
حكمها لا لوجودها بنفسها، فإذا أوجب فقد
أتى بالهبة فتُرتب عليه أحكامها .
والدليل على أن وقوع التصرف هبة لا
يتوقف على القبول هو ما روي عن النبي وَلؤل
أنه قال: ((لا تجوز الهبة إلا مقبوضة
محوزة))(٢)، وجه الدلالة فيه أنه أطلق اسم
الهبة بدون القبض والحيازة.
(١) تحفة الفقهاء ٣٥٤/٣، والمبسوط ١٢/ ٥٧،
وبدائع الصنائع ١١٥/٦، والعناية بهامش تكملة
فتح القدير ١١٣/٧، وحاشية ابن عابدين
٥٣١/٤، والبحر الرائق ٣١٠/٧.
(٢) حديث: ((لا تجوز الهبة إلا مقبوضة)).
أخرجه عبد الرزاق في المصنف موقوفاً على إبراهيم
النخعي. ولفظه: ((الهبة لا تجوز حتى تقبض،
والصدقة تجوز قبل أن تقبض)) (المصنف ١٠٧/٩
ط المجلس العلمي).
٠٠
- ١٣٤ -
:
....
هبة ٢٧
وكذلك ما ورد أن الصعب بن جثامة أهدى
إلى النبي وَلّ حمار وحش وهو محرم فرده
عليه النبي وَّله وقال: ((لولا أنا محرمون لقبلناه
منك))(١) فقد أطلق الراوي اسم الإهداء بدون
القبول، والإهداء من ألفاظ الهبة.
كما روي أن أبا بكر الصديق ◌َّهُ دعى
عائشة تعطّها في مرض موته فقال لها: إني
كنت نحلتك - أعطيتك - جذاذ عشرين وسقاً
من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا
حرزتيه، وإنما هو اليوم مال الوارث(٢).
والدليل فيه: أن الصديق تظلّه أطلق اسم
التحلى بدون القبض، والنحلى من ألفاظ
الهبة(٣).
ألفاظ الهبة :
٢٧ - يصح إيجاب الواهب بلفظ: وهبتك
هذا الشيء أو ما يفيد معناه في إفادة التمليك
بلا ثمن، كقوله: أعطيتك هذا الشيء، أو
نحلته لك أو أهديتكه، أو أطعمتك هذا الطعام
(١) حديث: ((لولا أنا محرمون ... )).
: أخرجه مسلم (٢/ ٨٥١ ط عيسى الحلبي).
.
.
(٢) أثر: إني كنت نحلتك
سبق تخريجه ف ٢١ .
(٣) بدائع الصنائع ١١٥/٦.
أو غير ذلك مما يراد به الهبة وهذا باتفاق(١).
وقال الحنفية: إن قال: منحتك هذا الشيء
أو هو لك منحة فلا يخلو الأمر إما أن يكون
قد عنى بالمنحة الهبة، وإما لم تتبین نيته.
فإن عنى بها الهبة فهو على ما عنى أو نوی،
سواء کان الشيء مما یمکن الانتفاع به من غیر
استهلاك، أو كان مما لا ينتفع به إلا
باستهلاكه، لأنه قد نوى ما يحتمله لفظ المنحة
وفيه تشديد على نفسه، إذ الأصل أن يعتبر هذا
عارية .
أما إذا لم تتبين نيته فإنه لا يخلو إما أن
يكون ذلك الشيء مما يمكن الانتفاع به من
غير استهلاك، وإما أن يكون مما لا يمكن
الانتفاع به إلا باستهلاكه.
فإن كان مما يمكن الانتفاع به من غير
استهلاك كان إعارة، كالدار والثوب والدابة
والأرض، كقوله: هذه الدار لك منحة أو هذا
الثوب أو هذه الأرض لأن المنحة في الأصل:
هبة المنفعة أو ماله حكم المنفعة، وقد أضيف
إلى ما يمكن الانتفاع به من غير استهلاك من
(١) بدائع الصنائع ١١٦/٦، والقوانين الفقهية ص٣١٥،
ومغني المحتاج ٣٩٧/٢، ونهاية المحتاج
٤٠٣/٥، والخرشي ١٠٤/٧، والمغني والشرح
الكبير ٢٥٢/٦، وكشاف القناع ٢٩٨/٤ .
- ١٣٥ -
هبة ٢٨ - ٣٠
السكنى واللبس والزراعة وأمثالها، فكان هذا
تمليك المنفعة بلا عوض وهو تفسير الإعارة.
ويجري مجراه منح الشاة الحلوب والبقرة
الحلوب والناقة الحلوب، لأن اللبن وإن كان
عيناً لكنه معدود من المنافع عرفاً وعادةً.
ومثله لو قال: أطعمتك هذه الأرض فإن
المقصود زراعتها وهي منفعتها.
وأما إن كان الشيء مما لا يمكن الانتفاع به
إلا باستهلاكه فإنه يكون هبة، كالمأكول
والمشروب والدراهم والدنانير، كقوله: هذا
الطعام لك منحة أو هذا اللبن أو هذه الدراهم
والدنانير، فكل هذا لا يمكن حمله على هبة
المنفعة فيحمل على هبة العين(١).
هذا وتصح الهبة بالمعاطاة، لأن الهبة في
حقيقتها عطية، وقد كان النبي 38َّ يعطي
ويعطى من غير ألفاظ(٢).
٢٨ - أما القبول فإنه يصح بكل قول أو
فعل يشعر بالرضا من جانب الموهوب له
كقوله: قبلت ورضيت أو يأخذها بدون لفظ.
(١) البدائع ١١٦/٦ .
(٢) الخرشي ٧/ ١٠٤، والمغني والشرح الكبير
٢٥٢/٦، والإنصاف ١١٩/٧، ومغني المحتاج
٣٩٨/٢ .
٢٩ - وقد اختلف الفقهاء في تراخي
القبول :
فذهب المالكية في ظاهر مذهبهم إلى جواز
تراخي القبول عن الإيجاب(١) .
وقال الحنابلة: يصح تراخي القبول ما داما
في المجلس ولم يثبت ما يفيد قطعه
والإعراض عنه(٢).
أما الشافعية فإنهم يشترطون اتصال القبول
بالإيجاب كالبيع(٣).
والظاهر أن هذا رأي زفر أيضاً لأنه عد
القبول ركناً في الصيغة فلا يصح بعد
المجلس .
:
كما يشترط في القبول أن يكون موافقاً
للإيجاب، فيقع على ماكان إيجاب الواهب
عينه هبة.
تعليق الهبة وإضافتها :
٣٠ - الهبة المعلقة على شرط: هي الهبة
التي اقترن بصيغتها ما يعلق إيجابها على شرط
ممكن غير موجود، كقوله: إذا نجحت
(١) الخرشي ٧/ ١٠٤ .
(٢) الإنصاف ١١٩/٧ .
(٣) مغني المحتاج ٣٩٧/٢.
- ١٣٦ -
هبة ٣١
وهبتك ساعتي. فإن الهبة تكون معلقة على
أمر متردد بين الوجود وعدمه.
والعقد المعلق على شرط يجب ثبوته عند
ثبوت الشرط الذي علق عليه، لأنه لو ثبت
التصرف قبل وجود الشرط لاستوجب ذلك
وجود المشروط بدون الشرط وذلك محال.
وإذا كان ما علقت الهبة عليه وقتاً مستقبلاً
كرأس الشهر الآتي أو الأسبوع القادم كانت
الهبة مضافة إلى المستقبل.
ولما كانت الهبة من عقود التمليكات، وإن
مقتضى التمليك هو الجزم والتنجيز لذلك فقد
منع فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة في
المعتمد تعليق الهبة أو إضافتها إلى المستقبل
لأن الهبة تمليك في الحال، والتعليق والإضافة
تنافى»(١)
أما فقهاء المالكية فإنهم وإن كان الأصل
عندهم كما ضبطه القرافي: أن التمليكات لا
تقبل التعليق لأن طريقها الجزم إلا أنهم يذهبون
إلى أن الوعد في التبرعات إذا كان على سبب
ودخل الموعود له بسبب الوعد في شيء على
(١) بدائع الصنائع ١١٨/٦، والمغني والشرح ٦/ ٢٦٤،
والإنصاف ٧/ ١٣٣، ومنهج الطلاب مع البجيرمي
٢١٦/٣، وشرح منهج الطلاب على حاشية الجمل
٥٩٥/٣، والغاية القصوى ٦٥١/٢ .
المشهور - أو لم يدخل على قول أصبغ - فإنه
یکون لازماً ویقضی به على الواعد.
وذلك بناءً على ما اشتهر عن مالك رحمه
اللَّه: أن من ألزم نفسه معروفاً لزمه إلا من
موت أو فلس(١).
اقتران الشروط بصيغة الهبة:
٣١ - الشرط المقترن بالهبة قد يكون
صحيحاً أو غير صحيح.
فالشرط الصحيح هو ما كان مؤكداً
لمقتضاها غير مخالف لأحكامها، كما لو قال
الواهب: وهبتك هذا الشيء فاقبل فوراً
واقبضه. أو يشترط فيها العوض وسيأتي
الكلام عليه.
كما يجوز عند الحنابلة شرط استثناء منفعة
الشيء الموهوب لمدة معلومة(٢).
أما الشرط غير الصحيح فإنه الشرط الذي
يخالف أحكام الهبة ومقتضاها كما لو قال:
وهبتك هذا بشرط أن لا تهبه ولا تبيعه لأحد،
أو وهبتکه بشرط أن تعيده لي بعد شهر .
فيرى جمهور الفقهاء: الحنفية والشافعية في
(١) الفروق ٢٢٨/١، وفتح العلي المالك لعليش
٢٥٤/١، والخرشي ١٢٦/٦.
(٢) كشاف القناع ٤/ ٣٠٠ وما بعدها.
- ١٣٧ -
هبة ٣١
قول والحنابلة في المذهب إلى أنه يبطل
الشرط ويصح العقد(١).
فقد نص الحنفية على أنه لو وهب جارية
على أن يبيعها أو على أن يتخذها أم ولد أو
على أن يبيعها لفلان أو على أن يردها عليه بعد
شهر جازت الهبة وبطل الشرط، لأن هذه
الشروط مما لم تمنع وقوع التصرف تمليكاً
للحال وهي شروط تخالف مقتضى العقد
فتبطل ويبقى العقد على الصحة، بخلاف
شروط الرقبى، وبخلاف البيع فإنه تبطله هذه
الشروط، لأن القياس أن لا يكون قران الشرط
الفاسد لعقد ما مفسداً له، لأن ذكره في العقد
لم يصح فيلحق بالعدم ويبقى العقد صحيحاً،
إلا أن الفساد في البيع للنهي الوارد فيه - ولا
نهي في الهبة - فيبقى الحكم فيه على الأصل،
ولأن دلائل شرعية الهبة عامة مطلقة من نحو
قوله تعالى: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا
فَكُلُوهُ هَنِيْئًا فَهًِ﴾(٢) وهذا يجري مجرى
الترغيب في أكل المهر، وقوله عليه الصلاة
والسلام: ((تهادوا تحابوا))(٣) وهذا ندب إلى
(١) بدائع الصنائع ١١٧/٦، ومغني المحتاج ٣٩٨/٢،
وروضة الطالبين ٣٧١/٥-٣٧٢، والمغني مع
الشرح ٢٥٦/٦، والإنصاف ١٣٣/٧ .
(٢) سورة النساء/ ٤ .
(٣) حديث: ((تهادوا تحابوا)).
سبق تخريجه ف ٥ .
التهادي والهدية هبة، وروي عن الصديق
رَعليه أنه قال لسيدتنا عائشة تعثّها: ((إني كنت
نحلتك كذا وكذا))، وعن سيدنا عمر ته أنه
قال: ((من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه
صدقة فإنه لا يرجع فيها ومن وهب هبة یری
أنه أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن
لم يرض عنها))، ونحوه من الدلائل المقتضية
الشرعية الهبة من غير فصل بين ما قرن بها
شرط فاسد أو لم يقرن، وعلى هذا يخرج ما
إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها أو وهب
حيواناً واستثنى ما في بطنه أن الهبة جائزة في
الأم والولد جميعاً، والاستثناء باطل، والكل
للموهوب له(١) .
وذهب المالكية في قول والشافعية في
المذهب والحنابلة في وجه إلى أنه يبطل العقد
والشرط(٢).
وللمالكية تفصيل في مسألة: من وهب
لرجل هبة على أن لا يبيع ولا يهب، فقد نقل
الحطاب عن الشيخ أبي الحسن قوله: حصل
ابن رشد فيها من سماع عيسى خمسة أقوال:
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١١٧ .
(٢) مواهب الجليل ٦/ ٥٠، ومغني المحتاج
:
٣٩٨/٢، وروضة الطالبين ٣٧١/٥-٣٧٢،
والمغني مع الشرح ٦/ ٢٥٦ .
- ١٣٨ -
هبة ٣٢ - ٣٣
الأول: أن الصدقة والهبة لا تجوز إلا أن
يشاء الواهب أن يبطل الشرط فإن مات
أحدهما بطلت، وهو ظاهر قول مالك في هذه
الرواية ومثل قول ابن القاسم في رواية
سحنون.
الثاني: أن الواهب مخير بين أن يترك شرطه
أو يسترد هبته وورثته بعده ما لم ينتقض أمره
بموت الموهوب.
الثالث: أن الشرط باطل والهبة جائزة.
الرابع: أن يكون ذلك حبساً فإذا مات
المتصدق علیه أو الموهوب له رجع إلى
المتصدق أو ورثته أو أقرب الناس بالمحبس
على اختلاف قول مالك.
الخامس: أن الشرط عامل والهبة ماضية
لازمة فتكون الصدقة بين المتصدق عليه
كالحبس لا يبيع ولا يهب حتى يموت فإذا
مات ورث عنه على سبيل الميراث وهو قول
عيسى بن دينار في هذه الرواية وقول مطرف
في الواضحة.
قال الحطاب: وهذا القول هو أظهر الأقوال
وأولاها بالصواب لأن الرجل له أن يفعل في
ملکه ما شاء(١) .
(١) مواهب الجليل ٦/ ٥٠، وانظر الذخيرة ٦/ ١٦٤ .
العمری والرقبی :
٣٢ - يتفق الفقهاء على أن توقيت الهبة لا
يجوز، لكنهم تكلموا في باب الهبة عن
العمرى والرقبى كصورة من صور توقيت الهبة
بالعمر أو بموت أحدهما.
وتفصيل ذلك في مصطلحي (رقبى ف ٤،
عمری ف ٦).
الهبة بشرط العوض:
٣٣ - الأصل في الهبة أنها من عقود
التبرعات أي أن الموهوب له لا يعوض
الواهب شيئاً عما وهبه له.
إلا أنه لو صدرت الهبة من الواهب مقترنة
بشرط العوض مقابل الشيء الموهوب، كما لو
قال الواهب: وهبتك هذا الشيء على أن
تثيبني أو تعوضني فهل يصح مثل هذا الشرط؟
للفقهاء فيه قولان:
القول الأول: يصح هذا الشرط وهو قول
جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة
في المذهب والشافعية في الأظهر.
وحجتهم ما روي عن النبي وَلّ أنه قال:
((الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها))(١).
(١) حديث: ((الواهب أحق بهبته ... )).
- ١٣٩ -
هبة ٣٤
القول الثاني: لا يصح هذا الشرط وهو قول
الشافعية في مقابل الأظهر وقول للحنابلة.
وحجتهم أن لفظ الهبة يفيد التبرع فمن
التناقض أن يشترط فيها العوض(١).
وبهذا القول قال داود وأبو ثور لأن الهبة
صارت من قبيل بيع الغرر(٢).
٣٤ - وعلى مذهب الجمهور يشترط أن
يكون العوض معلوماً معيناً كما في البيع فإن
كان العوض مجهولًا فإن الأصح عند الحنابلة
وهو مذهب أبي ثور الآخر أن الهبة تفسد
ویکون حكمها حکم البيع الفاسد يردها
الموهوب له إلى الواهب بزيادتها المتصلة
والمنفصلة لأنه نماء ملك الواهب، وإن كانت
تالفة رد قيمتها .
وحجتهم أنه بيع يفتقر إلى التراضي بسبب
الجهالة .
= أخرجه الدارقطني (٤٤/٣ ط دار المحاسن)،
والبيهقي في السنن الكبرى (١٨١/٦ ط دائرة
المعارف) وقال: فيه إبراهيم بن إسماعيل ضعيف.
(١) بدائع الصنائع ١٢٩/٦ - ١٣٠، والخرشي
١٠٧/٧، وحاشية الدسوقي ١١٤/٤، والمهذب
٧/١، ومغني المحتاج ٤٠٤/٢، والمغني
والشرح ٢٩٩/٦، وكشاف القناع ٤/ ٣٠٠،
والإنصاف ٧/ ١١٧ .
(٢) بداية المجتهد ٢٤٨/٢ .
أما الشافعية في المذهب فيرون أن الهبة
باطلة إذا كان العوض مجهولًا، لتعذر صحته
بيعاً لجهالة العوض، ولتعذر صحته هبة لذكر
الثواب بناء على أنها لا تقتضيه، وقيل: يصح
هبة بناء على أنها تقتضيه (١).
وعن أحمد: أن الهبة بشرط عوض مجهول
صحيحة، فإذا أعطاه الموهوب له عوضاً رضيه
لزم العقد بذلك.
ولو تغيرت العين الموهوبة بزيادة أو نقصان
ولم يثبه منها، فقال الإمام أحمد: لا أرى عليه
نقصان ما نقص عنده إذا ردها إلى الواهب،
إلا أن يكون ثوباً لبسه أو دابة استعملها، فأما
غير ذلك إذا نقص فلا شيء عليه.
لكن المرداوي في الإنصاف أورد أن الهبة
بشرط عوض مجهول غير صحيحة وهو
المذهب وعليه أكثر الأصحاب. وعن أحمد
أنه قال: يرضيه بشيء فيصح، وذكر هذه
الرواية الشيخ تقي الدين وقال الحارثي: هذا
هو المذهب(٢).
ويرى الحنفية أن الهبة بشرط العوض يراعى
(١) مغني المحتاج ٤٠٥/٢، والمغني مع الشرح
٣٠٠/٦.
(٢) الإنصاف ١١٧/٧، والمغني مع الشرح ٢٩٩/٦-
٣٠٢ .
- ١٤٠ -