النص المفهرس

صفحات 61-80

نية ٤ - ٥
عامة وأخرى تفصيلية :
أولًا: الأحكام الشرعية العامة للنية:
ما يفتقر إلى النية من الأعمال وما لا يفتقر:
٤ -أعمال المكلفين إما مطلوبة أو مباحة :
ولما كان المباح لا يتقرب به إلى الله تعالى
فلا يفتقر إلى النية إلا إذا قصد المكلف الثواب
عليه، فإنه يفتقر إلى النية.
والمطلوب من الأعمال إما مطلوبة الترك أو
مطلوبة الفعل. فالمطلوبة الترك - وهي النواهي
- فإن الإنسان يخرج عن عهدتها وإن لم يشعر
بها فضلًا عن القصد إليها، ومن ثم فلا تفتقر إلى
النية، إلا إذا شعر المكلف بالمنهي عنه ونوى
تر که لله تعالى، فإنه يحصل له مع الخروج عن
العهدة الثواب لأجل النية، ومن ثم فالنية شرط
في الثواب لا في الخروج عن العهدة.
والمطلوبة الفعل - وهي الأوامر - فهي
على قسمين من حيث افتقارها إلى النية:
القسم الأول: ما يكون صورة فعله كافية في
تحصيل مصلحته، كأداء الدين والودائع
والغصوب ونفقات الزوجات والأقارب، فإن
المحصلة المقصودة من هذه الأمور انتفاع
أربابها، وهي تتحقق بمجرد امتثال الأمر، ولا
تتوقف على قصد الفاعل لها فيخرج الإنسان
عن عهدتها وإن لم ينوها.
القسم الثاني: ما تکون صورة فعله ليست
كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه،
كالصلوات والطهارات والصيام والنسك، فإن
المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع
له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قُصدت
من أجله سبحانه وتعالى.
فهذا القسم هو الذي أمر فيه الشرع
بالنيات(١) وهذا في الجملة .
وللفقهاء تفصيل في افتقار العبادات والعقود
إلى النية، بيانه فيما يلي:
أ - افتقار العبادات إلى النية:
٥ - العبادة إذا كانت غير ملتبسة بالعادة ولا
بغيرها من العبادات، كالإيمان بالله تعالى
والمعرفة والخوف والرجاء وقراءة القرآن
وسائر الأذكار وأمثال ذلك، فإنها لا تفتقر إلى
النية، لأنها متميزة لله تعالى بصورتها، ولا
تلتبس بغيرها(٢).
(١) الذخيرة ٢٤٥/١ ط دار الغرب، والمنثور في
القواعد للزركشي ٢٨٧/٣ .
(٢) المجموع المذهب في قواعد المذهب ٢٦٠/١،
والأشباه للسيوطي ص١٢، والأشباه لابن نجيم
ص٣٠ .
- ٦١ -

نية ٦ - ٧
وإن كانت العبادة تلتبس بالعادة أو بغيرها
من العبادات، كالغسل والصلاة والصيام
والضحايا والصدقة والنذور والكفارات
والجهاد والعتق فإنها تفتقر إلى النية (١).
ب - افتقار العقود إلى نية :
٦ - العقد إذا كان يستقل به الشخص
كالطلاق والعتاق والإبراء والوقف والوصية
والرجعة والظهار والفسوخ، فإن انعقاده
بالكناية يفتقر إلى النية، ولا يفتقر إليها في
انعقاده باللفظ الصريح.
وإن كان العقد لا يستقل به الشخص، بأن
کان یحتاج إلى إيجاب وقبول فهو ضربان:
الأول: ما يشترط فيه الإشهاد كالنكاح وبيع
الوكيل المشروط فيه الإشهاد، فهذا لا ينعقد
بالكناية مع النية لأن الشاهد لا يعلم النية .
الثاني: ما لا يشترط فيه الإشهاد وهو
نوعان :
النوع الأول: ما يقبل مقصوده التعليق
بالغرر كالكتابة والخلع فإنه ينعقد بالكناية مع
النية .
(١) المجموع المذهب في قواعد المذهب ٢٥٦/١،
والأشباه للسيوطي ص١٢، والأشباه لابن نجيم
ص٢٩، والقواعد للحصني ٢٠٩/١.
النوع الثاني: ما لا يقبل التعليق بالغرر
كالبيع والإجارة وغيرهما، فإنه ينعقد بالكناية
مع النية على أصح الوجهين عند الشافعية(١).
حکم النية فيما يفتقر إليها:
٧ - اختلف الفقهاء في حكم النية في
العبادات هل هي فرض أوركن أوشرط؟
فيرى جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية
على الأظهر - كما قال صاحب الطراز -
ورأي عند الشافعية مقابل الأكثر، والحنابلة:
أن النية شرط في العبادات.
ويرى أكثر الشافعية أنها ركن فيها .
وفي قول عند المالكية أنها فرض في
الوضوء، قال المازري: على الأشهر، وقال
ابن الحاجب: على الأصح(٢).
(١) الأشباه للسيوطي ص٢٩٦، والمجموع المذهب
٢٩٠/١ وما بعدها، والأشباه لابن نجيم ص٢٣،
والقواعد لابن رجب ص ٥٠، ومغني المحتاج
٣٨٧/٣ .
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٠، ٢٤، ٥٢،
ومواهب الجليل ١/ ١٨٢، ٢٣٠، والذخيرة ص
٢٣٥ - ٢٣٦، وقواعد الأحكام ص ١٧٥ ، ١٧٦ ،
وحاشية الجمل ١٠٣/١، ومغني المحتاج ١٤٨/١،
والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٠، ٤٣، ٤٤،
وكشاف القناع ٨٥/١، ٣١٣، والمغني ٩١/٣.
- ٦٢ -
٠٠

نية ٨
وسيأتي بيان آراء الفقهاء في حكم النية في كل
عبادة من العبادات في موطنه من هذا البحث.
فضيلة النية :
٨ -النية هي محط نظر اللَّه تعالى من
العبد، قال النبي وَلجر: ((إن الله لا ينظر إلى
صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم))(١)، وإنما نظر إلى القلوب لأنها
مظنة النية، وهذا هو سر اهتمام الشارع بالنية
فأناط قبول العمل ورده وترتيب الثواب
والعقاب بالنية(٢)، ويظهر أثر ذلك فيما يلي:
أ -قال الغزالي(٣): إن المرء يشرك في
محاسن العمل ومساويه بالنية، واستشهد
بحديث أنس بن مالك تَش قال: لما خرج
رسول اللَّه * في غزوة تبوك قال: ((إن
بالمدينة أقواماً خلفنا، ما سلكنا شعباً ولا وادياً
إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر))(٤)،
وبحديث أبي بكرة تظن أنه قال: ((سمعت
(١) حديث: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم
وأموالكم ... )).
أخرجه مسلم (٤ / ١٩٨٧ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٢) إحياء علوم الدين ٣٥١/٤ .
(٣) إحياء علوم الدين ٣٦٢/٤ - ٣٦٥.
(٤) حديث: ((إن بالمدينة أقواماً ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٧/٦ - ط
السلفية).
رسول اللَّه ◌َ ﴾ يقول: إذا التقى المسلمان
بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقلت: يا
رسول اللَّه هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال:
إنه كان حريصاً على قتل صاحبه))(١).
ب - إن الهم بفعل الحسنة حسنة في ذاته،
يدل على ذلك قول النبي ◌َّر: ((من همّ بحسنة
فلم يعملها كتبت له حسنة))(٢)، فالنية في
نفسها خير وإن تعذر العمل بعائق(٣).
ومما يتفرع على ذلك ما نقله السيوطي من
أن المنقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها -
إذا كانت نيته حضورها لولا العذر - يحصل له
ثوابها (٤).
ج - إن النية تعظّم العمل وتصغره، فقد ورد
عن بعض السلف: رُبّ عمل صغير تعظمه
النية، ورب عمل كبير تصغره النية(٥)، لقول
(١) حديث أبي بكرة: ((إذا التقى المسلمان
بسیفیھما ... )).
أخرجه البخاري ( فتح الباري ٨٥/١ - ط
السلفية)، ومسلم (٤/ ٢٢١٣ - ٢٢١٤ - ط
الحلبي).
(٢) حديث: ((من هم بحسنة فلم يعملها ... )).
أخرجه مسلم (١١٨/١ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٣) الإحياء ٤/ ٣٥٢.
(٤) الأشباه للسيوطي ص ٤٧ .
(٥) الإحياء ٤/ ٣٥٣.
- ٦٣ -

نية ٨
النبي ◌َّل: ((نية المؤمن خير من عمله))(١).
د -إن الله تعالى يعين العبد ويوفقه للعمل
على قدر نيته، فقد كتب سالم بن عبد الله إلى
عمر بن عبد العزيز: اعلم أن عون اللَّه تعالى
للعبد على قدر النية، فمن تمت نيته تم عون
اللَّه له، وإن نقصت نقص بقدره(٢).
هـ -قال الغزالي: عماد الأعمال النيات،
قال النبي وَله: ((إنما الأعمال بالنيات))(٣)،
فالمرء يتقبل منه عمله ويثاب عليه أو يرد عمله
ويعاقب عليه بحسب نيته(٤).
كما جاء في حديث أبي هريرة تطرقي: ((من
تزوج امرأة على صداق وهو ينوي أن لا يؤديه
إليها فهو زان، ومن ادَّان ديناً وهو ينوي أن لا
يؤديه إلى صاحبه - أحسبه قال -: فهو
سارق))(٥).
(١) حديث: ((نية المؤمن خير من عمله)).
أخرجه الطبراني في الكبير (١٨٥/٦ - ١٨٦ - ط
العراق) من حديث سهل بن سعد، وأورده الهيثمي
في مجمع الزوائد (٦١/١ - ط القدسي)، وذكر أن
فيه راوياً لم ير من ترجمه.
(٢) الإحياء ٣٥٣/٤.
(٣) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ٩/١ - ط السلفية)، ومسلم
(١٥١٥/٣ - ط الحلبي) من حديث عمر بن
الخطاب تطلقه .
(٤) الإحياء ٤/ ٣٦٢ .
(٥) حديث أبي هريرة: ((من تزوج امرأة على =
ز - إن النية تقلب المباحات إلى واجبات
ومندوبات لينال الناوي عليها الثواب بنيته.
ومثال ذلك أن لبس الثياب هو مباح، فإذا
أراد الشخص أن يحول هذا المباح إلى واجب
نوى بلبسه الثياب ستر العورة وذلك واجب.
فإن كان الثوب مما يتزين به فإنه يضم إلى نية
الواجب امتثال السنة في إظهار نعم الله تعالى،
لقوله وقال: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته
على عبده))(١)، فينوي بذلك مبادرته إلى ما
يحبه الله منه، وإن كان الثوب مما لا يتزين به
فينوي بلبسه التواضع لله تعالى والانكسار
والتذلل بين يديه وإظهار الحاجة والمسكنة
والفقر إليه وامتثال السنة (٢) لقوله وَليقول: ((من
ترك اللباس تواضعاً لله - وهو يقدر عليه -
دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى
يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها))(٣).
= صداق ... )).
أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٦٣/٢ - ط
الرسالة)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب
(٥٨٦/٢ - دار ابن كثير) وأشار إلى تضعيفه.
(١) حديث: ((إن الله يحب أن يرى.
أخرجه الترمذي (١٢٢/٤ - الحلبي) من حديث
عبد الله بن عمرو، وقال: حديث حسن.
(٢) المدخل لابن الحاج ٢٣/١ - ٢٤.
(٣) حديث: ((من ترك اللباس تواضعاً لله ... )).
أخرجه الترمذي (٤ /٦٥٠ - ط الحلبي) من حديث
معاذ بن أنس، وقال: حديث حسن.
٠ ٦٤ -
:

نية ٩ - ١٠
ثواب النية وحدها، ومع العمل:
٩ - ناوي القربة يثاب على مجرد نيته من
غير العمل، ولا يثاب على أكثر الأعمال إلا
إذا نوى، لأن النية منصرفة بنفسها وصورتها
إلی الله تعالى، ولذلك يثاب عليها وحدها،
وأما الفعل المجرد عن النية فإنه متردد بين ما
هو لله تعالى وما هو لغيره، أي بين العادة
والعبادة، فهو غیر منصرف بنفسه وصورته إلى
الله تعالى، ولذلك لايثاب عليه(١).
وقال الفقهاء: يسن نية قيام الليل عند النوم
ليفوز بقوله : ((من أتى فراشه وهو ينوي أن
يقوم من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له
ما نوی، وکان نومه عليه صدقة من ربه عز
وجل))(٢).
وقالوا: إن المرء یثاب على نيته وحدها
حسنة واحدة، فإن اتصل بها الفعل أثيب بعشر
(١) مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ٢٣٢/١
الطبعة الثانية - دار الفكر - بيروت، وقواعد
الأحكام في مصالح الأنام ١٧٩/١ دار الكتب
العلمية - بيروت.
(٢) حديث: ((من أتى فراشه وهو ينوي أن
يقوم ... )).
أخرجه النسائي (٢٥٨/٣- ط المكتبة التجارية) من
حديث أبي هريرة، وجوّد إسناده المنذري في
الترغيب والترهيب (١/ ٧٠ ط دار ابن كثير).
حسنات، لأن الفعل المنوي تتحقق به
المصالح المطلوبة من العبادات، فلذلك كان
أجره - أي مع النية - أعظم وثوابه أوفر،
ولأن الأفعال هي المقاصد والنيات وسائل(١).
محل النية :
١٠ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة
وهو قول مالك وأكثر فقهاء المالكية إلى أن
محل النية من المكلف القلب في کل موضع،
لأنه محل العقل والعلم والميل والنفرة
والاعتقاد، ولأن حقيقتها القصد، ومحل
القصد القلب، ولأنها من عمل القلب.
واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَمَّ أُمِرُوّا
إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾(٢) والإخلاص
عمل القلب، وهو محض النية، وذلك بأن
يقصد بعمله أنه لله تعالى وحده(٣)، وقول الله
تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ
(١) نيل المآرب ١٦٣/١، ومواهب الجليل ٢٣٢/١،
وقواعد الأحكام ١٧٩/١ .
(٢) سورة البينة/ ٥.
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٤٠، والمغني لابن
قدامة ١١١/١ ط - المنار، وكشاف القناع عن
متن الإقناع ٨٦/١ مكتبة النصر الحديثة الرياض،
والمجموع ٣١٦/١، والجمل على شرح المنهج
١٠٣/١، ومواهب الجليل ٢٣١/١، والذخيرة
ص٢٣٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٠،
ونيل المآرب ١٣٠/١ .
- ٦٥ -

نية ١٠
يَعْقِلُونَ بِهَا﴾(١)، وقوله سبحانه: ﴿مَا كَذَبَ
اَلْفُؤَادُ مَا رَأَغَ﴾(٢)، وقوله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ
كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ﴾(٣)، وقوله جل
جلاله: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) ولم يضف
اللَّه شيئاً من هذه الأمور إلى الدماغ.
وعند المالكية خلاف فصله الحطاب فقال :
قال المازري: أقل المتشرعين وأكثر الفلاسفة
على أن النية في الدماغ، وروي عن عبد
الملك أن العقل في الدماغ فيلزم عليه أن النية
في الدماغ لا في القلب، لأن العلم والإرادة
والميل والنفرة والاعتقاد كلها أعراض النفس
والعقل، فحيث وجدت النفس وجد الجميع
قائماً بها، فالعقل سجيتها، والعلوم والإرادات
صفاتها، ولأنه إذا أصيب الدماغ فسد العقل
وبطلت العلوم والفكر وأحوال النفس(٥) .
ثم قال الحطاب: قال القرافي: وإذا تقرر
أن العقل في القلب لزم أن النفس في القلب
عملًا بظاهر النصوص، وإذا كانت النفس في
القلب كانت النية وأنواع العلوم وجميع أحوال
النفس في القلب.
(١) سورة الحج/ ٤٦ .
(٢) سورة النجم / ١١ .
(٣) سورة المجادلة/ ٢٢ .
(٤) سورة البقرة/ ٧ .
(٥) مواهب الجليل ٢٣١/١ .
وأضاف المازري قوله: وهذا أمر لا مدخل
للعقل فيه وإنما طريقه السمع، وظواهر السمع
تدل على صحة القول الأول .. أي على أن
النية محلها القلب.
وقال الحطاب: ينبني على هذا الخلاف
مسألة من الجراح، وهي: من شج في رأسه
مأمومة أو موضحة خطأ فذهب عقله. قال في
المقدمات: فله على مذهب مالك دية العقل
ودية المأمومة أو الموضحة، لا يدخل بعض
ذلك في بعض، إذ ليس الرأس عنده محل
العقل وإنما محله في مذهب مالك القلب،
وهو قول أكثر أهل الشرع، فهو كمن فقأ عين
رجل وأذهب سمعه في ضربة. وعلى مذهب
ابن الماجشون: إنما له دية العقل، لأن محله
عنده وعند أبي حنيفة الرأس، وهو مذهب
أكثر الفلاسفة، وهو كمن أذهب بصر رجل
وفقا عينه في ضربة، وهذا في الخطأ، وأما في
العمد فيقتص منه من الموضحة، فإن ذهب
عقل المقتص منه فواضح، وإن لم يذهب فدية
ذلك في مال الجاني، وفي المأمومة له دیتها
ودية العقل(١).
1
(١) مواهب الجليل ٢٣١/١-٢٣٢، والذخيرة
ص٢٣٥ .
- ٦٦ -
:

نية ١١ - ١٢
التلفظ بالنية :
١١ - يترتب على رأي الجمهور بأن محل
النية القلب أمران:
الأول: لا يكفي اللفظ باللسان دون
القلب، فلو اختلف اللسان والقلب فالعبرة بما
في القلب، فلو نوى بقلبه الظهر وبلسانه
العصر، أو بقلبه الحج وبلسانه العمرة أو
عكسه صح له ما في القلب.
قال الدردير: إن خالف لفظه نيته فالعبرة
النية بالقلب لا اللفظ إن وقع سهواً، وأما عمداً
فمتلاعب تبطل صلاته(١).
الثاني: أنه لا يشترط مع نية القلب التلفظ
في جميع العبادات(٢).
ثم إن الفقهاء اختلفوا في الحكم التكليفي
للتلفظ بالنية :
فذهب الحنفية في المختار والشافعية
والحنابلة في المذهب إلى أن التلفظ بالنية في
(١) الشرح الكبير مع ٣٠٤ - ٢٣٤/١، والصاوي
على الشرح الصغير ٣٠٤/١ .
(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٤٥ - ٤٨، والذخيرة
١/ ٢٤٠ ط دار الغرب، والأشباه للسيوطي
ص٣٠، والمغني لابن قدامة ٤٦٥/١، ٢/
٦٣٨ ط الرياض، والمجموع للنووي ٣١٦/٢ -
٣١٧ .
العبادات سنة ليوافق اللسان القلب(١).
وذهب بعض الحنفية وبعض الحنابلة إلى أن
التلفظ بالنية مكروه(٢).
وقال المالكية بجواز التلفظ بالنية في
العبادات، والأولى تركه، إلا الموسوس
فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس(٣).
شروط النية :
١٢ - اشترط جمهور الفقهاء - الحنفية
والشافعية والحنابلة - للنية ما يلي:
أ - الإسلام، فلا تصح العبادات من
الكافر.
ب - التمييز، فلا تصح عبادة صبي غير
مميز ولا مجنون.
جـ - العلم بالمنوي، فمن جهل فريضة
الصلاة لم تصح منه، واستثنى العلماء من ذلك
الحج فإنهم صححوا الإحرام المبهم، لأن
علياً أحرم بما أحرم به النبي ◌ََّ(٤).
(١) الأشباه لابن نجيم ص٤٨، ومغني المحتاج ١/
٥٧، وكشاف القناع ١/ ٨٧.
(٢) الأشباه لابن نجيم ص٤٨، وكشاف القناع ١/ ٨٧ .
(٣) الشرح الكبير مع الدسوقي ٢٣٣/١ - ٢٣٤،
والشرح الصغير مع الصاري ٣٠٤/١ .
(٤) حديث: ((أُهِلُّ بما أهل به النبي وَلخير ... )). أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٠٥/٨ ط السلفية).
- ٦٧ -

نية ١٢
د - أن لا يأتي بمناف بين النية والمنوي،
فلو ارتد الناوي في أثناء الصلاة أو الصوم أو
الحج بطل.
ومن المنافي نية القطع، فلو نوى قطع
الإيمان صار مرتداً في الحال.
واختلفوا في أثر نية القطع على العبادات،
فذهب الحنفية إلى أن نية القطع لا تبطل
العبادات .
وذهب المالكية إلى أن قطع النية في أثناء
العبادة يبطل الصلاة والصوم، وكذا يبطل
الوضوء والتيمم والاعتكاف عند بعضهم، ولا
يبطل قطع النية الحج والعمرة.
وذهب الشافعية إلى أن نية القطع يبطل
الصلاة، دون الصوم والاعتكاف والحج
والعمرة.
وذهب الحنابلة إلى قطع النية أثناء الصلاة
والصوم والوضوء ونحوها يبطلها، لأن
استصحاب حكم النية شرط في صحتها.
ومن المنافي التردد وعدم الجزم في أصل
النية، فلو نوى يوم الشك إن كان من شعبان
لیس بصائم، وإن کان من رمضان كان صائماً
لم تصح نیته.
قال السيوطي: ومن المنافي: عدم القدرة
على المنوي إما عقلًا، وإما شرعاً، وإما
عادة.
فمن الأول: نوى بوضوئه أن يصلي صلاة
وأن لا يصليها لم تصح لتناقضها.
ومن الثاني: نوى به الصلاة في مكان
نجس، قال في شرح المهذب عن البحر:
ينبغي أن لا يصح.
ومن الثالث: نوى به صلاة العيد وهو في
أول السنة أو الطواف وهو بالشام، ففي صحته
خلاف .
هـ- أن تكون النية منجزة، فلا تصح أن
تكون معلقة فلو قال: إن شاء الله تعالى، فإن
قصد التعليق أو أطلق، قال الشافعية: لم
تصح.
وإن قصد التبرك صحت.
ويرى الحنفية أنه لو عقب النية بالمشيئة
فينظر: إن كان مما يتعلق بالنيات كالصوم
والصلاة لم تبطل. وإن كان مما يتعلق
بالأقوال كالطلاق والعتاق بطل(١) .
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٤٩ - ٥٢،
والأشباه والنظائر للسيوطي ٣٥ - ٤١، ومغني
:
المحتاج ٤٧/١، والفروق للقرافي وتهذيبه =
- ٦٨ -

٠٠٠٠٠
نية ١٣ - ١٤
واشترط المالكية للنية ثلاثة شروط هي:
أ - أن يتعلق بمكتسب الناوي، فإنها
مخصصة، وتخصيص غير المعقول
للمخصص محال.
ب - أن يكون المنوي معلوم الوجوب أو
مظنونه، فإن المشكوك تكون فيه النية مترددة
فلا تنعقد، ولذلك لا يصح وضوء الكافر ولا
غسله قبل انعقاد الإسلام؛ لأنهما غير معلومين
ولا مظنونین.
ج - أن تكون النية مقارنة للمنوي، لأن
أول العبادة لو عرا عن النية لكان أولها متردداً
بين القربة وغيرها، وآخر الصلاة مبني على
أولها وتبعٌ له، بدلیل أن أولها إن نوی نفلًا أو
واجباً أو قضاءً أو أداءً كان آخرها كذلك فلا
(١)
تصح(١).
وقت النية :
١٣ - ذهب الفقهاء إلى أن وقت النية هو
= ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، والدسوقي ٢٣٤/١، ونيل
المآرب ص ١٣٠، والإنصاف، ٢٤،١٩، ٢٦،
والمغني ٤٦٦/١ - ٤٦٨، وكشاف القناع ٢/
٣١٧ .
(١) الذخيرة للقرافي ٢٤٦/١ - ٢٤٨، ومواهب
الجليل ٢٣٣/١، والفروق للقرافي وتهذيبه
٢٠٢/١ - ٢٠٣ .
أول العبادات، أو أن الأصل أن أول وقتها أول
العبادات، فيجب - كما عبر بعضهم - أن
تقترن النية بأول كل عبادة إلا أن يشق مقارنتها
إياها .
واستثنوا من ذلك صوراً من العبادات
خرجت عن هذا الأصل، وأضافوا أحكاماً
تتعلق بالأول الحقيقي والنسبي أو الحكمي
للعبادات، وباشتراط بقاء النية أثناء العبادات أو
عدم اشتراط ذلك اكتفاء باستصحابها من أول
العبادات، وهذا وغيره في الجملة ولهم - بعد
ذلك - تفصیل :
١٤ - أما الحنفية فقد قالوا: الأصل أن
وقت النية أول العبادات، ولكن الأول حقيقي
وحكمي، فقالوا في الصلاة: لو نوى قبل
الشروع .. فعند محمد: لو نوى عند الوضوء
أنه يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم
يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة،
إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره
النية ... جازت صلاته بتلك النية، وهكذا
روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ... كذا في
الخلاصة، وفي التجنيس: إذا توضأ في
منزله ليصلي الظهر ثم حضر المسجد فافتتح
بتلك النية، فإن لم يشتغل بعمل آخر يكفيه
ذلك - هكذا قال محمد في الرقيات -
- ٦٩ -

نية ١٤
لأن النية المتقدمة يبقيها إلى وقت الشروع
حكماً - كما في الصوم - إذا لم يبدلها
بغيرها .
وعن محمد بن سلمة: أنه إن كان عند
الشروع بحيث إنه لو سئل: أية صلاة يصلي؟
يجيب على البديهة من غير تفكير .. فهو نية
تامة، ولو احتاج إلى التأمل لا تجوز.
وفي فتح القدير: فقد شرطوا عدم ما ليس
من جنس الصلاة لصحة تلك النية مع
تصريحهم بأنها صحيحة، مع العلم بأنه يتخلل
بينها وبين الشروع المشي إلى مقام الصلاة
وهو ليس من جنسها، فلا بد من كون المراد
بما ليس من جنسها ما يدل على الإعراض،
بخلاف ما لو اشتغل بكلام أو أكل، أو نقول:
عَدّ المشي إليها من أفعالها غير قاطع للنية.
وفي الخلاصة: أجمع أصحابنا أن الأفضل
أن تكون مقارنة للشروع، ولا يكون شارعاً
بمتأخرة، لأن ما مضى لم يقع عبادة لعدم النية
فكذا الباقي لعدم التجزي ... والمعتمد أنه لا
بد من القران حقيقة أو حكماً.
وأما النية في الوضوء: فمحلها عند غسل
الوجه، وينبغي أن تكون في أول السنن عند
غسل اليدين إلى الرسغين لينال ثواب السنن
المتقدمة على غسل الوجه.
وقالوا: الغسل كالوضوء في السنن.
وفي التيمم: ينوي عند الوضع على الصعيد.
وأما وقت النية في الزكاة، فقال في
الهداية: ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة
للأداء، أو مقارنة لعزل مقدار ما وجب، لأن
الزكاة عبادة فكان من شرطها النية، والأصل
فيها الاقتران إلا أن الدفع يتفرق، فاكتفي
بوجودها حال العزل تيسيراً، كتقديم النية في
الصوم.
وهل تجوز بنية متأخرة عن الأداء ؟ قال في
شرح المجمع: لو دفعها بلا نية ثم نوى بعده:
فإن كان المال قائماً في يد الفقير جاز، وإلا
فلا .
وأما الصوم: فإن كان فرضاً هو أداء رمضان
جاز بنية متقدمة من غروب الشمس، وبمقارنة
وهو الأصل، وبمتأخرة عن الشروع إلى ما
قبل نصف النهار الشرعي تيسيراً على
الصائمين. وإن كان فرضاً غير أداء رمضان -
من قضاء أو نذر أو كفارة - فيجوز بنية متقدمة
من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويجوز
بنية مقارنة لطلوع الفجر لأن الأصل القران.
وإن كان الصوم نفلًا فكرمضان أداءً.
- ٧٠ -

نية ١٥
...
وأما الحج: فالنية فيه سابقة عن الأداء عند
الإحرام، وهو النية مع التلبية أو ما يقوم مقامها
من سوق الهدي، ولا یمکن فيه القران أو
التأخر، لأنه لا تصح أفعاله إلا إذا تقدم
الإحرام، وهو ركن فيه أو شرط ... على
قولین.
وعند اشتراط بقاء النية في كل ركن من
أركان العبادة، أو عدم اشتراط ذلك، قال ابن
نجيم: قالوا في الصلاة: لا تشترط النية في
البقاء للحرج، فكذا بقية العبادات.
وفي القُنية: لا يلزم نية العبادة في کل جزء،
إنما تلزم في جملة ما يفعله في كل حال، وإن
تعمد أن لا ينوي العبادة ببعض ما يفعله من
الصلاة لا يستحق الثواب، ثم إن کان ذلك
فعلًا لا تتم العبادة بدونه فسدت، وإلا فلا وقد
أساء .
وقال ابن نجيم: المذهب المعتمد أن
العبادة ذات الأفعال يكتفى بالنية في أولها،
ولا يحتاج إليها في كل فعل، اكتفاء بانسحابها
عليها، إلا إذا نوى ببعض الأفعال غير ما وضع
له؛ قالوا: لو طاف طالباً الغريم لا یجزئه،
ولو وقف كذلك بعرفات أجزأه، والفرق أن
الطواف قربة مستقلة بخلاف الوقوف، وفرق
الزيلعي بينهما بفرق آخر وهو أن النية عند
الإحرام تضمنت جميع ما يفعل في الإحرام،
فلا يحتاج إلى تجديد النية، والطواف يقع بعد
التحلل وفي الإحرام من وجه، فاشترط فيه
أصل النية لا تعيين الجهة(١).
١٥ -وذكر المالكية وقت النية ضمن
شروطها، فقالوا: أن تكون النية مقارنة
للمنوي، لأن أول العبادة لو عرا من النية لكان
متردداً بين القربة وغيرها، وآخر الصلاة مبني
علی أولها وتبع له، بدليل أن أولها إن نوی
نفلًا أو واجباً أو قضاءً أو أداءً كان آخرها
کذلك، فلا يصح.
واستثنى من ذلك الصوم للمشقة، فجوزوا
عدم مقارنة النية لأول المنوي لإتيان أول
الصوم حالة النوم غالباً، والزكاة في الوكالة
على إخراجها، عونا على الإخلاص ودفعاً
لحاجة الفقير من باذلها، فتُقَدّم النية عند
الوكالة ولا تتأخر لإخراج المنوي.
وجوز ابن القاسم - كما نقل القرافي عن
صاحب الطراز - تقدم النية عندما يأخذ في
أسباب الطهارة بذهابه إلى الحمام أو النهر
بخلاف الصلاة، وخالفه سحنون في الحمام
ووافقه في النهر، وفرق بأن النهر لا يؤتى غالباً
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٤٢ - ٤٥ .
- ٧١ -

نية ١٦
..
إلا لذلك فتميزت العبادة فيه، بخلاف الحمام
فإنه يؤتى لذلك ولإزالة الدرن، والرفاهية غالبة
فيه، فلم تتميز العبادة وافتقرت إلى النية.
وقيل: لا تجزئ النية المتقدمة في
الموضعين حتى تتصل بفعل الواجب.
وقیل : إذا نوی عند أول الوضوء وهو أول
السنن أجزأه لأن الثواب على السنن، والتقرب
بها إنما يحصل عند النية .
وقيل: إن عزبت نيته قبل المضمضة
والاستنشاق وبعد اليدين لا يجزئه، وإن
اتصلت بهما وعزبت قبل الوجه أجزأه، لأن
المضمضة من الوجه وبها غسل ظاهر الفم
وهي الشفة من الوجه(١).
١٦ -وقال الشافعية: الغرض من النيات
تمييز العبادات عن العادات أو تمييز رتب
العبادات، ولذا وجب أن تقترن النية بأول
العبادة ليقع أولها مميزاً ثم يبتني عليه ما بعده،
إلا أن يشق مقارنتها إياها كما في نية الصوم.
فإن تأخرت النية عن أول العبادة لم يجز
ذلك إلا في صوم التطوع؛ لأن ما مضى يقع
مردداً بين العبادة والعادة، أو بين رتب العبادة.
(١) الذخيرة ص٢٤٣ .
وإن تقدمت النية، فإن استمرت إلى أن
شرع في العبادة أجزأه ما اقترن منها.
وإن انقطعت النية قبل الشروع في العبادة لم
تصح العبادة لترددها، فإن قرب انقطاعها
أجزأت عند بعض العلماء وفيه بُعْد، لأنها إذا
انقطعت وقع ابتداء العبادة مردداً، فإن اكتفى
بالنية السابقة فلا فرق بين بعيدها وقريبها .
وينبغي أن يستصحب ذكر النية في الوضوء
إلى آخره لأنه أقرب إلى مقصود النیات، ولا
يفعل ذلك في الصلاة لأن قلبه مشغول عن
ذكر النية بملاحظة معنى الأذكار والقراءة
والدعاء، فكان الاشتغال بالأهم في الصلاة
أولى من ملاحظة النية وذكرها.
ويكفي في العبادة نية فردة لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات))(١)
وقد قال الشافعي في الصلاة: ينوي مع التكبير
لا قبله ولا بعده.
وقال العز بن عبد السلام: اختلف أصحابنا
في ذلك، فمنهم من قال: لا بد من استمرار
النية من أول التكبير إلى آخره، وهذا مخالف
للنية في جميع العبادات مع ما فيه من العسر
(١) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات ... )).
تقدم تخريجه ف ٨ .
- ٧٢ -

..
نية ١٧
الموجب للوسواس، والمختار أنه تجزئ نية
فردة مقرونة بالتكبير، كما تجزئ في الصوم
والزكاة والكفارات والاعتكاف والحج والعمرة
نية فردة.
وقال: وتصح العبادة بنية تقع في أثنائها وله
صور:
إحداها: أن ينوي المتنفل ركعة واحدة، ثم
ينوي أن يزيد عليها ركعة أو أكثر، فتصح
الركعة الأولى بالنية الأولى ويصح ما زاد عليها
بالنية الثانية، وليس هذا كتفريق النية على
الصلاة، لأن المفرق ينوي ما لا يكون صلاة
مفردة، وههنا قد نوى بالنية الأولى الركعة
الأولى وهي صلاة على حيالها، ونوى الزيادة
بنية ثانية وهي صلاة أيضاً على حيالها، وليس
كمن نوى تكبيرة أو قومة، أو نوى من الظهر
ركعة على انفرادها، فإن الركعة المنفردة لا
تکون ظهراً.
الصورة الثانية: إذا نوى الاقتصار في
الصلاة على الأركان والشرائط ثم نوى التطويل
المشروع أو السنن المشروعة فإن ذلك يجزئه
لاشتمال النية الأولى على الأركان والشرائط،
والثانية على السنن التابعة، فإنها وإن لم تكن
صلاة مستقلة فقد ثبت للتابع ما لا يثبت
للمتبوع .
الصورة الثالثة: إذا نوى المسافر القصر ثم
نوى الإتمام، فإن الركعتين الأولَيَيْن تجزئانه
بالنية الأولى، وتجزئه الركعتان الأخريان بالنية
الثانية، لأن المقصود بالنيتين تمييز رتبة الصلاة
- الظهر - عن غيرها، وقد تحقق ذلك
بالنیتین .
الصورة الرابعة: إذا اقترن بصلاة القاصر ما
يوجب الإتمام أو طرأ عليها ما يوجب إتمامها
- وهو لا يشعر به في أثناء الصلاة - فإنه يتم
الصلاة بالنية الثانية، وقد قال بعض أصحابنا:
تجزئه بالنية الأولى.
الصورة الخامسة: إذا مات الأجير في الحج
قبل إتمامه الحج، وجوزنا البناء عليه
فاستأجرنا من يبني عليه، وقد وقع ما تقدم بنية
الأجير الأول وما تأخر بنية الأجير الثاني،
فيؤدى الحج بنيتين من شخصين: إحداهما في
ابتدائه والثانية في انتهائه(١).
١٧ -وقال الحنابلة: يجب الاتيان بالنية
عند أول واجب في الوضوء أو الغسل أو
التيمم أو غير ذلك من العبادات، لأن النية
شرط لصحة واجباتها، فیعتبر کونها کلها بعد
(١) قواعد الأحكام ١٧٦/١، ١٨١ - ١٨٥، ومغني
المحتاج ١/ ٤٧ - ٥٠، والأشباه للسيوطي
٢٤ - ٣٠ .
- ٧٣ -

نية ١٨
النية، فلو فعل شيئاً من الواجبات قبل النية لم
يُعتد به.
ويستحب الإتيان بالنية عند مسنونات
الطهارة إن وجد ذلك المسنون قبل واجب.
کغسل الیدین لغير القائم من نوم الليل إن وجد
قبل التسمية في الوضوء أو الغسل، لتشمل
النية مفروض الطهارة ومسنونها، فيثاب على
كل منهما. فإن غسل اليدين بغير نية فكمن لم
يغسلهما لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات))(١)،
فتستحب إعادة غسلهما بعد النية، ويجوز
تقديم النية على الطهارة بزمن يسير كصلاة
وزكاة، ولا يبطل النية عمل يسير قبل الشروع
في الطهارة ونحوها. فإن كثر بطلت واحتاج
إلى استئنافها، ويستحب استصحاب ذكرها
بقلبه بأن يكون مستحضراً لها في جميع
الطهارة لتكون أفعاله كلها مقترنة بالنية. ولا بد
من استصحاب حكمها بأن لا ينوي قطعها،
فإن عزبت عن خاطره لم يؤثر ذلك في الطهارة
كما لا يؤثر في الصلاة. ومحله إن لم ينو
بالغسل نحو تنظيف أو تبرد كما ذكره
المجد (٢).
(١) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات ... )).
تقدم تخريجه ف ٨ .
(٢) كشاف القناع ١/ ٩٠.
حكمة مشروعية النية:
١٨ - بين الفقهاء أن النية شرعت لتمييز
العبادات عن العادات حتى يتميز ما هو لله
تعالى عما ليس له، وتتميز مراتب العبادات في
أنفسها حتى تتميز مكافأة العبد على فعله
ويظهر قدر تعظيمه لربه(١) .
فمثال الأول: الغسل يكون عبادة وتبرداً،
وحضور المساجد يكون للصلاة وفرجة
واستراحة، والسجود لله أو للصنم. ومثال
الثاني: الصلاة لانقسامها إلى فرض ونفل،
والفرض إلى فرض على الأعيان وفرض على
الکفایة وفرض منذور وفرض غیر منذور.
ومن هنا تظهر كيفية تعلق النية بالفعل فإنها
للتمييز.
وتمییز الشيء قد يكون بإضافته إلى سببه
کصلاة الکسوف والاستسقاء والعیدین، وقد
یکون بوقته کصلاة الظهر، أو بحکمه الخاص
کالفریضة، أو بوجود سببه کرفع الحدث، فإن
الوضوء سبب في رفع الحدث، فإذا نوی رفع
الحدث ارتفع وصح الوضوء(٢).
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٩، والأشباه
والنظائر للسيوطي ص١٢، ومواهب الجليل
٢٣٢/١ .
(٢) مواهب الجليل ٢٣٢/١.
- ٧٤ -

نية ١٩
ما يشترط فيه تعيين المنوي :
١٩ - ذهب الفقهاء إلى اشتراط تعيين النية
في عبادة لا تلتبس بغيرها من جنسها من
العبادات، وهذا في الجملة، ولهم وراء
الإجمال تفصيل :
قال ابن نجيم: الأصل عندنا أن المنوي إما
أن يكون من العبادات أو لا. فإن كان عبادة:
فإن كان وقتها ظرفاً للمؤدى، بمعنى أنه
يسعه وغيره، فلا بد من التعيين، كالصلاة كأن
ینوي الظهر، فإن قرنه بالیوم کظهر اليوم صح
وإن خرج الوقت أو قرنه بالوقت ولم يكن
خرج الوقت صح أيضاً، فإن خرج ونسيه لا
يجزئه في الصحيح ... وعلامة التعيين
للصلاة بحيث يكون لو سئل: أي صلاة
يصلي؟ يمكنه أن یجیب بلا تأمل.
وإن كان وقتها معياراً لها، بمعنى أنه لا يسع
غيرها كالصوم في يوم رمضان، فإن التعيين
ليس بشرط إن كان الصائم صحيحاً مقيماً،
فيصح بمطلق النية وبنية النفل وواجبٍ آخر،
لأن التعيين في المتعين لغو، وإن كان مريضاً
ففیه روایتان، والصحیح وقوعه عن رمضان
سواء نوى واجباً آخر أو نفلاً، وأما المسافر
فإن نوی عن واجب آخر وقع عما نواه لا عن
رمضان، وفي النفل روايتان.
وإن كان وقتها مشكلًا كوقت الحج - يشبه
المعيار باعتبار أنه لا يصح في السنة إلا حجة
واحدة، ويشبه الظرف باعتبار أن أفعاله لا
تستغرق وقته - فيصاب بمطلق النية نظراً إلى
المعيارية، وإن نوی نفلا وقع عما نوى نظراً
إلى الظرفية.
ولا يسقط التعيين في الصلاة بضيق الوقت
لأن السعة باقية، بمعنى أنه لو شرع متنفلاً
صح وإن کان حراماً.
ولا يتعين جزء من أجزاء الوقت بتعيين
العبد قولًا وإنما يتعين بفعله.
وأما في القضاء فلا بد من التعيين صلاةٌ أو
صوماً أو حجاً.
وأما إذا كثرت الفوائت فقد اختلفوا في
اشتراط التعيين لتمييز الفروض المتحدة من
جنس واحد، والأصح: أنه إن كان عليه قضاء
من رمضان واحد فصام يوماً ناوياً عنه ولكن لم
يعين أنه صائم عن يوم كذا فإنه يجوز،
ولا يجوز من رمضانين ما لم يعين أنه صائم
عن رمضان سنة كذا.
وقالوا في المتيمم: لا يجب التمييز بين
الحدث والجنابة، حتى لو تيمم الجنب يريد به
- ٧٥ -

نية ٢٠
الوضوء جاز، خلافاً للخصاف(١).
وقال ابن نجيم: التعيين لتمييز الأجناس،
فنية التعيين في الجنس الواحد لغو لعدم
الفائدة، ويعرف اختلاف الجنس باختلاف
السبب، والصلاة كلها من قبيل المختلف،
حتى الظهرين من يومين أو العصرين من
يومين، بخلاف أيام رمضان فإنه يجمعها شهود
الشهر.
وعلى هذا أداء الكفارات لا يحتاج فيه إلى
التعيين في جنس واحد، ولو عين لغا، وفي
الأجناس لا بد منه.
هذا في الفرائض والواجبات ... وأما
النوافل فاتفق أصحابنا على أنها تصح بمطلق
النية، وأما السنن الرواتب فاختلفوا في اشتراط
تعيينها: والصحيح المعتمد عدم الاشتراط
وأنها تصح بنية النفل وبمطلق النية (٢).
وأضاف ابن نجيم: الخطأ فيما لا يشترط
التعيين له لا يضر، كتعيين مكان الصلاة
وزمانها وعدد الركعات، فلو عین عدد ركعات
الظهر ثلاثاً أو خمساً صح لأن التعيين ليس
بشرط فالخطأ فيه لا يضر ... وأما فيما
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٠ .
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣١ - ٣٢.
يشترط فيه التعيين كالخطأ من الصوم إلى
الصلاة وعكسه ومن صلاة الظهر إلى
العصر ... فإنه يضر.
وأما إذا لم يكن المنوي من العبادات
المقصودة وإنما هو من الوسائل كالوضوء
والغسل والتيمم، فقالوا في الوضوء: لا ينويه
لأنه ليس بعبادة، والمذهب: أنه ينوي ما لا
يصح إلا بالطهارة من العبادة أو رفع الحدث،
وعند البعض: تكفي نية الطهارة. وأما في
التيمم فقالوا: إنه ينوي عبادة مقصودة لا تصح
إلا بالطهارة، مثل سجدة التلاوة وصلاة
الظهر ... وفي التيمم لقراءة القرآن
روايتان(١).
٢٠ - وقال القرافي: المقاصد من الأعيان
في العقود إن كانت متعينة استغنت عما یعینھا،
كمن استأجر بساطاً أو عمامة أو ثوباً لم يحتج
إلى تعيين المنفعة في العقد لانصراف هذه
الأشياء بصورها إلى مقاصدها عادة، وإن
كانت العين مترددة، كالدابة للحمل والركوب
والأرض للزرع والغرس والبناء، افتقرت إلى
التعيين.
وقال: النقود إذا كان بعضها غالباً لم يحتج
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٤، ٣٥.
- ٧٦ -

نية ٢١
إلی تعیین في العقد، وإن لم یکن احتاج إلى
التعيين.
وقال كذلك: الحقوق إذا تعينت لمستحقيها
كالدين المنقول فإنه معين لربه .. فلا يحتاج
إلى نية، مثل حقوق الله تعالى إذا تعينت له
کالإیمان، وإن تردد الحق بین دینین أحدهما
برهن والآخر بغير رهن فإن الدفع يفتقر في
تعيين المدفوع لأحدهما إلى النية.
وأضاف القرافي: التصرفات إذا كانت دائرة
بين جهات شتى لا تنصرف لجهة إلا بنية،
كمن أوصى لأيتام فاشترى سلعة لا تتعين
لأحدهم إلا بالنية، ومتى كان التصرف متحداً
انصرف إلى جهته بغير نية، فإن مباشرة العقد
كافية في حصول ملكه للسلعة ... والنية في
هذه الأمور مقصودها التمييز، ومقصودها في
العبادات التمييز والتقرب معاً (١).
وقال الحطاب: من فرائض الصلاة نية
الصلاة المعينة . قال صاحب المقدمات: النية
الكاملة هي المتعلقة بأربعة أشياء: تعيين
الصلاة، والتقرب بها، ووجوبها، وآدابها .
واستشعار الإيمان يعتبر في ذلك كله، فهذه
هي النية الكاملة فإن سها عن الإيمان أو
وجوب الصلاة أو كونها أداء أو التقرب بها لم
(١) الذخيرة ص٢٣٧ - ٢٣٩ .
تفسد إذا عينها لاشتمال التعيين على ذلك.
قال صاحب الطراز؛ والمعيد للصلاة في
جماعة والصبي لا يتعرضان لفرض ولا لنفل.
ومن الذخيرة قال صاحب الطراز: النوافل
على قسمين: مقيدة ومطلقة. فالمقيدة السنن
الخمس وهي: العيدان والكسوف والاستسقاء
والوتر وركعتا الفجر، فهذه مقيدة إما بأسبابها
أو بأزمانها، فلا بد فيها من نية التعيين فمن
افتتح الصلاة من حيث الجملة ثم أراد ردها
إلى هذه لم يجز. والمطلقة ما عدا هذه فتكفي
فيها نية الصلاة، فإن کان في ليل فهو قيام
اللیل، أو في قيام رمضان، أو كان منه أول
النهار فهو الضحى، أو عند دخول مسجد فهو
تحية، وكذلك سائر العبادات من حج أو صوم
أو عمرة لا يفتقر إلى التعيين في مطلقه، بل
يكفي فيه أصل العبادة(١) .
٢١ - قال الشافعية: يشترط التعيين فيما
يلتبس دون غيره، لقول النبي وَلّى: ((وإنما لكل
امرئ ما نوى ... )) فهذا ظاهر في اشتراط
التعيين، لأن أصل النية فهم من أول الحديث:
((إنما الأعمال بالنيات))(٢).
(١) الخطاب ٥١٥/١.
(٢) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما
نوی ... )).
تقدم تخريجه ف ٨ .
- ٧٧ -

نية ٢١ - ٢٣
فمن الأول - أي مما يلتبس بغيره -
الصلاة: فيشترط التعيين في الفرائض لتساوي
الظهر والعصر فعلًا وصورة فلا يميز بينهما إلا
التعيين، وفي النوافل غير المطلقة كالرواتب
فيعينها بإضافتها إلى الظهر مثلًا، وكونها التي
قبلها أو التي بعدها.
ومن ذلك الصوم: والمذهب المنصوص
الذي قطع به الأصحاب اشتراط التعيين فيه
لتمييز رمضان من القضاء والنذر والكفارة
والفدية. ومثل الرواتب في ذلك الصوم ذو
السبب.
ومن الثاني - أي ما لا يشترط فيه التعيين
لعدم التباسه بغيره - الطهارات والحج
والعمرة، لأنه لو عين غيرها انصرف إليها،
وكذا الزكاة والكفارات.
ونقل السيوطي ضابطاً هو أن كل موضع
افتقر إلى نية الفريضة افتقر إلى تعيينها إلا
التيمم للفرض في الأصح.
وقال: القاعدة أن ما لا يشترط التعرض له
جملة وتفصيلاً إذا عينه وأخطأ لم يضر،
كتعيين مكان الصلاة وزمانها، وما يشترط فيه
التعيين فالخطأ فيه مبطل، كالخطأ من الصوم
إلى الصلاة وعكسه، وما يجب التعرض له
جملة ولا يشترط تعيينه تفصيلاً إذا عينه وأخطأ
ضر(١).
٢٢ - وقال الحنابلة: يجب أن ينوي
الصلاة بعينها إن كانت معينة من فرض، وكذا
منذورة، ونفل مؤقت كوتر وتراويح وراتبة،
لتتميز تلك الصلوات عن غيرها، ولأنه لو
كانت عليه صلوات فصلی أربعاً ینوي بها مما
عليه فإنه لا يجزئه إجماعاً، فلولا اشتراط
التعيين لأجزاه، وإن لم تكن الصلاة معينة
كالنفل المطلق أجزأته نية الصلاة لعدم ما
يقتضي التعيين فيها(٢).
صفة المنوي من الفريضة والنافلة:
اختلف الفقهاء في اشتراط نية فرضية العبادة
عند القيام بها، وبيان ذلك فيما يلي:
أ - الوضوء:
٢٣ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة
إلى أنه لا يشترط التعرض لنية الفرضية في
الوضوء.
وكيفية النية في الوضوء: أن ينوي رفع
الحدث، أو ینوي استباحة ما منعه الحدث، أو
نية فرض الوضوء، أو نية الوضوء فقط، فأي
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٤ - ١٦.
(٢) كشاف القناع ٨٩/١ - ٩٠، ٣١٤ .
- ٧٨ -

نية ٢٤ - ٢٥
كيفية من هذه الكيفيات نوى أجزأه، لتعرضه
للمقصود، لأنه لا يشترط التعرض لنية
الفرضية، ولكن الأولى عند المالكية الجمع
بين هذه الكيفيات، ويضرنية بعضها وإخراج
البعض، لأنه تناقض في ذات النية .
وقال السيوطي: لا خلاف في أن التعرض
لنية الفرضية أكمل إذا لم نوجبه.
وعند الحنفية: النية سنة في الوضوء وليست
فرضاً، لعدم اشتراط النية فيه، كما يقول ابن
نجيم (١).
ب - الغسل :
٢٤ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة .
إلى أنه لا تشترط نية الفرضية في الغسل، بل
یکفي نية رفع جنابة إن کان جنباً، ورفع حدث
الحيض إن كانت حائضاً، أو نية استباحة مفتقر
إليه كالصلاة، أو ينوي أداء فرض الغسل أو
الغسل المفروض، أو أداء الغسل، وكذا
الطهارة للصلاة(٢).
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٩٣/١،
والحطاب ٢٣٤/١، والأشباه للسيوطي ص ١٨،
ومغني المحتاج ٤٨/١، ١٤٩، وكشاف القناع
٨٨/١، وشرح منتهى الإرادات ٤٨/١، والأشباه
لابن نجيم ص ٣٧ .
(٢) مغني المحتاج ١/ ٧٢، وأسنى المطالب ٦٨/١،
وكشاف القناع ١/ ١٥٢، والشرح الكبير، وحاشية
الدسوقي ١٣٣/١ .
وعند الحنفية نية الغسل سنة وليست فرضاً،
لعدم اشتراط النية فيه كما يقول ابن نجيم(١).
ج - التيمم:
٢٥ - صفة النية في التيمم عند جمهور
الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) أن ينوي
استباحة الصلاة، أو استباحة ما لا يباح إلا
بالطهارة(٢).
فإن نوى فرض التيمم أو فرض الطهارة أو
التيمم المفروض فقط لم يكف في الأصح عند
الشافعية، وفي وجه عند الحنابلة، لأن التيمم
ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن
ضرورة، فلا يجعل مقصوداً بخلاف الوضوء.
وذهب المالكية، وهو مقابل الأصح عن
الشافعية، وفي وجه عند الحنابلة إلى أنه يكفي
أن ينوي فرض التيمم، أو فرض الطهارة
فقط(٣).
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٧ .
(٢) الإنصاف ٢٩٠/١، ٢٩١، والفروع ٢٢٥/١،
والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١٥٤/١،
والفواكه الدواني ١٨٤/١، ومغني المحتاج ١/
٩٧، ٩٨، وأشباه السيوطي ص ٢١.
(٣) مغني المحتاج ٩٧/١، ٩٨، وأشباه السيوطي ص
٢١، والمجموع ٢٢٥/٢، والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي ١٥٤/١، وجواهر الإكليل ١/
٢٧ .
- ٧٩ -

نية ٢٦
وصرح الحنفية بعدم اشتراط نية الفرضية في
التيمم، قال ابن نجيم: وأما التيمم فلا تشترط
له نية الفرضية لأنه من الوسائل، ونية رفع
الحدث كافية، والشروط كلها لا يشترط لها
نية الفرضية لقولهم: إنما يراعى حصولها لا
تحصيلها(١).
وانظر التفصيل في مصطلح (تيمم ف ٩).
د - الصلاة :
٢٦ - ذهب الحنفية، وهو الأصح عند
الشافعية، وعند ابن حامد من الحنابلة إلى أنه
يشترط نية الفرضية في صلاة الفرض لتتميز
عن النفل.
وعند المالكية والحنابلة - غير ابن حامد -
ومقابل الأصح عند الشافعية لا تشترط نية
الفرضية، ويكفي تعيين النية لصلاة الفرض،
بأن يقصد بقلبه أداء فرض الظهر مثلًا،
والتعيين يغني عن نية الفرضية(٢).
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٧، وحاشية ابن عابدين
١٦٨/١ .
(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٣٥، ٣٦، وجواهر
الإكليل ٤٦/١، وحاشية ابن عابدين ٢٧٩/١،
ومغني المحتاج ١٤٩/١، والمغني ٤٦٥/١،
وشرح منتهى الإرادات ١٦٨/١، وتحفة المحتاج
٧/٢ - ٠٨
وقال الحنفية بالنسبة لصلاة الصبي: ينبغي
ألا تشرتط نية الفرضية لكونها غير فرض في
حقه، لكن ينبغي أن ينوي صلاة كذا التي
فرضها الله على المكلف في هذا الوقت.
وقال الشافعية: لا تجب نية الفرضية في
صلاة الصبي، كما صححه في التحقيق وصوبه
في المجموع خلافاً لما في الروضة وأصلها،
لأن صلاته تقع نفلا فكيف ينوي الفرضية؟(١)
:
وقال الحنفية في الصلاة المعادة لارتكاب
مكروه أو ترك واجب: لا شك أنها جابرة لا
فرض، لقولهم بسقوط الفرض بالأولى، فعلى
هذا ينوي كونها جابرة لنقص الفرض، على
أنها نفل تحقيقاً.
وأما على القول بأن الفرض يسقط بها فلا
خفاء في اشتراط نية الفرضية.
:
وقال الشافعية: من المشكل ما صححه
الأكثرون في الصلاة المعادة أن ينوي بها
الفرض، مع قولهم بأن الفرض الأولى،
ولذلك اختار في زوائد الروضة وشرح
المهذب قول إمام الحرمين: إنه ينوي الظهر أو
العصر مثلًا ولا يتعرض للفرض. قال في
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٦، ٣٧، وتحفة المحتاج
٢ / ٧ - ٨ ٠
- ٨٠ -