النص المفهرس
صفحات 381-400
نهب ٦ - ٩ يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن))(١). قال القرطبي: اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قلَّ أو كثر أنه يُفَسَّق بذلك، وأنه مُحرَّم عليه أخذه(٢) . ٧ - وقد اعتبر ابن حجر الهيتمي الاستيلاء على أموال الغير ظلماً من الكبائر(٣) واستدل بقول النبي وَلقر: ((من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه خُسف به إلى يوم القيامة إلى سبع أرضين))(٤). وعن أبي حميد الساعدي أن رسول الله وَلات قال: ((لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه)) وذلك لشدة ما حرم (١) حديث: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ١١٩/٥ ط السلفية)، ومسلم (٧٦/١ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري. (٢) فتح الباري ٥٨/١٢، ٥٩، والقرطبي ٣٣٧/٢ - ٣٤١، والفواكه الدواني ٣٧٥/٢ - ٣٧٦، والزواجر ٢٦١/١. (٣) الزواجر ٢٦١/١. (٤) حديث: ((من أخذ من الأرض شبراً ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/٥ - ١ ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمر. رسول الله وص له من مال المسلم على المسلم (١). ب - عقوبة النهب: ٨ - النهب جريمة ومعصية لا حد فيها، قال النبي ◌َالر: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع)) (٢) ولا يصدق عليها أنها سرقة أو حرابة، وإنما يجب فيها التعزير وهو العقوبة التي تجب في المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة(٣). ج - مقاومة المنتهب: ٩ - مقاومة المنتهب مشروعة، والأصل في ذلك قول النبي ◌ّلجر: ((من قتل دون ماله فهو شهيد))(٤) وذلك لأن حفظ المال (١) حديث: ((لا يحل لرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه)). أخرجه أحمد (٤٢٥/٥ ط الميمنية) وابن حبان في الصحيح (الإحسان ٣١٦/١٣ ط مؤسسة الرسالة)، واللفظ لأحمد. (٢) حديث: ((ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع)). أخرجه الترمذي من حديث جابر بن عبد الله (٥٢/٤ ط الحلبي) وقال: حسن صحيح. (٣) التبصرة ١٠٥/٢، ٢٠٠. (٤) حديث: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٣/٥ ط السلفية) ومسلم (١٢٥/١ ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو. ٣٨١ :. نهب ٩ - ١٢ ٨ مقصد من مقاصد الشريعة، فمن تعرض لغيره لانتهاب ماله فحاول صاحب المال منعه فلم يمتنع فإنه يجوز له قتاله، فإن قُتِل صاحب المال فهو شهيد وإن قتل المنتهب فهو هدر (١)، فقد ورد ((أن رجلاً سأل النبي وَله: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: فقاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: هو في النار))(٢). وقد اختلف الفقهاء في دفع الصائل على المال ولهم في ذلك تفصيل، انظر مصطلح (صيال ف ١٢). د - أثر النهب في التصرفات: للنهب أثر في بعض التصرفات ومن ذلك: أولاً: الالتقاط زمن النهب: ١٠ - إذا كان الزمن زمن نهب وفساد فقد اختلف الفقهاء في جواز التقاط الحيوانات المملوكة الضالة التي تقوى على الامتناع من صغار السباع. والتفصيل في مصطلح (ضالة ف ٣ - ٦). (١) فتح الباري ١٢٣/٥، ١٢٤. (٢) حديث: ((أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ... )). أخرجه مسلم (١٢٤/١ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة. ثانياً: أثر النهب في الإيداع: أ - قبول الوديعة زمن النهب: ١١ - الإيداع مشروع لحاجة الناس إليه، وقبول الوديعة جائز، ويستحب قبولها لمن يثق بأمانة نفسه لأنه من التعاون المأمور به. وقد يجب القبول والإيداع، قال الدسوقي : كما يقع في زمن النهب من الإيداع عند ذوي البيوت المحترمة (١). ب - إيداع المودع غيره زمن النهب: ١٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا أودع المودع الوديعة عند غيره بغير عذر ضمن. فإن كان لعذر كما إذا كان الزمن زمن نهب، فقد اختلف الفقهاء. فذهب الحنفية والمالكية إلى أن له أن يودعها عند ثقة مضمون، ولا ضمان عليه في ذلك. وقال الشافعية والحنابلة: ينبغي أن يردها إلى مالكها أو وكيله، فإن تعذر وصوله إليهما، دفعها إلى القاضي الحاكم الأمين، أو يوصي بها إليه، فإن لم يجد قاضياً (حاكماً) دفعها إلى أمین أو يوصي بها إلیه، فإن لم يفعل ذلك مما ذكر، ضمن لتقصيره. وقال (١) حاشية الدسوقي ٤٣٢/٣، ومغني المحتاج ٧٩/٣، والروضة ٣٢٤/٦، وكشاف القناع ١٦٦/٤، ١٦٧. ٣٨٢ نهب ١٢ - ١٤ ابن قدامة: ويحتمل أن يجوز له إيداعها لأنه قد يكون أحفظ لها وأحب إلى صاحبها(١). وانظر التفصيل في مصطلح (وديعة، وضمان ف ٤٩، ٦٧). ج - ادعاء تلف الوديعة بالنهب: ١٣ - قال الشافعية والحنابلة: إذا طالب المالك برد الوديعة فادعى المستودع التلف، فلو كان التلف بسببٍ خفي من سرقةٍ أو ضياع ونحوه فإنه يصدق بيمينه لتعذر إقامة البينة على ذلك. وإن ادعى المستودع التلف بسبب ظاهر کحريق وغرق وغارة ونحوها کنهب جيش، قال الشافعية: إن لم يعرف ما ادعاه بتلك البقعة لم يقبل قوله في الهلاك به، وإن عرف بالمشاهدة أو الاستفاضة نظر، إن عرف عمومه ولم يحتمل سلامة الوديعة صدق بلا يمين، لأن ظاهر الحال يغنيه عن اليمين، وإن لم يعرف عمومه، واحتمل أنه لم يصب الوديعة صدق بالیمین. وإن لم يذكر سبب التلف، صدق باليمين ولا يكلف بيان سببه. وإذا نكل المودع عن (١) تكملة ابن عابدين ٢٣٩/٢، والدسوقي ٤٢٤/٤، وكشاف القناع ١٦٩/٤، ١٧٤، والروضة ٣٢٧/٦، ومغني المحتاج ٨١/٣. اليمين حلف المالك على نفي العلم بالتلف واستحق. وقال الحنابلة: لا يقبل منه دعوى التلف بذلك إلا ببينة تشهد بوجود ذلك السبب في تلك الناحية، فإن عجز عن إقامة البينة بالسبب الظاهر ضمنها لأنه لا تتعذر إقامة البينة به . ويكفي في ثبوت السبب الظاهر الاستفاضة(١). ثالثاً: أثر النهب في القرض: ١٤ - يرى الشافعية والحنابلة أنه إذا رد المقترض القرض فإن کان الزمن زمن نهب فلا يجب عليه قبوله، وإن أحضره زمن الأمن وجب قبوله. وزاد الحنابلة: لا يلزمه قبوله حتى ولو تضرر المقترض، لأن الضرر لا يزال بالضرر. وقال الشافعية: لو شرط المقرض أجلاً في القرض لغرض منفعة له - كزمن نهب - والمستقرض مليء فيفسد العقد في الأصح لما فيه من جرّ المنفعة، ومقابل الأصح: أنه يصح العقد ويلغو الشرط(٢). (١) الروضة ٣٤٦/٦، وكشاف القناع ١٧٩/٤. (٢) حاشية الجمل ٢٦٠/٣، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٢٢٤/٤، ومغني المحتاج ١٢٠/٢، وكشاف القناع ٣١٩/٣، ٣٢٠. ٣٨٣ نهب ١٤ - ١٦ ولما كانت السفتجة هي إقراض لسقوط خطر الطريق، فقد اختلف الفقهاء في حکمها . وللتفصيل انظر مصطلح (سفتجة ف ٣). رابعاً: دعوى الانتهاب: ١٥ - جاء في تبصرة الحكام: إذا أغار قوم على بيت رجل فأخذوا ما فيه والناس ينظرون إليهم ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا، لكن علموا أنهم غاروا عليه وانتهبوا، فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه، وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنتهب منه مع يمينه فيما يشبه أنه يملكه والحمل على الظالم. وقال مالك فيمن دخل عليه السُّرّاق فسرقوا متاعه وانتهبوا ماله وأرادوا قتله فنازعهم وحاربهم ثم ادعى أنه عرفهم أو لم يعرفهم، أهو مصدق عليهم إذا كانوا معروفين بالسرقة مستحلين لها، أو ترى أن يكلف البينة؟ قال: هو مصدق عليهم وقد نزلت هذه بالمدينة في زمان عمر رضي الله تعالى عنه فغرمهم عمر بقوله ونكّلهم عقوبة موجعة ولم يكلفه البيئة(١). ولو قامت بينة على رجل أنه انتهب صرة ثم قال كان فيها كذا، وقال ربها: بل كذا (١) التبصرة ٨٢/٢ ط دار الكتب العلمية. فالقول قول المنتهب بيمينه، قاله مالك، وقال عنه ابن القاسم: إذا طرح المنتهب الصرة في متلف ولم يدر كم فيها، أو لم يطرحها واختلفا في قدرها، أن القول قول المنتهب مع يمينه، وقال مطرف وابن كنانة وأشهب في هذا وشبهه: إن القول قول المنتهب منه إذا ادعى ما يشبه أنه يملكه، يريدون: ويخلف(١). المعنى الثاني: النهب بمعنى الأخذ من الشيء المباح : ١٦ - مثل الفقهاء لانتهاب الشيء المباح بما ينتهب مما ينثر في العرائس والموالد من سكر وجوز ولوز وغير ذلك. وقد اختلف الفقهاء في حكم أخذ ما ينثر في هذه المناسبات، فقال بعضهم: بالإباحة وقال بعضهم: بالكراهة (٢). والتفصيل في (انتهاب ف ٧، ٩). (١) التبصرة ١٢٣/٢. (٢) ابن عابدين ٣٢٤/٣، والتاج والإكليل ٦/٤، والقليوبي ٢٩٩/٣، والمغني ١٢/٧، ١٣. ٣٨٤ نهر ١ - ٣ نهر التعريف : ١ - النَّهْرُ في اللغة: مجرى الماء العذب والماء الجاري المتسع، والجمع نُهُر بضمتين وأَنْهُر، والنَّهَر - بفتحتين - لغة، والجمع أنهار، ثم أطلق النهر على الأخدود مجازاً للمجاورة، فيقال: جرى النهر، وجف النهر، والأصل جرى ماء النهر(١). وفي اصطلاح الفقهاء النهر: هو المجرى الواسع للماء فوق الساقية(٢)، فهو مجرى كبير لا يحتاج إلى الكرى في كل حين(٣). الألفاظ ذات الصلة : أم البحر: ٢ - البحر في اللغة: الماء الكثير، ملحاً كان أو عذباً، وهو خلاف البر، سمي بذلك لعمقه (١) المصباح المنير، ولسان العرب، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط. (٢) المعجم الوسيط، وقواعد الفقه للبركتي، وغريب القرآن للأصفهاني. (٣) حاشية ابن عابدين ٢٨٥/٥. واتساعه، وقد غلب على الملح حتى قلّ في العذب(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٢). والعلاقة بين البحر والنهر أن كليهما مكان واسع جامع للماء الكثير، إلا أن الغالب في البحر أنه للماء المالح، أما النهر فهو للماء العذب. ب۔۔ البئر: ٣ - البئر في اللغة: القليب، وهو من بأر، أي حفر. والبئر: حفرة عميقة يستخرج منها الماء أو النفط(٣). واصطلاحاً: نقل ابن عابدين عن النتف: أن البئر هي التي لها مواد من أسفلها، ثم قال ابن عابدين: أي لها مياه تمدها وتنبع من أسفلها(٤). والعلاقة بين النهر والبئر أن كليهما مجمع للماء، إلا أن النهر مجرى واسع، والبئر حفرة عميقة. (١) لسان العرب، والمعجم الوسيط. (٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٣. (٣) لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن، والمعجم الوسيط. (٤) حاشية ابن عابدين ١٤٤/١. ٣٨٥ نهر ٤ - ٦ أقسام النهر: ٤ - قسم الفقهاء النهر باعتبار المياه إلى قسمین : أحدهما: نهر غير مملوك لأحد، أو غير مختص بأحد كما عبر بعض الفقهاء، وذلك كنهر النيل ودجلة والفرات وسيحون وجيحون. والثاني: نهر مملوك لشخص أو أكثر (١) ولكلٍّ من هذين القسمين أحكام تخصه وبيان ذلك فيما يلي: أولاً: النهر العام (غير المملوك): ٥ - النهر غير المملوك لأحد إما أن يكون عظيماً كالنيل والفرات لا يتأتى تزاحم الناس علی مائه. وإما أن يكون نهراً صغيراً يزدحم الناس فيه ویتشاحون في مائه(٢). ويختلف حق الانتفاع بكل منهما كما يلي: أ - النهر العظيم وحق الانتفاع به: ٦ - إذا كان النهر عظيماً لا يتأتى تزاحم الناس فیه، کنهر النيل والفرات ودجلة، فلكل إنسانٍ (١) تكملة فتح القدير ١٤/٩، والمغني ٥٨٣/٥، وروضة الطالبين ٣٠٤/٥، ٣٠٥، ٣٠٧، وأسنى المطالب ٤٥٤/٢، ٤٥٥، والدسوقي ٧٤/٤، وكشاف القناع ١٩٨/٤، ١٩٩. (٢) المغني ٥٨٣/٥، وأسنى المطالب ٤٥٤/٢. أن ينتفع به فيشرب ويسقي دوابه متى شاء وكيف شاء، لأنه لا ملك لأحد في الماء ولا في رقبة النهر، ولأن الماء موجود بإيجاد الله تعالى فيبقى على الإباحة(١)، وقد قال النبي ◌ّر: ((المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار))(٢). ولكل أحد من الناس أن يشق من هذه الأنهار نهراً إلى أرضه، بأن أحيا أرضاً ميتة بإذن الإمام، فله أن یشق إليها نهراً، وليس للإمام ولا لأحد منعه إذا لم يضر بالنهر، وله أن ينصب عليه رحى ودالية وسانية إذا لم يضر بالنهر، لأن هذه الأنهار لم تدخل تحت يد أحد فلا يثبت الاختصاص بها لأحد فكان الناس فيها سواء، وكل واحد بسبيل من الانتفاع، لكن بشريطة عدم الضرر بالنهر كالانتفاع بطريق العامة. فإن أَضَرَّ بالنهر أو بعامة الناس كأن يفيض الماء ويُفسد حقوق الناس، أو (١) البدائع ١٩٢/٦، وتكملة فتح القدير ١٢/٩، وأسنى المطالب ٤٥٤/٢، وحاشية الدسوقي ٧٤/٤ والخرشي ٧٦/٧، ٧٧، وكشاف القناع ١٩٩/٤، ومغني المحتاج ٣٧٣/٢. (٢) حديث: ((المسلمون شركاء في ثلاث ... )). أخرجه الطبراني في معجمه كما في نصب الراية (٢٩٤/٤ - ط المجلس العلمي)، وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص (١٥٣/٣ - ط دار الكتب العلمية). ٣٨٦ . نهر ٦ - ٧ ينقطع الماء عن النهر الأعظم أو يمنع جريان السفن فلكل واحد مسلماً كان أو ذمياً أو مكاتباً منعه، لأنه حق لعامة المسلمين، وإباحة التصرف في حقهم مشروطة بانتفاء الضرر كالتصرف في الطريق الأعظم (١). وقد سئل أبو يوسف عن نهر مَرْو وهو نهر عظيم أحيا رجل أرضاً كانت مواتاً فحفر لها نهراً فوق مرو من موضع ليس يملكه أحد فساق الماء إليها من ذلك النهر فقال أبو يوسف: إن كان يدخل على أهل مرو ضرر في مائهم ليس له ذلك، وإن كان لا يضرهم فله ذلك وليس لهم أن يمنعوه، وسئل أيضاً إذا كان لرجل من هذا النهر كُوىّ معروفة هل له أن يزيد فيها؟ فقال: إن زاد في ملكه وذلك لا يضر بأهل النهر فله ذلك(٢) . ب - النهر الصغير وحق الانتفاع به: ٧ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إن كان النهر غير المملوك صغيراً يتزاحم الناس عليه ويتشاحون في مائه (١) البدائع ١٩٢/٦، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٨٢/٥، وكشاف القناع ١٩٩/٤، وروضة الطالبين ٣٠٦/٥، والدسوقي ٧٤/٤. (٢) البدائع ١٩٢/٦. فلمن في أول النهر (أي أعلاه) أن يسقي أرضه ويحبس الماء إلى الكعب، ثم يرسل الماء إلى الذي يليه، ثم من الثاني إلى الثالث، وهكذا إلى أن ينتهي سقي الأراضي كلها (١). والأصل في هذا ما روی عبد الله بن الزبير ((أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ◌َّ في شراج الحَرَّة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي ◌َِّ، فقال رسول الله وَالو للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال: أنْ کان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله څڑ ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾(٢) . وإنما أمر النبي ◌ّ﴿ الزبير رضي الله عنه أن (١) جواهر الإكليل ٢٠٤/٢، ومنح الجليل ٣٠/٤، وروضة الطالبين ٣٠٥/٥، ومغني المحتاج ٣٧٣/٢، والمهذب ٤٣٥/١، والمغني ٥٨٣/٥، وكشاف القناع ١٩٨/٤. (٢) حديث عبد الله بن الزبير ((أن رجلاً من الأنصار خاصم ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٣٤/٥ ط السلفية) ومسلم (١٨٢٩/٤ - ١٨٣٠). ٣٨٧ نهر ٧ يسقي ثم يرسل الماء تسهيلاً على غيره، فلما قال الأنصاري ما قال استوعى النبي ◌َّ للزبير حقه(١) وقد روى عبادة رضي الله عنه ((أن النبي ◌َّ قضى في شرب النخل من السيل أن الأعلى فالأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء))(٢). وقد رُوي ((أن رسول الله وَّر قضى في سيل مهزوز ومذنب، أن الأعلى يرسل إلى الأسفل ویحبس قدر کعبین))(٣). وإذا سقى الأول ولم يفضل شيء من الماء، أو سقى الثاني ولم يفضل شيء، فلا شيء لمن بعده، لأنه ليس له إلا ما فضل، (١) المغني ٥٨٤/٥. (٢) حديث عبادة: ((أن النبي ◌َّ قضى في شرب النخل من السيل ... )). أخرجه ابن ماجه (٨٣٠/٢ - ط الحلبي)، وأعله ابن حجر في التلخيص (١٥٥/٤ - ط العلمية) بالانقطاع في سنده. (٣) حديث: ((قضى في سيل مهزوز ومذنب ... )). أخرجه الحاكم (٦٢/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة، وقال ابن حجر في التلخيص (١٥٥/٣ - ط العلمية): أعله الدار قطني بالوقف. فهو كالعصبة مع أصحاب الفروض في الميراث(١) . وإن كان في أرض أحدهما انخفاض وارتفاع، أي كان بعضها مرتفعاً وبعضها منخفضاً فإنه يسقي كل نوع على حدة لأنهما لو سقيا معاً لزاد الماء في الأرض المنخفضة على القدر المستحق، وطريقة ذلك أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين ثم يسده ثم يسقي المرتفع (٢). وإذا سقى الأعلى، ثم احتاج إلى سقي أرضه مرة أخرى قبل انتهاء سقي الأراضي كلها فقد قال الشافعية: يُمَكَّن من ذلك على الصحيح . وقال الحنابلة: لم يكن له ذلك إلى أن ينتهي سقي الأراضي ليحصل التعادل(٣). هذا هو الأصل في هذا وهو أن يبدأ مَن في أعلا النهر بالسقي فيسقي أرضه ويحبس الماء حتی یصل إلی کعبه ثم یرسله إلى من (١) كشاف القناع ١٩٨/٤، والمغني ٥٨٣/٥، ومنح الجليل ٣٠/٤، ومغني المحتاج ٣٧٧/٢، والمهذب ٤٣٥/١. (٢) مغني المحتاج ٣٧٤/٢، والروضة ٣٠٥/٥، وكشاف القناع ١٩٨/٤، والمغني ٥٨٤/٥، وجواهر الإكليل ٢٠٤/٢. (٣) روضة الطالبين ٣٠٦/٥، وكشاف القناع ١٩٩/٤. ٣٨٨ نهر ٧ - ٩ يليه، وهكذا كما ذكر في الحديث السابق، إذا كان إحياؤهم معاً، أو أحيا الأعلى قبل غيره، أو جُهل الحال(١). ٨ - أما لو كان من في أسفل النهر هو الذي سبق بالإحياء فهو المقدَّم في السقي، ثم من أحيا بعده، وهكذا لأن المعتبر في السقي هو السبق إلى الإحياء لا إلى أول النهر(٢). بل قال الشافعية: إن كان الأسفل أسبق إحياء فهو المقدم، بل له منع من أراد إحياء أقرب منه إلى النهر وسقيه منه عند الضيق، کما اقتضاہ کلام الروضة وصرح به جمع، لئلا يستدل بقربه بعد على أنه مقدم عليه. ثم من وليه في الإحياء وهکذا، ولا عبرة حينئذ بالقرب من النهر، وعُلم من ذلك أن مرادهم بالأعلى: المحيي قبل الثاني وهكذا، لا الأقرب إلى النهر (٣). وقيد سحنون من المالكية: محل تقديم الأسفل السابق في الإحياء على الأعلى المتأخر في الإحياء إذا خيف على زرع الأسفل الهلاك بتقديم غيره عليه في السقي، وإلا قدم الأعلى المتأخر في الإحياء على (١) التاج والإكليل ١٧/٦، ونهاية المحتاج ٣٥٠/٥، ومغني المحتاج ٣٧٤/٢، وكشاف القناع ١٩٩/٤. (٢) كشاف القناع ١٩٩/٤. (٣) نهاية المحتاج ٣٥٠/٥. الأسفل، والذي حققه مصطفى الرماحي أن الأسفل يقدم إذا تقدم في الإحياء ولو لم يخف على زرعه بتقديم الأعلى(١). قدر ما یحبس من الماء: ٩ - اختلف الفقهاء في القدر الذي يُحبس من الماء قبل إرساله إلى الآخر. قال عبد الله بن الزبير: نظرنا في قول النبي ◌َ ◌ّه: ((ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر)» فكان ذلك إلى الكعبين (٢). وقد ذكر النووي فيما يحبس من الماء وجهين قال: الذي عليه الجمهور أنه يحبسه حتى يبلغ الكعبين، والوجه الثاني: أنه يرجع في قدر السقي إلى العادة والحاجة، وقد قال الماوردي: ليس التقدير بالكعبين في كل الأزمان والبلدان، لأنه مقدر بالحاجة، والحاجة تختلف باختلاف الأرض وباختلاف ما فيها من زرع وشجر، وبوقت الزراعة وبوقت السقي(٣). وفي حاشية الرملي على أسنى المطالب ذكر أن كلام الجمهور الذي ذكره النووي. (وهو أن يحبس الماء حتى يبلغ الكعبين) محمول على أرض يكفيها ذلك، أما الأرض (١) حاشية الدسوقي ٧٤/٤. (٢) المغني ٥٨٤/٥. (٣) روضة الطالبين ٣٠٥/٥. ٣٨٩ نهر ٩ - ١١ . التي لا تکفیها إلا زيادة علی ذلك کغالب مزارع اليمن فتسقى إلى حد كفايتها عادة مكاناً وزماناً، وقد اختاره السبكي، قال الأذرعي: وهو قوي، وممن جزم به المتولي. ١٠ - وهل المراد بالكعبين الذين يُحبس الماء إليهما الأسفل من الكعبين أو الأعلى كما قالوا في آية الوضوء؟ الظاهر الأول، والمرجع إلى القدر المعتدل أو الغالب، لأن من الناس من یرتفع کعبه ومنهم من ینخفض ويدنو من أسفل الرجل والأقرب الأول(١). وقال مطرف وابن الماجشون وابن وهب من المالكية: يحبس الأعلى من الماء ما بلغ الکعب ویرسل ما زاد عليه للذي یلیه، قال ابن رشد وهو الأظهر وقال ابن القاسم: يرسل جميع الماء ولا يحبس شيئاً منه (أي بعد سقي أرضه)(٢). ثانياً: النهر الخاص (المملوك) وحق الانتفاع به: ١١ - إذا كان النهر مملوكاً لشخص، كأن شق شخص لنفسه نهراً من الأنهار غير المملوكة أصبح مالكاً له وكان أحق به لسقي أرضه ودوابه، وليس لأحد مزاحمته أو سقي أرض (١) حاشية الرملي على أسنى المطالب ٤٥٤/٢، تحفة المحتاج مع الحواشي ٢٣٠/٦. (٢) منح الجليل ٢٩/٤، ٣٠. أو شجر أو زرع منه إلا بإذنه، لأن الحق له فيتوقف على إذنه(١). فقد قال الحنفية: إن من سقى أرضه أو زرعه من نهر غيره من غیر إذن - سواء اضطر إلى ذلك أو لا - لا ضمان عليه، وإن أخذ مرة بعد مرة يؤدبه السلطان بالضرب والحبس إن رأى ذلك(٢). ولكن للغير حق الشُّرب لنفسه ودوابه إلا إذا خيف تخريب النهر بكثرة الدواب. قال ابن عابدين: قال الزيلعي: والشفة إذا كانت تأتي على الماء کله بأن كان جدولاً صغيراً وفيما يرد عليه من المواشي كثرة تقطع الماء، قال بعضهم: لا يمنع، وقال أكثرهم: يمنع للضرر وجزم بالثاني في الملتقى (٣). وقال الشافعية: ليس لمالك النهر أن يمنع ما للشرب والاستعمال وسقي الدواب ولو بدلو، ومنهم من أطلق أنه لا يدلي أحد فيه دلوا(٤). (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٨٢/٥، والأم ٤٩/٤، ومنح الجليل ٢٥/٤، ٢٦، ٢٩، وروضة الطالبين ٣٠٧/٥، والمغني ٥٨٩/٥، ٥٩٠، وكشاف القناع ١٩٩/٤. (٢) حاشية ابن عابدين ٢٨٢/٥. (٣) حاشية ابن عابدين ٢٨٢/٥. (٤) الروضة ٣٠٧/٥، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ٤٥٥/٢. ٣٩٠ نهر ١١ - ١٢ وقال ابن عبد السلام: الشرب وسقي الدواب من الجداول والأنهار المملوكة إذا كان السقي لا يضر بمالكها جائز، إقامة للإذن العرفي مقام اللفظي، ثم قال: لو كان النهر لمن لا يعتبر إذنه كاليتيم والأوقاف العامة فعندي فيه وقفة، والظاهر الجواز(١). وقال الحنابلة: لكل أحد أن يستقي من الماء الجاري لشربه وغُسله وغسل ثيابه وينتفع به في أشباه ذلك مما لا يؤثر فيه من غير إذنه إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ... ))(٢). وعن بهيسة عن أبيها أنه قال: ((يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء، قال: يا نبي الله: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح، قال: يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل (١) مغني المحتاج ٣٧٥/٢. (٢) حديث أبي هريرة: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٣٤/٥ - ط السلفية)، ومسلم (١٠٣/١ - ط الحلبي)، واللفظ للبخاري . منعه؟ قال: أن تفعل الخير خير لك))(١). فأما ما يؤثر في الماء كسقي الماشية الكثيرة ونحو ذلك: فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه لزمه بذله لذلك، وإن لم يفضل عن حاجته لم يلزم بذله(٢). ثالثاً: النهر داخل الملك: ١٢ - إذا كان النهر داخل ملك رجل فهو أحق به وله أن يمنع غيره من الدخول في أرضه وهذا باتفاق في الجملة(٣). وللفقهاء تفصيل في ذلك بيانه كالآتي: قال الحنفية: الماء الذي يكون في الحياض والآبار والعيون ليس بمملوك لصاحبه بل هو مباح في نفسه، سواء كان في (١) حديث بهيسة عن أبيها: ((يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ ... )). أخرجه أبو داود (٧٥٠/٣ - ط حمص)، ونقل ابن حجر في التلخيص (١٥٤/٣ - ط العلمية) عن عبد الحق وابن القطان أنهما أعلاه بجهالة بهيسة. (٢) المغني ٥٨٩/٥، ٥٩٠، وشرح منتهى الإرادات ٤٦٧/٢. (٣) الدر المختار، وحاشية ابن عابدين ٢٨٢/٥، ٢٨٣، والبدائع ١٨٩/٦، والاختيار ٧١/٣، ومنح الجليل ٢٤/٤، ٢٥، وأسنى المطالب ٤٥٥/٢، ومغني المحتاج ٣٧٥/٢، وشرح منتهى الإرادات ٤٦١/٢. ٣٩١ نهر ١٢ أرض مباحة أو مملوکة، لکن له حق خاص فيه، لأن الماء في الأصل خلق مباحاً الحديث: ((المسلمون شركاء في ثلاث))(١) والشركة العامة تقتضي الإباحة، فلو كان النهر في ملك رجل فله أن يمنع من يريد من الشرب لنفسه أو ماشيته من الدخول في ملكه، لأن الدخول إلى أرضه إضرار به من غیر ضرورة، فله أن يمنع الضرر عن نفسه، وهذا إذا كان من يريد الدخول يجد ماء بقربه في أرض مباحة فإن لم يجد ماء بقربه واضطر للدخول وخاف على نفسه ودابته الهلاك فيقال لصاحب النهر: إما أن تأذن بالدخول ليأخذ الماء بشرط أن لا يكسر ضفة النهر، وإما أن تخرج الماء إليه وتعطيه بنفسك. فإن لم يعطه ومنعه من الدخول فله أن يقاتله بالسلاح ليأخذ قدر ما يندفع به الهلاك، والأصل فيه ما روي ((أن قوماً وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا، وسألوهم أن يعطوهم دلواً فأبوا، فقالوا لهم: إن أعناقنا وأعناق مطايانا كادت تقطع فأبوا، فذكروا ذلك لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: هلاّ وضعتم فيهم السلاح)»(٢) . (١) حديث: ((المسلمون شركاء في ثلاث ... )). تقدم تخريجه ف ٦. (٢) الدر المختار، وحاشية ابن عابدين ٢٨٢/٥، ٢٨٣، والبدائع ١٨٩/٦، والآثار لأبي يوسف ١٩٩/٢. وقال المالكية: ما كان من الماء في أرض متملكة، سواء كان مستنبطاً مثل بئر يحفرها أو عين يستخرجها، أو غير مستنبط غديراً أو غير ذلك فهو أحق به ويحل له بيعه ومنع الناس منه إلا بثمن، إلا أن يَرِد عليه قومٌ لا. ثمن معهم ويخاف عليهم الهلاك إن منعهم فحق عليه أن لا يمنعهم. فإن منعهم فعليهم مجاهدته، وهذا قول مالك في المدونة. وقال ابن يونس: واجب على كل من خاف على مسلم الموت أن يُحييه بما يقدر عليه، فيجب على أصحاب المياه بيعها من المسافرين بما تساوى، ولا يشْتطّوا عليهم في ثمنها، وإن كان المسافرون لا ثمن معهم وجبت مواساتهم للخوف عليهم ولا يُتبعوا بالثمن وإن كانت لهم أموال ببلدهم، لأنهم اليوم أبناء سبيل يجوز لهم أخذ الزكاة لوجوب مواساتهم (١). وقال الشافعية: المياه المختصة ببعض الناس وهي مياه الآبار والقنوات، كمن حفر بئراً في ملكه أو انفجر فيه عين ملكها وملك ماءها في الأصح، إذ الماء يُملك، وهو نماء ملكه كالثمرة واللبن، لكن يجب عليه بذل الفاضل منه عن شربه لشرب (١) منح الجليل ٢٤/٤، ٢٥. ٣٩٢ نهر ١٢ - ١٣ غيره من الآدميين وعن ماشيته وزرعه لماشية غيره(١). وفي مقابل الأصح: أنه لا يملك الماء، لخبر: ((المسلمون شركاء في ثلاث)» وسواء ملك الماء على الصحيح أو لا، لا يلزمه بذل ما فضل عن حاجته لزرع وشجر، ويجب بذل الفاضل منه عن شربه لشرب غيره من الآدميين والفاضل عن ماشيته وزرعه لماشية غيره، وإنما وجب بذله للماشية دون الزرع لحرمة الروح، وقيل: يجب بذله للزرع كالماشية، وقيل: لا يجب للماشية كالماء المحرز وإنما يجب البذل للماشية إن كان هناك كلأ مباح ولم يجد ماء مبذولاً له ولم يحرزه في إناء ونحوه، وإلا فلا يجب بذله. وحيث وجب البذل لم يجز أخذ عوض عليه وإن صح بيع الطعام للمضطر، لصحة النهي عن بيع فضل الماء. ويشترط في بيع الماء التقدير بكيل أو وزن لا بِرَيّ الماشية والزرع(٢). وقال الحنابلة: إنه لا يملك الماء لحديث: «المسلمون شركاء في ثلاث»، وما فضل من مائه الذي لم يحرزه عن حاجته وحاجة عياله وماشيته وزرعه يجب بذله لبهائم غيره وزرعه (١) أسنى المطالب ٤٥٥/٢. (٢) مغني المحتاج ٣٧٥/٢، وأسنى المطالب ٤٥٥/٢، ٤٥٦. لحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ))(١) . وهذا ما لم يجد رب البهائم أو الزرع ماء مباحاً فيستغني به فلا يجب البذل لعدم الحاجة إليه، وكذا إذا كان الباذل للماء يتضرر فلا يلزمه البذل دفعاً للضرر، وكذلك لو كان طالب الماء يؤذي صاحبه بدخوله في أرضه فلا بأس أن يمنعه دفعاً للأذى (٢) رابعاً: النهر المشترك بين جماعة وحق الانتفاع به : ١٣ - إذا كان النهر مملوكاً لأكثر من واحد فليس لأحد من الشركاء في النهر أن يشق منه نهراً أو ينصب عليه رحى أو دالية أو جسراً أو قنطرة أو يوسع فم النهر أو يسوق نصيبه إلى أرض له أخرى إلا برضا شركائه لأنهم قد يتضررون بذلك(٣). ولا يجوز لغير الشركاء في النهر أن يسقي أرضه إلا بإذنهم، فقد نقل ابن عابدين عن (١) حديث: ((لا تمنعوا فضل الماء ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٣١/٥ - ط السلفية)، ومسلم (١١٩٨/٣)، واللفظ للبخاري. (٢) شرح منتهى الإرادات ٤٦١/٢. (٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٨٥/٥، وروضة الطالبين ٣٠٧/٥، ٣٠٨، وأسنى المطالب ٤٥٥/٢، وكشاف القناع ٢٠٠/٤. ٣٩٣ نهر ١٣ - ١٤ الخانية أن النهر إذا كان خاصاً بقوم فليس لغيرهم أن يسقي بستانه أو أرضه إلا بإذنهم، فإن أذنوا إلا واحداً أو كان فيهم صبي أو غائب لا يسع الرجل أن يسقي منه أرضه أو زرعه(١). وفي الأم: لو أن جماعة كان لهم مياه ببادية فسقوا منها واستقوا وفضل منها شيء، فجاء من لا ماء له يطلب أن يشرب أو يسقي إلى واحد منهم دون واحد لم يجز لمن معه فضل من الماء ۔ وإن قل ۔ منعه إياه إن كان في عين أو بئر أو نهر، لأنه فضل ماء يزيد ويُستخلف(٢). كيفية قسمة ماء النهر المشترك: ١٤ - يتفق الفقهاء على أن لكل واحد من الشركاء في حفر النهر أن ينتفع بماء هذا النهر في شربه وسقي أرضه، فإن تراضوا فيما بينهم على كيفية خاصة في الانتفاع جاز ذلك لأن الحق لهم(٣). (١) حاشية ابن عابدين ٢٨٢/٥. (٢) الأم ٤٩/٤. (٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٨٥/٥، والهداية ١٠٦/٤، ومنح الجليل ٣١/٤، وحاشية الدسوقي ٧٤/٤، وجواهر الإكليل ٢٠٤/٢، ٢٠٥، وروضة الطالبين ٣٠٧/٥، ٣١١، وأسنى المطالب ٤٥٥/٢، والمغني ٥٨٦/٥، ٥٨٨، وكشاف القناع ١٩٩/٤. وعند الشافعية والحنابلة يجوز أن يقتسم الشركاء ماء النهر بالمهايأة إذا تراضوا على ذلك وكان حق كل واحد منهم معلوماً، مثل أن يجعلوا لكل واحد من الشركاء حصة يوماً وليلة، أو أن يجعلوا لواحد من طلوع الشمس إلى الزوال، وللآخر من الزوال إلى الغروب ونحو ذلك، أو اقتسموه بالساعات وأمكن ضبط ذلك بشيء معلوم جاز إذا تراضوا به، لأن الحق لهم لا يتجاوزهم، أو أن يسقي كل منهم يوماً، أو بعضهم يسقي يوماً وبعضهم يسقي أكثر بحسب حصته(١)، ويستأنس لذلك بقول الله تعالى: ﴿لَّ شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾(٢) . قال الشافعية: وإذا اقتسموا بالمهايأة جاز، ولكل منهم الرجوع متى شاء على الصحيح، فإن رجع وقد أخذ نوبته قبل أن يأخذ الآخر نوبته فعليه أجرة نوبته من النهر للمدة التي أخذ نوبته فيها(٣). وقيل: تلزم المهاياة ليثق كل واحد بالانتفاع، وقيل: لا تصح القسمة بالمهايأة، (١) مغني المحتاج ٣٧٥/٢، ٣٧٦، وروضة الطالبين ٣٠٧/٥، ٣١١، وأسنى المطالب ٤٥٥/٢، والمهذب ٤٣٥/١، وكشاف القناع ٢٠٠/٤، والمغني ٥٨٨/٥. (٢) سورة الشعراء /١٥٥. (٣) مغني المحتاج ٣٧٦/٢، وأسنى المطالب ٤٥٥/٢. ٣٩٤ نهر ١٤ - ١٥ لأن الماء يقل ويكثر، وتختلف فائدة السقي بالأيام(١) . ١٥ - وإن تَشَاعَّ الشركاء في قسمة الماء أو ضاق عنهم قسمه الحاكم بينهم. وطريقة ذلك - كما يقول الشافعية والحنابلة - بنصب نحو خشبة أو حجر في عرض النهر مستوية الطرفين والوسط، موضوعة بمستوٍ من الأرض، وفيها ثُقَب متساوية أو متفاوتة على قدر الحصص من النهر، لأنه طريق في استیفاء کل واحد حصته. فإن كانت أملاكهم مستوية فواضح. وإن كانت أملاكهم مختلفة قسم الماء على قدر ذلك، فلو كان لواحد النصف ولآخر الثلث ولآخر السدس فإنه يُجعل في الخشبة ست ثُقب، لصاحب النصف ثلاثة ثقوب تصب في ساقيته، ولصاحب الثلث اثنان يصبان في ساقيته، ولصاحب السدس واحد يصب في ساقیته(٢). وإن كان لواحد الخمسان، والباقي لاثنين يتساويان فيه، جعل في الخشبة عشرة ثقوب، لصاحب الخُمْسَين أربعةٌ تصب في ساقیته، ولكل واحد من الآخرين ثلاثةٌ تصب في ساقیته . (١) روضة الطالبين ٣١١/٥. (٢) مغني المحتاج ٣٧٥/٢، وكشاف القناع ١٩٩/٤، ٢٠٠، والمغني ٥٨٦/٥. وإن كان النهر لعشرة، لخمسة منهم أراض قريبة من أول النهر، ولخمسة أراض بعيدة جُعل لأصحاب الأرض القريبة خمسة ثقوب لكل واحد ثقب، وجعل للباقين خمسة تجري في النهر حتى تصل إلى أرضهم، ثم تقسم بينهم قسمة أخرى(١). وما حصل لأحدهم في ساقيته تَصرَّف فيه بما أحب، فكل واحد يصنع بنصيبه ما شاء(٢). وقال الحنفية: إذا كان نهر بين قوم واختصموا في الشرب كان الشرب بينهم على قدر أراضيهم، لأن المقصود الانتفاع بسقي الأراضي فيتقدر بقدره، فإن كان الأعلى منهم لا یشرب حتی یسگّر النھر لم یکن له ذلك لما فيه من إبطال حق الباقين ولكنه يشرب بحصته (٣). فإن تراضوا على أن يسكر(٤) الأعلى النهر حتى يشرب بحصته أو اصطلحوا على أن یسکر کل منھم في نوبته جاز لأن الحق لهم، إلا أنه إذا تمكن من ذلك بلوح فلا يسكر بما (١) المغني ٥٨٦/٥. (٢) كشاف القناع ٢٠٠/٤، ومغني المحتاج ٣٧٥/٢. (٣) الهداية ١٠٦/٤. (٤) سَكَرت النهر سَكْراً من باب قتل: سددتُه، والسِّكْرُ بكسر السين ما يسد به. (المصباح). ٣٩٥ نهر ١٥ ينكبس به النهر كالطين وغيره، لكونه إضراراً بهم بمنع ما فضل من السكر عنهم، إلا إذا رضوا بذلك. فإن لم يمكن لواحد منهم الشرب إلا بالسكر ولم يصطلحوا على شيء فإنه يبدأ بأهل الأسفل حتى يرووا، ثم بعده لأهل الأعلى أن يسكُروا. وهذا معنى قول ابن مسعود رضي الله عنه: ((أهل أسفل النهر أمراء على أهل أعلاه حتى يرووا)). لأن لهم أن يمنعوا أهل الأعلى من السَّكْر، وعليهم طاعتهم في ذلك، ومن لزمك طاعته فهو أميرك. وفي الدر المنتقى: قال شيخ الإسلام: واستحسن مشايخ الأنام قسم الإمام بالأيام، أي إذا لم يصطلحوا ولم ينتفعوا بلا سكر يقسم الإمام بينهم بالأيام فيسكر كل في نوبته. قال ابن عابدين: فيه دفع الضرر العام وقطع التنازع والخصام، إذ لا شك أن لكل شريك في هذا الماء حقاً، فتخصيص أهل الأسفل به حين قلة الماء فيه ضرر لأهل الأعلى، وكذا تخصيص أهل الأعلى به فيه ذلك مع العلم بأنه مشترك بين الكل، فلذا استحسنوا ما ذكروا وارتضوه(١). (١) حاشية ابن عابدين ٢٨٦/٥. ولو كانت قسمة الماء وقعت بالكِوى - بكسر الكاف جمع كوّة بفتحها: الثقب ۔ فأراد أحد الشركاء أن يقسم بالأيام فليس له ذلك لأن القديم يترك على قدمه لظهور الحق فیه(١). وقال المالكية: إن اجتمع جماعة على إجراء الماء بأرض مباحة أو أرضهم المشتركة بينهم أو على حفر بئر أو عين قسم الماء بينهم على حسب أعمالهم بقلدٍ (٢) ونحوه مما يتوصل بها إلى إعطاء كل ذي حق حقه. قال الدسوقي: وإذا قسم الماء بالقلد فإنه يراعى اختلاف كثرة الجري وقلته، فإن جريه عند كثرته أقوى من جريه عند قلته، فيرجع في ذلك لأهل المعرفة، وإن تشاحوا في التبدئة أقرع بينهم، فمن خرج سهمه بالتقديم (٣) قدم(٣) . (١) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢٨٥/٥، والهداية ١٠٧/٤. (٢) القلد هو القذر الذي يُثقب ويُملأ ماء (الدسوقي ٧٤/٤، ٧٥)، قال ابن دريد: هو الحظ من الماء، وقال ابن قتيبة: هو سقي الزرع وقت حاجته، وقال عليش: هو في استعمال الفقهاء: عبارة عن الآلة التي يتوصل بها لإعطاء كل ذي حظ من الماء حظه من غير نقص ولا زيادة. (٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٧٤/٤، ٧٥. ٣٩٦ نهر ١٦ - ١٨ مؤنة كرى الأنهار (عمارتها وإصلاحها): ١٦ - الأنهار إما عامة غير مملوكة لأحد أو خاصة مملوكة لشخص أو أكثر. ويختلف من يتحمل كرى الأنهار وإصلاحها باختلاف نوع النهر، وبيان ذلك فيما يأتي: أولاً: الأنهار العامة : ١٧ - كَزي(١) الأنهار العامة كالنيل ودجلة والفرات يكون على السلطان من بيت مال المسلمين، لأن منفعة الكري لعامة المسلمين، فتكون مؤنته من بيت المال، لقول النبي وَّر: ((الخراج بالضمان))(٢). وتكون المؤنة من مال الخراج والجزية دون العشور والصدقات، لأن العشور والصدقات للفقراء، والخراج والجزية للنوائب، فإن لم يكن في بيت المال شيء (١) كري النهر: حفره وإخراج طينه (لسان العرب)، والكري تعبير الحنفية، ويعبر الشافعية بالعمارة، ويعبر الحنابلة بالإكراء والإصلاح. (٢) حديث: ((الخراج بالضمان)). أخرجه أبو داود (٧٨٠/٣ - ط حمص) من حديث عائشة، وصححه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٥٤/٣ - ط العلمية). يكون كريه على الناس، فإن امتنعوا أجبر الإمام الناس على كريه إحياءً لمصلحة العامة، إذ هم لا يقيمونها بأنفسهم، قال عمر رضي الله تعالى عنه: (لو تركتم لبعتم أولادكم»(١) . إلا أن الإمام يُخرج للکري من كان يقدر على العمل ويطيقه، ويجعل مؤنته على المياسير الذين لا يطيقونه بأنفسهم، كما يفعل في تجهيز الجيوش، لأنه يخرج من كان يطيق القتال، ويجعل مؤنته على الأغنياء، كذا ههنا . ولو خيف من هذه الأنهار الغرق فعلى السلطان إصلاح مسناتها من بيت المال(٢). ثانياً: الأنهار المملوكة: ١٨ - ذهب الفقهاء إلى أن الأنهار المملوكة يكون كريها وإصلاحها وعمارتها على من (١) أثر عمر رضي الله تعالى عنه ((لو تركتم لبعتم أولادكم)). قال العيني في البناية (٤٧٢/٩): لم أقف عليه في الكتب المشهورة في كتب الحديث، وإنما ذكره أصحابنا في كتبهم ولم أدر من أين أخذوه. (٢) الهداية وتكملة فتح القدير ١٤/٩، ١٥ - ط دار إحياء التراث العربي، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٨٤/٥، والبدائع ١٩٢/٦، والروضة ٣٠٦/٥، وأسنى المطالب ٤٥٤/٢، ٤٥٥. ٣٩٧ نهر ١٨ - ١٩ يملكونها، لأن الحق لهم والمنفعة تعود عليهم على الخصوص والخلوص(١). كيفية الكري والإصلاح : ١٩ - يختلف الفقهاء في كيفية كري النهر المشترك وإصلاحه على الوجه الآتي: عند الحنابلة وأبي حنيفة وهو وجه عند الشافعية يكون كري النهر المشترك وإصلاحه على الشركاء بحسب ملکهم فيه. ويوضح الحنابلة الكيفية التي يتم بها الإصلاح فيقولون: إذا كان بعض الشركاء في النهر أقرب إلى أوله من بعض اشترك الكل في كريه وإصلاحه حتى يصلوا إلى الأول، ثم إذا وصلوا فلا شيء على الأول بعد ذلك لانتهاء استحقاقه، لأنه لا حق له فيما وراء ذلك ويشترك الباقون حتى يصلوا إلى الثاني ثم لا شيء عليه لما تقدم، ثم يشترك من بعد الثاني حتى ينتهي إلى الثالث، ثم لا شيء عليه بعد ذلك، وهكذا كلما انتهى العمل إلى موضع واحد منهم لم يكن عليه فيما بعده (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٨٤/٥، والبدائع ١٩٢/٦، والهداية وشروحها ١٥/٩، ١٦، والدسوقي ٣٦٥/٣، والحطاب ١٤٤/٥، وروضة الطالبين ٣٠٨/٥، وأسنى المطالب ٤٥٥/٢، وكشاف القناع ٤١٤/٣، ٤١٥، و٢٠٠/٤، ومطالب أولي النهى ٢٠٤/٤، ٢٠٥. شيء لأنه لا ملك فیما وراء موضعه. فإن كان يفضل عن جميعهم منه ما يحتاج إلى مصرف فمؤنته على جميعهم، لاشتراكهم في الحاجة إليه للانتفاع به، فكانت مؤنتهم علیه کأوله(١) . وقال أبو حنيفة: مؤنة كري النهر المشترك عليهم من أعلاه فإذا جاوزوا أرض رجل منهم برىء من مؤنة الکري، ويوضح ابن عابدين ذلك فيقول: بيانه أنه لو كان الشركاء في النهر عشرة فعلى كلِّ عُشر المؤنة فإذا جاوزوا أرض رجل منهم فهي على التسعة الباقين أتساعاً لعدم نفع الأول فيما بعد أرضه، وهكذا فمَن في الآخر أكثرهم غرامة لأنه لا ينتفع إلا إذا وصل الكري إلى أرضه ودونه في الغرامة من قبله إلى الأول والفتوى على قول أبي حنيفة(٢). ووجه قول أبي حنيفة: أن الكري من حقوق الملك، والملك في الأعلى مشترك بين الكل من فوهة النهر إلى مشرب أولهم، فكانت مؤنته على الكل، فأما بعده فلا ملك لصاحب الأعلی فیه إنما له حق، وهو حق تسييل الماء فيه، فكانت مؤنته على صاحب (١) مطالب أولي النهى ٣٦٤/٣، ٢٠٤/٤، ٢٠٥، والمغني ٥٩٠/٥، وكشاف القناع ٤١٥/٣. (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢٨٤/٥. ٣٩٨ نهر ١٩ - ٢٢ الملك لا علی صاحب الحق، ولهذا كانت مؤنة الكري على أصحاب النهر(١). وقال أبو يوسف ومحمد من الحنفية والشافعية في الأصح: الكري على جميع الشركاء من أول النهر إلى آخره لاشتراكهم وانتفاعهم به، وقال الصاحبان بحصص الشرب والأرضين كما يستوون فى استحقاق الشفعة لأن لصاحب الأعلى حقاً في الأسفل لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء فيه(٢). ٢٠ - قال الحنفية: وليس على أهل الشفة من الكري شيء، لأن الكري من حقوق الملك ولا ملك لأهل الشفة في رقبة النهر، بل لهم حق شرب الماء والسقي للدواب فقط، ولأنهم لا يحصون، لأنهم أهل الدنيا جميعاً(٣). امتناع أحد الشركاء عن الكري والإصلاح: ٢١ - يتفق الفقهاء على أن ما يحتاجه النهر المشترك بين جماعة من كري وإصلاح (١) البدائع ١٩٢/٦. (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٨٤/٥، والهداية ١٠٥/٤، والبدائع ١٩٢/٦، وروضة الطالبين ٣٠٨/٥، وأسنى المطالب ٤٥٥/٢. (٣) البدائع ١٩١/٦، ١٩٢، وابن عابدين ٢٨٤/٥. وعمارة یکون علی جمیع الشركاء فيه. لكنهم يختلفون في حكم ما إذا امتنع أحد الشركاء عن المشاركة في الكري والإصلاح. وعلى الجملة فإن الحكم عند الحنفية والحنابلة أن الآبي يجبر على المشاركة. وعند المالكية والشافعية في الجديد لا يجبر الآبي ولكل مذهب تفصيل خاص يختلف عن غيره وبيان ذلك فيما يلي: ٢٢ - قسم الحنفية النهر المملوك إلى قسمین: عام، وخاص. والفاصل بينهما أن ما تستحق به الشفعة خاص، وما لا تستحق به الشفعة عام. واختلف في تحديد ذلك، فقيل: الخاص ما كان لعشرة فما دونها، أو كان عليه قرية واحدة، وقيل: إن كان النهر لما دون الأربعين فهو خاص، وإن كان لأربعين فهو نهر عام، وجعل بعضهم الحد الفاصل في المائة، وبعضهم في الألف وغير ذلك عام، وأصح ما قيل فيه: أنه يفوض إلى رأي المجتهد فيختار من الأقاويل أي قول شاء، وقيل: الخاص ما لا تجري فيه السفن، وما تجري فيه فهو عام. قال الإتقاني: ولكن أحسن ما قيل فيه: إن ٣٩٩ نهر ٢٢ - ٢٥ كان النهر لدون مائة فالشركة خاصة وإلا فعامة(١) . ٢٣ - وعلى ذلك فإن كان النهر عاماً وأبى بعض الشركاء من الكري، فإنه يجبر على الكري دفعاً للضرر العام وهو ضرر بقية الشركاء، وضرر الآبي خاص ویقابله عوض فلا یعارض به. وإذا أراد الشركاء فى النهر العام أن یحصنوه خيفة الانبثاق وفيه ضرر عام کغرق الأراضي وفساد الطرق يجبر الآبي، وإن لم يكن فيه ضرر عام فلا يجبر الآبي لأنه موهوم، بخلاف الكري فإنه معلوم. ٢٤ - أما النهر الخاص فقد اختلف فقهاء الحنفية في إجبار الممتنع عن الكرى. فإن كان الممتنع بعض الشركاء فقد جاء في الكفاية: قيل: يجبر الآبي وهو قول أبي بكر الإسكاف، قال ابن عابدين: أجبر على الصحيح كما في الخزانة، وقيل: لا يجبر وهو قول أبي بكر بن أبي سعيد البلخيّ، قال ابن عابدين: وهو ظاهر الرواية. وإن كان الممتنع كل الشركاء في النهر واتفقوا على ترك الكري ففي ظاهر المذهب لا يجبرهم الإمام على ذلك كما لو امتنعوا (١) الكفاية على الهداية ١٥/٩، وحاشية ابن عابدین ٢٨٤/٥. عن عمارة أراضيهم، وقال بعض المتأخرين: يجبرهم الإمام على ذلك لحق أصحاب الشفة في النهر(١). ٢٥ - وعلى القول بعدم جبر الآبي إذا أبى بعض الشركاء من الكري وقام الباقون بالكري، فهل يرجعون على الآبي بما يخصه من مؤنة ما أنفقوا؟ قالوا: إن كان بأمر القاضي رجعوا على الآبي. نقل ابن عابدين عن الذخيرة: أن القاضي إذا أمر الباقين بكري نصيب الآبي على أن يستوفوا مؤنة الكري من نصيبه من الشرب مقدار ما يبلغ قيمة ما أنفقوا عليه فإنهم يرجعون على الآبي بذلك. وإن لم يرفعوا الأمر إلى القاضي، هل يرجعون على الآبي بقسطه من النفقة ويمنع الآبي من شربه حتى يؤدي ما عليه؟ قيل: نعم، وقيل: لا . وذكر في عيون المسائل أن الأول قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومثله في التتارخانية والبزازية، قال ابن عابدين: وظاهره أنه لا ترجيح لأحد القولين لكن مفهوم كلام الدر (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٨٤/٥، والهداية وشروحها ١٥/٩، والبناية في شرح الهداية ٤٧٤/٩. ٤٠٠