النص المفهرس

صفحات 201-220

نَقيعة ٣ - ٧
والعقيقة شرعاً: ما يذبح لأجل المولود
عند حلق شعره، تسمية للشيء باسم سببه(١).
والصلة بين النقيعة والعقيقة أن كلا منهما
طعام يصنع لسرور حادث ويدعى إليه الناس.
ج - العَذيرة:
٤ - العذيرة في اللغة: من عذرت الغلام
والجارية عذراً من باب ضرب: ختنته فهو
معذور(٢).
والعذيرة اصطلاحاً: اسم لطعام يصنع
للختان ويدعى إليه الناس(٣). والصلة بن
النقيعة والعذيرة أن كلا منهما طعام يدعى إليه
الناس.
د - الوَكيرة:
٥ - الوكيرة في اللغة من الوكر وهو المأوى
يقال: وکر فلان: اتخذ الوکیرة ووگر فلان
القوم: أطعمهم الوكيرة، والوكيرة: الطعام
يتخذه الرجل عند فراغه من بنيانه فيدعو إليه (٤).
(١) مغني المحتاج ٢٩٣/٤، والمطلع على أبواب
المقنع ص ٣٢٨.
(٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط،
والقاموس المحيط، والمطلع على أبواب
المقنع ص٣٢٨.
(٣) المغني لابن قدامة ١٨٧، ومغني المحتاج
٢٤٤/٣.
(٤) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، ولسان
العرب.
والوكيرة اصطلاحاً: طعام يتخذ للبناء
ويدعى إليه الناس(١).
والعلاقة بين النقيعة والوكيرة أن كلا منهما
طعام يصنع لسرور حادث ويدعى إليه الناس.
هـ - الحذاق:
٦ - الحذاق في اللغة بكسر الحاء المهملة
وبذال معجمة مأخوذة من (حذِق): الرجل.
في صنعته من بابي ضرب وتعب (حذقاً) مهر
فيها وعرف غوامضها ووقائعها(٢).
وفي الاصطلاح: طعام يصنع لحفظ القرآن
ويدعى إليه الناس. وقال ابن قدامة: الحذاق
(٣)
الطعام عند حذاق الصبي
والصلة بين النقيعة والحذاق أن كلا منهما
طعام يصنع لسرور حادث.
و - الخُزْس:
٧ - الخرس في اللغة بضم الخاء المعجمة
وسين مهملة ويقال: الخرص بصاد مهملة:
طعام يصنع للولادة أي للسلامة من الطلق
(١) مغني المحتاج ٢٤٤/٣، والمغني لابن قدامة
١٨٧، والمطلع على أبواب المقنع ص٣٢٨.
(٢) المصباح المنير، والمطلع على أبواب المقنع
ص ٣٢٨.
(٣) مغني المحتاج ٢٤٤/٣، والمغني لابن قدامة
١٧.
٢٠١

نَقيعة ٧ - ٩
ويقال أيضاً: الخرسية وهي اسم لما يصنع
للنفساء من طعام أو حساء. وفي الحديث في
صفة التمر: ((هي صمنة الصبي وخرسة
مريم))(١) .
والخروس من النساء: هي التي يعمل لها
عند الولادة ما تأكله أو تحسوه أياماً،
وتخرست المرأة عملت لنفسها الخرسة ومنه
المثل :
تخرسي يا نفس لا مخرسة لك، يضرب
لمن يقوم بحاجته حين لا يجد من يقوم له
ها (٢) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(٣).
والصلة بين الخرسة وبين النقيعة أن كلا
منهما طعام يصنع لسرور حادث.
ز - المأدبة :
٨ - المأدبة في اللغة بضم الدال وفتحها من
آدب إيداباً: صنع مأدبة، وآدب القومَ: دعاهم
(١) حديث: ((هي صمنة الصبي وخرسة مريم)).
ذكره ابن الأثير في النهاية (٢١/٢ ط دار
الفكر)، ولم نهتد لمن أخرجه من المصادر
الحديثية.
(٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمطلع
على أبواب المقنع ص ٣٢٨.
(٣) مغني المحتاج ٢٤٤/٣، والمغني ١٨٧.
إلى مأدبته، والمأدبة: طعام يصنع بدعوة (١)،
ومنه قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
(إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن استطاع أن
يتعلم منه شيئاً فليفعل))(٢).
والمأدبة في الاصطلاح اختلف فيها
الفقهاء .
فعرفها المالكية: بأنها الطعام الذي يعمل
للجيران والأصحاب لأجل المودة.
وعرفها الشافعية: بأنها كل طعام يصنع
بدعوة بلا سبب إلا ثناء الناس عليه .
وقال الحنابلة: هي اسم لكل دعوة لسبب
كانت أو لغير سبب(٣).
والصلة بين المأدبة والنقيعة أن كلا منهما
طعام يصنع ويدعى إليه الناس.
الحكم التكليفي :
٩ - اختلف الفقهاء في حكم النقيعة، فيرى
(١) المعجم الوسيط، والمطلع على أبواب المقنع
ص ٣٢٨.
(٢) قول ابن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله ...
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٦٤/٧ -
ط القدسي)، وقال: رواه الطبراني بأسانيد،
ورجال هذه الطريق رجال الصحيح.
(٣) تحفة المحتاج مع الحواشي ٤٢٣/٧ - ٤٢٤،
وحاشية الدسوقي ٣٣٧/٢، والمغني ١٨٧.
٢٠٢

نَقيعة ٩ - ١٠
الحنفية والحنابلة أنها مباحة، ويرى المالكية
والشافعية أنها مندوبة(١).
واستدلوا لذلك بحديث جابر رضي الله عنه
((أن رسول الله وَليل لما قدم المدينة نحر جزوراً
أو بقرة))(٢).
ولم يفرق جمهور الفقهاء في مدة
السفر الذي يعمل للقادم منه النقيعة، بل
تصنع النقيعة سواء كان السفر طويلاً أو
قصيراً.
وذهب الشافعية إلى أن النقيعة تستحب
للقادم من السفر الطويل، لقضاء العرف
بذلك سواء عمله المسافر القادم نفسه، أو
عمله غيره له. أما من غاب يوماً أو أياماً
أو غاب أياماً يسيرة إلى بعض النواحي
القريبة فكالحاضر فلا تستحب النقيعة في
حقه(٣) .
(١) حاشية ابن عابدين ٢٢١/٥، وجواهر الإكليل
٣٢٥/١، ومغني المحتاج ٢٤٤/٣، وتحفة
المحتاج ٤٢٣/٧ - ٤٢٤، والمغني لابن
قدامة ١/٧، وكشاف القناع ١٦٥/٥.
(٢) حديث جابر: ((أن رسول الله وَ لقر لما قدم
المدينة نحر جزوراً ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٩٤/٦
ط السلفية).
(٣) تحفة المحتاج مع الحواشي ٤٢٤/٧،
ومغني المحتاج ٢٤٤/٣، ونهاية المحتاج
٣٦٣/٦.
حكم إجابة الدعوة للنقيعة :
١٠ - اختلف الفقهاء في حكم إجابة الدعوة
للنقيعة على أقوال:
أحدها: أنها سنة عند عامة الحنفية،
ومستحبة عند الشافعية في الصحيح والحنابلة
لقول الرسول وَله: ((من دُعِيَ إلى عرس أو
نحوه فليجب))(١).
وقوله رسله: ((إذا دعا أحدكم أخاه فليجب،
عرساً كان أو نحوه))(٢).
فهذا يدل على استحباب الإجابة في سائر
الدعوات ما عدا وليمة العرس، ولأن فيه
إطعام الطعام والإجابة إليها مستحبة غير
واجبة، لما فيها من إدخال السرور في قلب
المؤمن، وجبر خاطر الداعي وتطييب قلبه،
ولأن بعض الأحاديث التي وردت في إجابة
الداعي إلى الوليمة خصصت ذلك بوليمة
العرس، ومنها قوله وَلهو: ((إذا دُعِيَ أحدكم
إلى وليمة عرسٍ فليجب))(٣).
(١) حديث: ((من دُعِيَ إلى عرس أو نحوه
فلیجب)).
أخرجه مسلم (١٠٥٣/٢ ط عيسى الحلبي)
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٢) حديث: ((إذا دعا أحدكم أخاه فليجب)).
أخرجه مسلم (١٠٥٣/٢ ط عيسى الحلبي)
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) حديث: ((إذا دُعِيَ أحدكم إلى وليمة عرس
فلیجب».
=
٢٠٣

نَقيعة ١٠
والثاني: لبعض علماء السلف وبعض
الحنفية وبعض الشافعية (١) وهو أن إجابة
الدعوة إلى النقيعة واجبة لا يسع للمسلم
تركها، لعموم الأحاديث الواردة في ذلك:
منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن
النبي وَ﴿ أنه قال: ((إذا دعا أحدكم أخاه
فليجبه عرساً كان أو نحوه)). وقوله وَلّ: ((من
دُعِيَ إلی عرس أو نحوه فلیجب)).
والثالث: للمالكية(٢) وهو أن إجابة الدعوة
إلى النقيعة والحضور إليها مكروه. قال
الدسوقي: واعلم أن طعام الختان يقال له:
إعذار، وطعام القادم من سفر يقال له:
نقيعة، وطعام النفاس يقال له: خُرس،
وطعام الذي يعمل للجيران والأصحاب لأجل
المودة يقال له: مأدبة، وطعام بناء الدور يقال
له: وكيرة، والطعام الذي يصنع في سابع
الولادة يقال له: عقيقة، والطعام الذي يصنع
عند حفظ القرآن يقال له: حذاقة، ووجوب
إجابة الدعوة والحضور إنما هو لوليمة
= أخرجه مسلم (١٠٥٣/٢ ط عيسى الحلبي)
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(١) حاشية ابن عابدين ٢٢١/٥، وتحفة المحتاج
مع الحواشي ٤٢٦/٧، ومغني المحتاج
٢٤٥/٣، والمغني ١١٨٧، وكشاف القناع
١٦٦/٥، ١٦٨.
(٢) حاشية الدسوقي ٣٣٧/٢، والخرشي ٣٠١/٣،
والقوانين الفقهية ص ٢٠٠.
العرس، وأما ما عداها فحضوره مكروه إلا
العقيقة، فمندوب.
الرابع: لابن رشد من المالكية وهو أن
إجابة دعوة النقيعة وحضورها مباح، وكذا
سائر الولائم إلا وليمة العرس فإجابة الدعوة
إليها وحضورها واجب، وإلا العقيقة فمندوب
وكذا المأدبة إذا فعلت لإیناس الجار ومودته،
فمندوب أيضاً، وأما إذا فعلت للفخار
والمحمدة فحضورها مكروه(١) .
وللفقهاء شروط في استحباب وجواز
حضور النقيعة وغيرها من الولائم والدعوات
إلى الطعام (٢)، ينظر تفصيلها في مصطلح
(وليمة العرس).
(١) حاشية الدسوقي ٣٧٧/٢، والخرشي ٣١٠/٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٢١/٥، وحاشية
الدسوقي ٣٣٧/٢ وما بعدها، وتحفة المحتاج
٤٢٤/٧ وما بعدها، وكشاف القناع ١٦٤/٥
وما بعدها، والمغني ١/٧ وما بعدها.
٢٠٤

نِکاح ١ - ٢
نِکاح
التعريف :
١ - النكاح في اللغة مصدر نكح، يقال: نكح
ينكح الرجل والمرأة نكاحاً: من باب ضرب،
قال ابن فارس وغيره: يطلق على الوطء،
وعلى العقد دون الوطء، ويقال: نكحت
المرأة: تزوجت، ونكح فلان امرأة:
تزوجها، قال تعالى ﴿فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ
اَلْنِسَآَ﴾(١)، ونكح المرأة: باضعها(٢).
وفي الاصطلاح: اختلف الفقهاء في
تعريف النكاح :
فقال الحنفية: النكاح عقد يفيد ملك
المتعة بالأنثى قصداً، أي يفيد حل استمتاع
الرجل من امرأة لم يمنع من نكاحها مانع
(٣)
شرعي(٣).
(١) سورة النساء /٣.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والقاموس
المحيط، والمعجم الوسيط.
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٢٥٨/٢ - ٢٦٠
ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير
٩٩/٣ - ط دار إحياء التراث العربي.
وقال المالكية: النكاح عقد لحل تمتع
بأنثى غير محرم ومجوسية وأمة كتابية
بصيغة(١).
وقال الشافعية: النكاح عقد يتضمن إباحة
وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته (٢).
وقال الحنابلة: النكاح عقد التزويج، أي
عقد يعتبر فيه لفظ نكاح أو تزويج أو
ترجمته(٣).
حقيقة النكاح:
٢ - اختلف الفقهاء في حقيقة النكاح إلى ثلاثة
آراء :
الرأي الأول: أن النكاح حقيقة في الوطء
مجاز في العقد، وهو ما ذهب إليه الحنفية في
الصحيح، والشافعية في وجه، وبعض
الحنابلة، وهو ما اختاره القاضي منهم في
بعض کتبه .
واستدلوا بأن ما جاء في الكتاب أو السنة
(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٣٣٢/٢ -
٣٣٤ - ط دار المعارف - القاهرة.
(٢) مغني المحتاج ١٢٣/٣ - ط دار الفكر،
وحاشية الرملي على شرح روض الطالب
٩٨/٣، ونهاية المحتاج ١٧٤/٦، والقليوبي
٢٠٦/٣.
(٣) كشاف القناع عن متن الإقناع ٥/٥ - ط مكتبة
النصر - الرياض.
٢٠٥

نِكاح ٢
مجرداً عن القرائن - أي محتملاً للمعنى
الحقيقي والمجازي بلا مرجح خارج - یراد به
الوطء، لأن المجاز خلف عن الحقيقة،
فتترجح علیه في نفسها، کما في قول الله
تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَعَ ءَابَآؤُكُمْ مِنَ
اُلِسَآءِ﴾(١)، بخلاف قول الله تعالى ﴿حَتَّى
تَنْكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾(٢)، لإسناده إليها،
والمقصود منها العقد لا الوطء إلا مجازاً (٣).
الرأي الثاني: أنه حقيقة في العقد مجاز في
الوطء، وهو ما ذهب إليه المالكية والشافعية
في الأصح، والحنابلة على الصحيح،
واستدلوا بأن لفظ النكاح عند الإطلاق
ينصرف إلى العقد ما لم يصرفه دليل لأنه
المشهور في القرآن والأخبار، ولأن النكاح
أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح،
فكان حقيقة فيه كاللفظ الآخر، وقد قيل:
ليس في الكتاب لفظ النكاح بمعنى الوطء إلا
قوله تعالى ﴿حَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لخبر:
((حتى تذوقي عسيلته))(٤)، ولصحة نفيه عن
(١) سورة النساء /٢٢.
(٢) سورة البقرة / ٢٣٠.
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٢٦٠/٢، ومغني
المحتاج ١٢٣/٣، والإنصاف ٤/٨ - ٥.
(٤) حديث: ((حتى تذوقي عسيلته)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٦٤/٩
ط السلفية) من حديث عائشة رضي الله
عنها .
الوطء، ولأنه ينصرف إليه عند الإطلاق
ولا يتبادر الذهن إلا إليه فهو ما نقله
العرف (١).
الرأي الثالث: أنه حقيقة في كل من
العقد والوطء، وهو رأي عند الحنفية على
أنه مشترك لفظي فيهما أو مشترك معنوي
فيهما .
وقال بهرام من المالكية: ويستعمل لفظ
النكاح - في الشرع - في الوجهين، لكن على
سبيل الحقيقة فيهما جميعاً.
وقال الشافعية في وجه: إنه حقيقة فيهما
بالاشتراك کالعین.
وقال الحنابلة في قول: هو مشترك،
بمعنى أنه حقيقة في كل منهما بانفراده، قال
المرداوي: وعليه الأكثر.
وفي قول عندهم: هو حقيقة فيهما معاً،
فلا يقال هو حقيقة على أحدهما بانفراده بل
على مجموعهما فهو من الألفاظ المتواطئة،
قال ابن رزين: هو الأشبه، قال المرداوي:
والفرق بين الاشتراك والتواطؤ: أن الاشتراك
(١) شرح الخرشي ١٦٥/٣، والفواكه الدواني
٢١/٢، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل
٤٠٣/٣ ط دار الفكر - بيروت، والدر
المختار ورد المحتار ٢٦٠/٢، ومغني
المحتاج ١٢٣/٣، والإنصاف ٤/٨، ٥،
وكشاف القناع ٥/٥، ٦، والمغني ٤٤٥/٦.
٢٠٦

نِکاح ٢ - ٣
يقال على كلٍّ منهما بانفراده حقيقة، بخلاف
المتواطىء، فإنه لا يقال حقيقة إلا عليهما
مجتمعين(١).
ما يترتب على الاختلاف في حقيقة
النكاح:
٣ - يترتب على اختلاف الفقهاء في حقيقة
النكاح اختلاف الحكم في بعض المسائل
الفقهية .
فمن زنى بامرأة حرمت على أصوله
وفروعه عند الحنفية، وهو الأشهر عند
الحنابلة(٢).
وقال الشافعية، وهو المعتمد عند
المالكية: إن الزنا لا يثبت المصاهرة، فلمن
زنى بامرأة أن يتزوج بفروعها وأصولها،
ولأبيه وابنه أن يتزوجها، قال الشبراملسي:
بناء على أن الوطء لا يسمى نكاحاً ولا يترتب
عليه التحريم بالمصاهرة، لأن النكاح حيث
أطلق حمل على العقد إلا بقرينة، فنحو قوله
تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ﴾(٣)
(١) رد المحتار والدر المختار ٢٦٠/٢، ومواهب
الجليل ٤٠٣/٣، والخرشي مع العدوي
١٦٤/٣، ومغني المحتاج ١٢٣/٣، والإنصاف
٥/٨، ٦، وكشاف القناع ٥/٥، ٦.
(٢) رد المحتار ٢٦٠/٢٠، والمغني ٥٧٦/٦،
٥٧٧، ومطالب أولي النهى ٤/٥.
(٣) سورة النساء /٢٢.
معناه: لا تنكحوا من عقد عليها آباؤكم، وهو
يفيد أن من زنى بها أبوه لا تحرم عليه(١) .
وقال القرطبي: إن الزنا لا حکم له،
لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَأُمَّهَتُ
نِسَآَبِكُمْ﴾(٢)، وليست التي زنى بها من
أمهات نسائه ولا ابنتها من ربائبه، لأنه لما
ارتفع الصداق في الزنا ووجوب العدة
والميراث ولحوق الولد ووجب الحد ارتفع
أن یحکم له بحكم النكاح الجائز(٣).
ورُويَ عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(سئل رسول الله ﴿ عن رجل زنى بامرأة،
فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: لا يحرم
الحرامُ الحلال، إنما يحرِّم ما كان بنكاح))(٤).
(١) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج
١٧٤/٦.
(٢) سورة النساء /٢٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١١٥/٥ ط دار إحياء
التراث العربي، وشرح الدردير مع الدسوقي
٢٥١/٢.
(٤) حديث: ((لا يحرم الحرام الحلال ... )).
أخرجه الدارقطني في السنن (٢٦٨/٣ ط دار
المحاسن) والبيهقي في السنن (١٦٩/٧ ط دائرة
المعارف) وذكره ابن حجر في الفتح (١٥٦/٩
ط السلفية) وعزاه إليهما ثم قال: وفي
إسنادهما عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي
وهو متروك، وقد أخرج ابن ماجه طرفاً منه
من حديث ابن عمر (٦٤٩/١ ط الحلبي)
وإسناده أصلح من الأول.
٢٠٧

نِكاح ٣ - ٦
ومما يترتب على اختلاف الفقهاء في
حقيقة النكاح: أن من حلف لا ينكح، ومن
علق الطلاق على النكاح فإن الحنث ووقوع
الطلاق بالوطء عند من يقول إن النكاح حقيقة
فيه، وبالعقد عند من يرى أن النكاح حقيقة
فيه .
وفصل الحنفية فقالوا: لو قال لزوجته: إن
نكحتك فأنت طالق تعلق بالوطء، وكذا لو
أبانها قبل الوطء ثم تزوجها تطلق به
لا بالعقد، بخلاف الأجنبية فيتعلق بالعقد،
لأن وطأها لما حرم عليه شرعاً كانت الحقيقة
مهجورة فتعین المجاز(١).
وقال الشافعية: لو حلف لا ينكح حنث
بالعقد لا بالوطء، إلا إذا نواه، وكذا لو علق
(٢)
الطلاق على النكاح
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الخِطبة:
٤ - الخِطبة - بكسر الخاء - في اللغة مصدر
خطب، يقال: خطب المرأة خَطْباً وخِطْبةً:
طلبها للزواج، وخطبها إلى أهلها: طلبها
منهم للزواج، واختطب القوم فلاناً: إذا دعوه
إلى تزويج صاحبتهم(٣).
(١) رد المحتار ٢٦٠/٢.
(٢) مغني المحتاج ١٢٣/٣، ونهاية المحتاج
١٧٤/٦.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(١) .
والخطبة مقدمة للنكاح.
ب - السفاح:
٥ - السفاح في اللغة مصدر سافح،
يقال؛ سافح الرجل المرأة سفاحاً
ومسافحة، وهو المزاناة والفجور، لأن
الماء يصب ضائعاً، وفي النكاح غنية عن
السفاح(٢) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(٣).
والسفاح ضد النكاح، لأن الوطء في
السفاح حرام، وفي النكاح حلال.
ج - الطلاق:
٦ - الطلاق فى اللغة مصدر طلق - بفتح اللام
وضمها - يقال: طلقت المرأة من زوجها
طلاقاً: بانت (٤)
وفي الاصطلاح: الطلاق حل عقد النكاح
بلفظ الطلاق ونحوه، أو كما قال الحنابلة:
حل قيد النكاح أو بعضه - أي بعض قيد
(١) أسنى المطالب ١١٥/٣ ط المكتبة الإسلامية،
ومواهب الجليل ٤٠٧/٣.
(٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٣) قواعد الفقه للبركتي.
(٤) القاموس المحيط.
٢٠٨

نِکاح ٦ - ٧
النكاح - إذا طلقها طلقة رجعية (١).
والصلة بينهما أن الطلاق حل لقيد النكاح.
مشروعية النكاح وحكمته:
٧ - ثبتت مشروعية النكاح بالكتاب والسنة
والإجماع:
فمن الكتاب قول الله عز وجل ﴿فَأَنكِحُواْ مَا
طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾(٢)، وقوله سبحانه وتعالى
﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾(٣).
ومن السنة قول النبي صل: ((يا معشر
الشباب، من استطاع منكم الباءة.
فليتزوج»(٤).
وأجمع المسلمون على أن النكاح مشروع،
ونص بعض الفقهاء على أن النكاح شرع من
عهد آدم عليه السلام، واستمرت مشروعيته،
بل هو مستمر في الجنة.
وأما حكمة مشروعية النكاح فهي متعددة
(١) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٩٩/٢،
وکشاف القناع ٢٣٢/٥.
(٢) سورة النساء /٣.
(٣) سورة النور /٣٢.
(٤) حديث: ((يا معشر الشباب ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١٢/٩
ط السلفية)، ومسلم (١٠١٨/٢ ط عيسى
الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه.
الجوانب، منها: حفظ النسل، وإخراج الماء
الذي يضر احتباسه بالبدن، ونيل اللذة، وهذه
الأخيرة هي التي في الجنة، إذ لا تناسل هناك
ولا احتباس(١).
وقال البابرتي: ما اتفق في حكم من
أحكام الشرع مثل ما اتفق في النكاح من
اجتماع دواعي الشرع والعقل والطبع، فأما
دواعي الشرع من الكتاب والسنة والإجماع
فظاهرة، وأما دواعي العقل: فإن كُلَّ
عاقل يحب أن يبقى اسمه ولا ينمحي
رسمه، وما ذلك غالباً إلا ببقاء النسل،
وأما دواعي الطبع: فإن الطبع البهيمي من
الذكر والأنثى يدعو إلى تحقيق ما أعد
من المباضعات الشهوانية والمضاجعات
النفسانية ولا مزجرة فيها إذا كانت بأمر
الشرع وإن كانت بدواعي الطبع بل يؤجر
عليه .
وقال السرخسي: يتعلق بهذا العقد أنواع
من المصالح الدينية والدنيوية، من ذلك حفظ
النساء والقيام عليهن والإنفاق، وصيانة النفس
عن الزنا، وتكثير عباد الله تعالى وأمة
محمد 8* وتحقيق مباهاة الرسول صل# كما
قال: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم
(١) أسنى المطالب ٩٨/٣، ومغني المحتاج
١٢٤/٣، ومطالب أولي النهى ٦/٥، والمغني
٤٤٦/٦.
٢٠٩

نكاح ٧ -٨
الأنبياء يوم القيامة))(١)، وقد روي عن عمر
رضي الله تعالى عنه - كما قال القرطبي - أنه
كان يقول: إني لأتزوج المرأة وما لي فيها
حاجة، وأطؤها وما أشتهيها، قيل له: وما
يحملك على هذا يا أمير المؤمنين؟ قال:
حبي أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي وَلـ
النبيين يوم القيامة .
وأضاف السرخسي قوله: وسببه تعلق
البقاء المقدور به إلى وقته، فإن الله تعالى
حكم ببقاء العالم إلى قيام الساعة، وبالتناسل
يكون هذا البقاء، وهذا التناسل يحصل عادةً
بالوطء، فجعل الشرع طريق ذلك الوطء
النكاح، لأن في التغالب فساداً، وفي الإقدام
بغير ملك اشتباه الأنساب وهو سبب لضياع
النسل، وهذا الملك على ما عليه أصل
الآدمي من الحرية لا يثبت إلا بطريق النكاح،
فهذا معنى أنه تعلق به البقاء المقدور إلى
وقته(٢).
(١) حديث: ((تزوجوا الودود ... )).
أخرجه الإمام أحمد (١٥٨/٣ ط الميمنية) من
حديث أنس بن مالك، وذكره الهيثمي في
مجمع الزوائد (٢٥٨/٤ ط القدسي) وقال:
أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط وإسناده
حسن.
(٢) العناية بهامش فتح القدير ٩٨/٣ - ٩٩،
والمبسوط ١٩٢/٤ - ١٩٣ - ط دار المعرفة -
بیروت، وتفسير القرطبي ٣٢٨/٩.
الحكم التكليفي :
ذهب الفقهاء إلى أن النكاح تجري عليه
الأحكام التكليفية، فيكون واجباً - أو فرضاً -
أو مستحباً أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً،
ولهم في ذلك تفصيل :
أولاً: الوجوب :
٨ - قال الحنفية: النكاح يكون واجباً عند
التوقان، أي شدة الاشتياق بحيث يخاف
الوقوع في الزنا لو لم يتزوج، إذ لا يلزم من
الاشتياق إلى الجماع الخوف المذكور، قال
ابن عابدين: وكذا فيما يظهر لو كان لا يمكنه
منع نفسه عن النظر المحرم أو عن الاستمناء
بالكف، فيجب التزوج وإن لم يخف الوقوع
في الزنا.
ويكون النكاح فرضاً إن تيقن الزنا إلا به،
بأن كان لا يمكنه الاحتراز عن الزنا إلا به،
لأن ما لا يتوصل إلى ترك الحرام إلا به يكون
فرضاً.
ويشترط لوجوب النكاح أو فرضه أن
يملك من قامت به حالة الوجوب أو
الفرض المهر والنفقة، قال ابن عابدين:
وزاد في البحر شرطاً آخر فيهما وهو:
عدم الجور أي الظلم، فإن وجدت
الشروط كان الحكم، وإلا فلا إثم بترك
النكاح.
وقال المالكية: يجب النكاح على الراغب
٢١٠

نِکاح ٨
إن خشي على نفسه الزنا إذا لم يتزوج، وإن
أدى إلى الإنفاق عليها من حرام، أو أدى إلى
عدم الإنفاق عليها مع وجوب إعلامها بذلك
في الظاهر.
وقال الشافعية: يجب النكاح لو خاف
العنت وتعين طريقاً لدفعه مع قدرته،
وحكى ابن حجر الهيتمي هذا الحكم وجهاً
فقال: ووجه أنه واجب على من خاف
زنا، قيل: مطلقاً لأن الإحصان لا يوجد
إلا به، وقيل: إن لم يرد التسري، وتلحق
المرأة بالرجل في هذا الحكم فيجب
النكاح على المرأة التي لا يندفع عنها
الفجرة إلا بالنكاح.
وقالوا: يجب النكاح بالنذر على المعتمد
الذي صرح به ابن الرفعة وغيره، قال
الشرواني: خلافاً لنهاية المحتاج ومغني
المحتاج والشهاب الرملي.
وقال الشمس الرملي: لا يلزم بالنذر مطلقاً
وإن استحب كما أفتى به الوالد رحمه الله
تعالى، قال الشبراملسي: سواء احتاج إليه أم
لا، تاقت نفسه إليه أم لا .
وقيل: النكاح فرض كفاية على الأمة
لا يسوغ لجماعتهم الإعراض عنه لبقاء
النسل.
وقال الحنابلة: يجب النكاح على من
يخاف الزنا بترك النكاح من رجلٍ وامرأةٍ،
سواءً كان خوفه ذلك علماً أو ظناً، لأنه يلزمه
إعفاف نفسه وصرفها عن الحرام، وطريقه
النكاح، ويقدم حينئذ على حج واجب نصاً
لخشية المحظور بتأخيره بخلاف الحج.
وفصل البهوتي بعض المسائل فقال: ولا
يكتفي في الخروج من عهدة الوجوب بمرة
واحدة، بل يكون التزويج في مجموع العمر
لتندفع خشية الوقوع في المحظور.
ولا يكتفي في الامتثال بالعقد فقط، بل
يجب الاستمتاع لأن خشية المحظور لا يندفع
إلا به.
ويجزىء تسرِ عنه لقوله تعالى ﴿فَوَجِدَةً أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾(١) .
ومن أمره بالنكاح والداه أو أحدهما قال
أحمد: أمرتُه أن يتزوج لوجوب بر والديه،
قال في الفروع: والذي يحلف بالطلاق
لا يتزوج أبداً إن أمره به أبوه تزوج، قال
الشيخ: وليس - لأبويه - إلزامه بنكاح من لا
يريد نكاحها لعدم حصول الغرض بها.
ويجب النكاح بالنذر من ذي الشهوة،
الحديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه))(٢)،
(١) سورة النساء /٣.
(٢) حديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٨١/١١
ط السلفية) من حديث عائشة رضي الله
عنها .
٢١١

نكاح ٨ - ٩
وأما نحو العنين فيخير بينه وبين الكفارة كسائر
المباحات إذا نذرها(١).
ثانياً: الندب:
٩ - قال الحنفية: النكاح سنة مؤكدة في
الأصح - وهو محمل القول بالاستحباب -
فيأثم بتركه، لأن الصحيح أن ترك السنة
المؤكدة مؤثم، ويثاب إن نوى ولداً
وتحصيناً، أي منع نفسه ونفسها عن
الحرام، وكذا لو نوى مجرد الاتباع وامتثال
الأمر، بخلاف ما لو نوى مجرد قضاء
الشهوة واللذة، وهذا الحكم في حال
الاعتدال، أي القدرة على وطء ومهر
ونفقة، وأما حال الاعتدال في التوقان فذلك
بأن لا يكون بالمعنى المار في الواجب
والفرض وهو شدة الاشتياق، وأن لا يكون
في غاية الفتور كالعنين، بل يكون بين
الفتور والشوق، وأما القدرة على المهر
(١) الاختيار لتعليل المختار ٨٢/٣، والدر
المختار ورد المحتار ٢٦٠/٢ - ٢٦١، وبدائع
الصنائع ٢٢٩/٢، والشرح الصغير وحاشية
الصاوي عليه ٧٧/٣ - ٧٨، وحاشية الدسوقي
٢١٤/٢ - ٢١٥، ومواهب الجليل ٤٠٣/٣ -
٤٠٤، ومغني المحتاج ٢٢٥/٣ - ٢٢٦،
ونهاية المحتاج ١٧٨/٦ - ١٨٠، وتحفة
المحتاج ١٨٣٨٧ - ١٨٧، وكشاف القناع
٦/٥ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٥/٥
وما بعدها، والإنصاف ٦/٨ - ١٥.
والنفقة فلأن العجز عنهما يسقط الفرض
فيسقط السنية بالأولى.
ومن قال: إن النكاح مندوب ومستحب
فإنه یرجحه على النوافل من وجوه
أحدها: أنه سنة، قال النبي ◌َّ: ((النكاح
من سنتي))(١)، والسنن مقدمة على النوافل،
ولأنه أوعد على ترك السنة بقوله في حديث
النفر الثلاثة: ((فمن رغب عن سنتي فليس
مني))(٢)، ولا وعيد على ترك النوافل.
والثاني: أنه فعله رسول الله وَلتر وواظب
عليه، أي داوم وثبت علیه، بحيث لم يخل
عنه، بل كان يزيد عليه حتى تزوج عدداً مما
أبيح له من النساء، ولو كان التخلي أفضل
لما فعل، لأن الظاهر أن الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام لا يتركون الأفضل فيما له
حد معلوم، لأن ترك الأفضل فیما له حد
معلوم يعد زلة منهم، وإذا ثبت أفضلية
(١) حديث: ((النكاح من سنتي).
أخرجه ابن ماجه (٥٩٢/١ ط عيسى الحلبي)
من حديث عائشة رضي الله عنها، وضعف
إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة
(٣٢٣/١ - ط دار الجنان).
(٢) حديث: ((فمن رغب عن سنتي ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠٤/٩
ط السلفية)، ومسلم (١٠٢٠/٢ ط عيسى
الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله
عنه .
٢١٢

نكاح ٩
النكاح في حق النبي و 8 ثبت في حق
الأمة، لأن الأصل في الشرائع هو العموم،
والخصوص بدلیل.
الثالث: أنه سبب يتوصل به إلى مقصود
هو مفضل على النوافل، لأنه سبب لصيانة
النفس عن الفاحشة، وسبب لصيانة نفسها
- أي الزوجة - عن الهلاك بالنفقة والسكنى
واللباس لعجزها عن الكسب، وسبب
لحصول الولد الموحّد، وكل من هذه
المقاصد مفضل على النوافل، فكذا السبب
الموصل إليه(١).
وقال المالكية: الشخص إما أن يكون
له في النكاح رغبة أو لا: فالراغب إن
خشي على نفسه الزنا إذا لم يتزوج وجب
عليه وإن أدى إلى الإنفاق عليها من حرام
أو أدى إلى عدم الإنفاق عليها، أو مع
وجود مقتضى تحريم غير ذلك. والظاهر
وجوب إعلامها بذلك.
وإن لم يخش على نفسه الزنا ندب له
النكاح إلا أن يؤدي إلى حرام فيحرم.
وغير الراغب إن أداه إلى قطع مندوب كره
وإلا أبيح إلا أن يرجو نسلاً أو ينوي خيراً
من نفقة على فقيرة أو صون لها فيندب
(١) الاختيار لتعليل المختار ٨٢/٣ ط دار
المعرفة، والدر المختار ورد المحتار
٢٦٠/٢، ٢٦١، وبدائع الصنائع ٢٢٩/٢.
ما لم يؤد إلى محرم وإلا حرم. والأصل
في النكاح الندب.
وقيد المالكية الندب بأن يكون محتاجاً
ذا أهبة، وزاد الحطاب بأن لا يخشّ
العنت.
ونقل البناني عن أبي علي أن الإنفاق من
الكسب الحرام لا يجوز معه النكاح وإن
علمت المرأة(١).
وقال الشافعية: النكاح مستحب لمحتاج
إليه، أي تائق له، بأن تتوق نفسه إلى الوطء،
ولو خصياً كما اقتضاه كلام الإحياء، يجد
أهبته من مهر، وكسوة فصل التمكين، ونفقة
يومه، وإن كان متعبداً، تحصيناً لدينه، ولما
فيه من بقاء النسل وحفظ النسب، وللاستعانة
على المصالح، ولخبر: ((يا معشر الشباب،
من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض
للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه
بالصوم فإنه له وجاء))(٢)، وإنما لم يجب
لقوله تعالى ﴿فَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَّكُمْ مِّنَ النِّسَلَ﴾(٣)
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢١٤/٢،
٢١٥ - دار الفكر، والخرشي مع حاشية
العدوي عليه ١٦٥/٣، والبناني على الزرقاني
١٦٢/٣ ومواهب الجليل ٤٠٣/٣.
(٢) حديث: ((يا معشر الشباب ... )).
سبق تخريجه ف (٧).
(٣) سورة النساء /٣.
٢١٣

نكاح ٩ - ١٠
إذ الواجب لا يتعلق بالاستطابة، ولقوله تعالى
﴿مَثْفَ وَثُلَكَ وَرُبَعَّ﴾(١)، ولا يجب العدد
بالإجماع(٢) ولقوله سبحانه ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ
(٣)
أَيْمَنْكُمْ﴾(٣).
وقال الحنابلة: من له شهوة ولا يخاف
الزنا يسن له النكاح، لقوله ◌َله: ((يا معشر
الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه
أغض للبصر وأحصن للفرج))، علل أمره بأنه
أغض للبصر وأحصن للفرج، وخاطب
الشباب لأنهم أغلب شهوة، وذكره بأفعل
التفضيل، فدل على أن ذلك أولى للأمن من
الوقوع في محظور النظر والزنا، ويسن له ولو
كان فقيراً عاجزاً عن الإنفاق، نص عليه،
واحتج بأن النبي ◌َّ ار كان يصبح وما عندهم
شيء، ويمسي وما عندهم شيء، ولأنه وَلّ
(زوج رجلاً لم يقدر على خاتم من حديد،
ولا وجد إلا إزاره ولم يكن له رداء)) (٤)،
(١) سورة النساء /٣.
(٢) مغني المحتاج ١٢٥/٣، ١٢٦، ونهاية
المحتاج ١٧٨/٦ - ١٨٠، وتحفة المحتاج
١٨٣/٧ - ١٨٧ ط دار صادر.
(٣) سورة النساء /٣.
(٤) حديث: ((أنه وَل ◌ُ زوج رجلاً لم يقدر على
خاتم من حديد ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣١/٩
ط السلفية) من حديث سهل بن سعد.
وقال أحمد في رجل قليل الكسب يضعف
قلبه عن التزوج: الله يرزقهم، التزوج أحصن
له.
هذا في حق من يمكنه التزوج، فأما من
لا يمكنه فقد قال الله تعالى ﴿وَلْيَسْتَغْفِفِ
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَمًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهٍ﴾(١)، ونقل صالح: يقترض ويتزوج،
واشتغال ذي الشهوة بالنكاح أفضل من
نوافل العبادة ومن التخلي لنوافل العبادة،
قال ابن مسعود رضي الله عنه: لو لم يبق
من أجلي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت
في آخرها يوماً ولي طول النكاح فيهن
لتزوجت مخافة الفتنة، قال أحمد: ليست
العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ولأن
مصالح النكاح أكثر من مصالح التخلي
النوافل العبادة، لاشتماله على تحصين فرج
نفسه وزوجته، وحفظها، والقيام بها،
وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق
مباهاة النبي ◌َّة، وغير ذلك من المصالح
الراجح أحدها على نفل العبادة (٢).
ثالثاً: الكراهة:
١٠ - قال الحنفية: يكون النكاح مكروهاً
(١) سورة النور /٣٣.
(٢) كشاف القناع ٦/٥ وما بعدها، ومطالب أولي
النهى ٥/٥ وما بعدها، والإنصاف ٦/٨ -
١٥.
١
٢١٤

نِكاح ١٠ - ١١
- أي تحريماً - لخوف الجور، فإن تعارض
خوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج وخوف
الجور لو تزوج قدم الثاني، فلا افتراض بل
يكره، لأن الجور معصية متعلقة بالعباد
والمنع من الزنا من حقوق الله تعالى، وحق
العبد مقدم عند التعارض لاحتياجه وغنى
المولى تعالى.
وقال المالكية: يكره النكاح لمن لا يشتهيه
ويقطعه عن عبادةٍ غير واجبة.
وقال الشافعية: من لم يحتج للنكاح بأن
لم تتق نفسه له من أصل الخلقة، أو لعارض
كمرض أو عجز .. كره له إن فقد الأهبة، لما
فيه من التزام ما لا يقدر على القيام به من غير
حاجة، قال الشربيني الخطيب: وحكم
الاحتياج للتزويج لغرض صحيح غير النكاح
كخدمة وتأنس کالاحتياج للنكاح كما بحثه
الأذرعي، وفي الإحياء ما يدل عليه، ونقل
عن البلقيني أن محل الكراهة فيمن يصح
نكاحه مع عدم الحاجة، أما من لا يصح مع
عدم الحاجة كالسفيه فإنه يحرم عليه النكاح
حينئذ .
وقال الحنابلة في رأي عندهم حكي
بقيل: يكره النكاح لمن لا شهوة له، قال
المرداوي في الإنصاف: وما هو ببعيد عن
هذه الأزمنة لمنع من يتزوجها من التحصين
بغيره، ويضرها بحبسها على نفسه، ويعرض
نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يقوم بها،
ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة
فیه(١) .
رابعاً: الحرمة :
١١ - قال الحنفية: يكون النكاح حراماً إن
تيقن الجور، لأن النكاح إنما شرع لمصلحة
تحصين النفس وتحصيل الثواب بالولد الذي
يعبد الله تعالى ويوحده، وبالجور يأثم
ويرتكب المحرمات، فتنعدم المصالح
لرجحان هذه المفاسد.
وقال المالكية: يحرم عليه النكاح إذا لم
يخش الزنا، وكان نكاحه يضر بالمرأة لعدم
قدرته على الوطء أو لعدم النفقة، أو التكسب
من حرام أو تأخير الصلاة عن أوقاتها
لاشتغاله بتحصیل نفقتها.
وقال الشافعية: من لا يصح نكاحه مع
عدم الحاجة إليه کالسفيه فإنه يحرم عليه.
(١) الاختيار لتعليل المختار ٨٢/٣، والدر
المختار ورد المحتار ٢٦٠/٢ - ٢٦١، وبدائع
الصنائع ٢٢٩/٢، والشرح الصغير وحاشية
الصاوي عليه ٧٧/٣ - ٧٨، وحاشية الدسوقي
٢١٤/٢ - ٢١٤، ومواهب الجليل ٤٠٣/٣ -
٤٠٤، ومغني المحتاج ٢٢٥/٣ - ٢٢٦،
ونهاية المحتاج ١٧٨/٦ - ١٨٠، وتحفة
المحتاج ١٨٣/٧ - ١٨٧، وكشاف القناع
٦/٥ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٥/٥
وما بعدها، والإنصاف ٦/٨ - ١٥.
٢١٥

٠
نكاح ١١ - ١٢
وقالوا: من لا تحتاج من النساء إلى النكاح
وعلمت من نفسها عدم القيام بحاجة الزوج
المتعلقة بالنكاح حرم عليها.
وقال الحنابلة: لیس لمسلم دخل دار كفار
بأمان أن يتزوج بها إلا لضرورة، ولا يتسرى
إلا لضرورة، ولا يطأ زوجته إن كانت معه
ولا أمته ولا أمة اشتراها منهم بدار الحرب إلا
لضرورة ولو مسلمة، وأما إن كان في جيش
المسلمین فله أن يتزوج لما روي عن سعيد بن
أبي هلال أنه بلغه ((أن رسول الله وَّر زوج
أبا بكر أسماء بنت عميس وهم تحت
الرايات))(١). ولأن الكفار لا يد لهم عليه أشبه
من في دار الإسلام، وأما الأسير فظاهر كلام
أحمد: لا يحل له التزوج ما دام أسيراً، لأنه
منعه من وطء امرأته إذا أسرت معه مع صحة
نكاحهما، قال البهوتي: فظاهره ولو لضرورة
كما هو مقتضى كلام المنتهى (٢).
(١) حديث سعيد بن أبي هلال أنه بلغه: ((أن رسول الله وَفيه
زوج أبا بكر أسماء بنت عميس ... ).
أخرجه سعيد بن منصور (٣٣٨/٣ ط المجلس
العلمي) وذكره ابن حجر في الإصابة
(٢٢٥/٤ ط التجارية الكبرى)، وقال: مرسل
جید الإسناد.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٨٢/٣، والدر
المختار ورد المحتار ٢٦٠/٢ - ٢٦١، وبدائع
الصنائع ٢٢٩/٢، والشرح الصغير وحاشية
الصاوي عليه ٧٧/٣ - ٧٨، وحاشية الدسوقي=
خامساً: الإباحة:
١٢ - قال الحنفية: يكون النكاح مباحاً إن
خاف العجز عن الإيفاء بمواجبه خوفاً غير
راجح، لأن عدم الجور من واجبه، واستظهر
ابن عابدين أنه إذا لم يقصد إقامة السنة، بل
قصد مجرد التوصل إلى قضاء الشهوة، ولم
يخف شيئاً لم يثب عليه، إذ لا ثواب إلا
بالنية، فيكون مباحاً.
وقال المالكية: يباح النكاح لمن لا يولد له
ولا يرغب في النساء، قال اللخمي: إذا كان
لا إرب له في النساء ولا يرجو نسلاً - لأنه
حصور أو خصي أو مجبوب أو شيخ فان أو
عقیم قد علم ذلك من نفسه - کان مباحاً،
ويقيد هذا بما إذا لم يقطعه عن عبادته، وإن
لم تعلم المرأة منه كونه حصوراً أو خصياً أو
مجبوباً.
وقال الشافعية: من وجد الأهبة مع عدم
حاجته إلى النكاح ولا علة به فلا يكره له
لقدرته عليه.
ومقاصد النكاح لا تنحصر في
٢١٤/٢ - ٢١٤، ومواهب الجليل ٤٠٣/٣ -
=
٤٠٤، ومغني المحتاج ٢٢٥/٣ - ٢٢٦،
ونهاية المحتاج ١٧٨/٦ - ١٨٠، وتحفة
المحتاج ١٨٣٨٧ - ١٨٧، وكشاف القناع
٦/٥ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٥/٥
وما بعدها، والإنصاف ٦/٨ - ١٥.
٢١٦

نكاح ١٢ - ١٣
الجماع، لكن التخلي للعبادة من المتعبد
أفضل له من النكاح إذا كان يقطعه
عنها، وفي معنى التخلي للعبادة التخلي
للاشتغال بالعلم كما قاله الماوردي بل
هو داخل فيها.
وقال الحنابلة: يباح النكاح في الصحيح
من المذهب لمن لا شهوة له كالعنين
والمريض والكبير، لأن العلة التي لها يجب
النكاح أو يستحب، وهي خوف الزنا أو
وجود الشهوة مفقودة فيه، ولأن المقصود من
النكاح الولد وهو فيمن لا شهوة له غير
موجودة، فلا ينصرف إليه الخطاب به إلا أن
يكون مباحاً في حقه كسائر المباحات لعدم
منع الشرع منه.
وصرح المالكية والشافعية والحنابلة أن
المرأة مساوية للرجل في هذه الأحكام إلا أنه
ليس لها أن تتسرى(١).
(١) الاختيار لتعليل المختار ٨٢/٣، والدر
المختار ورد المحتار ٢٦٠/٢ - ٢٦١، وبدائع
الصنائع ٢٢٩/٢، والشرح الصغير وحاشية
الصاوي عليه ٧٧/٣ - ٧٨، وحاشية الدسوقي
٢١٤/٢ - ٢١٤، ومواهب الجليل ٤٠٣/٣ -
٤٠٤، ومغني المحتاج ٢٢٥/٣ - ٢٢٦،
ونهاية المحتاج ١٧٨/٦ - ١٨٠، وتحفة
المحتاج ١٨٣٨٧ - ١٨٧، وكشاف القناع
٦/٥ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٥/٥
وما بعدها، والإنصاف ٦/٨ - ١٥.
النكاح والعبادة:
اختلف الفقهاء في كون النكاح عبادة،
وفي كونه أفضل من النوافل، ولهم في ذلك
تفصیل :
أ - كون النكاح عبادة:
١٣ - قال الحنفية: النكاح أقرب إلى
العبادات.
واختلف فقهاء الشافعية في النكاح هل هو
عبادة أم ليس بعبادة: فصرح جمع منهم بأنه
ليس بعبادة بدليل صحته من الكافر،
والمذهب عندهم أن هذا الفهم مردود وأنه
عبادة، بدليل أمر النبي وَلقر به(١)، والعبادة
تتلقى من الشرع، وصحة النكاح من الكافر
- مع أنه عبادة، وعبادة الكافر لا تصح - لما
فيه من عمارة الدنيا كعمارة المساجد
والجوامع والعتق، فإن هذه تصح من المسلم
وهي منه عبادة، وتصح من الكافر وليست منه
عبادة، وأفتى الماوردي والنووي بأن من قصد
بالنكاح طاعة من ولد صالح أو إعفاف كان
من عمل الآخرة ويثاب عليه، وإلا كان
مباحاً.
ومحل اختلافهم في غير نكاحه وَلته، أما
(١) أمر النبي وَل# بالنكاح دلّ عليه حديث:
(تزوجوا الودود ... )) وحديث: ((يا معشر
الشباب من استطاع ... )) وقد سبق تخريجهما
في فقرة (٧).
٢١٧

نِکاح ١٣ - ١٤
هو فقربة وعبادة قطعاً ومطلقاً، لأن فيه نشر
الشريعة المتعلقة بمحاسنه الباطنة التي لا يطلع
عليها إلا النساء، ومن ثم وسع له في عدد
الزوجات ما لم يوسع لغيره، ليحفظ کل ما
لم يحفظه غيره، لتعذر إحاطة العدد القليل
بها لكثرتها بل لخروجها عن الحصر(١).
ب - المفاضلة بين النكاح والنوافل :
١٤ - قال الكاساني: من قال من أصحابنا من
الحنفية إن النكاح فرض أو واجب، قال إن
الاشتغال به مع أداء الفرائض والسنن أولى من
التخلي لنوافل العبادات مع ترك النكاح، وهو
قول أصحاب الظواهر، لأن الاشتغال
بالفرض والواجب كيف ما كان أولى من
الاشتغال بالتطوع.
ومن قال منهم: إنه مندوب ومستحب،
فإنه يرجحه على النوافل من وجوه أخر.
أحدها: أنه سنة، قال النبي ◌َّر: ((النكاح
من سنتي))(٢)، والسنن مقدمة على النوافل
بالإجماع، ولأنه أوعد على ترك السنة بقوله:
((فمن رغب عن سنتي فليس مني))(٣)،
ولا وعيد على ترك النوافل.
(١) فتح القدير ١٨٤/٣، ونهاية المحتاج ١٧٨/٦ ،
ومغني المحتاج ١٢٦/٣.
(٢) حديث: ((النكاح من سنتي ... )).
سبق تخريجه ف (٩).
(٣) حديث: ((فمن رغب عن سنتي ... )).
سبق تخريجه ف (٩).
والثاني: أنه فعله رسول الله وَله وواظب
عليه أي داوم وثبت عليه بحيث لم يخل
عنه، بل كان يزيد عليه، حتى تزوج عدداً
مما أبيح له من النساء، ولو كان التخلي
للنوافل أفضل لما فعل، لأن الظاهر أن
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يتركون
الأفضل فيما له حد معلوم، لأن ترك
الأفضل فيما له حد معلوم عد زلة منهم،
وإذا ثبت أفضلية النكاح في حق النبي ◌َّة
ثبت في حق الأمة، لأن الأصل في الشرائع
هو العموم، والخصوص بدلیل.
الثالث: أنه سبب يتوصل به إلى مقصود
هو مفضل على النوافل، لأنه سبب لصيانة
النفس عن الفاحشة، وسبب لصيانة نفسها عن
الهلاك بالنفقة والسكنى واللباس لعجزها عن
الكسب، وسبب لحصول الولد الموحد،
وكل واحد من هذه المقاصد مفضل على
النوافل، فكذا السبب الموصل إليه كالجهاد
والقضاء(١).
ونص المالكية على أن الراغب في النكاح
إن لم يخش العنت ندب له النكاح رجا النسل
أوْ لا ولو قطعه عن عبادة غير واجبة(٢).
وقال الشافعية: التخلي للعبادة من المتعبد
(١) بدائع الصنائع ٢٢٩/٢، وفتح القدير ١٨٤/٣.
(٢) شرح الزرقاني ١٦٢/٣، والشرح الصغير
٣٣١/٢.
٢١٨

نِکاح ١٤ - ١٧
أفضل له من النكاح إذا كان يقطعه عنها، وفي
معنى التخلي للعبادة التخلي للاشتغال بالعلم
كما قاله الماوردي، بل هو داخل فيها (١).
وقال الحنابلة: إن النكاح أفضل من نوافل
العبادة ومن التخلي لنوافل العبادة.
وقال أبو يعلى الصغير: لا يكون أفضل
من التخلي إلا إذا قصد به المصالح
المعلومة، أما إذا لم يقصدها فلا يكون
أفضل.
وعن أحمد: التخلي لنوافل العبادة أفضل
كما لو كان معدوم الشهوة (٢).
خصائص عقد النكاح:
يتميز عقد النكاح بخصائص منها:
أ - التأبید:
١٥ - ذهب الفقهاء إلى أن النكاح عقد مؤبد
لا يقبل التأقيت، فلا يصح توقيته، سواء أكان
بلفظ المتعة أم بغيره من ألفاظ النكاح، وسواء
أكان التأقيت بمدة طويلة أم قصيرة، معلومة
أم مجهولة(٣).
(١) مغني المحتاج ١٢٦/٣، ونهاية المحتاج
١٨٠/٦.
(٢) كشاف القناع ٦/٥، والإنصاف ١٥/٨.
(٣) بدائع الصنائع ٢٧٢/٢، والشرح الكبير
والدسوقي ٢٣٩/٢، ومغني المحتاج ١٤٢/٣،
وكشاف القناع ٩٦/٥.
١٦ - أما إذا كان التأقيت مضمراً في نفس
الزوج غير مصرح به فقد اختلف الفقهاء فيه :
فذهب الجمهور إلى صحة النكاح. ونص
على ذلك الحنفية والمالكية على الراجح
والشافعية غير أنهم قالوا بكراهته وهو رأي
عند الحنابلة حكي بقيل.
وقال الحنابلة: أنه لا يصح وهو الصحيح
من المذهب عندهم، وهو قول بهرام من
المالكية .
وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح (تأقيت
ف ١٤ - ١٦، نكاح منهي عنه).
ب - اللزوم:
١٧ - النكاح عقد لازم من جهة الزوج ومن
جهة الزوجة، وهو رأي الحنفية والمالكية
والشافعية في الأصح والحنابلة.
وفي مقابل الأصح عند الشافعية: أنه
جائز من جهة الزوج من حيث إن له
رفعه بالطلاق، والفسخ بسبب من أسبابه،
أما فسخه من غير سبب من أسباب
الفسخ فلا يتأتى لا من الرجل ولا من
المرأة (١) .
(١) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٦٤/٢،
ومواهب الجليل ٤٢٢/٣، وفتح القدير
٢٤٨/٣، ٢٤٩، والمغني ٣١٥/٦، وتهذيب
الفروق ٣١/٤.
٢١٩

نِکاح ١٧ - ١٩
ما يسن في النكاح:
ذهب الفقهاء إلى أنه تسن في النكاح
أمور، اتفقوا على بعضها واختلفوا في بعضها
على التفصيل التالي:
أ - أن لا يزيد على امرأة واحدة:
١٨ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يستحب
أن لا يزيد الرجل في النكاح على امرأة واحدة
من غير حاجة ظاهرة، إن حصل بها الإعفاف
لما في الزيادة على الواحدة من التعرض
للمحرم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ
تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾(١)، وقال
رسول الله وَالر: ((من كان له امرأتان يميل إلى
إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد
شقيه مائل))(٢).
وقال الأذرعي: لو أعفّته واحدة لكنها
عقیم استحب له نكاح ولود.
ويرى الحنفية إباحة تعدد الزوجات إلى
أربع إذا أمن عدم الجور بينهن فإن لم يأمن
اقتصر على ما يمكنه العدل بينهن، فإن لم
(١) سورة النساء /١٢٩.
(٢) حديث: ((من كان له امرأتان ... )).
أخرجه النسائي (٦٣/٧ ط التجارية الكبرى)،
والحاكم (١٨٦/٢ - ط دائرة المعارف
العثمانية)، واللفظ للنسائي من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه، وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
يأمن اقتصر على واحدة (١) لقوله تعالى ﴿فَإِنْ
خِفْتُ أَّا نَعْدِلُواْ فَوَحِدَةٌ﴾(٢) .
ب - أن يتزوج في شوال ويدخل فيه:
١٩ - نص المالكية والشافعية على أنه يسن
للرجل أن يتزوج في شوال ويدخل فيه، لقول
عائشة رضي الله تعالى عنها: ((تزوجني
رسول الله وَّر في شوال، وبنى بي في
شوال)(٣). وكان أهل الجاهلية وبعض العوام
يكرهون التزوج والتزويج في شوال ويتطيرون
بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع.
وزاد الشافعية أنه يصح الترغيب في صفر،
لما روى الزهري ((أن رسول الله وَ ط و زوج ابنته
فاطمة علياً رضي الله تعالى عنهما في شهر
صفر على رأس اثني عشر شهراً من
الهجرة)»(٤).
(١) مغني المحتاج ١٢٧/٢ - ١٢٨، وأحكام
القرآن للجصاص ٥٤/٢.
(٢) سورة النساء /٣.
(٣) حديث عائشة: ((تزوجني رسول الله وَّر في
شوال، وبنى بي في شوال)).
أخرجه مسلم (١٠٣٩/٢ ط عيسى الحلبي).
(٤) حديث: (أن رسول الله وَله زوج ابنته فاطمة
علياً رضي الله عنهما في صفر ... )).
ذكره الشبراملسي في حاشيته على نهاية
المحتاج (١٨٥/٦ ط دار الفكر) ولم نقف
على من أسنده وقد ذكر ابن عبد البر في
الاستيعاب ما يفيد معناه قال: وقيل : =
٢٢٠