النص المفهرس

صفحات 161-180

نقض ١٧ - ١٩
علمه بالخلاف لا أثر له في صحة الحكم ولا .
بطلانه حيث وافق مقتضى الشرع (١).
ج - الخطأ في الحكم:
١٨ - يرى المالكية أن القاضي إذا قصد
الحكم بشيء فأخطأ عما قصده لغفلة أو
نسيان أو اشتغال بال ينقض حكمه إذا ثبت
ذلك ببينة، أما إذا لم تكن بينة فينقضه الذي
أصدره دون غيره.
وكذلك ينقض حكمه إذا حكم بالظن
والتخمين من غير معرفة ولا اجتهاد(٢).
وقال الحنفية: إذا قضى في المجتهد فيه
مخالفاً لرأيه ناسياً لمذهبه نفذ عند أبي حنيفة
رواية واحدة، وإن كان عامداً ففيه روايتان
عنه، ووجه النفاذ: أنه ليس بخطأ بيقين لأن
رأيه يحتمل الخطأ، وإن كان الظاهر عنده
الصواب، ورأي غيره يحتمل الصواب وإن
کان الظاهر عنده خطأ، فلیس واحد منهما
خطأً بيقين، فكان حاصله قضاء في محل
مجتهد فيه فينفذ، ووجه عدم النفاذ أن قضاءه
مع اعتقاده أنه غير حق عبث فلا يعتبر. وبهذا
أخذ شمس الأئمة الأوزجندي، وبالأول أخذ
الصدر الشهید.
(١) كشاف القناع ٣٢٦/٦، ٣٢٧.
(٢) الدسوقي ١٥٤/٤ وما بعدها، والقوانين
الفقهية لابن جزي ص ١٩٤، والمعيار
للونشريسي ٣٠٣/٩.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا ينفذ في
الوجهين لأنه قضى بما هو خطأ عنده(١).
د - إذا خالف ما يعتقده أو خالف مذهبه:
١٩ - إذا خالف القاضي المجتهد مذهبه ولم
يكن ذلك عن غفلة أو نسيان فيحمل على أنه
اجتهد، وبذلك لا يجوز نقض حکمه.
أما إذا كان مقلداً وقضى في مجتهد فيه
مخالفاً لمذهبه أو رأي مقلده فقد ذهب
الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن القاضي
ینقض هو حکمه دون غيره.
وقيد الشافعية ذلك بأن يكون المقلد غير
متبحر، وأن تكون المخالفة للمعتَمد عند أهل
المذهب، وأنه لو حكم بغير مذهب من قلده
لم ينقض بناء على أن للمقلد تقليد من
شاء(٢).
وقال الحنابلة: إن كان القاضي متبعاً لإمام
فخالفه في بعض المسائل لقوة دليل أو قلد
من هو أعلم أو أتقى منه فحسن، ولم يقدح
في عدالته(٣).
(١) شرح فتح القدير ٤٩١/٥، وروضة القضاة
٣١٩/١، ٣٢٠، وانظر شرح مجلة الأحكام
العدلية ٥٥٢/٤.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجیم ص ٢٧٨،
وابن عابدين ٤٠٧/٥، ومغني المحتاج
٣٩٦/٤، والدسوقي ١٥٥/٤، ١٥٦.
(٣) كشاف القناع ٢٩٣/٦.
١٦١

نقض ١٩ - ٢٠
وقد جاء في شرح مجلة الأحكام العدلية:
أن القاضي ليس له أن يعمل برأي مجتهد
خلاف المجتهد الذي أُمر بالعمل بمقتضى
قوله في المسائل المجتهد فيها، فإن عمل
وحكم لا ينفذ حكمه، لأنه لما كان غيرَ
مأذون له بالحكم بما ينافي ذلك الرأي لم
يكن القاضي قاضياً للحكم بالرأي
المذكور(١).
وذهب المالكية إلى أن القاضي المجتهد
والمقلد إذا حکم في قضية ثم جدَّت أخری
مماثلة فإن حكمه لا يتعدى للدعوى
الأخرى، فالمجتهد يجتهد في النازلة
الجديدة، والمقلد يحكم بما حكم به أولاً من
راجح قول مقلده، ولغيره من أرباب المذاهب
أن یحکم بضده، كما لو حكم بفسخ نكاح
من زوجت نفسها بلا ولي، ثم تجدد مثلها
فنظرها قاض يرى صحة الزواج بدون ولي
فإنه يحكم بصحته، وكل منهما ارتفع فيها
الخلاف ولم يجز لأحد نقضه، حتى ولو
كانت المرأة في القضية الأولى هي ذات
المرأة في القضية الثانية(٢).
وإذا خالف القاضي ما يعتقده: بأن حکم
بما لا يعتقد صحته يلزمه نقضه لاعتقاده
(١) شرح مجلة الأحكام العدلية لعلي حيدر
٥٤٨/٤ تعليقاً على المادة ١٨٠١ من
المجلة، وانظر ص ٥٥٢.
(٢) الشرح الصغير ٢٢٩/٤.
بطلانه، فإن اعتقده صحيحاً وقت الحكم ثم
.
تغیر اجتهادہ ولا نص ولا إجماع لم ینقضه،
وهذا ما ذهب إليه الحنابلة(١).
هـ - صدور الحكم من قاض لا يصلح
للقضاء :
٢٠ - إذا ولي من لا يصلح للقضاء لجهل أو
نحوه فهل تنقض أحكامه كلها ما أصاب فيها
وما أخطأ، أم يقتصر النقض على الأحكام
التي يشوبها الخطأ؟
اختلف الفقهاء في ذلك فذهب الشافعية
وهو المذهب عند الحنابلة وقول للمالكية إلى
أن أحكامه كلها تنقض وإن أصاب فيها، لأنها
صدرت ممن لا ینفذ حکمه، لكن صاحب
مغني المحتاج استثنى من ذلك ما لو ولآه ذو
شوكة بحيث ينفذ حكمه مع الجهل أو نحوه
وقال: إنه لا ينقض ما أصاب فيه، وهو
الظاهر(٢).
وذهب بعض المالكية وبعض الحنابلة إلى
أنه تنقض أحكامه المخالفة للصواب كلها،
سواء أكانت مما يسوغ فيه الاجتهاد أم
لا يسوغ، لأن حكمه غير صحيح وقضاؤه
كعدمه، لأن شرط القضاء غير متوفر فيه،
(١) شرح منتهى الإرادات ٤٧٨/٣.
(٢) مغني المحتاج ٣٩٧/٤، وروضة الطالبين
١٥١/١١، والمغني لابن قدامة ٥٨/٩، وكشاف
القناع ٣٢٧/٦، والشرح الصغير ٢٢٠/٤.
١٦٢

نقض ٢٠ - ٢١
وليس في نقض قضاياه نقض الاجتهاد
بالاجتهاد لأن الأول ليس باجتهاد. ولا ينقض
ما وافق الصواب لعدم الفائدة في نقضه، فإن
الحق وصل إلى مستحقه، والحق إذا وصل
إلى مستحقه بطريق القهر من غير حكم لم
يغير، فكذلك إذا كان بقضاء وجوده كعدمه.
ونقل ابن عبد السلام عن بعض شيوخ
المالكية أن هذا الحكم مقيد بما إذا علم منه
أنه كان يشاور أهل العلم في أحكامه، وإن
كان لا يشاورهم فتنقض كلها، والمذهب أنه
إن شاور العلماء مضى قطعاً ولم يتعقب
حکمه(١).
واختار صاحب الإنصاف ومعه جماعة من
فقهاء الحنابلة القول بأنه لا ينقض من أحكامه
إلا ما خالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً، وأن
هذا عليه عمل الناس من زمن ولا يسع الناس
غيره(٢) .
وقال الحنفية: أن القاضي لو قضى بخلاف
الشرع الشريف وأعطى بذلك حجة لا ينفذ
الحكم المذكور ولا يعمل بالحجة المذكورة
والحالة هذه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم
(١) الشرح الصغير ٢٢٠/٤، ٢٢١، والقوانين
الفقهية لابن جزي ص ١٩٤، ١٩٥، وتبصرة
الحكام لابن فرحون ٧٣/١، والقواعد لابن
رجب ص ١٢٢.
(٢) الإنصاف ٢٢٥/١١، ٢٢٦.
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾(١) وقال عليه
الصلاة والسلام: ((القضاة ثلاثة: واحد في
الجنة واثنان في النار))(٢) أي قاض عرف
الحق وحکم به فهو في الجنة، وقاض عرف
الحق وحكم بخلافه فهو في النار، وكذا
قاض قضی علی جهل(٣).
و ۔۔ صدور حکم من قاض جائر:
٢١ - اختلف الفقهاء في الأحكام التي
يصدرها القاضي إذا كان معروفاً بالجور وكان
غير عدل في حاله وسيرته - عالماً كان أو
جاهلاً، ظهر جوره أو خفي - هل تنقض
أحكامه كلها ما جانب الصواب وما وافقه، أم
تنقض أحكامه الخاطئة دون غيرها؟
ذهب المالكية والحنابلة - في المذهب
عندهما - إلى وجوب نقض أحكامه كلها،
صواباً كانت أو خطأ، لأنه لا يؤمن حیفه.
واستثنى المالكية من ذلك ما إذا ظهر
الصواب والعدل في قضائه، وكان باطن أمره
فيه جور ولكن عرف من أحكامه أن حكمه
فيها صواب، وشهد بذلك من عرف القضايا،
(١) سورة المائدة /٤٥.
(٢) حديث: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة ... )).
أخرجه أبو داود (٥/٤ ط حمص)، والترمذي
(٦١٣/٣ ط الحلبي) من حديث بريدة واللفظ
لأبي داود.
(٣) العقود الدرية ٢٩٧/١.
١٦٣

نقض ٢١ - ٢٢
فإن أحكامه تمضى ولا تنقض، لأنها إذا
نقضت وقد ماتت البينة وانقطعت الحجة كان
ذلك إيطالاً للحق.
وقال أصبغ: إن أقضية الخلفاء والأمراء
وقضاة السَّوء جائزة ما عدل فيه منها، وينقض
منها ما تبين فيه جور أو استريب، ما لم
يعرف القاضي بالجور فتنقض كلها.
وحكى ابن رشد في القاضي غير العدل
ثلاثة أقوال:
الأول: تنقض أحکامه کلها، وهو قول ابن
القاسم.
الثاني: عدم نقضها مطلقاً، وهو قول
القاضي إسماعيل، وعلل ذلك بأن القضاء
يحمل على الصحة، ما لم يثبت الجور، وفي
التعرض لذلك ضرر للناس ووهن للقضاء،
فإن القاضي لا يخلو من أعداء يرمونه بالجور
يريدون الانتقام منه بنقض أحكامه، فينبغي
عدم تمکینهم من ذلك.
الثالث: رأي أصبغ، وهو أن يمضى من
أحكامه ما عدل فيه ولم يسترب فيه، وينقض
ما تبين فيه الجور(١).
وذهب بعض الحنابلة وهو المستفاد من
كلام الشافعية إلى أنه ينقض حكم من شاع
(١) تبصرة الحكام ٣٠/٢، والشرح الصغير
٢٢٠/٤، ٢٢١، والإنصاف ٢٢٥/١١.
جوره إذا أثبت من ادعى عليه أنه حكم بغير
الحق(١).
ونص الحنفية على أنه إن كان القاضي
تعمد الجور فيما قضى وأقرّ به فالضمان في
ماله، سواء كان ذلك في حق الله أو في حق
العبد، ويعزر القاضي على ذلك لارتكابه
الجريمة العظيمة، ويعزل عن القضاء ونص
أبو يوسف على أنه إذا غلب جوره ورشوته
ردت قضاياه وشهادته(٢)
.
ز - الحكم المشوب بالبطلان:
٢٢ - اختلف الفقهاء فيما إذا حكم القاضي
لنفسه أو لأحد أبويه أو ولده أو زوجته أو من
لا تقبل شهادته له ولهم في ذلك رأيان:
الرأي الأول: يرى الحنفية والحنابلة
والمختار عند المالكية والشافعية على
الصحیح نقض الحکم لكونه باطلاً لمكان
التهمة، بخلاف ما إذا حكم عليهم فينفذ
حكمه لانتفاء التهمة.
وزاد الحنفية والشافعية أنه لا ينفذ حكمه
لنفسه أو شريكه في المشترك.
الرأي الثاني: يرى المالكية في مقابل
(١) الإنصاف ٢٢٥/١١، ومغني المحتاج
٣٨٤/٤، ٣٨٥.
(٢) ابن عابدين ٤١٨/٥، ٤١٩، والفتاوى الهندية
٣٤٢/٣.
١٦٤

نقض ٢٢ - ٢٥
المختار والشافعية في مقابل الصحيح أنه ينفذ
حكمه لهم بالبينة، لأن القاضي أسير البينة،
فلا تظهر منه تهمة.
وأضاف المالكية أنه إن كان مبنى الحكم
هو اعتراف المدعى عليه يجوز الحكم عليه
لابنه أو غيره ممن ذكر، أما إذا كان الحكم
يحتاج إلى بينة فلا يجوز الحكم لهم لأنه يتهم
بالتساهل فيها .
وینقض الحكم إذا أثبت المحكوم عليه ما
ادعاه من وجود عداوة بينه وبين القاضي، أو
بینه وبین ابنه أو أحد والديه، وهو ما ذهب
إليه الحنفية والمالكية والحنابلة والمشهور في
المذهب عند الشافعية(١).
وجوز الماوردي الحكم في هذه المسألة
بقوله: إن أسباب الحكم ظاهرة بخلاف
شهادته على عدوه(٢).
ح۔ الحکم ببينة فيها خلل:
٢٣ - إذا كان مبنى الحكم بينة لا شية فيها
لم يجز نقض الحكم، وإن اعتور البينة ما
(١) فتح القدير ٥٠٢/٥، وابن عابدين ٣٥٧/٥،
٣٥٨، وتبصرة الحكام ٨٠/١، ٨١،
والدسوقي ١٥٢/٤، ١٥٤، وكشاف القناع
٣٢٠/٦، وشرح منتهى الإرادات ٤٧٣/٣.
(٢) مغني المحتاج ٣٩٣/٤، وروضة الطالبين
١٤٥/١١، ١٤٦، ونهاية المحتاج ٢٥٦/٨،
٢٥٧، والأحكام السلطانية ص ٩٦.
يعيبها نظر: هل يؤدي ذلك إلى نقض
الحكم أم لا؟ وقد فصل الفقهاء ذلك على
الوجه التالي:
كون الشاهدین کافرین أو صغیرین:
٢٤ - لا خلاف بين الفقهاء في نقض الحكم
إذا بنى على شهادة شاهدين ظهر كونهما
کافرین، أو صغيرين فيما عدا الجنايات التي
تحصل بين الصغار بشروطها - عند من يقول
بها (١).
فسق الشاهدین:
٢٥ - ذهب المالكية والشافعية في الأصح
عندهم وهو المذهب عند الحنابلة إلى أن
الحكم ينقض إذا ظهر أن الشاهدين كانا قبل
الحكم غير عدلين لفسقهما.
وقصر الحنفية نقض الحكم في هذه الحالة
على المحدودين في قذف، وقالوا: إنه وإن
كان لا يجوز للقاضي أن يحكم بشهادة
الفاسقين لكنه إذا قضى بموجبهما لا ينقض
حكمه إلا فيما ذكر(٢).
(١) المغني ٥٦/٩، والتبصرة ٧٤/١، وابن عابدين
٤٠٥/٥، وأدب القضاة لابن أبي الدم
الحموي ١٦٧/١، والدسوقي ١٥٤/٤،
وروضة الطالبين ٢٥١/١١.
(٢) أدب القضاء ١٢٦/١، وكشاف القناع
٣٦٠/٦، والشرح الصغير ٢٥٤/٤،
وابن عابدين ٤٨٠/٥.
١٦٥

نقض ٢٥ - ٢٨
ويرى ابن الزاغوني من الحنابلة أنه لا يجوز
للقاضي نقض الحكم بفسق الشهود إلا بثبوته
ببینة، أما إن حکم بعلمه في عدالتهما، أو
بظاهر عدالة الإسلام فلا ينقض في هذه
الحالة في إحدى الروايتين(١) ويرى ابن قدامة
وأبو الوفاء أنه إذا بان فسق الشهود قبل الحكم
لم یحکم بشهادتهما، ولو بان بعد الحكم لم
ينقضه (٢)
تقصير القاضي في الكشف عن الشهود:
٢٦ - إذا ادعى المحكوم عليه بأن القاضي
قصر في الكشف عن الشهود وأتى بما يوجب
سقوط شهادة من شهد عليه، فإن أثبت أنه
تقدم بما يجرحهم كالفسق، ففي نقض الحكم
عند المالكية قولان للإمام مالك، وبالنقض
قال ابن القاسم، وبعدمه قال أشهب
وسحنون(٣)
شهادة الزور:
٢٧ - ذهب الحنفية إلى أن القضاء ينفذ
بشهادة الزور ظاهراً وباطناً إذا كان المحل
قابلاً، والقاضي غير عالم بزورهم. وذلك في
العقود كالبيع والنكاح، والفسوخ كالإقالة
والطلاق لقول علي رضي الله عنه لتلك
(١) الإنصاف ٣١٨/١١، ٣١٩.
(٢) المغني ٥٨/٩، الفروع لابن مفلح ٤٩٥/٦.
(٣) تبصرة الحكام ٨٠/١.
المرأة: ((شاهداك زوّجاك))(١)، وقال
الصاحبان وزفر: ينفذ ظاهراً فقط وعليه
الفتوى، لأن شهادة الزور حجة ظاهراً
لا باطناً، فينفذ القضاء كذلك لأن القضاء
ينفذ بقدر الحجة.
أما إذا علم القاضي بكذب الشهود فلا ينفذ
حكمه أصلا٢٣ً
وقال المالكية: ینقض الحكم إن ثبت بعد
الحكم كذبهم إن أمكن وذلك قبل الاستيفاء،
فإن لم يثبت الكذب إلا بعد الاستيفاء لم يبق
إلا غرم الشهود الدية أو المال، ولا يتأتى
نقض الحكم(٣).
وقال الحنابلة: إذا ثبت كون الشهود شهود
زور وجب نقض الحكم(٤).
انظر: (شهادة الزور ف ٨ - ٩).
- الرجوع عن الشهادة:
٢٨ - لا خلاف بين الفقهاء في عدم نقض
الحكم إذا رجع الشهود عن شهادتهم وکان
رجوعهم بعد الحکم إن کان المقضي فيه من
الأموال، أما إن كان الحكم في قتل أو قطع
(١) أثر: شاهداك زوّجاك ...
ذكره ابن حجر في الفتح (١٧٦/١٣ ط
السلفية) وذكر أنه لم يثبت عن علي.
(٢) ابن عابدين ٤٠٥/٥، ٤٠٦.
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٩٥/٤، ٢٩٦.
(٤) كشاف القناع ٤٤٧/٦، والمغني ٢٦٢/٩.
١٦٦

نقض ٢٨ - ٣٠
أو نحوهما وکان رجوع الشهود بعد الحکم
وقبل الاستيفاء فينقض الحكم لحرمة الدم
ولقيام الشبهة، وإذا كان بعد الاستيفاء فلا
ينقض الحكم، ويلزم الشهود بالضمان أو
القصاص حسب الأحوال(١).
وتفصيل ما يرجع به على الشهود في
الأموال والجنايات وغيرها ينظر في
مصطلحات (شهادة ف ٤٨، ورجوع ف ٣٧،
وضمان ف ١٤٢).
شهادة الأصل لفرعه وعكسه وأحد
الزوجين للآخر :
٢٩ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة إلى أنه لا تقبل شهادة الأصل
لفرعه، والفرع لأصله.
ویری الجمهور عدم قبول شهادة أحد
الزوجين للآخر، خلافاً للشافعية الذين يقولون
بقبولها لانتفاء التهمة.
ونص الحنابلة على أنه إن ظهر أن الشاهد
ابن المشهود له أو والده، والقاضي لا يرى
الحكم به نقضه بعد إثبات السبب ولم ينفذه
لأنه حكم بما لا يعتقد، أشبه ما لو كان عالماً
بذلك، وإن كان يرى الحكم به لم ينقضه لأنه
(١) الدسوقي ٢٠٦/٤، ٢٠٧، والمغني ٢٤٥/٩،
٢٤٨، وابن عابدين ٥٠٤/٥، ومغني المحتاج
٣٣٤/٤.
يحكم بما أداه إليه اجتهاده فيما هو سائغ فيه،
أشبه باقي مسائل الخلاف وهذا إذا كان
القاضي مجتهداً(١).
شهادة العدو على عدوه:
٣٠ - لا يختلف جمهور الفقهاء في أن
العداوة الدنيوية تمنع من قبول الشهادة.
وقال الحنفية - على ما جاء في مجمع
الأنهر نقلاً عن القنية - إن العداوة بسبب الدنيا
لا تمنع ما لم يفسق بسببها أو يجلب بها
منفعة أو يدفع بها عن نفسه مضرة، وما في
الواقعات وغيرها اختيار المتأخرين، وأما
الرواية المنصوصة فبخلافها، فإنه إذا كان
عدلاً لا تقبل شهادته، وهو الصحيح وعليه
الاعتماد .
وقال الشافعية: لو عادى من سيشهد
عليه وبالغ في خصامه ولم يجبه، ثم شهد
عليه لم ترد شهادته لئلا يتخذ ذلك ذريعة
إلى ردها، ولو أفضت العداوة إلى الفسق
ردت مطلقاً.
واختلف الفقهاء فيما إذا ظهر بعد الحكم
أن الشاهد كان عدواً للمشهود عليه.
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١٦٨/٤،
والشرح الصغير ٢١٩/٤، ومغني المحتاج
٤٣٤/٤، وكشاف القناع ٤٢٨/٦، والبدائع
٢٧٢/٦.
١٦٧

.
نقض ٣٠ - ٣١
قال ابن عابدين: فقال الحنفية: الذي
يظهر عدم نقض الحكم، كما قالوا: إن
القاضي ليس له أن يقضي بشهادة الفاسق ولا
يجوز له، فإذا قضی لا ینقض، ثم قال: وهو
مخالف لما في اليعقوبية، وقد جاء فيها عدم
نفاذ قضاء القاضي بشهادة العدو على عدوه.
والحنابلة يقولون: إن نقض الحكم يتوقف
على ما يراه القاضي من أن هذه الشهادة
مقبولة أو غير مقبولة، كما هو الحال في
شهادة الأصل والفرع.
ويرى الغزالي من الشافعية نقض الحكم
في هذه الحالة(١).
ط ـ الدفع من المحكوم عليه بأن له بينة لم
يعلمها:
٣١ - إذا قال المحكوم عليه: لدي بينة لم
أعلمها قبل الحكم وطلب سماعها ونقض
(١) كشاف القناع ٤٤٦/٦، والإنصاف ٣١٩/١١،
والبناية في شرح الهداية للعيني ١٦٦/٨ وما
بعدها - طبع دار الفكر - بيروت -، وبدائع
الصنائع ٢٨٢/٦ ط الخانجي، وابن عابدين
٣٨١/٥، ٤٨٠، ومجمع الأنهر ١٨٩/٢،
وروضة الطالبين ١٢٦/١١، ١٢٧، ١٥١،
١٥٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج
٣٨٥/٥، وتبصرة الحكام ٢٢٣/١، ٢٢٥،
والدسوقي ١٧١/٤، ومغني المحتاج
٤٣٥/٤.
· الحكم فعند الحنفية لا تقبل دعواه ولا تسمع
بينته، فقد سئل نجم الدين النسفي عن رجلٍ
ادعى ديناً في تركة ميت وصدقه الوارث في
ذلك وضمن له إیفاء الدین، ثم ادعى الوارث
بعد ذلك أن الميت قد كان قضى المال في
حياته وأراد إثبات ذلك بالبينة قال: لا تصح
دعواه ولا تسمع بينته، هكذا في المحيط(١).
وعند المالكية في هذه المسألة ثلاثة
أقوال، قال ابن القاسم: يسمع من بينته فإن
شهدت بما يوجب الفسخ فسخ، وقال
سحنون: لا يسمع منها، وقال ابن المواز:
إن قام بها عند ذلك القاضي الحاکم نقضه،
وإن قام عند غيره لم ينقضه(٢).
ونص الشافعية على أنه إذا أقام المدعى
عليه بينة بعد بينة المدعي وتعديلها فقد أقامها
في أوان إقامتها، فإن لم يقمها حتى قضى
القاضي للمدعي وسلم المال إليه نظر: إن لم
يسند الملك إلى ما قبل إزالة اليد فهو الآن
مدع خارج، وإن أسنده واعتذر بغيبة الشهود
ونحوها فهل تسمع بینته، وهل تقدم باليد
المزالة بالقضاء؟ وجهان، أصحهما: نعم،
وينقض القضاء الأول لأنها إنما أزيلت لعدم
الحجة، وقد ظهرت الحجة، فلو أقام البيئة
بعد الحكم للمدعي وقبل التسليم إليه سمعت
(١) الفتاوى الهندية ٦٦/٤.
(٢) تبصرة الحكام ٨٠/١.
١٦٨

نقض ٣١ - ٣٥
بينته وقدمت على الصحيح لبقاء اليد حساً(١).
ي - إذا لم يعيَّن القاضي من قبل ولي الأمر:
٣٢ - إذا اتفق أهل بلد قد خلا من قاض على
أن يقلدوا عليهم قاضياً فإن كان إمامُ الوقت
موجوداً بطل التقليد، ومن ثم تبطل جميع
أحكامه، وإن كان ليس ثمة إمام صح التقليد
ونفذت أحكامه عليهم، فإن تجدد بعد نظره
إمام لم يستدم النظر إلا بإذنه ولم ینقض ما
تقدم من أحكامه، وهذا ما ذهب إليه الشافعية
والحنابلة(٢).
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (قضاء
ف ٢٣).
الجهة التي تنقض الحكم:
٣٣ - في الحالات التي يجوز فيها نقض
الحكم: إما أن ينقضه القاضي الذي أصدره
أو من يعرض عليه من القضاة، كالقاضي
الذي يولّى القضاء بعد غيره فتعرض عليه
أحكام سلفه، أو كالقاضي المكتوب إليه
لتنفيذ ذلك الحكم.
وإما أن يجمع ولي الأمر عدداً من الفقهاء
للنظر في حكم بعينه، أصدره من تلحقه
الشبهة. وتفصيل ذلك فيما يلي:
(١) روضة الطالبين ٥٩/١٢.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٢ الطبعة
المحمودية، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
ص ٧٣ ط دار الكتب العلمية.
أ - نقض القاضي أحكام نفسه:
٣٤ - الأصل أن القاضي إذا حکم فليس له أو
لغيره نقض حكمه إلا إذا خالف نصاً أو
إجماعاً، لكن بعض الفقهاء نصوا كما سبق
بيانه على أنه إذا تبين له أنه وهم في قضائه أو
نسي أو قضی بخلاف رأیه ۔ وهو لا يذكر -
ولكن على ما قضى به بعض الفقهاء، ولم تكن
بينة فینقضه بنفسه دون غيره، وهو ما ذهب إليه
جمهور الفقهاء، خلافاً للإمام أبي حنيفة الذي
يقول بمضي هذا الفصل ولا يرجع فيه.
والقاعدة: أن كل قضاء لا يُعرف خطؤه
إلا من جهته كمخالفته لرأيه السابق فلا ينقضه
سواه، ما لم تشهد بينة بذلك فينقضه هو
وغيره.
ب - نقض القاضي أحكام غيره:
٣٥ - ليس على القاضي تتبع قضاء من كان
قبله لأن الظاهر صحتها، لكن إن وجد فيها
مخالفة صريحة نقضها، وسيأتي تفصيل ما إذا
كان ذلك يتوقف على طلب الخصم أو ينقض
الحكم من تلقاء نفسه .
والقاعدة: أن ما نقض به قضاء نفسه نقض
به قضاء غيره، وما لا فلا، ولا فرق بينهما(١).
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٧٨،
وروضة القضاة ٣١٩/١، ٣٢٣، وتبصرة
الحكام ٧١/١، ٧٤، وروضة الطالبين
١٥٠/١١، ١٥١، والمغني ٥٦/٩، ٥٧.
١٦٩

نقض ٣٦
ج - نقض الأمير والفقهاء حكم القاضي:
١
٣٦ - نص الحنفية والمالكية على أنه يجوز
في بعض الأحوال جمع الفقهاء للنظر في
حكم القاضي، فقد جاء في تبصرة الحكام،
قال مطرف: وإذا اشتُكيَ على القاضي في
قضية حكم بها ورفع ذلك إلى الأمير: فإن
كان القاضي مأموناً في أحكامه عدلاً في
أحواله بصيراً بقضائه فأرى: أن لا يعرض
له الأمير في ذلك ولا يقبل شكوى مَنْ
شكاه ولا يجلس الفقهاء للنظر في قضائه،
فإن ذلك من الخطأ إنْ فَعَلَهُ ومن الفقهاء إن
تابعوه على ذلك. وإن كان عنده متهماً في
أحكامه أو غير عدل في حاله أو جاهلاً
بقضائه فليعزله ويول غيره. قال مطرف:
ولو جهل الأمير فأجلس فقهاء بلده وأمرهم
بالنظر في تلك الحكومة وجهلوا هم أيضاً،
أو أكرهوا على النظر فنظروا فرأوا فسخ
ذلك الحكم ففسخه الأمير أو رَدَّ قضيته إلى
ما رأى الفقهاء، فأرى لمن نظر في هذا
بعد ذلك أن ينظر في الحكم الأول: فإن
كان صواباً لا اختلاف فيه أو كان مما
اختلف فيه أهل العلم أو مما اختلف فيه
الأئمة الماضون فأخذ ببعض ذلك فحكمه
ماض والفسخ الذي تكلفه الأمير والفقهاء
باطل، وإن كان الحكم الأول خطأً بيناً
أمضى فسخه وأجاز ما فعله الأمير
والفقهاء، ولو كان الحكم الأول خطأً بيناً
أو لعله قد عرف من القاضي بعض ما
لا ينبغي من القضاة ولكن الأمير لم يعزله
وأراد النظر في تصحيح ذلك الحكم بعينه
فحينئذ يجوز للفقهاء النظر فيه فإذا تبين لهم
أن حكمه خطأ بيّنّ فليرده، وإن اختلفوا
على الأمير فرأى بعضهم رأياً ورأى بعضهم
رأياً غيره لم يمل مع أكثرهم ولكن ينظر
فيما اختلفوا فيه فما رآه صواباً قضى به
وأنفذه.
وكذلك ينبغي للقاضي أن يفعل إذا
اختلف عليه المشيرون من الفقهاء. قال
مطرف: ولو كان القاضي لم يكن فَصَل
بعد في الخصومة فصلاً فلما أجلس معه
غيره للنظر فيها قال: قد حكمتُ، لم يقبل
ذلك منه لأن المنع عن النظر في تلك
الحكومة وحدها فتلزمه بمنزلة ما لو عزل
ثم قال قد كنت حكمت لفلان على فلان
لم يكن ذلك بقوله إلا ببينة تقوم على
ذلك.
قال مطرف: ولو كان القاضي المشتكى
في غير بلد الأمير الذي هو به وحيث يكون
قاضي الجماعة فهذا كما تقدم ينظر فإن كان
القاضي معروفاً مشهوراً بالعدل في أحكامه
والصلاح في أحواله أقره ولم يقبل عليه
شكوى ولم يكتب بأن يجلس معه غيره،
ولا يفعل هذا بأحد من قضاته إلا أن
يشتكى منه استبداد برأي أو ترك رأي من
١٧٠

نقض ٣٦ - ٣٧
ينبغي له أن يشاوره، فينبغي له أن يكتب
إليه أن يشاور في أموره وأحكامه من غير
أن يسمى له أحداً أو يجلس معه أحداً.
وإن كان ذلك القاضي غير مشهور بالعدل
والرضا وتظاهرت الشكية عليه كتب إلى
رجال صالحين من أهل بلد ذلك القاضي
فأقدمهم للمسألة عنه والكشف عن حاله، فإن
كان على ما يجب أمضاه، وإن كان على غير
ذلك عزله.
قال: ولو جهل الأمير وكتب إلى ناس
يأمرهم بالجلوس معه في تلك الحكومة
ففعلوا واختلف رأيهم فيها، فإن كان الأمير
كتب إلى ذلك القاضي والأمناء أن يرفعوا
إليه ما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه ففعلوا
ذلك ثم كان هو منفذ الحكم في ذلك
فذلك له، وإن كتب إليهم أن ينظروا معه
ثم يجتهدوا ويحكم بأفضل ما يراه معهم
جاز له أن يحكم بالذي يراه مع بعض من
جلس معه فيكون ذلك لازماً لمن حكم به
عليه وإن لم يجتمع على ذلك جميع من
أمر بالنظر معه في ذلك، وإن كان حكمه
على مثل ما كان عليه قبل أن يجلسوا معه
وقد اجتمعوا على خلافه لم أر أن يحكم
بذلك لأنه الآن على مثل ما اشتكى منه،
ولكن يكتب بذلك من رأيه ورأي القوم
إلى الأمير فيكون هو الآمر بالذي يراه
والحاكم فيه دونهم. وقد سئل ابن القاسم
في ذلك كله فقال فيه مثل قول مطرف
الذي تقدم، ومثل ذلك ورد بنصه في
معين الحكام(١).
طلب المحكوم عليه نقض الحكم:
٣٧ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن
الحكم الذي يستوجب النقض إن كان في
حق الله تعالى - كالطلاق - نقضه القاضي
بدون طلب هذا فيما يمكن تداركه، وما
لا يمكن تداركه ففي بعض صوره
الضمان.
وإن كان يتعلق بحق آدمي فلا يجوز
للقاضي نقضه إلا بمطالبة صاحبه.
وأضاف الشافعية إلى ذلك: أنه يلزم
القاضي تعريف الخصمين بما وقع فيه من
خطأ حتى وإن علما بذلك، لأنهما قد
يتوهمان أنه لا ينقض، وهذا ما ذهب إليه
سائر الأصحاب وصححه النووي خلافاً لابن
سريج الذي قال: إنه لا يلزمه تعريف
الخصمين، فإن علما وترافعا إليه نقض
(٢)
الحكم(٢).
(١) تبصرة الحكام ٦٣/١، ٦٤، ومعين الحكام
ص ٣٧.
(٢) المغني لابن قدامة ٥٦/٩، ٥٧، ٥٨،
وروضة الطالبين ١٥٠/١١.
١٧١
٠

نقض ٣٨ - ٤٠، نقود ١
صيغة النقض :
٣٨ - صرح الشافعية بأن صيغة النقض
هي: نقضته، أو فسخته، أو نحو ذلك
كأبطلته، ولو قال: باطل أو ليس بصحيح
فوجهان عند الشافعية، وقالوا: وينبغي أن
يكون نقضاً، إذ المراد أن الحكم لم يصح
من أصله(١).
تسبيب حكم النقض:
٣٩ - إذا نقض القاضي الحكمَ فيجب عليه
بيانُ السبب الذي نقض الحكم من أجله، لئلا
ينسب للقاضي الذي حكم بالنقض الجور
والهوى بنقضه الأحكام التي حكم بها
القضاة(٢).
تسجيل حكم النقض:
٤٠ - يجب على القاضي أن يسجل النقض
كما يسجل الحكم، ليكون تسجيل الثاني
مبطلاً للأول كما صار الثاني ناقضاً للحكم
الأول(٣).
(١) مغني المحتاج ٣٩٦/٤، والرملي ٢٥٨/٨
ط دار الفكر.
(٢) الشرح الصغير ٢٢٧/٤، وكشاف القناع
٣٢٦/٦، ٤٤٦.
(٣) مغني المحتاج ٣٩٦/٤، نهاية المحتاج للرملي
٢٦٠/٨.
نقود
التعريف :
١ - النقود لغةً جمع نَقْدٍ، والنقد العملة من
الذهب أو الفضة وغيرهما مما يتعامل به (١).
والنقود في الاصطلاح یأتي بمعان:
الأول: أنها اسم لمعدني الذهب والفضة،
ومن هنا يكثر في كلام الفقهاء المتقدمين
((النقدان)) - بالتثنية - إشارة إلى المعدنین.
ويطلق الاسم عليهما سواء أكانا مضروبين
((أي مسكوكين)) أم غير مضروبين، بأن كانا
سبائك أو تبراً أو حلياً أو غير ذلك.
فأما في المسكوكين فكثير.
وأما في غير المسكوكين فمنه قول
الزرقاني من المالكية: استعمال النقد في
جدارٍ وسقف(٢). يقصد الذهب والفضة،
وقول صاحب الفروع من الحنابلة: لا يصح
(١) المعجم الوسيط.
(٢) الزرقاني على شرح مختصر خليل ٣٣/١،
٣٧، نهاية المحتاج ٨٣/٣.
١٧٢

نقود ١ - ٢
وقف قنديل نقد، ويزكيه ربه(١)، وفي نهاية
المحتاج: شرط الركاز الذي فيه الخمس أن
يكون نقداً، والنقد الذهب والفضة وإن لم
يكونا مضروبين(٢)، وورد مثل ذلك في
مواضع.
وجاء في مجلة الأحكام العدلية في المادة
١٣٠ : النقود جمع نقد وهو عبارة عن الذهب
والفضة، سواء كانا مسكوكين أو لم يكونا
كذلك، ويقال للذهب والفضة: النقدان.
الثاني: أنها اسم للمضروب من الذهب
والفضة خاصة، أطلق عليها الاسم لأنها هي
التي كانت تنقد في الأثمان عادة، سواء دفعت
حالاً أو بعد أمد، جيدة كانت أو غير جيدة،
دون غيرهما مما يستعمل للتبادل. ومن
عباراتهم الدالة على ذلك قول السرخسي في
المبسوط: إن الفلوس تروج في ثمن
الخسيس من الأشياء دون النفيس، بخلاف
النقود(٣)، فباين بين الفلوس وبين النقود.
وقال النووي والرافعي في باب القراض:
يشترط في رأس المال أن يكون نقداً، وهو
الدنانير والدراهم المضروبة(٤).
(١) الفروع لابن مفلح ٥٨٣/٤.
(٢) نهاية المحتاج ٩٨/٣، ١٠٤، ٤٣٣.
(٣) المبسوط ١٣٧/١٢.
(٤) فتح العزيز للرافعي في ذيل المجموع ٥/١٢،
وروضة الطالبين ١١٧/٥.
فعلى هذا الاصطلاح والذي قبله ليست
الفلوس نقوداً.
الثالث: أنه اسم لكل ما يستعمل وسيطاً
للتبادل سواء كان من ذهب أو فضة أو نحاس
أو جلود أو ورق أو غير ذلك إذا كان يلقى
قبولاً عاماً.
ومنه ما قال الرافعي والنووي: إن كان في
البلد نقد واحد أو نقود يغلب التعامل بواحد
منها انصرف العقد إلى المعهود وإن كان
فلوساً(١).
وهذا الاصطلاح الثالث هو ما جرى عليه
الاستعمال في هذا العصر.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الفلوس :
٢ - الفلوس: جمع فلس، وهي قطع معدنية
صغيرة، مضروبة من معدن سوى الذهب
والفضة من نحاس أو غيره(٢) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
والصلة بين النقود والفلوس أنّ كلاً منهما
يتعامل به .
(١) فتح العزيز ١٤٠/٨، وروضة الطالبين
٣٦٣/٣.
(٢) المعجم الوسيط، والأحكام السلطانية لأبي
يعلى ص ١٧٩ طبعة دار الكتب العلمية.
١٧٣

نقود ٣ - ٥
ب ۔ الِبْر:
٣ - التبر: هو ما استخرج من الذهب أو
الفضة من ترابه قبل أن يضرب أو يصاغ،
وقيل: يسمى بذلك قبل تخليصه من تراب
المعدن .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(١).
والصلة بينهما أن التبر أصل النقدين من
الذهب والفضة.
ج - السِّكة:
٤ - السِّكة حديدة منقوشة مكتوب عليها،
تضرب عليها الدراهم والدنانير والمسكوكات
(ويقال أيضاً: المصكوكات) وهي العملات
المعدنية المضروبة من النقدين أو غيرهما.
وتطلق السكة أيضاً على النقوش والكتابة
التي على النقود(٢).
وهي تختلف من دولة إلى أخرى، ومن
وقت إلى وقت في الدولة الواحدة، وتطلق
السكة أيضاً على النقود المعدنية المضروبة،
لأنها طبعت بالحديد التي هي السكة.
. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
(١) لسان العرب، وابن عابدين ٣٠/٢.
(٢) لسان العرب، والقاموس المحيط، وابن
عابدين ٣٤٠/٣، ٢١٨/٤.
والصلة بين النقود والسكة أن السكة أعم
من النقود.
مشروعية التعامل بالنقود:
٥ - التعامل بالنقود جائز شرعاً لقوله تعالى:
﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُم
بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَ
طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾(١).
وتواتر عن النبي ولو من قوله وفعله
وإقراره إجازة التعامل بالدنانير والدراهم،
ومن ذلك ما ورد عن عروة البارقي رضي الله
عنه قال: دفع إليّ رسول الله وَ له ديناراً
لأشتري له شاة. فاشتريت له شاتين، فبعت
إحداهما بدينار، وجئت بالشاة والدينار إلى
النبي ◌َّر، فذكر له ما كان من أمره فقال له:
(بارك الله لك في صفقة يمينك))(٢).
وفي اتخاذ النقود للتعامل حِكْم ومصالح
تتحقق بها، علمها الناس بالتجارب وطول
العهد، وأقرها الشارع من أجل تلك
المصالح.
ومن ذلك ما قاله الغزالي عن النقدين:
(١) سورة الكهف /١٩.
(٢) حديث: ((بارك الله لك في صفقة يمينك)).
أخرجه البخاري (٦٣٢/٦ ط السلفية)
والترمذي (٥٥٠/٣ ط الحلبي) واللفظ
للترمذي.
١٧٤

.
نقود ٥ - ٦
خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي، ویکونا
حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمةٍ أخرى
وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء، لأنهما
عزيزان في أنفسهما، ولا غرض في أعيانهما،
ونسبتهما إلى سائر الأشياء نسبة واحدة، فمن
ملكهما فكأنه ملك كل شيء(١).
وقال ابن رشد: العدل في المعاملات إنما
هو التساوي، أو مقاربة التساوي، ولذلك لمّا
عسر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة
بالذات جُعل الدينار والدرهم لتقويمها، أعني
تقديرها(٢).
وقال ابن القيم: الدراهم والدنانير أثمان
المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يتم به
تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً
منضبطاً، لا یرتفع ولا ینخفض، إذ لو كان
الثمن یرتفع وینخفض کالسلع لم یکن لنا ثمن
نعتبر به المبيعات، بل الكل سلع، وحاجة
الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة
ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف
به القيمة ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوّم
هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض،
فتفسد معاملات الناس ويقع الخلف(٣).
(١) إحياء علوم الدين للغزالي ٢٢١٩/١٢ ط دار
الشعب.
(٢) بداية المجتهد ٩٩/٢.
(٣) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١٥٥/٢،
١٥٦.
وقال ابن خلدون: إن الله تعالى خلق
الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة،
قيمة لكل متموَّل، وهما الذخيرة والقنية
لأهل العالم في الغالب، وإن اقتني
سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد
تحصيلهما، لما يقع في غيرهما من حوالة
الأسواق - أي تغير الأسعار - التي هما
عنها بمعزل(١).
أنواع النقود:
تتنوع النقود إلى الأنواع التالية:
أولاً: النقود الخلقية:
النقود الخلقية التي استعملت في العصور
الإسلامية نوعان، هما:
أ - الدینار:
٦ - الدينار لغة: فارسي معرّب وهو نقد
ذهب.
واصطلاحاً عرفه ابن عابدين بقوله: هو
اسم للقطعة من الذهب المضروبة المقدّرة
بالمثقال(٢)، فوزن الدينار مثقال تام، وقد
اختلف الفقهاء في وزنه.
والتفصيل في مصطلح (دنانير ف ٧ - ٨).
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٣٩١.
(٢) ابن عابدين ٢٩/٢.
١٧٥

٠٠
نقود ٧ - ٨
ب - الدرهم:
٧ - الدرهم هو لفظ فارسي معرب، وهو
اسم للمضروب من الفضة (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
وقد اختلف الفقهاء فى وزنه .
والتفصيل في مصطلح (دراهم ف ٦).
ثانياً: النقود الاصطلاحية:
٨ - النقود الاصطلاحية هي ما يلي:
أ - الفلوس، وهي النقود المعدنية من غير
الذهب والفضة، ولها حالان:
الأولى: أن تكون رائجة، وفي هذه الحال
يختلف فيها، فيرى بعض العلماء أنه لا يكون
لها أحكام النقدين، فلا يجري فيها الربا
بالتفاضل ولا بالنساء، ولا تجب فيها الزكاة
ما لم تكن للتجارة، كما لو كانت عند
الصيارف، ويرى آخرون أنها تكون أثماناً،
بجامع الثمنية بينها وبين النقدين، فتأخذ
أحكامها .
الثانية: أن لا تكون رائجة: وفي هذه
الحال لا يكون لها حكم النقدين، اتفاقاً.
(ر: صرف ف ٤٥ وما بعدها، وفلوس
ف ٤ وما بعدها).
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
ب - الدراهم الغالبة الغش، وهي ما كان
ما فيها من الفضة مغلوباً، والغش فيها
غالباً، فهذه عند الحنفية لها أحكام
الفلوس لا أحكام الذهب والفضة اعتباراً
بالغالب، أما عند غير الحنفية فينظر إلى
القدر الذي فيها من الفضة، فتجرى عليه
أحكام النقدين(١).
(ر: صرف ف ٤١ - ٤٤، وزكاة ف ٧١).
ج - النقود الورقية: وقد غلب استعمالها في
العصر الحديث، حتى حلّت مكان النقود
الذهبية والفضية، وأخذت وظيفتهما في
التعامل في عامة بلدان العالم، وقد أشار إلى
إمكان اتخاذ النقود من الورق الإمام مالك،
من باب افتراض وقوع ما لم يقع وبيان
حكمه، فقال: لو أن الناس أجازوا بينهم
الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن
تباع بالذهب والورِق نَظِرَة، وقال في موضع:
لو جرت الجلود بين الناس مجرى العين
المسكوك لكرهنا بيعها بذهب أو ورق
نَظِرَةُ(٢) .
وقد عرف التعامل بالأوراق النقدية قديماً،
فقد حكى المقريزي أنه لما رحل إلى بغداد
أخرج له أحد التجار ورقة فيها خطوط بقلم
(١) البدائع ٢٣٦/٥.
(٢) المدونة ٣٩٦/٣.
١٧٦

٠٠٠
نقود ٨ - ١١
الخطا - أي بالخط المغولي - وذكر أن هذه
الأوراق مأخوذة من ورق التوت، فیها لین
ونعومة، وأن هذه الورقة إذا احتاج الإنسان
في (خان بالق) من بلاد الصين لخمسة دراهم
دفعها فيها، وأن ملكها يختم لهم هذه
الأوراق وينتفع بما يأخذ بدلاً عنها(١).
الأحكام المتعلقة بالنقود:
أولاً: الأحكام الشرعية المقدرة بالنقود:
أ - نصاب الزكاة :
٩ - نصاب الزكاة في الذهب عشرون ديناراً،
ونصاب الفضة مائتا درهم، فإن لم يتم هذا
النصاب عند مالكه فلا زكاة عليه وذلك مجمع
عليه، فإن كان مغشوشاً فللفقهاء تفصيل ينظر
في مصطلح (زكاة ف ٦٩ - ٧١).
ونصاب الزكاة في الفلوس وفي الأوراق
النقدية عند من أوجب فيها الزكاة يقوم
بتقويمهما بالدينار والدرهم (٢) (ر: زكاة ٧١ -
٧٥).
(١) إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي ص ٦٨.
(٢) ترى لجنة الموسوعة أن النقود الورقية تزكى
إذا بلغت قيمتها نصاب ذهب أو فضة سواء
كانت للتجارة أو لم تكن ما دامت تستعمل
أثماناً رائجة لأنها أصبحت غالب أموال
الناس وراجت في التبادل حتى حلت في هذا
العصر محل النقود الذهبية والفضية.
ونصاب الزكاة في عروض التجارة يقوّم
بالدینار أو الدرهم الشرعیین کذلك.
وینظر تفصيل ذلك في (زكاة ف ٨٤ وما
بعدها).
ب - أقل المهر:
١٠ - اختلف الفقهاء في أقل المهر، فذهب
الحنفية والمالكية إلى أن أقل المهر مقدر فإنه
لا يقل عن عشرة دراهم عند الحنفية، وربع
دينار أو ثلاثة دراهم عند المالكية، وهو
النصاب الذي يقطع فیه ید السارق عند كل
منهما .
فإن كان المسمى أقل من ذلك فلها تمام
العشرة عند الحنفية، وفسد النكاح عند
المالكية، ويتمه إن دخل، ويخير بين إتمامه
وبین الطلاق إن لم يدخل.
وعند الشافعية والحنابلة: لا حدّ لأقل
المهر شرعاً، بل كل ما جاز أن يكون ثمناً أو
مبيعاً جاز أن يكون مهراً (١).
وانظر التفصيل في (مهر ف ١٨).
ج - كفارة من أتى امرأته في حيضها:
١١ - وهي عند الحنابلة واجبة وقدرها دينار،
(١) الاختيار لتعليل المختار ١٠٢/٣، وجواهر
الإكليل ٣٠٨/١، والدسوقي على الشرح
الكبير ٣٠٢/٢، ومغني المحتاج ٢٢٠/٣،
وكشاف القناع ١٢٨/٥.
١٧٧
...
:

نقود ١١ - ١٦
وعند غيرهم مستحبة وقدرها دينار أو نصف
دینار.
(ر: حيض ف ٤٣).
د - نصاب القطع في السرقة:
١٢ - اختلف الفقهاء في نصاب القطع في
السرقة :
فيرى الحنفية أنه عشرة دراهم مضروبة أو
ما قيمته ذلك.
ويرى جمهور الفقهاء المالكية والشافعية
والحنابلة أنه ربع دینار أو ثلاثة دراهم أو ما
قيمته ذلك.
ولهم في ذلك تفصيلات تنظر في (سرقة
ف ٣٣ - ٣٦).
هــ الدیات:
١٣ - حدد الشرع مقدار الديات، فديةُ نفسٍ
الحرّ المسلم مائة من الإبل أو ألف دينار من
الذهب أو اثنا عشر ألف درهم من الفضة،
وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة.
أما عند الحنفية فهي في النقد ألف دينار أو
عشرة آلاف درهم.
وتفصيل ديات غيره ودية الأعضاء والقوى
يرجع إليه في (ديات ف ٢٨ وما بعدها).
و - الجزية :
١٤ - تفرض الجزية على رجال أهل الذمة،
فهي على الغني ثمانية وأربعون درهماً في
السنة، وعلى المتوسط أربعة وعشرون
درهماً، وعلى الفقير اثنا عشر درهماً، وهذا
عند الحنفية، وعند غيرهم خلاف وتفصيل
ينظر في (جزية ف ٤٤).
ثانياً: ضرب النقود وإصدارها:
١٥ - ضرب النقود هو صناعتها ونقشها ويكون
ذلك بضربها على السكة، وهي الحديدة
المنقوش عليها الكتابة بوضع مقلوب.
ويقال سكّ النقود، وصکها.
أ - حق إصدار النقود:
١٦ - حق إصدار النقود هو للإمام وحده،
ولا بدّ له من تفويض من يقوم بهذه الوظيفة
ليتميز الخالص من المغشوش في المعاملات،
ويتقي الغش فيها بختم السلطان عليها بالنقش
المعروف. وينبغي أن تكون بعيار محدد
وأوزان محدّدة ليمكن التعامل بها عدداً، كما
حصل في عهد عبد الملك بن مروان.
ولا يجوز لغير الإمام ضرب النقود، لأن
في ذلك افتياتاً عليه.
ويحق للإمام تعزير من افتات عليه فيما هو
من حقوقه، وسواء كان ما ضربه مخالفاً
لضرب السلطان، أو موافقاً له في الوزن
ونسبة الغش، وفي الجودة حتى لو كان من
الذهب والفضة الخالصين، قال الإمام أحمد
في رواية جعفر بن محمد: لا يصلح ضرب
١٧٨

نقود ١٦ - ١٨
الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان،
لأن الناس إن رُخّص لهم ركبوا العظائم. قال
القاضي أبو يعلى: فقد منع من الضرب بغير
إذن السلطان لما فيه من الافتيات عليه (١).
وانظر (دراهم ف ٧، وسكة ف ٤).
١٧ - وينبغي للإمام ضرب الفلوس ليتمكن
الناس من إنفاقها في الحاجات الصغيرة التي
هي أقل من قيمة الدرهم، والعادة أن تضرب
من النحاس أو غيره من المعادن التي تحتمل
كثرة الاستعمال، قال ابن تيمية: ينبغي للإمام
أن يضرب للرعايا فلوساً تكون بقيمة العدل
في معاملاتهم من غير ظلم لهم تسهيلاً عليهم
وتيسيراً لمعاملاتهم.
ومقصوده بقيمة العدل أن تكون قيمتها
بقدر ما فيها من النحاس لتكون قيمتها ذاتية.
وذكر ابن تيمية أنه لا ينبغي للإمام أن
يحرّم على الناس الفلوس التي بأيديهم
ويضرب لهم غيرها، لأنه إذا فعل ذلك أفسد
ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها، ولما
ورد عن النبي وَلتر: ((أنه نهى عن كسر سكّة
المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس))(٢)
(١) الفروع ٤٥٧/٢، وكشاف القناع ٢٣٢/٢،
ونهاية المحتاج وحاشية الرشيدي ٨٧/٣،
ومقدمة ابن خلدون ص ٢٦١.
(٢) حديث: ((نهى عن كسر سكة المسلمين
الجائزة بينهم إلا من بأس».
والبأس - كما قال البهوتي - نحو أن يشتبه في
شيء منها أنه جيد أو ردىء فيكسره(١).
ب - أخذ الأجرة على سك النقود:
١٨ - يجوز للإمام دفع الأجرة على سك
النقود، وقد نقل البهوتي عن ابن تيمية أن
على الإمام أن يدفع أجرة ضرب الفلوس من
بيت المال.
ولو ضرب النقود الذهبية أو الفضية،
والذهب أو الفضة من عنده، وأعطى الصناع
أجرهم من بيت المال فلا بأس بذلك.
وقد جاء وقتّ كان بإمكان مالك النقرة أن
يذهب بها إلى دار الضرب، لتضرب له دنانير
أو دراهم، ويعطي مالكها أجرة ذلك من
عنده، وهذا جائز شرعاً إن ردّت له دراهمه
أو دنانيره من نقرته بعينها، أما إن جرى
تبادل، بأن أخذ غير ما أعطى، فقد نبه
الغزالي إلى أنه يجب الاحتراز لأنه يدخله ربا
الفضل، وربما دخله ربا النَّساء، قال: وذلك
(٢)
حرام(٢) .
أخرجه أبو داود (٧٣٠/٣ ط حمص) وابن
=
ماجه (٧٦١/٢ ط عيسى الحلبي) وأعله
المنذري في مختصر السنن (٩١/٥ - نشر دار
المعرفة) بأن أحد رواته لا يحتج بحديثه.
(١) كشاف القناع ٢٣٢/٢.
(٢) إحياء علوم الدين ٧٦٨/٤ ط دار الشعب.
=
١٧٩

نقود ١٨ - ١٩
وابن القيم على الرغم من قوله المشهور
بجواز بيع الحلية الذهبية أو الفضية بذهب أو
فضة من جنسها أكثر منها وزناً، في مقابلة
الصياغة، إلا أنه لم ير جواز بيع الدراهم
والدنانير المضروبة بسبائك من جنسها أكثر
منها وزناً، من أجل صناعة الضرب.
وفرَق بين النوعين بأن السكة لا تتقوّم فيها
الصناعة للمصلحة العامة المقصودة منها، فإن
السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة، وإن
كان الضارب يضربها بأجرة، فإن القصد منها
أن تکون معیاراً للناس لا یتجرون فیھا،
والسكة فيها غير مقابلة بالزيادة في العرف،
ولو قوبلت بالزيادة فسدت المعاملة،
وانتقضت المصلحة التي ضربت لأجلها،
واحتاجت الدراهم إلى التقويم بغيرها، ولهذا
قام الدرهم مقام الدرهم من كل وجه، وإذا
أخذ الرجل الدراهم رة نظيرها، وليس
المصوغ كذلك(١).
واستثنى المالكية حالة أجازوها
للضرورة، وهي ما قال النفراوي: المسافر
تكون معه العين غير مسكوكة، ولا تروج
معه في المحل الذي يسافر إليه، فيجوز
دفعها إلى السّكاك ليدفع له بدلها مسكوكاً
- أي جاهزاً - ويجوز له دفع أجرة السكة،
وإن لزم عليها الزيادة، لأن الأجرة للزيادة،
(١) إعلام الموقعين ١٦٣/٢.
قال: وإنما أجيزت للضرورة لعدم تمكن
المسافر من السفر لو تأخرَ لإتمام ضربها (١)
وقيل يجوز أيضاً للحاجة، قال الدردير في
شرحه الكبير: المسكوك الذي لا يروج مع
المسافر في بلد الغربة كالنقرة في ذلك، بأن
يدفع مسكوكه إلى السكاك ليعطيه المسكوك
الذي يروج، مع زيادة أجرة، ولا يجوز
ذلك لغير المسافر، ولا لغير المحتاج،
والأظهر أنه لا يجوز ولو اشتدت الحاجة ما
لم يخف على نفسه الهلاك وإلا جاز،
والمعتمد الأول(٢).
ج - نقش شيء من شعائر الإسلام
على النقود:
١٩ - قال المقريزي: ضرب عمر رضي الله
عنه الدراهم على نقش الكِسروية(٣)، وشكلها
بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها: الحمد لله،
وفي بعضها: رسول الله، وعلى آخر: لا إله
إلا الله وحده، وعلى آخر: عمر، فلما بويع
عثمان بن عفان رضي الله عنه ضرب دراهم،
ونقشها ((الله أكبر)).
فلما قام عبد الله بن الزبير رضي الله عنه
بمكة ضرب دراهم مدورة، ونقش بأحد
-
(١) الفواكه الدواني ١١١/٢.
-
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٤/٣.
(٣) الكسروية نسبة إلى كسرى، والمقصود
الدراهم الفارسية .
١٨٠