النص المفهرس
صفحات 81-100
نفقة ٥٦ - ٥٧ التي يجب عليها نفقة الفروع غير واردة عندهم، وذلك لأنهم يرون أن النفقة لا تجب على أحد من الأصول سوى الأب(١). وأما عند الشافعية: فإذا لم يوجد الأب، أو كان عاجزاً، وجبت النفقة على غيره من الأصول الذكور دون الإناث، فمثلاً إذا وجد جَد لأم وجدة لأب، أو لأم كانت النفقة على الجد لأم، وإذا تعددت الأصول ولم يكن من بینھم ذکر بأن کانوا جمیعاً من الإناث، کانت النفقة على الأقرب في الدرجة. فمثلاً إذا وجدت أم الأب وأم أب الأب وأم أم الأم، كانت النفقة على أم الأب، لأنها أقرب(٢) . وأما عند الحنابلة في المعتمد: فإذا لم يكن للصبي أب فالنفقة على وارثه، فإن كان له وارثان فالنفقة علیھما علی قدر إرثهما منه، وإن كانوا ثلاثة أو أكثر فالنفقة بينهم على قدر إرثهم منه، فإذا كان له أُمّ وجَدٌّ فعلى الأم الثلث، والباقي على الجد، لأنهما يرثانه کذلك. لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ والأم وارثة، فكان عليهما بالنص. (١) حاشية الدسوقي ٥٢٣/٢. (٢) الشرواني وابن القاسم على تحفة المحتاج ٣٥٢/٨، ومغني المحتاج ٤٥١/٣. ولأن الإنفاق معنى يستحق بالنسب فلم يختص به الجد دون الأم کالوراثة. وإن كانت جدة وأخاً فعلى الجدة سدس النفقة والباقي على الأخ. وفي رواية عن الإمام أحمد: أن الصبي إذا لم يكن له أب تكون النفقة على العصبات خاصة(١). مقدار نفقة الأقارب: ٥٧ - اتفق الفقهاء على أن الواجب في نفقة الأقارب قدر الكفاية من الخبز والأدم والکسوة والسكنی والرضاع إن كان رضيعاً، لأنها وجبت للحاجة فتقدر بما تندفع به الحاجة . فقد قال رَالر: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) (٢)، فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية . وإن احتاج المنفَق عليه إلى خادم، فعلى المنفق إخدامه، لأن ذلك من تمام كفايته(٣). (١) المغني ٥٩١٨٧، ٥٩٢. (٢) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». سبق تخريجه ف (٨). (٣) البدائع ٣٨/٤ ط الجمالية بمصر، وحاشية الدسوقي ٥٢٣/٢، ومغني المحتاج ٤٤٨/٣، والمغني ٥٩٥٧٧. ٨١ نفقة ٥٨ اجتماع الأصول والفروع: ٥٨ - اختلف الفقهاء فيما إذا كان للمستحق للنفقة أصول وفروع: فمذهب الحنفية: أنه إذا اجتمع الأصول والفروع لمستحق النفقة، كما لو كان له أب وابن: فإن نفقته على الابن لا على الأب - وإن استويا في القرب والوراثة - لترجح الابن بإيجاب النفقة عليه، لكونه من كسب الأب(١)، كما يدل عليه قوله وَل﴾: ((إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم)»(٢). ولأن مال الابن مضاف إلى الأب في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنت ومالك لوالدك)»(٣). ولا يشارك الولد في نفقة والده أحد من الأب أو الأم أو الجد، فإذا لم يوجد الابن وتفاوتوا في درجة القرابة كما لو كان لمستحق النفقة أب وابن ابن وجبت النفقة على الأقرب، فتكون النفقة على الأب، لأنه أقرب درجة . وإن تساووا في درجة القرابة وجبت النفقة (١) البدائع ٣٢/٤. (٢) حديث: ((إن أولادكم من أطيب کسیکم ... )). سبق تخريجه ف ٥١. (٣) حديث: ((أنت ومالك لوالدك)). سبق تخريجه ف (٥١). على حسب أنصبائهم في الميراث، فلو كان له جد وابن ابن فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما، السدس على الجد، والباقي على ابن الابن کالميراث(١). ومذهب الشافعية: أنه لو اجتمع لمستحق النفقة أصل وفرع فالأصح عندهم: أنها تجب على الفرع وإن بعد كأب وابن ابن، لأن عصوبته أقوى، وهو أولى بالقيام بشأن أبيه لعظم حرمته. والثاني: أنها على الأصل استصحاباً لما كان في وجوبها عليه له في الصغر. والثالث: أنها تجب عليهما، لاشتراكهما في العلة وهي البعضية (٢). وأما الحنابلة: فيرون أنه إذا اجتمع لمستحق النفقة أب وابن من أهل الإنفاق كانت النفقة على الأب وحده، ولا تجب على من سواه، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(٣)، وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِذْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾(٤)، ولقول النبي ◌َلّ لهند: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)»(٥). (١) فتح القدير ٤١٩/٤، والبدائع ٣٣/٤. (٢) مغني المحتاج ٤٥١/٣. (٣) سورة الطلاق / ٦. (٤) سورة البقرة / ٢٣٣. (٥) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)). سبق تخريجه ف (٨). ٨٢ نفقة ٥٨ - ٥٩ فهذه النصوص جعلت النفقة على الأب دون غيره (١)، فوجب اتباع النص، وترك ما عداه. فإذا لم يوجد الأب أجبر وارثه على نفقته بقدر میراثه منه، فمن كان له جد لأم وابن ابن كانت النفقة على ابن الابن لأنه الوارث، ولا شيء على الجد لأم لعدم إرثه، ومن كان له أم وابن، وجب على أمه سدس نفقته، ووجب على الابن الباقي، لأن ميراثهما كذلك(٢). وإذا اجتمع أصل وفرع وارثان، وكان أقربهما معسراً والأبعد موسراً، وجبت النفقة على الموسر الأبعد، لأن المعسر کالمعدوم، فمثلاً من كان له أم فقيرة وجدة موسرة كانت النفقة على الجدة فقط(٣). نفقة الحواشي: ٥٩ - الحواشي هم الأقارب الذين ليسوا من عمودي النسب، كالأخوة وأبناء الأخوة والأخوال والخالات والأعمام والعمّات(٤). وقد اختلف الفقهاء في نفقة الحواشي. فمذهب الحنفية والحنابلة: أن النفقة تجب (١) المغني ٥٨٧/٧. (٢) المغني ٥٨٩/٧. (٣) المصدر السابق ٥٩٣/٧. (٤) المصباح المنير. لهم في الجملة(١)، لقوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهُ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى اُلْقُرْبَ﴾ (٣). فالله تعالى قد جعل حق ذي القربى بعد حق الوالدين في الدرجة، وأمر بالإحسان إليهم كما أمر به إلى الوالدين، ومن الإحسان إليهم الإنفاق عليهم. ولقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه طارق المحاربي رضي الله عنه قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله وَّر قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: ((يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك)» (٤). وبما رواه كليب بن منفعة الحنفي عن جِده أنه أتى النبي ◌َّله فقال: يا رسول الله من أبر؟ قال: ((أمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي، ذاك حق (١) البحر الرائق ٢٢٨/٤ ط دار المعرفة بيروت، والمغني ٥٨٦/٧. (٢) سورة الإسراء /٢٦. (٣) سورة النساء /٣٦. (٤) حديث: ((يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك ... )). أخرجه النسائي (٦١/٥ ط التجارية الكبرى)، وصححه ابن حبان (الإحسان ١٣٠/٨ - ١٣١ ط مؤسسة الرسالة). ٨٣ ٠٠٠ . نفقة ٥٩ - ٦٠ واجب ورحم موصولة))(١). فالرسول وَله قد أخبر بأن النفقة على هؤلاء المذكورين حق واجب. غير أن الحنفية والحنابلة اختلفوا فيما بينهم في تعيين من تجب نفقته من الحواشي : فالحنفية: یوجبونها لكل ذي رحم محرم كالعم والعمة والخال والخالة والأخ وابن الأخ، ولا تجب عندهم لذي رحم غیر محرم كابن العم وبنت العم، ولا تجب أيضاً لمحرم غير ذي رحم كالأخ من الرضاع (٢) مستدلين على وجوبها لكل ذي رحم محرم بقراءة ابن مسعود: (وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك). وأما الحنابلة: فیوجبونها لکل قریب وارث بفرض أو تعصيب، فتجب عندهم للأخ الشقيق أو لأب أو لأم، والعم وابن العم، ولا تجب للعمة وبنت العم والخال والخالة ونحوهم مما لا إرث لهم بالفرض أو التعصيب، وذلك لأن قرابتهم ضعيفة، فهم كسائر المسلمين يأخذون ماله عند عدم الوارث، وهذا هو المذهب عندهم. (١) حديث: ((يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ... )). أخرجه أبو داود (٣٥١/٥ ط حمص). . (٢) فتح القدير ٤٢٠/٤، والبحر الرائق ٢٢٨/٤. وقال أبو الخطاب: إن النفقة تلزم ذوي الأرحام الذين لا يرثون بالفرض أو التعصيب عند عدم العصبات وذوي الفروض، لأنهم وارثون في تلك الحال(١). ومذهب المالكية والشافعية: أن نفقة الحواشي غير واجبة، فلا نفقة عندهم لمن عدا الأصول والفروع من الأقارب كالأخوة والأخوال والأعمام، وذلك لورود الشرع بإيجاب نفقة الوالدين والمولودين، ومن سواهما لا يلحق بهم في الولادة، فلم يلحق بهم في وجوب النفقة (٢). شروط وجوب نفقة الحواشي عند القائلين بها : ٦٠ - يشترط لوجوب نفقة الحواشي عند القائلين بها الشروط التي يجب توافرها في نفقة الأولاد وهي: أ - أن يكون المنفَق عليه فقيراً عاجزاً عن الكسب، بسبب الصغر أو الأنوثة أو الزمانة أو العمى، لأنها أمارة الحاجة ولتحقق العجز، فإن القادر على الكسب غني بکسبه. ب - أن يكون المنفِق واجداً ما ينفقه فاضلاً عن نفقة نفسه وعياله وخادمه. (١) المغني ٥٨٦/٧، والإنصاف ٣٩٥/٩. (٢) مواهب الجليل ٢٠٩/٤، ٢١٠، ومغني المحتاج ٤٤٧/٣. ٨٤ نفقة ٦٠ - ٦١ ج - اتحاد الدین بین المنفق والمنفق علیه، فلا نفقة مع اختلاف الدين لعدم توارث مختلفي الدین. ويلاحظ أن الحنابلة يشترطون هذا الشرط في نفقة الأقارب عموماً، أما الحنفية فلا يشترطون هذا الشرط إلا في نفقة الحواشي فقط (١). وهذه الشروط الثلاثة محل اتفاق بين القائلين بوجوب نفقة الحواشي وهم الحنفية والحنابلة(٢). وزاد الحنفية عليها شرطين آخرين وهما: الأول: قضاء القاضي بها، فلا تستحق قبله، فلو ظفر أحدهم بجنس حقه قبل القضاء أو الرضا، فليس له أخذه، لأن وجوبها لم يكن بطريق الإحياء لعدم معنى الجزئية، بل هي صلة محضة، فجاز أن يتوقف وجوبها على قضاء القاضي، بخلاف نفقة الأصول والفروع فهي لا تتوقف على قضاء القاضي، لأنها وجبت بطريق الإحياء، لما فيها من دفع الهلاك لوجود معنى البعضية بين المنفق والمنفق عليه، ولا يتوقف إحياء الإنسان نفسه (٣). على قضاء القاضي (١) الهداية بأعلى فتح القدير ٤١٦/٤. (٢) تبيين الحقائق ٦٤/٣، والمغني ٥٨٤/٧، ٫٥٨٥ (٣) البدائع ٣٧/٤. والثاني: أن يكون القريب المحتاج ذا رحم محرم، لأن الصلة في القرابة القريبة واجبة دون البعيدة، والفاصل بينهما أن يكون ذا رحم محرم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾(١)، وفي قراءة ابن مسعود: ((وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك))(٢). اجتماع الأصول والحواشي: ٦١ - اختلف الفقهاء في فرض النفقة عند اجتماع الأصول والحواشي. فذهب الحنفية والحنابلة إلى فرض النفقة على الأقارب من جهة الحواشي، وإن اختلفوا في تحدید الأصناف الذین تجب لهم النفقة. فمذهب الحنفية أن النفقة تجب لكل ذي رحم محرم كالعم والعمة، والأخ والأخت، والخال والخالة، ولا تجب لغير ذي رحم محرم کابن العم وبنت العم، ولا لمحرم غير ذي رحم كالأخ من الرضاع. ومذهب الحنابلة أن النفقة تجب لكل قریب وارث بفرض أو تعصیب کالأخ من أي الجهات کان، ولا تجب لمن لا یرث بفرض أو تعصیب، ولو كان من ذوي الأرحام. (١) سورة البقرة / ٢٣٣. (٢) الهداية بأعلى فتح القدير. ٤١٩/٤، ٤٢٠. ٨٥ نفقة ٦١ - ٦٢ وذهب المالكية والشافعية إلى أنها تجب الأصول والفروع، غير أن المالكية لا يوجبونها إلا للآباء والأولاد المباشرين، أي الطبقة الأولى من الأصول والفروع فقط(١). وفيما يلي بيان مذهبي الحنفية والحنابلة عند اجتماع الأقارب من جهتي الأصول والحواشي. أولاً: مذهب الحنفية: ٦٢ - يرى الحنفية أنه عند اجتماع الأقارب من جهتي الأصول والحواشي فالحال لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يكون أحد الصنفين وارثاً والآخر غير وارث، وإما أن يكون كل من الصنفين وارثاً. أ - فإن كان أحد الصنفين وارثاً والآخر غير وارث، فالنفقة على الأصول وحدهم ترجيحاً لاعتبار الجزئية . ولا يطالب الأقارب من جهة الحواشي بالنفقة ولو كانوا وارثين، لأن القرابة الجزئية أولی من غيرها. فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة جد لأم وعم شقيق، فالنفقة على الجد لأم مع أنه غير وارث، لأنه من جهة الأصول فيقدم (١) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢٠٨/٤، وروضة الطالبين ٨٣/٩. ترجيحاً للجزئية، ولا يجب على العم الشقيق شيء مع أنه وارث، لأنه من جهة الحواشي. وكذلك الحال لو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة جد لأب، وأخ شقيق فالنفقة على الجد لأب وهو وارث، ولا شيء على الأخ الشقيق ترجيحاً للجزئية. وعند تعدد الأصول والحواشي فالمعتبر الإرث في النفقة، فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة جد لأب وجدة لأب وعم شقيق وعم لأب، فالنفقة على الجد لأب والجدة لأب بحسب الميراث: السدس على الجدة لأب، والباقي على الجد لأب، ولا شيء على العم الشقيق والعم لأب. هذا هو الحكم إن كان أحد الصنفين وارثاً والآخر غير وارث(١). ب - أما إن كان كل من الصنفين وارثاً، فالعبرة في إيجاب النفقة بمقدار الإرث، فتوزع النفقة عليهم بنسبة الإرث. فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة أم وعم، فالنفقة تجب عليهما بحسب نصيب كل منهما فعلى الأم الثلث وعلى العم الثلثان لأن نصیب کل في الميراث كذلك. واستثنى الحنفية من هذه القاعدة ما لو (١) رد المحتار لابن عابدين ٦٧٩/٢ طبعة بولاق. ٨٦ نفقة ٦٢ - ٦٣ اجتمع مع الجد لأب أم وعاصب آخر كالأخ أو العم، فالنفقة كلها على الجد لأب، لأنه ینزل منزلة الأب ويأخذ حكمه. وكذا لو اجتمع لمن يحتاج إلى النفقة أم وجد لأب وأخ شقيق أو ابن أخ أو عم، فالنفقة على الجد وحده، لأن الجد يحجب الأخ وابنه والعم، لتنزيله حينئذ منزلة الأب، وحيث تحقق تنزيله منزلة الأب صار كما لو كان الأب موجوداً حقيقة، وإذا كان الأب موجوداً حقيقة لا تشاركه الأم في وجوب النفقة، فكذا الحال إذا كان موجوداً حكماً، فتجب علیه وحده(١). هذا بخلاف ما إذا لم يوجد مع الجد لأب والأم عاصب من الحواشي. فلو كان للفقير المحتاج أم وجد لأب فقط ولا أحد معهماً من العصبات وجبت النفقة عليهما وفق ميراثهما، لأن الجد في هذه الحالة لم ينزل منزلة الأب فلم تجب عليه النفقة وحده وإنما وجبت عليهما أثلاثاً(٢). ثانياً: مذهب الحنابلة: ٦٣ - يرى الحنابلة أنه عند اجتماع الأقارب من جهتي الأصول والحواشي فالمعتبر (١) رد المحتار ٦٢٥/٢ ط بولاق. (٢) رد المحتار على الدر المختار ٦٧٩/٢ طبعة بولاق. الإرث، فإذا كان هناك من الأقارب من الجهتين من هو وارث وآخر غير وارث فالنفقة على الوارث دون غيره. وإذا تعدد الورثة، فالنفقة تكون عليهم بحسب أنصبائهم في الميراث. فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة أم أم وأب أم، فالنفقة على أم الأم، لأنها الوارثة ولا شيء على أبي الأم لعدم ميراثه. وكذا لو كان له عم شقيق وجد لأب، فالنفقة على الجد لأب، لأنه الوارث ولا شيء على العم، لعدم ميراثه. وكذا الحكم إذا اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة أم وجد، فالنفقة عليهما أثلاثاً، فعلى الأم الثلث، وعلى الجد الثلثان، لأنهما يرثان كذلك. وكذا لو كان له جدة وأخ، فعلى الجدة سدس النفقة، وعلى الأخ خمسة أسداس، وهكذا الحكم في كل ما يماثل ذلك(١). هذا هو الحكم إذا كانوا وارثين بالفعل. أما إذا اجتمع قريبان موسران، وكان أحدهما محجوباً بقریب فقير، فقد فرَّق الحنابلة بين كونه من عمودي النسب (الأصول والفروع) وبين كونه من غيرهما. (١) الكافي لابن قدامة ٣٧٦/٣، ٣٧٧. ٨٧ نفقة ٦٣ - ٦٤ فإن كان المحجوب من عمودي النسب لا تسقط عنه النفقة. فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة أب وأم وجد، وكان الأب معسراً، فهو كالمعدوم، وتكون النفقة على الأم والجد أثلاثاً، الثلث على الأم، والثلثان على الجد. وإن كان من غير عمودي النسب، فلا نفقة عليه. فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة أب وأم وأخوان وجد، وكان الأب معسراً، فلا شيء على الأخوين، لأنهما محجوبان بالأب، وليسا من عمودي النسب، وتكون النفقة على الأم والجد أثلاثاً(١). اجتماع الفروع والحواشي: ٦٤ - ذهب المالكية والشافعية إلى عدم وجوب النفقة على غير الأصول والفروع، خلافاً للحنفية والحنابلة، إذ يرى الحنفية أنه عند اجتماع الأقارب من جهتي الفروع والحواشي، فالمعتبر في النفقة القرب والجزئية دون الإرث، وعلى هذا فالنفقة تجب على الفروع ولو كانوا مختلفين في الدين، ولا شيء على الحواشي ولو كانوا وارثین. فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة (١) المغني والشرح الكبير ٢٦٠/٩، ٢٦١. بنت وأخت شقيقة تكون النفقة على البنت فقط، ولا شيء على الأختِ مع أنها ترث النصف تعصيباً، وكذا لو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة أخ مسلم وابن نصراني، فالنفقة واجبة على الابن النصراني، وإن كان غير وارث، ولا شيء على الأخ المسلم وإن كان وارثاً، لترجح القرب والجزئية. وكذا لو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة ابن بنت وأخ شقيق: فالنفقة واجبة على ابن البنت، وإن كان غير وارث، ولا شيء على الأخ الشقيق، وإن كان وارثاً، لترجح قرابته على غيرها، وإن استويا في القرب لإدلاء كل منها بواسطة (١). ويرى الحنابلة أنه عند اجتماع الأقارب من جهتي الفروع والحواشي تجب النفقة على الوارث دون غيره، وعند تعددهم تقسم علیهم بحسب أنصبائهم. فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة ابن وأخ لأم، فالنفقة واجبة على الابن، لأنه الوارث، ولا شيء على الأخ لأم، لأنه غير وارث. وإن اجتمع بنت وأخت، أو بنت وأخ، أو بنت وعصبة، فالنفقة بينهم على قدر الميراث (١) رد المحتار ٦٧٩/٢ ط بولاق. ٨٨ نفقة ٦٤ - ٦٦ في ذلك، سواء كان في المسألة رد أو عول أو لم یکن. وكذلك لو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة ابن يهودي وعم مسلم، فالنفقة واجبة على العم المسلم، ولا شيء على الابن اليهودي، لأنه غير وارث، لاختلاف الدین(١) . اجتماع الأصول والفروع والحواشي: ٦٥ - عند اجتماع الأصول والفروع والحواشي، يرى الحنفية: أن النفقة تكون على الأصول والفروع دون الحواشي، ويراعى تقديم الأقرب درجة ثم الوارث، فيقدم الابن على الأب، والأب على الجد وهکذا. وعند الاستواء في الدرجة والإرث فعلى حسب أنصبائهم في الميراث. ويرى الشافعية: أن النفقة على الأصول والفروع فقط، ويقدم الفرع على الأصل، وعند التعدد يكون الاعتبار بقرب الدرجة، وعند التعدد والاستواء في القرب يكون الاعتبار بالميراث، وعند التعدد توزع على حسب الأنصباء في الميراث. ويرى الحنابلة: أن المعتبر في فرض النفقة (١) الكافي لابن قدامة ٣٧٤/٣، ٣٧٥، والمغني والشرح الكبير ٢٦٥/٩، ٢٦٩، ٢٧٠. الإرث، وعند تعدد الورثة تكون النفقة بحسب الأنصباء في الميراث. فلو اجتمع لشخص يحتاج إلى النفقة بنت وجدة لأم وأخت شقيقة، فالنفقة واجبة عليهم جميعاً، فيجب على البنت نصف النفقة، وعلى الجدة لأم السدس، وعلى الأخت الشقيقة الثلث، لأنها ترث الباقي مع البنت، وهذا على حسب أنصبائهم في الميراث خلافاً للحنفية والشافعية الذين يوجبونها على البنت فقط اعتباراً بالقرب(١). النفقة عند إعسار بعض الأقارب: ٦٦ - اختلف الفقهاء في حد اليسار والإعسار بالنفقة على الأقارب إلى رأيين: أ - يرى الجمهور: (المالكية والشافعية والحنابلة) أن حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب مقدر بما يفضل عن قوته وقوت زوجته في يومه وليلته. فمن اكتسب شيئاً في يومه، وأنفق منه على نفسه وزوجته وفضل عنده شيء، وجب عليه أن يدفعه للقريب المحتاج (٢). (١) الكافي لابن قدامة ٣٧٦/٣، ومغني المحتاج ٤٥٠/٣ - ٤٥١، ورد المحتار ٦٧٩/٢. (٢) رد المحتار ٦٧٦/٢ ط بولاق، والدسوقي على الشرح الكبير ٥٢٢/٢، وروضة الطالبين ٨٣/٩، والكافي لابن قدامة ٣٧٥/٣، والمغني والشرح الكبير ٢٥٩/٩، ٢٧٠. ٨٩ ٠ نفقة ٦٦ - ٦٧ ب - ويرى الحنفية ما عدا محمداً أن حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب هو يسار الفطرة: وهو أن يملك الشخص ما يحرم عليه به أخذ الزكاة، وهو نصاب - ولو غير نام - فاضلٌ عن حوائجه الأصلية. فمن وجب عليه الزكاة لملكه النصاب وجب عليه الإنفاق على قريبه بشرط أن يكون المال فاضلاً عن نفقته ونفقة عياله، وهذا هو الأرجح والمفتی به عندهم. ويرى محمد بن الحسن في قوله له: أن حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب مقدر بما يفضل عن نفقة نفسه وعياله شهراً إن كان من أهل الغلة، على تخريج الزيلعي. وإن كان من أهل الحرف فهو مقدر بما يفضل عن نفقته ونفقة عياله كل يوم، لأن المعتبر في حقوق العباد القدرة دون النصاب، وهو مستغن عما زاد على ذلك، فيصرفها إلى أقاربه وهذا أوجه(١) . ٦٧ - ولا خلاف بين الفقهاء بأن أحق الناس بنفقة الولد أبوه بالشروط التي تقدم ذكرها(٢). (١) حاشية رد المحتار ٦٧٦/٢ ط بولاق، وبدائع الصنائع ٤٤٧/٣. (٢) حاشية ابن عابدين ٦٧٦/٢ ط بولاق، وحاشية الدسوقي ٥٢٢/٢، وروضة الطالبين ٨٣/٩، والكافي ٣٧٥/٣، وأسنى المطالب ٤٤٣/٣. وإنما الخلاف بينهم فيمن تجب عليه النفقة بعد الأب إذا أعسر بالنفقة على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنها تجب على من بعده من الورثة وتوزع عليهم بحسب الميراث مع مراعاة القرب والجزئية عند الحنفية، ومراعاة الإرث عند الحنابلة. ومثلوا له بأن لو كان له أب معسر وجد وأم: كانت النفقة: على الجد الثلثان، وعلى الأم الثلث، لأن نصيبهما كذلك، وإليه ذهب الحنابلة، وهو ظاهر المذهب عند الحنفية(١). يقول ابن الهمام: إذا لم يف كسب الأب بحاجة أولاده، أو لم يكتسب لعدم تيسر الكسب أنفق عليهم القريب ورجع على الأب إذا أيسر، وفي جوامع الفقه: إذا لم يكن للأب مال والجد أو الأم أو الخال أو العم موسر يجبر على نفقة الصغير، ويرجع بها على الأب إذا أيسر، وكذا يجبر الأبعد إذا غاب الأقرب، ثم يرجع علیه، وإن كان له جد وأم موسران فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما في ظاهر المذهب(٢)، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها على الجد وحده لجعله کالأب. (١) فتح القدير ٤١١/٤، والكافي ٣٧٧/٣، والمغني والشرح الكبير ٢٧٠/٩. (٢) فتح القدير ٤١١/٤. ٩٠ نفقة ٦٧ - ٦٨ وفي قول عند الحنفية: إن أعسر الأب تحملتها الأم وترجع بها على الأب إذا أيسر(١). واستدل أصحاب هذا القول، بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوَّلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِلْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾(٢). موجهين استدلالهم بأنه لما كان على الأب رزقهن و کسوتهن بالمعروف کان ذلك على الأم والجد لأنهما وارثان، فيجب اشتراكهما في تحمل نفقات من أعسر أبوه بنفقته على قدر اشتراكهما في ميراثه(٣) . القول الثاني: لا تجب نفقة الولد على الأم ولا على الجد إن أعسر الأب بالنفقة، وإليه ذهب المالكية (٤). القول الثالث: إنها تجب على الجد أبي الأب ثم على آبائه وإن علوا، ثم تنتقل بعدهم إلى الأم، وإلى هذا ذهب الشافعية(٥) . مستدلين على ذلك بأن الجد يطلق عليه اسم الأب، فيطلق عليه حكمه، قال تعالى: (١) حاشية رد المحتار ٦٧٢/٢ ط بولاق. (٢) سورة البقرة /٢٣٣. (٣) بدائع الصنائع ٤٤٢/٣. (٤) مواهب الجليل ٢١٠/٤، ٢١١. (٥) الحاوي الكبير للماوردي ٧٨/١٥. ﴿يَبَنِىَّ ءَدَمَ﴾(١) فسمانا أبناء، وسمى آدم أباً وهو ليس مباشراً. ولأن الجد يقوم مقام الأب في الولاية، ويختص دون الأم بالتعصيب فوجب أن يقوم مقامه في التزام النفقة. ولأن الله سبحانه وتعالى سمى إبراهيم عليه السلام أباً وإن كان جداً بعيداً، قال تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَهِيرٌ﴾(٢). ولقول الله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾(٣). فلما أوجب على الأم ما عجز عنه الأب من الرضاع، وجب عليها ما عجز عنه من النفقة . ولأن البعضية فيها متحققة، وفي الأب مظنونة، فلما تحملت بالمظنونة كان تحملها بالمستيقنة أولى. ولأن الولد لما تحمل نفقة أبويه، وجب أن يتحمل أبواه نفقته (٤). دَیْن نفقة الأقارب: ٦٨ - اتفق الفقهاء على أن نفقة الأقارب تسقط بمضي الزمن، إلا إذا اعتبر ديناً في (١) سورة الأعراف /٢٦. (٢) سورة الحج /٧٨. (٣) سورة البقرة / ٢٣٣. (٤) الحاوي الكبير ٧٨/١٥ - ٨٠. ٩١ نفقة ٦٨ الأحوال المنصوص عليها، لأنها وجبت سدّاً للخلة وكفاية للحاجة، وقد حصل ذلك في الماضي بدونها، بخلاف نفقة الزوجة فسبب وجوبها الاحتباس وتجب مع اليسار، فلا تسقط بسد الخلة فيما مضى (١). واختلفوا في صيرورتها ديناً على المنفق على أربعة أقوال: القول الأول: للحنفية. وهو أن نفقة الأقارب لا تصير ديناً إلا إذا أذن القاضي لمن وجبت له النفقة أن يستدين، واستدان بالفعل، أو أمر المنفق الغائب من وجبت له النفقة بالاستدانة . لأن إذن القاضي كأمر الغائب، فإنها تصبح ديناً على المنفق، فلا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء، فإن لم يستدن بالفعل لا تصير ديناً، ولا يحق له الرجوع على المنفق فيما (٢) مضى(٢). وكذا إذا فرضها القاضي ومضت مدة تقدر بشهر فأكثر سقطت ولا تصير ديناً، لأن نفقة الأقارب تجب للحاجة، فلا تجب مع اليسار، وقد حصلت الكفاية بمضي المدة. هذا بخلاف ما إذا فرضها القاضي ولم (١) رد المحتار ٦٨٥/٢، ومواهب الجليل ٢١١/٤، ٢١٢، ومغني المحتاج ٤٤٩/٣، والكافي ٣٨٠/٣. (٢) الهداية مع فتح القدير ٢٢٩/٤، وحاشية ابن عابدين ٦٨٥/٢. يمض عليها سوى مدة قصيرة، وهي ما دون الشهر، فلا تسقط وتصير ديناً في الذمة. وكذا إذا قضى القاضي بالنفقة للصغير ومضت مدة، أو إذا أمر الأم بالاقتراض على الولد، والحال أن الأب غائب وتركهم بلا نفقة، فلا تسقط النفقة في هذه الأحوال كلها وتصير ديناً في الذمة (١). القول الثاني: لا تصير ديناً إلا في حالتين: الأولى: إذا فرضها الحاكم على الولد أو الوالدين في المدة الماضية. والثانية: إذا قام بالإنفاق على الولد أو الوالدين شخص لم يقصد من الإنفاق التبرع، فله الرجوع على من وجبت عليه النفقة، ولا تسقط وتصير ديناً عليه في ذمته، وبهذا قال المالكية، وقال ابن عرفة: يقضي للمنفق غير المتبرع إذا كان ذلك بعد الحكم بها (٢). القول الثالث: لا تصير النفقة ديناً في الذمة إلا إذا فرضها القاضي على من وجبت عليه لكونه غائباً أو ممتنعاً عنها بعد توفر شروطها. أو إذا أذن القاضي لمن وجبت له النفقة بالاقتراض لغيبة أو امتناع واقترض بالفعل. (١) بدائع الصنائع ٤٥١/٣، وفتح القدير ٢٢٩/٤، وحاشية ابن عابدين ٦٨٥/٢. (٢) مواهب الجليل والتاج والإكليل ٢١١/٤ وما بعدها . ٩٢ نفقة ٦٨ - ٦٩ أو إذا اقترضها المحتاج على من وجبت عليه وأشهد على ذلك، لعدم وجود قاض أو لعدم إذنه وحصل الاقتراض بالفعل، وبهذا قال الشافعية(١). القول الرابع: وذهب الحنابلة إلى أن من ترك الإنفاق الواجب مدة لم يلزمه عوضه، أطلقه الأكثر - من الحنابلة - وجزم به في الفصول، وقال المرداوي: هذا الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. وذكر جماعة: إلا إن فرضها حاكم لأنها تأكدت بفرضه كنفقة الزوجة، أو استدان بإذنه، قال في المحرر: وأما نفقة أقاربه فلا تلزمه لما مضى وإن فرضت إلا أن يستدين عليه بإذن الحاكم(٢). وصرح جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة - بأن من نفى حمل زوجته ثم استلحقه وجبت عليه نفقته فيما مضى قبل الاستلحاق منذ الحمل به، وترجع الزوجة عليه بما أنفقته وإن لم يكن ما أنفقته صار ديناً بإذن القاضي، نظراً لتعدي الأب بنفيه، ولأنها إنما أنفقت عليه لظنها أنه لا أب له(٣). (١) روضة الطالبين ٨٥/٩، ومغني المحتاج ٤٤٩/٣. (٢) كشاف القناع ٤٨٤/٥، والإنصاف ٤٠٣/٩. (٣) شرح الزرقاني على خليل ٢٥٣/٤، ومغني المحتاج ٤٤١/٣، وكشاف القناع ٤٠٥/٥. فرض النفقة للقريب على الغائب: ٦٩ - اختلف الفقهاء في كيفية إيجاب النفقة على الغائب لمن وجبت له من الأقارب على قولین: القول الأول: عدم وجوب النفقة على الغائب إلا بحكم الحاكم، وبه قال الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة - فلو كان الأب غائباً، والنفقة واجبة عليه لابنه، والجد حاضر، فالنفقة على الجد بأمر القاضي، ليرجع على الأب بما أنفق ما لم يكن متبرعاً. غير أن المالكية لا يوجبون النفقة على الجد لحصرهم نفقة الأقارب في الولد والوالدين المباشرين(١). القول الثاني: للحنفية وفرقوا بين مستحقيها، فقالوا بوجوبها على الغائب بدون حكم الحاكم في حق الزوجة والوالدين والولد الصغير ومن في حكمهم، لأن نفقة هؤلاء واجبة قبل القضاء، فكان قضاء القاضي إعانة على حصول النفقة الواجبة لهم. (١) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢١١/٤، ومواهب الجليل ٢١٢/٤، وروضة الطالبين ٨٧/٩، ومغني المحتاج ٥٧٢/٣، والمغني والشرح الكبير ٢٧١/٩. ٩٣ .. نفقة ٦٩ - ٧٢ وعدم وجوبها لغير هؤلاء من كل ذي رحم محرم، إلا بحكم الحاكم(١). ثالثاً: الملك: فرق الفقهاء بين كون المملوك إنساناً أو حيواناً أو غيرهما. نفقة الرقيق : ٧٠ - ذهب الفقهاء إلى وجوب نفقة الأرقاء و کسوتهم بقدر کفایتهم من غالب قوت البلد وكسوتهم مما جرى العرف به لأمثالهم مع مراعاة حال السيد في ذلك، والتفصيل في مصطلح: (رق ف ٢٤ وما بعدها). نفقة الحيوان : ٧١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن نفقة الحيوان على مالكه، وهو مقدر بالكفاية، وقيد الشافعية ذلك بأن يكون الحيوان محترماً . واستدل الفقهاء بما ورد في الحديث: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)) (٢). (١) حاشية ابن عابدين ٦٦٥/٢ ط بولاق. (٢) حديث: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٥٦/٦ ط السلفية) ومسلم (٢٠٢٢/٤ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري. ويرى الشافعية والحنابلة أن المراد بالكفاية في نفقة الحيوان وصوله إلى أول الشبع والري دون غايتهما(١). امتناع مالك الحیوان من الإنفاق علیه: ٧٢ - اختلف الفقهاء في إجبار مالك الحيوان على الإنفاق عليه عند امتناعه عن الإنفاق عليه . فذهب الحنفية في ظاهر الرواية إلى أنه لا يجبره القاضي على الإنفاق على الحيوانات، لأن في الإجبار نوع قضاء، والقضاء يعتمد المقضي له ويعتمد أهلية الاستحقاق في المقضي له، لكنه يؤمر به ديانة فيما بينه وبين الله تعالى، ويكون آئماً ومعاقباً بحبسها عن البيع مع عدم الإنفاق. وعن أبي يوسف أنه يجبر في الحيوان(٢). وقال المالكية: يجب على المالك نفقة رقيقه ودوابه من بقر وإبل وغنم وحمير وغيرها إن لم يكن هناك مرعى، فإن أبى أو عجز عن الإنفاق أخرج عن ملكه ببيع أو صدقة أو هبة(٣). (١) تبيين الحقائق ٦٦/٣، ومواهب الجليل ٢٠٧/٤، ومغني المحتاج ٤٦٢/٣، وكشاف القناع ٤٩٣/٥، والإنصاف ٤١٤/٩. (٢) فتح القدير ٢٣٠/٤ - ٢٣١. (٣) الشرح الصغير للدردير ٧٤٩/٢ - ٧٥٠. ٩٤ نفقة ٧٢ - ٧٣ وفرق الشافعية بين كون الحيوان مأكول اللحم أو غير مأكوله. فقرروا أن مالك الحيوان مأكول اللحم إذا امتنع من الإنفاق عليه لزمه أحد أمور ثلاثة: بيعه أو علفه والإنفاق عليه، أو ذبحه، دفعاً للضرر عنه وإبقاء لملكه وعدم إضاعة ماله. وأما مالك غير مأكول اللحم فيلزمه بيعه أو الإنفاق علیه، ولا يجوز له ذبحه، لأنه غير مأکول اللحم یحرم ذبحه. فإن أبى ذلك تصرف الحاكم فيما يراه مصلحة حسب ما يقتضيه الحال نيابة عنه من إجارة الدابة أو بيعها، فإن لم يمكن ذلك وجبت نفقتها في بیت المال، فإن لم يوجد في بيت مال المسلمين من الأموال ما ينفق الحاكم منها عليها، وجب على جماعة المسلمين كفايتها، وقال الأذرعي من الشافعية: ويشبه ألا يباع ما أمكن إجارته وحكى ذلك عن مقتضى كلام الشافعي وجمهور الشافعية(١). وقال الحنابلة: إن امتنع مالك البهيمة من الإنفاق عليها أجبر على ذلك، لأنه واجب عليه كما يجبر على سائر الواجبات، فإن أبى (١) المهذب ١٦٩/٢، وروضة الطالبين ١٢٠/٩، ومغني المحتاج ٤٦٢/٣ - ٤٦٣، ونهاية المحتاج ٢٤١/٧، ٢٤٢. الإنفاق عليها أو عجز عنه أجبر على بيع أو إجارة أو ذبح مأكول، لأن بقاءها في يده بترك الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته، فإن أبى فعل الحاكم الأصح من هذه الأمور الثلاثة أو اقترض عليه وأنفق عليها، كما لو امتنع من أداء الدين، ويجب على مقتني الكلب المباح وهو كلب صيد وماشية وزرع أن يطعمه ويسقيه أو يرسله، لأن عدم ذلك تعذيب له، ولا يحل حبس شيء من البهائم لتهلك جوعاً أو عطشاً(١). نفقة العارية : ٧٣ - اختلف الفقهاء فيما تلزمه نفقة العين المعارة زمن الانتفاع بها على أربعة أقوال: القول الأول: إن نفقة العين المعارة على مالكها، وإليه ذهب المالكية في الراجح عندهم، وهو قول أكثر الشافعية والحنابلة(٢). واستدلوا في ذلك إلى: أنها لو كانت على المستعير لکان کراء، وربما كان علفها أكثر من الكراء، فتخرج العارية إلى الكراء. (١) كشاف القناع ٥٩٤/٥ _ ٥٩٥. (٢) حاشية العدوي وشرح الخرشي ١٢٥/٦، ١٢٩، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢٧٣/٥، ومغني المحتاج ٢٦٧/٢، وأسنى المطالب ٣٢٩/٢، ومعونة أولي النهى ٢٣٥/٥. ٩٥ نفقة ٧٣ - ٧٤ ولأن الإنفاق على العارية من حقوق الملك فكانت على مالكها(١). ولقياسها على العين المستأجرة، فإن النفقة لإبقائها وصيانتها على مالكها(٢). القول الثاني: إنها على المستعير: وإليه ذهب الحنفية، وبه قال بعض المالكية، وهو قول القاضي حسین من الشافعية، ووجه عند الحنابلة(٣). القول الثالث: إن المستعير مخير بين الإنفاق عليها وبين تركها: فلا يجبر على الإنفاق لأنه لا لزوم في العارية، ولكن يقال له: أنت أحق بالمنافع فإن شئت فأنفق ليحصل لك ملك المنفعة، وإن شئت فخل يدك عنها، أما أنه يجبر على الإنفاق عليها فلا . وبه قال بعض الحنفية (٤). القول الرابع: قال بعض المفتين من (١) مغني المحتاج ٢٦٧/٢، وأسنى المطالب ٣٢٩/٢. (٢) معونة أولي النهى ٢٣٥/٥. (٣) الفتاوى الهندية ٣٧٢/٤، وشرح الخرشي ١٢٩/٦، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢٧٣/٥، ومغني المحتاج ٢٦٧/٢، ومعونة أولي النھی ٢٣٥/٥. (٤) الفتاوى الهندية ٣٧٢/٤، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٨٨/٥. المالكية: إن النفقة في الليلة والليلتين على المستعير، وقيل أيضاً في الليلة والليلتين على ربها، وأما في المدة الطويلة والسفر البعيد فعلى المستعير كنفقة العبد المحترم، وكأنه أقيس(١). نفقة اللقطة : ٧٤ - اختلف الفقهاء في حكم الإنفاق على اللقطة، وفيما يلزمه الإنفاق عليها، وهل يشترط فيه أمر القاضي أم لا؟ على أربعة أقوال : القول الأول: إن أنفق الملتقط بأمر القاضي فإنه يكون ديناً على صاحبها، وبه قال الحنفية(٢). وذلك لأن للقاضي ولاية في مال الغائب نظراً له إذ هو نصب ناظراً فصار أمره كأمر المالك(٣) . وإن أنفق بغير إذنه فإنه يكون متطوعاً، فينبغي أن يرفع الأمر إلى القاضي فينظر ما یأمر به. فإن كانت مما يحتمل الانتفاع بها بالإجارة (١) حاشية العدوي على شرح الخرشي ١٢٩/٦، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢٧٣/٥. (٢) البدائع ٢٠٣/٦. (٣) تبيين الحقائق ٣٠٥/٣. ٩٦ نفقة ٧٤ أمره بأن يؤاجرها وينفق عليها من أجرتها نظراً للمالك، وإن كانت مما لا يحتمل الانتفاع بها بطريق الإجارة، وخشي أنه لو أنفق عليها أن تستغرق النفقة قيمتها أمره ببيعها وحفظ ثمنها مقامها . . وإن رأى أن الأصلح أن لا يبيعها بل ينفق عليها، أمره بأن ينفق عليها شريطة أن لا تزيد نفقتها على قيمتها، ويكون ذلك ديناً على صاحبها حتى إذا حضر أخذ منه النفقة (١). القول الثاني: إن أنفق ملتقط اللقطة عليها، خير ربها إذا جاء بين أن يفتكها بما أنفق عليها ملتقطها، أو أن يسلمها لملتقطها في نظير ما أنفق عليها، وسواء أكان الإنفاق بإذن السلطان أم بغير إذنه، وإليه ذهب المالكية (٢). القول الثالث: إذا أمسك الملتقط اللقطة وتبرع بالإنفاق عليها فذاك، وإن أراد الرجوع بما أنفق على صاحبها أنفق بإذن الحاكم، فإن لم يجد حاكماً أشهد، وإليه ذهب الشافعية(٣). وقالوا: إذا أراد البيع، فإن لم يجد حاكماً، استقل به، وإن وجده فالأصح أنه يجب استئذانه، وهل يجوز بيع جزء منها (١) البدائع ٢٠٣/٦، وتبيين الحقائق ٣٠٥/٣. (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١٢٣/٤، والمدونة ٣٦٧/٤. (٣) روضة الطالبين ٤٠٤/٥. لنفقة باقيها؟ قال الإمام: نعم كما تباع جميعها، وحكى احتمالاً أنه لا يجوز، لأنه يؤدي إلى أن تأكل نفسها وبهذا قطع أبو الفرج الزاز، قال: ولا يستقرض على المال أيضاً، لهذا المعنى(١). القول الرابع: للحنابلة، وهم يفرقون بين ما يبقى عاماً أو أكثر، وما لا يبقى عاماً(٢). فإن التقط ما يبقى عاماً، فالملتقط بالخيار بين ثلاثة أمور: أ - أن يأكل اللقطة في الحال إذا خيف عليها الهلاك، ويغرم قيمتها لصاحبها، لقول النبي ◌ّ في ضالة الغنم: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب))(٣). فقد جعلها رسول الله وّر له في الحال وسوى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأذن في أكلها. ولأن في أكلها في الحال إغناء عن الإنفاق عليها وحراسة لماليتها ودفعاً لغرامة علفها فكان أكلها أولى. (١) روضة الطالبين ٤٠٤/٥. (٢) المغني والشرح الكبير ٣٦٤/٦ - ٣٦٧. (٣) حديث: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب ... )) .. أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٦/٥ ط السلفية) . ومسلم (١٣٤٨/٣ ط الحلبي) من حديث زيد بن خالد الجهني. ٩٧ نفقة ٧٤ - ٧٦ ب - أن يمسكها على صاحبها وينفق عليها من ماله ولا یمتلکها. فإن أخبر في هذه الحالة أنه ينفق عليها محتسباً النفقة على مالكها وأشهد على ذلك ففي الرجوع بالنفقة روايتان. الأولی: له أن يرجع، لأن عمر بن عبد العزيز قضى فيمن وجد ضالة فأنفق عليها وجاء ربها بأنه يغرم له ما أنفق، لأنه أنفق عليها لحفظها، فكان من مال صاحبها. الثانية: ليس له أن يرجع بشيء لأنه أنفق عليها من غير إذنه، فلا يستحق شيئاً، قياساً على من بنى دار غيره بغير إذن منه. ج - أن يبيعها ويحفظ ثمنها لصاحبها وأن یتولی ذلك بنفسه، لأنه إذا جاز له أکلها بغیر إذنه جاز له بيعها من باب أولى. وإن التقط ما لا يبقى عاماً: فإن کان لا یبقی بعلاج ولا غيره، کالبطيخ والفاكهة التي لا تجفف والخضروات فالملتقط مخير بين أكله وغرم قيمته لمالكه وبين بيعه وحفظ ثمنه، ولا يجوز له إبقاؤه خشية تلفه. فإن تركه حتى تلف، فهو من ضمانه، لأنه فرط في حفظه فلزمه ضمانه كالوديعة. وإن کان یمکن بقاؤه بالعلاج، کالعنب والرطب، فينظر ما فيه الحظ لصاحبه، فإن كان الحظ في علاجه بالتجفيف أو غيره عالجه وليس له سواه، وله أن یبیع بعضه إن احتاج إلى غرامة لتجفيفه وإبقائه، لأنه مال غيره، فلزمه ما فيه الحظ لصاحبه، كولي الیتیم. وإن کان الحظ في بیعه باعه وحفظ ثمنه، كالطعام والرطب، فإن تعذر بيعه ولم يمكن تجفيفه: تعين أكله، وكذا الحكم لو كان أكله أنفع لصاحبه، لأن الحظ فيه (١). نفقة الوديعة: ٧٥ - ذهب الفقهاء إلى أن نفقة الوديعة إنما تلزم المودع وهو ربها ولا تلزم المودع لدیه، لأنه متبرع بحفظها ولا تعود عليه فائدة منها (٢). وهذا في الجملة، والتفصيل في مصطلح (وديعة). نفقة المرهون: ٧٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن نفقة الرهن على الراهن. لأنها من حقوق الملك، وکل ما كان من حقوق الملك فهو على الراهن لا على (١) المغني والشرح الكبير ٣٦٤/٦ - ٣٦٧. (٢) رد المحتار ٥٠١/٤، وبداية المجتهد ٣٤٠/٢، وروضة الطالبين ٣٣٢/٦، والمغني ٢٩٢/٦. ٩٨ نفقة ٧٦ - ٧٩ المرتهن(١) لقول النبي وَ ل : ((لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه وعليه غرمه))(٢). ولأن الرقبة والمنفعة على ملك الراهن فكانت النفقة عليه. ووافقهم الحنفية فيما يحتاج إليه لمصلحة الرهن بنفسه وتبقيته، أما ما يحتاج إليه لحفظ المرهون فقال الحنفية: إنه على المرتهن، لأن حبس المرهون له(٣). وتفصيل ذلك في مصطلح (رهن ف ١٩، ٢٠). نفقات أخرى: أ - نفقة اللقيط : ٧٧ - اتفق الفقهاء على أن نفقة اللقيط تكون في ماله إن وجد معه مال أو كان مستحقاً في (١) تبيين الحقائق ٦٨/٦، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢٣/٥، والمهذب ٣١٤/١، والمغني ٤٣٨/٤. (٢) حديث: ((لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه .. )). أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣٩/٦ ط دائرة المعارف) وابن عبد البر في التمهيد (٤٣٠/٦ ط فضالة - المغرب) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل، وإن كان قد وصل من جهات كثيرة، فإنهم يعللونها . (٣) تبيين الحقائق ٦٨/٦. مال عام كالأموال الموقوفة على اللقطاء، فإن لم يكن ذلك فإن نفقته تكون في بيت المال ولا تلزم الملتقط في الجملة(١). وتفصيل ذلك في مصطلح (لقيط ف ١٥، ١٦). ب - نفقة اليتيم: ٧٨ - إن كان للیتیم مال فنفقته في ماله، فإن لم يكن مال وله قرابة يستحق بها النفقة فنفقته على قرابته كما سبق بيانه في نفقة الأقارب. وإن لم يكن له أقارب ولا مال فنفقته في بيت المال. انظر مصطلح (بيت المال ف ١٢، یتیم). ج - نفقة العاجز الذي لا عائل له: ٧٩ - لا خلاف بين الفقهاء في أن نفقة العاجز الذي لا عائل له ولا قدرة له على الكسب ولا يملك مالاً تجب في بيت المال، لأنه معد للصرف على ذوي الحاجات والمعدمين ومن هم في مثل حاله ممن لا قدرة لهم على كسب كفايتهم ولا عائل لهم تجب عليه نفقتهم . ولأنهم أجازوا دفع الزكاة إليه عند عدم قدرته علی التکسب أو عند عدم قدرته على (١) بدائع الصنائع ١٩٨/٦، وتبيين الحقائق ٢٩٧/٣، وبداية المجتهد ٣٣٨/٢، وروضة الطالبين ٤٢١/٥، والمغني ٣٧٩/٦. ٩٩ ٠٠٠ نفقة ٧٩، نَفْل ١ تحقيق كسب يكفيه، واعتبروا القدرة بغير كسب تكفي لحاجته كعدمها، لأنها حينئذ لا تکسو من عري ولا تشبع من جوع. ولأنه بحاله هذا يعد فقيراً، والفقير تجب كفايته من بيت المال، وهذه الكفاية تشمل سائر ما يحتاجه من مطعم وملبس ومسكن وأجرة خادم ونفقته إن كان في حاجة إلى خادم بأن كان مسناً أو زمناً لا يستطيع القيام بخدمة نفسه، وليس له من يقوم على رعايته وخدمته. ولأن ميراثه يؤول إلى بيت المال عند عدم وجود وارث له، فتجب نفقته فيه عملاً بالقاعدة التي تقول: الخراج بالضمان، ولأن نصوص الشريعة تقضي بتأثيم من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم، ولأن تركه بغير تقدیر نفقة له في بيت المال تعد سلباً لحقه الذي هو له فيه، لقول عمر رضي الله عنه: ((ما من مسلم إلا وله فيه حق))(١). (١) بدائع الصنائع ٣٩/٤، ومغني المحتاج ١٠٦/٣ - ١٠٧. نَفْل التعريف: ١ - من معاني النَفْل ـ بسكون الفاء وقد تحرك - في اللغة: الزيادة، والنفل والنافلة: ما يفعله الإنسان مما لا يجب عليه (١). قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَِّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾(٢). وأما في الاصطلاح: فقد عرفه إبراهيم الحلبي الحنفي بأنه: العبادة التي ليست بفرض ولا واجب، فهي العبادة الزائدة على ما هو لازم، فتعم السنن المؤكدة والمستحبة والتطوعات غير المؤقتة(٣). وقال الدسوقي: النفل ما فعله النبي وَل ولم يداوم عليه، أي يتركه في بعض الأحيان ويفعله في بعض الأحيان(٤). (١) لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، والمغرب. (٢) سورة الإسراء /٧٩. (٣) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص ٣٨٣. (٤) حاشية الدسوقي ٣١٢/١، والشرح الصغير ٤٠١/١ ط المعارف. ١٠٠