النص المفهرس
صفحات 21-40
نفاق ١٢ - ١٥ معلن، بل هو أمر يستسرّ به، فمن صلى خلفه ثم علم نفاقه، ففي وجوب إعادة الصلاة قولان : أحدهما: يعيد مطلقاً ولو طالت إمامته بالناس. والثاني: لا يعيد في حال الطول، للمشقة(١). ب - صلاة الجنازة على المنافقين: ١٣ - كان النبي وُّلو يصلي على المنافقين ويستغفر لهم، حتى نزل قول الله تعالى ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾(٢). فلم يكن يصلي علیهم بعد ذلك ولا يستغفر لهم. وكان من مات منهم صلّى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق، ومن علم أنه منافق لم يصلّ عليه. وكان عمر رضي الله عنه إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلي عليه حذيفة(٣) - لأن حذيفة كان قد علم أعيان المنافقين (٤). (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٢٥/١. (٢) سورة التوبة / ٨٠. (٣) أثر: أن عمر كان إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلي عليه حذيفة. أورده ابن عبد البر في الاستذكار (٣٩٤/١ - ط دار الكتب العلمية) ولم يعزه إلى أي مصدر. (٤) الإيمان لابن تيمية ص ١٨٦، وسيرة ابن هشام ٥٥٢/٢ القاهرة، مصطفى الحلبي ١٣٧٥هـ، ومنهاج السنة النبوية ٢٣٥/٥ - ٢٣٧. فالمنافقون الذین لم يُظهروا نفاقهم يصلى عليهم إذا ماتوا، ويُدفنون في مقابر المسلمين، من عهد النبي ◌َّهِ، والمقبرة التي كانت للمسلمين في حياة النبي ◌َّ وحياة خلفائه يُدفن فيها كل من أظهر الإيمان. ج - الجهاد: ١٤ - كان المنافقون يخرجون مع النبي وقَ﴾ في المغازي، کما خرج عبد الله بن أبيٍّ مع المسلمين في غزوة بني المصطلق(١)، وخرج بعضهم مع النبي ◌َّر في غزوة تبوك، وتخلف الكثير منهم في المدينة. وأراد بعضهم قتله ◌َّڼ في غزوة تبوك، فعصمه الله منهم، وأخبر حذيفة بأسماء أصحاب تلك المحاولة منهم، وكانوا اثني عشر رجلاً(٢)، ومع ذلك ففي الظاهر تجرى عليهم أحكام أهل الإسلام(٣). د - الحذر من دخول أهل النفاق في شؤون السياسة والحرب والإدارة: ١٥ - يجب أخذ الحذر من دخول أهل النفاق في شؤون الحرب والسياسة والحكم، لأنهم (١) حديث: خروج عبد الله بن أبي مع المسلمين في غزوة بني المصطلق. أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٣٢/٧ ط السلفية) ومسلم (٢١٣٠/٤ ط الحلبي). (٢) حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ: ((وفي أصحابي اثنا عشر منافقاً)). أخرجه مسلم (٢١٤٣/٤ ط الحلبي). (٣) الإيمان ص ١٨٥. ٢١ نفاق ١٥ - ١٦ يبغون للإسلام والمسلمين المهالك، قال الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبِرُ قَدْ بَيِّنَّا لَكُمْ اْأَيَتِّ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ (٨َ هَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ مُحِبُونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِلْكِنَبِ كُلِهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالْوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيّظَّ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ اُلُّدُورِ (3﴾﴾. والبطانة: مَنْ يستبطن أمور المسلمين ويطلع على دخائل أمورهم(١). ويذكر الفقهاء أن على الإمام إذا سار بالمسلمين للجهاد أن يمنع خروج المخذّلين عن الجهاد، والمرجفين الذين يحدّثون بقوة الكفار وضعفنا، ومن يكاتب بأخبارنا، ومن هو معروف بنفاق أو زندقة(٢). وأما الإدارة فإن الأمانة والعدالة مشترطة في كل ولاية، وليس المنافق من أهلها(٣). هـ - الميراث: ١٦ - يذكر المالكية أن الزنديق إن مات قبل (١) سورة آل عمران /١١٨، ١١٩. (٢) تفسير ابن كثير عند الآية ١١٨ من سورة آل عمران . (٣) الفروع ٢٠٥/٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء الحنبلي ص ٤٥ بيروت، ط دار الكتب العلمية . (٤) الأحكام السلطانية ص ٨٤. الاطلاع علیه، ثم ثبتت زندقته بعد موته، أو تاب في الحياة وجاء تائباً قبل الاطلاع عليه ثم مات، أو قتل بعد الاطلاع عليه وبعد توبته لعدم قبولها منه، يكون ماله لورثته، أما إن اطلع عليه فلم يتب ولم ينكر ما شُهِد عليه به حتی قتل أو مات، فإن مالہ لا یکون لورثته، بل یکون لبيت مال المسلمين(١). وهكذا عند الحنابلة. حيث قالوا: الزنديق وهو الذي كان يسمّى منافقاً على عهد النبي وَلّ لا يرث أحداً من المسلمين ولا من الكفار ولا يورث(٢). (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٠٦/٤. (٢) كشاف القناع عن متن الإقناع ٤٧٨/٤. ٢٢ نَفْخ ١ - ٤ نَفْخ التعريف: ١ - من معاني النفخ في اللغة: إخراج الريح، يقال: نفخ بفمه نفخاً: أخرج منه الريح، ونفخ في البوق: بعث فيه الريح ليحدث صوتاً، ويقال: نفخ النار بالمنفاخ: هيجها وأذکاها بریحه. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(١). الألفاظ ذات الصلة : أ - النَّفَس: ٢ - من معاني النَّفَس في اللغة: الريح تدخل وتخرج من أنفي الحي وفمه حال التنفس. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٢). (١) لسان العرب، والمعجم الوسيط، والمفردات في غريب القرآن. (٢) المفردات في غريب القرآن، والمعجم الوسيط . والصلة أن النفس أعم من النفخ. ب - التجشؤ: ٣ - التجشؤ لغة: مصدر من تجشأ الإنسان تجشؤاً وهو: تنفس المعدة عند الامتلاء، والاسم جُشاء وزان غُراب: وهو صوتٍ مع ريح يحصل من الفم عند حصول الشبع(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . وهو أخص من النفخ. الأحكام المتعلقة بالنفخ: يتعلق بالنفخ أحكام منها: أ - النفخ في الإناء: ٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يكره النفخ في الطعام والشراب لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّلفي: ((أنه نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه))(٢)، ولما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ((أن النبي وَه نهى عن النفخ في الشرب، فقال رجل: (١) المصباح المنير، ولسان العرب. (٢) حديث: ((نهى النبي ﴿ أن يتنفس في الإناء)). أخرجه أبو داود (١١٤/٤ - ١١٥ ط حمص)، والترمذي (٣٠٤/٤ ط الحلبي)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٢٣ نَفْخ ٤ - ٥ القذاة أراها في الإناء؟ قال: أهرِقها. قال: فإني لا أروَى من نفس واحد، قال: ((فأبِنِ القدح إذَنْ عن فيك)»(١)، ولأن النهي عن النفخ لحمل أمته على مكارم الأخلاق، وأنه من باب النظافة . ويرى أبو يوسف من الحنفية: أنه لا يكره النفخ في الطعام إلا ماله صوت مثل أف وهو تفسیر النهي. وفي قول عند المالكية: إنه لا يكره النفخ في الطعام لمن كان وحده. وقال الآمدي من الحنابلة: إنه لا يكره النفخ في الطعام إذا كان حاراً، قال المرداوي: وهو الصواب إن كان ثَمّ حاجة إلى الأكل حينئذ(٢). ب - النفخ في الصلاة: ٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النفخ عمداً في الصلاة مبطل لها في الجملة، واختلفوا في بعض التفاصيل: (١) حديث: ((نهى عن النفخ في الشرب ... )). أخرجه الترمذي (٣٠٤/٤ ط الحلبي) وقال: حسن صحيح. (٢) حاشية ابن عابدين ٢١٦/٦، والفتاوى الهندية ٣٣٧/٥، والبزازية ٣٦٥/٦، والشرح الصغير ٧٥٤/٤، ٧٥٥، والمنتقى ٢٣٦٧٧، ومغني المحتاج ٢٥٠/٣، وإحياء علوم الدين ٥/٢، وکشاف القناع ١٧٤/٥، والإنصاف ٣٢٨/٨. فقال الحنفية: إن كان النفخ مسموعاً تبطل الصلاة به وإلا فلا تبطل به. والمسموع عند بعض مشايخ الحنفية هو ما له حروف مهجأة مثل: ((أف)) ((تف))، وغير المسموع بخلافه. وإليه مال الحلواني. ولم يشترط بعضهم للنفخ المسموع أن یکون له حروف مهجاة، وإليه مال جوهر زادة(١). وذهب المالكية إلى أن النفخ من الفم مبطل للصلاة إن كان عامداً، سواء كان عالماً أم جاهلاً، وسواء أَظَهَرَ منه حرف أم لم يظهر، أما إذا كان ساهياً سجد للسهو. أما النفخ من الأنف فلا تبطل به إذا نفخ عند الامتخاط عندهم(٢). وقال الشافعية في الأصح: إنه مبطل للصلاة إن فعله عامداً عالماً بالتحريم وظهر فیه حرفان، فإن كان جاهلاً بالتحريم بأن كان قريب عهد في الإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء أو لم يظهر منه حرفان فلا تبطل الصلاة به . ومقابل الأصح: لا تبطل بالنفخ مطلقاً، ظھر منه حرفان أم لم يظهر، جاهلاً كان (١) ابن عابدين ٤١٣/١ ط الأميرية. (٢) حاشية البناني على شرح الزرقاني ٢٣٨/١، وشرح الزرقاني ٢٤٧/١ - ٢٥١. ٢٤ . تَفْخ ٥ -٨ النافخ أم عالماً، لأنه لا يسمى كلاماً في اللغة، والنص ورد في الكلام، وهو قوله وَالآتى: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس))(١)، ولأنه لا يبين من النفخ حرف محقق فأشبه الصوت الغفل(٢). وقال الحنابلة: يكره النفخ في الصلاة إذا لم یظهر فيه حرفان، فإن ظهر فيه حرفان بطلت الصلاة (٣). ج - نفخ الروح: ٦ - ذهب الفقهاء إلى أن الجنين منذ نفخ الروح فيه يعتبر إنساناً يحفظ له حقه في الإرث إن توفى مورثه، وتجب الغرة بالجناية عليه إن لم يستهل صارخاً بعد نزوله، ويحرم إجهاض أمه لأنه يكون جناية عليه إلى غير ذلك من الأحكام، وهذا في الجملة. والتفصيل في (ذمة ف ٦، وغرة ف ٦، وإجهاض ف ٣ وما بعدها، وإرث ف ١٠٩). د - النفخ في الصور: ٧ - ذهب العلماء إلى أن النفخ في الصور مما (١) حديث: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». أخرجه مسلم (٣٨١/١ - ٣٨٢ ط الحلبي) من حديث معاوية بن الحكم. (٢) مغني المحتاج ١٩٥/١، وتحفة المحتاج ١٤٠/٢، والمجموع ٨٩/٤. (٣) كشاف القناع ٤٠١/١، والإنصاف ١٣٨/٢. يجب الإيمان به لوروده في القرآن الكريم(١) في قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ اُلُّورِ فَفَرِعَ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾(٢)، وقوله جل جلاله ﴿وَنُفِيخَ فِ الضُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ الَّهُ﴾(٣). وقوله عز وجل ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾(٤). والتفصيل في علم العقيدة. هـ ـ النفخ في آلات اللهو: ٨ - اختلف الفقهاء في حكم النفخ في آلات اللهو فأجازها بعضهم في أحوال خاصة ومنعها آخرون. والتفصيل في مصطلح (معازف ف ١١). (١) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية ١٦١/٢. (٢) سورة النمل /٨٧. (٣) سورة الزمر /٦٨. (٤) سورة يس / ٥١. ٢٥ نَفْر ١ - ٤ نَفْر التعريف : ١ - النفر في اللغة مصدر نفر ويأتي بمعان، يقال: نفر نفراً: هجر وطنه وضرب في الأرض، ويقال: نفر الحاج من منى: دفعوا إلى مكة، ونفر الناس إلى العدو: أسرعوا في الخروج لقتاله. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(١). الأحكام المتعلقة بالنفر: نفر الحاج: ٢ - للحاج نفران ينفر في أيهما شاء، لقوله تعالى ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِىْ أَيَاءٍ تَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٌ لِمَنِ أَثَّقَنَّ﴾(٢) . النفر الأول : ٣ - وهو في اليوم الثاني من أيام التشريق (١) المعجم الوسيط، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن. (٢) سورة البقرة /٢٠٣. ثالث أيام النحر، أي الثاني عشر من ذي الحجة، ويسمى يوم النفر الأول. وذلك إذا رمى الحاج الجمار الثلاث في اليوم الثاني من أيام التشريق، جاز له أن ينفر أي يرحل إلى مكة، ويسقط عنه رمي اليوم الثالث من أيام التشريق، والمبيت بمنى ليلته. ويشترط لذلك أن يجاوز الحاج منى قبل غروب الشمس، عند المالكية والشافعية والحنابلة . وقال الحنفية: يشترط أن يجاوز حدود منى قبل فجر اليوم الثالث من أيام التشريق. فإن لم يخرج الحاج من منى إلى ذلك الوقت المبين لكل مذهب فليمكث وليبت بمنى، وقد وجب عليه رمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث من أيام التشريق، ووجب عليه المبيت بمنى هذه الليلة، عند القائلين بوجوب المبيت بمنى (١). (انظر مصطلح: رمي ف ٣ وما بعدها). النفر الثاني: ٤ - وهو في اليوم الثالث من أيام التشريق، (١) القاموس المحيط للفيروز آبادي، ومختار الصحاح للرازي، والمصباح المنير وشرح الرسالة ٤٨٢/١، ومغني المحتاج ٥٠٦/١، والمغني ٤٥٤/٣، والمسلك المتقسط ((شرح اللباب)) ص ١٦٣. ٢٦ نَفْر ٤ - ٥ بعد رمي الجمار الثلاث، ويسمى ((يوم النفر الثاني)) (ر: مصطلح: رمي ف ٣ وما بعدها وحج ف ٤٦). وبعد هذا الرمي تنتهي مناسك منى، ويرحل الحجاج جميعهم إلى مكة، ولا يشرع المکث بمنی بعد رمي هذا اليوم. ويستحب في النفر إلى مكة ما يستحب من الأذكار للمسافرين من التكبير، والتهليل، والتمجيد، والصلاة على النبي وَّن والدعاء(١). وإذا وصل ((المحصَّب)) يستحب أن ينزل فيه ويصلي، ر: مصطلح (حج ف ١٠٧). النفر لطلب العلم والجهاد: ٥ - ورد النفر في القرآن الكريم في الحث على طلب العلم والجهاد في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَانَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ اُلِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾(٢)، وقوله تعالى ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(٣) . قال القرطبي: هذه الآية (يعني الآية (١) المراجع السابقة. (٢) سورة التوبة /١٢٢. (٣) سورة التوبة /٤١. الأولى) أصل في وجوب طلب العلم، وقول مجاهد وقتادة يقتضي ندب طلب العلم والحث عليه، دون الوجوب والإلزام وإنما لزم طلب العلم بأدلته (١). ر: مصطلح: (طلب العلم ف ٦ وجهاد ف ٧). 3 (١) تفسير القرطبي ٢٩٣/٨ - ٢٩٥. ٢٧ نَفْس ١ - ٢ نَفْس التعريف : ١ - من معاني النفس في اللغة: الروح، يقال: خرجت نفسه أي روحه، والدم، يقال: ما لا نفس له سائلة أي لا دم، وذات الشيء وعينه، يقال: جاء هو نفسه أو بنفسه، والعين، يقال: نفسته بنفس أي أصبته بعين. والنَّفَس بفتحتين: نسيم الهواء والجمع أنفاس، والنَّفَس الريح الداخل والخارج في البدن من الفم والأنف(١). وقال الجرجاني: النفس من الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية، وسماها الحكيم: الروح الحيوانية فهو جوهر مشرق للبدن، فعند الموت ینقطع ضوؤه عن ظاهر البدن وباطنه، وأما في وقت النوم فينقطع عن ظاهر البدن دون باطنه فثبت أن النوم والموت من جنس واحد، لأن الموت هو الانقطاع الكلي، (١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والقاموس المحيط، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني. والنوم هو الانقطاع الناقص، فثبت أن القادر الحكيم دبر تعلق جواهر النفس بالبدن على ثلاثة أضرب. الأول: إن بلغ ضوء النفس إلى جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه فهو اليقظة. الثاني: إن انقطع ضوؤها عن ظاهره دون باطنه فهو النوم. الثالث: إن انقطع ضوء النفس عن ظاهر البدن وباطنه بالكلية فهو الموت(١). ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن معانيه اللغوية . الأحكام المتعلقة بالنفس: تتعلق بالنفس أحكام منها: أ - النفس بمعنى الدم: ٢ - الأحكام المتعلقة بالنفس تختلف باختلاف كون الشيء له نفس سائلة أو ليس له نفس سائلة. فذهب الفقهاء إلى أنه يعفى في باب النجاسة عما لا نفس له سائلة أي ما لا دم له سائل كالذباب والبعوض وغيرهما(٢). (١) التعريفات للجرجاني. (٢) حاشية ابن عابدين ٢١٢/١، والقوانين الفقهية ص ٣٨، وكفاية الأخيار ٦٧/١ - ٧٩، وروضة الطالبين ١٤/١، والمغني لابن قدامة ٤٤/١ - ٤٥. ٢٨ نَفْس ٢ -٦ وتفصيل ذلك في مصطلح (نجاسة ف ١٠، وعفو ف ١١، وأطعمة ف ٥١ - ٥٧). ب - النفس بمعنى الروح: تتعلق بالنفس بمعنى الروح أحكام: أولاً: قتل النفس بغير حق: ٣ - قتل النفس بغير حق ینقسم إلى قتل عمد وشبه عمد وخطأ وما أُجري مجرى الخطأ وبسبب، ولكل نوع أحكام تنظر في مصطلحه . ثانياً: الدفاع عن النفس: ٤ - اتفق الفقهاء على أن الدفاع عن النفس المعصومة وحمايتها من الصيال أمر مشروع. واختلفوا في حكم دفع الصائل. فذهب الحنفية وهو الأصح عند المالكية إلى وجوب دفع الصائل على النفس. وفصَّل الشافعية والحنابلة في الأحوال التي يجب فيها دفع الصائل على النفس. والتفصيل في مصطلح (صيال فقرة ٥، ٩). ثالثاً: قاتل نفسه: ٥ - اتفق الفقهاء على أن قاتل نفسه ارتكب كبيرة من أكبر الكبائر وأنه يستحق بهذا الذنب العظيم عقوبة من الله تعالى(١)، لقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ وَلَا ﴿ وَمَن نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيْهِ نَارًا »، ولقول وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيًّا النبي ◌َله: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً))(٢). والتفصيل في مصطلح (انتحار ف ٨، وجنائز ف ٤٠). رابعاً: توبة قاتل النفس عمداً بغير حق: ٦ - اختلف الفقهاء في قبول توبة قاتل النفس عمداً بغير حق. (١) الكبائر للذهبي ص ٩٦، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي ٧٥/٢، وتفسير القرطبي ١٥٦/٥ - ١٥٧، والمغني لابن قدامة ٥٥٦/٢ - ٥٥٩. (٢) سورة النساء /٢٩ - ٣٠. (٣) حديث: ((من قتل نفسه .. )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٤٧/١٠ ط السلفية) ومسلم (١٠٣/١ - ١٠٤ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ لمسلم. ٢٩ نَفْس ٦ - ٧ فذهب جمهور الفقهاء إلى أن للقاتل عمداً ظلماً توبة كسائر أصحاب الكبائر، للنصوص الخاصة الواردة في ذلك والنصوص العامة الواردة في قبول توبة كل الناس(١)، منها قول الله تعالى ﴿وَلَِّينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهًا ءَآخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَّ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً يُضَعَّفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَبِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَتُّ وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(٢) . وأما قوله تعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا ◌ُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾(٣)، فيحمل مطلق هذه الآية على مقيد آية الفرقان فيكون معناه: فجزاؤه جهنم خالداً فيها، إلا من تاب. ولأن توبة الكافر بدخوله إلى الإسلام تقبل بالإجماع، فتوبة القاتل أولى (٤). (١) حاشية ابن عابدين ٣٤٠/٥، وتفسير القرطبي ٣٣٢/٥ وما بعدها، وتحفة المحتاج مع الحاشيتين ٣٧٥/٨، وأسنى المطالب ٢/٤، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٧١/١، وكشاف القناع ٥٠٤/٥. (٢) سورة الفرقان /٦٨ - ٧٠. (٣) سورة النساء / ٩٣. ٧ - وقد اختلفت عبارات الفقهاء فیما يترتب على قبول هذه التوبة وما يسقط بها. فقال الحنفية: لا تصح توبة القاتل بالاستغفار والندامة فقط، بل تتوقف على إرضاء أولياء المقتول، فإن كان القتل عمداً فلا بد أن يمكنهم من القصاص منه فإن أرادوا قتلوه، وإن أرادوا عفوا عنه، فإن عفوا عنه كفته التوبة ويبرأ في الدنيا. قال ابن عابدين: والظاهر أن الظلم المتقدم لا يسقط بالتوبة، لتعلق حق المقتول به، وأما ظلمه على نفسه بإقدامه على المعصية فيسقط بها، ثم قال: وفي مختار الفتاوى: القصاص مخلص من حق الأولياء، وأما المقتول فيخاصمه يوم القيامة لأنه لم تحصل له بالقصاص فائدة فحقه باق على القاتل(١). وأطلق المالكية القول في قبول توبة القاتل العمد، قال القرطبي: وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح (٢). القرطبي ٣٣٢/٥ وما بعدها، ومغني المحتاج = ٢/٤، ٣٩، ٤٤٠، وأسنى المطالب ٢/٤، ٣٥٦، والمغني ٦٣٦/٧، وكشاف القناع ١٧٨/٦، ٠٥٠٤/٥ (١) رد المحتار على الدر المختار ٣٤٠/٥، ٣٥٢. (٤) حاشية ابن عابدين ٣٤٠/٥ - ٣٥٢، وتفسير= (٢) تفسير القرطبي ٣٣٢/٥ وما بعدها. ٣٠ نَفْس ٧ وقال الشافعية: أكبر الكبائر بعد الكفر القتل ظلماً، وبالقود أو العفو لا تبقى مطالبة أخروية، مع بقاء حق الله تعالى فإنه لا يسقط إلا بتوبة صحيحة، ومجرد التمكين من القود لا يفيد إلا إن انضم إليه ندم من حيث المعصية وعزم على عدم العود(١). وقال الحنابلة: لا يسقط حق المقتول في الآخرة بمجرد التوبة كسائر حقوقه، فعلى هذا يأخذ المقتول من حسنات القاتل بقدر مظلمته . فإن اقتص للمقتول من القاتل أو عفى وليه عن القصاص فهل يطالبه المقتول في الآخرة؟ فيه وجهان وأطلقهما صاحب الفروع. وقال ابن القيم: والتحقيق أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله تعالى، وحق المقتول، وحق الولي الوارث للمقتول، فإذا سلّم القاتل نفسه طوعاً واختياراً إلى الولي ندماً على ما فعل وخوفاً من الله وتوبة نصوحاً سقط حق الله تعالى بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو عنه، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب ويصلح بين القاتل التائب وبين المقتول. (١) تحفة المحتاج ٣٧٥/٨. وقال المرداوي تعقيباً على ذلك: وهو الصواب(١). وخالف ابن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم الجمهور فى قبول توبة القاتل، فذهبا إلى أن توبة القاتل عمداً ظلماً لا تقبل لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾(٢)، فقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما: هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ فقال: لا إلا النار، فقرأ الآية السابقة وهي آخر ما نزل في هذا الشأن ولم ينسخها شيء، ولأن لفظ الآية لفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها نسخ ولا تغيير، لأن خبر الله تعالى لا يكون إلا صدقاً (٣). (١) كشاف القناع ٥٠٤/٥، ١٧٨/٦، والإنصاف ٣٣٥/١٠. (٢) سورة النساء / ٩٣. (٣) تفسير القرطبي ٣٣٢/٥ وما بعدها، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٧١/٢، والمغني لابن قدامة ٦٣٦/٧، وكشاف القناع ٥٠٤/٥، والإنصاف ٣٣٥/١٠. ٣١ نِفْط ١ - ٢ نفط التعريف : ١ - النفط لغة - بالكسر والفتح، والكسر أفصح ـ: الدهن، وقال ابن سيده: هو الذي تطلى به الإبل للجَرب والدَّبَرِ والقِرْوان وهو دون الكُحَيْلِ(١). والنفط في اصطلاح الفقهاء: هو أحد الأجزاء المستقرة التي ركبها الله تعالى في الأرض يوم خلقها، وهو دهن يعلو الماء سواء كان في الأرض أو في خارجها(٢). الأحكام المتعلقة بالنفط : أ - زكاة النفط: ٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا زكاة في معدن النفط . فقد جاء في الفتاوى الهندية: وأما (١) لسان العرب. (٢) حاشية ابن عابدين ٤٤/٢، ٥٣، وتبيين الحقائق ٢٩٦/١، والعناية بهامش فتح القدير ١٣/٢، وحاشية الجمل ٥٧٢/٣. (المعدن) المائع كالقير والنفط والملح ... فلا شيء فيها(١). وقال الدردير: إنما يزكى معدن عين (ذهب أو فضة) لا غيرهما من المعادن كنحاس وحديد(٢)، وقال الدسوقي معلقاً على عبارة الدردير: أدخل بالكاف الرصاص والقزدير والكحل والعقيق والياقوت والزمرد والزئبق والزرنيخ والمغّرة والكبريت، فإن هذه المعادن كلها لا زكاة فيها(٣). وقال النووي: اتفق أصحابنا على أن المستخرج من المعدن إذا كان ذهباً أو فضة وجبت فيه الزكاة وأما غيرهما من الجواهر كالحديد والنحاس والرصاص والفيروز والبلور والمرجان والعقيق والزمرد والزبرجد والكحل وغيرها فلا زكاة فيها، هو المشهور الذي نص عليه الشافعي في كتبه المشهورة في الجديد والقديم، وبه قطع جماهير الأصحاب في الطرق كلها (٤). وذهب الحنابلة والشافعية في وجه شاذ حكاه الرافعي - وهو مفاد قولين نقلهما القيصري عن مذهب الشافعي القديم - إلى أن (١) الفتاوى الهندية ١٨٥/١، وانظر حاشية ابن عابدين ٥٣/٢. (٢) الشرح الكبير ٤٨٦/١. (٣) حاشية الدسوقي ٤٨٦/١، وانظر شرح الزرقاني ١٦٩/٢. (٤) المجموع ٧٧/٦. ٣٢ . نِقْط ٢ - ٣ وجوب الزكاة يتعلق بالنفط وبكل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، واستدلوا بعموم قوله تعالى ﴿وَمِمَّاً أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾(١) ولأنه معدن فتعلقت الزكاة بالخارج منه كالأثمان، ولأنه مال لو غنمه وجب عليه خمسه فإذا أخرجه من معدن وجبت فيه الزكاة كالذهب. وصرح الحنابلة بأن قدر الواجب فيه ربع العشر، وصفته أنه زكاة (٢). وقال بعض مشايخ الحنفية: يجب الخراج في نفس عين القير والنفط إذا كانت في أرض (٣) خراج(٣). (ر: معدن ف ٦). ب - تملك معدن النفط بالإحياء والإقطاع: ٣ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن معادن النفط والقير والملح والماء وغيرها من المعادن الظاهرة لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس(٤)، فقد ورد أن (١) سورة البقرة /٢٦٧. (٢) المغني ٢٤/٣، وحاشية ابن عابدين ٥٣/٢، والمجموع ٧٧/٦. (٣) حاشية ابن عابدين ٥٣/٢، وانظر تبيين الحقائق ٢٩٦/١. (٤) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٢١٤/٤، ٢١٥، وحاشية رد المحتار على الدر المختار ٢٧٨/٣ - ٢٧٩، وشرح المحلي على المنهاج ٩٤/٣ - ٩٥، والمغني ٥٧١/٥ - ٥٧٢. أبيض بن حمال وفد إلى رسول الله (ص194 فاستقطعه الملح فقطع له، فلما أن ولی قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العدّ، قال: فانتزعه منه (١). ويرى المالكية أن حكم المعدن مطلقاً سواء كان معدن عين (الذهب والفضة) أو غيرهما کالقصدير والعقيق والياقوت والزمرد والزرنيخ والمغرة والكبريت للإمام أو نائبه يقطعه لمن شاء من المسلمين، أو يجعله في بيت المال لمنافعهم لا لنفسه، ولو وجد بأرض شخص معین، ولا يختص به رب الأرض، إلا أرض الصلح إذا وجد بها معدن فلهم ولا یتعرض لهم فيه، فإن أسلموا رجع الأمر للإمام وهو الراجح. وإذا أقطع الإمام المعدن لشخص في مقابلة شيء كان ذلك الشيء لبيت المال، فلا يأخذ الإمام عنه إلا بقدر حاجته. قال الباجي: وإذا أقطعه فإنما يقطعه انتفاعاً لا تمليكاً، ولا يجوز لمن أقطعه له الإمام أن يبيعه، ولا يورث عمن أقطعه له، لأن ما لا يملك لا يورث(٢). (١) حديث: أبيض بن حمال، أنه وفد إلى رسول الله ﴾. أخرجه أبو داود (٤٤٦/٣ ط حمص) والترمذي (٦٥٥/٣ ط الحلبي) وقال: حديث أبيض غريب. (٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٦٥٠/١ - ٦٥١، وحاشية الدسوقي ٤٨٦/١ - ٤٨٧، وانظر عقد الجواهر الثمينة ٢٤/٣. ٣٣ نفقة ١ - ٤ نَفَقة التعريف : ١ - النفقة في اللغة: اسم من المصدر نّفق، يقال: نفقت الدراهم نَفَقاً: نفِدت، وجمع النفقة نفاق مثل رقبة ورقاب، وتجمع على نفقات ويقال: نَّفِق الشيء نفقاً فني، وأنفقته: أفنيته، ونفقت السلعة والمرأة نفاقاً: كثر طلابها وخطابها(١). والنفقة في الاصطلاح: ما به قوام معتاد حال الآدمي دون سرف(٢). الألفاظ ذات الصلة : العطاء : ٢ - العطاء لغة: المناولة وما يعطى، وهو اسم مصدر من الإعطاء، وجمعه أعطية(٣). (١) المصباح المنير. (٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٧٢٩/٢ دار المعارف. (٣) القاموس المحيط، والمصباح المنير. واصطلاحاً: اسم لما يفرضه الإمام في بيت المال للمستحقين(١). والصلة بين العطاء والنفقة أن النفقة تکون بفرض الشرع، والعطاء یکون بفرض الإمام. الحكم التكليفي : ٣ - النفقة واجبة في الجملة لأصناف بيّنها الفقهاء، واختلفوا في حصرها وفي شروط استحقاق كل منهم لها على تفصيل يأتي. أسباب النفقة: تجب النفقة بأحد أسباب ثلاثة هي: النكاح، والقرابة، والملك. أولاً: النكاح: ويشتمل على المسائل الآتية: حكم نفقة الزوجة: ٤ - اتفق الفقهاء على وجوب نفقة الزوجة على زوجها بالشروط التي بينوها(٢). (١) حاشية ابن عابدين ٤١١/٥. (٢) الهداية بأعلى فتح القدير ٣٢١/٣ ط التجارية، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ٥٧٢/٣، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ١٨١/٤ - ١٨٢، والحاوي الكبير ٥٢٤/١٥ وما بعدها، والإنصاف ٣٧٦/٩. ٣٤ نفقة ٤ - ٥ وقد ثبت وجوب نفقة الزوجة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنِ سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنِفِقْ مِمَّآ ءَانَتُهُ اگە﴾(١) .. وقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾(٢). وقوله تعالى ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنِ وُجْدِكُمْ وَلَ نُضَارُوهُنَّ لِيُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنُّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمَلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَّهِنَ حَتَّى يَضَعْنَ حْلَهُنُّ﴾(٣). فهذه الآيات واضحة الدلالة في وجوب النفقة للزوجات. وأما السُّنة فقوله وَلقر في خطبته في حجة الوداع: ((فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولکم علیھن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)»(٤)، وغير ذلك من الأحاديث التي بینت وجوب نفقة الزوجة على زوجها. (١) سورة الطلاق /٧. (٢) سورة البقرة /٢٣٣. (٣) سورة الطلاق /٤٦. (٤) حديث: ((فاتقوا الله في النساء .. )). أخرجه مسلم (٨٨٩/٢ - ٨٩٠ ط عيسى الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله. وأما الإجماع: فقد اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا مكنت المرأة زوجها منها وكانت مطيقة للوطء ولم تمتنع عنه لغير عذر شرعي. يقول ابن المنذر: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن(١). وأما المعقول: فلأن الزوجة محبوسة المنافع على زوجها وممنوعة من التصرف لحقه في الاستمتاع بها، فوجب لها مؤنتها ونفقتها، كما يلزم الإمام في بيت المال نفقات أهل النفير، لاحتباس نفوسهم على الجهاد(٢). ولأن النفقة تجب جزاء الاحتباس، ومن كان محبوساً لحق شخص كانت نفقته عليه لعدم تفرغه لحاجة نفسه، قياساً على القاضي والوالي والعامل في الصدقات(٣). سبب وجوب نفقة الزوجة: ٥ - اختلف الفقهاء في سبب وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وهل تجب بالعقد وحده أم به وبالتمكين والتسليم التام؟ على ثلاثة أقوال : (١) المغني والشرح الكبير ٢٣١/٩. (٢) الحاوي الكبير ٥٢٤/١٥ وما بعدها. (٣) البدائع ١٦/٤، والمغني ٢٣٠/٩، وتبيين الحقائق ٥١/٣. ٣٥ نفقة ٥ القول الأول: أن سبب وجوبها هو استحقاق الحبس الثابت للزوج عليها بالنكاح في عقد الزواج الصحيح، وهذا هو مذهب جمهور الحنفية(١)، وهو قول الشافعي في القديم(٢). قال ابن عابدين: فلا نفقة على مسلم في نكاح فاسد لانعدام سبب الوجوب وهو حق · الحبس الثابت للزوج عليها بالنكاح، وكذا في عدته(٣) . ودليل هؤلاء عموم قول الله عز وجل ﴿لِتُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّنْ سَعَيِةٍ﴾(٤). فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالإنفاق علیھن دون تقیید بوقت، فدل هذا على وجوب النفقة لهن من حين العقد. وكذلك عموم قول النبي ◌َّ: ((ولهن علیکم رزقهن و کسوتهن بالمعروف»(٥)، وهذا يوجب لهن النفقة من حين العقد. ولأن حق الحبس الثابت للزوج عليها (١) فتح القدير ١٩٢/٤، ورد المحتار ٦٤٤/٢، والبدائع ١٦/٤. (٢) شرح جلال الدين المحلى على منهاج الطالبين ٧٧/٤ مع حاشية عميرة. (٣) رد المحتار ٦٤٤/٢. (٤) سورة الطلاق /٧. (٥) حديث: ((ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن .. )). تقدم تخريجه ف ٤. بسبب النكاح مؤثر في استحقاق النفقة لها عليه، لأنها ممنوعة من الاكتساب بحقه فكان نفع حبسها عائداً إليه فكانت كفايتها علیه(١). ولأن من کان محبوساً بحق شخص کانت نفقته عليه لعدم تفرغه لحاجة نفسه، كالقاضي والوالي والعامل في الصدقات والمضارب إذا سافر بمال المضاربة (٢). القول الثاني: لا تجب النفقة على الزوج لزوجته إلا بالتمكين من نفسها بعد العقد الصحيح. وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: المالكية(٣)، والحنابلة(٤)، وهو رواية عن أبي يوسف(٥)، وهو قول الشافعي في الجديد(٦). قال صاحب الكفاية: قال بعض المتأخرين إذا لم تزف إلى بيت زوجها لا تستحق النفقة، وهي رواية عن أبي يوسف(٧). (١) البدائع ١٦/٤. (٢) تبيين الحقائق ٥١/٣. (٣) الشرح الكبير للدردير ٥٠٨/٢، وشرح الخرشي ١٨٣/٤، ومواهب الجليل ١٨٢/٤. (٤) المغني ٢٣٠/٩. (٥) الكفاية على الهداية ١٩٢/٤ - ١٩٣. (٦) حاشية عميرة ٧٧/٤، ومغني المحتاج ٤٣٥/٣. (٧) الكفاية على الهداية ١٩٢/٤ - ١٩٣. ٣٦ نفقة ٥ - ٦ وقال صاحب الشرح الكبير: تجب النفقة لممكنة من نفسها مطيقة للوطء بلا مانع بعد أن دعت هي أو مجبرها أو وكيلها للدخول ولو لم يكن عند حاكم وبعد مضي زمن يتجهز فيه كل منهما عادة(١). وقال جلال الدين المحلي: الجديد أنها أي النفقة تجب يوماً فيوماً بالتمكين لا بالعقد(٢). وقال ابن قدامة في المغني: إن المرأة إذا سلمت نفسها إلى الزوج على الوجه الواجب عليها فلها عليه جميع حاجتها من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن(٣). مستندين في ذلك إلى أن النبي ◌َّ عقد على عائشة رضي الله عنها وهي ابنة ست سنين(٤) ولم ينفق عليها إلا بعد أن دخل بها، فدل على ذلك على أن النفقة إنما تجب بالتمكين لا بالعقد، إذ لو كانت حقاً لها لما منعها إياها، ولو كان قد أنفق عليها لنقل (١) الشرح الكبير للدردير ٥٠٨/٢ - ٥٠٩. (٢) شرح جلال الدين المحلى على منهاج الطالبين ٧٧/٤. (٣) المغني ٢٣٠/٩. (٤) حديث: ((أن النبي ﴿ - عقد على عائشة رضي الله عنها - وهي ابنة ست سنين)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٢٤/٩) ومسلم (١٠٣٨/٢ ط عيسى الحلبي). إلينا، ولما لم ينقل أنه أنفق عليها، دل هذا على عدم وجوبه(١). ولأن العقد يوجب المهر، فلا يوجب عوضين مختلفين(٢). كما وأن النفقة مجهولة والعقد لا يوجب مالاً مجهولاً، فدل هذا على أن النفقة لا تجب بالعقد وحده. ولأنها تجب في مقابلة الاستمتاع في عقد بنکاح صحیح فإذا وجد التسلیم وجب لها النفقة في مقابلته کالبائع إذا سلم المبيع وجب له على المشتري تسلیم الثمن(٣). القول الثالث: وهو القديم عند الشافعية أن النفقة تجب بالعقد وتستقر بالتمكين (٤). شروط استحقاق الزوجة النفقة: ٦ - اشترط جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - لاستحقاق الزوجة النفقة على زوجها أن تكون المرأة كبيرة أو مطيقة للوطء، وأن تسلم نفسها للزوج متى طلبها إلا لمانع شرعي وأن يكون النكاح صحيحاً لا فاسداً، فلو كانت المرأة صغيرة (١) حاشية عميرة ٧٧/٤، ومغني المحتاج ٤٣٥/٣. (٢) المرجعان السابقان. (٣) مغني المحتاج ٤٣٥/٣. (٤) القليوبي ٧٧/٤. ٣٧ ٠٠ نفقة ٦ - ٧ لا تطيق الوطء فلا نفقة لها. سواء كانت في منزل الزوج أو لم تكن حتى تصير إلى الحالة التي تطيق الجماع، لأن امتناع الاستمتاع إنما لمعنى فيها، والاحتباس الموجب للنفقة هو ما يكون وسيلة إلى مقصود مستحق بالنكاح وهو الجماع ودواعيه، ولم يوجد، لأن الصغيرة التي لا تصلح للجماع لا تصلح لدواعيه، لأنها غير مشتهاة. ولم يشترط الجمهور في الزوج أن يكون بالغاً، بل تجب النفقة على الصغير متى تحققت الشروط التي توجب النفقة في الزوجة(١). وفرق المالكية بين المدخول بها وغير المدخول بها. أما غير المدخول بها فتجب النفقة لممكنة من نفسها مطيقة للوطء بلا مانع بعد أن دعت هي أو مجبرها أو وكيلها للدخول - ولو لم يكن عند حاكم - وبعد مضي زمن يتجهز فيه كل منهما عادة على البالغ، لا على صغير ولو دخل عليها بالغة وافتضها، ولا لغير ممكنة، أو لم يحصل منها أو من وليها دعاء، (١) العناية بهامش فتح القدير ١٩٦/٤، والهداية بأعلى فتح القدير ١٩٦/٤، وروضة الطالبين ٥٨/٩، والحاوي الكبير ٣٠/١٥، والمغني مع الشرح الكبير ٢٣١/٩، ٢٥٥، والإنصاف ٣٧٨/٩. أو حصل قبل مضي زمن يتجهز فيه كل منهما، ولا لغير مطيقة، ولا لمطيقة بها مانع كرتق إلا أن يتلذذ بها عالماً، وليس أحدهما مشرفاً على الموت أي بالغاً السياق، وهو الأخذ في النزع. وأما المدخول بها: فلم يشترطوا شيئاً من ذلك. يقول الدسوقي: والحاصل أنه في التوضيح جعل السلامة من المرض وبلوغ الزوج وإطاقة الزوجة للوطء شروطاً في وجوب النفقة لغير المدخول بها التي دعت للدخول، فإن اختل منها شرط فلا تجب النفقة لها، وأما المدخول بها فتجب لها النفقة من غير شرط. وخالف بعض فقهاء المالكية حيث جعلوا الأمور الثلاثة المذكورة شروطاً في وجوب النفقة للمرأة مطلقاً، سواء كانت مدخولاً بها، أو غير مدخول بها ودعت للدخول(١). من لا نفقة لها من الزوجات: ٧ - بعض الزوجات لا تجب لها النفقة في مال زوجها على تفصيل عند الفقهاء. قال الحنفية: لا نفقة لكل امرأة جاءت (١) الشرح الكبير ٥٠٨/٢، والزرقاني ٢٤٤/٤ - ٢٤٥. ٠٠ ٣٨ نفقة ٧ - ٨ الفرقة من قبلها بمعصية كالردة والزنا بالأصول أو الفروع، أو تقبيل ابن الزوج بشهوة، وكذا النشوز (١). ويرى المالكية أن من موانع النفقة النشوز ومنع الوطء والاستمتاع، ويعدّون الخروج بغير إذن الزوج نشوزاً مانعاً من النفقة على المشهور من مذهبهم تغليباً لحق الاستمتاع في وجوبها على حق العقد، وكذا العدة من طلاق بائن، فالمعتدة من طلاق بائن لا نفقة لها إذا كانت حائلاً، أما إذا كانت حاملاً فلها النفقة ما دام الولد حياً، فإن مات انقطعت نفقتها، كما لا نفقة لحمل ملاعنة بنفيه، ولا لحمل أمة زوجها حر، لأنه اجتمع في حقه موجبان من موجبات النفقة الولادة والملك، فاستحق النفقة بأقوى الموجبين وهو الملك وسقط الموجب الآخر. والقاعدة عندهم: إذا اجتمع موجبان من موجبات النفقة لشخص أخذ نفقة واحدة .(٢) بأقوى الموجبين وعند الشافعية: تسقط النفقة بالنشوز والصغر وبالخروج للعبادة غير المفروضة أو (١) الهداية مع فتح القدير ٢١٦/٤، ورد المحتار ٥٧٥/٣، ٥٧٦. (٢) مواهب الجليل ١٩١/٤، والشرح الكبير للدردير ٥١٤/٢ - ٥١٥. الصوم أو الاعتكاف بغير إذن وبالطلاق البائن ما لم تكن حاملاً(١). ويرى الحنابلة عدم استحقاق الزوجة للنفقة إن لم تسلم نفسها لزوجها أو تعرض عليه، أو كانت مما لا يوطأ مثلها لصغر لعدم وجود التمكين من الاستمتاع من جهتها، وكذا الحكم لو سافرت بغير إذنه لغير واجب أو انتقلت من منزله لخروجها من قبضته وطاعته، فأشبهت الناشز(٢). تقدير النفقة: ٨ - اختلف الفقهاء في تقدير نفقة الزوجة على أربعة أقوال : القول الأول: أنها مقدرة بكفايتها، وإليه ذهب الحنفية(٣) والمالكية(٤) وبه قال بعض الشافعية(٥)، وأكثر الحنابلة وهو المذهب عندهم(٦). واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل (١) روضة الطالبين ٥٨/٩ - ٥٩ و ٦٣، وكفاية الأخيار ١٤٧/٢ - ١٤٨. (٢) المغني والشرح الكبير ٢٥٦/٩ - ٢٦٢. (٣) البدائع ٢٣/٤، والاختيار ٤/٤. (٤) حاشية الدسوقي ٥٠٩/٢، وبداية المجتهد ٥٩/٢. (٥) روضة الطالبين ٤٠/٩، ونهاية المحتاج ١٨٨/٧. (٦) المغني ٢٣١/٩، والإنصاف ٣٥٢/٩. ٣٩ ٠١٠ نفقة ٨٠ ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِّ﴾(١). موجهین استدلالهم بأن الله عز وجل أوجب على المولود له - وهو الزوج - نفقة زوجته من غير تحديد بمقدار معين، فيكون على الكفاية في العرف والعادة، كرزق القاضي والمضارب(٢). وبما روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن هنداً بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلاَّ ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))(٣)، فقد أمر النبي وَ ل# هنداً بأن تأخذ ما يكفيها وولدها من مال زوجها بالمعروف دون أن یقدر ذلك بمقدار معین، والمعروف هو المقدر عرفاً بالكفاية، فدل هذا على أن نفقة الزوجة مقدرة بكفايتها لا بالشرع. وبما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله * خطب الناس في (١) سورة البقرة /٢٣٣. (٢) البدائع ٢١/٤، والمغني ٢٣٢/٩، ونهاية المحتاج ١٨٨/٧، وكشاف القناع ٤٦/٥. (٣) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٠٧/٩ ط السلفية)، ومسلم (١٣٣٨/٣) واللفظ للبخاري. حجة الوداع فقال: ((اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله .. ولھئَّ علیکم رزقهن وکسوتهن بالمعروف)»(١). فرسول الله ﴿ قيد النفقة الواجبة على الأزواج للزوجات بالمعروف، والمعروف إنما هو الكفاية دون غيره، لأن ما نقص عن الكفاية فيه إضرار بالزوجة، فلا يعد معروفاً وكذلك ما زاد على الكفاية فإنّه يعدُّ سرفاً وليس بمعروف، لكون السرف ممقوتاً، فكان المعروف هو الكفاية(٢). وبقياس نفقة الزوجة على نفقة الأقارب بجامع أنها غير مقدرة بمقدار محدد وإنما هي على الكفاية، فتكون نفقة الزوجة على الكفاية. وقالوا: إن النفقة إنما وجبت لكونها محبوسة بحق الزوج ممنوعة عن الكسب لحقه، فكان وجوبها بطريق الكفاية(٣). القول الثاني: إنها مقدرة بمقدار محدد، وإليه ذهب الشافعية على المعتمد، والقاضي من الحنابلة. (١) حديث: ((ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». سبق تخريجه فقرة ٤. (٢) المغني ٢٣٢/٩. (٣) البدائع ٢٣/٤. ٤٠