النص المفهرس
صفحات 341-360
نظر ١-٤ ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(١) . الألفاظ ذات الصلة : الرؤية : ٢- الرؤية لغة : إدراك الشيء بحاسة البصر، وقال ابن سيده : الرؤية النظر بالعين والقلب . وفي الاصطلاح : المشاهدة بالبصر حیث کان في الدنيا والآخرة(٢) . والنظر أعم من الرؤية . الأحكام المتعلقة بالنظر : تتعلق بالنظر أحكام منها : نظر الرجل إلى المرأة : يختلف حكم نظر الرجل إلى المرأة باختلاف حال كل منهما ، وبيان ذلك فيما يأتي : نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية الشابّة : ٣ - اتفق الفقهاء على أنه يحرم نظر الرجل إلى عورة المرأة الأجنبية الشابّة (٣). واستدلوا على ذلك بأدلة منها قوله تعالى : (١) القليوبي وعميرة ٢٠٧/٣ - ١٠٩/٣. (٢) الكليات ، ولسان العرب . (٣) تبيين الحقائق ٦/ ١٨،١٧، وحاشية الدسوقي ٢١٤/١ ، وروضة الطالبين ٣٦٦/٥، والإنصاف ٨/ ٣٠. ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ (١)، وبقوله ټے : ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر)) (٢). ثم اختلفوا في تحديد العورة التي يحرم النظر إليها على أقوال : القول الأول : ٤ - يجوز النظر إلى الوجه والكفين من الأجنبية ، إن لم يكن بشهوة ، ولم يغلب على الظن وقوعها ، ويحرم النظر إلى ماعدا ذلك بغير عذر شرعي ، وهذا القول ذهب إليه الحنفية والمالكية ، وهو مقابل الصحيح عند الشافعية ، وعند الحنفية يقصد بالكف باطنه فقط ، وأما ظهره فيعتبر عورة لا يجوز النظر إليها في ظاهر الرواية ، وعند المالكية لا فرق بين ظاهر الكفين وباطنهما ، فلا يحرم النظر إليهما بشرط أن لا یکون بقصد اللذة ، ولم تخش الفتنة بسببه ، وأن يكون الرجل مسلماً إذا كانت المرأة مسلمة ، فأما الكافر فلا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي له أي عضو من أعضائها ، ويعتبر جميع جسدها عورة (١) سورة النور / ٣٠ . (٢) حديث: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٦/١١) ومسلم (٢٠٤٦/٤) من حديث أبي هريرة . - ٣٤١ - نظر ٤ بالنسبة له (١) . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَاً ﴾(٢) ، فقد روي عن ابن عباس وعلي وعائشة رضي الله عنهم أن المقصود بما ظهر من الزينة الوجه والكفان(٣) ، قال القرطبي : لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج ، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما (٤) وبما روي عن عائشة رضي الله عنها ((أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله وع لله وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه و کفیه»(٥) ، والحديث فيه دلالة على أن الوجه والكفين من المرأة الأجنبية ليسا بعورة ، وأن للرجل أن ينظر إليهما (٦). (١) المبسوط ١٠/ ١٥٢، والهداية والعناية وتكملة فتح القدير ٢٨/١٠، وتبيين الحقائق ١٧/٦، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير ٢١٤/١ ، ونهاية المحتاج ٦/ ١٨٧، ومغني المحتاج ٢٠٩/٤. (٢) سورة النور / ٣١ . (٣) نيل الأوطار للشوكاني ٢٤٣/٦. (٤) تفسير القرطبي ٢٢٩/١٢ . (٥) حديث: ((يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض ... )) أخرجه أبو داود (٣٥٨/٤ ط حمص) وقال : مرسل ، فیه خالد بن دُريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها . (٦) عون المعبود ١١/ ١٦٢. وبما ورد عن سهل بن سعد قال : «كنا عند النبي ◌ّ# جلوساً ، فجاءته امرأة تعرض نفسها عليه ، فخفض فيها البصر ورفعه ، فلم يردها ، فقال رجل من أصحابه : زوجنيها يا رسول الله . قال : أعندك من شيء؟ قال : ما عندي من شيء . قال : ولا خاتم من حديد ، قال : ولا خاتم ، ولكن أشق بردتي هذه فأعطيها النصف وآخذ النصف . قال : لا ، هل معك من القرآن شيء؟ قال : نعم . قال : اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن))(١) ففي الحديث أن الرسول وَله نظر إليها يدل عليه قول الراوي : «فخفض فيها البصر ورفعه)) وفي رواية: («فصعد النظر فيها وصوبه)) (٢)، فدل ذلك على إباحة النظر إلى الوجه (٣) . واستدل السرخسي بما ورد أنه لما قال عمر رضي الله عنه في خطبته: «ألا لا تغالوا في أصدقة النساء ، قالت امرأة سعفاء الخدين : أنت تقوله (١) حديث : ((كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم .. .)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ١٨٨ ط السلفية) . (٢) رواية: ((فصعد النظر إليها وصوبه)) أخرجها البخاري (الفتح ٧٨/٩) ومسلم (٢/ ١٠٤١) (٣) المبسوط ١٥٢/١٠، والعناية وتكملة فتح القدير ١٠/ ٢٨، ٢٩ . - ٣٤٢ - نظر ٤ - ٥ برأيك أم سمعته من رسول الله قالڼ؟ فإنا نجد في کتاب الله تعالى بخلاف ما تقول ، قال الله تعالی: وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَنُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْجاً﴾(١) فبقي عمر رضي الله عنه باهتاً وقال : كل الناس أفقه من عمر حتى النساء في البيوت)»(٢) فذكر الراوي أنها كانت سعفاء الخدين ، وفي هذا إشارة إلى أنها كانت مسفرة عن وجهها ، واستدل أيضاً بحديث عائشة رضي الله عنها ((أن امرأة مدت يدها إلى النبي وَل بکتاب فقبض یدہ ، فقالت : یا رسول الله مددت يدي إليك بكتاب فلم تأخذه ، فقال : إني لم أدر أيد امرأة هي أو رجل؟ قالت : بل يد امرأة ، قال : لو كنت امرأة لغيرت أظفارك بالحناء))(٣). واستدلوا من المعقول بأن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة ، فلم يحرم النظر إليهما كوجه الرجل ، وبأن في إظهار الوجه والكفين ضرورة ، لحاجة المرأة إلى المعاملة مع الرجال أخذا وعطاء (١) سورة النساء / ٢٠ . (٢) قول عمر رضي الله عنه : «كل أحد أفقه من عمر حتى النساء . .)) أخرجه سعيد بن منصور (١٥٣/٣ ط علمي بريس) والبيهقي في الكبرى (٢٣٣/٧ ط دائرة المعارف) وقال : منقطع . (٣) حديث: ((أن امرأة مدت يدها إلى النبي وَلقر ... )) أخرجه أبو داود (٣٩٦/٤ ط حمص) والنسائي (١٤٢/٨ ط التجارية الكبرى) من حديث عائشة رضي الله عنها . وبيعاً وشراءً ، ولا يمكنها ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين فيحل لها ذلك (١) . القول الثاني : ٥- يحرم نظر الرجل بغير عذر شرعي إلى وجه المرأة الحرة الأجنبية وكفيها كسائر أعضائها سواء أخاف الفتنة من النظر باتفاق الشافعية أم لم يخف ذلك ، وهذا هو قول الشافعية على الصحيح ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وظاهر كلام أحمد ، فقد قال : لا يأكل الرجل مع مطلقته وهو أجنبي لا يحلّ له أن ينظر إليها ، کیف یأکل معھا ینظر إلی کفها ، لا يحل له ذلك (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾(٣) فلو كان النظر إلى الوجه والكفين مباحاً لما أمرهم الله تعالى أن يسألوهن من وراء حجاب ، ولأباح لهم أن يسألوهن مواجهة ، قال القرطبي : في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في (١) بدائع الصنائع ١٢١/٥، المبسوط ١٥٣/١٠، والمغني ٧ / ٤٦٠ . (٢) مغني المحتاج ٤/ ٢٠٩ ، والحاوي الكبير ٩/ ٣٥، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ ، والإنصاف ٢٩/٨ ، ومطالب أولي النهى ١٨/٥، والمغني ٧ / ٤٦٠. (٣) سورة الأحزاب / ٥٣ . - ٣٤٣ - نظر ٥-٦ مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض ، أو مسألة يُستفتين بها ، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى ، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة ، بدنها وصوتها ، فلا يجوز کشف ذلك إلا لحاجة کالشهادة عليها أو داء یکون ببدنها ، أو سؤالها عما یعرض وتعیّن عندها (١)، وبقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْنَّ مِن جَلَسِيِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾(٢) وقد بيّن ابن تيميّة وجه الاستدلال بهذه الآية والآية السابقة ، فقال : قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ، وكان إذ ذلك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين ، وكان حينئذ يجوز النظر إليها ، لأنها يجوز لها إظهاره ، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: ﴿ يَتَأَيُُّ النَّبِىُّ قُل ◌ِلِّأَزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْنَّ مِن. جَلَبِيبِهِنَّ﴾ حجب النساء عن الرجال (٣) . واستدلوا بالأخبار التي جاءت تنھی عن النظر المتعمد ، والزيادة على النظرة الأولى ، (١) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٢٧. (٢) سورة الأحزاب / ٥٩ . (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢/ ١١١،١١٠. وهي نظر الفجاءة ، وقد جاءت عامّة تشمل جميع بدن المرأة ، وكل ما ورد بعد ذلك في الأخبار من جواز النظر إلى شيء من أعضاء المرأة فإنما أريد به حالة الضرورة أو الحاجة (١) . واستدلوا بالمعقول من جهتين : الأولى : أن اتفاق الفقهاء على تحريم النظر إلى جميع بدن المرأة بشهوة أو عند خوف حدوثها يقتضي عدم جواز النظر إلى الوجه والكفين وسائر الأعضاء لغير حاجة أو ضرورة في جميع الأحوال ، لأن خوف الفتنة في النظر إلى المرأة موجود دائماً ، وبخاصة إلى الوجه ، لأنه مجمع المحاسن ، وخوف الفتنة من النظر إليه أشد من غيره . الثانية: إن إباحة نظر الخاطب إلى المرأة التي يريد أن يخطبها يدل على التحريم عند عدم إرادة خطبتها ، إذ لو كان مباحاً على الإطلاق ، فما وجه التخصيص(٢) . القول الثالث : ٦- يحرم النظر بغير عذر أوحاجة إلى بدن المرأة الأجنبية غير الوجه والكفين ويكره النظر إليهما ، (١) المغني ٧/ ٤٦٠، والحاوي الكبير ٩/ ٣٥. (٢) الحاوي الكبير ٩/ ٣٥، ونهاية المحتاج ٦/ ١٨٧، والمغني ٧ / ٤٦٠ . - ٣٤٤ - نظر ٦ - ٧ ويندب غض البصر عنهما ولو بغير شهوة ، وهذا القول نصّ عليه بعض المتأخرين من الحنفية وأصحاب الفتاوى ، وعبارة ابن عابدين أن الأحوط عدم النظر مطلقاً ، وهو رواية عن أحمد وقول القاضي من الحنابلة (١) . القول الرابع : ٧- يجوز النظر إلى الوجه والكفين والقدمين من المرأة الأجنبية بغير شهوة ، وهذا القول رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ، وذكره الطحاوي ، وهو قول بعض فقهاء المالكية . وعن أبي يوسف أنه يجوز النظر إلى الذراعين أيضاً عند الغسل والطبخ . وقيل : يجوز النظر إلى الساقين إذا لم يكن النظر عن شهوة . واستدل القائلون بجواز النظر إلى القدمين بالأثر والقياس ، أما الأثر فهو ما روي عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ أن المراد به القلب والفتخة ، والفتخة خاتم إصبع الرِّجل ، فدل على جواز النظر إلى القدمين . (١) المغني ٧/ ٤٦٠، والإنصاف ٢٨/٨، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٨٠، والفتاوى الهندية ٣٢٩/٥، ومجمع الأنهر ٢/ ٥٤٠ . واستدلوا بقياس القدمين على الوجه والكفين ، لأن المرأة كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبإبداء كفيها في الأخذ والعطاء ، فإنها تبتلی بإبداء قدميها ، وربما لا تجد الخف في كل وقت . ووجه ما روي عن أبي يوسف من إباحة النظر إلى الذراع هو ظهور ذلك منها عادة عند القيام ببعض الأعمال الي تستعمل المرأة فيها ذراعيها كالغسل والطبخ ، وفي بعض الأخبار ما يدل علي إباحة النظر إلى نصف الذراع ، فقد ورد عن ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنهم قالوا : ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخة ونحو هذا ، وذكر الطبري عن قتادة حديثاً عن النبي ◌َّ استثنى فيه من تحريم النظر الوجه واليدين إلى نصف الذراع ، قال قتادة : بلغني أن النبي ◌ُّ قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ههنا وقبض نصف الذراع))(١)، وروي عن عائشة رضي الله عنها (١) حديث: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها .. .)) أخرجه الطبري في تفسيره (٩٣/١٨ ط دار المعرفة) من حدیث قتادة مرسلاً . - ٣٤٥ - . نظر ٧ -٨ عن النبي وسلم أنه قال: ((إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها ، وإلا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه فترك بین قبضته وبین الکف مثل قبضة أخرى)) (١) ، قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي ، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فیما یظهر بحكم ضرورة حر کة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك ، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه (٢) . نظر الرجل إلى الأجنبية العجوز : ٨- لاخلاف بين الفقهاء أنه يحرم النظر بغير عذر إلى العجوز بقصد اللذة أو مع وجدانها ، وإنما اختلفوا في حكم النظر إليها من غير شهوة ولا قصد التلذذ على قولين : القول الأول : يجوز النظر إلى وجهها وكفيها إذا كانت لا تشتهى وغير متبرجة بزينة ، وهذا هو (١) حديث: ((إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها .. .)) أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٩٣ ط دار المعرفة) من حدیث ابن جريج مرسلاً . (٢) تفسير القرطبي ٢٢٩/١٢، والمبسوط ١٥٣/١٠، والفتاوى الهندية ٣٢٩/٥، ومجمع الأنهر ٢/ ٥٤٠، والتاج والإكليل في هامش مواهب الجليل ٢/ ١٨١ . قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة . ومع أن فقهاء الحنفية لم يصرحوا به نصا في كتبهم ، ولكنهم أطلقوا عباراتهم عند كلامهم عن حكم النظر إلى المرأة الأجنبية ، فقالوا بجواز النظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في رواية الحسن عن أبي حنيفة ، ولم يفرقوا بين الشابّة والعجوز ، وقد أجازوا مسّ المرأة العجوز التي لاتشتهى ، فدل ذلك على أن النظر إليها جائز من باب أولى ، لأن حكم المسّ أغلظ من النظر . وكذلك المالكية فإنهم أطلقوا جواز النظر إلى وجه المرأة وكفيها فيدخل فيه العجوز والشابّة . إلا أن بعضهم فرق بينهما في الحكم ، فقال بجواز النظر إلى وجه الأجنبية الشابّة و کفیھا بشرط عدم الاستدامة والترداد فيه ، وأما النظر إلى العجوز فلا يشترط فيه هذا الشرط (١). وإلى مثل ذلك ذهب بعض فقهاء الشافعية كالروياني والأذرعي ، فقالوا بجواز النظر إلى وجه العجوز التي لا تشتھی و کفیھا ، وهو خلاف المعتمد عندهم ، وقال الرملي : إنه ضعیف مردود (٢) . (١) المبسوط ١٥٤/١٠، والفتاوى الهندية ٣٢٩/٥، ومجمع الأنهر ٢/ ٥٤٠ ، وحاشية العدوي على شرح الخرشي ٢٤٨/١، ومواهب الجليل ٢/ ١٨١، ١٨٣. (٢) مغني المحتاج ١٢٩/٣، ونهاية المحتاج ١٨٨/٦. - ٣٤٦ - نظر ٨ -١٠ وأما الحنابلة فيجوز عندهم النظر إلى وجه العجوز التي لا تشتهى وكفيها والشوهاء وكذلك البرزة التي لا تشتهى والمريضة التي لا يرجى برؤها . وقال ابن قدامة : لا بأس بالنظر إلى ما يظهر غالباً من العجوز (١)، لقول الله عز وجل :. ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ الْنِسَآءِ الَِّى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهَِّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرٌ مُتَبَرِّجَت بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَُّ وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) ، والقواعد هن العجائز اللواتي قعدن عن التصرف بسبب كبر السن ، وقعدن عن الولد والحیض ، وذهبت شهوتهن ، فلا یشتھین ولا ◌ُشتھین ، فأبیح لھنّ وضع الجلباب والخمار ، لانصراف الأنفس عنهن ، وعدم التفات الرجال إليهن ، فأبيح لهن مالم یبح لغیرهن ، فجاز النظر إلیھن ومصافحتهن لانعدام خوف الفتنة ، ويشترط في ذلك أن لا يكنّ متبرجات بزينة ، أي مظهرات ولا .. (٣) متعرضات بالزينة لينظر إليهن (١) المغني ٧/ ٤٦١، ومطالب أولي النهى ١٤/٥. (٢) سورة النور / ٦٠ . (٣) تفسير القرطبي ١٢/ ٣٠٩، والمغني ٧/ ٤٦١، والفتاوى الهندية ٣٢٩/٥، والمبسوط ١٥٤/١٠، والهداية وتكملة فتح القدير ٢٩/١٠، ومغني المحتاج ١٢٩/٤، ٢١٠، ونهاية المحتاج ١٨٨/٦، وروضة الطالبين ٣٧٠/٥، وغذاء الألباب ١/ ٩٩ . القول الثاني : أنه لا فرق بين الأجنبية الشابة والعجوز في حكم النظر إليهما ، فيحرم كله ، ولا يجوز النظر إلى شىء من بدن العجوز وإن لم تكن تُشتهى ، وهذا القول هو الأرجح والمعتمد عند الشافعية ، لعموم الأدلة المانعة من النظر إلى المرأة الأجنبية ، ولأن الشهوة لاتنضبط بضابط(١) . نظر الرجل إلى الصغيرة : ٩- اتفق الفقهاء على أن النظر إلى الصغيرة بشهوة حرام ، مهما كان عمرها ، ومهما كان العضو المنظور إليه منها ، واتفقوا أيضاً على أنه يجوز للرجل أن ينظر بغیر شهوة إلی جمیع بدن الصغيرة التي لم تبلغ حدّ الشهوة سوى الفرج منها . ثم اختلفوا في حكم النظر إلى فرج الصغيرة التي لم تبلغ حدّ الشهوة ، وفي تقدير السن التي تبلغ فيها حدّ الشهوة ، وفيما يحرم النظر إليه من الصغيرة التي بلغت حدّ الشهوة على تفصيل ينظر في مصطلح (عورة ف ١٠) . نظر الرجل إلى ذوات محارمه : ١٠- ذوات محارم الرجل هنّ جميع النساء (١) مغني المحتاج ١٢٩/٣، ونهاية المحتاج ١٨٨/٦، وروضة الطالبين ٧/ ٢٤ . - ٣٤٧ - نظر ١٠-١١ اللواتي يحرم عليه الزواج منهنّ على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة . وقد اتفق الفقهاء على أنه يحرم على الرجل النظر إلى ذوات محارمه إذا كان ذلك بشهوة . واتفقوا أيضاً على أنه يحرم عليه النظر من ذوات المحارم إلى ما بين السرّة والركبة ، سواء أکان ذلك بشهوة أم بغیرها ، وعلى أنه یباح له النظر بغير شهوة إلى مواضع الزينة منهن ، واختلفوا في تحديد مواضع الزينة التي يباح نظر الرجال إليها من ذوات محارمهم ، علی تفصیل ينظر في مصطلح (عورة ف ٦) . نظر غير أولي الإربة من الرجال إلى المرأة : ١١ - غير أولي الإربة من الرجال حكمهم في النظر إلى النساء كحكمهم في النظر إلى ذوات محارمهم ، وهو جوازه إلى مواضع الزينة منهن لقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرٍ أُوْلِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾(١) والعطف بأو يفيد التساوي في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه ، والإربة هي حاجة الرجال إلى النساء وميلهم إليهن . واختلف الفقهاء في تحديد ما يدخل وما لا يدخل في هذا الصنف من الرجال : فذهب جمهور الحنفية إلى أن قوله تعالى : (١) سورة النور / ٣١ . ﴿ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ ﴾ من المتشابه ، ولا يكادون يبحثون فیما یدخل فیه من الناس ، ويميلون إلى عدم إجراء حكم الاستثناء الوارد في الآية عليه ، لأنه غير معلوم المعنى ، كما هو الحال في المتشابهات ، ويرون أن ما ذكره غيرهم من أنواع الرجال الذي يدخلون في وصف غیر أولي الإربة قد تناوله نص محكم من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾، فينبغي الأخذ بالمحكم وترك المتشابه . ولذلك نصّوا على أن الخصي(١)، والمجيوب(٢) والمخنث(٣) ، والعنين كلهم رجال يحرم عليهم النظر إلى غير الوجه والكفين من النساء الأجنبيات ، ولا يقطع بدخولهم أو دخول أحدهم في قوله تعالى : ﴿غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ﴾ ، وإنما يقطع بشمول النص المحكم لهم ، فيؤخذ به في حقهم . ثم استدلوا على قولهم هذا بأدلة تخص کل واحد مما ذكر ، فقالوا في الخصي : إنه نقل عن (١) الخصي منزوع الخصيتين. (٢) المجبوب من قطع ذكره وخصيتاه . (٣) المخنث المتزي بزي النساء والمتشبه بهن في محليّة الوطء وتليين الكلام عن اختيار، أو هو الذي في أعضائه لين وتكسر بأصل الخلقة ولا يشتهي النساء . - ٣٤٨ - نظر ١١ عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «الخصاء مثلة فلا یبیح ما کان حراماً قبله» ولأن الخصي ذکر یشتهي وقد یجامع ، ويثبت نسب ولده منه ويعامل في أحكام الشهادات والمواريث کالفحل ، ومعنى الفتنة فيما يصدر عنه من النظر إلى النساء متحقق ، وكذلك المجبوب ، لأنه قد يساحق فينزل ، والمخنث إذا قصد به المتشبه بالنساء في الزي والكلام وغير ذلك ، فهو فحل فاسق ، فينبغي إبعاده عن النساء ، وإذا قصد به من كان في أعضائه لين وتكسر بأصل الخلقة ولا يشتهي النساء فهو رجل من الرجال مخاطب بقوله تعالى: ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ ﴾ ، وهو ذكر من ذكور المؤمنين ، وتعلق هذا النص به أولى من تعلق الاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ ﴾ لأن الأول محكم والثاني متشابه ، ومثل ذلك يقال في العنين . لكن الكاساني أشار إلى جواز النظر بين الشيخين الكبيرين اللذين لا يحتمل حدوث الشهوة فيهما ، كما أن بعض فقهاء الحنفية ذهبوا إلى أن المراد بغير أولى الإربة المخنث الذي خلق في أعضائه لين وتكسر ، وحرم من اشتهاء النساء ، فهذا یترك مع النساء ، ویباح لهن إبداء مواضع الزينة له ، ويحل له النظر إليهن كالرجل مع ذوات محارمه . وكذلك ذهب بعض علماء الحنفية إلى أنه( يدخل في معنى ﴿غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ﴾ المجبوب الذي جف ماؤه وانقطعت شهوته لشيخوخته (١) . وقال القرطبي من المالكية : غير أولي الإربة أي غير أولي الحاجة ، واختلف في معني قوله تعالى ﴿ أَوِ الشَّبِعِينَ غَيْرٍ أُوْلِى آلْإِرْبَةِ ﴾ والاختلاف كله متقارب المعنى ويجتمع فيمن لافهم له ولا همة ینتبه بها إلى أمر النساء ، وقد سبق أن حكم أولي الإربة في النظر إلى الأجنبية كالنظر إلى ذوات محارمهم(٢). وأمّا الشافعية فقد اختلفت أقوالهم فيمن ينطبق عليه وصف ﴿غَيْرٍ أُوْلِى الْإِرْبَةِ ﴾، فذهبوا في الأصح من وجهين إلى أنه يدخل فيه الممسوح ، وهو ذاهب الذكر والأنثيين ، فيجوز نظره إلى المرأة الأجنبية سوى ما بين السرّة والركبة ، واشترطوا أن لايبقى فيه ميل إلى النساء أصلاً ، وأن يكون مسلماً إذا كانت المرأة المنظور إليها مسلمة ، وأن يكون عدلاً ، ومقابل الأصح من الوجهين أنه كالفحل من الأجنبية ، لأنه يحل (١) المبسوط ١٥٨/١٠، والهداية وتكملة فتح القدير والعناية ٤٣/١٠ وما بعدها ، والدر المختار ورد المختار ٥٣٦/٩، وتبيين الحقائق ٦/ ٣٠ . (٢) تفسير القرطبي ٢٣٤/١٢. - ٣٤٩ - نظر ١١- ١٢ : له نكاحها ، وأما المجبوب الذي ذهب ذكره وبقي أنثياه ، والخصي الذي بقي ذكره وذهبت أنثياه ، والعنين ، والمخنث المشبه بالنساء والشيخ الهم(١) فلا يحل لهم النظر إلى المرأة الأجنبية ، وهم كالفحل في ذلك ، كذا أطلق الأكثرون . وذهب بعضهم إلى استثناء الخصي الذي يكبر ويهرم وتذهب شهوته ، و کذا المخنث إذا صار إلى هذه الحال ، ومنهم من أطلق في الخصي والمخنث وجهين : أحدهما أنهما کالممسوح ، والثاني أنهما كالفحل الأجنبي . وصرح القاضي أبو الطيب أن الشیخ الذي ذهبت شهوته یعتبر من غير أولي الإربة وإن لم يكن ممسوحاً ولا خصياً ولا مجبوباً ولا مخنثاً (٢) وذهب الحنابلة إلى أن غير أولي الإربة من الرجال هم كل من ذهبت شهوته لكبر أو عنّة أو مرض لا يرجى برؤه والخصي والخنث الذي لا شهوة له ، وأن حکمهم کحکم ذوي المحارم في النظر ، وهذا هو المذهب ، فلهم النظر إلى ما يظهر غالباً من النساء للحاجة ، وهو الوجه والرقبة واليد والقدم والساق والرأس ، وهذا القول قطع به ابن قدامة ، وقيل : ليس لهم النظر (١) الشيخ الهم: الشيخ الفاني (المصباح المنير). (٢) روضة الطالبين ٢٢/٧ - ٢٣، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٠، ومغني المحتاج ٣/ ١٣٠. إلا إلى الوجه والكفين ، وقيل : لا يباح لهم النظر مطلقاً كغيرهم من الرجال(١). نظر الصغير إلى المرأة الأجنبية : ١٢- اختلف الفقهاء في نظر الصغير إلى المرأة الأجنبية ، فذهب الحنفية إلى أن الصغير الذي لم يظهر على عورات النساء ، ولا يعرف العورة من غير العورة يجوز للنساء أن يبدين مواضع الزينة منهن له(٢). وصحح القرطبي من المالكية أن هذا النوع من الأطفال لا يلزم المرأة ستر شيء من بدنها أمامه ، وحکی قولاً آخر أنه يلزمها ستر ما سوی الوجه والكفين ، لأنها قد تشتهي هي إذا أبدت عورتها له(٣) . وذهب الشافعية إلى أن الطفل الذي لم يظهر علی عورات النساء لا حجاب منه ، لكن فرق الإمام في نظر الصبي بين ثلاث درجات : الأولى : أن لا يبلغ أن يحكي ما يرى فهذا حضوره كغيبته ، ويجوز التكشف له ، والثانية : أن يبلغ أن یحکی ما یری ، ولکن لا یکون فیه (١) المغني ٧/ ٤٦٢، ٤٦٣، والإنصاف ٨/ ٢١، ومطالب أولي النهى ١٤/٥ . (٢) بدائع الصنائع ١٢٣/٥، والمبسوط ١٥٨/١٠، وتبيين الحقائق ٦/ ٣٠، والهداية والعناية ٤٥/١٠، ٤٦. (٣) تفسير القرطبي ٢٣٧/١٢. - ٣٥٠ - نظر ١٢ - ١٣ ثوران شهوة وتشوف نحو النساء ، فهذا يجوز للمرأة أن تبدي أمامه ما يجوز لها أن تبدیه أمام محارمها ، والثالثة : أن يبلغ أن يحكي مایری ویکون فیه ثوران شهوة وتشوف فهذا کالبالغ (١) . وذهب الحنابلة إلى أن الطفل غير الممميز لايجب الاستتار منه ، وأما الصبي المميز فإن كان غير ذي شهوة فله النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة ، وهو المذهب عندهم ، ووجهه أنه لا شهوة له فأشبه الطفل ، لأن المحرم للرؤية في حق البالغ كونه محلاً للشهوة ، وهو معدوم هنا . وفي رواية أنه كالمحرم لا ينظر من الأجنبية سوى ما يظهر غالباً ، ووجهها ما يفهم من قوله تعالى : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ اَلْنِسَآءٍ﴾(٢) ، حيث جاء عطفه على ذوي المحارم ، فدل على أن حكمه كحكم ذوي المحارم . وأما إن كان ذا شهوة ، فالمذهب عندهم أنه كذي المحرم . وعن أحمد روايات أخرى(٣). ._ (١) روضة الطالبين ٧/ ٢٢، ومغني المحتاج ٣/ ١٣٠، وزاد المحتاج ٣/ ١٧٢، ١٧٣. (٢) سورة النور / ٣١ . (٣) المغني ٤٥٨/٧، والإنصاف ٢٣/٨، ومطالب أولي النهى ١٦/٥، والمبدع ٧ / ١٠. نظر المراهق إلى المرأة : ١٣- المراهق هو من قارب الاحتلام ولم يحتلم بعد ، بأن يكون فيه تشوّف إلى النساء ، والقدرة على المواقعة والجماع ، وقدّر بعضهم المراهقة بما يقارب خمس عشرة سنة ، وقد اختلف الفقهاء في حكم نظره إلى المرأة الأجنبية على قولين : فذهب الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح والحنابلة في رواية إلى أنه في ذلك كالرجل الأجنبي ، واستدلوا بأن مثل هذا الصبي أمر بالاستئذان في بعض الأوقات ، بقوله تعالى : لِيَسْتَقْذِ نَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ وَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْلُمَ مِنكُمْ﴾(١) فدل ذلك على أنه لا يحل نظره إلى مواضع الزينة من المرأة ، ويقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ الْنِسَآءِ﴾ (٢) ، أى الذين لا يميزون العورة من غير العورة ولم يبلغوا حد الشهوة ، وهو يدل بمفهومه على أن الذين يميزون العورة وبلغوا حدّ الشهوة لا يحل لهم أن يطلعوا على مواضع الزينة من المرأة الأجنبة ، ولا يحل لها أن تبدي زینتها لهم ، ويجب على وليه أن يمنعه من النظر كما يلزمه منعه سائر المحرمات (٣). (١) سورة النور / ٥٨ . (٢) سورة النور / ٣١ . (٣) بدائع الصنائع ١٢٣/٥، والفتاوى الهندية ٣٣٠/٥، وتفسير القرطبي ١٢/ ٢٣٧، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها ، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩١، والإنصاف ٢٣/٨، والمبدع ٧/ ١٠. - ٣٥١ - نظر ١٣ - ١٤ وذهب الشافعية في مقابل الأصح والحنابلة في المذهب إلى أن المراهق ، في النظر إلى الأجنبية ، كالبالغ مع ذوات المحارم واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ اٌلْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَعْذِنُواْ﴾ (١) فأمر بالاستئذان إذا بلغوا الحلم فدل على التفريق بين البالغ وغيره ، وعلى أنه إذا لم يبلغ الأطفال الحلم يجوز لهم أن يدخلوا على النساء من غير استئذان ، ولو لم يحل لهم النظر إلى مواضع زائدة عما یحل للبالغ لما كان بينهما فرق(٢)، كما استدلوا بما ورد عن جابر ((أن أم سلمة استأذنت رسول الله ور في الحجامة، فأمر النبي ◌َّلقي أبا طيبة أن يحجمها، قال : حسبت أنه قال : كان أخاها من الرضاعة أو غلاماً لم يحتلم))(٣). نظر الرجل إلى العضو المنفصل من المرأة : ١٤ - لا خلاف بين الفقهاء في أن نظر الرجل إلى أي عضو منفصل من أعضاء المرأة بشهوة حرام ، سواء أكان انفصاله في حال الحياة أو بعدالموت . (١) سورة النور / ٥٩ . (٢) روضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩١، وزاد المحتاج ١٧٢/٣، والإنصاف ٢٣/٨، والمبدع ٧/ ١٠، ومطالب أولي النهى ١٦/٥. (٣) حديث: ((أن أم سلمة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٣٠ ط عيسى الحلبي) . كذلك اتفقوا على أنه يحل له أن ينظر بغير شهوة إلى العضو المبان من المرأة إذا كان مما يحل له النظر إليه قبل الانفصال . واختلفوا في حكم نظر الرجل إلى العضو المبان من المرأة بغير شهوة إذا كان مما لا يباح له النظر إليه قبل انفصاله على ثلاثة أقوال : الأول : لا يحل للرجل أن ينظر إلى العضو المبان من المرأة إذا كان مما لا يحل النظر إليه قبل انفصاله ، ولا فرق في ذلك إن کان انفصاله في حال الحياة أم بعد الموت ، والقاعدة عند أصحاب هذا القول أن كل عضو لا يجوز النظر إليه قبل الانفصال لا يجوز بعده ، فلا يجوز للرجل أن ينظر من الأجنبية يداً ولا ذراعاً ولا شعر رأس ولا ساقاً وإن أبين ذلك منها حيّة أو ميتة ، بل قالوا : لا يجوز له أن ينظر إلى عظم ذراع أو ساق أو قلامة ظفر الرِّجل دون الید ، وقاسوا المنفصل على المتصل ، لأن حرمة الآدمي وأجزائه لا تفارقه بعدالموت ، وإلى هذا القول ذهب الحنفية وعبر عنه فى الفتاوى الهندية وفي مجمع الأنهر بالأصح . وكذلك ذهب اليه الشافعية في الأصح (١). (١) الدر المختار ورد المحتار ٩/ ٥٣٤، والفتاوى الهندية ٣٢٩/٥، ومجمع الأنهر ٥٣٩/٢، ومغني المحتاج ١٣٠/٣، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٦/ ٢٠٠، وروضة الطالبين ٢٦/٧ . - ٣٥٢ - نظر ١٤ - ١٦ الثاني : يحل النظر إلى العضو المبان من المرأة إذا أبين منها في حياتها ، لأنه صار أجنبيا عن الجسم . ولا یحل النظر إلیه إذا کان انفصاله بعد الموت ، وهو ما ذهب إليه المالكية ، وقالوا بتحريم النظر إلى أجزاء الأجنبية بعد الموت ، سواء أكانت متصلة أم منفصلة ، ومنعوا النظر في القبور مخافة مصادفة ما لا يحل النظر إليه(١). الثالث : يجوز للرجل أن ينظر إلى عضو مبان من المرأة ، لزوال حرمته بالانفصال ، وهو قول الشافعية في مقابل الأصح والحنابلة(٢) ، لكن احتمل الإمام من الشافعية أنه إن لم يتميز المبان من المرأة بصورته وشكله عما للرجل ، كقلامة الظفر والشعر والجلد لم يحرم النظر إليه ، وإن تميز حرم ، وقد ضعف النووي هذا القول ، بأنه لا أثر للتمييز مع العلم بأنه جزء يحرم النظر إليه(٣). نظر الرجل إلى المرأة عن طريق الماء والمرآة : ١٥- نظر الرجل إلى صورة ما لا يحل النظر إلى عينه من المرأة الأجنبية أشار إلى حکمه بعض الفقهاء ، من ذلك ما ذكره ابن عابدين ، حيث (١) بلغة السالك ١٩٤/١. (٢) روضة الطالبين ٢٦/٧، ومطالب أولي النهى ١٩/٥. (٣) روضة الطالبين ٢٦/٧، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٠٠، ٢٠١. قال : لم أر مالو نظر إلى الأجنبية من المرآة أو الماء ، وقد صرحوا في حرمة المصاهرة بأنها لاتثبت برؤية فرج من مرآة أو ماء لأن المرئي مثاله لا عينه ، بخلاف ما لو نظر من زجاج أو ماء هي فيه ، لأن البصر ينفذ في الزجاج والماء فيرى ما فيه ، ومفاد هذا أنه لا يحرم نظر الأجنبية من المرآة أو الماء ، إلا أن يفرّق بأن حرمة المصاهرة بالنظر ونحوه شُدد في شروطها ، لأن الأصل فيها الحل ، بخلاف النظر ، لأنه إنما منع منه خشية الفتنة والشهوة ، وذلك موجود هنا ، ورأيت في فتاوى ابن حجر من الشافعية ذكر فيه خلافاً بينهم ورجح الحرمة بنحو ما قلناه(١) ، وقال الرملي من الشافعية شارحاً لقول النووي في المنهاج : ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة أجنبية ، خرج مثالها ، فلا يحرم نظره في نحو مرآة ، كما أفتى به جمع ، لأنه لم يرها ... مالم يخف فتنة (٢) . نظر الرجل إلى المرأة الميتة : ١٦- ذهب الفقهاء إلى أن حكم نظر الرجل إلى المرأة بعد موتها كحكمه في حياتها ، فلا يجوز أن ينظر منها إلى غير ماكان يحل له النظر إليه حال (١) حاشية ابن عابدين ٩/ ٥٣٤. (٢) نهاية المحتاج ٦/ ١٨٧. - ٣٥٣ - نظر ١٦ - ١٨ الحياة ، إلا إذا وجدت ضرورة تقتضي ذلك ، لأن الموت لا ترتفع به الحرمة ، بل تتأكد ، ولأن هذه الحرمة لحق الشرع ، والآدمي محترم شرعاً حيّاً وميتاً(١) . وانظر (تغسيل الميت ف ١١ وما بعدها) . نظر الرجل إلى الرجل : ١٧ - اتفق الفقهاء على أنه يحرم نظر الرجل إلى الرجل بشهوة أو بقصد التلذذ(٢)، كما اتفقوا على أنه يحرم على الرجل أن ينظر من الرجل إلى عورته بغير عذر شرعي ، ولو بغير شهوة ، ويحل له النظر إلى ماسواها ، لما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل# قال: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد)»(٣). (١) المبسوط ١٠/ ١٦٠، ١٦١، والفتاوى الهندية ٣٣٠/٥، بلغة السالك ١٩٤/١، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٠٠، ومغني المحتاج ٣/ ١٣٠، والمجموع ١٣٩/٥، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها ، المغني ٢/ ٥٢٥ وما بعدها . (٢) مغني المحتاج ١٣٠/٣، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٢، والإنصاف ٨/ ٣٠، ومجموع الفتاوى ٢٤٩/٢١ . (٣) حديث: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ... )). أخرجه مسلم (١/ ٢٦٦ ط عيسى الحلبي). ولكنهم اختلفوا في تحديد عورة الرجل التي يحرم النظر إليها ، وقد ذهب معظمهم إلى أن عورة الرجل ما بين سرته وركبته ، ثم اختلفوا في دخول كلّ من السرة والركبة في عورته ، وكذلك الفخذ (١) . وتفصيل ذلك في مصطلح (عورة ف ٨) . نظر الرجل إلى وجه الأمرد : ١٨ - اتفق الفقهاء على تحريم النظر إلى الأمرد عن شهوة أو بقصد التلذذ والتمتع بمحاسنه ، ولا فرق بين الأمرد الصبيح وغيره ، بل نصّ الحنفية والشافعية على أن النظر إلى الأمرد بشهوة أشد إثماً من النظر إلى المرأة بشهوة ، لأنه لا يحل بحال . وأما إذا كان النظر إلى الأمرد بغير شهوة ولا قصد التلذذ فإما أن يخاف من النظر ثوران الشهوة ، أو یأمن من ثورانها ، وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح (أمردف ٤) . (١) المبسوط ١٤٦/١٠، ١٤٧، والفتاوى الهندية ٣٢٧/٥، والدر المختار ورد المحتار ٥٢٦/٩، ومواهب الجليل ١٧٨/٢، ١٨٠، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢١٣/١، والخرشي ٢٤٦/١، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩١، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها ، ومغني المحتاج ١٣٠/٣، ومطالب أولي النهى ١٥/٥، والإنصاف ٨/ ٢٥، والمبدع ٧/ ١٠، وكشاف القناع ٣٠٨/١. - ٣٥٤ - نظر ١٨_١٩ نظر المرأة إلى الرجل : یختلف حكم نظر المرأة إلى الرجل باختلاف كونه أجنبياً أو من ذوي محارمها : نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي : ١٩- ذهب الحنفية في الصحيح والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن نظر المرأة إلى أي عضو من أعضاء الرجل الأجنبي يكون حراماً إذا قصدت به التلذذ أو علمت أو غلب على ظنها وقوع الشهوة أو شكت في ذلك ، بأن كان احتمال حدوث الشهوة وعدم حدوثها متساويين ، لأن النظر بشهوة إلى من لا يحل بزوجية أو ملك یمین نوع زنا ، وهو حرام عند جميع الفقهاء . وفي مقابل الصحيح عند الحنفية ما ورد في كتاب الأصل لمحمد بن الحسن أنه يستحب للمرأة أن تغض بصرها عما سوى العورة من الرجل إذا علمت وقوع الشهوة أو غلب على ظنها ذلك أو شكّت فيه ، بمعنى أن نظرها في هذه الحالة يكون مکروها ولیس محرماً ، بخلاف الرجل ، فإن نظره إلى ما يحل له النظر إليه من المرأة بدون شهوة يحرم إذا كان مع الشهوة ، أوغلب على ظنه وقوعها ، أو شك في ذلك ، ووجه الفرق بحسب هذا القول أن الشهوة على النساء غالبة ، والغالب کالمتحقق ، وعلى ذلك فإذا نظر الرجل إلى المرأة مشتهياً وجدت الشهوة في الجانبين : في جانبه حقيقة ، لأنه هو المفروض ، وفي جانبها اعتباراً وإن لم يقع بالفعل ، لقيام الغلبة مقام الحقيقة ، وإذا نظرت إليه مشتهية لم توجد الشهوة من جانبه حقيقة ، لأن الفرض أنه لم ينظر ، ولا اعتبار لعدم الغلبة ، فكانت الشهوة من جانبها فقط ، والمتحقق من الجانبين في الإفضاء إلى المحرم أقوى من المتحقق من جانب واحد لا محالة . أما إذا كان نظر المرأة إلى الأجنبي بغير شهوة يقيناً ، فقد اختلف الفقهاء فيما يحل لها النظر إليه منه وما لا يحل على أربعة أقوال : الأول : يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما سوى عورته أي إلى ما فوق السرة وتحت الر كبة ، حیث اتفقوا على أن ذلك ليس بعورة من الرجل ، وأما السرّة والركبة والفخذ منه ففي كونها من العورة خلاف بین الفقهاء ، فمن اعتبر شيئاً من ذلك عورة قال بعدم جواز نظر المرأة إليه ، ومن لم يعتبره كذلك قال بالجواز والتفصيل في مصطلح (عورة ف ٨) . وإلى هذا القول ذهب الحنفية في الأصح - ٣٥٥ - نظر ١٩ والشافعية في الأصح أيضاً والحنابلة في المذهب ، واستدلوا عليه بالسنة والمعقول . أما السنة فقد استدلوا بقول النبي وَطّ لفاطمة بنت قيس :«اعتدِّي عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك )) (١)، ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((رأيت النبي وَل يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد»(٢) ، کما استدلوا بما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن النبي وَلّ لما فرغ من خطبة العيد أتى إلى النساء ومعه بلال ، فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة ، قال ابن عباس : فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال ، ثم انطلق هو وبلال إلى بيته))(٣) . ومن المعقول استدلو بأن النساء لو منعن من النظر إلى الرجال مطلقاً لوجب على الرجال الحجاب کما وجب على النساء ، ولأن مالیس (١) حديث: ((اعتدي عند ابن أم مكتوم ... » أخرجه مسلم (١١١٦/٢ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٢) حديث عائشة: ((رأيت النبي وَ لا يسترني وأنا أنظر ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٥٥٣ ط السلفية) ومسلم (٦٠٨/٢ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري. (٣) حديث ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ لما فرغ من خطبة العيد ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤٦٥ ط السلفية) ومسلم (٢/ ٦٠٢ ط عيسى الحلبي). بعورة يستوي في حكم النظر إليه الرجال والنساء مادام بغير شهوة ، كالثياب والدواب ، فكان للمرأة أن تنظر من الرجل ما ليس عورة ، كما له أن ينظر منها ما ليس بعورة عند عدم الخوف من الفتنة ، واستدلوا أيضاً بأن النساء كن يحضرن الصلاة مع رسول الله ◌َّيل في المسجد ، ولا بد أن يقع نظرهن إلى الرجال ، فلو لم يجز لم يؤذن لهنّ بحضور المسجد والمصلى .(١) القول الثاني : أن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي حكمه كحكم نظر الرجل إلى محارمه ، فيحل لها أن تنظر من الرجل إلى مثل ما يحلّ له أن ینظر من ذوات محارمه ، ويحرم النظر إلى ما عدا ذلك ، وذهب إلى هذا القول الحنفية في مقابل الصحيح (وهي رواية الأصل لمحمد) ، والمالكية والحنابلة فى رواية ، والشافعية وجه قريب من هذا القول ، وهو أنه يحل لها النظر إلى ما يبدو منه في المهنة . ووجه هذا القول أن حکم النظر عند اختلاف (١) المبسوط ١٤٨/١٠، والهداية وشروحها ٣٣/١٠-٣٥ وحاشية ابن عابدين ٩/ ٥٣٣-٥٣٤، والفتاوى الهندية ٣٢٧/٥، ومجمع الأنهر ٢/ ٥٣٨ ،٥٣٩ ، وتبیین الحقائق ١٨/٦، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٥،١٩٤، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها ، ومغني المحتاج ٣/ ١٣٠، وزاد المحتاج ١٧٥،١٧٤/٣، والمبدع ٧/ ١١، ومطالب أولي النهى ١٥/٥، ١٦، والإنصاف ٢٥/٨. - ٣٥٦ - نظر ١٩ الجنس غلّظ في الشرع عن حکمه عند اتحاد الجنس ، مما يقتضي أن يكون نظر المرأة إلى الرجل أغلظ في الحكم من نظر الرجل إلى الرجل ، وإن كانت عورته لا تختلف ، حتى إنه لا يباح للمرأة أن تغسل الرجل بعد موته ، ولو كانت هي في النظر إليه كالرجل في النظر إلى الرجل لجاز لها أن تغسله بعد موته (١). القول الثالث : أن حكم نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي کحکم نظره إليها ، فلا يحل أن ترى منه إلا مايحل له أن يرى منها ، وهذا هو قول الشافعية في مقابل الأصح ، ورواية عن أحمد قدمها فى الهداية والمستوعب والخلاصة والرعايتين والحاوي الصغير ، وقطع بها ابن البنا واختاره ابن عقيل ، لكن النووي جعله هو الأصح من مذهب الشافعية ، تبعا لجماعة من الأصحاب وماقطع به صاحب المهذب ، وقد تقدّم أن القول الصحيح الذي علیه الفتوى عند الشافعية أن الرجل لا يحل له أن ينظر من المرأة الأجنبية الشابّة إلي أي شيء من بدنها ، وأن (١) المبسوط ١٤٨/١٠، والدر المختار ورد المحتار ٥٣٣/٩، والخرشي ٢٤٨/١، ومواهب الجليل ١٨٣/٢، وبلغة السالك ١٩٣/١، وحاشية الدسوقي ٢١٥/١ ، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها، والإنصاف ٨/ ٢٥ ، والمبدع ٧/ ١١ . مقابله جواز نظره إلى الوجه والكفين مع الكراهة . وبناء على القول الصحيح في حكم نظر الرجل إلى المرأة يكون مقتضى هذا القول في حكم نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي هو التحريم مطلقاً ، لكن قال الجلال البلقيني : هذا لم يقل به أحد من الأصحاب ، واتفقت الأوجه علي جواز نظرها إلي وجه الرجل وكفيه عند الأمن من الفتنة . واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾(١) فقد أمر الله تعالى النساء بغض أبصارهن كما أمر الرجال ، واستدلوا بما روي عن أم سلمة رضي الله عنها ((أنها كانت عند رسول الله وَالآلي وميمونة ، إذ أقبل ابن أم مكتوم ، فدخل عليه ، فقال رسول الله وَ له : احتجبا منه ، فقلت : يارسول الله ، أليس هذا أعمى لا يبصرنا ولايعرفنا؟ فقال رسول الله وَله: أعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟)) (٢) فلو كان نظر النساء إلى الرجال مباحاً لما أمرهما الرسول الاه بالاحتجاب عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه وهو أعمى ، ولما أنكر عليهما النظر إليه . (١) سورة النور / ٣١. (٢) حديث: ((أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ... )) = - ٣٥٧ - نظر ١٩ - ٢٠ واستدلوا بالمعقول ، وهو أن النساء أحد نوعي الآدميين ، فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر ، قياساً على الرجال ، يؤيده أن المعنى المحرم للنظر هو خوف الفتنة ، وهو متحقق في نظر المرأة إلى الرجال ، بل أشد شهوة وأسرع افتتانا (١) . القول الرابع : أنه يكره للمرأة أن تنظر إلى وجه الرجل و کفیه وقدمیه ولا یحرم علیھا ، وإنما يحرم عليها النظر إلى ما سوى ذلك ، وهو اختيار الشيخ تقي الدين ، واعتبره ظاهر كلام أحمد ، والقاضي(٢) . نظر المرأة إلى محارمها من الرجال : ٢٠ - اتفق الفقهاء على أن نظر المرأة إلى محارمها من الرجال لا يحل إذا كان بشهوة أو بقصد اللذة ، واختلفوا فيما يحل لها النظر إليه من الرجل المحرم عند أمن الفتنة : فذهب المالكية والشافعية في المذهب إلى أنه يحل للمرأة أن تنظر من محرمها إلى ما سوى ما أخرجه أبو داود (٣٦١/٤ - ٣٦٢ ط حمص) = والترمذي (١٠٢/٥ ط الحلبي) وأشار ابن حجر في التلخيص (١٤٨/٣) إلى إعلاله بجهالة راو فيه . (١) مغني المحتاج ١٢٨/٣ ومابعدها، ونهّاية المحتاج ١٩٤/٦، ١٩٥، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ ومابعدها ، وزاد المحتاج ١٧٥،١٧٤/٣، والإنصاف ٢٥/٨، ٢٦. (٢) الإنصاف ٢٦/٨ . بين السرة والركبة (١) . وأما الحنفية فلم تفرق عباراتهم في حكم نظر المرأة إلى الرجل بين المحرم وغيره ، وأنه يحل لها أن تنظر منه إلى ما سوى العورة ، أي إلى السرّة وما فوقها ، وما تحت الركبة ، وهذا على الصحيح من مذهبهم ، وأما على رواية الأصل فلا يحل لها أن تنظر إلا إلى ما يحل للرجل أن ینظر إلیه من ذوات محارمه ، حتی یحرم عليها أن تنظر إلى ظهره وبطنه(٢). وأما الحنابلة فقال المرداوي : يجوز له النظر من ذوات محارمه إلى مالا يظهر غالباً ، وإلى الرأس والساقين وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب ، وحكم ذوات محارمه حكم الأمة المستامة في النظر ، خلافاً ومذهبا ، على الصحيح من المذهب ، وقطع به الأكثر . ثم قال المرداوي : وحكم المرأة في النظر إلى محارمها حكمهم في النظر إليها ، قاله في الفروع وغيره (٣). (١) حاشية الدسوقي ٢١٥/١، وبلغة السالك ١/ ١٩٤، والخرشي ٢٤٨/١ ، ومواهب الجليل ١٨٣/٢ ، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها ، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٥، ومغني المحتاج ٤/ ٢١٤. (٢) المبسوط ١٤٨/١٠. (٣) الإنصاف ٨/ ٢٠. - ٣٥٨ - نظر ٢٠-٢٢ وذهب الشافعية في قول آخر إلى أن نظر المرأة إلى ذي محرمها كنظره إليها (١) . نظر المرأة إلى المرأة : ٢١ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا يحل للمرأة أن تنظر إلى المرأة مهما كانت إذا كان هذا النظر بشهوة أو بقصد التلذذ ، وأما إذا کان بغیر شهوة فقد فرق جمهور الفقهاء بين نظر المسلمة إلى المرأة ، ونظر الكافرة إلى المرأة المسلمة ، وفي نظر المسلمة فرقوا بين الفاجرة والعفيفة : نظر المرأة المسلمة إلى المرأة : ٢٢ - اختلف الفقهاء في حكم نظر المرأة المسلمة إلى المرأة على قولين : القول الأول : أنه يحل للمرأة المسلمة أن تنظر من المرأة إلى ما يحل للرجل أن ينظر إليه من الرجل ، فيحل لها أن تنظر من المرأة إلى جميع بدنها ما عدا ما بين السرّة والركبة ، وإلى هذا القول ذهب الحنفية في الراجح ، وهو قول المالكية في المشهور والشافعية في المعتمد والحنابلة . واستدل أصحاب هذا القول بحديث الرسول وَله: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل (١) روضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها . ولا المرأة إلى عورة المرأة))(١)، وذلك أنه وَلّ بيّن عورة الرجل بالنسبة للرجل ، فدل على أن عورة المرأة مع المرأة مثله ، لاتحاد الجنس ، وما عدا العورة لا يتناوله النهي ، فيبقى النظر إليه جائزاً . كما استدلوا بالقياس على نظر الرجل إلى الرجل بجامع اتحاد الجنس ، وعدم الخوف من الشهوة والوقوع في الفتنة ، وبأن الشرع أباح للنساء المسلمات تجريد المرأة التي تموت لغسلها ، ولم يجعل ذلك للرجال وإن كانوا من محارمها ، ففي ذلك دليل على أن عورة المرأة في حق المرأة كعورة الرجل في حق الرجل ، كذلك قالوا : إن الضرورة داعية إلى الانكشاف فيما بين النساء (٢) . القول الثاني : أن المرأة المسلمة يحل لها أن تنظر من المرأة ما يحل للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه ، حتى لا يباح لها النظر إلى (١) حديث: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ... )) سبق تخريجه ف ١٧ . (٢) المبسوط ١٠/ ١٤٧ تبيين الحقائق ١٨/٦، ومجمع الأنهر ٥٣٨/٢، والفتاوى الهندية ٣٢٧/٥، الهداية وشروحها ٣٥/١٠-٣٧، وحاشية ابن عابدين ٩/ ٥٣٣، ومواهب الجليل ٢/ ١٨٠، وبلغة السالك ١٩٢/١، وحاشية الدسوقي ٢١٣/١، ومغني المحتاج ١٢٨/٣ ومابعدها، ونهاية المحتاج ٦/ ١٩٤، وروضة الطالبين ٧/ ٢١ وما بعدها، والإنصاف ٨/ ٢٤، والمبدع ٧/ ١٠ ، ومطالب أولي النهى ١٥/٥ . - ٣٥٩ - نظر ٢٢-٢٣ ظهرها وبطنها ، وهذا القول رواية عن أبي حنيفة ، وهو مرجوح عند الحنفية والأول هو الصحيح (١) . واستدل أصحاب هذا القول بما ورد من نھی النساء عن دخول الحمامات بمئزر وبغیر مئزر ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ◌َلټله قال : «إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتاً يقال لها الحمامات ، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر ، وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء)) (٢). نظر الكافرة إلى المسلمة : ٢٣ - اختلف الفقهاء في حكم تمكين المسلمة المرأة الكافرة من النظر إليها على أقوال : الأول : أن المرأة الكافرة في نظرها إلى المرأة المسلمة كالرجل الأجنبي ، فلا يحل للمسلمة أن تمكنها من النظر إلى شيء من بدنها سوی ما يحل للرجل الأجنبي أن ينظر إليه منها ، وهذا قول الحنفية في الأصح والمالكية ، وهو قول عند الشافعية اعتبره البغوي والبلقيني (١) المراجع السابقة . (٢) حديث: ((إنها ستفتح لكم أرض العجم ... )) أخرجه أبو داود (٤/ ٣٠٢ ط حمص) وابن ماجه (١٢٣٣/٢ ط عيسى الحلبي) وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (١٩٩/١) وذكر أن في إسناده راوياً ضعيفاً. والنووي والقاضي وغيرهم هو الأصح، والحنابلة في رواية . وأكثر أصحاب هذا القول يرون أنه یحل للمرأة المسلمة أن تمكن الكافرة من النظر إلى وجهها و کفیها ، ويحرم عليها تمكينها من النظر إلى ما سوى ذلك ، وهو قول الحنفية والمالكية في المعتمد وهو قول عند الشافعية ، وذهب إليه ابن تيمية ، وعلى القول الآخر عند الشافعية لا يحل للمسلمة أن تمكّن الكافرة من النظر إلى شيء من بدنها ، وهو قول لبعض المالكية ، وهذا القول إذا كانت الكافرة غير محرم للمسلمة ( أي تنزل منزلة الرجل المحرم) وغير مملوكة لها ، أما هما فيجوز لهما النظر إليها . واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى : ﴿ أَوْ نِسَآپِهِنَّ ﴾(١) فقد فسرها جمهور العلماء بأنهنّ النساء المسلمات الحرائر ، وذلك بناء على ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله في تفسير الآية : هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية ، ولأنه لو جاز للكافرة النظر إلى المسلمة لم يبق للتخصيص الوارد في الآية بالإضافة فائدة ، فدل على أن المراد صنف من (١) سورة النور / ٣١ . - ٣٦٠ -