النص المفهرس
صفحات 281-300
نسیان ٢٩ -٣٢ هـ - الجماع ناسياً في الاعتكاف : ٢٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من جامع في اعتكافه ناسياً فإن اعتكافه يبطل لقوله تعالى: ﴿ وَلَّاً تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَلِكِفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِ﴾(١). وذهب الشافعية إلى أن الاعتكاف يبطل بالجماع من عالم بتحريمه ذاکر له ، فمن جامع ناسياً لا يبطل اعتكافه . والتفصيل في مصطلح (اعتكاف ف ٢٧) . و - الجماع في الحج ناسياً: ٣٠ - ذهب الفقهاء إلى أن الجماع في حالة الإحرام جناية يجب فيها الجزاء . والجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) على أن العامد والجاهل والساهي والناسي والمكره في ذلك سواء ، لكن استثنى الحنابلة من الفداء الموطوءة كرهاً . وقال الشافعية : وطء الناسي لا يفسد الإحرام . والتفصيل في (إحرام ف ١٧٠ وما بعدها ، وكفاره ف ٤٧) . ز - النسيان في الطلاق : للنسیان فی الطلاق صور : (١) سورة البقرة / ١٨٧ . ٣١- منها: ما لو طلق ناسياً أنه تزوج مثلاً أو طلق امرأة بعينها ناسياً أنها زوجته . فيرى الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب أن طلاق الناسي واقع . وقال الطوفي من الحنابلة : الأشبه عدم وقوع طلاق الناسي لأنه غير مكلف ولا عبارة لغير مكلف (١) . ٣٢ - ومنها : لو علق الطلاق على أمر ففعله ناسياً : فقال الحنفية : العامد والناسي في الطلاق سواء ، فإن علق طلاقه على فعله أو فعل غيره ، فحصل المعلق عليه الطلاق ، عامداً أو ناسياً ، فإنه يقع الطلاق به ، لأن الفعل شرط الوقوع ، والفعل الحقيقي لا ينعدم بالنسيان (٢). وقال الشافعية: إن من علق الطلاق بفعل شيء ففعله مكرها أو ناسياً أو جاهلاً ففي وقوع الطلاق قولان ، وذكر صاحب المهذب والروياني (١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٠٣ ، ومغني المحتاج ٢٨٨/٣ ، والأشباه للسيوطي ص ١٩٢ - ١٩٣، ونزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر ١/ ١٤٠، وشرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٩٠، وكشاف القناع ٣١٥/٥ ، وانظر شرح الزرقاني ٤/ ٨٤، والشرح الكبير للدردير ٣٦٥/٢، وجواهر الإكليل ٣٣٩/١. (٢) الأشباه لابن نجيم ص ٣٠٣ ، وحاشية ابن عابدين ٣٤٢/٣، ٧٠٩ . - ٢٨١ - نسيان ٣٢ -٣٣ وغيرهما أن الأظهر في الأيمان لا يحنث الناسي والمكره ، ويشبه أن يكون الطلاق مثله ، وقطع القفال بأنه يقع الطلاق ، والمذهب الأول ، وعليه جمهور الشافعية (١) للخبر الصحيح: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٢) . وكذلك لو علق بفعل غيره من زوجة أو غيرها ممن يبالي بتعليقه ، بأن تقضي العادة والمروءة بأنه لا يخالفه ویبر قسمه لنحو حياء أو صداقة أو حسن خلق ، قال في التوضيح : فلو نزل به عظيم قرية فحلف أن لا يترحل حتى يضيفه وعلم ذلك الغیر بتعلیقه ،یعني وقصد إعلامه به فلا يحنث بفعله : ناسياً للتعليق أو المعلق به أو مكرهاً ، وإلا بأن لم يقصد الحالف حثه أو منعه ، أو لم یکن یبالي بتعليقه كالسلطان والحجیج ، أو کان یبالي ولم يعلم وتمكن من إعلامه ولم يعلمه ، فيقع قطعاً ولو ناسياً ، لأن الحلف لم یتعلق به حينئذ غرض حث ولا منع ، لأنه منوط بوجود صورة الفعل . ولو علق بقدوم وهو عاقل ، فجن ثم قدم ، لم يقع كما في الكفاية عن الطبري ، وحكم (١) روضة الطالبين ٨/ ١٩٢- ١٩٣، ونهاية المحتاج ٣٤/٧. (٢) حديث: ((إن الله وضع عن أمتي ... ) تقدم تخريجه ف ٣ . اليمين فيما ذكر كالطلاق ، ولا تنحل بفعل الجاهل والناسي والمكره(١) . وقال الحنابلة : إن حلف لا يفعل شيئاً ففعله ناسياً حنث في الطلاق والعتاق لوجود شرطهما ، وإن لم يقصده كأنت طالق إن قدم الحاج ، لأن الطلاق والعتق يتعلق بهما حق آدمي فيتعلق الحكم مع النسيان كالإتلاف . ولا يحنث في يمين مكفرة مع النسيان ، لأن الكفارة تجب لدفع الإثم ، ولا إثم على الناسي . ومن يمتنع بيمين الحالف إذا حلف عليه وقصد بیمینه منعه کان یحلف على زوجته أو نحوها لا تدخل داراً فدخلتها ناسیة فعلی ما سبق يحنث في الطلاق والعتق فقط . وأما إن حلف على حق لا يمتنع بيمينه كسلطان وأجنبي فإن الحالف يحنث مطلقاً ، سواء كان عمداً أو خطأ أو مكرهاً أو جاهلاً أو ناسياً ، لأنه تعليق محض فحنث بوجود المعلق عليه (٢) . ٣٣- ومنها : ما لو طلق إحدی نسائه و کان قد عينها ثم نسي التعيين . (١) نهاية المحتاج ٣٤/٧ - ٣٥، وروضة الطالبين ١٩٢/٨-١٩٣. (٢) كشاف القناع ٣١٥/٥، ومطالب أولي النهى ٤٤٧/٥-٤٤٩ . - ٢٨٢ - نسيان ٣٣ - ٣٤ ، نشل فقال المالكية : لو قال لزوجاته : إحداكن طالق ولم ينو معينة أو عينها ونسيها فالجميع يطلقن(١). وقال الشافعية : لو طلق إحداهما بعينها كأن خاطبها به أو نواها ، عند قوله ((طالق)) ثم جهلها بنحو نسيان وقف حتما الأمر من وطء وغيره عنهما حتى يتذكر لحرمة إحداهما عليه يقيناً ، ولا دخل للاجتهادهنا ، ولا يطالب ببيان للمطلقة إن صدّقتاه في الجهل بها لأن الحق لهما ، فإن کذبتاه وبادرت واحدة وادعت أنها المطلقة طولب بيمين جازمة أنه لم يطلقها ، ولايقنع منه بنسیت وإن احتمل ، فإن نکل حلفت وقضى لها ، فإن قالت الأخرى ذلك فكذلك ،ولو ادعت كل منهما أو إحداهما أنه يعلم التي عناها بالطلاق وسألت تحليفه على نفي علمه بذلك ولم تقل إنه يعلم المطلقة فالوجه - كما قاله الأذرعي - سماع دعواها وتحليفه على ذلك(٢). القسم الثالث : النسيان في فعل منهي عنه ترتب علیه إتلاف : ٣٤ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا أثر للنسيان على ضمان المتلفات ، حتى لو أتلف مال غيره ناسياً (١) الشرح الصغير ٥٨٩/٢ - ٥٩٠ . (٢) نهاية المحتاج ٦/ ٤٦٢ - ٤٦٣، وانظر روضة الطالبين ١٠٢/٨. يجب عليه ضمانه ، لأن حقوق العباد محترمة لحاجتهم ، ولأن الضمان من الجوابر ، والجوابر لاتسقط بالنسيان . وكذلك الحكم إذا جنى جناية على النفس أو على ما دون النفس ناسياً وهي مما يستوجب المال فتجب الدية أو الأرش (١) . وقال المالكية : من أتلف مال غيره أو تسبب في إتلافه عدوانا فهو ضامن ، سواء فعل ذلك عمداً أو خطأ (٢). نشل انظر : طرّار (١) كشف الأسرار ١٣٥٦/٤، والمنثور في القواعد ٢٧٥/٣، والأشباه للسيوطي ص ١٨٨، ١٩٢ ، وقواعد الأحكام العزبن عبدالسلام ٢/ ٢، وشرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٩٠،١٩٩، ونزهة الخاطر شرح روضة الناظر ١٣٩/١ - ١٤٠. (٢) القوانين الفقهية ص ٢١٨ . - ٢٨٣ - نُشُوز ١ نُشُوز التعريف : ١- النشوز في اللغة من النّشْز، وهو: المكان المرتفع ، كالنَّشاز والنّشَز ، يقال : نشز الشيء نشزاً ونُشوزاً : ارتفع ، ونشزت المرأة تنشُز : عصت زوجها وامتنعت عليه . ويقال : نشز به ومنه وعليه ، فهو ناشز ، وهي ناشز وناشزة ، والجمع نواشز . قال أبو إسحاق : النشوز يكون بين الزوجين ، وهو : كراهة كل واحد منهما لصاحبه ، واشتقاقه من النشز وهو: ما ارتفع من الأرض ، ونشزت المرأة بزوجها على زوجها : ارتفعت علیه وأبغضته وخرجت عن طاعته وفركته، قال الله تعالى: ﴿ وَأَِّى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (١) نشوز المرأة : استعصاؤها على زوجها ، ونشز هو علیها نشوزاً كذلك ، وضربها وجفاها وأضرّ بها(٢)، وفي التنزيل العزيز: (١) سورة النساء / ٣٤ . (٢) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط، والمصباح المنير، ولسان العرب . وَإِنِ آَمْرَةً خَفَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُورًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾(١) والنشوز في الاصطلاح : عرفه الحنفية بأنه : خروج الزوجة من بيت زوجها بغير حق (٢). وعرفه المالكية والشافعية والحنابلة بأنه : ( (٣) خروج الزوجة عن الطاعة الواجبة للزوج وصرح بعض الفقهاء بأن النشوز بمعناه الاصطلاحي یکون من الزوجة ولا عکس ، وصرح آخرون بأن النشوز كما يكون من الزوجة یکون من الزوج . قال الشرقاوي : إن النشوز يكون من الزوجة ومن الزوج وإن لم يشتهر إطلاق النشوز في حق الرجل ، وقال البهوتي : يقال نشزت المرأة على زوجها فهي ناشزة وناشز ، ونشز عليها زوجها : جفاها وأضر بها (٤) . (١) سورة النساء / ١٢٨ . (٢) الدر المختار ورد المختار ٢/ ٦٤٦، وقواعد الفقه للبركتي. (٣) الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي ٢/ ٣٤٣ ، والشرح الصغير ٢/ ٥١١، وحاشية القليوبي ٢٩٩/٣، والمغني ٧/ ٤٦ . (٤) مواهب الجليل ٤/ ١٥، وحاشية القليوبي ٢٩٩/٣ ، وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢/ ٢٨٠ ، وكشاف القناع ٢٠٩/٥ . - ٢٨٤ - نُشُوز ٢ - ٥ الألفاظ ذات الصلة : أ - الطاعة : ٢ - الطاعة في اللغة : الانقياد والموافقة ، وفي التهذيب : طاع له : إذا انقاد له ، فإذا مضی لأمره فقد أطاعه ، فإذا وافقه فقد طاوعه ، وطاوعت المرأة زوجها طواعية (١) . وفي الاصطلاح : الطاعة هي موافقة الأمر طوعا . قال الراغب : أكثر ما تقال الطاعة في الائتمار لما أمر والارتسام فيما رسم (٢) . والصلة بين النشوز والطاعة التضاد . ب - الإعراض : ٣ - من معاني الإعراض في اللغة : الصد ، يقال : أعرض عن الشيء : صد وولى ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى آلْإِنْسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِبِهِ ◌ٌ﴾(٢) ، ويقال : أعرضت عنه : أضربت وولیت عنه . قال الراغب : العرض خص بالجانب ، وعَرَضَ الشيء : بدا عرضه ، وأعرض : أظهر عرضه أي ناحيته ، فإذا قيل : أعرض عني فمعناه : ولی مبدياً عرضه . (١) المعجم الوسيط ، ولسان العرب . (٢) قواعد الفقه، والمفردات في غريب القرآن . (٣) سورة الإسراء / ٨٣ . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي (١) . والصلة بين النشوز والإعراض أن الإعراض يكون أمارة من أمارات النشوز . ج - البغض : ٤ - البغض هو : الكره والمقت ، يقال : بغض الشيء بغضا : كرهه ومقته ، وأبغضه : كذلك، وبَغض الشيءُ بُغْضا ، وبَغض الشيءُ بغاضةً وبغَّضة : صار ممقوتا کریھا ، وباغضه : جزاه بغضا ببغض . والبغضاء : شدة البغض ، قال البركتي : وهي في القلب . وقال الراغب : البغض نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه ، وهو ضد الحب(٢) . والصلة بين النشوز والبغض هي أن البغض سبب من أسباب النشوز ، وأمارة عليه . الحكم التكليفي للنشوز : ٥- ذهب الفقهاء إلى أن نشوز المرأة على زوجها حرام ، لما ورد في تعظيم حق الزوج على زوجته (١) المعجم الوسيط، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن، وانظر تفسير القرطبي ٤٠٣/٥ . (٢) المعجم الوسيط، والمصباح المنير ، وقواعد الفقه، والمفردات في غريب القرآن . - ٢٨٥ - نُشُوز٥ ووجوب طاعتها له(١)، ومنه قول رسول الله آلآل لامرأة: ((أذات زوج أنت؟قالت: نعم ، قال : انظري أين أنت منه فإنه جنتك ونارك))(٢) ، ولما روی عبدالرحمن بن عوف رضي الله تعالی عنه أن رسول الله وَ له قال: ((إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها ، قيل لها : ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت)) (٣)، ولقوله وَل: ((لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )» (٤) . واستدل الفقهاء كذلك على حرمة نشوز (١) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٤٣/٢، والشرح الصغير ٢/ ٥١١، وشرح التحرير وحاشية الشرقاوي ٢٨٥/٢، والمغني ٤٦،١٨/٧، وكشاف القناع ٢٠٩/٥، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٤٩١-٤٩٢ ، والجامع لأحكام القرآن ٥/ ١٧١ . (٢) حديث: ((أذات زوج أنت ... )) أخرجه أحمد (٤١٩/٦ ط اليمنية) من حديث حصين بن محصن ، وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٦٧٢ ط دار ابن كثير) . (٣) حديث: ((إذا صلت المرأة خمسها ... )) أخرجه أحمد (١/ ١٩١ ط اليمنية) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٦٧١) : رواه الطبراني ورواة أحمد رواة الصحیح خلا ابن لهيعة ، وحديثه حسن في المتابعات . (٤) حديث: ((لو كنت آمراً أحداً أن يسجد ... )) أخرجه الترمذي (٣/ ٤٦٥ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وقال الترمذي : حسن غريب . المرأة على زوجها بما ورد من الوعيد الشديد لمن تنشز على زوجها، ومنه قول النبي وقال: ((إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح))(١) ، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَ الله: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح)) (٢) . وقد أخبر الله تعالى أن الصالحات من النساء قانتات أي : مطيعات لأزواجهن ، وذلك بقوله تعالى: ﴿فَالصَّلِحَتُ قَنِتَتُّ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (٣) ، قاله ابن عباس وغيره ، كما أخبر أنهن حافظات للغيب أي : يحفظن أزواجهن في غيبتهم في أنفسهن وأموالهم بحفظ الله تعالی ومعونته وتسديده (٤) . وقال القرطبي : قول الله تعالى: فَالصَِّحَتُ قَبِشَتُ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ ﴾ هذا (١) حديث: ((إذا باتت المرأة هاجرة .. )) أخرجه البخاري (٢٩٤/٩ ط السلفية) ومسلم (٢/ ١٠٥٩ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه واللفظ لمسلم . (٢) حديث: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه ... » أخرجه البخاري (٢٩٤/٩ ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٦٠ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري ، وزاد في مسلم : «فبات غضبان عليها)) . (٣) سورة النساء / ٣٤. (٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٩١، والجامع لأحكام القرآن ٥/ ١٧٠ . - ٢٨٦ - نُشُوز ٥-٦ خبر ، ومقصود الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج(١)، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله وَالخير: ((خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك)) ، قال : ثم قرأ رسول الله ◌َله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى الْنِسَآءِ﴾ الآية (٢))) . وقال ابن حجر الهيتمي : عد النشوز كبيرة هو ما صرح به جمع ، أي من الفقهاء ، ولم يرد الشيخان بقولهما : امتناع المرأة من زوجها بلاسبب کبیرة خصوصه بل نبها به على سائر صور النشوز (٣) . ما يكون به نشوز الزوجة : ٦ - اختلف الفقهاء فيما يكون به على نشوز المرأة على زوجها ، ولهم في ذلك تفصيل . فقال الحنفية : لا نفقة للناشزة لفوات التسليم من جهتها وهو النشوز ، والنشوز قد يكون في (١) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ١٧٠. (٢) حديث : ((خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك ... )) أخرجه الطبري في تفسيره (٣٩/٥ ط المعرفة - بيروت) والحاكم (٢/ ١٦١ - ١٦٢ ط دائرة المعارف) واللفظ للطبري ، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . (٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/ ٤٧. النكاح ، وقد يكون في العدة . فأما النشوز في النكاح فهو أن تمنع نفسها من الزوج بغير حق خارجة من منزله ، بأن خرجت بغير إذنه وغابت أو سافرت ، فأما إذا كانت في منزله ومنعت نفسها فلها النفقة لأنها محبوسة لحقه منتفع بها ظاهراً وغالباً ، فكان معنى التسليم حاصلاً . وجاء في رد المحتار : وشمل النشوز بخروجها من منزله الخروج الحکمي ، کأن کان المنزل لها فمنعته من الدخول عليها فهي كالخارجة ما لم تكن سألته النقلة - بأن قالت له : حولني إلى منزلك ، أو اكتر لي منزلا فإني محتاجة إلى منزلي هذا آخذ كراءه - فلها النفقة حينئذ . ولو كان في المنزل شبهة - كبيت السلطان - فامتنعت منه فهى ناشزة لعدم اعتبار الشبهة في زماننا ، بخلاف ما إذا خرجت من بيت الغصب لأن السكنى في المغصوب حرام ، والامتناع عن الحرام واجب ، بخلاف الامتناع عن الشبهة فإنه مندوب ، فیقدم عليه حق الزوج الواجب . ولو سلمت نفسها باللیل دون النهار ، أو عكسه ، فلا نفقة لها لنقص التسليم ، قال في المجتبى : وبه عرف جواب واقعة في زماننا أنه لو تزوج من المحترفات التي تكون بالنهار في مصالحها ويالليل عنده فلا نفقه لها ، قال في - ٢٨٧ - نُشُوز ٦ النهر : وفيه نظر ، وجهه - کما ذکر ابن عابدين - أنها معذورة لاشتغالها بمصالحها ، بخلاف المسألة المقيس عليها فإنها لا عذر لها فنقص التسلیم منسوب إلیھا ، وإذا کان له منعها من ذلك فإن عصته وخرجت بلا إذن کانت ناشزة مادامت خارجة ، وإن لم يمنعها لم تكن ناشزة(١) . والنشوز في العدة أن تخرج من بيت العدة مراغمة لزوجها ، أو تُخرج لمعنى من قبلها . وقد روي أن فاطمة بنت قیس کانت تبذو على أحمائها فعن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف «أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو ابن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطلیقات ، فزعمت أنها جاءت رسول الله ګ﴾ تستفتیه في خروجها من بيتها ، فأمرها أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتوم الأعمى ، فأبى مروان أن يُصدقه في خروج المطلقة من بيتها ، وقال عروة : إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس))(٢)، ولأن الإخراج كان لمعنى من (١) بدائع الصنائع ٢٢/٤، والاختيار ٥/٤ ، والدر المختار ٢/ ٦٤٧. (٢) حديث: ((أن فاطمة بنت قيس ... )) أخرجه مسلم (١١١٦/٢ ط عيسى الحلبي) قبلها ، فصارت كأنها خرجت بنفسها مراغمة لزوجها . وقال المالكية : مما يكون به نشوز الزوجة منعها زوجها من الوطء أو الاستمتاع - في المشهور - وخروجها بغير إذن زوجها لمحل تعلم أنه لا یأذن فیه أو لا یجب خروجها إليه ، وعجز الزوج عن منعها ابتداء ثم عن ردها لمحل طاعته ، فإن قدر على منعها ابتداء أو على ردها بصلحها أو بحاكم فلا تكون ناشزا ، ويكون النشوز كذلك بتركها حقوق الله تعالی کالغسل أو الصلاة أو صيام رمضان ، وبإغلاقها الباب دونه ، وبأن تخونه في نفسها أو ماله (١). وقال الشافعية : مما یکون به نشوز الزوجة خروجها بغير إذن زوجها من المنزل لا إلى القاضي لطلب الحق منه ، ولا إلى اكتساب النفقة إذا أعسر بها الزوج ، ولا إلى استفتاء إن لم يكن زوجها فقیھا ولم یستفت لها ، ولا إلى الطحن أو الخبز أو شراء ما لا بد منه ، أو الخوف من انهدام المنزل ، أو جلاء من حولها من الجيران في غيبة الزوج ، أو انقضاء إجارة المنزل أو رجوع معيره ، (١) الشرح الصغير ٥١١/٢، وشرح الزرقاني ٤/ ٦٠، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣٤٣/٢ . - ٢٨٨ - نُشُوز ٦ وكذا لو خرجت لحاجتها في البلد بإذنه كأن تکون بلانة أو ماشطة أو داية تولد النساء فلا تعتبر ناشزة بذلك . وتكون الزوجة ناشزة کذلك بإغلاقها الباب في وجه زوجها ، وعدم فتحها الباب ليدخل و کان قفله منها ، وبمنعه من فتح الباب ، وحبسها زوجها ، ودعواها طلاقا ، وکونها معتدة عن غيره كوطء شبهة . وتكون ناشزة بمنعها الزوج من الاستمتاع بها حیث لا عذر ، لا منعه من ذلك تدللاً ، ويدخل في المنع من الاستمتاع الذي تنشز به المنع من نحو قبلة - وإن مکنته من الجماع - حیث لا عذر في امتناعها منه ، فإن عذرت کان کان به صنان مستحکم - مثلا - وتأدت به تأذیا لا یحتمل لم تعد ناشزة ، وتصدق في ذلك إن لم تدل قرينة قوية على كذبها . وقالوا : إن شتم المرأة زوجها وإيذاءها له بنحو لسانها لا يكون نشوزاً ، بل تأثم به وتستحق التأديب عليه . ویکون النشوز کذلك إذا دعا الزوج نساءه إلى منزله الذي أعده لاتيانهن فيه فتمتنع إحداهن ، بخلاف ما لو دعا إحداهن لمنزل ضرتها فلا یعد امتناعها نشوزاً ، ومحل کون امتناعها نشوزاً عند دعائها لمنزله إن لم تكن شريفة ، وإلا فلا يعد نشوزاً حيث كان منزله في بیت آخر ، فإن کان في البيت الذي هو فيه عد ذلك نشوزاً . وتعد الزوجة ناشزة إذا سافرت بدون زوجها بلا إذنه ، أو بإذن لغیر حاجته بأن کان حاجتها ، أو لحاجة أجنبي ، أو لحاجتهما ، أو لا لحاجة کنزهة . ولو سافرت الزوجة مع الزوج - ولو بلا إذن - فلا تکون ناشزة إن لم ینھھا ، فإن نهاها كانت ناشزة ، سواء أقدر على ردها أم لا ، نعم إن استمتع بها لا تكون بعد الاستمتاع بها ناشزة ، لأن استمتاعه بها رضا بمصاحبتها له . ولو ارتحلت لخراب البلد وارتحل أهلها ، واقتصرت على قدر الضرورة لاتعد ناشزة . وقالوا : من أمارات نشوز الزوجة قولاً أن تجيب زوجها بكلام خشن بعد أن كانت تجيبه بكلام لين ، فلو كان الكلام الخشن عادتها لم یکن نشوزاً إلا إن زاد . - ٢٨٩ - نُشُوز ٦ -٧ ومن أمارات نشوزها فعلا أن يجد منها إعراضا وعبوسا ، لأنه لا يكون إلا عن كراهة ، وبذلك فارق السب والشتم لأنه قد يكون لسوء الخلق ، لكن للزوج تأديبها عليه ولو بلا حاكم(١). وقال الحنابلة : أمارات النشوز مثل ان تتثاقل أو تتدافع إذا دعاها للاستمتاع ، ولاتصیر إليه إلا بتکره ودمدمة ، أو تجيبه متبرمة متكرهة ، ویختل أدبها في حقه . ویکون نشوز الزوجة على زوجها بأن تعصيه فيما فرض الله عليها من طاعة ، وتمتنع من فراشه ، أو تخرج من منزله بغير إذنه (٢) .. أثر النشوز على النفقة : ٧ - اختلف الفقهاء فى سقوط نفقة الزوجة بنشوزها . فذهب جمهور الفقهاء : الحنفية والمالكية على المشهور والشافعية والحنابلة والشعبي وحماد والأوزاعي وأبو ثور إلى أن الناشز لا نفقة لها ولا سكنى ، لأن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها له ، بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إليه ، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين ، فإذا (١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٣٠٥/٣، ٧٨/٤ ، وشرح التحرير وحاشية الشرقاوي ٢٨٣/٢-٢٨٥. (٢) المغني ٧/ ٤٦، وكشاف القناع ٢٠٩/٥ . منعته التمكين كان له منعها من النفقة كما قبل الدخول . وقال بعض المالكية : إن النفقة لا تسقط بالنشوز، واحتج لهم بأن نشوزها لا يسقط مهرها فكذلك نفقتها (١) . وللفقهاء القائلين بسقوط النفقة بالنشوز تفصيل : قال الحنفية : لا نفقة للناشزة لفوات التسليم بمعنى من جهتها وهو النشوز . والنشوز عندهم نوعان : نشوز في النكاح ونشوز في العدة ، وقد تقدم . وتسقط بالنشوز النفقة المفروضة لا المستدانة في الأصح ، أي إذا كان لها عليه نفقة أشهر مفروضة ثم نشزت سقطت تلك الأشهر الماضية ، بخلاف ما إذا أمرها بالاستدانة فاستدانت علیه فإنها لا تسقط ، قال ابن عابدين : وسقوط المفروضة منصوص عليه في الجامع ، أما المستدانة فذكر في الذخيرة أنه يجب أن يكون على الروايتين في سقوطها بالموت ، (١) البدائع ٢٢/٤، والاختيار ٥/٤ ، والدر المختار ورد المحتار ٢/ ٦٤٧، والزرقاني ٢٥٠/٤ - ٢٥١، والحطاب ١٨٧/٤ - ١٨٨، ومغني المحتاج ٤٣٦/٣، والمغني ٧/ ٦١١ - ٦١٢، والقرطبي ١٧٤/٥ ، والإجماع لابن المنذر ص ٩٧ . - ٢٩٠ - نُشُوز ٧ والأصح منهما عدم السقوط ، ومقتضى هذا أنها لو عادت إلى بيته لا يعود ما سقط ، وهل يبطل الفرض فیحتاج إلى تجديده بعد العود إلى بيته أم لا؟ الظاهر عدم بطلانه ، لأن كلامهم في سقوط المفروض لا الفرض(١). واتفق المالكية على أن نفقة الناشز لا تسقط إذا كانت حاملاً ، لأن النفقة حينئذ للحمل ، و کذا إذا كانت مطلقة رجعیا وخرجت بلا إذن ، لأنه لیس له منعها من الخروج . واختلفوا في سقوط نفقة الناشز في غير هاتين الحالتين : فقال بعضهم وهو الرواية المشهورة : إن منعت المرأة زوجها الوطء أو الإستمتاع بغير عذر تسقط نفقتها عنه في اليوم الذي منعته فیه من ذلك . وقالوا : تسقط نفقتها أيضا إن خرجت من بیته أو من محل طاعته ظالمة بلا إذن ولم يقدر على ردها بنفسه أو رسوله أو حاکم ینصف ، و کان خروجها إلی مکان معلوم ولم يقدر على منعها ابتداء ، فإن قدر على منعها ولم يفعل لم تسقط نفقتها . وقال بعض المالكية : أن النفقة لا تسقط (١) الدر المختار ورد المحتار ٢/ ٦٤٧. بالنشوز بعد التمكين وقد تقدم ذكر قولهم(١) . وقال الشافعية : تسقط النفقة بنشوز - أي خروج - عن طاعة الزوج وإن لم تخرج من بيته أو قدر على تسلمها ، ولو بمنع لمس أو نظر بنحو تغطية وجه لغیر دلال بلا عذر ، وتسقط نفقة کل یوم بالنشوز بلا عذر في کله ، وكذا في بعضه في الأصح ، قال القليوبي : هو المعتمد ، وكسوة الفصل كنفقة اليوم ، ولا تعود بعودها للطاعة في بقية اليوم أو الليلة أو الفصل ما لم يستمتع بها علی المعتمد . ونشوز المجنونة والمراهقة كالعاقلة البالغة ، وإن كان لا إثم عليهما . ولو صرف الزوج لامرأته المؤن غير عالم بالنشوز ثم علم به فله الاسترداد ، ولو تصرفت فیھا لم يصح ، لأنها باقية على ملكه . وقال الأنصاري في سقوط نفقة اليوم كله بالنشوز في بعضه : وإنما سقطت النفقة لها لأنها لا تتجزأ ، بدلیل أنها تسلم دفعة واحدة ولا تفرق غدوة وعشية (٢) . (١) عقد الجواهر الثمينة ٣٠٩/٢، وشرح الزرقاني ٤/ ٢٥٠-٢٥١ ، والدسوقي ٥١٤/٢، والشرح الصغير ٢/ ٥١١، ٧٤٠، والخطاب مع التاج والاكليل ٤/ ١٨٧-١٨٨ . (٢) شرح المنهاج وحاشيتا القليوبي وعميرة ٤/ ٥٤، ٧٨، ٧٩، ومغني المحتاج ٤٠٢/٣، وأسنى المطالب ٤٣٣/٣. - ٢٩١ - :٠ نُشُوز ٧_٨ وقال الحنابلة : الناشز لا نفقة لها ولا سكنی ، لأن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها ، بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إلى الزوج ، فإذا منعها النفقة كان لها منعه من التمكين ، فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة كما قبل الدخول ، وإذا كان له منها ولد فعليه نفقة ولده لأنها واجبة له فلا يسقط حقه بمعصیتها ، وعلى الزوج أن يعطيها إياها إذا كانت هي الحاضنة له أو المرضعة له ، و کذلك أجر إرضاعها يلزمه تسليمه إليها ، لأنه أجر ملكته عليه بالإرضاع ، لا في مقابلة الاستمتاع ، ولا يزول بزواله (١) . عودة النفقة بترك النشوز : ٨ - ذهب الفقهاء القائلون بسقوط النفقة بالنشوز إلى أن الناشز إذا رجعت عن نشوزها وعادت إلى زوجها ، عادت نفقتها لزوال المسقط لها . ولهم في ذلك تفصيل . فقال الحنفية : الناشز تسقط نفقتها حتى تعود إلى بيت الزوج ولو بعد سفر الزوج ، فلو عادت إلى بيته بعدما سافر خرجت عن كونها ناشزة ، فتستحق النفقة ، فتکتب إلیه لینفق علیھا ، أو ترفع أمرها للقاضي ليفرض لها عليه نفقة ، أما لو أنفقت على نفسها بدون ذلك فلا رجوع لها ، (١) المغني ٧/ ٦١١ - ٦١٢ . لأن النفقة لا تصير دينا إلا بالقضاء أو الرضا ، فتسقط بالمضي بدون قضاء ولا تراض(١). وقال الشافعية : لا سكنى للمعتدة الناشزة ، سواء أكان ذلك قبل طلاقها - كما صرح به القاضي وغيره - أم كان في أثناء العدة - كما صرح به المتولى - فإن عادت إلى الطاعة عاد حق السكنى - كما صرح به المتولى - وقيل : إن نشزت على الزوج وهي في بيته فلها السكنى في العدة ، وإن خرجت واستعصت عليه من كل وجه فلا سكنى لها ، ويرجع بأجرة المسكن في مدة النشوز وإن كان لزوجها ، وله إخراجها إذا نشزت ، ويجب عودها إذا عادت . ولو نشزت فخرجت من بيته بغير إذنه فغاب ، ثم عادت بعد غيبته فأطاعته لم تجب نفقتها زمن الطاعة في الأصح لانتفاء التسليم والتسلم ، ومقابل الأصح : تجب لعودها إلى الطاعة ، فإن رفعت الأمر إلى الحاكم كتب إلى حاكم بلده يعلمه بالحال ، فإن عاد الزوج أو وكيله واستأنف تسلم الزوجة عادت النفقة ، وإن مضى زمن إمكان العود ولم يوجد عادت أيضاً . والحکم کذلك لو حصلت غیبة الزوج قبل النشوز . (١) رد المحتار على الدر المختار ٢/ ٦٤٧ - ٢٩٢ - نُشُوز ٨ __ ٩ ولو نشزت في البيت من غير خروج فغاب ، ثم أطاعت ، وجبت النفقة بمجرد إطاعتها - کمرتدة أسلمت - لأنه لم تخرج من يده (١) . وقال الحنابلة : إذا سقطت نفقة المرأة لنشوزها فعادت عن النشوز والزوج حاضر عادت نفقتها ، لزوال المسقط لها ووجود التمكين المقتضى لها ، وإن كان غائباً لم تعد نفقتها حتى يعود التسلیم بحضوره ، أو حضور و کیله ،أو حكم الحاكم بالوجوب إذا مضى زمن الإمكان . وقالوا : إن النفقة سقطت في النشوز بخروجها عن یده ، أو منعها له من التمكين المستحق عليها ، ولا يزول ذلك إلا بعودها إلى بيته وتمکینه منها ، ولا يحصل ذلك في غیبته ، ولذلك لو بذلت تسليم نفسها قبل دخوله بها في حال غيبته لم تستحق النفقة بمجرد البذل ، كذا هنا (٢). أثر النشوز في مدة الإيلاء : ٩- نص الشافعية على أنه إن وجد مانع الوطء في الزوجة المولى منها وهو حسي ، كصغر ومرض يمنع كل منهما الوطء ، منع ابتداء المدة ، (١) شرح المنهاج وحاشيتا القليوبي وعميرة ٥٤/٤، ٧٩،٧٨، ومغني المحتاج ٣/ ٤٠٢، وأسنى المطالب ٤٣٣/٣ . (٢) المغني ٧/ ٦١١ - ٦١٢. فإذا زال استؤنفت ، وإن حدث مانع لوطء في أثناء مدة الإيلاء - كنشوزها فيها - قطعها لامتناع الوطء معه ، فإذا زال الحادث استؤنفت المدة ، إذ المطالبة مشروطة بالإضرار أربعة أشهر متوالية ولم توجد ، وقيل تُبنى على ما مضى ورجحه الإمام والغزالي(١) . وقال الحنابلة : إن كان العذر المانع من وطئها من جهتها ، كصغرها ومرضها وحبسها ، وصيامها واعتكافها الفرضين ، وإحرامها ونفاسها وغیبتها ونشوزها وجنونها ونحوه کالإغماء عليها ، وكان ذلك العذر موجوداً حال الإيلاء ، فابتداء المدة من حين زواله ، لأن المدة تضرب لامتناعه من وطئها ، والمنع هنا من قبلها ، وإن كان العذر طارئاً في أثناء المدة استؤنفت الأربعة أشهر من وقت زواله ، ولم تبن على ماضى لقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشَّهُرٍ*﴾(٢)، وظاهره يقتضي أنها متوالية ، فإذا انقطعت وجب استئنافها كمدة الشهرين في صوم الكفارة إن كان قد بقى من المدة التى حلف لا یطؤها فیھا أکثر من أربعة أشهر ، وإن لم یکن بقي منها أكثر من أربعة أشهر ، بل أربعة فأقل ، سقط حكم الإيلاء ، كما لو حلف على ذلك (١) مغني المحتاج ٣٤٩/٣، والقليوبي وعميرة ٤/ ١٢. (٢) سورة البقرة / ٢٢٦ . - ٢٩٣ - نُشُوز ٩- ١٢ ابتداء ، ولا تبنی علی ما مضی إذا حدث عذر مما سبق ، كمدة الشهرين في صوم الكفارة إذا انقطع التتابع يستأنفهما(١) . أثر النشوز في القسم للزوجة : ١٠ - ذهب الفقهاء إلى أن نشوز الزوجة يسقط حقها في القسم لها مع سائر الزوجات ، لأنها بنشوزها رضيت بإسقاط حقها في القسم ، فإن عادت إلى المطاوعة استأنف الزوج القسم لها مع باقي زوجاته ، ولم يقض لها مبيته عند ضرتها لسقوط حقها إذا ذاك (٢). إعطاء الناشزة من الزكاة : ١١ - نص الشافعية في الأصح على أن المرأة الناشزة على زوجها لا تعطى من الزكاة ، لأنها ليست فقيرة لقدرتها على الطاعة حالا والرجوع عن النشوز ، فتكون عندئذ مكفیة بنفقة الزوج فلا يصدق عليها أنها فقيرة ، لأنها باکتفائها بالنفقة من الزوج غیر محتاجة ، کالمکتسب کل يوم قدر كفايته . والثاني مقابل الأصح عندهم : يجوز إعطاؤها من الزكاة نظرا إلى أنها لا مال لها ولا (١) كشاف القناع ٣٦٣/٥. (٢) رد المحتار ٢/ ٤٠٠، وحاشية الدسوقي ٢/ ٣٤٢ ، ونهاية المحتاج ٦/ ٣٧٣، وكشاف القناع ٢٠٤/٥ . كسب ، ويمنع تشبيهها بالمكتسب(١) . مشروعية تأديب الناشزة وولاية تأديبها : ١٢ - تأديب الزوجة الناشزة مشروع(٢) بقوله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى الْنِسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصَِّلِحَتُ قَنِتَتُّ حَفِظَتٌ لِّلَغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَأَلَّتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهَُّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَآَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْنَّ سَبِيلاًُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾(٣) ، نزلت هذه الآية في سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه نشزت عليه امرأته فلطمها، فجاء بها أبوها إلى النبي وَّ فقال : ((أفرشته كريمتي فلطمها ، فقال لها النبي : اقتصي منه ، وانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال ◌َله: ارجعوا ، هذا جبريل أتاني، وأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال ◌َله: أردنا أمراً وأراد الله أمراً ، والذي أراد الله خيرٌ، ورفع القصاص)) (٤). (١) شرح المحلي وحاشيتا القليوبي وعميرة ١٩٦/٣، ومغني المحتاج ١٠٨/٣ . (٢) تفسير القرطبي ١٦٨/٥-١٦٩، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٤٢/٢ . (٣) سورة النساء / ٣٤ . (٤) حديث نزول آية: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ في سعد بن الربيع . أورده الواحدي في أسباب النزول = - ٢٩٤ - نُشُوز ١٢ - ١٤ فالحق في تأديب الزوجة إن نشزت للأزواج في الجملة عند الفقهاء ، ولهم في ذلك بيان : قال الحنفية : ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه - أي الزوجة - فیما يلزم طاعته بأن كانت ناشزة ، فله أن يؤدبها (١) . وقال المالكية : إذا علم أن النشوز من الزوجة فإن المتولی لزجرها هو الزوج إن لم يبلغ نشوزها الإمام ، أو بلغه ورجا إصلاحها على يد زوجها ، وإلا فإن الإمام يتولى زجرها(٢) . وقال القرطبي : ولى الله تعالى الأزواج ذلك دون الأئمة ، وجعله لهم دون القضاة بغیر شهود ولا بينات ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء (٣). وقال الشافعية : جاز للزوج ضرب الناشزة ، ولم يجب الرفع للحاكم لمشقته ، ولأن القصد ردها إلى الطاعة كما أفاده قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْنَّ سَبِيلاً ﴾(٤) ، وخصص الزركشي ذلك بما إذا لم يكن بينهما عداوة ، فإن = (ص ١٥١ ط مؤسسة الریان) عن مقاتل بدون إسناد ، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٩١/٨ ط دائرة المعارف) من حديث الحسن البصري مرسلاً كذلك بقوله : « إن رجلاً لطم امرأة)) . (١) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢. (٢) مواهب الجليل ١٥/٤، وحاشية الدسوقي ٣٤٣/٢. (٣) تفسير القرطبي ١٧٣/٥. (٤) سورة النساء / ٣٤. كان بينهما عداوة تعين الرفع للحاكم (١) . وقال الحنابلة : الزوج الذي له حق تأديب امرأته یمنع منه إذا علم منعه حقها حتى يؤديه وحتى يحسن عشرتها ، لأنه يكون ظالماً بطلبه حقه مع منعها حقها(٢) . وللتفصیل انظر مصطلح : (تأدیب ف ٤،٣، ٧، ٨، وزوج ف ٧) . ما یکون به التأدیب للنشوز : ١٣ - اتفق الفقهاء على أن للزوج تأديب امرأته لنشوزها ، وعلى أن هذا التأديب يكون بالوعظ والهجر في المضجع والضرب ، لقول الله عز وجل: ﴿ وَأَّتِى تَخَافُونَ نُشُوزَ هُنَّ فَعِطُّوهُرَّ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَّضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ (٣). ولهم بعد هذا الإجمال تفصيل في كل من الوعظ والهجر في المضجع والضرب ، على النحو التالي : أ - الوعظ : ١٤- الوعظ هو: التذكير بما يلين القلب لقبول الطاعة واجتناب المنكر من الثواب والعقاب (١) حاشية الجمل على شرح التحرير ٢٨٩/٤ . (٢) كشاف القناع ٢١٠/٥ . (٣) سورة النساء / ٣٤. - ٢٩٥ - نُشُوز ١٤ المترتبين على طاعته ومخالفته . وقد اتفق الفقهاء على مشروعية وعظ الرجل امرأته إن نشزت ، أو ظهرت أمارات نشوزها ، لقوله تعالى: ﴿ وَأَِّ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُرَ ﴾. ونص الشافعية على أن الوعظ - في الحالات التي يشرع فيها - مندوب إليه . وقال الحنفية والمالكية : إن الزوج يعظ امرأته إن نشزت فعلا . وقال الشافعية والحنابلة : إنه يعظها إذا ظهرت أمارات نشوزها . وقال الفقهاء : يعظها على الرفق واللين ، بأن يقول لها : كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب ، ولا تکوني من كذا وكذا ، ويعظها بكتاب الله تعالی ، ویذکرها ما أوجب الله عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج والاعتراف بالدرجة التي له عليها ، ويحذرها عقاب الدنيا بالضرب وسقوط المؤن ، وعقاب الآخرة بالعذاب ، ويقول لها : اتقى الله في الحق الواجب لي عليك ، ويبين لها أن النشوز يسقط القسم ، فلعلها تبدی عذراً أو تتوب عما وقع منها بغير عذر ، ویندب أن یذکر لها قول النبي وقال: ((إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح»(١) ، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها))(٢)، وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : أيما امرأة عبست في وجه زوجها إلا قامت من قبرها مسودة الوجه ولا تنظر إلى الجنة . ويستحب أن يبرها ويستميل قلبها بشيء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَلآل قال: ((المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها ، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج)) (٣). وقالوا : إن رجعت بالوعظ إلى الطاعة والأدب حرم ما بعد الوعظ من الهجر والضرب(٤) . (١) حديث: ((إذا باتت المرأة هاجرة ... ) تقدم تخريجه ف (٥) . (٢) حديث: ((لو كنت آمراً أحداً أن يسجد ... )) تقدم تخريجه ف (٥) . (٣) حديث: ((المرأة كالضلع ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٢٥٢ ط السلفية) ومسلم (٢/ ١٠٩٠ ط عيسى الحلبي)، واللفظ للبخاري . (٤) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢ ، وحاشية الدسوقي على شرح الدردير ٣٤٣/٢، وتفسير القرطبي ١٧١/٥، والأم ١١٢/٥، ومغني المحتاج ٢٥٩/٣، وحاشية القليوبي ٣٠٥/٣، وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير . ٢ / ٢٨٥، وكشاف القناع ٢٠٩/٥. - ٢٩٦ - نُشُوز ١٥ ب - الهجر : ١٥ - اتفق الفقهاء على أن مما يؤدب الرجل به امرأته إذا نشزت الهجر ، لقوله تعالى : وَأَهْجُرُوهُنَّ فِ اَلْمَضَاجِعِ﴾(١). واختلفوا فيما يكون به الهجر المشروع ، وفي غايته . فذهب الحنفية إلى أنه إذا وعظ الرجل امرأته ، فإن نجعت فيها الموعظة وتركت النشوز وإلا هجرها ، وقيل : يخوفها بالهجر أولاً والاعتزال عنها وترك الجماع والمضاجعة ، فإن تركت وإلا هجرها ، لعل نفسها لا تحتمل الهجر . ثم اختلفوا في کیفیة الھجر ، قيل : يهجرها بأن لا يجامعها ولا يضاجعها على فراشه ، وقيل : يهجرها بأن لا يكلمها في حال مضاجعته إياها ، لا أن يترك جماعها ومضاجعتها ، لأن ذلك حق مشترك بينهما ، فیکون في ذلك من الضرر ما عليها ، فلا يؤدبها بما يضر بنفسه ويبطل حقه ، وقيل : يهجرها بأن يفارقها في المضجع ویضاجع أخرى في حقها وقسمها ، لأن حقها عليه في القسم في حال الموافقة وحفظ حدود الله تعالى لا في حال التضييع ، وقيل : يهجرها بترك مضاجعتها وجماعها لوقت غلبة شهوتها وحاجتها لا في وقت حاجته إليها ، لأن (١) سورة النساء / ٣٤ . هذا للتأدیب والزجر ، فينبغي أن يؤدبها لا أن يؤدب نفسه بامتناعه عن المضاجعة في حال حاجته إلیھا (١) وقال المالكية : الهجر أن يترك مضجعها ، أي يتجنبها في المضجع فلا ينام معها في فراش ، لعلها أن ترجع عما هي عليه من المخالفة ، وهذا ما رواه ابن القاسم عن مالك واختاره ابن العربي وحسنه القرطبي . وغاية الهجر المستحسن عند المالكية شهر ، ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولي(٢) . وقال الشافعية : إن نشزت الزوجة وعظها زوجها ، ثم هجرها في المضجع لأن له أثرا ظاهراً في تأديب النساء ، أما الهجران في الكلام فلا يجوز فوق ثلاثة أيام لحديث : «لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام))(٣) إلا أن قصد ردها أو إصلاح دينها ، إذ الهجر - ولو دائماً ولغير الزوجين - جائز لغرض شرعي كفسق (١) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢. (٢) مواهب الجليل ٤/ ١٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٤٣/٢، وتفسير القرطبي ٥/ ١٧١-١٧٢، والشرح الصغير ٢/ ٥١١ (٣) حديث: ((لا يحل للمؤمن ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠/ ٤٩٢) ومسلم (٤/ ١٩٨٤ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي أيوب رضي الله عنه ، واللفظ لمسلم . - ٢٩٧ - نُشُوز ١٥-١٦ وابتداع وإيذاء وزجر وإصلاح . والمراد بالهجر أن يهجر فراشها فلا يضاجعها فيه ، وقيل : هو ترك الوطء ، وقيل : هو أن يقول لها هُجراً أي إغلاظا في القول . وقال ابن حجر الهيتمي : لا غاية له عند علمائنا ، لأنه لحاجة صلاحها ، فمتى لم تصلح تهجر وإن بلغ سنین ، ومتی صلحت فلاهجر(١) كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنّ أُطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْنَّ سَبِيلاً﴾(٢). وقال الحنابلة : إن أظهرت المرأة النشوز هجرها زوجها في المضجع ماشاء ، لقوله تعالى: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ﴾ ، وقال ابن عباس : لا تضاجعها في فراشك ، وقد ((هجر النبي ◌َآلآ نساءه فلم يدخل عليهن شهراً)(٣) ، وهجرها في الكلام ثلاثة أيام لا فوقها (٤) لحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق وللتفصيل (ر: هجر) . (١) مغني المحتاج ٢٥٩/٣، والقليوبي ٣٠٦/٣، والزواجر ٤٣/٢. (٢) سورة النساء / ٣٤ . (٣) حديث: (هجر رسول الله ﴾ ﴿نساءه .. » أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٢٧٩)، ومسلم (١١١٣/٢) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه . (٤) كشاف القناع ٢٠٩/٥ . ج - الضرب : ١٦ - اتفق الفقهاء على أن مما يؤدب به الرجل زوجته عند نشوزها الضرب (١) لقول الله تعالى: ﴿ وَأَِّ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٢). وللفقهاء تفصيل في كيفية الضرب وما يلزم توافره لمباشرته . فاشترط الفقهاء في ضرب التأديب المشروع إن نشزت الزوجة : أن يكون الضرب غير مُدْم ولا مبرح ولا شائن ولا مخوف ، وهو الذي لا یکسر عظماً ولا یشین جارحة كاللکزة ونحوها ، لأن المقصود منه الصلاح لا غير . وقالوا : الضرب المبرح هو ما يعظم ألمه عرفا ،أو مايخشى منه تلف نفس أو عضو ، أو ما يورث شيئاً فاحشاً ، أو الشديد ، أو المؤثر الشاق ، قال بعضهم : لعله من برح الخفاء إذا ظهر ، وفي الحديث أن رسول الله مَ لانه قال: «اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولکم علیھن أن لا یوطئن فُرُشکم أحداًتكرهونه ،فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح)»(٣). (١) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢، والشرح الكبير ٣٤٣/٢ ، ونهاية المحتاج ٣٨٣/٦، وكشاف القناع ٢٠٩/٥ . (٢) سورة النساء / ٣٤ . (٣) حديث: ((اتقوا الله في النساء ... )= - ٢٩٨ - نُشُوز ١٦ ونص المالكية والشافعية على أن الناشزة إن لم تنزجر وتدع النشوز إلا بالضرب المبرح أو المخوف لم يجز لزوجها تعزيرها لا بالضرب المبرح ولا بغيره ، قال الدردير : لا يجوز الضرب المبرح ولو علم أنها لا تترك النشوز إلا به ، فإن وقع فلها التطليق عليه والقصاص(١). ونص الشافعية والحنابلة على تفصيل في هيئة الضرب : فقال الشافعية : لا يضرب الزوج امرأته التي تحقق نشوزها على الوجه والمهالك ، قال ابن حجر الهيتمي : في الحديث النهي عن ضرب الوجه ، فعن معاوية القشيري رضي الله عنه قال : ((قلت: يا رسول الله، ماحق زوجة أحدنا عليه؟ قال : أن تطعمها إذا طعمت ، وتکسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت)) (٢)، أخرجه مسلم (٨٨٩/٢ - ٨٩٠ ط عيسى الحلبي) من = حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما . (١) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢، وتفسير القرطبي ١٧٢/٥ ، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢/ ٣٤٣ ، ومواهب الجليل ١٥/٤-١٦، ونهاية المحتاج ٦/ ٣٨٣، ومغني المحتاج ٢٦٠/٣، وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢٨٦/٢، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٤٣/٢، وكشاف القناع ٢٠٩/٥ . (٢) حديث معاوية القشيري: ((ما حق زوجة أحدنا ... )) = وقال الهيتمي : لا تضرب إلا في البيت ، ويفرقه على بدنها ، ولا يواليه في موضع لئلا يعظم ضرره ، وقالوا : لا يبلغ ضرب حرة أربعين وغيرها عشرين (١) . وقال الحنابلة : يجتنب الوجه تکرمة له ، والبطن والمواضع المخوفة خشية القتل ، والمواضع المستحسنة لئلا يشوهها ، ويكون الضرب عشرة أسواط فأقل (٢). لقوله : «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حدمن حدود الله)) (٣) . وقال الشافعية في الأوجه المعتمد عندهم والحنابلة في المذهب : إن للزوج أن يؤدب زوجته إن نشزت بضربها بسوط أو عصا ضرباً غير مبرح ولا مدم ولا شائن . وقال المالكية وبعض الشافعية والحنابلة : يؤدبها بضربها بالسواك ونحوه أو بمنديل ملفوف أو بيده ، لا بسوط ولا بعصا ولا بخشب ، لأن أخرجه أبو داود (٢/ ٦٠٦ ط حمص) وأحمد (٣/٥ ط = اليمنية)، والحاكم (٢/ ١٨٨) واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . (١) روضة الطالبين ٣٦٨/٧، ونهاية المحتاج ٦/ ٣٨٣ ، ومغني المحتاج ٣/ ٢٦٠، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٤٣/٢. (٢) كشاف القناع ٢٠٩/٥ - ٢١٠. (٣) حديث: ((لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط ... ) أخرجه مسلم (٢/ ١٣٣٣ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه . - ٢٩٩ - نُشُوز ١٦ - ١٧ المقصود التأديب (١) . ونص الشافعية والحنابلة على أن الزوج - إن جاز له الضرب لتأديب امرأته لنشوزها - فالأولی له العفو لأن الحق لنفسه ولمصلحته ، قال الشافعية : ترك الضرب بالكلية أفضل ، وقال الحنابلة : الأولى ترك ضربها إبقاء للمودة (٢) . وفي ضرب المرأة للنشوز قال المالكية : لم یأمر الله عزوجل في شيء من کتابه بالضرب صراحة إلاهنا - أي الضرب للتعزير على النشوز - وفي الحدود العظام ، فساوی معصیتھن بأزواجهن بمعصية الكبائر . وقال الشافعية : ليس لنا موضع یضرب المستحق فیه من منعه حقه غیر هذا ، والرقيق يمتنع من حق سيده (٣) هل يشترط تكرار النشوز حتى يشرع الضرب : ١٧ - اختلف الفقهاء في اشتراط تكرار نشوزُ المرأة لضربها (١) تفسير القرطبي ١٧٣/٥، ونهاية المحتاج ٦/ ٣٨٣، وکشاف القناع ٢٠٩/٥ -٢١٠ (٢) روضة الطالبين ٣٦٨/٧، ونهاية المحتاج ٦/ ٣٨٣، وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢٨٦/٢ ، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٤٣/٢ ، وكشاف القناع ٢١٠/٥. (٣) تفسير القرطبي ١٧٣/٥ ، وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢٨٦/٢، ومغني المحتاج ٢٦٠/٣. فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الضرب لتأديب الزوجة الناشزة مشروع بتحقق نشوزها ولو لأول مرة دون أن يتكرر النشوز ، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَِّ تَخَافُونَ نُشُوزَ هُنَّ فَعِظُوهُرَّ وَاهْجُرُ وهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾(١) فتقديره : واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ، فإن نشزن فاهجرون في المضاجع واضربوهن ، والخوف هنا بمعنى العلم كما في قوله تعالى : ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًّا أَوْ إِثْمًا﴾ (٢) والأولى بقاؤه على ظاهره ، ولأن المرأة صرحت بنشوزها فکان لزوجها ضربها کما لو أصرت ، ولأن عقوبات المعاصى لا تختلف بالتكرار وعدمه کالحدود . ورجح الرافعي وأبو حامد والمحاملي وغيرهم من فقهاء الشافعية ، وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة أنه إن تحقق نشوز الزوجة ولم یتکرر ولم يظهر إصرارها عليه لا يجوز ضربها ، لأن الجناية لم تتأكد بالتكرار ، ولأن المقصود زجرها عن المعصية في المستقبل ، وما هذا سبيله يبدأ فيه بالأسهل(٣) . واشترط المالكية والشافعية لمشروعية ضرب (١) سورة النساء / ٣٤ . (٢) سورة البقرة / ١٨٢ . (٣) بدائع الصنائع ٣٣٤/٢ ، والشرح الكبير مع حاشية = - ٣٠٠ -