النص المفهرس
صفحات 201-220
نَذْر ٥٨ -٥٩ نذر المشي إلى المدينة المنورة وبيت المقدس أو مسجديهما : ٥٨- اختلف الفقهاء فيمن نذر المشي إلى المدينة المنورة وبيت المقدس أو المشي إلى مسجديهما على أقوال : فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يلزمه شيء ، واستدل الحنفية بأن من نذر المشي إلى مسجد المدينة أو المسجد الأقصى فقد أوجب على نفسه التحول من مكان إلى مكان ، وذلك ليس بقربة مقصودة لأنه لا قربة في المشي ، ولا يصح النذر بما ليس بقربة (١) . وقال المالكية : يلغو نذر مشي وذهاب ومسیر للمدینة أو إیلیاء فلا يلزم ذهابه لهما لا ماشیا ولا راكباً ، ومحل عدم لزوم الاتيان لا ماشياً ولا راكباً للبلدين إن لم ينو أو ينذر صلاة بمسجديهما أو يسمهما - أي المسجدين لا البلدين - فإن نوی صلاة فیهما أو سماهما لزمه الاتیان فیر کب ولا يلزمه المشي(٢). وقال الحنابلة : من نذر المشي إلى مسجد المدينة المنورة أو المسجد الأقصى لزمه ذلك ، ويلزمه بهذا النذر أن يصلي في الموضع الذي أتاه ركعتين ، لأن القصد بالنذر القربة والطاعة ، (١) الدر المختار ٦٧/٣، والبدائع ٢٨٦٦/٦، ومغني المحتاج ٣٦٣/٤ . (٢) شرح الزرقاني ١٠٥/٣، والشرح الكبير ١٧٣/٢. وتحصيل هذا إنما يكون بالصلاة ، لأن المساجد غير المسجد الحرام إنما تقصد للصلاة ، فتضمن ذلك نذره . واستدلوا بأن مسجد النبي وَلّ أو المسجد الأقصى من المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها لاشتراكها في عظم الفضيلة وزيادة ثواب الصلاة فيها عن غيرها من المساجد ، فيلزم المشي إليهما بالنذر كالمسجد الحرام (١). نذر حج البيت هذا العام ممن عليه حجة الإسلام : ٥٩- اختلف الفقهاء فيما يجب على من نذر أن یحج من عامه وعليه حجة الإسلام ، وذلك على مذاهب ثلاثة : المذهب الأول : يرى أصحابه أنه لا يلزمه شيء غير هذه الحجة ، إذ تجزئه عن حجة الإسلام وعن نذره ، ولا يجب عليه حج آخر ، روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو قول عكرمة ، وإليه ذهب الحنفية ، وهو رواية عن أحمد قدمها الحنابلة ، وهو قول عند المالكية إذا نوی نذره وفریضته (٢) . (١) كشاف القناع ٢٨٣/٦، والمغني ١٦/٩. (٢) الدر المختار ورد المحتار ٦٨/٣، والدسوقي ١٦٩/٢ ، وروضة الطالبين ٣٢٢/٣، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٢٣٠/٨، والمغني ٩/ ٢٠، ٢١، والكافي ٤ / ٤٢٨ . - ٢٠١ - نَذْر ٥٩- ٦٠ واستدلوا بما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في رجل نذر أن يحج ولم يكن حج الفريضة : ((يجزىء لهما جميعاً)) (١) . ولأن من نذر الحج قد نذر عبادة في وقت معین ، وقد أتى بها فیه ، فتجزیء عن نذره وعن فرضه ، كما لوقال : لله علي أن أصوم رمضان (٢). المذهب الثاني : یری أصحابه أنه يلزمه أن يبدأ بحجة الإسلام ، ثم یحج لنذره بعد ذلك ، روي هذا عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهم وعروة بن الزبير ، وهو قول عند المالكية إذا نوى نذره وفریضته ، وهو رواية عن أحمد ، وهو مذهب الشافعية إن نوی غیر الفرض فإن نوی الفرض أو أطلق لم ينعقد نذره (٣) . واستدل الشافعية بأنه إن نوى الفرض بنذره فإنه لا ينعقد كما لو نذر الصلاة المكتوبة أو صوم رمضان ، و کذلك إن أطلق إذ لا ينعقد نسك محتمل . (١) المغني ٩/ ٢١ . (٢) المغني ٩/ ٢١. (٣) المغني ٩/ ٢٠، ٢١، والكافي ٤٢٨/٤ ، والمحلي ٧/ ٢٦٧، وأسنى المطالب ٥٨٦/١، ومغني المحتاج ٣٦٥/٤ . وقالوا: إن الحج المنذور وحجة الإسلام عبادتان تجبان بسببين مختلفين ، فلم تسقط إحداهما بالأخرى ، كما لو نذر حجتين (١). المذهب الثالث : يرى المالكية أن من نذر الحج من عام النذر وعلیه حجة الإسلام ، ونوی أداء نذره وفريضته ، أجزأه لنذره لا لفرضه ، وعليه قضاء الفريضة قابلاً ، وهو مذهب المدونة ، ولو أحرم ولم ينو فرضاً ولا نذراً انصرف للفرض كمن أحرم بحج ولم ینو فرضاً ولا نفلاً فإنه ينصرف إلى الحج (٢) . نذر الصلاة في المسجد الحرام أو المسجد الأقصى : اختلف الفقهاء في حكم الصلاة المنذور في المسجد الحرام أو المسجد الأقصى ، وبيان ذلك فيما يلي : أ - نذر الصلاة في المسجد الحرام: ٦٠ - اختلف الفقهاء في حكم من نذر الصلاة في المسجد الحرام ، وذلك على مذاهب ثلاثة : (١) المغني ٩/ ٢١، ومغني المحتاج ٤/ ٣٦٥، وأسنى المطالب ١/ ٥٨٦ . (٢) كفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٣/ ٧٠ ، والدسوقي ٢/ ١٦٩، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣٣٥/٣، وشرح الزرقاني على مختصر الخليل ٣/ ١٠١. - ٢٠٢ - نَذْر ٦٠ المذهب الأول : یری أصحابه أن من نذر الصلاة في المسجد الحرام لزمه الوفاء بنذره بالصلاة فيه ، ولا يجزئه أن يصلي في غيره من المساجد ، قال به زفر من الحنفية ، وهو قول في مذهب المالكية ، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجدي بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)) (٢). وبما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله وَلقول : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام)) (٣). وبأن الناذر قد أوجب على نفسه أداء الصلاة في مكان مخصوص ، فإن أداها في غيره لم (١) فتح القدير ٢٦/٤ ، وبدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ ، ورد المحتار ٣/ ٧١، وروضة الطالبين ٣٢٥/٣، ونهاية المحتاج ٢٣٣/٨، وزاد المحتاج ٥٠٦/٤، والمغني ٩/ ١٧ ، والكافي ٤٢٤/٤، والدسوقي ١٧٣/٢ . (٢) حديث: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة .. )) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٧ ط القدسي) وقال : رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ، وفي بعضهم کلام ، وهو حديث حسن . (٣) حديث: ((صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة .. )) سبق تخريجه (ف ٤٢) . يكن مؤدياً ما عليه ، فلا يخرج عن عهدة الواجب (١) . ویأن إیجاب العبد معتبر بإیجاب الله تعالی ، فإذا كان ما أوجب الله أداءه مقيداً بمكان فلا يجوز أداؤه في غيره ، كالنحر في الحرم ، والوقوف بعرفة ، والطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، فكذلك ما أوجبه العبد على نفسه بالنذر مقيداً بذلك (٢). وبأن من نذر الصلاة في المسجد الحرام ، فقد نذر بزيادة قربة ، فیلزمه ما التزمه ، فإن أدی الصلاة في غيره كان آتياً بغير ما نذر (٣) . المذهب الثاني : يرى من ذهب إليه أن من نذر الصلاة في المسجد الحرام لزمه الوفاء بنذره ، ولا يجزئه أن يصلي في غيره من المساجد إلا مسجد النبي ﴾ فيجزئه أن يصلي فيه ، وإلى هذا ذهب المالكية ، ومشهور مذهب المالكية أن المدينة أفضل من مكة ، وثواب العمل فيها أكثر من ثواب العمل في مكة ، ومقتضى هذا أن من نذر الصلاة في المسجد الحرام يجزئه كذلك الصلاة في مسجد المدينة ، لأن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام بقطع النظر عن الكعبة (١) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦. (٢) المصدر السابق . (٣) فتح القدير ٢٦/٤. - ٢٠٣ - نَذْر ٦٠ -٦١ وعن القبر الشريف (١) . واستدلوا بأن مسجد المدينة موضع اختاره الله سبحانه لنبيه مثلقول، وموضع كهذا لابد وأن یکون أفضل من غيره ، ومن ثم فإنه يجزئ من نذر الصلاة في المسجد الحرام أن يصلي في مسجد المدينة (٢) . المذهب الثالث : یری أصحابه أن من نذر الصلاة في المسجد الحرام فإنه يجزئه الصلاة في أي مسجد ، ذهب إلى هذا أبو حنيفة وصاحباه (٣). واستدلوا بأن المقصود والمبتغى من النذر هو التقرب إلى الله عز وجل ، فلا يدخل تحت النذر إلا ما هو قربة ، وليست القربة في عين المكان ، فإنما هو موضع تؤدى فيه القربة ، ولهذا فإنه لا يدخل تحت النذر ، فلا يتقيد النذر به ، فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة (٤) . وبأن المعروف من الشرع أن التزام ما هو قربة موجب ، ولم يثبت من الشرع اعتبار تخصيص (١) مواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/ ٣٣١، ٣٤٤، ٣٤٥، وشرح الزرقاني ١٠٥/٢-١٠٦، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٣/ ٧٢ ، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٧٣. (٢) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٧٢/٣ . (٣) فتح القدير ٢٦/٤، ويدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ ، ورد المحتار ٣/ ٧١ . (٤) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦. العبد العبادة بمكان ، بل إنما عرف ذلك لله تعالى ، فلا يتعدى لزوم أصل القربة بالتزامه إلى لزوم التخصيص بمكان ، فكان تخصيص المكان ملغى ، وبقي لازماً بما هو قربة (١) . ب - نذر الصلاة في المسجد الأقصى : ٦١ - اختلف الفقهاء في حكم من نذر الصلاة في المسجد الأقصى ، وفیما إذا کان یتعین بالنذر أو لا يتعين على مذاهب ثلاثة : المذهب الأول : یری أصحابه أن من نذر الصلاة في المسجد الأقصى أجزأه أن يصلي فيه ، كما يجزئه أن يصلي في المسجد الحرام أو مسجد رسول الله وَيقر، إلى هذا ذهب المالكية، والقول الأظهر في مذهب الشافعية : أن من عين المسجد الأقصى للصلاة فيه ، فإنه يتعين لذلك ، وقطع المراوزة من أصحاب الشافعي بالتعيين ، والأصح من مذهب الشافعية أن الصلاة في المسجد الحرام أو مسجد المدينة تجزئ من نذر الصلاة في المسجد الأقصى ، ويخرج عن نذره بذلك ، وإلى هذا ذهب الحنابلة (٢) . (١) فتح القدير ٢٦/٤، ورد المحتار ٢/ ٧١. (٢) مواهب الجليل والتاج والإكليل ٣٤٤/٣-٣٤٥ ، وشرح الزرقاني ٣/ ١٠٥، وروضة الطالبين ٣٢٥/٣، ونهاية المحتاج ٢٣٣/٨، وزاد المحتاج ٤ / ٥٠٦-٥٠٧، والمغني ١٧/٩، والكافي ٤/ ٤٢٤ . - ٢٠٤ - ١ نَذْرِ ٦١ واستدلوا بما روي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما «أن رجلاً قام يوم الفتح ، فقال : يا رسول الله ﴾﴾ إني نذرت لله إن فتح الله عليك مکة أن أصلي في بيت المقدس رکعتین ، فقال له رسول الله ◌َله : صل ههنا ، فأعادها عليه، فقال : صل ههنا ، ثم أعادها ، فقال : شأنك إذاً)(١)، وفي رواية أخرى: ((والذي بعث محمداً بالحق لو صليت ههنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس)) (٢). وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن امرأة اشتكت شكوى فقالت : إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس ، فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج ، فجاءت ميمونة زوج النبي ◌ِّو تسلم عليها، فأخبرتها ذلك، فقالت : اجلسي فكلي ما صنعت ، وصلي في مسجد الرسول وير ، فإني سمعت رسول الله وَلويقول : صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة)) (٣) (١) حديث : ((إني نذرت لله إن فتح الله ... )) سبق تخريجه (ف ٤١) . (٢) حديث ((والذي بعث محمداً بالحق لوصليت ههنا ... )). تقدم تخريجه (ف ٤٣) . (٣) حديث : ((صلاة فيه أفضل ... )) تقدم تخريجه (ف ٤٣) وبأن مسجد مكة والمدينة أفضل من المسجد الأقصى باتفاق(١) ، وذلك لأفضلية الصلاة فيهما عنه ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ◌َ﴾ قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام)) (٢). المذهب الثاني : يرى أصحابه أن من نذر الصلاة في المسجد الأقصى ، تجزئه الصلاة في المسجد الأقصى ، كما يجزئه أن يصلي في غيره من المساجد ولو كان أعلى منه أو دونه في الفضل ، ذهب إلى هذا أبو حنيفة وصاحباه (٣) . المذهب الثالث : يرى من ذهب إليه أن من نذر الصلاة في المسجد الأقصى فلا يجزئه إلا أن يصلي فيه ، ولا تجزيه الصلاة في غيره ولو كان أكثر فضلاً منه كمسجد مكة أو المدينة ، قال به زفر من الحنفية (٤) . واستدل للقول الثاني (وهم جمهور (١) مواهب الجليل ٣٤٥/٣ . (٢) حديث: ((صلاة في مسجدي هذا خير ... )) سبق تخريجه (ف ٤٢) . (٣) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦، وفتح القدير ٢٦/٤، ورد المحتار ٣/ ٧١ . (٤) المصادر السابقة . - ٢٠٥ - نَذْر ٦١ - ٦٢ الحنفية) ، والقول الثالث (وهو زفر)، بما سبق الاستدلال به لما ذهبوا إليه في المسألة السابقة (وهي نذر الصلاة في المسجد الحرام) . نذر الهدي إلى غير مكة : ٦٢ - اختلف الفقهاء في حکم من نذر الهدي إلى غير مكة كالمدينة ، أو الأمصار أو الثغور المختلفة ، وحكم الذبح بها على اتجاهين : الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر الهدي إلى غير مكة ، أو نذر أن يذبح في موضع غيرها لزمه الذبح وإيصال ما أهداه إلى الموضع الذي عينه في النذر ، وتفرقة الهدي ولحم الذبيحة على الفقراء والمساكين من أهل ذلك الموضع ، إلا أن يكون أهله كفاراً ، فلا يلزم الناذر ذلك ، لعدم جواز صرف المنذور إليهم ، أو أن یکون بالموضع المعین بالنذر ما لا يجوز النذر له : كالصنم أو الكنيسة ، أو نحو ذلك مما يعظمه الكفار أو غيرهم ، ومما لا يجوز تعظيمه : كالقبر ، أو الحجر ، أو الشجر ، قال به مالك وأشهب ، وإليه ذهب الشافعية ، والحنابلة (١) . واستدلوا بما ورد عن ثابت بن الضحاك قال : (١) مواهب الجليل ٣/ ٣٤١ ، وحاشية البناني على شرح الزرقاني ١٠٣/٣، وروضة الطالبين ٣٢٧/٣، ونهاية المحتاج ٢٣٢/٨ - ٢٣٣، وزاد المحتاج ٤ / ٥٠٦، = «نذر رجل علی عهد رسول الله ێ ان ینحر إیلاً ببوانة، فأتى النبي ◌َّر، فقال : إني نذرت أن أنحر إيلاً ببوانة ، فقال النبي ◌ّار : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا : لا ، قال : هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا : لا ، قال رسول الله ◌َ لي: أوف بنذرك))(١) . وبأن من نذر أن يهدي إلى غير مكة ، قد ضمن نذره نفع فقراء ذلك البلد ، بإيصال اللحم إليهم ، وهذه قربة فلتزمه ، كما لونذر التصدق عليهم (٢) . وبأن المعهود في الشرع أن يفرق الناذر لحم الهدي بالمکان الذي نذر الذبح به ، فکأنه نذر تفرقة اللحم على فقراء أهله (٣) . وبأن نذر الهدي إلى غير مكة فيه إطعام مساکین البلد الذي يساق إليه الهدي ، وإطعام مساکین أي بلد طاعة(٤) یلزم الناذر الوفاء به لما والمغني ٩/ ١٩، والكافي ٤٢٤/٤ -٤٢٥، والحاوي = الكبير ٤٨٨/٥ ط دار الفكر، والمهذب ١/ ٢٥٠ ط دار المعرفة . (١) حديث ثابت بن الضحاك: ((نذر رجل على عهد رسول الله ... )) أخرجه أبو داود (٦٠٧/٣ - ط حمص)، وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص (٤٣٩/٤ - ط دار الكتب العلمية ) (٢) المغني ٩/ ١٩. (٣) الكافي ٤ / ٤٢٥. (٤) حاشية البناني على شرح الزرقاني ١٠٣/٣. - ٢٠٦ - نَذْر ٦٢ -٦٣ ورد عن النبي وَالقيل أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) (١). ويأن من نذر الهدي إلى غير مكة قد التزم طاعة الله تعالى بما نذر ، فيلزمه الوفاء بما التزمه بالنذر (٢) . الاتجاه الثاني : يرى من ذهب إليه أنه لا يجوز نذر الهدي إلی غیر مکة ، ولا يجوز ذبح الهدي إلا في الحرم ، ومن نذر الهدي إلى غير مکة ، فلا يلزمه شيء ، ولیس له أن یبعثه إلى الموضع الذي عينه بنذره أو يذكيه في ذلك الموضع ، إلى هذا ذهب الحنفية ، وجمهور المالكية (٣). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلَّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(٤). ووجه الدلالة من الآية: أن الموضع الذي حل ذبح الهدي فیه ، هو الحرم ، وليس المراد بالبيت العتيق نفس البيت ، وإنما يراد به البقعة التي هو فيها ، وهي الحرم ، لأن الدم لا يراق في البيت (٥) . (١) حديث: ((من نذر أن يطيع الله ... )) سبق تخريجه (ف ٥) . (٢) نهاية المحتاج ٢٣٣/٨، وزاد المحتاج ٤/ ٥٠٦ . (٣) رد المحتار ٣/ ٧٠، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧١ ، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/ ٣٤٠- ٣٤١ ، وشرح الزرقاني وحاشية البناني ١٠٣/٣ . (٤) سورة الحج / ٣٣ . (٥) فتح القدير للشوكاني ٣/ ٤٥٢، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧١. وقالوا : إن الهدي إنما يكون قربة إذا كان لمكة ، وسوق الهدي إلى غيرها من الضلال (١). وإن الهدي اسم يطلق على ما یھدی إلى مكان الهدايا ، وهو الحرم ، فإذا كانت لغيره فإنها لا تسمی بهذا الاسم (٢) . وأضافوا إن التزام الهدي لغير مكة معصية ، ولا يجوز نذرها أو الوفاء بها(٣)، لما ورد عنه وَل أنه قال: ((من نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) (٤). نذر الهدي دون تعيينه : ٦٣ - اختلف الفقهاء في حكم ما يلزم الناذر إذا نذر هدياً دون تعيينه على اتجاهين : الاتجاه الأول : يرى أصحابه أن من نذر هدياً مطلقاً فلا يجزيه من الهدي إلا ما يجزي في الأضحية (ر: أضحية ف ٢٢-٣٨) . إلى هذا ذهب الحنفية ، ويرون أنه يجزئه في هذه الحالة شاة ، لأنها الأقل ، هذا هو ما ذهب إليه المالكية ، إلا أنهم يرون أن أفضل الهدي عند إطلاقه بدنة ، فإن لم تكن فبقرة ، فإن عجز عن ذلك فشاة ، وهذا هو رأي الشافعي في الجدید ، (١) مواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/ ٣٤٠-٣٤١. (٢) رد المحتار ٣/ ٧١، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧١. (٣) مواهب الجليل ٣/ ٣٤٠. (٤) حديث : «من نذر أن يعصي الله فلا یعصه)) سبق تخريجه (ف ٥) . - ٢٠٧ - نَذْر ٦٣ -٦٤ وماعليه جمهور أصحابه ، وإليه ذهب الحنابلة (١) . واستدلوا بأن المطلق من الهدي المنذور يحمل على المعهود في الشرع ، وقد صرف المطلق إلى المعهود في الشرع ، لأنه عليه اسم الهدي ، كما لو نذر أن يصلي ، فإنه تلزمه والحال هذه صلاة شرعية ، لا لغوية (٢) . وبأن الهدي في اللغة والشرع واحد ، وهو ما يهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم ، وإطلاق الهدي على غير هذه الأنواع هو من قبيل المجاز (٣) . الاتجاه الثاني : أنه يجزئ الناذر في هذه الحالة أقل ما یتقرب به إلى الله تعالى من جنس ما یهدی ، ويخرج عن نذره بكل منحة ، حتى الدجاجة والبيضة وكل ما يتمول ، لوقوع اسم الهدي عليه ، وهو قول للشافعي في القديم (٤) . واستدلوا بأن أقل ما یتقرب به إلى الله تعالى (١) البحر الرائق ٧٥/٣، ورد المحتار ٣/ ٧٠، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧١، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣٤٣/٣، وشرح الزرقاني ١٠٤/٣، وروضة الطالبين ٣٢٩/٣، ونهاية المحتاج ٢٣٢/٨، والمغني ١٨/٩، والكافي ٤/ ٤٢٣ . (٢) نهاية المحتاج ٢٣٢/٨، والمغني ١٨/٩، والكافي ٤/ ٤٢٣ . (٣) البحر الرائق ٣/ ٧٥ . (٤) روضة الطالبين ٣٢٩/٣ . ولو کان دجاجة أو بيضة أو کل متمول یسمی هدياً، فقد ورد عن النبي وَ لي أنه قال في شأن التبكير في الرواح إلى الجمعة: ((من راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة)) (١)، فمن تقرب بمثل ذلك فإنه يصدق عليه أنه أهدى ، فيجزىء مثل ذلك في النذر المطلق للهدي (٢) . نذر طاعة لا يطيقها الناذر أو عجز عنها بعد قدرته : ٦٤- من نذر طاعة فلم يطق أداءها ابتداء ، أو عجز عن أدائها بعد أن كان قادراً عليها ، اختلف الفقهاء في حکم ما نذره ، وما يلزمه بهذا النذر على أربعة مذاهب : المذهب الأول : یری أصحابه أن من نذر ما لا يطيق أبداً فلا يلزمه شيء بهذا النذر ، وكذلك من نذر نذراً في وقت محدد فجاء ذلك الوقت وهو لا يطيق أداء ما نذر ، فإنه لا يلزمه أداؤه في هذا الوقت ولا بعد ذلك ولا يجب عليه شي ، وهو مذهب المالكية (٣). (١) حديث: ((من راح في الساعة الرابعة .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢/ ٣٦٦ ط السلفية) من حديث أبي هريرة . (٢) روضة الطالبين ٣٢٩/٣، والمهذب ١/ ٢٥٠. (٣) المقدمات الممهدات ٤٠٤/١، ومواهب الجليل ٣٢٠/٣. - ٢٠٨ - نَذْر ٦٤ واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). وبما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)) (٢) . المذهب الثاني : يرى من ذهب إليه أن من نذر ما لا يطيق الوفاء به ، أو يعجز عن الوفاء به فإنه يجب الوفاء به تقدیراً بأداء خلفه ، إلى هذا ذهب الحنفية ، ويرون أن من نذر صياماً فعجز عنه لزمته الفدية عما نذره منه (٣) . واستدلوا بأن التزام الناذر ما لا يطيق بالنذر معصية ، لأن الوفاء به قد يؤدي إلى إهلاك الناذر ، ومثل هذا لا يجب الوفاء به (٤) . وبأن الوفاء بعین المنذور إنما يجب عند إمکان الوفاء به ، فأما عند التعذر فإنه يجب الوفاء به تقديراً ، وذلك بأداء خلفه ، لأن الخلف يقوم مقام الأصل ، كما هو الحال في استعمال التراب عند فقد الماء في الطهارة ، والأشهر عند عدم الأقراء في العدة (٥) . (١) سورة البقرة / ٢٨٦ . (٢) حديث: ((من نذر أن يطيع الله .. .)) سبق تخريجه(ف ٥) . (٣) رد المحتار ٣/ ٧٠، وبدائع الصنائع ٢٨٨٥/٦. (٤) رد المحتار ٣/ ٧٠، وبدائع الصنائع ٢٨٦٤/٦. (٥) بدائع الصنائع ٢٨٨٥/٦ . المذهب الثالث : ذهب إليه الشافعية ، ويرون أن من نذر صلاة أو صوماً أو اعتكافاً في وقت معين فعجز عن أداء هذه القرب فيه ، لزمه القضاء ولا تجب عليه كفارة للتأخير عن هذا الوقت المعين ، وإن نذر صدقة فأعسر بها سقط عنه النذر مادام معسراً فإذا أيسر بعد ذلك وجب أداؤها ، وإن نذر حجاً في سنة معينة فمنعه مرض أو نحوه قبل الإحرام ، فلا قضاء عليه ، وكذلك لا قضاء لو کان معضوباً وقت النذر أو طرأ العضب ، ولم يجد المال حتى مضت السنة المعينة ، فإن منعه المرض بعد الإحرام فالمذهب الذي قطع به الجمهور وجوب القضاء ، وكذلك الحكم إذا امتنع الحج في ذلك العام بعد الاستطاعة (١) . واستدلوا بأن الصوم والصلاة يجبان شرعاً مع العجز ، والواجب بالنذر كالواجب بالشرع ، فلا أثر لعجز الناذر عنهما في وجوبهما عليه ، ولهذا يلزمه قضاؤهما إن عين وقتاً للأداء ، بخلاف الحج فإنه لايجب إلا عند وجود الاستطاعة ، سواء في ذلك من وجبت عليه حجة الإسلام أو الحجة المنذورة ، فمن استطاعه فقد وجب علیه القضاء ، إن منع ذلك مانع بعد تمکنه من أدائه ، لاستقراره في ذمته بتمکنه هذا ، (١) روضة الطالبين ٣٢٢/٣، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٨/ ٢٣١، وزاد المحتاج ٤/ ٥٠٥. - ٢٠٩ - نَذْر ٦٤ بخلاف ما إذا لم يتمكن الناذر من أدائه ، بأن عرض له بعد ذلك وقبل تمكنه من الأداء ما يمنعه منه ، لأن المنذور نسك في ذلك العام ، ولم یتمکن الناذر منه(١) . المذهب الرابع : یری من ذهب إليه - وهم الحنابلة - أن من نذر أداء الصيام أو الصلاة أو الاعتكاف أو الطواف أو نحوها ، فلم يطق أداءها أو عجز عنه عجزاً لا يرجى زواله فعليه كفارة يمين ، وإذا كان عجزه عن ذلك مرجو الزوال ، انتظر زواله ، وأدی ما وجب عليه بالنذر ، ولا تلزمه كفارة في هذه الحالة ، فإن نذر حجا لزمه صحيحاً كان أو معضوباً ، إلا أنه ينيب عنه في حال العضب من يحج عنه ، وإن أطاق البعض أتي به وكفر للباقي . واختلفوا فیمن نذر صياماً فعجز عنه ، وعما إذا کان یلزمه مع کفارة النذر إطعام عن کل یوم منذور صيامه أم لا ، فروي عن أحمد أن الناذر يلزمه أن يطعم عن كل يوم نذر صيامه مسكيناً ، كما هو الحال فيمن عجز عن صيام رمضان ، وهو ما عليه المذهب ، وذلك لأن المطلق من كلام الآدميين يحمل على المعهود شرعاً ، وعلى الرواية الثانية عنه : أنه لا يلزم الناذر شيء غير (١) روضة الطالبين ٣٢٢/٣، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٣١، وزاد المحتاج ٤/ ٥٠٥ . الكفارة ، لأنه نذر عجز عن الوفاء به ، فكان الواجب فيه كفارة يمين ، كسائر النذور ، ولأن موجب النذر موجب اليمين إلا مع إمكان الوفاء به إذا کان قربة (١) . واستدلوا بما روي عن عقبة بن عامر أنه سأل النبي وَلّ عن أخت له نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة ، فقال له النبي وَلـ: ((مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام) وفي رواية أخرى : ((إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، فلتحج راكبة ، ولتكفر عن يمينها)) (٢) . ویما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله و 8﴿ قال: ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذراً لا يطيقه فکفارته کفارة یمین ، ومن نذر نذراً أطاقه فلیف به)) (٣) . وقالوا : إن النذر حكمه حكم اليمين ، وموجب النذر هو موجب اليمين ، إلا مع إمكان الوفاء به إذا كان قربة ، فإن كان معجوزاً عنه (١) المغني ٩/ ٩-١١، والكافي ٤٢٨/٤-٤٢٩، وكشاف القناع ٦/ ٢٨٢. (٢) حديث: ((مرها فلتختمر ... )) سبق تخريجه (ف ١٧) . (٣) حديث: ((من نذر نذراً لم يسمه ... )) سبق تخريجه (ف ٢٤) . - ٢١٠ - نَذْر ٦٤ -٦٥ فيلزم فيه ما يلزم عند الحنث في اليمين (١) . الموت قبل فعل الطاعة المنذورة : من نذر طاعة لله تعالى ومات قبل فعلها ، إما أن يكون مانذره حجاً أو صياماً أو اعتكافاً أو صلاة أو صدقة ، أو غيرها ، وتفصيل ذلك فيما يلي : أولاً : موت من نذر الحج قبل أدائه : من نذر الحج ومات قبل أدائه ، إما أن يكون موته قبل تمكنه من أداء الحج ، أو بعد تمكنه من أدائه ولم يؤده . أ - موت من نذر الحج قبل تمكنه من أدائه : ٦٥ - اختلف الفقهاء في حکم من مات قبل تمكنه من أداء الحج الذي وجب عليه بالنذر ، بأن مات قبل حج الناس من سنة الوجوب ، وذلك على اتجاهين : الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من لم یتمکن من أداء الحج الواجب عليه بالنذر حتى مات فإنه يسقط عنه ، ولا يؤدى عنه إلا إذا أوصى به ، فإن وصی به حج عنه من ثلث ماله ، ولاتجب على الوارث أو الولي أن يأمر بالحج عنه بماله ( أي بمال (١) المغني ٩/ ١٠، والكافي ٤/ ٤٢٨. الوارث أو الولي) . قال به ابن سيرين ، وحماد ابن أبي سليمان ، وحميد الطويل ، والشعبي ، وعثمان البتي ، وإبراهيم النخعي ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية على المشهور، والشافعية (١) . واستدلوا بأن من وجب عليه الحج بالنذر قد مات قبل التمكن من الأداء ، فسقط عنه ما جب عليه ، كما لو هلك النصاب قبل التمكن من إخراج الزكاة منه (٢) . وبأن الحج عبادة بدنية ، فتسقط بموت من وجبت علیہ کالصلاة (٣) . وبأن الحج عبادة ، و کل ما کان کذلك فلا بد فيه من الاختيار ، وذلك في الإيصاء دون الوراثة ، لأنها جبرية ، والإيصاء تبرع ابتداء ، ولأن الحج فعل مكلف به ، وقد سقطت الأفعال بالموت ، فصار الحج كأنه سقط في حق الدنيا ، فكانت الوصية بما یحج به عنه تبرعاً ، وهذه الوصية تعتبر من الثلث (٤) . (١) البحر الرائق ٣/ ٧٢-٧٤، تحفة الفقهاء للسمرقندي ١/ ٦٥٠، وشرح منح الجليل ٤٥٠/١ - ٤٥١ ، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/٣ ، والمجموع ٤٩٤/٢، ١٠٩/٧، ٤٩٧/٨، والمغني ٢٤٢/٣، المنتقى للباجي ٢/ ٢٧١ . (٢) المجموع ١٠٩/٧ . (٣) المغني ٢٤٢/٣. (٤) العناية على الهداية ٢/ ٨٤ - ٢١١ - نَذْر ٦٥ -٦٦ الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر الحج ولم يتمكن من أدائه حتى مات ، فإنه يخرج من جميع ماله ما یحج به عنه ،إن لم يوجد من يتطوع بالحج عنه ، سواء أوصى بذلك أو لم یوص به ،روی هذا عن ابن عباس ، وأبي هريرة رضي الله عنهم ، وهو قول سعيد بن جبير ، وعطاء ، وطاوس ، والضحاك ، الحسن البصري ، والثوري ، والأوزاعي ، وعبدالرحمن ابن أبي ليلي ، وإسحاق ، وإليه ذهب الحنابلة (١) واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢). وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((أتى رجل النبي ◌َ ليّ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وأنها ماتت، فقال النبي وَثار: لو كان عليها دين أكنتَ قاضيه؟ قال : نعم ، قال : فاقض الله فهو أحق بالقضاء))(٣). وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صَلّر، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها؟ قال : نعم حجي عنها ، أرأيت لو (١) المغني ٣/ ٢٤٢، وكشاف القناع ٣٣٦/٢، ٣٩٣. (٣) سورة النساء / ١١ . (٣) حديث: ((أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ... )) أخرجه البخاري (٥٨٤/١١ ط السلفية) . كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء)) (١) . وقالوا : إن الحج الذي وجب على هذا الناذر ، حتى استقر عليه تدخله النیابة ، فلا يسقط بموته کالدین الذي وجب عليه ، وبأن هذا الحج المنذور دين استقر في ذمة الناذر ويجب الوفاء به فكان من جميع ما ترك كدين الآدمي(٢) . ب - موت من نذر الحج بعد تمكنه من أدائه ولم يؤده حتى مات : ٦٦ - اختلف الفقهاء في حكم من مات ، بعد أن تمكن من أداء الحج الذي أوجبه على نفسه بالنذر ، إلا أنه لم يؤده حتى مات ، وذلك على مذهبين : المذهب الأول : يرى أصحابه أن من مات بعد التمكن من أداء الحج الواجب عليه بالنذر ، فإنه يُقضى عنه من تر کته ، بأن يخرج من جميع ماله ما يؤدى به ذلك عنه ، سواء أوصى به أو لم یوص ، ولا يسقط عنه بموته ، روي هذا عن ابن عباس ، وأبي هريرة رضي الله عنهم ، وقال به (١) حديث: ((إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت ... )) أخرجه البخاري (٤ / ٦٤، ط السلفية) . (٢) المغني ٢٤٣/٣، وكشاف القناع ٣٣٦/٢. - ٢١٢ - نَذْر ٦٦ الحسن البصري ، وطاوس ، والثوري ، والأوزاعي ، والضحاك ، وعبدالرحمن بن أبي ليلى ،وإسحاق ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء، وسعيد بن جبير ، وإلیه ذهب الشافعية ، ویرون أن المیت إن لم یخلف مالاً یحج منه النذر فلا يلزم الوارث الحج عنه ، لكن يستحب له أداؤه عنه ، فإن حج عنه الوارث بنفسه أو استأجر من يحج عنه أجزأ عن الحج الواجب على الميت ، وإلى هذا المذهب ذهب الحنابلة (١) . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِاَ أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢) . وبما ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما «استفتی سعد بن عبادة الأنصاري رسول الله وَآل﴾ في نذر كان على أمه ، توفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه)) (٣) . وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امراة من جهينة جاءت إلى النبي ول# فقالت : ((إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها ، أرأيت (١) المجموع ٧/ ١٠٩، ١١٢، ١١٤، ١١٦، ٤٩٤/٨، وزاد المحتاج ٤ / ٥٠٥، والمغني ٢٤٢/٣، ٢٤٤، ٣٠/٩، ٣١، والكافي ٤/ ٤٣٠، وكشاف القناع ٣٣٦/٢، ٣٩٣. (٢) سورة النساء / ١١ . (٣) حديث: ((استفتى سعد بن عبادة رسول الله له .. )) أخرجه البخاري ١١/ ٥٨٣ ط السلفية) . لو كان على أمك دين أكنت قاضیته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)) (١). وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن أختي نذرت أن تحج ، وأنها ماتت ، فقال النبي صلی الله عليه وسلم : لو كان عليها دین أكنت قاضیه؟ قال : نعم ، قال : فاقض الله فهو أحق بالقضاء) (٢) . وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : ((أن امرأة أتته فقالت : إن أمي ماتت وعليها حج ، أفأحج عنها؟ فقال : هل كان على أمك دين؟ قالت : نعم ، قال فما صنعت؟ قالت : قضیته عنها ، قال : فالله خير غرمائك ، حجي عن أمك)) (٣) . وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ((إذا مات وعلیه نذر قضی عنه وليه)) (٤) (١) حديث: ((إن أمي نذرت ... )) سبق تخريجه (ف ٦٥) . (٢) حديث: ((إن أختي نذرت أن تحج ... )). سبق تخريجه (ف ٦٥) . (٣) أثر: ((إن أمي ماتت وعليها حج .. .» أخرجه ابن حزم في المحلى (٧/ ٦٣ ط المنيرية) . (٤) حديث : «إذا مات وعليه نذر قضی عنه وليه) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف في الجزء المطبوع باسم الجزء المفقود/ ص ٦٥ ط دار عالم الكتب) وذكره ابن حجر في الفتح (٥٨٤/١١ ط السلفية) وصحح إسناده . - ٢١٣ - نَذْر ٦٦ وقالوا : إن الحج الذي أوجبه الناذر على نفسه حق لزمه في حال الحياة واستقر عليه ، وهو مما تدخله النيابة ، فلم يسقط بموت من وجب عليه کدین الآدمي(١) . واستدلوا كذلك بأن هذا الحج الذي استقر في ذمة الناذر دین یجب الوفاء به ، فكان من رأس مال تركته ، كدين الآدمي(٢) . المذهب الثاني : یری من ذهب إليه أن من مات بعد أن تمکن من الحج الواجب علیه بالنذر ولم يؤده حتى مات ، فإنه يسقط عنه بموته ، إلا أن یوصي بأدائه عنه ، فإن أوصى به حج عنه من ثلث ماله ، ولا يجب علی ولیه أن يأمر بالحج عنه من مال نفسه ، قال به الشعبي ، والنخعي ، وابن سيرين ، وحماد بن أبي سليمان ، وحميد الطويل ، وداود بن أبي هند ، وعثمان البتي ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية (٣) . واستدلوا بما روی نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه کان یقول : « لا يصلي أحد عن (١) المجموع ١٠٩/٧، والمغني ٢٤٣/٣. (٢) المجموع ٧ / ١٠٩. (٣) رد المحتار ٢٣٩،١١٩/٢، وفتح القدير ٣٢٠/٢، تحفة الفقهاء ١/ ٦٥٠ - ٦٥١، وشرح الخرشي ٢٩٦/٢، وشرح منح الجليل ١/ ٤٥٠ ، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/٣، والمجموع ٧/ ١١٢، ١١٦، والمنتقى ٢٧٠/٢. أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولا يحج أحد عن أحد ، قال عبدالله : ولو كنت أنا أفعل ذلك لتصدقت وأهدیت))(١) وبأن الحج عبادة بدنية فتسقط بموت من وجبت عليه كالصلاة (٢). وبأن النية شرط إجزاء العبادة ، ليتحقق أداء المكلف لها اختياراً منه ، فيظهر اختياره الطاعة من اختياره المعصية ، الذي هو المقصود من التكليف ، وفعل الوارث من غير أمر المبتلى بالأمر والنهي لایحقق اختياره ، بل إنه لما مات من غير فعل ولا أمر فقد تحقق عصيانه ، بخروجه من دار التكليف بغير امتثال لما كلف به ، وهذا يقرر عليه موجب العصيان ، فليس فعل الوارث الفعل المأمور به ، فلا يسقط به الواجب کما لو تبرع به حال حیاته ، ومن ثم فإن المقصود من حقوق الله تعالى إنما هي الأفعال ، لأنها التي تظهر الطاعة والامتثال ، وقد سقطت. الأفعال كلها بالموت ، لتعذر ظهور طاعته بها في دار التكليف ، فكان الإيصاء بالمال الذي هو (١) أثر: ((لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولا یحج أحد عن أحد . .» عزاه ابن التركماني في الجوهر النقي ( بهامش السنن للبيهقي ٤ / ٢٥٧) إلى التمهيد لابن جرير الطبري . (٢) المغني ٢٤٢/٣. - ٢١٤ - نَذْر ٦٦ -٦٧ متعلق الأفعال تبرعاً من الميت ابتداء فیعتبر من الثلث (١) . ثانياً : موت من نذر الصيام قبل أدائه : ٦٧ - اختلف الفقهاء في حکم من مات وعليه صيام أوجبه على نفسه بالنذر ولم يؤده حتى مات ، وعما إذا كان يُصام عنه أو يُطعم على مذهبین : المذهب الأول : يرى أصحابه أن من مات وعليه صيام منذور فلا يصام عنه وإنما يطعم عنه ولیه مکان کل یوم مسکیناً ، روی هذا عن ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول الحسن البصري ، والزهري ، وإليه ذهب الحنفية إذا أوصى الناذر به ، وتخرج فدية الصيام المنذور من ثلث التر کة إن کان له مال ، فإن لم یوص به فلا يلزم الوارث إخراج الفدية عنه ، وإنما يجوز فقط ، فإن تبرع وليه بها عنه جاز وأجزأه ، وهذا إذا كان الناذر للصیام صحيحاً مقيماً عند النذر ، فإن نذر الصيام في أثناء مرضه أو سفره واستمر مرضه أو سفره إلى أن مات ، فلا يلزمه شيء ، لأن المريض ليست له ذمة صحيحة في التزام أداء الصوم حتى يبرأ ، وكذلك المسافر لا يلتزم بالصيام حتى يقيم ، فإن برأ المريض يوماً واحداً ، (١) فتح القدير ٢/ ٨٥ . أو أقام المسافر ولو ليوم واحد ولم يصم أي منهما فقد لزمه جميع ما أوجبه على نفسه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، لأنه بعد البرء أو الإقامة يصير كالمجدد للنذر، إذ الصحيح لو نذر صوم شهر فمات بعد يوم لزمه صوم جميع الشهر . وقال محمد بن الحسن : يلزمه من الصيام المنذور بقدر ما صح وأقام من أيام ، لأنه أدرك من الأيام ما يمكنه الوفاء فیه بما نذر ، ولا يلزمه من ذلك إلا بمقدار ما أدرك، فيخرج الولي الفدية على كلا القولين إن أوصى الناذر بذلك ، ويجبر على إخراجها من ثلث التركة . ومذهب المالكية أن من مات قبل أن يصوم ما وجب علیه بالنذر ، أطعم عنه ولیه من ثلث تركته ، إن كان له تركة ، إذا أوصى أن یوفی عنه ، والقول بالإطعام عمن مات وعليه صيام منذور هو قول الشافعي في مذهبه الجديد ، وهو أشهر قوليه وأصحهما عند جمهور أصحابه ، سواء أوصی به أو لم یوص به ، هذا إذا كان قد مات بعد التمكن من الصيام ولم يصم حتى مات ، فإما إذا مات قبل التمكن من الصيام فلا يصام ولا يطعم عنه (١) . (١) رد المحتار على الدر المختار ١١٨/٢ - ١١٩، والهداية والعناية وفتح القدير ٢/ ٣٥٧ ، والمبسوط للسرخسي ٩٠/٣ - ٩١، والفروق ١٨٧/٣، والشرح الكبير= - ٢١٥ - نَذْر ٦٧ واستدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله و #قال : ((لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة)) (١) . وحكى الإمام مالك والماوردي إجماع الصحابة على أنه لا یصام عن الميت ما وجب عليه من الصيام ، وممن روي عنهم ذلك ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (( لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد))، بعد أن روى عن النبي ◌ّ- حديث الصوم عن الميت وهو: ((أن امرأة سألت رسول الله وقال عن صيام منذور ماتت أمها قبل أدائه ، فأمرها أن تصوم عنها))(٢) ، ومنهم أيضاً عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ((لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا = وحاشية الدسوقي عليه ١٨/٢،٥٣/١، والحطاب ٤٠٨/٦، والمجموع ٨/ ٤٩٧، وروضة الطالبين ٣٣٣/٣، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، وزاد المحتاج ٥٢٦/١، وعمدة القاري ٥٩/١١ ، وشرح النووي على صحيح مسلم ٢٦/٨، والمنتقى ٢ /٦٢ - ٦٣ . (١) حديث: ((لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد .. )) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٥ ط دار الكتب العلمية) . (٢) حديث: ((أن امرأة سألت رسول الله و يقول عن صيام منذور ... )) . أخرجه مسلم (٢/ ٨٠٤ ط عيسى الحلبي) . عنهم))(١)، بعد أن روت عن النبي ◌ُّ حديث الصوم عن الميت وهو أنه قال: ((من مات وعليه صیام صام عنه وليه)»(٢) ، وفتوى الراوي على خلاف مرویه بمنزلة روايته للناسخ ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار ، ولهذا فقد اشترط في القياس : أن لا يكون حكم الأصل منسوخاً ، لأن التعدية بالجامع ، ونسخ الحكم يسلتزم إبطال اعتباره ، إذ لو كان معتبراً لاستمر ترتیب الحکم على وفقه ، وممن روي عنهم من الصحابة مثل ذلك عمر رضي الله عنه (٣) . قال الإمام مالك : لم أسمع عن أحد من الصحابة أو التابعين رضي الله عنهم بالمدينة ، أن أحداً منهم أمر أحداً أن يصوم عن أحد ، أو يصلي عن أحد ، وهذا مما يؤيد النسخ وأنه الأمر الذي استقر عليه الشرع آخراً (٤). وأضافوا : إن الصوم عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في حال الحياة ، فكذلك لا تدخلها بعد (١) أثر عائشة: ((لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم)) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٧ ط دائرة المعارف) . (٢) حديث : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه) أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٩٢ ط السلفية) ومسلم (٨٠٣/٢ ط عيسى الحلبي). (٣) فتح القدير ٢/ ٨٤ . (٤) المصدر السابق . - ٢١٦ - نَذْر ٦٧ الموت كالصلاة ، وهذا لأن المعنى في العبادة کونها شاقة علی بدنه ، ولا یحصل ذلك بأداء نائبه عنه ، ولكن يطعم عنه لكل يوم مسكيناً ، لأنه وقع اليأس عن أداء الصوم في حقه ، فتقوم الفدية مقامه ، كما في حق الشيخ الفاني (١) . وقالوا كذلك: إن الصوم عبادة ، و کل ما کان کذلك فلا بد فيه من الاختيار ، وذلك في الإيصاء دون الوراثة ، لأنها جبرية ، ثم هو تبرع ابتداء ، لأن الصوم فعل مكلف به ، وقد سقطت الأفعال بالموت ، فصار الصوم كأنه سقط في حق الدنيا ، فكانت الوصية بأداء الفدية تبرعاً (٢) . المذهب الثاني : يرى من ذهب إليه أن من مات وعليه صيام منذور ، فإن وليه يصومه عنه ، سواء أوصى به أو لم یوص به ، روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو قول اللیث بن سعد ، وأبي عبيد ، والزهري ، وإسحاق ، وحماد بن أبي سليمان ، وطاوس ، وقتادة ، وهو قول للشافعي في مذهبه القديم جزم النووي بصحته ، وتابعه في القول بصحته جماعة من محققي أصحاب الشافعي ، إلا أن (١) المبسوط ٨٩/٣، والفروق ١٨٧/٣، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، والمغني ١٤٣/٣، وكشاف القناع ٣٣٤/٢ ، والمنتقى ٦٣/٢. (٢) العناية ٨٤/٢ . النووي قال : إنما يصام عن الناذر إذا مات بعد أن تمکن من الصیام ولم یصم ، فأما إذا مات قبل إمکان الصیام فلا یصام ولا یطعم عنه ، وقال : مذهبنا ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير مالي ، أو كان مالياً ولم يترك الميت مالاً يقضى منه النذر ، إلا أنه يستحب للوارث قضاؤه عنه . وإلى هذا ذهب الحنابلة ، ویرون أنه لا يجب على الولي أن يصوم عن الميت إن لم يخلف تركة ، إلا أنه يستحب له ذلك على سبيل الصلة له والمعروف لتفرغ ذمته منه ، والأولی - کما قال ابن قدامة - أن يقضي النذر عنه وارثه ، فإن قضاه عنه غيره أجزا عنه ، کما لو قضی عنه دينه ، فإن خلف ترکة وجب صيام النذر عنه ، کقضاء الدين ، ويستحب للولي أن يصوم عن الميت بنفسه ، لأنه أحوط لبراءة ذمة الميت ، فإن لم يفعل وجب أن يدفع من تركته إلى من يصوم عنه عن كل يوم طعام مسكين ، لأن ذلك فدية ، ويجزئ صوم غير الولي سواء أذن فيه الولي أم لم يأذن(١) . (١) المجموع ٦/ ٣٧٠-٣٧٣، ٤٩٧/٨، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، وزاد المحتاج ٥٢٦/١، والمغني ١٤٣/٣، ٩/ ٣٠، وكشاف القناع ٣٣٥/٢ ، وعمدة القاري ٥٩/١١، وشرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٩٧/١١،٢٥ ٠ - ٢١٧ - نَذْر ٦٧ -٦٨ واستدلوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه) وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((جاءت امرأة إلى رسول الله (وَێل ، فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر ، أفأصوم عنها؟ قال : أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت : نعم، قال: فصومي عن أمك))(١) . وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : (( إن امرأة نذرت وهي في البحر ، إن نجاها الله أن تصوم شهراً ، فأنجاها الله ، وماتت قبل أن تصوم ، فجاءت ذات قرابة لها إما أختها أو ابنتها إلى رسول الله و ﴿ فأخبرته، فقال : صومي عنها)) (٢) وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((جاء رجل إلى النبي ◌َطير، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ، أفأقضيه عنها؟ فقال وَلّ: لو كان على أمك دين أكنت (١) حديث ابن عباس: ((جاءت امرأة إلى رسول الله ... )) أخرجه مسلم (٢/ ٨٠٤ - ط الحلبي) (٢) حديث: ((إن امرأة نذرت وهي في البحر ... )) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٦ ط دائرة المعارف العثمانية) . قاضيه عنها؟ قال : نعم ، قال : فدین الله أحق أن يقضى)) (١) . وبما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما « أنه سئل عن رجل مات وعلیه نذر صوم شهر ، وعليه صوم من رمضان؟ فقال : أما رمضان فيطعم عنه ، وأما النذر فيصام عنه))(٢) . ويأن الصوم من العبادات البدنية التي لا تقبل النيابة ، إلا أن الفرق بين النذر وغيره ، أن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها ، والنذر أخف حکماً من الواجب بأصل الشرع ، لکون النذر لم يجب بأصل الشرع ، وإنما أوجبه الناذر على نفسه (٣). ثالثاً : موت من نذر الاعتكاف قبل فعله : ٦٨ - اختلف الفقهاء في حكم من مات وعليه اعتکاف منذور لم یفعله حتی مات ، وذلك على اتجاهات ثلاثة : الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من مات (١) حديث: ((إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ... )) أخرجه مسلم (٢/ ٨٠٤ ط عيسى الحلبي) . (٢) أثر ابن عباس رضي الله عنهما: ((سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر ... )) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٧ ط دار المعارف) . (٣) المغني ١٤٤/٣، وكشاف القناع ٣٣٥/٢. - ٢١٨ - نَذْر ٦٨ وعلیه اعتكاف منذور فإن ولیه یعتکف عنه ، روي هذا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم ، وقال به الأوزاعي ، وإسحاق ، وهو قول للشافعي ، وإليه ذهب الحنابلة ، إلا أن اعتکاف الولي عن المیت ليس واجباً علیه ، وإنما يستحب له فعله عنه على سبيل الصلة له ، والأولى أن یقضیه عنه وارثه ، فإن قضاه عنه غیر الوارث أجزأ الناذر ، کما لو قضی عنه دينه ،إذ النذر شبيه بالدين ، ولأن ما يقضيه الوارث تبرع منه ، وغيره مثله في التبرع (١) . واستدلوا بما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن سعد بن عبادة استفتی رسول الله في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه ، فأفتاه رسول الله عليه : أن يقضيه عنها فكانت سنة بعده)) (٢). وبما روي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أن أمه نذرت اعتكافاً فماتت ولم تعتکف ، فسأل أخوته ابن عباس عن ذلك فقال : ((اعتكف (٣) عنها وصم)) (٣) . (١) المجموع ٦/ ٣٧٢، ٥٤١، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، وزاد المحتاج ١/ ٥٢٧، والمغني ٩/ ٣٠، ٣٢، وكشاف القناع ٣٣٥/٢، ٣٣٦ . (٢) حديث: ((أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله وَثير ... )) سبق تخرجه (ف ٦٦) (٣) أثر عبيد الله بن عبدالله: ((أن أمه نذرت اعتكافاً ... )) .= وأنه لما جاز الصيام عن الميت ما وجب عليه بالنذر ، فإنه يجوز الاعتكاف عنه كذلك ، وذلك لأن كلاً من الصيام والاعتكاف كف ومنع (١) . الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من مات وعلیه اعتكاف منذور یطعم عنه ، ولا يعتكف عنه ، وهو قول الثوري ، ومذهب الحنفية أنه يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من حنطة إن أوصى الناذر بذلك ، ويجبر الوارث على إخراج الفدية في هذه الحالة من ثلث التر کة ، وإن لم یوص فلا يجبر علیه الوارث ، وهذا إذا كان إيجاب الاعتكاف عليه بالنذر في حال الصحة . وأما إذا كان مريضاً حين نذر الإعتكاف ، ولم يبرأ حتى مات فلا شيء عليه ، لأن المریض لیس له ذمة صحيحة في وجوب أداء الاعتكاف ، وإن صح یوماً ثم مات أطعم عنه عن جميع الأيام التي نذر الإعتكاف فيها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقال محمد بن الحسن : يطعم عنه بعدد ما صح من أيام ، وهو قياس مذهب المالكية أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٣٥٣/٤ ط المجلس = العلمي) . (١) مغني المحتاج ١/ ٤٣٩، وزاد المحتاج ١/ ٥٢٧، وكشاف القناع ٣٣٦/٢ . - ٢١٩ - نَذْر ٦٨ - ٦٩ في العبادات البدنية ، وهو رواية عن الإمام الشافعي ، ويطعم الولي وفقاً لهذه الرواية عن اعتكاف يوم بليلته مداً (١). واستدلوا بأن الاعتكاف فرع عن الصوم ، ولما كان الصوم الذي وجب على الميت بالنذر تجزئ فيه الفدية ، فكذلك الاعتكاف يجزئ فيه ذلك إذا أوصى به (٢) . وبأن الاعتكاف عبادة ، وكل ما كان كذلك فلابد فيه من الاختيار ، وهذا يظهر فى الإيصاء دون الوراثة ، لأنها جبرية ، ولأن الاعتكاف عن الميت تبرع ابتداء ، لأنه فعل مكلف به ، وقد سقطت الأفعال كلها بموت من وجب عليه ذلك ، فصار الاعتكاف كأنه سقط في حق الدنيا ، فكانت الوصية بأداء الفدية عنه تبرعاً ، فيعتبر من ثلث التركة (٣) . الاتجاه الثالث : یری أصحابه أن من مات وعلیه اعتکاف منذور ، فلا یعتکف عنه ، ولا يجزئه ذلك ، ولا يطعم عنه ولا يسقط عنه الاعتكاف بالفدية ، وهو مشهور مذهب الشافعية ، والمعروف من نصوص الشافعي في (١) الدر المختار ١١٩/٢، والمبسوط ١٢٣/٣-١٢٤، والمجموع ٦/ ٣٧٢، ٥٤١، والمنتقى ٢٣٠/٣. (٢) المبسوط ١٢٣/٣ - ١٢٤. (٣) العناية ٨٤/٢ . الأم وغيره (١) . واستدلوا بأنه لم يرد عن الشارع ما یفید جواز الاعتكاف عمن مات وعليه اعتکاف منذور ، ولا تجزئه الفدية عن هذا الاعتكاف ، لعدم ورود ما يدل على إجزاء الفدية عنه (٢) . رابعاً : موت من نذر الصلاة قبل أدائها : ٦٩ - اختلف الفقهاء في حكم من مات وعليه صلاة منذورة ، لم يؤدها حتى مات ، وذلك على اتجاهين : الاتجاه الأول : یری أصحابه أنه من مات وعليه صلاة منذورة فلا يجوز لوليه أو غيره فعلها عنه ، ولا تسقط عنه بالفدية ، باستثناء ركعتي الطواف ، فإنهما تصليان عن الميت الذي يحج أو يعتمر عنه إن قيل بجواز النيابة عنه فیهما ، إلى هذا ذهب الحنفية ، وهو مشهور مذهب المالكية ، ولا تنفذ عندهم وصيته بالاستئجار عليها ، وهو مشهور مذهب الشافعية ، ورواية عن أحمد ،وقد حكى العيني إجماع الفقهاء على أنه لا يصلي أحد عن أحد ، ونقل القاضي عياض الاجماع على أنه لا يصلي (١) المجموع ٦/ ٣٧٢ ، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، وزاد المحتاج ١/ ٢٥٧. (٢) مغني المحتاج ١/ ٤٣٩، وزاد المحتاج ١/ ٥٢٧. - ٢٢٠ -