النص المفهرس
صفحات 181-200
نَذْر ٤١ - ٤٢ تخصيص العبد العبادة بمكان ، بل إنما عرف ذلك لله تعالى ، فلا يتعدى لزوم أصل القرية بالتزامه إلى لزوم التخصيص بمكان ، فكان ملغى وبقي لازماً بما هو قربة (١) . ب - نذر الاعتكاف في مسجد النبي وَالطيار: ٤٢- من نذر الاعتكاف في مسجد النبي ◌َّ فإنه يجزئه أن يعتكف فيه ، إلا أن الفقهاء اختلفوا في تعيّن هذا المسجد للاعتكاف المنذور ، أو عدم تعینه ، وذلك على ثلاثة اتجاهات : الاتجاه الأول : يرى أن من نذر الاعتكاف في مسجد النبي ◌ّ﴾ فإنه یتعین بالنذر ، ويجزىء الناذر أن يعتكف في المسجد الحرام ، ولا يجزيه الاعتكاف في المسجد الأقصى ، لأنه دونهما في الفضل ، وكذا غيره من المساجد . قال بهذا سعيد ابن المسيب ، وإليه ذهب المالكية ، وهو الأصح من مذهب الشافعية ، وإليه ذهب الحنابلة (٢) واستدلوا بما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ لي قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا (١) فتح القدير ٢٦/٤، ورد المحتار ٣/ ٧١ . (٢) التاج والإكليل ٢/ ٤٦٠، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١/ ٥٤٧، والمجموع ٦/ ٤٨٢، والمغني ٢١٥/٣. المسجد الحرام))(١) وفي رواية أخرى من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه بزيادة: ((وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) (٢) . وقالوا: إن مسجد النبي وَّ ورد الشرع بشد الرحال إليه(٣) فتعين بالنذر كالمسجد الحرام(٤) . الاتجاه الثاني : يرى أن من نذر الاعتكاف في المسجد النبوي فإنه لا يتعين للإعتكاف ، ويجوز للناذر أن یعتکف في مسجد غیره ولو کان دونه في الفضل ، ذهب إلى هذا الاتجاه الحنفية ، وهو قول في المذهب الشافعي(٥) . واستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن مسجد (١) حديث : ((صلاة في مسجدي هذا ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٦٣ ط السلفية) ومسلم (٢/ ١٠١٢ ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم . (٢) حديث: ((صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة .. .)) أخرجه ابن ماجة (١/ ٤٥١ ط عيسى الحلبي) وقال البوصيري : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات (١/ ٢٥٠ ط دار الجنان) . (٣) دل على ذلك قول النبي ◌َّير: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى)) . أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٣/٣ ط السلفية) ومسلم (١٠١٤/٢ ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم . (٤) المهذب مع المجموع ٦/ ٤٧٩ . (٥) فتح القدير ٢/ ١٠٤، والفتاوى الهندية ٢١٤/١ ، وبدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦، والمجموع ٦/ ٤٨٢، وروضة الطالبين ٣٩٨/٢ . - ١٨١ - نَذْر ٤٢ _٤٣ النبي وَ ير لا يجب قصده بالشرع، فلم يتعين بالنذر كسائر المساجد (١) . وقالوا : إن المقصود من النذر هو التقرب إلى الله تعالى ، فلا يدخل فيه إلا ما كان قربة ، وموضع الاعتكاف ليس قربة ، لأنه موضع تؤدى فيه القربة ، ولهذا فلا يدخل المكان المعين تحت النذر ، ولا يتقيد به الناذر ، فلا فائدة في ذكره في النذر (٢) . وأضافوا : إن النذر موجب للقربة وتخصيص العبادة بمكان معين إنما هو لله تعالى ، وليس ذلك لأحد من عباده ، فتخصيص العبادة بمكان بالنذر ملغي ويلزم النذر بالقربة (٣) . الاتجاه الثالث : يرى أن من عين لاعتكافه مسجد النبي ◌ِّر، فإن هذا المسجد يتعين بتعيينه ، ولا يجزىء الناذر أن يعتكف في غيره ، ولو کان أفضل منه ، قال بهذا زفر وحكاه ابن قدامة عن بعض العلماء (٤) . واستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن النبي وَل دفن في خير البقاع ، وقد نقله الله تعالى من مكة (١) المهذب مع المجموع ٦/ ٤٧٩ . (٢) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ . (٣) فتح القدير ٢٦/٤، ورد المحتار ٣/ ٧١. (٤) فتح القدير ١٠٤/٢، وبدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ ، والمغني ٢١٥/٣ . إلى المدينة ، فدل على أنها أفضل ، ومن ثم فإنه لا یجزىء الناذر أن يعتكف في مسجد آخر ولو كان هو المسجد الحرام (١). وقالوا كذلك : إن الناذر قد أوجب على نفسه الاعتكاف في موضع مخصوص ، فإذا اعتكف في غيره ، لم یکن مؤدياً ما وجب عليه بالنذر ، فلا يخرج عن عهدة الواجب (٢) . وأضافوا : بأن ما أوجبه الناذر على نفسه معتبر بإيجاب الله تعالى مقيداً بمكان لا يجوز أداؤه في غيره ، كالنحر في الحرم والوقوف بعرفة ، وغير ذلك من مواضع عينها الشارع للعبادات ، فكذلك ما أوجبه العبد على نفسه بالنذر ، إذ يجب عليه أن يتقيد به (٣). ج - نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى : ٤٣- من نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى فإنه يجزئه الاعتكاف فيه ، ولكن ثمة خلاف في تعينه بالنذر لهذا الاعتكاف ، أو عدم تعينه ، وذلك على ثلاثة اتجاهات : الاتجاه الأول : يرى أن من عين المسجد الأقصی لاعتكافه المنذور تعین بالنذر ، وجاز له (١) المغني ٢١٥/٣. (٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٨٩ . (٣) المصدر السابق . - ١٨٢ - نَذْر ٤٣ أن يعتكف في المسجد الحرام أو مسجد النبي وَى ، ويجزئه ذلك عن الاعتكاف في المسجد الأقصى ، قال به سعيد بن المسيب وإليه ذهب المالكية ، وهو الأصح من مذهب الشافعية ، وإليه ذهب الحنابلة(١) . واستدل أصحاب هذا الاتجاه بما جاء في السنة النبوية المطهرة عن جابر رضي الله عنه أن رجلاً قام يوم الفتح فقال : «یا رسول الله إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين ، فقال رسول الله اليه : صل هاهنا ، ثم أعاد علیه فقال : صل هاهنا ، ثم أعاد عليه فقال : شأنك إذن)) (٢) ، وفي رواية أخرى زاد فقال : «والذي بعث محمداً بالحق لو صليت ههنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس)) (٣)، فقد بين رسول الله وَو لمن نذر الصلاة في المسجد الأقصى أنه (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١/ ٥٤٧، والتاج والإكليل ٢/ ٤٦٠، والمجموع ٤٨٢/٦، والمغني ٢١٥/٣. (٢) حديث : ((صل هاهنا)). تقدم تخريجه (ف ٤١) . (٣) حديث: ((والذي بعث محمداً بالحق لو صليت ههنا ... )). أخرجه أبو داود (٦٠٣/٣ ط حمص) من حديث عبدالرحمن بن عوف عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. يجزئه الوفاء بنذره هذا في المسجد الحرام ، وما ذلك إلا لأنه أفضل من المسجد الأقصى ، ومن ثم فإن من نذر الإعتكاف في المسجد الأقصى يجزئه أن يعتكف في المسجد الحرام كذلك . واستدلوا أيضاً بما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما (« أن امرأة اشتكت شكوى ، فقالت : إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس ، فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج ، فجاءت میمونة زوج النبي څے تسلم عليها ، فأخبرتها ذلك ، فقالت : اجلسي فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول ◌َ لآله ، فإني سمعت رسول الله ولا يقول : صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة)) (١) . فقد أفاد هذا الحديث أن من نذر صلاة في المسجد الأقصى أجزاته صلاته في مسجد النبي ﴿ 4 ﴾ عن نذره ، وذلك لأنه أفضل منه ، فكذلك من نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى يجزئه الاعتكاف في مسجده وعليّ لأنه أفضل . واستدلوا بالقياس وهو أن المسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة التي ورد الشرع بشد الرحال (١) حديث: ((صلاة في مسجدي هذا ... )) . أخرجه مسلم (٢/ ١٠١٤ - ط الحلبي). - ١٨٣ - نَذْر ٤٣ _٤٤ إليها ، فيتعين بالنذر كالمسجد الحرام (١) . الاتجاه الثاني : يرى أن من نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى فإنه لا یتعین بالنذر ، ويجزئه أن يعتكف في غيره من المساجد ولو کان دونه في الفضل ، ذهب إلى هذا الحنفية وهو قول في مذهب الشافعية (٢) . واستدل هؤلاء بأن المسجد الأقصى لا يجب قصدہ بالشرع ، فلم یتعین بالنذر كسائر المساجد(٣) . ويأن التزام ما هو قربة أمر أوجبه الشرع ، ولم يرد في الشرع اعتبار تخصيص العبادة بمكان معین إلا لله تعالى ، وليس ذلك لأحد من عباده ، فلا يتعدى لزوم أصل القربة بالتزام الناذر إلى لزوم التخصيص بمكان معين ، فألغي تخصيص النذر بموضع معين ، وبقي لازماً بما هو قربة (٤) . واستدلوا بأن الغاية من النذر هي التقرب إلى الله تعالى ، فلا يدخل في النذر إلا ما كان قربة وليس في تخصيص إيقاع العبادة بموضع معين قربة ، لأن موضعها ليس في نفسه قربة ، فلا (١) المهذب مع المجموع ٦ / ٤٧٩ . (٢) فتح القدير ١٠٤/٢، والفتاوى الهندية ٢١٤/١، وبدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦، والمجموع ٤٨٢/٦، وروضة الطالبين ٣٩٨/٢-٣٩٩ . (٣) المهذب مع المجموع ٦/ ٤٧٩ . (٤) فتح القدير ٤ /٢٦، ورد المحتار ٣/ ٧١. يدخل مكانها تحت النذر ، فلا يتقيد به (١) . الاتجاه الثالث : يرى أن من عين المسجد الأقصی لاعتكافه تعین بالنذر ، ولا يجزئه أن يعتكف في غيره ، وإن كان أفضل منه قال به زفر (٢) . واستدل بآن ما أوجبه العبد على نفسه بالنذر معتبر بإیجاب الله تعالی ، فإذا كان ما أوجب الله أداءه مقيداً بمكان فلا يجوز أداؤه في غيره ، كالسعي بين الصفا والمروة والطواف بالبيت ، فما أوجبه العبد على نفسه بالنذر مقيداً بموضع فإنه ينبغي أن يتقيد بذلك (٣). وقال : إن الناذر قد أوجب على نفسه الاعتكاف في موضع بعينه ، فإن اعتكف في غيره لم يكن مؤدياً ما عليه ، فلا يخرج عن عهدة الواجب (٤) . د - نذر الاعتكاف في مسجد غير المساجد الثلاثة : ٤٤ - اختلف الفقهاء في حكم من نذر الاعتكاف في مسجد بعينه غير المسجد الحرام (١) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ . (٢) فتح القدير ١٠٤/٢، ويدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦. (٣) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ . (٤) المصدر السابق . - ١٨٤ - نَذْر ٤٤ ومسجد النبي ◌َّ والمسجد الأقصى، وعما إذا کان یتعین بالنذر أو لا یتعین ، وذلك على اتجاهين : الاتجاه الأول : يرى أن من عين مسجداً غير المساجد الثلاثة السابقة لاعتكافه ، فإنه لا یتعین بالنذر ويجزئه أن يعتكف فى غيره من المساجد ، إلى هذا ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح والحنابلة في رأي لهم أنه يخير سواء احتاج إلى شد الرحال أو لم يحتج (١). واستدلوا بما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ خلقه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى)) (٢) فالمسجد المعين في النذر لو كان يتعين بالتعيين للزم الناذر المضي إليه واحتاج إلى شد الرحال إليه لقضاء نذره فيه ، وقد نهى الشارع عن شد الرحال والسفر إلا إلى المساجد الثلاثة المذكورة ، فيلزم على هذا عدم تعين غيرها بالنذر ، للنهي عن شد الرحال إليها . (١) فتح القدير ١٠٤/٢، وبدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦، ورد المختار ٣/ ٧١، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٢/ ٤٦١، ٣٤٤/٣، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٧٣/٣ ، وشرح الزرقاني على خليل ١٠٥/٣ ، والمجموع ٤٧٩/٦، ٤٨١، وروضة الطالبين ٣٩٩/٢، والمغني ٢١٤/٣، كشاف القناع ٣٥٢/٢. (٢) حديث : ((لا تشد الرحال ... )) سبق تخريجه (ف ٤٢) . وقالوا كذلك : إن الله تعالى لم يعين لعبادته مكاناً معيناً ، فلا يتعين هذا الموضع بتعيين غيره(١) . كما أنه لا مزية لبعض المساجد على بعض باستثناء المساجد الثلاثة السابقة ، فلا يتعين بعضها بالتعيين (٢). وأضافوا : إن المقصود من النذر هو التقرب إلى الله تعالى ، فلا يدخل تحت النذر إلا ما كان قربة ، وعین الموضع الذي تؤدی فیه القربة لیس قربة في نفسه ، فلا يدخل في النذر ، ولا يتقيد به النذر (٣) . وقالوا أيضاً : إن المعروف من الشرع أن التزامه ما هو قربة موجب ، ولم يثبت من الشرع اعتبار تخصيص العبد العبادة بمكان ، إنما عرف ذلك لله تعالى ، فلا يتعدى لزوم أصل القرية بالتزامه إلى لزوم التخصیص بمكان معين ، فكان ملغى ، وبقي النذر لازماً بما هو قربة (٤) . الاتجاه الثاني : يرى أن من نذر الاعتكاف في مسجد غیر المساجد الثلاثة فإنه یتعین بالنذر ، ولا يجزىء الناذر أن يعتكف في غيره ، وهذا قول زفر ووجه في مذهب الشافعية ورأى عند الحنابلة (١) المغني ٢١٤/٣، والكافي ٣٦٨/١، ٣٦٩. (٢) المجموع ٦/ ٤٧٩ . (٣) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ . (٤) رد المحتار ٣/ ٧١، وفتح القدير ٢٦/٤. - ١٨٥ - نَذْرِ ٤٤ _٤٥ سواء احتاج إلى شد الرحال أو لم يحتج (١) . واستدل هؤلاء بأن الاعتكاف حقيقته الانكفاف في سائر الأماكن والتقلب ، كما أن الصوم انکفاف عن أشیاء في زمان مخصوص ، فنسبة الاعتكاف إلى المكان كنسبة الصوم إلى الزمان ، ولو عين الناذر يوماً لصومه تعین علی الصحيح ، فليتعين المسجد بالتعيين أيضاً (٢) . وقالوا : إن ما أوجبه العبد على نفسه معتبر بإيجاب الله تعالى ، فإذا كان ما أوجب الله أداءه مقيداً بمكان فلا يجوز أداؤه في غيره ، كالنحر في الحرم ، والطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، فكذلك ما أوجبه العبد على نفسه بالنذر مقيداً بذلك (٣) وأضافوا : إن الناذر قد أوجب على نفسه اعتكافاً في مکان مخصوص ، فإن أدى في غيره لم يكن مؤدياً ما عليه ، فلا يخرج عن عهدة الواجب (٤) . ثانياً : نذر الاعتكاف في الزمان المعين : ٤٥ - اختلف الفقهاء في حكم من عين زماناً (١) فتح القدير ١٠٤/٢، وبدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ ، والمجموع ٦/ ٤٨١، وروضة الطالبين ٣٩٩/٢. (٢) المجموع ٦ / ٤٨١. (٣) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ . (٤) المصدر السابق . معیناً لاعتكافه المنذور ، وفيما إذا كان هذا الزمان یتعین بالتعیین أم لا على اتجاهين : الاتجاه الأول : يرى أن الزمان يتعين بتعيينه ، ويلزم الناذر أن يعتكف فيه ، فلا يعتكف في غيره ، ولا يجوز له التقدم على هذا الزمان بالاعتكاف أو التأخر عنه ، قال بهذا محمد بن الحسن وزفر من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في الصحيح المشهور عندهم ، والحنابلة (١) . واستدلوا بأن النذر هو إيجاب ما شرع في الوقت نفلاً ، وقد أوجب الناذر على نفسه الاعتكاف في وقت مخصوص ، فلا يجب عليه قبل مجيئه ، فإذا جاء الوقت المعين للاعتكاف تعین للنذر ، ووجب الاعتكاف فيه (٢) . وقالوا كذلك : بأن ما أوجبه العبد على نفسه بالنذر معتبر بإيجاب الله تعالى فإذا عين الله سبحانه لعباده زمناً معيناً لعبادته فیه تعین هذا الوقت للعبادة ، فكذلك ما أوجبه العبد على نفسه بالنذر من اعتكاف في زمان معين ، فإنه یتعین کذلك لأدائه (٣) . (١) فتح القدير ١٠٤/٢، ورد المختار ١٣١/٢، والمقدمات الممهدات ١/ ٢٦١، والمجموع ٦/ ٤٨٢، والكافي ٣٦٩/١، وكشاف القناع ٣٥٥/٢ . (٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٩٠. (٣) الكافي ١/ ٣٦٩. - ١٨٦ - نَذْر ٤٥ وأضافوا : إن الناذر قد أوجب على نفسه الاعتكاف في زمان معين ، فإن اعتكف في غير هذا الزمان فإنه لا يكون مؤدياً ما أوجبه على نفسه بالنذر فلا يخرج عن عهدة الواجب (١) . الاتجاه الثاني : يرى أن من عين زماناً لاعتكافه المنذور فإنه لا یتعین بالنذر ، ویجزئ الناذر أن يعتكف في زمان غيره قبل هذا الزمان المعین أو بعده ، قال بهذا أبو يوسف وهو وجه في مذهب الشافعية (٢) . واستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن وجوب الاعتكاف ثابت قبل الوقت الذي أضيف إليه النذر ، فكان أداؤه في الوقت المعين أداء بعد الوجوب فيجوز ، والدليل على تحقق الوجوب قبل الوقت المعين وجهان : أحدهما : أن العبادات واجبة على الدوام بشرط الإمكان وانتفاء الحرج ، لقول الحق سبحانه : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾(٣)، ولأن العبادة وجبت شكراً للنعمة ، إلا أن الشرع رخص للعبد تركها في بعض الأوقات ، فإذا نذر فقد اختار العزيمة وترك (١) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ . (٢) الفتاوى الهندية ٢١٤/١، وفتح القدير ٢/ ١٠٤، ورد المحتار ٢/ ١٣١، والمجموع ٦/ ٤٨٢. (٣) سورة الحج / ٧٧ . الرخصة ، فيعود حكم العزيمة . والوجه الثاني : أنه قد وجد سبب الوجوب للحال وهو النذر ، وإنما الأجل ترفيه پترفه به في التأخير ، فإذا عجل فقد أحسن في إسقاط الأجل فيجوز، وهذا لأن صيغة النذر للإيجاب ، والأصل في كل لفظ موجود في زمان اعتباره فيه فیما يقتضيه في وضع اللغة ، ولا يجوز إبطاله ولا تغییره إلى غير ما وضع له ، إلا بدليل قاطع أو ضرورة داعية ، ولا ضرورة إلى إبطال صيغة النذر ولا إلى تغييرها ولا دليل سوى ذكر الوقت ، وهو محتمل ، فقد يذكر للوجوب فيه ، كما في باب الصلاة ، وقد يذكر لصحة الأداء كما في الحج والأضحية ، وقد يذكر للترفيه والتوسعة كما في وقت الإقامة للمسافر والحول في باب الزكاة ، فكان ذكر الوقت في نفسه محتملاً ، فلا يجوز إبطال صيغة الإيجاب الموجودة للحال مع الاحتمال ، فبقيت الصيغة موجبة ، وذكر الوقت للترفيه والتوسعة ، كي لا يؤدي إلى إبطال الثابت بيقين إلى أمر محتمل(١) . (١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٩٠ - ٢٨٩١. - ١٨٧ - نَذْرِ ٤٦ - ٤٧ ثالثاً : وقت الدخول والخروج في الاعتكاف المنذور في الزمان المعين : ٤٦- من نذر اعتكاف زمان بعينه فإما أن یکون قد نذر اعتكاف ليلة معينة ، أو یوم معین ، أو نذر اعتكاف شهر بعينه ، أو نذر اعتكاف العشر الأواخر من رمضان .. وللفقهاء تفصيل في حكم كل منها . أ- وقت الدخول والخروج في نذر اعتكاف ليلة معينة : ٤٧ - اختلف الفقهاء فیمن نذر اعتكاف ليلة معينة في حكم هذا النذر ولزوم الوفاء به أو عدم ذلك على ثلاثة اتجاهات : الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر اعتکاف ليلة معينة صح نذره ولزمه اعتکافها ، فیدخل معتكفه قبل غروب الشمس ، ويخرج منه بعد طلوع الفجر ، إلى هذا ذهب الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة (١) . واستدلوا بما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال : «یا رسول الله إني نذرت في (١) زاد المحتاج ٥٤٤/١، والمغني ٢١٤،١٨٧/٣، والكافي ٣٦٨/١ . الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال له النبي وَلي: أوف بنذرك)) (١). ويأن الاعتكاف في لغة العرب هو الإقامة ، وكل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف وعكوف ، فإذاً لا شك في هذا ، فالاعتکاف یقع على ما قل من الأزمان أو کثر ، إذ لم يخص القرآن والسنة عدداً من عدد ولا وقتاً من وقت (٢) . الاتجاه الثاني : يرى أصحابه أن من نذر اعتکاف ليلة مفردة معینة فإنه لا یصح نذره ولا يلزمه شيء، إلى هذا ذهب الحنفية (٣). واستدلوا بأن الصوم شرط في صحة الإعتكاف ، والصوم المشترط فيه لا يصح في أقل من يوم ، أما الليل فليس محلاً للصيام ، فلم يوجد من الناذر ما يوجب دخوله في الاعتكاف تبعاً ، فلم يصادف النذر محله (٤) . الاتجاه الثالث : یری أن من نذر اعتكاف ليلة مفردة لزمه اعتکاف یوم ولیلة ، وإليه ذهب (١) حديث: ((أوف بنذرك)). سبق تخريجه (ف ٥) . (٢) زاد المحتاج ٥٤٤/١، والمغني ١٨٧/٣، ٢١٤، والكافي ٣٦٨/١ ، والمحلي ١٧٩/٥. (٣) الدر المختار ٢/ ١٣٠، والبحر الرائق ٣٢٣/٢، ٣٢٨، وبدائع الصنائع ١٠٥٩/٣ . (٤) البحر الرائق ٣٢٣/٢، وبدائع الصنائع ١٠٥٩/٣. - ١٨٨ - : نَذْر ٤٧ -٤٨ المالكية وهو رواية عن أحمد تشترط الصوم لصحة الاعتكاف (١) واستدل هؤلاء بأن من شرط الاعتكاف الصوم ، ولا يجوز اعتكاف ليلة ، وإذا لم يجز اعتكاف ليلة فلا أقل من يوم وليلة ، إذ انعقاد صوم النهار إنما يكون بالليل (٢) . ب - وقت الدخول والخروج في نذر اعتکاف یوم بعینه : ٤٨ - اختلف الفقهاء في وقت دخول المعتكف إلی معتکفه وخروجه منه فی نذر اعتكاف يوم بعينه وذلك على اتجاهین : الاتجاه الأول : یری أن من نذر اعتکاف یوم معین فإنه يدخل إلى معتكفه قبل طلوع فجر يوم الاعتكاف ، ويخرج منه بعد غروب شمس ذلك اليوم ، وإليه ذهب الحنفية ، وحكي قولاً لمالك ، وهو قول القاضي عبدالوهاب المالكي ، وإليه ذهب الشافعية وهو مذهب الحنابلة وهو قول الليث بن سعد (٣) . (١) مواهب الجليل ٢/ ٤٥٨، وبداية المجتهد ٣١٤/١، والمغني ١٨٧/٣، والكافي ٣٦٨/١ . (٢) بداية المجتهد ٢٢٩/١، ٢٣٠. (٣) البحر الرائق ٣٢٨/٢، وبدائع الصنائع ١٠٥٩/٣، والمقدمات الممهدات ٢٥٩/١ ، ومواهب الجليل ٤٥٩/٢، وبداية المجتهد ٣١٥/١، وروضة الطالبين = واستدل هؤلاء بأن الیوم اسم لبیاض النهار ، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، فیجب علی من نذر اعتکاف یوم معین أن يدخل المسجد قبل طلوع الفجر حتى يقع اعتكافه في جمیع اليوم(١) . وقالوا : إن الليلة ليست من اليوم ، فقد قال الخليل : اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس ، وإنما دخل الليل في الاعتكاف المتتابع ضمناً ، ولهذا خصصناه بما بين الأيام (٢). وقالوا : إن المعتكف لما كان يلزمه الصيام مع اعتكافه فإن اللیل کله وقت لتبییت الصيام ، فأي وقت نوى فيه المعتكف الصيام من الليل أجزأه (٣). الاتجاه الثاني : ذهب المالكية ، وهو قول ضعيف عند الشافعية حكاه الرافعي إلى أن المعتکف یدخل إلى معتكفه في نذر اعتکاف یوم بعينه قبل غروب شمس اليوم السابق ليوم الاعتكاف ، ويخرج منه بغروب شمس يوم الاعتكاف ولا يجزئه الدخول إلى معتكفه قبل ٤٠١/٢، والمغني ٢١٣/٣، والكافي ١/ ٣٧٠، وكشاف القناع ٣٥٤/٢ . (١) بدائع الصنائع ١٠٥٩/٣. (٢) المغني ٢١٣/٣. (٣) المقدمات الممهدات ٢٥٩/١ . - ١٨٩ - نَذْر ٤٨ _ ٤٩ طلوع فجر يوم الاعتكاف إلا إذا نوى اعتكاف یوم بلا ليلة (١) واستدلوا بأن اسم اليوم يقع على الليل والنهار معاً ، فمن نذر اعتکاف یوم معین لزمه أن يدخل معتكفه قبل غروب شمس اليوم السابق لیوم اعتكافه ، حتی یکون آتیاً بما نذره من اعتكاف اليوم الذي عينه (٢) . ج - وقت الدخول والخروج في نذر اعتكاف شھر : ٤٩ - اختلف الفقهاء في وقت دخول المعتكف إلی معتکفه وخروجه منه إن نذر اعتکاف شهر بعينه ، وذلك على اتجاهين : الاتجاه الأول : يرى أصحابه أن من نذر اعتكاف شهر ، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب شمس اليوم السابق ليوم بداية الاعتكاف ، ويخرج منه بعد غروب شمس آخر يوم من هذا الشهر المعين ، إلى هذا ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة (٣). (١) المقدمات الممهدات ٢٥٩/١، ومواهب الجليل ٤٥٨/٢، ٤٥٩، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٣٢٩/٢، وبداية المجتهد ١/ ٣١٥، وروضة الطالبين ٢/ ٤٠١، والمجموع ٦ / ٤٩٦ . (٢) بداية المجتهد ٣١٥/١. (٣) البحر الرائق ٣٢٩/٢، وبدائع الصنائع ٣/ ١٠٦١،= واستدلوا بأن الناذر قد نذر اعتكاف الشهر ، وأول الشهر هو غروب شمس اليوم السابق له ، ولهذا تحل الديون المعلقة به ، ويقع الطلاق والعتاق المعلقان به ، فوجب على المعتكف أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع الشهر ، فإنه لا یمکنه اعتكافه إلا بذلك ، وما لا یتم الواجب إلا به فهو واجب ، کإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم (١) . وقالوا : إن الليالي كلها تابعة للأيام المستقبلة ، لا للأيام الماضية ، إلا في الحج فإنها في حكم الأيام الماضية ، فليلة عرفة تابعة ليوم التروية ، وليلة النحر تابعة ليوم عرفة ، وليالي أيام الأضحى تبع لنهار ما مضى ، وذلك رفقا بالناس (٢) . الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر اعتکاف شهر فإنه يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر من أول أيام هذا الشهر ، ويخرج منه بعد غروب شمس آخر یوم منه . قال به اللیث بن سعد ، وهو رواية عن أحمد (٣) . = وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٢/ ٣٢٩ ، وبداية المجتهد ٣١٤/١، وروضة الطالبين ٢/ ٤٠١، والمغني ٢١٠/٣، والكافي ٣٦٩/١، وكشاف القناع ٣٥٥/٢. (١) المغني ٣/ ٢١١، وكشاف القناع ٣٥٤/٢. (٢) البحر الرائق ٣٢٩/٢. (٣) بداية المجتهد ٣١٥/١، والمغني ٢١٠/٣. - ١٩٠ - نَذْر ٤٩ - ٥٠ واستدلوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله و الله إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه)) (١) . وقالوا : لأن الحق سبحانه أمر بصيام شهر رمضان کل من شهده من المسلمین ، وصيام هذا الشهر المعين لا يلزم إلا من قبل طلوع فجر أول أیامه ، فکذلك اعتکاف شهر معین بالنذر لا يلزم إلا قبل طلوع فجر أول أيامه(٢) . وأضافوا : إن الصوم شرط في الاعتكاف ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَلّ قال: ((لا اعتكاف إلا بصيام)) (٣)، ووقت الصيام يبتدىء من طلوع الفجر ، فلا يجوز ابتداء الاعتكاف قبل شرطه (٤) . د - وقت الدخول والخروج في نذر اعتكاف العشر الأواخر من رمضان : ٥٠ - اختلف الفقهاء في وقت دخول المعتكف إلی معتكفه وخروجه منه في نذر اعتكاف العشر (١) حديث: ((كان رسول الله ◌َ له إذا أراد أن يعتكف ... )) أخرجه مسلم (٢/ ٨٣١ ط عيسى الحلبي) . (٢) المغني ٣/ ٢١١ . (٣) حديث: ((لا اعتكاف إلا بصيام)). أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٤٠ ط دائرة المعارف العثمانية)، وعنه البيهقي (٣١٧/٤ ط دائرة المعارف العثمانية) ، وذكر البيهقي أن في إسناده راوياً ضعيفاً . (٤) المغني ٣/ ٢١١ . الأواخر من رمضان ، وذلك على اتجاهين : الاتجاه الأول : يرى أصحابه أن من نذر اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب شمس يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان ، ويخرج منه بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان ، سواء كان الشهر تاماً أو ناقصاً ، إلى هذا ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية في المشهور عندهم ، ويستحب عند هؤلاء - عدا الحنفية- أن يبيت المعتكف ليلة العيد في معتكفه ، ليحيي تلك الليلة ثم يخرج من معتكفه إلى المصلى . وقال سحنون وابن الماجشون : إن رجع إلى بیته قبل صلاة العید فسد اعتكافه (١) . واستدلوا بما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((إن رسول الله ﴾ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان ، فاعتكف عاماً حتی إذا کان ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه ، قال : من كان اعتكف معي (١) البحر الرائق ٣٢٩/٢، وبدائع الصنائع ١٠٥٩/٣، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٣٢٩/٢ ، وبداية المجتهد ٣١٥/١، والمجموع ٦/ ٤٩١، وروضة الطالبين ٢/ ٤٠١، ومغني المحتاج ٤٥٦/١، والمغني ٢١١/٣ ، والكافي ١/ ٣٦٩، ٣٧٦، وكشاف القناع ٣٥٤/٢ . - ١٩١ - نَذْر ٥٠-٥١ فليعتكف العشر الأواخر))(١) . وقالوا : إن العشر - بغير هاء - هى عدد الليالي ، وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين ، فلزم الناذر أن یکون في معتكفه هذه الليلة (٢) . الاتجاه الثاني : یری أصحابه أن من نذر اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان ، فإنه يدخل معتكفه بعد صلاة صبح يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان ، ويخرج منه بعد غروب شمس آخر يوم من هذا الشهر ، قال به إسحاق ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، والثوري ، وهو رواية عن أحمد (٣) . واستدلوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت : «کان رسول الله پټ يعتكف في كل رمضان ، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه)) (٤) . (١) حديث: ((إن رسول الله وَ ل كان يعتكف في العشر الأوسط ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٧١ ط السلفية) . (٢) المغني ٣/ ٢١١. (٣) بداية المجتهد ٣١٥/١، والمغني ٢١٢/٣، والكافي ١/ ٣٦٩، عون الباري لحل أدلة صحيح البخاري لصديق بن حسن القنوجي ٥١٠/٣ . (٤) حديث: «كان رسول الله آل يعتكف في كل رمضان ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٨٣/٤ -٢٨٤ ط السلفية) . رابعاً : حكم التتابع في الاعتكاف المنذور : یختلف حكم التتابع في الاعتكاف المنذور بحسب ما إذا كان مشروطا في النذر أو غير مشروط فيه ، وتفصيل ذلك فيما يلي : أ - حكم التتابع في اعتكاف منذور شرط فیه التتابع : ٥١- من نذر اعتكاف أيام متتابعة ، أو نوى التتابع في اعتكافها ، لزمه ما التزمه من التتابع ، ودخل اللیل في اعتكاف هذهالأيام ، ولزمه ما بين الأيام من الليالي ، إلى هذا ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١) . واستدلوا بأن التتابع في الاعتكاف زيادة قربة ، فلزم المعتكف بالتزامه . وقالو إن التتابع وصف مقصود ، لما فيه من المبادرة إلى الباقي من الأيام المنذور اعتكافها ، عقب الاتيان ببعضها (٢) . وأضافوا : إن اليوم في الحقيقة اسم لبياض النهار إلا أن الليلة المتخللة تدخل لضرورة حصول التتابع والدوام (٣) . (١) البحر الرائق ٣٢٩/٢، وبدائع الصنائع ١٠٦١/٣، ١٠٦٢، والتاج والإكليل ٢/ ٤٥٩ ، وروضة الطالبين ٣٩٩/٢، ٤٠١، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٥ ، والمغني ٢١٣/٣ ، والكافي ١/ ٣٧٠ . (٢) مغني المحتاج ١/ ٤٥٥ . (٣) المغني ٢١٣/٣، والبدائع ١٠٦٠/٣. - ١٩٢ - نَذْر ٥٢ ب - حکم التتابع في اعتکاف منذور لم يُشرط فيه التتابع : ٥٢- من نذر اعتكاف زمان دون اشتراط تتابع في اعتكافه ، اختلف الفقهاء في حكم التتابع فيه على مذهبين : المذهب الأول : يرى أصحابه أن هذا الناذر يلزمه التتابع فى اعتكافه هذا الزمان ، وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية ، وهو قول عند الشافعية ، وهو قول عند الحنابلة (١) . واستدلوا بأن الاعتكاف يحصل في الليل والنهار ، فإذا أطلقه ولم يشترط فيه التتابع ، اقتضى التتابع ، كما لو حلف : لا يكلم زيداً شهراً ، فإنه يكون متتابعاً ، وقياساً على مدة الإيلاء والعنة والعدة (٢). وقالوا : إن إیجاب العبد معتبر بإیجاب الله تعالى ، وما أوجبه الله متتابعاً ، فإنه يجب كذلك متتابعاً بإيجاب العبد بالنذر ، والاطلاق في الاعتكاف كالتصريح بالتتابع ، وذلك لأن الاعتکاف یدوم بالليل والنهار ، فكان متصل (١) البحر الرائق ٣٢٩/٢، بدائع الصنائع ١٠٦١/٣، ١٠٦٣، والتاج والإكليل ٢/ ٤٥٩، وروضة الطالبين ٣٩٩/٢، ومغني المحتاج ٤٥٦/١، والمغني ٢١٢/٣، والكافي ٣٦٩/١، وكشاف القناع ٣٥٥/٢. (٢) مغني المحتاج ١/ ٤٥٦، والمغني ٢١٢/٣ ، وكشاف القناع ٢/ ٣٥٥ . الأجزاء ، وما كان متصل الأجزاء لا يجوز تفريقه إلا بالتنصيص عليه (١) . وأضاف هؤلاء : بأن الاعتكاف عبادة دائمة ، ومبناها على الاتصال ، لأنها لبث وإقامة ، والليالي قابلة للبث ، فلا بد من التتابع فيه ، وإن كان اللفظ مطلقاً عن قيد التتابع ، إلا أن في لفظه ما يقتضيه ، وفي ذاته ما يوجبه (٢) . المذهب الثاني : يرى أصحابه أن هذا الناذر لا يلزمه التتابع في اعتكافه ، وهو قول زفر من الحنفية ، وما عليه مذهب الشافعية وإن كانوا يستحبون للناذر التتابع في اعتكافه هذا ، وهو المذهب عند الحنابلة (٣) . واستدل هؤلاء بأن الإعتكاف معنى يصح فيه التفريق ، فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر كالصيام (٤) . وبأن لفظ النذر مطلق عن قيد التتابع ، ولم ينو الناذر التتابع في الاعتكاف ، فيجري اللفظ على إطلاقه ولا يلزم الناذر التتابع في الاعتكاف كما في الصوم (٥) . (١) البحر الرائق ٣٢٩/٢. (٢) بدائع الصنائع ١٠٦٢/٣، والمغني ٢١٢/٣. (٣) بدائع الصنائع ٣/ ١٠٦١، وروضة الطالبين ٣٩٩/٢، ومغني المحتاج ٤٥٦/١، والمغني ٢١٢/٣، والكافي ١/ ٣٧٠، والإنصاف ٣/ ٣٧٠ . (٤) المغني ٢١٢/٣ . (٥) بدائع الصنائع ١٠٦٢/٣. - ١٩٣ - نَذْر ٥٣ -٥٤ خامساً : حكم التزام المعتكف بالصيام أثناء اعتكافه المنذور : ٥٣ ۔ من نذر أن یعتکف صائماً ، فإنه يلزمه ذلك ، لأن الصوم صفة مقصودة في الاعتكاف ، فلزم بالنذر ، عملاً بالتزامه ، كالتزامه التتابع في الاعتكاف والصيام ، إلى هذا ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١) . ٥٤ - وقد اختلف الفقهاء في حکم من نذر الاعتكاف مطلقاً ، دون التزام الصيام معه بالنذر ، وعما إذا كان يلزمه أن يعتكف صائماً ، أم أنه لا يلزمه الصيام مع اعتكافه ، وأنه يجزئه الاعتكاف بغير صوم ، وذلك على مذهبين : المذهب الأول : یری أصحابه أن من نذر اعتكافاً مطلقاً عن اشتراط الصيام معه ، يلزمه أن يعتكف صائماً ، فلا يصح اعتكافه إلا بصوم ، روي هذا عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ، وهو قول الزهري والليث والقاسم ابن محمد والثوري ونافع ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، هو رواية عن أحمد والشافعي في القديم (٢) . (١) المبسوط ١١٦/٣، والمقدمات ٢٥٧/١، ونهاية المحتاج ٢٣٥/٨، وزاد المحتاج ٥٤٥/١، والمغني ١٨٥/٣، والكافي ٣٦٨/١. (٢) بدائع الصنائع ١٠٥٩/٣، الدر المختار ورد المحتار= واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِّمُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَلِكِقُونَ فِى الْمَسَجِدِ*﴾(١) فإن الله سبحانه قد ذکر الاعتكاف مع الصيام في هذه الآية ، وهذا يقتضي أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم . کما استدلوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أن عمر جعل على نفسه في الجاهلية أن يعتكف يوماً عند الكعبة، فسأل النبي ◌ُّر عن ذلك فقال له : اعتكف وصم)) (٢) . وبما روي عن عائشة رضي الله عنها ((أن رسول الله ◌َ﴾ قال: لا اعتكاف إلا بصيام))(٣). كما استدلوا بما روي عن بعض الصحابة رضوان الله علیهم ، فقد روى عطاء عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم قالا: ((من اعتكف ١٣٠/٢، والمبسوط ١١٥/٣، ومواهب الجليل ٤٦٠/٢، والمقدمات الممهدات ٢٥٧/١، ٢٥٨، وبداية المجتهد ٣١٥/١، والمغني ١٨٥/٣- ١٨٦، والكافي ٣٦٨/١، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٣، وروضة الطالبين ٢/ ٣٩٣ . (١) سورة البقرة / ١٨٧ . (٢) حديث: ((اعتكف وصم)). أخرجه أبو داود (٢/ ٨٣٧-٨٣٨ ط حمص) والبيهقي في السنن (٣١٦/٤ ط دائرة المعارف العثمانية) وذكر البيهقي أن في إسناده راوياً ضعيفاً . (٣) حديث: ((لا اعتكاف إلا بصيام)) سبق تخريجه (ف ٤٩) . - ١٩٤ - نَذْر ٥٤ _ ٥٥ فعليه الصيام)) (١) . المذهب الثاني : یری أصحابه أنه لا يلزمه صيام مع اعتكافه ، وأن اعتكافه يصح بغير صيام ، روي هذا عن عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء ، وطاوس ، والنخعي ، وإسحاق بن راهويه وهو قول ابن لبابة من المالكية ، وإليه ذهب الشافعية ، وهو مشهور مذهب الحنابلة ، وإن كان الأفضل عندهم أن يصوم الناذر مع اعتكافه ، ليجمع بين العبادتين ويخرج من الخلاف (٢) . واستدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله : ﴿ قال: ((ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه)) (٣) . وبما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أن أباه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام ، (١) أثر عائشة رضي الله عنها: (( من اعتكف فعليه الصيام)). أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣١٧/٤ ط دائرة المعارف) وأثر ابن عباس رضي الله عنهما ((لا اعتكاف إلا بصوم» أخرجه البيهقي كذلك (٣١٨/٤). (٢) المقدمات الممهدات ٢٥٧/١، وبداية المجتهد ٣١٥/١، والمغني ١٨٥/٣-١٨٦، ومغني المحتاج ٤٥٣/١، وروضة الطالبين ٣٩٣/٢ . (٣) حديث: ((ليس على المعتكف صيام ... )) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٣٩ ط دائرة المعارف) والبيهقي في السنن الكبرى (٣١٩/٤ ط دائرة المعارف العثمانية) وصوب البيهقي وقفه على ابن عباس . فقال : يا رسول الله كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي وَالطيار: أوف بنذرك))(١) . وأضافوا أن الإعتكاف يتصور وقوعه بالليل والنهار ، والليل ليس زماناً للصيام ، وكل عبادة صح بعضها بغير صوم فإن جميعها (٢) يصح بغيره وقالوا أيضاً : بأن الليل يدخل على المعتكف فيكون فيه معتكفاً وهو غير صائم ، ولو كان الصوم شرطاً في صحة الاعتكاف لماصح اعتكاف الليل (٣). وقال ابن قدامة: إن إيجاب الصوم على المعتكف حكم لا يثبت إلا بالشرع ، ولم يصح في إيجابه نص ولا إجماع ، فلا يجب على المعتكف صيام (٤) . نذر المشي إلى بيت الله الحرام : ٥٥- من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه المشي إليه في حج أو عمرة ، قال هذا أبوعبيد ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وابن المنذر ، (١) حديث: ((أوف بنذرك)). سبق تخريجه (ف ٥) . (٢) الكافي ٣٦٨/١، والمغني ١٨٦/٣. (٣) المقدمات الممهدات ٢٥٨/١. (٤) المغني ١٨٦/٣. - ١٩٥ - نَذْر ٥٥ _٥٦ وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وقال ابن قدامة : لا نعلم فيه خلافاً (١). واستدلوا بما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، ومسجد الحرام ، ومسجد الأقصى)) (٢). كما استدلوا بأن قول الناذر: عليّ المشي إلى بيت الله تعالى أو إلى الكعبة أو نحو ذلك ، هو كناية عن التزام الإحرام ، يستعمله الناذرون لالتزام الإحرام بطريق الكناية ، من غير أن يعقل فيه وجه الكناية ، بمنزلة قول القائل : لله عليّ أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة ، إذ هو كناية التزام الصدقة ، والإحرام يكون بالحج أو بالعمرة ، فیلزم الناذر أحدهما ، بخلاف سائر الألفاظ فما جرت عادتهم بالتزام الإحرام بها ، والمعتبر في الباب عرفهم وعادتهم ، ولا عرف هناك ، فيلزمه ذلك ماشياً ، لأنه التزم المشي ، (١) بدائع الصنائع ٢٨٦٦/٦، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣٣١/٣-٣٣٢، وكفاية الطالب الرباني ٦٧/٣، وروضة الطالبين ٣٢٢/٣، ونهاية المحتاج ٢٢٨/٨، وزاد المحتاج ٥٠٣/٤، والمغني ٩/ ١٢، والكافي ٤٢٣/٤، وكشاف القناع ٦/ ٢٨٢ . (٢) حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... )) سبق تخريجه(ف ٤٢) . وفيه زیادة قربة ، فجاز التزامه بالنذر ، کصفة التتابع في الصيام (١) . وقالوا : إن الناذر قد التزم المشي إلى بيت الله الحرام ، وجعله وصفاً للعبادة ، فيلزمه المشي كما لو نذر أن يصلي قائماً (٢). واستدلوا كذلك بأن من نذر المشي إلى بيت . الله الحرام لا يجزئه المشي إليه إلا في حج أو عمرة ، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي في حج أو عمرة ، فإذا أطلق الناذر المشي إليه حمل على المعهود في الشرع ، ويلزمه المشي فيه لنذره (٣) . وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام نذر في طاعة الله تعالی ، فیلزم الناذر الوفاء ، لما ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ ل* قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) (٤) . حكم من عجز عن المشي المنذور إلى بيت الله الحرام : ٥٦ - اختلف الفقهاء فيما يجب على من عجز (١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٦٧ . (٢) نهاية المحتاج ٢٢٩/٨، زاد المحتاج ٤/ ٥٠٣. (٣) المغني ٩/ ١٢، والكافي ٤٢٣/٤ ، وكشاف القناع ٦/ ٢٨٢. (٤) حديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) سبق تخريجه (ف ٥) . - ١٩٦ - نَذْر ٥٦ ... . . عن المشي المنذور إلى بيت الله الحرام . وذلك على ثلاثة مذاهب . المذهب الأول : يرى أصحابه أن من عجز عن المشي المنذور فرکب وهو في طريقه إلى بيت الله الحرام فإنه يلزمه دم ، وهو رأي الحنفية والمالكية والشافعية في الأظهر ورواية عن أحمد ، وروي عن عليّ رضي الله عنه ، وأفتى به عطاء ، ولهم في ذلك تفصيل : فقد ذهب الحنفية إلى أن له أن یر کب وإن لم يكن عاجزاً عن المشي ، ويذبح لركوبه شاة استحساناً ، وقال مالك : من لزمه المشي إلى مكة فخرج ماشیاً فعجز في مشیه فلیر کب فيما عجز ، فإذا استراح نزل وعرف أماکن رکوبه من الأرض ، ثم يعود ثانیة فیمشي أماکن ركوبه ، ولا يجزئه أن يمشي عدة أیام رکوبه ، إذ قد یرکب مواضع رکوبه أولاً ، ولیس علیه في رجوعه ثانية إن كان قوياً أن يمشي الطريق كله ، ولكن يمشي ما ركب فقط ، ويهرق دماً لتفريق مشيه . وذهب الشافعية إلى أن من ركب لعذر أجزأه حجه عن نذره وعليه دم في الأظهر ، والمراد بالعذر أن تلحقه مشقة ظاهرة ، كنظيره في العجز عن القيام في الصلاة ، والعجز عن صوم رمضان بالمرض ، وقید البلقيني وجوب الدم بما إذا ركب بعد إحرامه مطلقاً أو قبله وبعد مجاوزة الميقات مشياً ، وإلا فلا . إذ لا خلل في النسك يوجب دماً ، وإن ركب بلا عذر أجزأه على المشهور وعليه دم مع عصيانه (١) . واستدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى الكعبة، فقال رسول الله وقال فيه: ((إن الله لغني عن مشيها ، لتركب ولتهد بدنة)) وفي رواية أخرى : ((أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، وأنها لا تطيق ذلك، فأمرها النبي وَلقر أن ترکب وتهدي هدیاً))(٢) وبما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: فيمن نذر أن يمشي إلى البيت : (يمشي ، فإذا أعیی رکب ويهدي جزوراً)) (٣). وبأن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام إذا ركب فإنه يكون قد أخل بواجب في الإحرام ، (١) بدائع الصنائع ٢٨٦٦/٦-٢٨٦٧، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣٣٣/٣-٣٣٤ ، وكفاية الطالب الرباني ٦٨/٣-٦٩، وبداية المجتهد ١/ ٤٢٥ ونهاية المحتاج ٢١٨/٨، ٢٣٠، وزاد المحتاج ٥٠٤/٤، والمغني ٩/ ١٢. (٢) حديث: ((إن أختي نذرت أن تمشي إلى بيت الله ... )). سبق تخريجه (ف ١٧) . (٣) أثر عليّ: فيمن نذر أن يمشي إلى البيت ... أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (٨/ ٤٥٠ ط المجلس العلمي) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٨١ ط دائرة المعارف العثمانية) . - ١٩٧ - نَذْر ٥٦ - ٥٧ فلزمه هديه كتارك الإحرام من الميقات (١) . المذهب الثاني : یری أنه لا يلزمه شيء ، وهو القياس عند الحنفية ومقابل الأظهر عند الشافعیة ، وحكاه ابن رشد (الحفید)) عن بعض العلماء(٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ (٣). وبأن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام قد عجز عما التزمه بالنذر ، وهو المشي ، فله أن يركب ولا شيء عليه ، قياساً على ما لو نذر الصلاة قائماً فصلى من قعود لعجزه . وقال الحنفية في وجه القياس عندهم : إن من شرط صحة النذر أن يكون المنذور به قربة مقصودة ولا قربة في نفس المشي (٤) . المذهب الثالث: يرى أن عليه كفارة يمين إذا ركب ، وهو المذهب عند الحنابلة (٥). واستدلوا بما ورد عن عقبة بن عامر رضى الله عنه ((أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة إلى الكعبة، فسأل النبي وَالر، فقال: (١) زاد المحتاج ٥٠٤/٤، والمغني ٩/ ١٢. (٢) بداية المجتهد ١/ ٤٢٥، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٣٠، وزاد المحتاج ٤/ ٥٠٣، ٥٠٤ . (٣) سورة البقرة / ٢٨٦ . (٤) نهاية المحتاج ٨/ ٢٣٠، ويدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧٠. (٥) المغني ٩/ ١٢، وكشاف القناع ٢٨٣/٦. إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً ، فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام) وفي حديث ابن عباس : ((ولتكفر عن يمينها)) (١). وبما روى عن عقبة بن عامر أن رسول الله وَلِ* قال: «كفارة النذر كفارة اليمين)) (٢). نذر المشي إلى بلد الله الحرام أو بقعة منها: ٥٧- من نذر المشي إلى بلد الله الحرام، أو إلى بقعة منها : كالصفا والمروة ، أو مقام إبراهيم أو أبي قبيس أو نحو ذلك من المواضع التي تقع في بلد الله الحرام ، فقد اختلف الفقهاء فيما يلزمه بهذا النذر على مذاهب ثلاثة : المذهب الأول : یری أصحابه أن من نذر المشي إلى بلد الله الحرام أو إلى بقعة منها ، فإنه يلزمه بهذا الحج والعمرة ماشياً ، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة (٣) . واستدلوا بأن من نذر المشي إلى الحرم أو إلى موضع منه ، شبيه بمن نذر المشي إلى البيت (١) حدیث عقبة بن عامر وحديث ابن عباس سبق تخريجهما (ف ١٧) . (٢) حديث: ((كفارة النذر كفارة اليمين)). سبق تخريجه (ف ١٢) . (٣) روضة الطالبين ٣٢٢/٣، ونهاية المحتاج ٢٢٩/٨، والمغني ٩/ ١٥، والكافي ٤٢٣/٤، وكشاف القناع ٢٨٢/٦ . - ١٩٨ - . نَذْر ٥٧ الحرام ، لأن الحرم كله محل للنسك ، ولذلك صح إحرام المكي بالحج منه (١) . وأن من نذر المشي إلى الحرم أو جزء منه إنما لزمه المشي إليه في حج أو عمرة ، لأنه التزم جعله وصفاً للعبادة ، كما لو نذر الصلاة قائماً(٢) . وأن المشي إلى البلد الحرام أو إلى موضع منه يقصد منه في الشرع المشي إليه في حج أو عمرة ، فيحمل النذر على المعهود الشرعي ، ويلغى ما يخالفه (٣) . المذهب الثاني : ذهب إليه الحنفية ، ویرون أن من نذر المشي إلى الصفا والمروة أو مسجد الخيف أو غيره من المساجد التي تقع في الحرم ، فإنه لا يصح نذره بلا خلاف في المذهب ، وإن ذکر الكعبة أو مکة أو بيت الله تعالی ، صح نذره ولزمه حجة أو عمرة ماشياً ، وإن ذكر الحرم أو المسجد الحرام لم يصح نذره ولم يلزمه شيء عند أبي حنيفة ، ولزمه حج أو عمرة ماشياً عند الصاحبين (٤) . واستدلوا على صحة نذر المشي إلى الكعبة أو مكة أو بيت الله تعالى ، ولزوم مشي الناذر إلى (١) المغني ٩/ ١٥، والكافي ٤/ ٤٢٣ . (٢) نهاية المحتاج ٢٢٩/٨. (٣) كشاف القناع ٦/ ٢٩٢. (٤) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٦٧ -٢٨٦٨. ذلك في حج أو عمرة ، بما سبق الاستدلال به لمذهبهم في ((نذر المشي إلى بيت الله الحرام)). واستدل لما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم صحة النذر بالمشي إلى المسجد الحرام أو الحرم بأن مقتضى القیاس أن لا يجب شيء بإيجاب المشي المضاف إلى مكان ما ، لأن المشي ليس بقربة مقصودة ، إذ هو مجرد انتقال من مكان إلی مکان ، فليس في نفسه قربة ، ولهذا لا يجب بسائر الألفاظ ، إلا أنا أوجبنا على الناذر الإحرام في لفظ المشي إلى بيت الله أو الكعبة أو مكة للعرف ، إذ جرى عرف الناس على استعمال هذه الألفاظ كناية عن التزام الإحرام ، ولم يتعارفوا على استعمال غيرها من الألفاظ ، فيقال : مشی إلی مکة والكعبة وبيت الله ، ولا يقال : مشى إلى الحرم أو المسجد الحرام ، والكناية يتبع فيها عينُ اللفظ لا المعنى ، بخلاف المجاز فإنه يراعى فيه المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة ، لأن الكناية ثابتة بالاصطلاح كالأسماء الموضوعة ، فيتبع فيها العرف واستعمال اللفظ ، بخلاف المجاز(١). ووجه ما ذهب إليه الصاحبان من صحة النذر بالمشي إلى المسجد الحرام أو إلى الحرم ، ولزوم (١) بدائع الصنائع ٢٨٦٨/٦. - ١٩٩ - نَذْر ٥٧ مشي الناذر إلی ذلك في حج أو عمرة أن من نذر المشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام هو بمثابة من نذر المشي إلى بيت الله أو مكة ، لأن الحرم يشتمل على البيت وعلى مكة ، فلزم الناذر المشي إلى ذلك في حج أو عمرة (١) . ووجه ما ذهب إليه الحنفية من عدم صحة النذر بالمشي إلى الصفا والمروة أو مسجد الخيف أن من نذر المشي إلى الصفا والمروة أو مسجد الخيف ونحو ذلك من المواضع لا يلزمه شيء بخلاف من نذر المشي إلى مكة أو الكعبة أو بيت الله، حيث يلزمه الحج أو العمرة ماشياً ، وذلك لأن كل واحد من هذه الألفاظ (الكعبة ، مكة ، وبيت الله) يستعمل عند استعمال الآخر ، فيقال : فلان مشى إلى بيت الله ، وإلى الكعبة ، وإلى مكة ، ولايقال : مشى إلى الصفا والمروة ، ولهذا فلا يلزم بنذر المشي إلى هذه شيء (٢) . ويضاف إلى ذلك أن من نذر المشي إلى الصفا والمروة أو مسجد الخيف أو نحو ذلك من المواضع ، قد أوجب على نفسه التحول من مكان إلى مكان آخر ، وذلك ليس بقرية مقصودة ، لأنه لا قربة في نفس المشي ، وإنما القربة في الإحرام ، وهو ليس بمذكور ، ولايصح (١) المصدر السابق . (٢) المصدر السابق . النذر بماليس بقرية (١) . المذهب الثالث : يرى من ذهب إليه أن من نذر المشي إلى مكة أو المسجد الحرام أو الحجر لزمه المشي إلى ذلك في حج أو عمرة ، بخلاف من نذر المشي إلى الصفا والمروة ، أو منى أو عرفة ، أو مزدلفة أو ذي طوى ، أو الحرم أو جبال الحرم فلا يلزمه شيء ، وهو قول مالك ، وابن القاسم ، وقال ابن حبيب : إن قال : عليّ المشي إلى الحجر أو إلى الحطيم أو زمزم ، لم يلزمه شيء من ذلك عند ابن القاسم (٢) . واستدلوا : بأن من نذر المشي إلى مكة أو إلى المسجد الحرام أو الكعبة إنما لزمه المشي إلى ذلك في حج أو عمرة ، لأن ذلك يحتوي على البيت الحرام ، والبيت لا يؤتى إليه إلا في حج أو عمرة ، بخلاف غير ذلك من المواضع : كمنی أو عرفة أو ذي طوی أو مزدلفة أو نحوها ، فلا يلزم الناذر بالمشي إليها شيء ، لأنه ليس بها بیت یحج إلیه . أو يزار(٣) . (١) بدائع الصنائع ٢٨٦٦/٦. (٢) التاج والإكليل ٣٣٢/٣ ، وشرح الزرقاني على خليل وحاشية البناني ٩٨/٣. (٣) التاج والإكليل ٣٣٢/٣، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٣/ ٩٨ . - ٢٠٠ -