النص المفهرس

صفحات 161-180

نَذْر ٢٥
رسول الله ژټ عنه مراراً - وهو يردد كلامه هذا
- ثم أخذها ◌َّ فحذفه بها ، فلو أصابته
لأوجعته أو لعقرته ، فقال رسول الله يلي: يأتي
أحدكم بما يملك فيقول : هذه صدقة ثم يقعد
يستكف الناس ، خير الصدقة ما كان عن ظهر
غنى))، وفي رواية أخرى أنه وَال# قال: ((خذ عنا
مالك لا حاجة لنا به)) (١)
.
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر
التصدق بکل ما يملك من مال فإن نذره هذا
یمین ، وتلزمه کفارة یمین ، روي هذا عن عمر
وابنه عبدالله وابن عباس وجابر بن عبدالله
وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم ، وهو قول
الحسن البصري وطاووس وعطاء بن أبي رباح
وعكرمة والأوزاعي وقتادة وسليمان بن يسار ،
وهو رواية عن أحمد بن حنبل (٢) .
واستدل هؤلاء بحديث عقبة بن عامر رضي
الله عنه أن رسول الله وَ ل قال: «كفارة النذر
كفارة اليمين)) (٣).
فقد أفاد هذا الحدیث أن حکم النذر کحکم
(١) حديث: ((يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ... ))
أخرجه أبو داود (٢/ ٣١٠ ط حمص)، وأشار المنذري في
مختصر السنن (٢/ ٢٥٤) إلى إعلاله براو فيه .
(٢) المغني ٩/ ٧ .
(٣) الحديث سبق تخريجه (ف ١٢) .
اليمين ، فمن حنث في يمينه تلزمه كفارة ،
فكذلك يلزم الناذر إن لم يف بنذره كفارة
کكفارة اليمين .
الاتجاه الثالث : يرى أصحابه أن من نذر
التصدق بكل ماله فإنه يجزئه التصدق بثلث هذا
المال . وقد مال إلى هذا الاتجاه الزهري والليث
ابن سعد وهو قول آخر حكي عن سعيد بن
المسيب ، وإليه ذهب المالكية وهو مذهب
جمهور الحنابلة (١) .
واستدل هؤلاء بما روى حسين بن السائب بن
أبي لبابة أن أبا لبابة رضي الله عنه قال : ((يا
رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي
وأساكنك ، وإني أنخلع من مالي صدقة لله
ولرسوله. فقال رسول الله { ل : يجزئ عنك
الثلث))(٢) ، وبما رواه كعب بن مالك في قصة
تخلفه عن غزوة تبوك قال : «قلت : يا رسول
الله إن من توبتي إلى الله أن أخرج من
(١) شرح الزرقاني وحاشية البناني ٣/ ٩٥ ، وكفاية الطالب
الرباني وحاشية العدوى ٣/ ٦٤،٦٣، ومواهب الجليل
٣٢١/٣، والمغني ٩/ ٧، والكافي ٤/ ٤٢٢، وكشاف
القناع ٦ / ٢٨٧ .
(٢) حديث: ((يجزىء عنك الثلث ... ))
أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٣ - ط اليمنية) وابن حبان
في الصحيح (الإحسان ١٦٤/٨- ١٦٥ ط
مؤسسة الرسالة) .
- ١٦١ -

نَذْر ٢٥
مالي كله إلى الله وإلى رسوله وَ لق﴾ صدقة، قال :
لا ، قلت : فنصفه . قال: لا، قلت : فثلثه؛
قال : نعم ، قلت : فإني سأمسك سهمي من
خيبر)) (١) فقد أفاد هذان الحديثان أن من نذر
التصدق بكل ما يملك من مال فإنه يجزئه
التصدق بثلثه كما هو منطوق الحدیثین .
الاتجاه الرابع : یری من ذهب إليه أن من نذر
التصدق بکل ما له فإنه يلزمه أن يتصدق به کله .
وهذا الاتجاه هو رواية أخری عن ابن عمر رضي
الله عنهما کما روي عن سالم بن عبدالله
والقاسم بن محمد أنهما قالا : يتصدق بهذا المال
على بناته ، وصح عن الشعبي والنخعي أنهما
كانا يلزمانه ما جعل على نفسه ، وهو القياس
عند الحنفية .
قال هؤلاء : فإن أخرجه مخرج اليمين
فكفارته كفارة يمين ، وإلزام الناذر أن يتصدق
بكل ما له هو وجه في مذهب الشافعية (٢) .
واستدل أصحاب هذا الإتجاه بما روي عن
عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَالله قال:
«من نذر أن یطیع الله فلیطعه ، ومن نذر أن يعصيه
(١) حديث: ((سأمسك سهمي من خيبر ... ))
أخرجه أبو داود (٣/ ٦١٤ - ط حمص)
(٢) روضة الطالبين ٣/ ٢٩٧، والمغني ٨/٩، والبدائع
٢٨٧٢/٦-٢٨٧٣ ط مطبعة الإمام .
فلا یعصہ)) (١) .
فقد أفاد هذا الحديث أن من نذر طاعة لله
تعالی لزمه الوفاء بما التزمه بهذا النذر ، ومن نذر
التصدق بکل ما يملك من مال ، ألزم نفسه بما هو
طاعة لله سبحانه ، فيلزمه الوفاء به ، والتصدق
بكل ماله .
ووجه القیاس عند الحنفية أنه يدخل فيه
جميع الأموال لأن المال اسم لما يتمول كما أن
الملك اسم لما يملك فيتناول جميع الأموال
کالملك (٢) .
الاتجاه الخامس : یری أصحابه أن من نذر
التصدق بکل ماله فإنه يجزئه أن یتصدق منه
بربع العشر (أي مقدار الزكاة) وهو رواية أخرى
عن ابن عباس وثالثة عن ابن عمر رضي الله
عنهم ، وهو قول ربيعة وروي عن عبدالعزيز بن
الماجشون أنه استحسن قول ربيعة هذا(٣) .
واستدل أصحاب هذا الاتجاه بما روي عن
عثمان بن أبي حاضر قال : حلفت امرأة فقالت :
مالي في سبيل الله وجاريتي حرة إن لم تفعل
كذا . فقال ابن عباس وابن عمر رضي الله
(١) الحدیث تقدم تخريجه(ف ٥) .
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧٣ .
(٣) المغني ٩/ ٧ .
- ١٦٢ -
..---

نَذْر ٢٥-٢٦
عنهما : أما الجارية فتعتق ، وأما قولها : مالي
في سبيل الله فيتصدق بزكاة مالها .
وقالوا : إن النذر المطلق ، إن التزم فيه الناذر
التصدق بكل ماله ، محمول على المعهود في
الشرع ، ولا يجب في الشرع إلا التصدق بمقدار
الزكاة وهو ربع العشر(١).
الاتجاه السادس : یری من ذهب إليه أن من
قال : مالي صدقة ، لزمه أن يتصدق بالأموال
التي تجب فيها الزكاة مما يملك ، أي يتصدق
بجنس الأموال الزكوية وإن لم تبلغ نصاب
الزكاة ، ولا يدخل في هذه الأموال ما لا زكاة
فيه ، فلا يلزمه أن يتصدق بدور السكن والأثاث
والثياب والعروض التي لا يقصد بها التجارة
ونحو ذلك . وهو ما ذهب إليه الحنفية ، وقالوا :
إنه استحسان .
واستدلوا بأن النذر الذي يلزم به المرء نفسه
معتبر بما أمر به الشارع ، لأن الوجوب في الكل
بإيجاب الله تعالى، وإنما وجد من العبد مباشرة
السبب الدال على إيجاب الله تعالى ، والإيجاب
المضاف من الله تعالى في الأمر - وهو الزكاة
المأمور بها في قوله سبحانه ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
(١) المغني ٩/ ٧ .
صَدَقَةٌ تُطَهِرُهُمْ وَتُزگیهم بِهَا ﴾(١) وقوله تعالى
﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوَلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ
٢٤
لِّلِسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾(٢) ونحو ذلك - قد تعلق
بنوع من المال دون نوع ، فكذا في النذر (٣) .
حكم نذر الصلاة أو الصيام مطلقاً :
أ - نذر الصلاة مطلقاً :
٢٦ - اختلف الفقهاء فیما یلزم الناذر إن نذر
صلاة مطلقة ، ولم يحدد عدد الركعات التي
يصليها فيها ولم ينوه ، على اتجاهين .
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر صلاة
مطلقة یجزئه صلاة رکعتین ، وإلى هذا ذهب
الحنفية والمالكية ، وهو ما نص عليه الشافعي ،
وهو مشهور مذهب أصحابه ، وهو ما عليه
مذهب الحنابلة (٤)
واستدل هؤلاء بأن أقل صلاة وجبت بالشرع
مقدارها ركعتان ، فوجب حمل النذر المطلق
عليه ، لأن النذر الذي يوجبه المرء على نفسه
(١) سورة التوبة / ١٠٣ .
(٢) سورة المعارج / ٢٤، ٢٥.
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧٣ .
(٤) بدائع الصنائع ٢٨٨٨/٦، ومواهب الجليل ٣/ ٣٢٠ ،
وكفاية الطالب الرباني ٥٧/٣، وروضة الطالبين
٣٠٦/٣، ونهاية المحتاج ٢٣٤/٨، والمغني ٩/ ١١ ،
والكافي ٤٢٣/٤، وكشاف القناع ٦/ ٢٧٩.
- ١٦٣ -
..

نَذْر ٢٦ -٢٧
معتبر بما أوجبه الشارع ، فلزم ناذر الصلاة مطلقاً
صلاة ركعتين (١) .
وقالوا : إن الركعتين هما أقل ما يقع اسم
الصلاة عليه ، فلزم الناذر الإتيان بهما ، ولا يلزمه
زيادة عليهما ، لأن هذا الزائد لم يوجبه شرع
ولالغة (٢) .
وأضافوا كذلك: إن الركعة الواحدة لا تجزئ
في الفرض ، فلا تجزئ في النذر كالسجدة (٣).
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر
صلاة مطلقة أنه يجزئه أن يصلي ركعة واحدة .
وهذا قول آخر عند الشافعية ورواية عن أحمد بن
حنبل (٤) .
واستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن أقل الصلاة
ركعة ، فإن الوتر صلاة مشروعة ، وهو ركعة
واحدة (٥) .
ب - نذر الصيام مطلقاً :
٢٧ - اختلف الفقهاء فیما یلزم الناذر إن نذر
(١) بدائع الصنائع ٢٨٨٨/٦، ونهاية المحتاج
٢٣٤/٨، والمغني ٩/ ١١، والكافي ٤٢٣/٤.
(٢) كفاية الطالب الرباني ٣/ ٥٧ .
(٣) كشاف القناع ٢٧٩/٦، والكافي ٤/ ٤٢٣.
(٤) روضة الطالبين ٣٠٦/٦، ونهاية المحتاج ٢٣٤/٨،
والمغني ٩/ ١١، والكافي ٤٢٣/٤ .
(٥) نهاية المحتاج ٢٣٤/٨، والمغني ٩/ ١١، والكافي ٤ /٤٣.
صياماً مطلقاً ولم يحدد عدد ما يصام ولا نواه ،
وذلك على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر صياماً
يلزمه صيام يوم واحد ، وإليه ذهب المالكية
والشافعية والحنابلة (١) .
واستدلوا بأنه ليس في الشرع صوم مفرد أقل
من يوم ، فيلزم من نذر صياماً مطلقاً صيامه ،
لأنه اليقين (٢).
وقالوا : إن صيام اليوم هو أقل ما يجزئ في
الصيام ، وهو أقل ما يقع عليه اسم الصيام ، فهو
اللازم المتيقن ولا تلزم الزيادة عليه ، لأنه لم
يوجبها شرع ولا لغة (٣) .
الاتجاه الثاني : يرى من ذهب إليه أنه يلزمه
صيام ثلاثة أيام . وإليه ذهب الحنفية (٤) واستدلوا
بأن نذر الصيام مطلقاً نذر مبهم ، لعدم بيان عدد
ما يصام ، والنذر المبهم يمين ، وكفارته كفارة
یمین ، فإن کان الناذر قد نذر الصيام ، ولم تكن له
(١) مواهب الجليل ٣/ ٣٢٠ ، وكفاية الطالب الرباني
٢٥٧/٣، وروضة الطالبين ٣٠٥/٣، ونهاية المحتاج
٢٣٣/٨، والمغني ٩/ ١١، والكافي ٣٢٤/٤ ، وكشاف
القناع ٦/ ٢٧٩ .
(٢) نهاية المحتاج ٢٣٣/٨، والمغني ٩/ ١١، وكشاف
القناع ٦/ ٢٧٩ .
(٣) كفاية الطالب الرباني ٣/ ٥٧.
(٤) الدر المختار ورد المحتار ٣/ ٧١، وبدائع الصنائع ٢٨٨٨/٦.
- ١٦٤ -

نَذْر ٢٧-٢٨
نية في عدد ما يصام في النذر ، فإن هذا الصيام
ينصرف إلى صيام الكفارة ، وهو صيام
ثلاثة أيام(١) .
وقالوا : إن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله
تعالی ، وأدنی ما یوجبه الله سبحانه من صيام
هو صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين ، فكانت
هي الواجبة في النذر المطلق (٢) .
نذر صوم الدهر :
٢٨ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
إلی أن من نذر صيام الدهر لزمه صیامہ ، ولم
يدخل في نذره رمضان ، لأن صيام أيامه لا يقع
إلا للفريضة ، كما لا يدخل في نذره أيام العيدين
والتشريق ، فلا تصام عن نذره ، ولا يقضي هذه
الأيام ، لأنها لا تقبل صوماً ، ولهذا الناذر أن
يقضي ما أفطره من رمضان ، ويصوم الكفارات
التي وجبت عليه : ككفارة الظهار والقتل
والوقاع في نهار رمضان واليمين ، مقدماً ذلك
على النذر ، لأن هذا الصيام واجب بأصل
الشرع ، فيقدم على الصيام الذي أوجبه على
نفسه بالنذر ، كتقديم حجة الإسلام على
المنذورة ، فإن أفطر في أثناء صيامه هذا لعذر أو
:
(١) بدائع الصنائع ٢٨٨٨/٦ .
(٢) رد المحتار ٣/ ٧١ .
لغيره لم يقض ما أفطره منه ، لأن الزمن مستغرق
بالصوم المنذور ، إلا أنه تلزمه فدية لترك الصيام
بلا عذر .
وقد اختلف في مقدار هذه الفدية ، فقدرها
الحنفية بأنها نصف صاع من بر عن كل يوم
أفطره ، أو صاع من تمر أو شعير .
وقال ابن القاسم من المالكية : يطعم عن كل
يوم مداً من طعام قياساً على كفارة التفريط في
صيام رمضان ، لأنها كفارة وجبت للفطر متعمداً
في موضع لا يجوز الفطر فيه ، وهذا كذلك .
وقال سحنون من المالكية : عليه إطعام ستين
مسكيناً ، لأنه أفطر متعمداً ما لا يجد له قضاء ،
فأشبه الفطر في رمضان متعمداً ، فإنه لا يجد له
قضاء ، إذ قد جاء أنه لا يقضيه بصيام الدهر
وإن صامه .
وقدرها الشافعية بمد من طعام عن کل یوم ،
سواء البر أو الشعير أو التمر أو غيرها من أقوات
البلد .
ومذهب الحنابلة أنها تقدر بنصف صاع من
حنطة أو صاع من تمر أو شعير لكل يوم (١) .
(١) رد المحتار ٣/ ٧١، والكفاية على الهداية للمرغيناني
٢٧٦/٢، ومواهب الجليل ٢/ ٤٣٣، ٤٤٩، المجموع
٢٥٩/٦، وروضة الطالبين ٣١٨/٣، ونهاية
المحتاج ٢٢٥/٨، وزاد المحتاج ٤٩٦/٤، والمغني
٧٨/٣، ٣٣/٩، وكشاف القناع ٢٧٩/٦.
- ١٦٥ -

نَذْر ٢٩
نذر صيام شهر غير معين :
٢٩ - ذهب فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة إلی أن من نذر صيام شهر غیر معین فهو
بالخيار بين أن يصومه من بداية شهر هلالي أو أن
یصومه بالعدد ، فإن صامه من بداية شهر
هلالي ، وتابع في صيامه أجزأه عن نذره وإن
خرج الشهر ناقصاً ، وإن صام بعد مضي بعض
الشهر الهلالي ، أو صام شهراً بالعدد أجزأه صيام
ثلاثين يوماً احتياطاً ، وإن احتمل لفظ الشهر أن
یکون تسعة وعشرين يوماً ، وذلك لأن الشهر
يطلق على ما بين الهلالين ، تاماً كان أو ناقصاً ،
كما يطلق على ثلاثين يوماً ، فأيهما فعل الناذر
فقد خرج من العهدة .
وقال بعض المالكية : يلزمه إن صام شهراً
بالعدد أن يصوم تسعة وعشرين يوماً ، وذلك لأن
الشهر الهلالي قد يكون تسعة وعشرين يوماً .
وقد اختلف هؤلاء في صفة صيام هذا
الشهر، وعما إذا كان يجزئه فيه التفريق ، أم أنه
يشترط في صيامه التتابع على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر صیام
شهر غير معين - ولم يشترط التتابع - فهو
بالخيار في صيامه فإن شاء فرق وإن شاء تابع ،
أما إن اشترط التتابع فإنه يلزمه وهذا مذهب
الحنفية والمالكية والشافعية ، وهو رواية عن أحمد
ووجه لبعض أصحابه (١) .
واستدلوا بأن الصوم لا ينبني على التتابع بل
على التفريق ، وذلك لأن بين كل يومين من
الوقت ما لا يصلح الصيام فيه ، وهو الليل ،
فكان للصائم الخيار بين التفريق والتتابع(٢)، كما
استدلوا بأن الشهر يطلق على ما بين الهلالين ،
وعلى ثلاثين يوماً ، ولا خلاف في أنه يجزئ هذا
الناذر أن یصوم ثلاثین فلم يلزمه التتابع ، کما لو
نذر صيام ثلاثين يوماً إلا إذا اشترط التتابع (٣) .
الاتجاه الثانى : یری من ذهب إليه آن من
نذر صیام شهر غیر معین فإنه يلزمه أن يتابع في
صيامه ، اشترط التتابع أم لا ، ولا يجزئه
التفريق فيه ، وهو قول أبي ثور وهو المذهب
عند الحنابلة (٤) .
(١) رد المحتار ٣/ ٧١، وفتح القدير ٢٧/٤، وبدائع الصنائع
٢٨٩٢/٦-٢٨٩٣، ومواهب الجليل والتاج
والإكليل ٢/ ٤٥١، وحاشية الدسوقي
٥٣٨/١-٥٤٠، وروضة الطالبين ٣١٠/٣، ونهاية
المحتاج ٢٢٥/٨-٢٢٦، والمغني ٩/ ٢٧ ،
والكافي ٤ / ٤٢٥ .
بدائع الصنائع ٢٨٩٣/٦، والمغني ٩/ ٢٨.
(٢)
المغني ٩/ ٢٧، والكافي ٤ / ٤٢٥ .
(٣)
(٤) المغني ٩/ ٢٧-٢٨، الكافي ٤/ ٤٢٥، وكشاف القناع
٦/ ٢٨١، والإنصاف ١١/ ١٤٣ .
- ١٦٦ -

.
نَذْر ٢٩ - ٣٠
واستدلوا بأن الشهر اسم لأيام متتابعة فلا
يجزئ من نذر صيامه إلا أن يصومه متتابعاً ،
وبأن اطلاق الشهر يقتضي التتابع فلا يصام إلا
على هذا النحو ، وقياساً على ما نوى التتابع في
صيامه (١) .
نذر صیام شهر یبتدئ من یوم قدوم غائب
فوافق قدومه غرة رمضان :
٣٠ - اختلف الفقهاء في حکم من نذر صيام
شهر یبتدئ من یوم قدوم غائب فوافق قدومه
غرة رمضان على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر ذلك
فإن نذره منعقد لإمكان الوفاء به إن علم أن
القادم غداً أو نحوه فينوي الصيام من الليل ،
ويجزئ صيامه هذا عن رمضان ، ولا يلزمه صوم
آخر للنذر ، ولا تجب عليه كفارة .
وهذا الاتجاه هو قیاس قول ابن عباس رضي
الله عنهما وعكرمة في الصرورة الذي نذر
الحج : إذ قالا : يجزئ حجه لهما جميعاً ، أي
للفرض والنذر ، وإلى هذا ذهب الحنفية ، وهو
قول في مذهب المالكية ، وإليه ذهب الشافعية ،
وهو قول الخرقي من الحنابلة ، وقياس قول أحمد
(١) الكافي ٤/ ٤٢٥، والمغني ٩/ ٢٧ ، وكشاف القناع
٦/ ٢٨١ .
في الصرورة الذي نذر الحج أنه يجزئ ما أداه
لهما جميعاً(١).
واستدل هؤلاء على أنه يلزم هذا الناذر أن
يصوم عن فرضه ولا يلزمه صوم آخر عن النذر
ولا كفارة : بأن الله تعالى أمر بصيام رمضان
متقدم على النذر فليس للناذر أن يصوم رمضان
ولا شيئاً منه لغير ما أمره الله تعالى بصيامه
مخلصاً له ، وأن شهر رمضان في حال الصحة
والإقامة یتعین لصومه ، ولایحتمل غيره من نذر
أو کفارة أو غيرهما فلا یتعلق بهذا النذر حكم
ولا كفارة(٢) ، وأن الناذر قد قيد صيامه باليوم ،
ولم يوجد القدوم من الغائب في زمن قابل
للصوم ، لأن يوم القدوم قد شغل بصوم
مفروض فلا يقبل أن يصام لغيره (٣) وأن الناذر
قد نذر صوماً في وقت معين وقد صام فيه فوفی
ما التزمه بالنذر (٤) .
الاتجاه الثانى : یری من ذهب إليه آن من نذر
ذلك فإن نذره منعقد وصيامه في رمضان يجزئه
عن صيام الفريضة ولا يجزئه عن الصيام
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧٥ ، وحاشية الدسوقي على الشرح
الكبير ٥٣٩/١، ونهاية المحتاج ٢١٦/٨، وزاد المحتاج
٤/ ٥٠١، والمغني ٩/ ٢٠، والكافي ٤ /٤٢٧-٤٢٨ .
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧٥ .
(٣) نهاية المحتاج ٢٢٧/٨ .
(٤) المغني ٩/ ٢٠، والكافي ٤/ ٤٢٨.
- ١٦٧ -

نَذْر ٣٠ -٣١
المنذور ، ويلزمه أن يقضي صیام النذر ، ویکفر
لتأخير صيامه عن الوقت الذي عیّن له .
وهذا الاتجاه هو قیاس قول ابن عمر وأنس بن
مالك وعروة في الصرورة الذي نذر الحج إذ
قالوا : يبدأ بحجة الإسلام ثم یحج لنذره ، وهو
مشهور مذهب الحنابلة (١).
واستدل هؤلاء بالقياس ، ووجهه أن هذا
النذر صحيح لأنه نذر في طاعة الله تعالى ،
ويمكن الوفاء به غالباً فانعقد موجباً الصيام ، كما
لو وافق شعبان ، ويلزم الناذر أن يقضي النذر لأن
حکمہ حکم من أفطر هذا الشهر ، لأنه لم يصمه
عن نذر (٢) .
وثمة قول آخر في مذهب المالكية : أن من
نذر أن يصوم يوم قدوم غائب فصادف قدومه
أول يوم رمضان فإنه لا یجزئه صیامه عن النذر
ولا عن الفرض ، وعليه قضاء يوم لرمضان
الحاضر ولا قضاء علیه للنذر لأن المنذور معین
بوقت ، وقد فات (٣) .
(١) المغني ٩/ ٢٠- ٢١، والكافي ٤٢٧/٤ -٤٢٨ ، و کشاف
القناع ٢٣٨/٦ .
(٢) المغني ٩/ ٢٠، والكافي ٤ / ٤٢٨ .
(٣) مواهب الجليل ٢/ ٣٩٣ ، وشرح الخرشي على مختصر
خليل ٢٣٨/٢ .
نذر صیام یوم قدوم غائب فوافق قدومه
يوماً يحرم صيامه :
٣١ - من نذر صيام يوم قدوم غائب فوافق
قدومه یوماً یحرم صيامه بأن کان یوم عید فطر أو
أضحى ، أو كان يوماً من أيام التشريق ، أو
صادف قدومه وقت حیض الناذرة أو نفاسها أو
نحو ذلك ، فقد اختلف الفقهاء فيما يلزم الناذر
فى هذه الحالة على أربعة اتجاهات .
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن هذا الناذر لا
يلزمه شيء ولا تجب عليه كفارة ، روي هذا عن
ابن عمر رضي الله عنهما ، إذ قال فیمن نذر
صوم يوم فوافق يوم فطر أو أضحى : أمر الله
تعالی بوفاءالنذر ، ونھی رسول الله ێے عن
صوم هذا اليوم ، وقال زفر : من نذر صوم يوم
العید أو أيام التشريق فلا يصح نذره ولا يلزمه
شيء ، وقال محمد بن الحسن فیمن نذرت
صيام يوم قدوم غائب فقدم في يوم حاضت
فيه : لا يلزمها شيء بهذا النذر .
وعدم لزوم شيء بهذا النذر هو مذهب
المالكية والشافعية وهو مخرج في مذهب
الحنابلة (١).
(١) فتح القدير ٢٦/٤، وبدائع الصنائع ٢٨٦٣/٦، ٢٨٦٥ ،
ومواهب الجليل ٢/ ٤٥٢-٤٥٣، وكفاية الطالب =
- ١٦٨ -

نَذّر ٣١
واستدل هؤلاء بأن الصيام قد قید بیوم غائب
ولم يوجد القدوم في زمان قابل للصوم فلا يلزم
الناذر صیام ، ولا تلزمه کفارة کذلك ، لأن
الكفارة فرع وجوب الصيام عليه(١) ، كما قالوا :
إن المنذور وإن لم یکن معصية في ذاته إلا أنه وقع
معصية اتفاقاً لوقوع القدوم الذي علق عليه
الصيام في يوم يحرم الصيام فيه ، ونذر المعصية
لا يحل للناذر الوفاء به باتفاق الفقهاء لما ورد عن
عمران بن حصین رضي الله عنه أن رسول الله
وَخَل قال: ((لا وفاء لنذر في معصية))(٢) فكان
هذا النذر معتبراً بنذر المعصية ، فلا يلزم به
شيء (٣) .
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر
ذلك فنذره منعقد صحيح ، إلا أنه ليس له أن
يصوم هذا اليوم ، وإنما يصوم يوماً مكانه ، ولا
كفارة عليه وهذا قول الحسن البصري والأوزاعي
وأبي عبيد وقتادة . وقال به أبو يوسف فيمن
نذرت صيام يوم قدوم غائب فقدم في يوم
= الرباني ٥٥/٣، والمقدمات ٤٠٤/١، وروضة الطالبين
٣١٤/٣، ونهاية المحتاج ٢٧/٨، وزاد المحتاج ٤ / ٥٠١ ،
والمغني ٩/ ٢٢، والكافي ٤ / ٤٢٩ .
(١) نهاية المحتاج ٢٢٧/٨، وزاد المحتاج ٤/ ٥٠١ .
(٢) حديث : ((لا وفاء لنذر في معصية))
تقدم تخريجه (ف ١٦) .
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٦٥، والمغني ٢٢/٩.
حاضت فیه ، وما علیه مذهب الحنفية أن من نذر
صوم يوم العيد أو أيام التشريق فنذره منعقد ،
ويجب الوفاء به في غير هذه الأيام التي نذر
صيامها ولا تلزمه كفارة ، وهذا المذهب رواية
عن أحمد قال بها بعض أصحابه (١) .
واستدل هؤلاء بأن هذا الناذر قد فاته الصوم
الواجب بالنذر ، فلزمه قضاؤه ، كما لو ترك
الصيام نسياناً ، ولا تلزمه كفارة لأن الشرع منعه
من صومه فكان كالمكره(٢) .
وقالوا كذلك : إن المنذورهنا - وهو الصيام
عند قدوم غائب - محمول على المشروع ، فإذا
صادف يوم قدوم الغائب يوماً يحرم الصيام فيه
كان إفطاره فيه لعذر ، وهو منع الشارع من
صيامه ، فکان بمثابة من أفطر رمضان لعذر ،
وإذا كان هذا لا تلزمه كفارة بفطره فكذلك
الناذر (٣).
وأضافوا : إن من نذر صيام يوم قدوم
غائب ، قد نذر قربة مقصودة ، فيصح نذره ،
كما لو وقع النذر بالصيام في غير هذه الأيام التي
تصادف قدوم الغائب فيها (٤) .
(١) رد المحتار ٦٨/٣، وبدائع الصنائع ٢٨٦٣/٦-٢٨٦٥ ،
وفتح القدير ٢٦/٤، والمغني ٩/ ٢٢، والكافي ٤ /٤٢٩ .
(٢) المغني ٩/ ٢٢.
(٣) الكافي ٤ / ٤٢٩ .
(٤) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٦٥.
- ١٦٩ -

نَذْر ٣١
الاتجاه الثالث : یری أصحابه أن من نذر ذلك
فنذره منعقد صحیح ، إلا أنه لا يصوم هذا اليوم
وإنما يصوم يوما مكانه ، وتلزمه كفارة يمين ، وهو
قول الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان
وروي عن عطاء أنه قال فیمن نذر صوم شوال
إنه يفطر يوم الفطر ، ثم يصوم يوماً مكانه من
ذي القعدة ، ويطعم مع ذلك عشرة مساكين .
وهذا الاتجاه هو رواية عن أحمد وقول أكثر
الحنابلة (١) .
واستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن هذا الناذر
قد التزم بنذر يمكن الوفاء به غالباً فكان نذره
منعقداً ، كما لو وافق يوماً لا يحرم الصيام فيه ،
ولا يجوز أن يصام هذا اليوم الذي قدم فيه
الغائب ، لأن الشارع حرم صومه ، إلا أن الناذر
يلزمه القضاء ، لأن نذره منعقد ، وقد فاته الصيام
بالعذر ، ولزمته الكفارة لفواته كما لو فاته
بمرض (٢).
وقالوا : إن الناذر قد أفطر ما نذر صومه ،
فأشبه ما لو نذر صوم یوم الخمیس فلم یصمه ،
وعلم منه انعقاد نذره ، لأن ما أضيف إليه النذر
(١) المغني ٩/ ٢١-٢٢، والكافي ٤٢٩/٤ ، وكشاف
القناع ٢٨٠/٦.
(٢) المغني ٩/ ٢٢.
زمن يصح فيه صوم التطوع ، فانعقد نذره
لصومه ، كما لو أصبح صائماً تطوعاً ونذر
إتمامه (١) .
وأضافوا : إن الصوم الذي التزمه الناذر
بالنذر صوم واجب عليه يلزمه قضاؤه
كرمضان ، كما تلزمه كفارة يمين ، لأن النذر
کالیمین ، و کفارته ککفارته (٢)
.
الاتجاه الرابع : يرى من ذهب إليه أن هذا
النذر منعقد صحيح ، وأن الناذر إن صام هذا
اليوم المحرم صيامه صح صومه وأجزاه عما نذر ،
وهو ما عليه مذهب الحنفية في صوم يومي
العيدين ورواية عن أحمد في ذلك (٣) .
واستدل القائلون بهذا بأن الصوم المنذور إن
تعین وقوعه في يوم يحرم صيامه فهو قربة من
حيث هو صوم ، وماكان فيه جهة العبادة فإنه
يصح نذره ويلزمه الوفاء به (٤) .
وقالوا كذلك : إن الناذر قد وفى بما نذره
فأشبه مالو نذر معصية ففعلها (٥) .
(١) المغني ٩/ ٢٢، وكشاف القناع ٢٨٠/٦.
(٢) الكافي ٤ / ٤٢٩ .
(٣) رد المحتار ٦٨/٣، وفتح القدير ٢٦/٤، والمغني ٢٢/٩.
(٤) رد المحتار ٦٨/٣، وفتح القدير ٢٦/٤.
(٥) المغني ٩/ ٢٢ .
- ١٧٠ -

نَذْر ٣٢
صفة صيام من نذر صيام سنة مطلقة
(من حيث وجوب التتابع أو عدمه) :
٣٢- اختلف الفقهاء في صفة صيام من نذر
صيام سنة ، وأطلق الصيام عن قيد التتابع ، وعما
إذا كان يلزم الناذر صيامها متتابعة ، أو يجزئه
صيامها مفرقة على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر صیام
سنة مطلقة فلا يلزمه في صيامها التتابع ، وإنما
هو بالخيار في ذلك ، فإن شاء فرق ، وإن شاء
تابع .. إلى هذا ذهب الحنفية ، وما أفطره من
أيام الصيام المنذور يلزم الناذر قضاؤه في غير هذه
السنة .
وقال الليث بن سعد : يصوم السنة ويقضي
رمضان ويومي العيدين ويصوم أيام التشريق .
وما علیه مذهب المالكية أن من نذر صيام سنة
بغیر عینھا فیلزمه صیام اثني عشر شهراً لیس فيها
رمضان ولیس فیھا یوما العیدین ولا أیام منی ،
أو أيام الحيض والنفاس ، وقضاها في غير
هذه السنة .
وإلى هذا الاتجاه ذهب الشافعية ، فيرون أن
للناذر إن اختار التفريق أن يصوم ثلاثمائة وستين
یوماً ،أو اثنى عشر شهراً بالهلال ، و کل شهر
استوعبه بالصوم فناقصہ کالکامل ، وإن انکسر
شهر أتمه ثلاثين ، وإن اختار التتابع صام سنة
متوالية ، وقضى رمضان والعيدين وأيام
التشريق ، وأيام الحيض والنفاس ، هذا هو ما
عليه المذهب ، وثمة وجه في المذهب أن الناذر
لا يخرج عن نذره إلا بصيام ثلاثمائة وستين
يوماً ، وهناك وجه آخر لبعض الأصحاب : أن
الناذر إذا صام من المحرم إلى المحرم ، أو من شهر
إلى مثله أجزأه ، ولا يلزمه قضاء رمضان
والعیدین وأيام التشريق ، لأنه يصدق عليه أنه
صام سنة ، وما عليه مذهب الشافعية هو رواية
عن أحمد ، ووجه لبعض أصحابه (١) .
واستدل أصحاب هذا الاتجاه على عدم لزوم
التتابع في صيام السنة المنذورة بأن السنة المتفرقة
يصدق عليها أنها سنة ، فيتناولها نذر الناذر ،
فيلزمه صيام اثني عشر شهراً بالأهلة إن شاء ،
وإن شاء صامها بالعدد ، وإنما لزمه صيام اثنى
عشر شهراً لأنه يمكن حمل النذر على سنة ليس
فيها رمضان ، ولا الأيام التي لا يجوز صيامها
فجعل نذره علی ما ینعقد فیه النذر (٢) .
(١) رد المحتار ٣/ ٧١، وفتح القدير ١٠٤/٢، ٢٧/٤،
وبدائع الصنائع ٢٨٩٣/٦ ، ومواهب الجليل والتاج
والإكليل ٢/ ٤٥٢، والدسوقي ١/ ٥٣٩-٥٤٠،
وروضة الطالبين ٣١١/٣، ونهاية المحتاج ٢٢٦/٨، وزاد
المحتاج ٤٩٩/٤، والمغني ٩/ ٢٥، والكافي ٤ / ٤٢٧ .
(٢) المغني ٩/ ٢٥.
- ١٧١ -

نَذْر ٣٢ -٣٣
وقالوا : إن الصوم لا ينبني على التتابع بل
على التفريق ، وذلك لأن بين كل يومين ما لا
يصلح الصیام فیه ، وهو اللیل ، فكان للصائم
الخيار بين التفريق والتتابع (١) .
وأضافوا : إن الناذر لم يلتزم بالتتابع في نذره
صيام السنة ، فلا يجب عليه التتابع في صيامها ،
فله أن يصوم سنة هلالية ، أو ثلاثمائة وستين
يوماً ، لأنه يصدق عليه إن صام أياً منهما أنه صام
سنة ، ووفی بما نذر(٢) .
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر
صيام سنة مطلقة لزمه أن يتابع في صيامها ، وهو
رواية عن أحمد هي مشهور مذهب أصحابه ،
وعلى هذا لا يدخل في صيام هذه السنة شهر
رمضان والعيدان .
وفي دخول أيام التشريق في أيام السنة التي
يلزم صيامها نذراً روايتان ، إحداهما : يلزمه
صيام هذه الأيام لأنها من جملة السنة . والثانية :
لا يلزم صيامها للنهي عنها .
ويلزم الناذر وفقاً لهذا المذهب أن يصوم اثني
عشر شهراً ، سوى رمضان والأيام المنهي عن
صيامها ، فإن ابتدأها الناذر من اول شهر أتم أحد
(١) بدائع الصنائع ٢٨٩٣/٦، والمغني ٢٨/٩.
(٢) نهاية المحتاج ٢٢٦/٨، وزاد المحتاج ٤ / ٤٩٩ .
عشر شهراً بالهلال إلا شهر شوال فإنه يتمه
بالعدد ، لأنه لم يصم من أوله ، وإن ابتدأها من
أثناء شهر أتم ذلك الشهر بالعدد ، والباقي
بالهلال .
ويلزمه في جميع الأحوال أن يقضي شهر
رمضان والأيام المنهي عن صيامها (١) .
واستدل أصحاب هذا الاتجاه على وجوب
التتابع في صيام السنة المنذورة بأن السنة المطلقة
تنصرف إلى المتتابعة ، فلزم الناذر أن يصومها
کذلك ، ولأنه قد عیّن بنذره سنة فانصرف إلى
سنة كاملة (٢) .
الفطر لعذر أو لغيره في صيام غير معين منذور
على وجه التتابع :
أ- فطر الناذر لغير عذر في الصيام المتابع :
٣٣ - إذا أفطر الناذر لغير عذر في صيام غير معين
منذور علی وجه التتابع لزمه استئناف الصيام بلا
كفارة . وإلى هذا ذهب الحنفية والشافعية
والحنابلة (٣).
(١) المغني ٩/ ٢٥، والكافي ٤٢٧/٤، وكشاف
القناع ٢٧٩/٦ .
(٢) المغني ٩/ ٢٥، وكشاف القناع ٢٧٩/٦ .
(٣) رد المحتار ٣/ ٧١، ويدائع الصنائع ٦/ ٢٨٩٣، وروضة
الطالبين ٣١٢/٣، والمغني ٢٦/٩، والكافي ٤ /٤٢٦ ،
وكشاف القناع ٦/ ٢٨١ -٢٨٢.
- ١٧٢ -

نَذْر ٣٣ -٣٤
ووجه ما ذهب إليه هؤلاء من لزوم استئناف
الصيام بعد هذا الفطر القياس والمعقول .
أما القیاس فوجهه أن الناذر قد أوجب على
نفسه صوماً موصوفاً بصفة التتابع ، وقد صح
هذا الإيجاب ، لأن صفة التتابع زيادة قربة ، لما
يلحق الناذر بمراعاتها من زيادة مشقة ، وهي
صفة معتبرة شرعاً ورد الشرع بها في كفارة
القتل والظهار والإفطار في نهار رمضان
والیمین ، فیصح التزامها بالنذر ، فتلزم الناذر
كما التزم ، فإذا ترك الناذر هذه الصفة ، ولم يأت
بما التزمه استقبل الصيام ، كما في صيام كفارة
الظهار والقتل (١) .
كما أن الناذر قد ترك التتابع المنذور لغير
عذر ، مع إمکان الإتيان به فلزمه فعله . كما لو
نذر صوماً معيناً فصام قبله (٢) .
وأما المعقول فإنه لو جاز للناذر أن يبني على
ما مضى من الصيام قبل فطره لبطل التتابع الذي
التزمه بالنذر وذلك لتخلل الفطر فيه (٣) .
ب - فطر الناذر لعذر في الصيام المتتابع :
٣٤ - العذر الذي يقتضي الفطر في أثناء المدة
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٩٣.
(٢) المغني ٢٦/٩، والكافي ٤٢٦/٤ .
(٣) كشاف القناع ٦/ ٢٨١ .
المنذور صيامها على وجه التتابع قد يكون مانعاً
من الصيام كالحيض والنفاس ، أو مرخصاً في
الفطر كالمرض والسفر ، أو أن يكون الفطر في
أثناء المدة لتحريم الشارع صيام بعض الأيام فيها
کیومي العیدین وأيام التشريق .
ومذهب الحنفية أن الناذر إن أفطر لسبب من
الأسباب السابقة فإن فطره هذا يقطع التتابع في
الصيام المشروط فیه التتابع ، ويلزمه استئناف
الصيام بعد الفطر ، لأن الناذر إنما يلزمه ما نذر ،
وقد التزم في نذره التتابع في الصيام ، فإن لم
يتابع فیه فإنه لا یکون آتياً بما نذر فیلزمه استئناف
الصيام ليأتي بالمنذور على وجهه (١) .
وذهب الشافعية إلى أن فطر يومي العيدين
وأيام التشريق لا يقطع التتابع ، لاستثناء ذلك
شرعاً ، إلا أنه يقضيها متوالية متصلة بما صامه
عملاً بما شرطه من التتابع ، وهو ما عليه مذهب
الحنابلة إلا أنهم أوجبوا على الناذر القضاء
والكفارة .
فإن كان الفطر بسبب الحيض والنفاس
فمذهب الشافعية أنه لا يقطع التتابع لعدم التحرز
عن ذلك ، إلا أن في وجوب قضاء أيام الفطر
قولين : القول الأظهر في المذهب أنه يجب
(١) رد المحتار ٣/ ٧١، وبدائع الصنائع ٢٨٩٣/٦.
- ١٧٣ -

نَذْر ٣٤
القضاء لقبول زمن الحيض والنفاس للصوم في
ذاته فوجب القضاء ، كما لو أفطرت الناذرة
رمضان لأجلهما . وقال النووي : بل الأظهر
الذي قطع به الجمهور عدم وجوب القضاء ،
وقد صحح هذا القول الأخير جماعة من فقهاء
المذهب ، ووجه هذا القول أن أيام الحيض أو
النفاس لما لم تقبل الصوم ، ولو لعروض ذلك
المانع ، لم يشملها النذر .
ومذهب الحنابلة أن الفطر بسبب ذلك لا
يقطع التتابع أيضاً ، لأنه فطر لعذر ، إلا أنهم
خيروا من أفطرت بسبب ذلك بين أمرين :
استئناف الصیام ولا کفارة علیھا حينئذ ، لإتيانها
بالمنذور على وجهه ، أو البناء على ما مضى من
صيام قبل فطرها ، وتكفر لمخالفتها
مانذرته ، إذ الكفارة تلزم لتركها المنذور وإن
كانت عاجزة عنه .
وإن كان الفطر في أثناء المدة لعذر المرض :
فعلى الأظهر من مذهب الشافعية أن فطر الناذر
یقطع التتابع ، فیلزمه استئناف الصيام ، وفي قول
آخر : لا يقطعه ، ويبني الناذر على ما مضى من
صيامه .
وفي وجوب قضاء أيام فطره القولان في
المسألة السابقة .
ومذهب الحنابلة أن الناذر إن أفطر لمرض
يجب معه الفطر بأن خاف على نفسه التلف
بالصوم ، فإن فطره هذا لا يقطع التتابع حكماً ،
لأنه أفطر لعذر ، إلا أنه بالخيار بين أن يستأنف
الصیام ولا کفارة علیه حينئذ ، لإتیانه بالمنذور
على وجهه ، وبین البناء على صيامه قبل الفطر ،
وتلزمه في هذه الحالة كفارة لمخالفته فیما نذره ،
لأن الكفارة تلزم من ترك المنذور .
فإن كان الفطر بسبب يبيحه كالسفر : فعلى
القول الأظهر في مذهب الشافعية ، ووجه في
مذهب الحنابلة أن هذا الفطر يقطع التتابع ،
ويلزم الناذر استئناف الصيام ، وذلك لأنه أفطر
باختياره .
وثمة قول آخر في مذهب الشافعية وهو ما
عليه مذهب الحنابلة أن هذا الفطر لا يقطع
التتابع ، لأن الناذر قد أفطر لعذر يقتضي الفطر
في رمضان ، فأشبه المرض الذي يجب معه
الفطر ، إلا أنه يلزمه قضاء أيام فطره على مذهب
الحنابلة وقول في مذهب الشافعية .
والقول الثاني في مذهبهم أنه لا يلزمه قضاء
ذلك (١).
(١) روضة الطالبين ٣١٠/٣-٣١٢، ونهاية المحتاج
٢٢٥/٨-٢٢٦، والمغني ٢٥/٩-٢٦، وكشاف
القناع ٦/ ٢٨٢ .
- ١٧٤ -

نَذْر ٣٥ -٣٦
الفطر لعذر أو لغيره في صیام معین منذور :
٣٥ - من نذر صيام شهر معين أو جمعة معينة ،
ثم أفطر في أثناء صيامه يوماً أو أكثر فإن حكم ما
صامه یختلف بحسب ما إذا کان فطره لعذر أو
لغيره ، وذلك على التفصيل التالي :
أ - حكم فطر الناذر لغير عذر في
الصيام المعين :
٣٦- اختلف الفقهاء في حكم فطر الناذر لغير
عذر في الصيام المعين على اتجاهين :
الاتجاه الأول : يرى أن من أفطر في خلال
الشهر المعين للصوم المنذور فإن فطره لا يقطع
التتابع ، ولا يلزمه استئناف الصيام ويجزئه أن
يبني على ما مضى من صيام قبل فطره ، ويقضي
ما أفطره من شهر آخر ، إلى هذا ذهب الحنفية
والمالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد (١) .
واستدلوا بالقياس ووجهه أن من أفطر في
صيام الوقت المعين لغير عذر، قد فوت البرّ
باختياره فوجب عليه القضاء ، ولا يستأنف لأن
(١) الدر المختار ورد المحتار ٣/ ٧١، وفتح القدير ٢٧/٤ ،
وبدائع الصنائع ٢٨٩٣/٦، وشرح الخرشي ٢/ ٢٥١،
ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٤٢٨/٢-٤٢٩ ،
٤٥٢، وروضة الطالبين ١١/٣، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٥٥ ،
وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٧، والمغني ٢٩/٩، والكافي ٤٢٦/٤ .
التتابع كان للوقت المعين ، لا لكونه مقصوداً في
نفسه كما في قضاء رمضان (١) .
وقالوا كذلك : إن الناذر لم يوجب على نفسه
بالنذر صياماً متتابعاً ، وإنما وجب عليه التتابع
لضرورة تجاور الأیام ، لأنه إن نذر صيام شهر
معين مثلاً كانت أيام الشهر متجاورة فكانت
متتابعة ، فلا يلزمه إلا قضاء ما أفطره ، كما لو
أفطر يوماً من رمضان، إذ لا يلزمه إلا قضاؤه (٢).
وأضافوا : إن وجوب التتابع في صيام الشهر
المعين إنما كان لضرورة تعيين الوقت الذي یصام
فيه ، ولم يجب التتابع بالشرط ، فلم يبطله الفطر
في أثنائه ، کشهر رمضان (٣) .
كما استدلوا بالمعقول فقالوا : إن الناذر لو
ألزم باستئناف الصيام لوقع أكثر الصيام في
الوقت الذي لم يعينه الناذر ، ولو أتم صيامه
وقضى ما أفطره لكان مؤدياً أكثر الصوم في
الوقت المعين فكان هذا أولى (٤).
الاتجاه الثاني : يرى أن من أفطر في أثناء
الشهر المعين للصوم بالنذر ، فإن فطره يقطع
(١) نهاية المحتاج ٨/ ٢٢٥، وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٧.
(٢) رد المحتار ٣/ ٧١، وفتح القدير ٢٧/٤، وبدائع
الصنائع ٢٨٩٣/٦ .
(٣) روضة الطالبين ٣/ ٣١١، والمغني ٢٩/٩، والكافي
٤٢٦/٤ .
(٤) بدائع الصنائع ٢٨٩٣/٦، والمغني ٢٩/٩.
- ١٧٥ -

نَذْر ٣٦ -٣٧
التتابع في الصيام ، ويلزمه استئناف الصيام بعد
الفطر ، وهو رواية أخرى عن أحمد هي مشهور
مذهب أصحابه ، إلا أنهم قالوا : يلزم الناذر أن
يكفّر لتأخير النذر (١) .
واستدلوا بالمعقول ووجهه : أن الجمعة المعينة
أو الشهر المعين لا يقع إلا على أيام متتابعة لا
مفرقة والناذر لا يلزمه إلا ما نذر ، فإن لم يتابع
في الصيام المعين فلا يكون آتياً بما نذر ، فعليه أن
يستأنف الصيام ليأتي بالمنذور على وجهه .
وقالوا : إن صيام الشهر المعين يجب متتابعاً
بالنذر لأن الناذر أوجبه على نفسه على صفة
معينة ، ثم فوتها بفطره فيبطل الصيام بسبب
فطره لغير عذر، كما لو أوجبه على نفسه
متتابعاً فيلزمه أن يستأنف الصيام ويكفر
لتأخيره النذر (٢).
ب - حكم فطر الناذر لعذر في الصيام
المعين :
٣٧ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
وأبو عبيد إلى أن من أفطر لعذر في صيام معين
(١) المغني ٢٨/٩-٢٩، والكافي ٤٢٦/٤، وكشاف
القناع ٦/ ٢٨١.
(٢) المغني ٢٨/٩-٢٩، والكافي ٤٢٦/٤، وكشاف
القناع ٦ / ٢٨١ .
منذور فإن فطره هذا لا يقطع التتابع ، ولا يلزمه
أن يستأنف الصيام بعد فطره ، وإنما يجزئه أن
يبني على ما مضى من صيام قبل الفطر(١)، إلا
أنهم اختلفوا فيما يلزم الناذر في هذه الحالة على
أقوال ثلاثة :
القول الأول : يرى أنه يجب على هذا الناذر
قضاء الأيام التي أفطرها ولا كفارة عليه ، وإليه
ذهب الحنفية وأبو عبيد وهو قول المالكية
والشافعية على الأصح فيمن أفطر بسبب السفر
خلال المدة المعينة للنذر .
إلا أن بعض المالكية قال باستحباب القضاء ،
وليس الوجوب .
وثمة قول في مذهب الشافعية بوجوب
القضاء بالنسبة لمن أفطر بعذر المرض رجحه ابن
كج ، وهو مقابل الأظهر من مذهب الشافعية
في حق من أفطرت بسبب الحيض أو النفاس ،
وهذا المذهب رواية عن أحمد(٢).
واستدلوا بأن من أوجب على نفسه بالنذر
(١) فتح القدير ٢٧/٤، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٩٣ ،
ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٤٢٨/٢ ، وشرح
الخرشي ٢/ ٢٥١، وروضة الطالبين ٣١١،٣١٠/٣،
ونهاية المحتاج ٨/ ٢٢٥ ، وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٧ ،
والمغني ٩/ ٢٥، ٢٩، والكافي ٤٢٦/٤، وكشاف
القناع ٦ / ٢٨١.
(٢) رد المحتار ٣/ ٧١ ، والمراجع السابقة .
- ١٧٦ -

نَذْر ٣٧
٠٠٠
صوماً في وقت معين لم يوجب على نفسه
صوماً متتابعاً ، وإنما وجب عليه التتابع لضرورة
تجاور الأیام ، فإنه إن نذر صيام شهر معین کانت
أيامه متجاورة ، فكانت متتابعة فلا يلزمه
إلاقضاء ما أفطره ، كما لو أفطر يوماً من
رمضان ، إذ لا يلزمه إلا قضاؤه ، وإن كان صوم
شهر رمضان يجب متتابعاً ، فكذلك الفطر في
الصيام المعين (١) .
وقالوا كذلك : إن الصوم المنذور محمول
على الصوم المشروع ، ومن أفطر في رمضان
لعذر لا يلزمه إلا قضاء ما أفطره ولا تجب عليه
كفارة ، فكذلك هذا الصيام المعين المنذور (٢) .
واستدلوا كذلك بأن من ترك الصيام المنذور
لعذر يقتضي الفطر قد تركه بأمر الشارع ، فلا
يلزمه كفارة ، كما لو نذر التصدق بجميع ماله ،
وتصدق بثلثه فقط (٣) .
واستدلوا أيضاً بأن من أفطرت بسبب الحيض
أو النفاس يجب عليها القضاء ، لأن زمان
الحيض والنفاس يقبل الصوم في ذاته ، وإنما
کان الفطر لمعنى فيها ، فوجب قضاؤه ، كما
لو أفطرت الحائض أو النفساء في رمضان
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٩٣.
(٢) المغني ٩/ ٢٩.
(٣) الكافي ٤٢٦/٤ .
لأجلهما (١).
القول الثاني : يرى أنه لا يجب على من أفطر
لعذر في الصيام المعين قضاء ولا كفارة .
وإلى هذا ذهب المالكية فيمن أفطر بسبب
المرض أو أفطرت بسبب الحيض أو النفاس وهو
المعتمد في مذهب الشافعية في حق من أفطر
بسبب المرض ، والأظهر في مذهبهم في حق من
أفطرت بسبب الحيض أو النفاس (٢) .
واستدل هؤلاء بأن أيام الحيض أو النفاس
لما لم تقبل الصيام لعروض ذلك المانع لم يشملها
النذر فلا يجب قضاؤها ، والكفارة فرع وجوب
القضاء ، ولأن هذه الأيام المعينة قد فاتت بفوات
زمنها (٣).
القول الثالث : يرى أن من أفطر لعذر في
الصيام المعين المنذور فإنه يجب عليه القضاء
والكفارة ، وهو ما عليه مذهب الحنابلة (٤)،
واستدلوا بأن الناذر بتعيينه وقت الصيام المنذور
(١) نهاية المحتاج ٢٢٥/٨، وزاد المحتاج ٤ / ٤٩٧ .
(٢) مواهب الجليل والتاج والإكليل ٤٢٨/٢، ٤٥٢، وشرح
الخرشي ٢/ ٢٥١، وروضة الطالبين ٣١٠/٣، ٣١١،
ونهاية المحتاج ٢٢٥/٨، وزاد المحتاج ٤ / ٤٩٧ .
(٣) نهاية المحتاج ٢٢٥/٨، وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٧، وروضة
الطالبين ٣١٠/٣، ومواهب الجليل ٤٢٨/٢ - ٤٢٩ .
(٤) المغني ٢٩/٩، والكافي ٤٢٦/٤، وكشاف
القناع ٦/ ٢٨١.
- ١٧٧ -

نَذْر ٣٧ -٣٩
قد أوجب على نفسه صياماً متتابعاً ، وذلك
لتتابع الأيام المعينة المنذور صيامها ، فإن أفطر في
أثنائها لزمه القضاء لفطره ، ولزمته كفارة لتركه
صفة نذره، فقد ألزم النبي ويليه أخت عقبة كفارة
عن نذرها المشي إلى مكة حين عجزت عن
الوفاء بصفة نذرها (١)، روى عقبة بن عامر أن
أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة فسألت
النبي ◌ّ﴿ فقال: ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك
شيئاً ، فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام)) وفي
رواية أخرى: ((ولتكفر عن يمينها)) (٢).
فقد الناذر شروط صحة الصيام خلال المدة
المعين صيامها :
٣٨- من نذر صياماً معيناً وقت أن توافرت فيه
شروط الصيام ، ثم فقد هذه الشروط أو بعضها
خلال المدة المعین صيامها بالنذر ، فإما أن يكون
فقد شرط صحة الصيام خلالها بسبب الحيض أو
النفاس أو بسبب الجنون .
فإن فقد الناذر شرط صحة الصيام بسبب
الحيض أو النفاس فقد سبق تفصيل ذلك في
المسألة السابقة .
(١) المصادر السابقة .
(٢) تقدم تخريجه ف ١٧ .
٣٩ - وإن فقد الناذر شرط صحة الصيام بسبب
الجنون ، فللفقهاء قولان في ذلك :
القول الأول : يرى أصحابه أن من أصابه
الجنون في أثناء المدة التي عیّن صيامها بالنذر أو
استغرقها جنونه فلا يلزمه شيء ، وإلى هذا
القول ذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا بأن المجنون قد خرج عن أهلية
التكليف في وقت وجوب الصيام ، فلا يلزمه
قضاؤه ، كما لو كان في شهر رمضان (٢) .
وقالوا : إن المجنون في خلال المدة المعينة
للصيام غير مكلف ، فلا يلزمه قضاؤه في وقت
آخر بعد إفاقته لأن الزمان الذي یقضی فیہ لم
يعين فيه النذر ، فإيقاع الصيام فيه إيقاع له في
غير زمانه (٣)
.
القول الثاني : یری من ذهب إليه أن من جن
في أثناء المدة التي عين صيامها بالنذر فإنه
يلزمه القضاء ، وهو مذهب الحنفية وهو قول
أبي ثور (٤) .
(١) الشرح الكبير للدردير ٥٢٦/١ ، ونهاية المحتاج ٢٢٥/٨ ،
والمغني ٩/ ٢٩، والكافي ٤٣٠/٤، وكشاف
القناع ٦/ ٢٨١ .
(٢) المغني ٢٩/٩، والكافي ٤٣٠/٤، وكشاف
القناع ٦/ ٢٧١ .
(٣) الشرح الكبير للدردير ٥٢٦/١.
(٤) بدائع الصنائع ٢٨٩٤/٦، والمغني ٢٩/٩.
- ١٧٨ -

نَذْر ٣٩ -٤١
واستدل هؤلاء بأن المجنون من أهل التكليف
حالة النذر والقضاء ، فلزمه قضاء الصيام المنذور
کالمغمی علیه(١) . وقالوا کذلك : إن من نذر
صيام شهر معين وقت أن كان مكلفاً ، ثم أفطر
بعد ذلك فإنه یکون قد فوت الواجب عن وقته ،
ويصير ديناً عليه ، والدين مقضي على لسان
رسول الله ے ، ولهذا وجب قضاء رمضان إذا
فات عن وقته (٢) .
وأضافوا بأن وجوب الصوم عند النذر هو
بإيجاب الله تعالى فيعتبر بالإيجاب المبتدأ ، وما
أوجبه الله تعالى على عباده ابتداء لا يسقط عنهم
إلا بالأداء أو القضاء ، فكذلك هذا(٣).
نذر الاعتكاف وما يوجبه على الناذر :
یختلف حكم نذر الاعتكاف باختلاف المكان
أو الزمان المعينين وذلك على النحو التالي :
أولاً : نذر الاعتكاف في المكان المعين :
٤٠ - من نذر اعتكافاً في مكان بعينه ، فإما أن
يكون ما عينه في النذر مسجداً من المساجد
الثلاثة (وهي المسجد الحرام ، ومسجد النبي
ل ، ومسجد بيت المقدس) ، أو أن یکون ما
(١) المغني ٩/ ٢٩ .
(٢) بدائع الصنائع ٢٨٩٤/٦ .
(٣) المصدر السابق.
عينه فيه غير هذه المساجد ، وفيما يلي حكم
تعیین ذلك ، وعما إذا کان یتعین بتعيينه في النذر
أم لا .
أ - نذر الاعتكاف في المسجد الحرام :
٤١ - من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام فلا
خلاف في أنه يجزئه أن يعتكف فيه . وإنما
الخلاف بين الفقهاء في تعيّن هذا المسجد
للاعتكاف المنذور بحيث لا يجزئ غيره من
المساجد ، أو عدم تعينه لذلك ، على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أن من نذر الاعتكاف في
المسجد الحرام لم يجز له أن يعتكف فيما سواه ،
قال به زفر من الحنفية وإليه ذهب المالكية ، وهو
ما عليه مذهب الشافعية ، والذي قطع به
جمهورهم ، وإليه ذهب الحنابلة (١) ، واستدلوا
بالسنة النبوية والمعقول .
أما السنة النبوية فبما ورد عن ابن عمر رضي
الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال: «یا رسول
الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في
المسجد الحرام ، فقال له رسول الله القول : أوف
(١) فتح القدير ٢/ ١٠٤، والفتاوى الهندية ٢١٤/١،
والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١/ ٥٤٧ ،
والتاج والإكليل ٢/ ٤٦٠، والمجموع ٤٧٩/٦، ٤٨١،
والمغني ٢١٥/٣.
- ١٧٩ -

نَذْر ٤١
بنذرك))(١)، فرسول الله وَ ليل أمر عمر رضي الله
عنه بالوفاء بما نذر من الاعتكاف في المسجد
الحرام ، ولو كان يجزئ الاعتكاف في غيره من
المساجد لبينه له ، كما بين لمن نذر الصلاة في
المسجد الأقصى أنه يجزئه أن يصلى ما نذره في
مسجد مكة ، حديث جابر بن عبدالله ((أن رجلاً
قام يوم الفتح ، فقال : يا رسول الله ، إني نذرت
لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت
المقدس ركعتين ، قال : صل ههنا ، ثم أعاد
عليه ، فقال : صل ههنا ، ثم أعاد عليه ، فقال :
شأنك إذن))(٢) ، فدل هذا على أنه لا يجزئ
الناذر أن يعتكف في غيره من المساجد .
وأما المعقول فقالوا : إن المسجد الحرام أفضل
من سائر المساجد ، فلا يجوز أن يسقط فرضه بما
دونه (٣) .
وقالوا : إن الناذر قد أوجب على نفسه
الاعتكاف في مكان مخصوص ، فإذا أدى في
غيره لم يكن مؤدياً ما عليه ، فلا يخرج عن
(١) حديث: ((أوف بنذرك ... ))
تقدم تخريجه (ف ٥) .
(٢) حديث : ((إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة ... ))
أخرجه أبو داود (٣/ ٦٠٢ ط حمص) وصححه ابن دقيق
العيد كما في التلخيص لابن حجر (٤/ ٤٣٦ - ط دار
الكتب العلمية )
(٣) المجموع ٦/ ٤٧٩، والمغني ٢١٥/٣.
عهدة الواجب (١) .
وأضافوا : إن ما أوجبه العبد على نفسه
معتبر بإیجاب الله تعالی مقيداً بمكان لا يجوز
أداؤه في غيره ، كالنحر في الحرم ، والوقوف
بعرفة ، والطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا
والمروة ، فكذلك ما أوجبه العبد بالنذر ، فينبغي
أن يتقید بما قید به (٢)
.
الاتجاه الثاني : يرى أن من نذر الاعتكاف
في المسجد الحرام فإنه لا يتعين بالنذر ، ويجزئه
أن يعتكف في غيره ، إلى هذا ذهب الحنفية ،
وهو قول في مذهب الشافعية (٣) .
واستدلوا بالمعقول ووجهه : أن المقصود من
النذر هو التقرب إلى الله عز وجل ، فلا يدخل
تحت النذر إلا ما كان قربة ، وليس في عين المكان
الذي يعتكف فيه قربة ، لأنه محل تؤدی فیه
القربة ، فلم يكن بنفسه قربة ، فلا يدخل المكان
تحت نذره ، فلا يتقيد به ، فكان ذكره والسكوت
عنه بمنزلة واحدة (٤) .
وقالوا : إن المعروف من الشرع أن التزامه ما
هو قربة موجب ، ولم يثبت من الشرع اعتبار
(١) بدائع الصنائع ٣٨٨٩/٦ .
(٢) المصدر السابق .
(٣) فتح القدير ١٠٤/٢، والفتاوى الهندية ٢١٤/١،
والمجموع ٦/ ٤٨١، وروضة الطالبين ٣٩٨/٢.
(٤) المصادر السابقة .
- ١٨٠ -