النص المفهرس
صفحات 121-140
نحر ٢ -٤
واستعمله الفقهاء بمعنى الإصابة القاتلة
للحیوان في أي موضع کان من بدنه إذا کان غیر
مقدور عليه (١) .
والصلة بين النحر والعقر ، أن العقر أعم .
الأحكام المتعلقة بالنحر :
أ - صفة الذكاة بالنحر:
٣ - من أنواع الذكاة النحر ، وقد ذهب جمهور
الفقهاء إلى أنه يستحب أن ينحر البعير ويذبح
ماسواه ، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ
وَآَنَخَرْ﴾، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ
أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾(٢) ، قال مجاهد : أمرنا
بالنحر وأمر بنو إسرائيل بالذبح، فإن النبي وَلِّه
بعث في قوم ماشيتهم الإبل فسنّ النحر ،
وكانت بنو إسرائيل ماشيتهم البقر فأمروا
بالذبح(٣)، وثبت ((أن رسول الله وَ ﴿ نحر بدنة
وضحی بکبشین أقرنین ذبحهما بیده)» (٤) .
وأوجب المالكية نحر الإبل (ر: ذبائح ف ١١).
(١) لسان العرب، ويدائع الصنائع ٤٣/٥، والشرح الصغير
٣١٥/١ .
(٢) سورة البقرة / ٦٧ .
(٣) المغني لابن قدامة ٥/ ٥٧٥ ط الرياض، وشرح منتهى
الإرادات ٤١٩/٣، والفتاوى الهندية ٢٨٥/٥ ، وعقد
الجواهر الثمينة ١/ ٥٨٨ ، ط دار العرب الإسلامي.
(٤) حديث: أن رسول الله : ﴿ نحر بدنة وضحى بكبشين
شطر من حديث في الحج أنه لما دخل مكة أمرهم أن
یحلوا ، ونحر النبي څے بيده سبع بدن قياماً وضحى =
ب - ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى أنه لو ذُبح ما ينحر أو نحر ما يذبح
حل المذبوح لقول عائشة رضي الله عنها (( أن
رسول الله وَ﴿ نحر عن آل محمد في حجة
الوداع بقرة واحدة)) (١) ، ولأنه ذكاة في محل
الذكاة فجاز أكله كالحيوان الآخر(٢)، ولقول
النبي وَلّ: ((أمرر الدم بما شئت)) (٣)، وقالت
أسماء: نحرنا عَلَى عهد رسول الله ،وَال﴿ فرساً
فأكلناه (٤) .
بالمدينة كبشين أملحين أقرنين)) .
=
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٥٥٤ ط السلفية) .
وفي رواية أخرى للبخاري (الفتح ٩/١٠) أنه انكفأ إلى
كبشين أقرنين أملحین فذبحهما بيده .
(١) حديث عائشة: ((أن رسول الله وَله نحر عن آل محمد
في حجة الوداع بقرة ... )) .
أخرجه أبوداود (٢/ ٣٦١ ط حمص) وابن ماجة
(٢/ ١٠٤٧ ط عيسى الحلبي) وذكره ابن حجر في الفتح
(٣/ ٥٥١ - ط السلفية) ثم ذكر له شاهداً من حديث أبي
هريرة وقواه به .
(٢) بدائع الصنائع ٥/ ٤١، والفتاوى الهندية ٢٨٨/٥ ، وأسنى
المطالب ١/ ٥٤١، والمغني والشرح الكبير ٤٧/١١ - ٤٨.
(٣) حديث: ((أمرر الدم بما شئت)).
أخرجه أبو داود (٣/ ٢٥٠ ط حمص) والنسائي (٢٢٥/٧
ط التجارية الكبرى) والحاكم (٤ / ٢٤٠ ط دائرة المعارف)
من حديث عدي بن حاتم وقال الحاكم : صحيح على
شرط مسلم .
(٤) قول أسماء: نحرنا على عهد رسول الله لو له فرساً فأكلناه.
أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٦٤٠ ط السلفية)
ومسلم (١٥٤١/٣ ط عيسى الحلبي).
- ١٢١ -
؟
نحر ٤ - ٧
وقال المالكية : إن ذبح ما ينحر أو نحر ما
يذبح للضرورة ، لأنه وقع في مهواة ، أو ما في
معنی ذلك جاز ذلك وحل أكلها ، فإن لم تكن
ضرورة لم تؤكل(١) .
ج - أيام النحر:
٥ - أيام النحر عند الجمهور ثلاثة أيام هي يوم
النحر ويومان بعده وليس اليوم الرابع من أيام
الذبح ، وإن کان الناس بمنی فإنه ليس من أيام
الذبح فإن نحر الهدايا ليلاً يعيدها لأنه لا يجوز
لرجل أن ينحر هديه ليلة النحر (٢).
وعند الشافعية أيام النحر أربعة هي يوم النحر
وأيام التشريق الثلاثة ، لحديث : ((كل أيام
التشريق ذبح)) (٣) .
(ر : أيام التشريق ف : ٤).
(١) المنتقى شرح الموطأ ٣/ ١٠٧، وعقد الجواهر الثمينة
٥٨٩/١، والمدونة ٢/ ٦٥، والمقدمات لابن رشد
٣٢٤/١ .
(٢) المدونة ٧٣/٢، والمقنع ٥٣٥/٣، ونهاية
المحتاج ١٠٦/٨.
(٣) حديث: ((كل أيام التشريق ذبح)).
أخرجه أحمد (٤ /٨٢ ط اليمنية) وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٢٥/٤ ط القدسي): رواه أحمد
والطبراني في الأوسط ، ورجال أحمد وغيره
ثقات .
د - شرائط النحر :
٦ - يشترط في صحة النحر شروط ذكرت
في مصطلح (ذبائح ف ٢١،١٦،١١ وما
بعدها) .
هـ - مستحبات النحر:
٧- يستحب في النحر أن تكون الإبل قائمة على
ثلاث معقولة اليد اليسرى فإن أضجعها جاز ،
والأول أفضل .
وقال المالكية : یوجه الناحر ما یرید نحره إلى
القبلة ويقف بجانب الرجل اليمنى غير المعقولة
ممسكا مشفره الأعلى بيده اليسرى ويطعنه في
لبته بيده اليمنى مسمياً(١) .
ومما يدل على استحباب إقامة الإبل على
ثلاث عند النحر قوله تعالى : ﴿ فَاذْكُرُواْ اسْمَ
اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ ﴾ (٢) ، قال ابن عباس رضي
الله عنهما: ((معقولة على ثلاثة))(٣)، وأحاديث
(١) بدائع الصنائع ٤١/٥، ونهاية المحتاج ١١١/٨، والمقنع
١/ ٤٧٠ ط السلفية، والمغني ٥٨٦/٨، وأسنى
المطالب ١/ ٥٤٠، والفتاوى الهندية ٧/٥، والشرح
الصغير ٣١٩/١ .
(٢) سورة الحج / ٣٦ .
(٣) أثر ابن عباس، أخرجه البيهقي في السنن
الكبرى (٢٣٧/٥ ط دائرة المعارف) .
- ١٢٢ -
:
...
نحر ٧ ، نحلة، نُخَاع ١-٢
منها: ((أن النبي وَلي وأصحابه كانوا ينحرون
البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من
قوائمها)» (١)
نُخَاعِ
نحلة
انظر : هبة
(١) حديث: ((أن النبي ◌َّلير وأصحابه كانوا ينحرون البدنة
معقولة .. )) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٧١ ط حمص) وذكره
ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (٣٥٣/٣ ط
السلفية) وسكت عنه .
التعريف :
١ - النخاع لغة عرق أبيض في داخل العنق ينقاد
في فقار الصلب حتى يبلغَ عجب الذنب (١)
وضم النون لغة قوم من الحجاز ومن العرب من
يفتح ومنهم من يكسر (٢).
ولا يخرج المعنى الإصطلاحي عن المعنى
(٣) .
اللغوي
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المخ :
٢- المخ لغة يعني العظم والدماغ وشحمة العين
وفرس وخالص كل شيء ، وفي التهذيب نقي
عظام القصب . (٤)
وفي المصباح : هو الودك الذي في العظم .
(١) لسان العرب.
(٢)] المصباح المنير ، وانظر القاموس المحيط.
(٣) الفتاوى الهندية ٢٨٨/٥ ط الأميرية، وفتح الباري
٩/ ٦٤١ ط السلفية.
(٤) القاموس المحيط، ولسان العرب .
- ١٢٣ -
نُخَاع ٢ _٥
وقد يسمى الدماغ مخاً(١) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
والعلاقة بين النخاع والمخ ، هي أن المخ أعم
من النخاع .
ب - الفقرة :
٣ - الفقرة - بالكسر وتفتح - ما انتضد من
عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب(٢) .
ولا يخرج المعنى الإصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
والعلاقة بين النخاع والفقرة أن الفقرة هي
وعاء النخاع وحافظته .
الأحكام المتعلقة بالنخاع :
يتعلق بالنخاع بعض الأحكام ومنها :
أولاً : في الذبائح :
٤ - ورد النهي عن النخع في الذبح(٣) وذلك في
حديث: ((نهى رسول الله قليل أن تنخع الشاة إذا
ذبحت)) (٤) والنخع هو بلوغ السكين في
(١) المصباح المنير.
(٢) القاموس المحيط، وقواعد الفقه للبركتي.
(٣) عمدة القارئ ١٢٢/٢١ - ط المنيرية
(٤) حديث: ((نهى رسول الله وَّر أن تنخع الشاه إذا
ذبحت)) .
ورد بلفظ : « نھی رسول الله ێ عن الذبيحة أن تفرس =
الذبح النخاع (١) واختلف الفقهاء في حكم
النخع في الذبح .
والتفصیل في مصطلح (ذبائح ف ٣٦ ،٤٢)
ثانياً : في الشجاج :
٥ - ذكر الفقهاء في أنواع الشجاج ما تصل به
الشجة إلى النخاع كالهاشمة والمنقلة وبينوا
الحكم الشرعي لكل منها .
والتفصيل في مصطلح (شجاج
ف ٤ - ١١ ، ديات ف ٦٦، ٦٧، منقلة،
هاشمة) .
قبل أن تموت)) . أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٥٧
=
ط دار الفكر) ، والبيهقي في السنن (٩/ ٢٨٠ ط
دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس ، وقد فسر
في رواية ابن عدي بقوله فيها : يعني أن تنخع . وقال
البيهقي : وهذا إسناد ضعيف .
(١) حاشية ابن عابدين ٦/ ٢٩٦ ط دار الفكر .
- ١٢٤ -
نُخَامة ١-٤
نُخَامَة
التعريف :
١ - النخامة في اللغة: ما يخرج من صدر .
الإنسان أو خيشومه ، من البلغم والمواد عند
التنحنح (١) .
والنخاعة هي النخامة كما قال المطرزي .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي فقد عرفها القليوبي بأنها الفضلة الغليظة
تنزل من الدماغ أو تصعد من الباطن (٢) .
ونقل البعلي عن صاحب المطالع أن النخامة
ما يلقيه الرجل من الصدر وهو البلغم (٣) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المخاط :
٢ - المخاط: هو السائل من الأنف خاصة (٤).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن
(١) قواعد الفقه للبركتي. وانظر المصباح المنير.
(٢) القليوبي على شرح المحلي ٢/ ٥٥ .
(٣) المطلع على أبواب المقنع ص ١٤٨ .
(٤) المصباح المنير ، لسان العرب ، والقاموس المحيط .
المعنى اللغوي .
والعلاقة بين النخامة والمخاط هي أن النخامة
أعم من المخاط .
ب-القلس :
٣ - القلس ۔ بفتح القاف وسکون اللام - ما
يخرج من الحلق ملءَ الفم أو دونه وليس بقيء
فإذا غلب فهو القيء(١) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
والعلاقة بين النخامة والقلس أن النخامة أعم
من القلس من حیث مکان خروجها .
الأحكام المتعلقة بالنخامة :
تتعلق بالنخامة أحكام منها :
النخامة من حيث الطهارة والنجاسة :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النخامة طاهرة
إن نزلت من الرأس أو خرجت من الصدر أو من
أقصى الحلق .
واختلفوا في حكم ما صعد من المعدة ، فذهب
الشافعية وأبو يوسف من الحنفية إلى أنها نجسة (٢)
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، ومختار الصحاح .
(٢) ابن عابدين ٩٤/١، وتبيين الحقائق ٣٢٦/١، وشرح
الزرقاني ٢٦/١ وجواهر الإكليل ٩/١ والشرح الصغير
٤٦٩/١، وتحفة المحتاج ١/ ٢٩٤، ومغني المحتاج ٧٩/١.
- ١٢٥ -
نُخَامة ٤ -٦
وذهب المالكية والحنابلة وهو المذهب عند
الحنفية إلى أنها طاهرة ، لأنها تخلق من البدن
كنخامة الصدر والرأس ولأن رسول الله وَال
أخذ النخامة - وهو في الصلاة - بطرف ردائه (١)
ولهذا لا ينقض الوضوء بصعودها وإن
خرجت من المعدة(٢) .
ابتلاع النخامة في الصوم :
٥ - اختلف الفقهاء في حكم ابتلاع النخامة في
الصوم فذهب بعضهم إلى تحريم ذلك وفساد
الصوم به وخالفهم آخرون وهذا في الجملة .
والتفصيل في (مصطلح صوم ف ٧٩) .
التنخم في المسجد :
٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحرم إلقاء
النخامة ونحوها في أرض المسجد وعلى جدرانه
وعلى حصيره ، بل يجب أن يصان المسجد عن
كل قذر وقذارة وإن لم تكن نجساً كالنخامة
ونحوها(٣) .
(١) حديث: ((أخذ النخامة .... )).
أخرجه البخاري (فتح البارى ١/ ٥١٣-ط السلفية) من
حديث أنس رضي الله عنه دون قوله : وهو في الصلاة .
(٢) حاشية ابن عابدين ٩٤/١، الاختيار ١/ ١٠،
وجواهر الإكليل ١/ ٩، والشرح الصغير ٤٨٩/١
والزرقاني ٢٦/١، وكشاف القناع ١٢٥/١.
(٣) مغني المحتاج ١/ ٢٠٢ وحاشية الجمل ١/ ٤٤٣، =
جاء في الحديث عن رسول الله وَل :
((البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)) (١).
وكَتْبُ الخطيئة بمجرد البصاق يدل دلالة
واضحة على أنها حرام ، ولكنها تزول بالدفن
وتبقى بعدمه (٢) .
وإن كانت على حائطه وجب إزالتها وتطييب
موضعها لفعله عليه الصلاة والسلام(٣).
وورد ((أن النبي وَلّ رأى نخامة في جدار
المسجد فتناول حصاة فحكها فقال : إذا تنخم
أحدكم فلا یتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه ،
وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى)) (٤).
وجاء في الفتاوى الهندية : فإن اضطر إلى
إلقائها في المسجد كان إلقاؤها فوق الحصير أهون
من إلقائها تحته لأن الحصير ليس بمسجد حقيقة .
= والفتاوى الهندية ١/ ١١٠، والآداب الشرعية ٣٩٣/٣ .
(١) حديث: ((البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥١١ - ط
السلفية) ومسلم (١/ ٣٩٠ ط - ط عيسى الحلبي) من
حديث أنس رضي الله عنه .
(٢) المراجع السابقة ونيل الأوطار ٣٥٧/٢ .
(٣) الآداب الشرعية ٣٩٣/٣، ومغني المحتاج ٢٠٢/١.
(٤) حديث: ((رأى نخامة في جدار المسجد ..... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٠٩ - ط السلفية)
ومسلم (٣٨٩/١ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي
هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما ، والسياق
للبخاري .
- ١٢٦ -
نُخَامة ٦ ، نخيل، ندب ١-٢
..
وإن لم يكن حصير فيه يدفنه في التراب ولا
یترکە على وجه الأرض (١) .
وقال المالكية : إن البصق في أرض المسجد
مکروه مع حکه . وعن الإمام مالك رحمه الله :
أنه قال : إن کان محصّباً فلا بأس أن يبصق بين
یدیه ، وعن يساره ، وتحت قدمه ويدفنه وإن كان
لا يقدر على دفنه فلا يبصق في المسجد بحال :
سواء كان مع ناس أو وحده (٢) .
نَدب
التعريف :
١ - الندب بفتح النون مصدر لفعل نَدَبَ ، وهو
في اللغة : الدعاء إلى الفعل : ومنه ندب الميت ،
بمعنى : تعديد محاسنه(١).
والندب في اصطلاح الأصوليين والفقهاء :
هو مأمور لا يلحق بترکه ذم من حیث تر که من
غير حاجة إلى بدل ، وقيل : هو ما في فعله
ثواب ، ولا عقاب في تركه(٢) .
وقيل هو : خطاب بطلب فعل غير كف
ينتهض فعله سبباً للثواب ، ويسمى مندوباً(٣) .
٢- وعلى هذا : فالمندوب والمستحب والتطوع
والنفل والمرغب فيه : ألفاظ مترادفة ، وهو ما
ذهب إليه جمهور الأصوليين والفقهاء .
وسمي مندوباً من حيث إن الشارع ندب إليه
(١) الفتاوى الهندية ١/ ١١٠، وانظر مغني المحتاج ١/ ٢٠٢.
(٢) جواهر الإكليل ٢٠٣/٢ .
(١) المصباح المنير .
(٢) روضة الناظر ١/ ١١٢، ١٣١ وبهامشه نزهة الخاطر
ط مكتبة المعارف بالرياض .
(٣) قواعد الفقه للبركتي .
- ١٢٧ -
نخيل
انظر : زكاة
.....
ندب ٢ -٤
وبيّن ثوابه وفضيلته ، من نَدَبَ الميت : عدد
محاسنه .
وسمي مستحباً من حيث إن الشارع يحبّه
ويؤثره .
وسمي نفلاً من حیث إنه زائد على الفرض
ويزيد به الثواب .
وسمي تطوعاً من حيث إن فاعله يفعله تبرعاً
من غير أن يؤمر حتماً (١).
وقيل : الندب أي المندوب : هو الزائد على
الفرض والواجبات والسنن (٢) .
والتفصيل ينظر في الملحق الأصولي .
ما يتعلق بالمندوب من أحكام :
کون المندوب مأموراً به أو غير مأمور به :
٣ - اختلف الأصوليين في ذلك :
فذهب جمهورهم إلى أن المندوب مأمور به ،
لأن الأمر استدعاء وطلب : والمندوب مستدعى
ومطلوب ، فيدخل في حقيقة الأمر .
وقال قوم : المندوب غير داخل تحت
الأمر ، وقالوا : إن الله سبحانه وتعالى قال:
(١) ابن عابدين ١/ ٨٤، وقواعد الفقه للبركتي، وشرح
المنهج وحاشيته للشيخ سليمان الجمل ١/ ٤٧٨ ، وتحفة
المنهاج لابن حجر الهيتمي ٢١٩/٢ .
(٢) قواعد الفقه، وابن عابدين ١/ ٧٠ .
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ مُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ أَنْ
تُصِيَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١)،
والمندوب لا يجوز فيه ذلك(٢) .
والتفصيل في الملحق الأصولي .
ندب الميت :
٤ - يحرم ندب الميت بتعدید شمائله ، وهي : ما
اتصف به الميت من الطبائع الحسنة ، كقولهم :
واكهفاه ، واجبلاه ، ونحو ذلك (٣) ، لحديث :
((ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول :
واجبلاه ! واسیداہ ! أو نحو ذلك ، إلا و گّل به
ملكان يلهزانه : أهكذا كنت؟)) (٤) .
والتفصيل في (نياحة) .
(١) سورة النور / ٦٣ .
(٢) نزهة الخاطر ١١٤/١-١١٥، والمستصفى ١/ ٧٥.
. (٣) مغني المحتاج ٣٥٦/١، وتحفة المحتاج ١٣٩/٣، وكشاف
القناع ١٦٣/٢ .
(٤) حديث: ((ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول :
واجبلاه! واسيداه .... )).
أخرجه الترمذي (٣١٨/٣ ط الحلبي) من حديث أبي
موسى الأشعري . وقال : حسن غريب .
٠
- ١٢٨ -
نَذْرة ١-٣
نَدْرة
التعريف :
١ - الندرة في اللغة : ندر الشيء ندوراً - من
باب قعد ـ سقط أو خرج من غيره أو شذ ،
ومنه : نادر الجبل ، وهو ما يخرج منه ويبرز ،
وندر فلان من قومه : خرج ، وندر العظم من
موضعه : زال ، والاسم : الندرة بفتح النون ،
والضم لغة ، ولا يكون ذلك إلا نادراً .
والندرة : القطعة من الذهب والفضة توجد
في المعدن ، وندر فلان في علم وفضل : تقدم
وقل وجود نظيره ، وندر الكلام نَدارة - بالفتح -
نَصُح وجاد .
وأندر : أتى بنادر من قول أو فعل(١) .
وفي اصطلاح الفقهاء : النادر ماقل وجوده
وإن لم يخالف القياس ، فإن خالفه فهو شاذ (٢).
وقال المالكية : تطلق النّدرة - بفتح النون
وسكون المهملة - على القطعة من الذهب أو
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٢) التعريفات للجرجاني ، وقواعد الفقه للبركتي .
الفضة الخالصة التي لا تحتاج لتصفية ، وهذا
تفسير عياض وغيره (١) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الغالب :
٢ - الغالب لغة اسم فاعل من الغلبة ، ومن
معانيه : القهر ، يقال : غلبه : إذا قهره ، ومن
معانيه : الكثرة أيضاً ، يقال : غلب على فلان
الكلام ، أي هو أكثر خصاله (٢).
وقد استعمله الفقهاء بالمعنيين .
معنى القهر ، قال ابن قدامة : من اشترى من
المغنم في بلاد الروم فغلب عليه العدو لم يكن
عليه شيء من الثمن (٣) .
ومعنى الكثرة ، قال المواق : روى ابن القاسم
عن مالك أن زكاة الفطر تخرج من غالب
عيش البلد (٤) .
والصلة بين الندرة والغالب : التضاد .
ب - الشاذ :
٣ - الشاذ في اللغة من شذّيَشِدُّ ويَشَدُّ شذوذاً:
إذا انفرد عن غيره ، وشذ : نفر .
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ٤٨٩.
(٢) لسان العرب .
(٣) المغني ٨/ ٤٤٦.
(٤) التاج والإكليل للمواق ٣٦٧/٢.
- ١٢٩ -
نَدْرة ٣ - ٤
وفي الاصطلاح قال الجرجاني : الشاذما
يكون مخالفاً للقياس من غير نظر إلى قلة
وجوده وكثرته .
والصلة بينهما أن النادر ماقل وجوده وإن لم
يخالف القياس ، والشاذ ما يكون مخالفاً
للقياس (١) .
أولاً : ما يتعلق بالندرة (بمعنى القلة)
من أحكام :
تقديم النادر على الغالب أحياناً :
٤ - قال القرافي : الأصل اعتبار الغالب وتقديمه
على النادر وهو شأن الشريعة وذلك کالقصر في
السفر والفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة
وكمنع شهادة الأعداء والخصوم ، لأن الغالب
منهم الحيف .
٥ - وقد يلغى الشارع الغالب رحمة بالعباد
ويقدم النادر عليه ومن أمثلة ذلك :
أ- إذا تزوجت المرأة فجاءت بولد لستة
أشهر ، جاز أن يكون من وطء قبل العقد وهو
الغالب ، أو من وطء بعده وهو النادر ، فإن
غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر وإنما الذي
يوضع في الستة سقط في الغالب ، فألغى
(١) المصباح المنير ، والتعريفات للجرجاني.
الشارع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر ،
وجعله من الوطء بعد العقد لطفاً بالعباد ،
لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم (١) .
ب - الغالب على النعال مصادفة النجاسات
لاسيما نعل مشى بها سنة ، وجلس بها في
مواضع قضاء الحاجة سنة ونحوها ، فالغالب
فيها النجاسة ، والنادر سلامتها من النجاسة ،
ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت
حكم النادر فجاءت السنة بالصلاة في النعال ،
كل ذلك رحمة وتوسعة على العباد (٢) .
ج - الحصر والبسط التي قد اسودت من
طول ماقد لبست ، يمشي عليها الحفاة
والصبيان ، ومن يصلي ومن لا يصلي ، الغالب
مصادفتها للنجاسة .
والنادر سلامتها ، ومع ذلك قد جاءت السنة
بأن رسول الله وَ ◌ّله قد صلى على حصير قد
اسود من طول مالبس بعد نضحه بالماء (٣) ،
والنضح لا يزيل النجاسة بل ينشرها ، فقدم
الشرع حكم النادر على حكم الغالب (٤) .
(١) الفروق للقرافي ٤/ ١٠٤.
(٢) الفروق ١٠٥/٤ .
(٣) حديث صلاة النبي وَّر على حصير قد اسودٌ
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٨٨/١ ط السلفية) ومسلم
(٤٥٧/١ ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٤) الفروق ٤ / ١٠٦.
- ١٣٠ -
نَذْرة ٥_٦
د - في باب الصلاة الغالب مصادفة الحفاة
النجاسة ولو في الطرقات ومواضع قضاء
الحاجات والنادر سلامتهم ، ومع ذلك جوز
الشرع صلاة الحافي كما جوز له الصلاة بنعله من
غير غسل رجليه ، وقد كان عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه يمشي حافياً ولا یعیب ذلك
في صلاته، ((لأنه رأى النبي وَلا يصلي
بنعله))(١) ، ومعلوم أن الحفاء أخف في تحمل
النجاسة من النعال ، فقدم الشارع حكم النادر
على الغالب توسعة على العباد(٢)
.
وقال القرافي بعد ذكر هذه الأمثلة وغيرها :
ونظائر هذا الباب كثيرة فى الشريعة ، ولصاحب
الشرع أن يضع في شرعه ما شاء ويستثنى من
قواعده ماشاء ، وهو أعلم بمصالح عباده فينبغي
لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن ينظر
هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا وحيئذ
يعتمد عليه ، وأما مطلق الغالب كيف كان في
جميع صوره فخلاف الإجماع(٣).
(١) حديث صلاة النبي مَ لآ بنعله.
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٤٩٤ ط السلفية) ومسلم
(٣٩١/١ ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٢) الفروق ٤ /١٠٦.
(٣) الفروق ١٠٧/٤.
إلغاء النادر والغالب معاً :
٦ - قد يلغى الشارع النادر والغالب معاً رحمة
بالعباد ، ومن أمثلة ذلك :
أ- شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم
جداً : الغالب صدقهم والنادر كذبهم ، ولم
يعتبر الشرع صدقهم ولا قضی بكذبهم ، بل
أهملهم رحمة بالعباد ورحمة بالمدعي عليه ،
وأما في الجراح والقتل فقبلهم مالك وجماعة .
ب - شهادة الجمع الكثير من جماعة
النسوان في أحكام الأبدان : الغالب صدقهن
والنادر كذبهن لاسيما مع العدالة ، وقد ألغى
صاحب الشرع صدقھن فلم یحکم به ولا حکم
بكذبهن لطفاً بالمدعي عليه (١) .
ج - حلف المدعي الطالب وهو من أهل
الخير والصلاح : الغالب صدقه والنادر کذبه ،
ولم یقض الشارع بصدقه فیحکم له بیمینه ، بل
لابد من البينة ، ولم يحكم بكذبه لطفاً بالمدعي
عليه .
د - شهادة العدل الواحد في أحكام الأبدان :
الغالب صدقه والنادر کذبه ، ولم یحكم الشرع
بصدقه لطفاً بالعباد ولطفاً بالمدعي عليه ، ولم
يكذبه .
هـ - حکم القاضي لنفسه وهو عدل مبرز
(١) الفروق ٤/ ١٠٩ .
- ١٣١ -
نَدْرة ٦ _٩
من أهل التقوى والورع : الغالب أنه إنما حكم
بالحق والنادر خلافه ، وقد ألغى الشرع ذلك
الحكم ببطلانه وصحته معاً (١) .
إلحاق النادر بالغالب :
٧ - ذكر الزركشي عنوان (النادر هل يلحق
بالغالب ) وقسم ذلك أربعة أقسام :
أحدها : ما يلحق قطعاً ، كمن خلقت بلا
بكارة داخلة في حكم الأبكار قطعاً في
الاستئذان .
الثاني : ما لا يلحق قطعاً كالأصبع الزائدة
لا تلحق بالأصلية في حكم الدية قطعاً ، ونكاح
من بالمشرق مغربية لا يلحقه الولد .
الثالث : ما يلحق به على الأصح کنقض
الوضوء بخروج النادر من الفرج .
الرابع : مالا يلحق به على الأصح كالأشياء
التي يتسارع إليها الفساد في مدة الخيار لايثبت
فيه خيار الشرط في الأصح (٢) .
النادر إذا لم يدم يقتضي القضاء :
٨- مثّل الزركشي لذلك بالمربوط على خشبة
بأنه يصلي ويعيد ، والمشتبه عليه القبلة في سفره
فإنه يعيد واستثنى صورة الصلاة في حالة
(١) الفروق ٤/ ١١٠،١٠٩.
(٢) المنثور في القواعد للزركشي ٢٤٣/٣، ٢٤٤.
المسايفة (الحرب) أركانها مختلة ولاقضاء وهي
علی خلاف القاعدة ، إذ هو نادر لا يدوم ولا
بدل فيه ، ولكنه رخصة متلقاة(١) من قوله
تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًاً ﴾(٢).
النادر إذا دام يعطى حكم الغالب :
٩ - مثّل الزركشي لهذه القاعدة بالمستحاضة غير
المتحيرة لا تقضي الصلاة مع الحدث ، لأنه وإن
كان نادراً إلا أنه يدوم ، ويجوز القصر في السفر
وإن لم تلحق المسافر مشقة ، ومنه أثر دم
البراغيث معفو عنه لأنه يدوم (٣).
ويستثنى صور :
إحداها : الشعور التي في الوجه يجب
غسلها ظاهراً وباطناً وإن كثفت ، وكثافتها وإن
كانت نادرة إلا أنها إذا وقعت دامت ، ولم
يلحقوها بالغالب حتى يكفى غسل الظاهر .
الثانية : في الاستنجاء بالحجر من
الاستحاضة قولان ، کالمذي لأنها نادرة ، كذا
قال النووي ، واستشكل الخلاف لأنها تدوم
والنادر إذا دام التحق بالغالب ، وكان ينبغي
القطع بالجواز .
(١) المنثور ٢٤٤/٣ .
(٢) سورة البقرة / ٢٣٩ .
(٣) المنثور ٢٤٤/٣، ٢٤٥.
- ١٣٢ -
نَدْرة ٩ - ١١
الثالثة : دم البواسير نادر ، وإذا وقع دام ومع
ذلك هو على القولين حتى يجوز الاستنجاء منه
بالحجر في الأظهر .
الرابعة : إذا انفتح مخرج آخر للإنسان
ونقضنا بالخارج منه ، فهل يجزىء فيه الحجر؟
وجهان :أصحهما لا ، لأنه نادر ، والاقتصار
على الحجر خارج عن القياس فلا يكون في
معنى السبيلين ، هذا مع أنه إذا وقع دام (١) .
الندرة في السلم فيما يسلم فيه :
١٠- قال الشافعية : لا یصح السلم فيما ندر
وجوده كلحم الصيد بموضع يعزّ وجوده فيه
لانتفاء الوثوق بتسليمه ، نعم لو كان السلم
حالاً ، وكان المسلم فيه موجوداً عند المسلم إليه
بموضع يندر فيه صح ، قال الرملي : وفيه نظر ،
وقال الشبراملسي : والمعتمد عدم الصحة خلافاً
لصاحب الاستقصاء .
ولا يجوز السلم كذلك فيما لو استقصى
وصفه الواجب ذكره في السلم عز وجوده
كاللؤلؤ الكبار واليواقيت وغيرها من الجواهر
النفيسة ، لأنه لا بد فيها من التعرض للحجم
والوزن والشكل والصفاء ، واجتماع هذه
الأمور نادر .
(١) المرجع السابق .
كما لا يصح السلم في جارية ولو قلت
صفاتها كزنجية وأختها أو ولدها أو عمتها أو
خالتها ، أو شاة وسخلتها لندرة اجتماعهما مع
الصفات المشتركة ، وكذلك لا يصح السلم في
أوزة وأفراخها أو دجاجة کذلك ولو مع ذكر
العدد - خلافاً للأذرعي - إذ يعز وجود الأم
وأولادها (١) .
وقال المالكية : لا يصح السلم فیما یندر
وجوده كاللؤلؤ الكبار كبراً خارجاً عن
المعتاد (٢).
وقال الحنابلة : يشترط في المسلم فيه أن
یکون عام الوجود في محله ، فإن كان المسلم فيه
لا يوجد في وقت حلوله إلا نادراً کالسلم في
الرطب والعنب إلى غير وقته لم يصح السلم ،
لأنه لا يمكن تسليمه غالباً عند وجوبه(٣).
القراض في نادر الوجود :
١١- قال الشافعية : لا يجوز لرب القراض أن
يشترط على العامل شراء نوع يندر وجوده
كالخيل البلق والياقوت الأحمر ، والخز الأدكن ،
لأن النادر قد لا يجده ، قال الخطيب الشربيني :
(١) نهاية المحتاج ١٩٨/٤، ومغني المحتاج ١١٠/٢.
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢١٥/٣ .
(٣) كشاف القناع ٣٠٣/٣.
- ١٣٣ -
نَذْرة ١١ - ١٢
..
أفهم کلام النووي أن النوع إذا لم یندر وجوده أنه
يصح ولو كان ينقطع كالفواكه الرطبة ، وهو
کذلك لانتفاء التعیین ، قال : وكذا إن ندر وکان
بمکان یوجد فيه غالباً ، قاله الماوردي والروياني ،
لکن لونهاه أن یشتري ما یندر وجوده صح (١) .
وقال المالكية : إن شرط رب المال على العامل
شراء ما يتعذر لقلته لم يجز ، فإن وقع وفات
القراض بالعمل فإنه يفسخ وفيه قراض
المثل (٢).
وأجاز ذلك الحنابلة ، قال ابن قدامة : إذا
شرط رب المال على المضارب أن يشتري مالایعم
وجوده كالياقوت الأحمر والخیل البلق كان ذلك
جائزاً ، لأنها مضاربة خاصة لا تمنع الربح بالكلية
فصحت ، كما لو شرط أن لا يتجر إلا في نوع
يعم وجوده ، ولأنه عقد يصح تخصيصه بنوع ،
فصح تخصيصه في سلعة بعينها كالوكالة (٣).
الندرة في انقضاء العدة :
١٢ - اختلف فقهاء الحنفية في المطلقة إذا كانت
تعتد بالأقراء في كم من الأيام تصدق إذا أخبرت
بانقضاء العدة ، فقال أبو حنيفة : لا تصدق في
(١) مغني المحتاج ٢/ ٣١١، ٣١٢.
(٢) الشرح الصغير ٦٨٨/٣.
(٣) المغني ٥/ ٦٨، ٦٩.
أقل من ستين يوماً ، وقال أبو يوسف ومحمد :
تُصدق في تسعة وثلاثين يوماً ، وتخريج ذلك
عندهما : أنه يجعل كأنه طلقها في آخر جزء من
أجزاء الحيض ، وحيضها أقل الحيض ثلاثة ،
وطهرها أقل الطهر خمسة عشر ، فثلاث مرات
ثلاثة یکون تسعة ، وطهران كل واحد منهما
خمسة عشر یکون ثلاثین ، فلهذا صدقت في
تسعة وثلاثين يوماً ، لأنها أمينة ، فإذا أخبرت بما
هو محتمل يجب قبول خبرها .
لكن السرخسي قال : لا معنى لما قال أبو
يوسف ومحمد ، لأنه لا احتمال لتصديقها في
تلك المدة إلا بعد أمور كلها نادرة ، منها : أن
يكون الإيقاع في آخر جزء من أجزاء الطهر ،
ومنها : أن يكون حيضها أقل مدة الحيض ،
ومنها : أن يكون طهرها أقل مدة الطهر ، ومنها
أن لا تؤخر الإخبار عن ساعة الانقضاء .
والأمین إذا أخبر بما لا يمكن تصديقه فیه إلا
بأمور هي نادرة لا يصدق ، كالوصي إذا قال
انفقت على الصبي في يوم مائة درهم لا
يصدق ، وما قاله محتمل بأن يشتري له نفقة
فتسرق ثم مثلها فتحرق ثم مثلها فتتلف ، فلا
يصدق لكون هذه الأمور نادرة فکذلك هنا (١) .
(١) المبسوط السرخسي ٢١٧/٣، ٢١٨.
- ١٣٤ -
نَذْرة ١٢ - ١٣ ، ندم
وقال المالكية : إن ادعت المرأة انقضاء العدة
في مدة يندر انقضاؤها فيها کالشهر جواز أن
يطلقها أول ليلة من الشهر وهي طاهر ، فيأتيها
الحيض وينقطع قبل الفجر ، ثم يأتيها ليلة
السادس عشر وينقطع قبل الفجر أيضاً ، ثم يأتيها
آخر يوم من الشهر بعد الغروب ، لأن العبرة
بالطهر في الأيام ففي هذه الحالة لا بد من سؤال
النساء عن ذلك فإن شهدن لها بذلك ، أي
شهدن أن النساء يحضن لمثل هذا ، فإنها تصدق
فیما ادعته .
أما إذا ادعت انقضاء عدتها في مدة لا يمكن
انقضاؤها فیھا لا غالبا ولا نادراً فلا تصدق ، ولا
يسأل النساء في ذلك (١) .
ثانياً : ما يتعلق بالندرة (بمعنى المعدن) من أحكام :
١٣ - قال المالكية: يجب على واجد الندرة
الخمس كالركاز ، سواء أكان واجدها حراً أم
عبداً ، وسواء أكان مسلما أم كافراً ، وسواء أكان
صبياً أم بالغاً ، وسواء بلغت نصاباً أم لا ، وهذا
قول ابن القاسم في روایته عن مالك ، ویکون
مصرفه مصالح المسلمین ولا يختص بالأصناف
الثمانية ، وذلك لأن ابن القاسم يعتبرها من
الرکاز ، لأن الرکاز عنده : ما وجد من ذهب أو
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤٢٢/٢، ٤٢٣.
فضة في باطن الأرض مخلصاً ، سواء دفن فيها
أو کان خالياً عن الدفن .
وعند ابن نافع يجب فيها الزكاة ربع العشر
لأن ابن نافع يعتبرها من المعدن ، لأن الركاز عند
ابن نافع مختص بما دفنه آدمي ، ويكون مصرفها
مصرف الزكاة وهو الأصناف الثمانية .
وقال ابن سحنون : إن قلت الندرة عن
النصاب فلا تخمس .
والندرة بهذا المعنى الذي ذكره المالكية تدخل
في المعدن أو الركاز عند غيرهم (١) .
وينظر تفصيل الكلام فيه في مصطلحي
(ركاز ف ١٠ ، معدن ف ٦).
ندم
انظر : توبة
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١/ ٤٨٩، ٤٩٠.
- ١٣٥ -
نَذْر ١ -٤
نَذْر
التعريف :
١- النذر لغة : هو النحب ، وهو ما ینذره
الإنسان فيجعله على نفسه نحباً واجباً ، يقال :
نذر على نفسه لله كذا ، ينذر ، وينذُر ، نذراً
ونذوراً ، كما يقال: أنذر وأنذر نذراً ، إذا أوجبت
على نفسك شيئاً تبرعاً ، من عبادة أو صدقة ، أو
غير ذلك (١) .
والنذر اصطلاحاً : إلزام مكلف مختار نفسه
لله تعالى بالقول شيئاً غير لازم عليه بأصل
الشرع(٢) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الفرض :
٢- من معاني الفرض في اللغة : الإيجاب ،
يقال : فرض الأمر : أوجبه ، وفرض عليه :
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) كشاف القناع عن متن الإقناع ٦/ ٢٧٣ ، والشرح الصغير
٢٤٩/٢، ومغني المحتاج ٣٥٤/٤، والاختيار
٧٦/٤-٧٧، والبدائع ٨٢/٥ .
کتبه علیه (١) .
وفي الاصطلاح : ما يثاب الشخص على
فعله ، ويعاقب علی تر کە (٢)
والصلة بين النذر والفرض : أن النذر أوجبه
الشخص على نفسه ، والفرض وجب بإيجاب
الشرع .
ب - التطوع :
٣ - التطوع في اللغة: التبرع ، يقال تطوع
بالشيء تبرع به (٣) .
وفي الاصطلاح : هو طاعة غير واجبة (٤) .
والصلة بين التطوع والنذر أن النذر فيه التزام
بالفعل ، بخلاف التطوع فلا التزام فيه .
ج - اليمين :
٤ - من معاني اليمين في اللغة : الحلف . لأنهم
كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على
يمين صاحبه (٥) .
واليمين اصطلاحاً : تحقيق أمر غير ثابت ،
ماضياً كان أو مستقبلاً ، نفياً أو إثباتاً ، ممكناً أو
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط .
(٢) الجمل على شرح المنهج ١/ ١٠٢، وكشاف القناع ٨٣/١ .
(٣) المصباح المنير .
(٤) كشاف القناع ١/ ٤١١.
(٥) المصباح المنير .
- ١٣٦ -
.
نَذْر ٤ - ٥
ممتنعاً ، مع العلم بالحال أو الجهل به (١).
مشروعية النذر :
٥- لاخلاف بين الفقهاء في صحة النذر في
الجملة ، ووجوب الوفاء بما كان طاعة منه(٢) .
وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة
والإجماع .
أما الكتاب الكريم فبآيات منها قوله تعالى :
﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ (٣) ومنها ما قاله سبحانه
في شأن الأبرار ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَتَخَافُونَ
يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٤).
وما قاله جل شأنه: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَنْهَدَ اللَّهَ
لَبِنْ ءَاتَنَنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
الصَّلِحِینَ
فَلَمَّآ ءَاتَنُهُم مِّن فَضْلِهِ يَخِلُواْ
٧۵
بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴿ فَأَعْقَهُمْ نِفَاقًاً
فِي قُلُوِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلِفُواْ اللَّهَ مَا
(١) مغني المحتاج ٣٢٠/٤.
(٢) الهداية وفتح القدير والعناية ٢٦/٤-٢٧ ، ورد المختار
٦٦/٣-٦٧ وبدائع الصنائع ٢٨٨٣/٦، ٢٨٨٨،
ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣١٨/٣ ، وكفاية
الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٣/ ٥٥ ،
وروضة الطالبين ٣/ ٣٠٠ -٣٠١، ونهاية
المحتاج ٢٢١،٢١٩/٨-٢٢٢، والمغني ٩/ ١-٢،
وكشاف القناع ٦/ ٢٧٣ .
(٣) سورة الحج / ٢٩ .
(٤) سورة الإنسان / ٧ .
وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (ج)﴾(١).
وأما السنة النبوية المطهرة فبأحاديث منها ما
ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله {آلټله
قال : «من نذر أن یطیع الله فلیطعه ، ومن نذر
أن يعصيه فلا يعصه))(٢) وما ورد عن ابن عمر أن
عمر بن الخطاب رضي الله عنهما سأل رسول
الله ﴾ فقال: ((يا رسول الله إني نذرت في
الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام .
فكيف ترى؟ قال : اذهب فاعتكف يوماً» وفي
روایة أخری «أنه قال للنبي ژ : يا رسول الله ،
إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في
المسجد الحرام. فقال النبي ◌َل قر : أوف
بنذرك)) (٣).
وما روی عمران بن الحصين رضي الله عنه
أن النبي ◌َ ل# قال: ((خير أمتي قرني ، ثم الذين
يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم إن بعدكم قوماً
یشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا
يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم
(١) سورة التوبة / ٧٥ -٧٧ .
(٢) حديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١/ ٥٨١ ط السلفية) .
(٣) حديث: (إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف .. )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٨٤/٤ ط السلفية)
ومسلم (١٢٧٧/٣ ط عيسى الحلبي) والرواية الأولى
المسلم والثانية للبخاري .
- ١٣٧ -
٠٠
نَذْر ٥ _٦
.
السمن))(١) .
وأما الإجماع فحكى ابن رشد (احفید) اتفاق
الفقهاء على لزوم النذر المطلق في القرب ، وقال
ابن قدامة : أجمع المسلمون على صحة النذر في
الجملة ، ولزوم الوفاء به (٢) .
حكم النذر :
٦ - اختلف الفقهاء في صفة النذر الشرعية على
اتجاهين :
الاتجاه الأول : يرى أن النذر مندوب إليه ،
وإن كان لبعضهم تفصيل في نوع النذر الذي
يوصف بذلك .
فقد ذهب الحنفية إلى أن النذر قربة
مشروعة ، ولا يصح إلا بقربة لله تعالى من
جنسها واجب .
وذهب المالكية إلى أن النذر المطلق - وهو
الذي يوجبه المرء على نفسه شكراً لله على ما
كان ومضى - مستحب .
وذهب القاضي والغزالي والمتولي من
الشافعية إلى أن النذر قربة .
وقال ابن الرفعة : الظاهر أنه قربة في نذر
(١) حديث: ((خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ٣ ط السلفية) .
(٢) بداية المجتهد ١/ ٤٢٢، والمغني ٩/ ١.
التبرر دون غيره (١) .
واستدل أصحاب هذا الاتجاه بالكتاب والسنة
والمعقول . أما الكتاب فبقوله تعالى في وصف
الأبرار: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ
شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾(٢) وقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُواْ
تُذُورَهُمْ﴾ (٣) .
وأما السنة فما ورد عن عائشة رضي الله عنها
أن رسول الله * قال: ((من نذر أن يطيع الله
فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)) (٤) .
وأما المعقول فقالوا : إن النذر یتوسل به إلى
القرب المختلفة كالصلاة والصيام والصدقة والحج
ونحوها ، وللوسائل حكم المقاصد ، فيكون
النذر قربة (٥) .
وقالوا : إن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى
الله تعالى بنوع من القرب المقصودة التي له
رخصة تركها ، لما يتعلق به من العاقبة الحميدة ،
وهي نيل الدرجات العلى والسعادة العظمى في
(١) رد المحتار على الدر المختار ٦٦/٣، والمقدمات الممهدات
٤٠٤/١، ٤٠٥، ومواهب الجليل والتاج والإكليل على
مختصر سيدي خليل ٣١٩/٣ ، وزاد المحتاج بشرح
المنهاج ٤٩٠/٤، ومغني المحتاج ٤/ ٣٥٤.
(٢) سورة الإنسان / ٧ .
(٣) سورة الحج / ٢٩ .
(٤) حديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه .. ))
سبق تخريجه (ف ٥) .
(٥) زاد المحتاج ٤ / ٤٩١ .
- ١٣٨ -
نَذْر ٦
دار الكرامة ، وطبعه لا يطاوعه على تحصيله ، بل
يمنعه عنه لما فيه من المضرة الحاضرة وهي المشقة ،
ولا ضرورة في الترك ، فیحتاج إلى اكتساب
سبب يخرجه عن رخصة الترك ، ويلحقه
بالفرائض الموظفة وذلك يحصل بالنذر لأن
الوجوب يحمله على التحصيل خوفاً من مضرة
الترك ، فيحصل مقصوده (١) .
الاتجاه الثاني : يرى أن النذر مكروه ، وذلك
عند المالكية والشافعية في الجملة والحنابلة في
الصحيح من المذهب ، على تفصيل عند
بعضهم في نوع النذر الذي يوصف بذلك .
إلى هذا ذهب المالكية في النذر المكرر ، وهو
الذي يتكرر على الناذر فعله كصوم كل
خميس ، فإنه یکره لأنه يتكرر على الناذر في
أوقات قد یثقل عليه فعله فيها ، فیفعله بالتكليف
من غير طيب نفس وخالص نية .
وهو قول الباجي وابن شاس في النذر
المعلق ، لأنه لم تتمحض فیە نیة التقرب إلى الله
تعالى ، بل سلك الناذر فيه سبيل المعاوضات
وأباحه ابن رشد .
وقال القرطبي المالكي : إن النذر محرم في
حق من يخاف عليه اعتقاد أن النذر يوجب
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٨٣ .
حصول غرض عاجل ، أو أن الله تعالى يفعل
ذلك الغرض لأجل النذر ، فإقدام من اعتقد
ذلك على النذر محرم . وتكون الكراهة في حق
من لم يعتقد ذلك .
ونقل القول بكراهة النذر عن نص الشافعي ،
وجزم به النووي من الشافعية ، وقال الرملي من
فقهائهم : الأصح اختصاص الكراهة بنذر
اللجاج (١) لأنه لا يأتي بخير ، وإنما يستخرج به
من البخيل ، بخلاف نذر التبرر فهو مندوب
إليه ، لأنه قربة ووسيلة إلى طاعة ، والوسائل
تأخذ حکم الغايات ، ولأن الناذر یثاب على
نذره ثواب الواجب .
والصحيح من المذهب عند الحنابلة أن النذر
مكروه . قال البهوتي : النذر بالمعنى المصدري
مكروه ولو عبادة . وقال ابن حامد : المذهب
أنه مباح (٢) .
(١) نذر اللجاج هو : أن يمنع الناذر نفسه من فعل أو يحثها
عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك ، ويقال فيه : يمين
اللجاج والغضب ، ويمين الغلق ، ونذر الغلق (روضة
الطالبين ٢٩٤/٣، ونهاية المحتاج ٢١٩/٨).
(٢) المقدمات الممهدات ٤٠٤/١-٤٠٥، ومواهب الجليل
والتاج والإكليل ٣١٩/٣-٣٢٠ ، وشرح الزرقاني على
مختصر خليل ٩٣/٣ -٩٤، ونهاية المحتاج ٢١٨/٨،
وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٠- ٤٩١، والمغني ٩/ ١ وكشاف
القناع ٦/ ٢٧٣ ، والإنصاف ١١/ ١١٧ .
- ١٣٩ -
نَذْر ٦ - ٧
واستدل أصحاب هذا الاتجاه بالسنة
والمعقول .
أما السنة النبوية فبما ورد عن ابن عمر رضي
الله عنهما أنه قال: ((نهى النبي ◌ُّر عن النذر ،
وقال : إنه لا یرد شیئاً ، وإنما يستخرج به من
البخيل)) (١).
ووجه الدلالة منه : نھی رسول الله ێ عن
النذر في الحديث ، وقد اختلف العلماء في معنى
النهي فيه فمنهم من حمله على حقيقته وهي
الحرمة ، قال القرطبي : الذي يظهر لي هو
التحريم في حق من يخاف عليه اعتقاد أن النذر
یوجب حصول غرض معجل ، أو أن الله يفعل
ذلك الغرض لأجل النذر فيكون الإقدام على
النذر - والحالة هذه - محرماً . وتكون الكراهة
في حق من لم يعتقد ذلك (٢) .
وأما المعقول فقالوا : إن النذر لو كان مستحباً
لفعله رسول الله و آله وأصحابه، إلا أنهم لم
یفعلوه ، وعدم فعلهم له دلیل علی کراهته (٣) .
(١) حديث: ((نهى رسول الله وَ له عن النذر ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١/ ٤٩٩ ط السلفية) ،
ومسلم (٣/ ١٢٦١ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري .
(٢) مواهب الجليل ٣١٩/٣ -٣٢٠، والمغني ٩/ ١،
وكشاف القناع ٦/ ٢٧٣ .
(٣) المغني ٩/ ١، وكشاف القناع ٦/ ٢٧٣ .
صيغة النذر :
٧ - اعتبر الفقهاء في صيغة النذر أن تكون
باللفظ ممن يتأتى منهم التعبیر به ، وأن یکون هذا
اللفظ مشعراً بالالتزام بالمنذور ، وذلك لأن
المعول عليه فى النذر هو اللفظ ، إذ هو السبب
الشرعي الناقل لذلك المندوب المنذور إلى
الوجوب بالنذر ، فلا يكفي في ذلك النية
وحدها بدونه .
ويقوم مقام اللفظ الكتابة المقرونة بنية النذر ،
أو بإشارة الأخرس المفهمة الدالة أو المشعرة
بالتزام كيفية العقود (١) .
ولا خلاف بين الفقهاء في أن من نذر فصرح
في صيغته اللفظية أو الكتابية بلفظ (النذر) أنه
ینعقد نذره بهذه الصيغة ، ويلزمه ما نذر .
وإنما الخلاف بينهم في صيغة النذر إذا خلت
من لفظ (النذر) كمن قال : لله عليّ كذا ، ولم
يقل نذراً ، وعما إذا كان ينعقد نذره بهذه الصيغة
ويلزمه ما نذر أم لا؟ على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن النذر ينعقد
ويلزم الناذر وإن لم يصرح في صيغته بلفظ
النذر ، إذا أتى بصيغة تفيد التزامه بذلك ، روي
(١) رد المحتار ٦٦/٣، ومواهب الجليل ٣١٧/٣، وبداية
المجتهد ١/ ٤٢٢، ونهاية المحتاج ٢١٩/٨، وروضة
الطالبين ٢٩٣/٣، وكشاف القناع ٦/ ٢٧٣ .
- ١٤٠ -