النص المفهرس
صفحات 81-100
نجاسة ١٠ - ١٢ الأول : الآدمي ، والثاني : ما يُؤكل لحمه ، والثالث : السنور وما دونها في الخلقة (١). طهارة الحيوان الميت ونجاسته : أ - ميتة ما ليس له نفس سائلة : ١١- ذهب عامة الفقهاء إلى أن ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض ونحوهما إذا وقع في ماء یسیر أو مائع ومات فإنه لا ینجس ما وقع فيه، لقوله يلي: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فیلغمسه ثم لینزعه ، فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء)) وفي رواية: (( وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء)) (٢) ، وقد يُفضي غمسه إلى موته فلو نجس لما أمر به . ومقابل المشهور عند الشافعية : أنه ینجس ما وقع فيه كسائر الميتات . وقال الشافعية : ومحل الخلاف إذا لم تنشأ فيه ، فإن نشأت فيه وماتت كدود الخل لم تنجسه جزماً (٣). (١) المغني مع الشرح الكبير ١/ ٤١، ٤٤. (٢) حديث: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فلیغمسه . .)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٥٩/٦ ط السلفية) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، والرواية الأخرى أخرجها أبو داود (٤/ ١٨٣ ط حمص) . (٣) مراقي الفلاح ص ٧، ١٠ ط الحلبي ، والاختيار شرح المختار ١٤/١، وفتح القدير ٥٧/١، والشرح الكبير الدسوقي ٤٨/١-٤٩، ومغني المحتاج ٢٣/١-٢٤، والمغني مع الشرح الكبير ٣٩/١-٤٠. ونص الحنابلة على أن ما ليس له نفس سائلة من الحيوان نوعان : ما يتولد من الطاهرات فهو طاهر حياً وميتاً ، وما يتولد من النجاسات كصراصر الحش ودوده فهو نجس حياً وميتاً ، لأنه متولد من النجاسة فكان نجساً كولد الكلب والخنزير . قال أحمد في رواية المروزي : صراصر الكنيف والبالوعة إذا وقع في الإناء أو الحب صُبَّ ، وصراصر البئر ليست بقذرة ولا تأكل العذرة(١) . ب - ميتة الحيوان البحري والبرمائي : ١٢ - ذهب الحنفية إلى أن ما كان مائي المولد من الحيوان فموته في الماء لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان، لقوله ◌َله: «هو الطهور ماؤه الحل میتته)) (٢) ، وهو يفيد عدم تنجسه بالموت ، وإذا لم يكن نجساً لا ينجس ما يجاوره . وكذا لو مات خارج الماء ثم وقع فيه . ولو مات في غير الماء کالخل واللبن روي عن محمد أنه لا يفسد وسواء فيه المنتفخ وغيره ، وعنه : أنه سوّى بين الضفدع البري والمائي . وقيل : إن كان للبري دم سائل أفسده وهو (١) المغني مع الشرح الكبير ٣٩/١، ٤٠. (٢) حديث: ((هو الطهور ماؤه ... )). سبق تخریجه ف ٥ . - ٨١ - نجاسة ١٢ - ١٣ ٠٠ الصحيح(١) . وعند المالكية دواب الماء طاهرة لقوله وَلايقدر : ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) ، فميتة الحيوان البحري طاهرة لهذا الحدیث وسواء مات حتف أنفه ووُجدَ طافياً ، أو بسبب شيء فعل به : من اصطياد مسلم أو مجوسي ، أو ألقي في النار ، أو دس في طين ومات بسبب ذلك ، أو وُجُدَ في بطن حوت أو طير ميتاً . ولا فرق بين أَن یکون مما لا تطول حیاته ببر كحوت ، أو تطول حياته كالضفدع البحري والسلحفاة البحرية . وعن عبدالحق : وأما ميتة الضفادع البرية فنجسة ، والمعول عليه من الأقوال في ميتة ما تطول حياته ببر من الحيوان والبحر كالتمساح الطهارة ، وعليه مالك وأكثر أصحابه من أهل المدن والأمصار إلا من شذ (٢). وقال الشافعية : ميتة حيوان البحر طاهرة وحلال أكلها، لقوله وَّ في البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) . (١) الاختيار شرح المختار ١/ ١٤ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦ ، وفتح القدير ١/ ٥٧ . (٢) أسھل المدارك شرح إرشاد السالك ٤٨/١ - ٤٩ ، دار الفكر ، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه / ٤٩ ١، ١١٥/٢، والشرح الصغير ٤٥/١، ١١٥/٢، وجواهر الإكليل ٢١٦،٨/١، وشرح الزرقاني ١/ ٢٢،٢١ . وقالوا : ما يعيش في الماء وفي البر كطير الماء مثل البط والأوز ونحوهما حلال ، إلا ميتتها لا تحل قطعاً ، والضفدع والسرطان محرمان على المشهور ، وذوات السموم حرام قطعاً ، ويحرم التمساح على الصحيح ، والسلحفاة على الأصح(١) . وذهب الحنابلة إلى أنه تباح ميتة السمك وسائر حيوان البحر الذي لا يعيش إلا في الماء فهو طاهر حياً وميتاً ، لولا ذلك لم يبح أكله ، فإن غَيّر الماء لم يمنع لأنه لا يمكن التحرز منه . وحيوان البحر الذي يعيش في البر كالضفدع والتمساح وشبههما ينجس بالموت ، فينجس الماء القليل إذا مات فيه ، والكثير إذا غيّره ، لأنها تنجس غير الماء فتنجس الماء كحيوان البر ، ولأنه حیوان له نفس سائلة لا تباح ميتته فأشبه طير الماء . ویفارق السمك فإنه مباح ولا ینجس غير الماء (٢) . ج - ميتة الحيوان البري : ١٣ - ذهب الفقهاء إلى أن ميتة الحيوان كلها نجسة إلا السمك والجراد، لقوله وَ الر: ((أحلت لنا ميتتان ودمان : فأما الميتتان فالحوت والجراد ، (١) المهذب ١/ ٢٥٧، وشرح المنهاج وحاشيتا عميرة والقليوبي عليه ٢٥٧/٤، وروضة الطالبين ٣/ ٢٧٥ ط المكتب الإسلامي . (٢) المغني لابن قدامة مع الشرح ١/ ٤٠ دار الكتاب العربي. - ٨٢ - نجاسة ١٣ - ١٤ وأما الدمان فالكبد والطحال)) (١). والتفصيل في مصطلح (ميتة) . د - ما انفصل من الحيوان : ١٤ - ذهب الفقهاء في الجملة إلى أن ما انفصل من الحيوان الحي فهو كميتته لقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة)) (٢). واختلفوا في أمور أخرى وذلك على التفصيل التالي : ذهب الحنفية إلى أن شعر الميتة غير الخنزير وعظمها وعصبها - علی المشهور - وحافرها وقرنها الخالية عن الدسومة ، وكذا كل ما لا تحله الحياة وهو ما لا يتألم الحيوان بقطعه كالريش والمنقار والظلف طاهر . واختلف في أذنيه ففي البدائع نجسة ، وفي (١) حديث: ((أحلت لنا ميتتان ودمان .. )). أخرجه أحمد (٢/ ٩٧ ط الميمنية) من حديث ابن عمر مرفوعاً ، وأخرجه البيهقي (٢٥٤/١) موقوفاً على ابن عمر . وقال ابن حجر في الفتح (٩/ ٦٢١) : أخرجه أحمد والدارقطني مرفوعاً ، وقال : إن الموقوف أصح ، ورجح البيهقي أيضاً الموقوف إلا أنه قال : إن له حكم الرفع . (٢) حديث: ((ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة)). أخرجه أبو داود (٢٧٧/٣ ط حمص) والترمذي (٤ / ٧٤ ط الحلبي) من حديث أبي واقد الليثي ، وقال الترمذي : حسن غريب . الخانية : لا ، وفي الأشباه : المنفصل من الحي کمیتته إلا في حق صاحبه فطاهر وإن کثر (١) . (ر : أطعمة ف ٧٤ وما بعدها) . وقال المالكية : أجزاء الميتة نجسة إلا الشعر وشبهها من الريش . وأما أجزاء الحيوان فإن قُطعت منه في حال حياته فهي نجسة إجماعاً إلا الشعر والصوف والوبر . وإن قُطعت بعد موته فإن قيل بطهارته فأجزاؤه كلها طاهرة ، وإن قيل بالنجاسة فلحمه نجس . وأما العظم وما في معناه كالقرن والسن والظلف فهي نجسة من الميتة ، وأما الصوف والوبر والشعر فهي طاهرةٌ من الميتة (٢). ويقول الشافعية : الجزء المنفصل من الحي كميتة ذلك الحي : إن كان طاهراً فطاهرا ، وإن كان نجساً فنجس لخبر: « ما قُطِعَ من البهيمة وهي حية فهي ميتة)) ، فالمنفصل من الآدمي أو السمك أو الجراد طاهر ، ومن غيرها نجس إلا (١) حاشية ابن عابدين ١٣٧/١ - ١٣٨ ط: الثالثة المطبعة الأميرية الكبرى ١٣٢٣ هـ ، والاختيار شرح المختار ١٥/١ مطبعة حجازي . (٢) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١/ ٥١، ٥٢ ، والشرح الصغير ٤٩/١- ٥١، وحاشية الدسوقي ١/ ٤٩ - ٥٤ . - ٨٣ - نجاسة ١٤ - ١٥ شعر المأكول أو صوفه أو ریشه أو وبره فطاهر بالإجماع ولو نتف منها . قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَنَّا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ (١) وهو محمول على ما إذا أخذ بعد التذكية أو في الحياة على ما هو المعهود (٢). وقالوا : دخل في نجاسة الميتة جميع أجزائها من عظم وشعر وصوف ووبر وغير ذلك لأن كلاً منها تحله الحياة(٣). وقال الحنابلة : عظم الميتة وقرنها وظفرها وعصبها وحافرها ، وأصول شعرها إذا نتف ، وأصول ريشها إذا نتف وهو رطب أو يابس نجس ، لأنه من جملة أجزاء الميتة أشبه سائرها ، ولأن أصول الشعر والريش جزء من اللحم لم يستكمل شعراً ولا ريشاً . وصوف ميتة طاهرة في الحياة كالغنم طاهر ، وشعرها ووبرها وريشها طاهر ولو كانت غير مأكولة كهرٌّ وما دونها فى الخلقة ، لقوله تعالى : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَّنًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ والآية سيقت للامتنان ، فالظاهر شمولها لحالتي الحياة والموت ، والريش مقيس على هذه الثلاثة . (١) سورة النحل / ٨٠ . (٢) الإقناع للشربيني الخطيب ١/ ٣٠. (٣) مغني المحتاج ٧٨/١. وما أبين من حي من قرن وإلية ونحوهما کحافر وجلد فهو كميتته طهارة أو نجاسة (١) ، لقوله وَير: (( ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة)) . ولمزيد من التفصيل ينظر في مصطلحات (شعر وصوف ووبر ف ١٧ وما بعدها ، وعظم ف٢ ، وأظفار ف ١٢) . هـ - جلد الحيوان : ١٥- جلد الحيوان إما أن يكون جلد ميتة ، أو جلد حیوان حي غیر مأکول اللحم . أما جلد الميتة فقد اتفق الفقهاء على نجاسته ، واختلفوا في طهارته بالدباغة . فذهب الحنفية والشافعية - وهو روايةٌ عن أحمد في جلد ميتة مأكول اللحم - إلى أن الدباغة تطهر جلود الميتة إلا جلد الخنزير عندهم لنجاسة عينه . وروي عن سحنون وابن عبدالحکم من المالكية قولهما بطهارة جلد جميع الحيوانات بالدباغة حتى الخنزير . واستثنى الشافعية أيضاً جلد الكلب ، كما استثنى محمد من الحنفية جلد الفيل . وذهب المالكية فى المشهور المعتمد عندهم (١) كشاف القناع ٥٦/١، ٥٧ . - ٨٤ - نجاسة ١٥ -١٦ والحنابلة في المذهب إلى عدم طهارة جلد الميتة بالدباغة . وأما جلد الحيوان الحي غير مأكول اللحم فذهب جمهور الفقهاء إلى أن التذكية لا تطهره . وذهب الحنفية إلى أن ما يطهر جلده عندهم بالدباغ يطهر بالذكاة الشرعية . وتفصيل ما سبق ينظر فى مصطلحات (جلد ف ٨، ١٠، ودباغة ف ٩ وما بعدها ، وطهارة ف ٢٣) . حكم ما يخرج من أبدان الناس والحيوانات : أ - الريق والمخاط والبلغم: ١٦ - ذهب الحنفية إلى طهارة البلغم ، فمن قاء بلغماً لا ينتقض وضوؤه وإن ملأ الفم لطهارته ، ((لأنه ◌َا ﴾ أخذ طرف ردائه فبزق فيه وردَّ بعضه على بعض)) (١)، ولهذا لا ينقض النازل من الرأس بالإجماع ، وهو للزوجته لاتتداخله النجاسة ، وأما ما يجاوره من النجاسة فهو قليل ، والقليل غير ناقض ، بخلاف الصفراء فإنها تمازجها . وقال أبو يوسف : إن کان من الجوف نقض (١) حديث (( أن النبي ټیټ أخذ طرف ردائه فبزق فيه ورد بعضه على بعض)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥١٣ ط السلفية) من حديث أنس رضي الله عنه . لأنه محل النجاسة فأشبه الصفراء (١) . وذهب المالكية إلی أن کل حيِّ بحریاً كان أو برياً ، كلباً أو خنزيراً أو آدمياً ، مسلماً كان أو کافراً ، لعاب ذلك کله - وهو ما سال من فمه في يقظة أو نوم - طاهرٌ ، ما لم يعلم أنه من المعدة بصفرته ونتونته ، فإنه نجس ، ولا یسمی حیئذ لعاباً ، ويعفى عنه إذا لازم وإلا فلا ، ومخاطه كذلك طاهر ، وهو ما سال من أنفه (٢) . والبلغم طاهر ، وهو المنعقد كالمخاط يخرج من الصدر أو يسقط من الرأس من آدمي أو غيره ، حيث يقولون بطهارة المعدة لعلة الحياة ، فما يخرج منها طاهر ، وعلة نجاسة القيء الاستحالة إلى فساد (٣). ويقول الشافعية : إن ما انفصل عن باطن الحيوان ، وليس له اجتماعٌ واستحالةٌ في الباطن ، وإنما يرشح رشحاً كاللعاب والدمع والعرق والمخاط ، فله حكم الحيوان المترشح منه ، إن كان نجساً فنجس ، وإلا فطاهر . ويقولون : إن البلغم الصاعد من المعدة (١) مراقي الفلاح ص ١٨ ط الحلبي، والاختيار شرح المختار ٩/١ ط الحلبي. (٢) حاشية الدسوقي ١/ ٥٠، وجواهر الإكليل ٨/١، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١/ ٦٤-٦٥ . (٣) حاشية الدسوقي ١/ ٥١ ، والشرح الصغير ٤٤/١، وجواهر الإكليل ١/ ٩ . - ٨٥ - نجاسة ١٦ - ١٧ نجس ، بخلاف النازل من الرأس أو من أقصى الحلق أو الصدر فإنه طاهر (١) . ويقول الحنابلة : إن ريقَ الآدمي ومخاطه ونخامته طاهر، ففي حديث أنس ((أن النبي وَّل رأي نخامةً في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه ، فقام فحکه بیده فقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو : إن ربه بینه وبین القبلة - فلا یبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدميه ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض فقال : أو يفعل هكذا)) (٢)، ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه وهو في الصلاة ولا تحت قدمه . ولا فرق في البلغم بين ما يخرج من الرأس وما يخرج من الصدر . وريق مأكول اللحم طاهر ، ومالا يؤكل لحمه ويمكن التحرز منه نوعان : أحدهما : الكلب والخنزير ، فهما نجسان بجميع أجزائهما وفضلاتهما وما ينفصل عنهما . الثاني : ما عداهما من سباع البهائم وجوارح (١) روضة الطالبين ١/ ١٦ ط المكتب الإسلامي، والإقناع للشربيني الخطيب ٣٢/١، وقليوبي مع المنهاج ٦٩/١ وحاشية الجمل ١٧٤/١ . (٢) حديث أنس: ((أن النبي ◌َّقه رأى نخامة في القبلة .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٠٧/١-٥٠٨ ط السلفية) . الطير والبغل والحماز ، فعن أحمد أنها نجسة بجميع أجزائها وفضلاتها إلا أنه يُعفی عن یسیر نجاستها ، وعنه ما يدل على طهارتها فحكمها حکم الآدمي(١) . ب - القيء والقَلْس : ١٧ - يقول الشافعية والحنابلة بنجاسة القيء ، لأنه طعامٌ استحال في الجوف إلى النتن والفساد فكان نجساً (٢)، لقول النبي ◌َّ- لعمار رضي الله عنه : ((إنما يغسل الثوب من خمس ... وعدّ منها القيء)) (٣) . وهو عند الحنفية نجسٌ إذا كان ملء الفم أما ما دونه فطاهر على ما هو المختار من قول أبي یوسف (٤) . وقال المالكية : إن النجس منه هو المتغير عن حال الطعام ، فإن كان تغيره لصفراء أو بلغم ولم (١) المغني لابن قدامة مع الشرح ١/ ٧٣٣ - ٧٣٤. (٢) المهذب ١/ ٥٣ - ٥٤، ومنهاج الطالبين مع شرح المحلي ١/ ٧٠، والإقناع للشربيني الخطيب ١/ ٣١، ومنار السبيل في شرح الدليل ١/ ٥٣ ، والمغني لابن قدامة مع الشرح ١/ ١٧٥، ١٧٦ . (٣) حديث: ((إنما يغسل الثوب من خمس .. )). أخرجه الدار قطني (١/ ١٢٧ ط الفنية المتحدة) من حديث عمار بن ياسر ، ثم ذكر الدارقطني أن في إسناده راویین ضعیفین . (٤) فتح القدير ١/ ١٤١، ومراقي الفلاح ص١٦، ١٨، ٣٠ ط الحلبي ، والاختيار شرح المختار ١/ ٨، ٩ ط حجازي. - ٨٦ - نجاسة ١٧ــ١٩ يتغير عن حالة الطعام فطاهر (١) . فإذا تغير بحموضة أو نحوها فهو نجسٌ كما هو ظاهر المدونة (٢) . ١٨ - أما القَلْس - بفتح القاف وسكون اللام - فهو كما قال المالكية : ماء تقذفه المعدة أو يقذفه ريحٌ من فمها ، وقد يكون معه طعام (٣) . وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن القلس نجس ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله وقال : «من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلینصرف فليتوضأ ، ثم لیبن علی صلاته ، وهو في ذلك لا يتكلم)) (٤) . وقالوا : إن خروج النجاسة هو الذي يؤثر في زوال الطهارة (٥) . (١) حاشية الدسوقي ١/ ٥١ ، وجواهر الإكليل ١/ ٩، ومواهب الجليل ١/ ٩٤ ، والخرشي على مختصر خليل ٨٦/١، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك ٦٣/١ ط دار الفكر . (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٥١ . (٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٥١، والخرشي على مختصر خليل ١/ ٨٦ . (٤) حديث عائشة رضي الله عنها: (( من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي ، فليتوضأ . .» أخرجه ابن ماجة (٣٨٥/١ - ٣٨٦ ط عيسى الحلبي) وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٢٢٣ ط دار الجنان) . (٥) فتح القدير ٢٧،٢٦/١ ، والمغني لابن قدامة مع الشرح ١٧٦/١، ٧٣٤ . وقال المالكية : إن القلس طاهر كالقيء ما لم يتغير عن حالة الطعام ، فإن تغير كان نجساً (١). ج - الجرة من الحيوان المجتر: ١٩ - الجرَّة بالكسر: عرفها الحنفية بأنها : ما يصدر من جوف البعير أو البقر أو الغنم إلى فيه (٢). وعرفها الشافعية بأنها ما يخرجه البعير أو غيره من جوفه للاجترار (٣) . وقد ذهب الحنفية ماعدا زفر والشافعية إلى أنها نجسة کروثه ، لأنه واراه جوفه ، کالماء إذا وصل إلى جوفه فحكمه حكم بوله ، فكذا الجرة يكون حكمها حكم الروث ، ولا يجتر من الحيوان إلا ماله كرش . وأما المالكية فلا يتأتى ذلك عندهم لأن معدة مباح الأكل طاهرة عندهم لعلة الحياة وما يخرج منها من مرارة وصفراء (٤) . (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٥١ ، ومواهب الجليل ١/ ٩٤ ، والخرشي على مختصر خليل ٨٦/١ . (٢) مراقي الفلاح ٣٠، والاختيار شرح المختار ١/ ٣١ ط مصطفى الحلبي . (٣) الإقناع للشربيني الخطيب ١/ ٣١. (٤) حاشية ابن عابدين ٢٣٣/١، والقليوبي على المنهاج ٧٢/١، والاختيار لتعليل المختار ١/ ٣١، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١/ ٢٠٢ ، ومواهب الجليل ١/ ٩٤ ، ٩٥ ط دار الفكر، والمغني ٨٨/٢ ط مكتبة الرياض، ومغني المحتاج ١/ ٧٩ . - ٨٧ - نجاسة ٢٠ - ٢٣ د - عرق الحيوان : ٢٠ - اختلف الفقهاء في حكم طهارة عرق الحيوان أو نجاسته . فذهبوا إلى طهارة عرق ما يؤكل لحمه من الحيوان ، واختلفوا فيما عدا ذلك . والتفصيل في مصطلح (عرق ف ٤ وما بعدها) . هـ - اللبن : ٢١ - اللبن إما أن يكون من آدمي أو حيوان ، فإن کان من آدمي حي فهو طاهر باتفاق . وإن کان من حیوان حي مأکول اللحم فھو طاهر بلا خلاف . واختلف الفقهاء فيما عدا ذلك تبعاً لاختلافهم في حل أكل الحيوان ، فما حل أكله كان لبنه طاهراً . والتفصيل في مصطلح (لبن ف ٢ وما بعدها) . و - الإنفحة : ٢٢ - الإنفحة : مادة بيضاء صفراوية في وعاء جلدي يستخرج من بطن الجدي أو الحمل الرضيع يوضع منها قليل في اللبن الحليب فينعقد ويتكاثف ويصير جبناً ، وجلدة الإنفحة هي التي تسمى كرشاً إذا رعى الحيوان العشب (١) . والإنفحة إن أخذت من مذکی ذكاة شرعية فهي طاهرة مأكولة بالإتفاق ، وقيد الشافعية ذلك بألا يطعم المذكى غير اللبن . وإن أخذت من میت ، أو من مذکی ذکاة غیر شرعية فهي نجسة غير مأکولة عند الجمهور ، وطاهرة مأكولة عند أبي حنيفة ، سواء أكانت صلبة أم مائعة قياساً على اللبن . وقال الصاحبان : إن كانت صلبة يغسل ظاهرها وتؤكل ، وإن كانت مائعة فهي نجسة لنجاسة وعائها بالموت فلا تؤكل (٢) . وللتفصيل (ر: أطعمة ف ٨٥) . ز-الدم والقيح والصديد : ٢٣ - ذهب الفقهاء إلى نجاسة الدم ، لحديث أسماء رضي الله عنها قالت : جاءت امرأة إلى النبي ◌َ ﴿ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب کیف تصنع؟ قال : « تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه)) (٣)، وقوله وَلّ لعمار بن (١) المصباح المنير والقاموس المحيط. (٢) البدائع ٤٣/٥، والخرشي على خليل ١/ ٨٥ ، ونهاية المحتاج ٢٢٧/١، والمغني مع الشرح الكبير ٨٩/١١. (٣) حديث أسماء رضي الله عنها: (( تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه ، وتصلي فيه » . أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٣٣٠ ط السلفية) ومسلم (١/ ٢٤٠ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري . - ٨٨ - نجاسة ٢٣ یاسر رضي الله عنهما : « إنما یغسل الثوب من المني والبول والدم)) (١) وكذلك القيح والصديد لأنهما مثله . واستثنى الفقهاء دم الشهيد عليه فقالوا بطهارته مادام عليه ، لقوله قلي لقتلى أحد: «زملوهم بدمائهم فإنه ليس کلم یکلم في الله إلا یأتي يوم القيامة یدمی ، لونه لون الدم وریحه ريح المسك)) (٢) . فإن انفصل الدم عن الشهيد کان الدم نجساً . وذهب الحنفية إلى أنه یعفی عن دم الإنسان الذي لا يسيل عن رأس جرحه ، ويعفى أيضاً عن دم البق والبراغيث لأنه لا یمکن الاحتراز عنه وفيه حرج (٣) . وذهب المالكية إلى أنه یعفی عما دون الدرهم من الدم المسفوح إذا انفصل عن الحيوان (٤) . وذهب الشافعية إلى أنه يُعفى عن اليسير في (١) حديث : ((إنما يغسل الثوب من المني والبول ... )) سبق تخريجه ف ١٧ . (٢) حديث: ((زملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم .. )) أخرجه النسائي (٧٨/٤ ط التجارية الكبرى) وأحمد (٥/ ٤٣١ ط اليمنية) من حديث عبدالله بن ثعلبة ، واللفظ للنسائي ، وقال السيوطي : صحيح (فيض القدير ٤ / ٦٥ ط التجارية الكبرى) . (٣) الاختيار شرح المختار ٨/١، ٣٠، ٣١، ومراقي الفلاح ١٧، ٣٠ ط الحلبي . (٤) حاشية الدسوقي ١/ ٥٧ ، والخرشي على مختصر خليل ١/ ٨٧ . العرف من الدم والقيح ، سواء كان من نفسه كأن انفصل منه ثم عاد إليه أو كان من غيره ، إلا دم الکلب والخنزير وفرع أحدهما فلا يُعفى عن شيء منه لغلظ نجاسته ، وأما دم الشخص نفسه الذي لم ينفصل منه كدم الدماميل والقروح وموضع الفصد فیعفی عن قلیله و كثيره ، انتشر بعرق أم لا . ويعفى عن دم البراغيث والقمل ونحو ذلك مما تعم به البلوى ويشق الاحتراز عنه ، ومحل العفو عن سائر الدماء ما لم يختلط بأجنبيٌّ ، فإن اختلطت به کأن خرج من عينه دم أو دميت لثته لم يعف عن شيء منه . وأما ما لا يدركه البصر من النجاسات فيعفی عنه ولو من النجاسة المغلظة لمشقة الاحتراز عنه (١) . وذهب الحنابلة إلى أنه يُعفی عن یسیر دم وما تولد منه من قیح وصدید في غیر مائع ومطعوم ، أي أنه يعفى عنه في الصلاة ، لأن الإنسان غالباً لا يسلم منه ويشق التحرز منه ، وقَدْر اليسير المعفو عنه هو ما لا یفحش في النفس ، والمعفو عنه من القيح ونحوه أكثرمما يعفى عن مثله من الدم ، والمعفو عنه هو ما كان من آدمي أو حيوان طاهر خارجاً من غير سبيل ، فإن كان من سبيل لم (١) الإقناع للشربيني الخطيب ١/ ٨٢، ٨٣. - ٨٩ - نجاسة ٢٣ _ ٢٥ یعف عنه ، ولا يُعفی عن الدم الخارج من حيوان نجس کالکلی والخنزير ، ویضم متفرق في ثوب من دم ونحوه ، فإن فحش لم یعف عنه ، ويعفى عن دم بق وقمل ونحو ذلك من کل ما لا نفس له سائلة (١). (ر: عفوف ٧ وما بعدها ، معفوات ف ٣ وما بعدها) . ح - دم الحيض والاستحاضة والنفاس : ٢٤ - اتفق الفقهاء على نجاسة دم الحيض والنفاس والاستحاضة (٢) ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «جاءت فاطمة بنت أبي حبیش إلى النبي ◌َ﴿ فقالت: يا رسول الله إني إمراةٌ أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله وَله: لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي)) (٣) . وللتفصيل في أثر الحيض والنفاس والاستحاضة في منع العبادات تنظر (١) كشاف القناع ١/ ١٩٠، ١٩١. (٢) الاختيار شرح المختار ١/ ٣١ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦ ، ومراقي الفلاح ٣٠ ، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١٠٤/١، والمهذب ٥٣/١، والمغني لابن قدامة مع الشرح ١/ ٧٣١ . (٣) حديث عائشة: ((إنما ذلك عرق وليس بحيض .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٣٣١ ط السلفية) ومسلم (١/ ٢٦٢ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري . مصطلحات : ( استحاضة ف ٢٥ وما بعدها ، حيض ف ٣٣ وما بعدها ، نفاس) . ط - المسك والزباد والعنبر : ٢۵- ذهب الحنفیة إلی أن المسك طاهر حلال ، فيؤكل بكل حال ، وكذا نافجته طاهرة مطلقاً على الأصح من غير فرق بين رطبها ويابسها ، وبين ما انفصل من المذبوحة وغيرها ، وبين کونها بحال لو أصابها الماء فسدت أو لا . وكذا الزباد طاهر لاستحالته إلى الطيبية . وكذا العنبر كما في الدر المنتقى ، قال في خزانة الروايات ناقلاً عن جواهر الفتاوى : الزباد طاهر ، وفي المنهاجية من مختصر المسائل : المسك طاهر لأنه وإن كان دماً لكنه تغير ، وكذا الزباد طاهر ، وكذا العنبر (١). وذهب الشافعية إلى أن المسك - كما قال النووي - طاهر ، وفي فأرته المنفصلة في حياة الظبية وجهان : الأصح الطهارة كالجنين ، فإن انفصلت بعد موتها فنجسة على الصحيح كاللبن ، وطاهرة في وجه كالبيض المتصلب . والزباد طاهر لأنه لبن سنور بحري أو عرق (١) الأشباه والنظائر ٧٦ ، والفتاوى الخانية على هامش الفتاوى الهندية ٢٤/١ ، وحاشية ابن عابدين ١٣٩/١- ١٤٠، ومراقي الفلاح ص٣٣، وفتح القدير ١/ ١٤١، ١٤٧ . - ٩٠ - نجاسة ٢٥ -٢٦ سنور بري ، وهو الأصح ، ويُعفى عن قليل شعر فيه عرفاً في مأخوذ جامد ، وفي مأخوذ منه مائع . والعنبر طاهر لأنه نباتٌ بحريٌ على الأصح ، نعم ما يبتلعه منه حيوان البحر ثم يلقيه نجس لأنه من القيء ويعرف بسواده (١) . ويقول المالكية : إنه لا خلاف في طهارة المسك وحل أكله ، وهو الدم المنعقد يوجد عند بعض الحيوان كالغزال واستحال إلى صلاح ، وكذا فأرته وهي وعاؤه الذي يكون فيه من الحيوان المخصوص ، لأنه عليه الصلاة والسلام تَطَيِّب بذلك (٢) ولو كان نجساً ما تطيب به (٣) . وقال الحنابلة : المسك وفارته طاهران وهو سرة الغزال ، وكذا الزباد طاهر لأنه عرق سنور بري ، وفي الإقناع نجس ، لأنه عرق حيوان أکبر من الهر ، والعنبر طاهر (٤) . (١) القليوبي على المنهاج ١/ ٧٢، وروضة الطالبين ١/ ١٧، والإقناع للشربيني ٢٦/١، ونهاية المحتاج ٢٢٤/١. (٢) حديث أن الرسول وَ لا تطيب بالمسك. أخرجه مسلم (٢/ ٨٤٩ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها (٣) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١/ ٦٥، ٦٦ ، وحاشية الدسوقي ٥٢/١ ، وجواهر الإكليل ١/ ٩، وحاشية الزرقاني ١/ ٢٧ . (٤) شرح منتهى الإرادات ١٠٣/١، ١٠٤، ومطالب أولي النهى ٢٣٧/١-٢٣٨، ٣٠٨/٦. ي - البول والعذرة : ٢٦ - اتفق الفقهاء على نجاسة بول وعذرة الآدمي وبول وروث ما لا يؤكل لحمه ، لما ورد أنه ((جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد ، فزجره الناس ، فنهاهم النبي ◌ُّر ، فلما قضى بوله أمر النبي ◌َ لّ بذنوب من ماء فأهريق عليه)) (١) وقوله وَ له: ((استنزهوا من البول)) (٢) ولقوله وَليه لعمار ابن ياسر: «إنما يغسل الثوب من خمس من الغائط والبول والقيء والدم والمني)) (٣). واختلفوا في نجاسة بول وروث الحيوان مأكول اللحم ، وكذا خرء الطير . فذهب المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن وزفر من الحنفية إلى طهارتهما في حياة الحيوان أو بعد ذكاته لحديث العرنيين فإن الرسول وله أمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها (٤) ، ولو كان (١) حديث: ((جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٣٢٤ ط السلفية) ، ومسلم (٢٣٦/١ ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك ، واللفظ للبخاري . (٢) حديث: ((استنزهوا من البول)). أخرجه الدار قطني في سننه (١٢٨/١ ط الفنية المتحدة) من حديث أبي هريرة وقال : الصواب مرسل ، ثم ذكره من حديث ابن عباس بلفظ مقارب ، وقال بعدها : لا بأس به . (٣) حديث: ((إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط والبول .. )) (٤) حديث أمر الرسول وي ليه العرنيين بشرب أبوال الإبل = تقدم تخريجه ( ف ١٧ ) . - ٩١ - . نجاسة ٢٦ -٢٧ نجساً لما أمرهم بذلك، ولصلاته وآله في مرابض الغنم(١) ، ولأنه لو كان بول وروث الحيوان مأكول اللحم نجساً لتنجست الحبوب التي تدوسها البقر فإنها لا تسلم من أبوالها . وذهب أبو حنيفة و أبو یوسف إلى أن بول مايؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة ، أما روژه فهو عند أبي حنيفة نجسٌ نجاسة غليظة ، وعند أبي يوسف نجاسته خفيفة . والفرق بين النجاسة الخفيفة والغليظة عند الحنفية هو باعتبار كثرة المعفو عنه من الخفيفة وقلة المعفو عنه من الغليظة ، لا في كيفية التطهير ، لأنه لا يختلف بالغلظ والخفة . وأما خرء مالايؤكل لحمه من الطيور فهو نجس نجاسة مخففة عند الحنفية ، وخرء مایؤکل لحمه من الطيور طاهر إلا الدجاج والبط الأهلي والأوز فنجاسة خرئها غليظة لنتنه . وذهب الشافعية إلى أن بول الحيوان المأكول اللحم نجس و کذلك روثه ، و کذا ذرق الطیر ، لما ورد «أنه ټټ لما جيء له بحجرين وروثة ليستنجي أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٣٣٥ ط السلفية)، = ومسلم (١٢٩٦/٣ ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه . (١) حدیث صلاته يثير في مرابض الغنم أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٢٤ ط السلفية) ومسلم (٣٧٣/١ ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه . بها أخذ الحجرين وردّ الروثة وقال : هذا ركس)) (١)، والركس النجس . وأما أمره و ◌ّ العرنيين بشرب أبوال الإبل فکان للتداوي ، والتداوي بالنجس جائز عند فقد الطاهر إلا خالص الخمر ، ولأن أبوال مأكول اللحم وأروائها مما استحال بالباطن ، و کل ما استحال بالباطن نجس(٢) . انظر مصطلح (ذرق ف ٣ - ٥، روث ف ٢ -٣) . ك - المني والمذي والودي : ٢٧ - ذهب الفقهاء إلى نجاسة المذي ، للأمر بغسل الذكر منه والوضوء في حديث علي رضي الله عنه قال : «کنت رجلاً مذاءً ، وكنت أستحيي أن أسأل النبي وَلآل لمكان ابنته ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله ، فقال : يغسل ذكره (١) حديث: ((هذاركس)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٢٥٦ ط السلفية) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه . (٢) بدائع الصنائع ١/ ٨٠، ٨١ ، والفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ١/ ١٩، والفتاوي الهندية ٤٦/١ - ٤٨ ، والاختيار شرح المختار ١/ ٣٠-٣٣ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، ومراقي الفلاح ص ٣٠ ، وجواهر الإكليل ٩/١ ، وحاشية الدسوقي ١/ ٥١ ، والشرح الصغير ٤٧/١ ، وحاشية الجمل على المنهج ١٧٤/١ ، والمجموع ٢/ ٥٥٠، والمغني ١/ ٧٣١-٨٣٢، ومطالب أولي النهى ٢٣٤/١، ومغني المحتاج ٧٩/١. - ٩٢ - نجاسة ٢٧ _٢٩ ویتوضا»(١) ، ولأنه خارج من سبیل الحدث لا یخلق منه طاهر فهو کالبول . وذهب الفقهاء إلى نجاسة الودي كذلك . واختلفوا في نجاسة المني أو طهارته : فذهب الحنفية والمالكية إلى نجاسته ، وذهب الشافعية والحنابلة إلى طهارته . والتفصيل في مصطلح (مذي ف ٤ ، ومني ف٥ ، وودي) . ل ـ رطوبة الفرج : ٢٨ - ذهب أبو حنيفة إلى طهارة رطوبة فرج المرأة الداخلي کسائر رطوبات البدن ، وذهب أبو یوسف ومحمد إلی نجاسته . أما رطوبة الفرج الخارجي فطاهرة اتفاقاً . وإذا كانت النجاسة في محلها فلا عبرة بها باتفاق (٢) . وذهب المالكية إلى أن رطوبة الفرج من غير مباح الأكل نجسة ، أما من مباح الأكل فطاهرة مالم يتغذ بنجس ، ورطوبة فرج الآدمي نجسة على الراجح خلافاً لمن قال بطهارته (٣) . (١) حديث : ((يغسل ذكره ويتوضأ)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٣٧٩ ط السلفية) ومسلم (٢٤٧/١ ط عيسى الحلبي)، واللفظ لمسلم . (٢) حاشية ابن عابدين ١/ ١١٢، ٢٠٨، ٢٣٣. (٣) حاشية الدسوقي ٥٧/١، وجواهر الإكليل ٩/١، ومواهب الجليل ١٠٥/١ . وذهب الشافعية إلى أن رطوبة الفرج من الآدمي أو من حيوان طاهر ولو غير مأكول لیست بنجس في الأصحّ بل طاهرة لأنها كعرقه ، ومقابل الأصح أنها نجسة ، لأنها متولدة من محل النجاسة ينجس بها ذكر المجامع (١) . وذهب الحنابلة في الصحيح من المذهب إلى أن رطوبة فرج المرأة طاهرة للحكم بطهارة منيها ، فلو حكمنا بنجاسة رطوبة فرجها لزم الحكم بنجاسة منيها . وقالوا في الرواية الثانية - اختارها أبو اسحاق ابن شاقلا وجزم به في الإفادات - إن رطوبة الفرج نجسة ، وقال القاضي : ما أصاب منه في حال الجماع نجس لأنه لا يسلم من المذي (٢) . حكم الخمر : ٢٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر نجسة كالبول والدم ، لثبوت حرمتها وتسميتها رجساً بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخُمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَآلْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ﴾(٣)، والرجس في اللغة : الشيء القذر أو النتن . (١) مغني المحتاج ١/ ٨١، ونهاية المحتاج ٢٢٨/١ - ٢٢٩، وتحفة المحتاج ٣١٥/١ - ٣١٦ . (٢) كشاف القناع ١/ ١٩٥، ومطالب أولي النهى ١/ ٢٣٧، والإنصاف ١/ ٣٤١ . (٣) سورة المائدة / ٩٠ . - ٩٣ - نجاسة ٢٩ -٣١ وذهب بعض الفقهاء منهم ربيعة شيخ مالك والصنعاني والشوكاني إلى طهارتها تمسكاً بالأصل ، وحملوا الرجس في الآية على القذارة الحكمية . والتفصیل في مصطلح (أشربة ف ٣٠-٣٢ وما بعدها ، وتخليل ف ١٣-١٤) . ما تلاقيه النجاسة : أ- تلاقي الجافّين أو الطاهر الجاف بالنجس المائع أو المبتل وعكسه : ٣٠ - قال الحنفية : لو ابتل فراش أو تراب نجسان من عرق نائم أو بلل قدم وظهر أثر النجاسة في البدن والقدم تنجساً وإلا فلا ، كما لا پنجس ثوب جاف طاهر لف في ثوب نجس رطب لا ينعصر الرطب لو عصر ، ولا ينجس ثوب رطب بنشره على أرض نجسة يابسة فتندت منه ولم یظهر أثرها فیه ، ولا بریح هبت على نجاسة فأصابت الثوب إلا أن يظهر أثرها فيه أي الثوب ، وقيل : ينجس إن كان مبلولا لاتصالها به . ولو خرج منه ريح ومقعدته مبلولة فالصحيح طهارة الريح الخارجة فلا تنجس الثياب المبتلة (١) . (١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٨٥ ، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٣١، ٢٢١ - ٢٢٣، ٤٦٨/٥، والفتاوى الهندية ١/ ٤١، ٤٥ . وقال المالكية : لو زال عين النجاسة عن المحل بغير الماء المطلق من مضاف وبقي بلله ، فلاقی جافاً ، أو جف ولاقى مبلولاً لم يتنجس ملاقي محلها على المذهب ،إذ لم يبق إلا الحكم وهو لا ينتقل ، ومقابل المذهب أن المضاف قد یتنجس بمجرد الملاقاة فالباقي نجس ، ومقتضى ذلك : أنه إذا لاقى المحل المبلول جافاً ، أو لاقى المحل الجاف شيءٌ مبلولٌ أنه يتنجس بمجرد الملاقاة (١) . وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأعيان الطاهرة إذا لاقاها شيءٌ نجسٌ وأحدهما رطبٌ والآخر يابسٌ فينجس الطاهر بملاقاتها (٢). ب - وقوع النجاسة في مائع أو جامد : ٣١- إذا وقعت نجاسة في سمن ونحوه من المائعات الطاهرة ، فإن كان جامداً فقد ذهب الفقهاء إلى أنها تلقى وما حولها وينتفع بالباقي ، لما روت ميمونة رضي الله عنها أن رسول الله وَ لّ سُئل عن فأرة سقطت في سمن فقال : ((ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم)) (٣). (١) حاشية الدسوقي ١/ ٨٠ ، وجواهر الإكليل ١٣/١ ، ومواهب الجليل ١/ ١٦٥، وشرح الزرقاني ١/ ٥٠ . (٢) المهذب ١/ ٥٥، وكشاف القناع ١٨٤/١، ١٨٨ ، ومغني المحتاج ٨٣/١. (٣) حديث ميمونة: ((ألقوها ، وما حولها فاطرحوه ، وكلوا سمنكم)) . أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٣٤٣ ط السلفية) . - ٩٤ - نجاسة ٣١ - ٣٥ أما إذا كان السمن ونحوه مائعاً ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك . فذهب المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب إلى أنه ينجس ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَ لّ سُئل عن الفأرة تموت في السمن فقال: ((إن كان جامداً فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعاً فلا تقربوه)) (١). وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى أن المائع کالماء لا ينجس إلا بما ينجس به الماء . ٣٢ - واختلف الفقهاء كذلك في إمكان تطهير المائع من النجاسة . فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يمكن تطهير المائع من النجاسة . لحديث أبي هريرة السابق . والفتوى عند الحنفية على أنه يمكن تطهير المائع من النجاسة (٢). (١) حديث: ((إن كان جامداً فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعاً فلا تقربوه)) . أخرجه أبو داود (٤/ ١٨١ ط حمص) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وقال الترمذي في الجامع (٤ / ٢٥٧ ط الحلبي) : حديث غير محفوظ ، ثم نقل عن البخاري أنه خطأ هذه الرواية . (٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٢٢٢، وفتح القدير ١٤٧/١، ومواهب الجليل ١٠٨/١، وشرح الزرقاني ٣٢/١، وجواهر الإكليل ١/ ٩، ١٠، والشرح الصغير ٥٦/١ ، ٥٧، وحاشية الدسوقي ١/ ٥٨-٥٩ والمنهاج وقليوبي عليه ٧٦/١، والمهذب ١/ ٥٧ ، والمغني لابن قدامة ٣٦/١، وكشاف القناع ١٨٨/١، والإنصاف ١/ ٦٧. والتفصيل في مصطلح (مائع ف ٣-٤ ، وطهارة ف ١٥) . ج - المياه التي تلاقي النجاسة : ٣٣ - اتفق الفقهاء على أن الماء إذا خالطته نجاسة وغَّرت أحد أوصافه كان نجساً ، سواء أكان الماء قليلاً أم كثيراً . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء لوناً أو طعماً أو رائحةً أنه نجس مادام كذلك . واختلفوا فى الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أو صافه على أقوال . والتفصيل في مصطلح (مياه ف ١٧ - ٢٣) . د - الماء المنفصل عن محل التطهير : ٣٤ - اختلف الفقهاء في الماء الذي أزيل به حدث أو خبث من حیث بقاؤه على طهوریته أو فقده الطهورية ، ومن حيث نجاسته أو عدم نجاسته . والتفصيل في مصطلح (مياه ف ٩ - ١٢) . هـ - تنجس الآبار : ٣٥ - قال الحنفية: إن البئر الصغيرة - وهي ما دون عشرة أذرع في عشرة - ينجس ماؤها بوقوع نجاسة فيها ، وإن قلت النجاسة من غير - ٩٥ - نجاسة ٣٥ الأرواث كقطرة دم أو خمر ، ولكي تطهر ينزح ماؤها كما تُنزح بوقوع خنزير فيها ولو خرج حياً ولم يصب فمه الماء لنجاسة عينه . وتُنزح بموت کلب فیھا ، فإذا لم يمت وخرج حیاً ولم يصل فمه الماء لا ینجس ، لأنه غیر نجس العين على الصحيح . كما تُنزح أيضاً بموت شاة أو موت آدمي فيها ، لنزح ماء زمزم بموت زنجي وأمر ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم به بمحضر من الصحابة من غير نكير . وتُنزح بانتفاخ حيوان ولو كان صغيراً لانتشار النجاسة ، فلو لم يمكن نّزحها نُزح منها وجوباً مئتا دلو وسط ، وهو المستعمل كثيراً في تلك البئر ، وقَدّر محمد رحمه الله الواجب بمائتي دلو لو لم يمكن نزحها ، وأفتى به لما شاهد آبار بغداد كثيرة المياه لمجاورة دجلة . وإن مات في البئر دجاجةٌ أو هرةٌ أو نحوهما في الجثة ولم ينتفخ لزم نزح أربعين دلواً بعد إخراج الواقع منها ، روي التقدير بالأربعين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الدجاجة ، وما قاربها يعطى حكمها ، وتُستحب الزيادة إلى خمسين أو ستين لما رُويَ عن عطاء والشعبي . وإن مات فيها فأرة أو نحوها کعصفور ولم ينتفخ لزم نزح عشرين دلواً بعد إخراجه ، لقول أنس رضي الله عنه في فأرة ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها : ينزح عشرون دلواً، وتُستحب الزيادة إلى ثلاثين لاحتمال زيادة الدلو المذكور في الأثر على ما قدر به من الوسط ، وكان ذلك المنزوح طهارة للبئر والدلو والرشا والبكرة ويد المستسقى ، روى ذلك عن أبي يوسف والحسن ، لأن نجاسة هذه الأشياء كانت بنجاسة الماء ، فتكون طهارتها بطهارته نفياً للحرج ، كطهارة دَنِّ الخمر بتخللها، وطهارة عروة الأبريق بطهارة اليد إذا أخذها كلما غسل يده . ولا تنجس البئر بالبعر وهو للإبل والغنم ، والروث للفرس والبغل والحمار ، والخثى للبقر ، ولا فرق بين آبار الأمصار والفلوات في الصحيح ، ولا فرق بين الرطب واليابس ، والصحيح والمنكسر في ظاهر الرواية لشمول الضرورة ، فلا تنجس إلا أن یکون کثیراً ، وهو ما يستكثره الناظر أو أن لا يخلو دلوّ عن بعرة ونحوها كما صححه في المبسوط ، والقليل ما يستقله وعليه الاعتماد . ولا ینجس الماء بخرء حمام وعصفور ، ولا بموت ما لا دم له فيه كسمك وضفدع ، ولا بوقوع آدمي ومايُؤكل لحمه إذا خرج حيّاً ولم يكن على بدنه نجاسة متيقنة ، ولا بوقوع بغل - ٩٦ - نجاسة ٣٥ - ٣٦ وحمار وسباع طير ووحش في الصحيح ، وإن وصل لَعابُ الواقع إلى الماء أخذ حكمه ، ووجود حیوان ميت فيها ینجسها من يوم وليله ومنتفخ من ثلاثة أيام ولياليها إن لم يعلم وقت وقوعه (١) . : ٣٦ - وقال المالكية : إذا مات بريٌّ ذو نفس سائلة في بئر فإن تغيَّر الماء طعماً أو لوناً أو ريحاً وجب نزحه حتی یزول التغیر ویعود کھیئته أولاً طاهراً مطهراً ، فإن زال بنفسه فالظاهر عوده إلى أصله ، فيصير طهوراً خلافاً لابن القاسم ، وقال البناني : الأرجح أنہ یطھر ، وهو قول ابن وهب عن مالك واعتمد عليه خليل والأجهوري ، وقال عبدالباقي : لا یطهر ، ورجح ابن رشد قول ابن وهب . وإن لم يتغير نُدبَ النزحُ بقدر الماء قلةً وكثرةً ، والحيوان صغراً وكبراً ، وأما إن وقع حياً أو طرح ميتاً وأخرج فلا نَزْحَ ولا كراهة . وفي المدونة : إن مات بريٌّ ذو نفس سائلة بماء لا مادة له كالجب لا يشرب منها ولا يتوضأ ، ويُنزح الماء كله ، بخلاف ماله مادة . (١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٢١، ٢٢ ، والاختيار شرح المختار ١/ ١٦-١٧ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦ ، وفتح القدیر ١/ ٦٨ -٧٤ ، وحاشية ابن عابدين ١/ ١٤١-١٤٨ . وفي العتبية قال مالكٌ في ثياب أصابها ماء بئر وقعت فيه فأرة فماتت وتسلخت : يغسل الثوب وتعاد الصلاة فى الوقت . وقال الدردير على أقرب المسالك : وإذا مات الحيوان البري في الماء القليل أو الكثير له مادة أو لا کالصهاریج - و کان له نفسٌ سائلةٌ آي دم يجري منه إذا جرح - فإنه یندب النزح منه بقدر الحيوان من كبر أو صغر ، وبقدر الماء من قلة وكثرة ، إلى ظن زوال الفضلات التي خرجت من فيه حال خروج روحه في الماء . وينقص النازح الدلو لئلا تطفو الدهنية فتعود للماء ثانياً ، والمدار على ظنِّ زوال الفضلات . فلو أخرج الحيوان من الماء قبل موته ، أو وقع فیه ميتاً ، أو كان جارياً أو مستبحراً كغدير عظيم جداً ، أو كان الحيوان بحرياً كحوت ، أو برياً لیس له نفس سائلة کعقرب وذباب ، لم یندب النزح ، فلا يكره استعماله كما لا يكره بعد النزح . هذا ما لم يتغير الماء بالحيوان المذكور ، فإن تغير لوناً أو طعماً أو ريحاً تنجس لأن ميتته نجسة (١). (١) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ٤٣/١ - ٤٥، والشرح الصغير ١/ ٤١ وجواهر الإكليل ١٨/١، وحاشية الدسوقي ٤٦/١، والقوانين الفقهية ص ٤٠ ، وحاشية الرهوني ١/ ٥٨، ٥٩ . - ٩٧ - نجاسة ٣٧ -٣٨ ٣٧ - وقال الشافعية : إن ماء البئر كغيره في قبول النجاسة وزوالها ، فإن كان قليلاً وتَنَجَّسَ بوقوع نجاسة فلا ينبغي أن ينزح لينبع الماء الطهور بعده ، لأنه وإن نزح فقعر البئر يبقي نجساً ، وقد تُنَجِّس جدران البئر أيضاً بالنزح ، بل ينبغي أن يُترك ليزداد فيبلغ حد الكثرة . وإن کان نبعها قليلاً لا تتوقع کثرته صب فيها ماءٌ ليبلغ الكثرة ويزول التغير إن كان تغير . وإن كان الماء كثيراً طاهراً وتفتت فيه شيءٌ نجسٌ كفأرة تَمَعَّطَ شعرُها فقد يبقى على طهوريته لكثرته وعدم التغير ، لكن يتعذر استعماله ، لأنه لا ينزح دلواً إلا وفيه شيءٌ من النجاسة، فينبغي أن يُستقى الماءُ كله ليخرج الشعر منه . فإن كانت العين فوارةً وتعذر نزحُ الجميع نُزِحَ ما يغلب على الظن أن الشعر خرج كله معه ، فما بقى بعد ذلك فى البئر وما يحدث طهورٌ لأنه غير مستيقن النجاسة ولا مظنونها ، ولا يضر احتمال بقاء الشعر . فإن تحقق شعراً بعد ذلك حكم به ، فأما قبل النزح إلى الحد المذكور إذا غلب على ظنه أنه لا يخلو كل دلو عن شيء من النجاسة لكن لم یتیقنه ففي جواز استعماله قولان (١) . (١) روضة الطالبين ١/ ٢٥ ط المكتب الإسلامي ، ونهاية المحتاج ١/ ٦٣-٦٧. ٣٨ - وأما الحنابلة: فقد قال إسحاق بن منصور : سئل أحمد عن بئر بال فيها إنسان؟ قال : تُنْزَحُ حتى تغلبهم ، قلت : ما حدّه؟ قال : لا يقدرون على نزحها ، وقيل لأبي عبدالله : الغدير يبال فيه ، قال : الغدير أسهل ولم يربه بأساً ، وقال في البئر يكون لها مادة : هو واقف لا يجري ليس بمنزلة ما يجري ، يعني أنه یتنجس بالبول فیه إذا أمكن نزحه . ولا فرق بين البول القليل والكثير ، قال مهنا : سألتُ أحمد عن بئر غزيرة وقعت فيه خرقة أصابها بول . قال : تُنزح ، وقال في قطرة بول وقعت في ماء : لا يتوضأ منه ، وذلك لأن سائر النجاسات لا فرق بين قليلها وكثيرها ، وإذا كانت بئر الماء ملاصقة لبئر فيها بول أو غيره من النجاسات وشك في وصولها إلى الماء فهو على أصله في الطهارة ، قال أحمد : یکون بین البئر والبالوعة مالم يغير طعماً ولا ريحاً ، وقال الحسن : مالم يتغير لونه أو ريحه فلا بأس أن يتوضأ منها ، وذلك لأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك ، وإن أحب علم حقيقة ذلك فليطرح في البئر النجسة نفطاً ، فإن وجد رائحته في الماء علم وصوله إليه وإلا فلا . وإذا نزح ماء البئر النجس فنبع فيه بعد ذلك ماء أو صُبَّ فيه فهو طاهر ، لأن أرض البئر من - ٩٨ - نجاسة ٣٨ _٣٩ جملة الأرض التي تطهر بالمكاثرة بمرور الماء علیھا ، وإن نجست جوانب البئر فھل یجب غسلها؟ على روايتين إحداهما: يجب لأنه محل نجس فأشبه رأس البئر . :٠ والثانية : لا يجب للمشقة اللاحقة بذلك فعفي عنه كمحل الاستنجاء وأسفل الحذاء (١) . صلاة حامل النجاسة ومن تصيبه النجاسة أثناء الصلاة : ٣٩ - قال الحنفية : لو صلى حاملاً بيضة مذرة صار محّها دماً جاز لأنه في معدنه ، والشيء مادام في معدنه لا يعطى له حكم النجاسة ، بخلاف مالو حمل قارورة مضمومة فيها بول فلا تجوز صلاته لأنه في غير معدنه . ولو أصاب رأسه خيمة نجسة تبطل صلاته لأنه يعد حاملاً للنجاسة (٢). وقال المالكية : إن سقوط النجاسة على المصلي في صلاة ولو نفلاً مبطل لها ويقطعها - ولو مأموماً - إن استقرت عليه أو تعلق به شيء منها ولم تكن مما يُعفى عنه ، بشرط أن يتسع الوقت الذي هو فيه اختیاریاً أو ضرورياً بأن يبقى (١) المغني لابن قدامة مع الشرح ١/ ٣٧، ٣٨ دار الكتاب العربي . (٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٢١١، ٢٦٩، ٢٧٠، ومراقي الفلاح ص ١١٢، ١١٣. منه ما يسع ولوركعة ، وأن يجد لو قطع ما يزيلها به أو ثوباً آخر يلبسه ، وأن لا يكون ما فيه النجاسة محمولاً لغيره وإلا فلا يقطع لعدم بطلانها ، وذلك كما لو تعلق صبي نجس الثياب أو البدن بمصلٌّ - والصبي مستقر بالأرض - فالصلاة صحيحة على الظاهر (١) . وقال الشافعية : إن حمل حيوانا طاهراً في صلاته صحت صلاته، ((لأن النبي ◌َّ- كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ◌ِوَلّ، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها))(٢)، ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدن النجاسة فهو كالنجاسة التي في جوف المصلي ، وإن حمل قارورة فيها نجاسة وقد سُكَّ رأسها ففيها وجهان : أحدهما يجوز لأن النجاسة لا تخرج منها كما لو حمل حيواناً طاهراً ، والمذهب أنه لا يجوز لأنه حمل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه ما إذا حمل النجاسة في كمه (٣) . وقال الحنابلة : لو حمل قارورة فيها نجاسة (١) حاشية الدسوقي ١/ ٦٥ - ٧٠ وجواهر الإكليل ١/ ١١، وشرح الزرقاني ١/ ٣٧-٤١ . (٢) حديث: ((أن رسول الله وَ لو كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله و القيم ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٩٠ ط السلفية) من حديث أبي قتادة الأنصاري . (٣) المهذب ١/ ٦٨، والمجموع ٣/ ١٥٠. - ٩٩ - نجاسة ٣٩ - ٤٠ مسدودة لم تصح صلاته لأنه حامل لنجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه مالو حملها في كمه . وقالوا إذا سقطت علیه نجاسة ثم زالت عنه أو أزالها في الحال لم تبطل صلاته ، لأن ((النبي وَّ لما علم بالنجاسة في نعليه خلعهما وأتم صلاته)) (١) ، ولأن النجاسة يُعفى عن يسيرها فعُفِيَ عن يسير زمنها ككشف العورة (٢) . توقي النجاسات : ٤٠ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز كتابة القرآن بشيء نجس ، كما لا يجوز إلقاؤه في نجاسة أو تلطیخه بنجس . ولا يجوز كذلك إلقاء شىء من كتب التفسير أو الحديث أو العلوم الشرعية في نجاسة أو تلطيخه بنجس . وذهب الفقهاء إلى وجوب تنزيه المساجد عن النجاسات ، فلا يجوز إدخالُ النجاسة إلى المسجد أو دخولُ مَنْ علی بدنه أو ثيابه نجاسة ، (١) حديثُ خَلْع النبي وَّ نعليه لما علم بالنجاسة فيهما . أخرجه أبو داود (٤٢٦/١ ط حمص) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٠ ط دائرة المعارف)، وقال : صحيح على شرط مسلم . (٢) كشاف القناع ٢٨٩/١ - ٢٩٢ ، والإنصاف ٤٨٧/١ - ٤٨٨، والمغني لابن قدامة ١/ ٧١٥ - ٧١٦ دار الكتاب العربي . وقَّدَه الشافعية بخشية تلويث المسجد ، كما لا يجوز بناؤه بنجس أو متنجس (١) . وذهب الفقهاء إلى وجوب توقي النجاسة في الأبدان والثياب والمكان عند الصلاة(٢) . واتفق الفقهاء على توقي الملاعن الثلاث ، وهي البول والبراز في طريق الناس أو مورد ماء أو ظل ينتفع به ، حديث معاذ رضي الله عنه مرفوعاً : ((اتقوا الملاعن الثلاثة : البراز في الموارد، وقارعة الطريق ، والظل)) (٣)، وكذلك تحت الشجرة المثمرة وفي الماء الراكد (٤) . (١) حاشية ابن عابدين ١١٦/١، ٢٢٣/٣، ٢٨٤، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٤٦ ، وحاشية الدسوقي ١/ ١٢٥، وجواهر الإكليل ١/ ٣/٢،٢١، ومغني المحتاج ٢٧/١، وروضة الطالبين ٣٤٤/٣، وقليوبي ٤ /١٧٦، والزواجر ٢٦/١، والمغني ١٤٨/١، وروض الطالب ٦٢/٢، والفروع ١٨٨/١، ١٩٣. (٢) مراقي الفلاح ٥٩ - ٦٠، والاختيار شرح المختار ٤٣/١ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، وجواهر الإكليل ١/ ٣٨، وحاشية الدسوقي ١/ ٢٠٠، والمهذب ٦٦/١ -٦٨ ، والإقناع للشربيني الخطيب ١/ ١٦٩، ١٧٠، وشرح المنهاج للمحلي ١/ ١٨٠ ، والمغني لابن قدامة مع الشرح ٧١٣/١ - ٧١٤ ط دار الكتاب العربي . (٣) حديث: ((اتقوا الملاعن الثلاثة : البراز في الموارد ، وقارعة الطريق ، والظل)) . أخرجه أبوداود (٢٩/١ ط حمص) والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٧ ط دائرة المعارف العثمانية)، وقال الحاكم : صحيح ، ووافقه الذهبي . (٤) حاشية ابن عابدين ٢٣٩/١، ومراقي الفلاح ص ١٤ ، وشرح المنهاج للمحلي ١/ ٤٠، ٤١ ، والإقناع للشربيني الخطيب ١/ ٧٢، والمهذب ٣٣/١، والمغني لابن قدامة = - ١٠٠ -