النص المفهرس

صفحات 381-400

مَيْتَة ٢-٦
التضاد من حيث أن المذكاة يحل أكلها، أما
الميتة فلا يحل أكلها .
ب- المنخنقة:
٣ - المنخنقة: هي التي تموت خنقاً - بحبل
أو بغير حبل - إمّا قصداً، وإمّا اتفاقاً بأن
تتخبّط الدابة فى وثاقها، فتموت به .
قال الرازي: واعلم أن المنخنقة على
وجوه: منها: أنّ أهل الجاهلية كانوا يخنقون
الشاة، فإذا ماتت أكلوها، ومنها: ما يُخنق
بحبل الصائد. ومنها: ما يدخل رأسها بين
عودین في شجرة، فتختنق، فتموت.
والمنخنقة من جنس الميتة، لأنها لمّا
ماتت وما سال دمها، کانت کالميّت حتف
أنفه، إلّ أنها فارقت الميتة بكونها تموت
بسبب انعصار الحلق بالخنق (١)
.
فالميتة أعم من المنخنقة .
ج- الموقوذة:
٤ - الموقوذة هي التي ضُربت إلى أن ماتت،
يقال: وقذها وأوقذها، إذا ضربها إلى أنماتت،
ويدخل في الموقوذة مارُمي بالبندق فمات. قال
الضحاك: كان أهل الجاهلية يضربون الأنعام
بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها، فيأكلوها.
(١) تفسير الفخر الرازي ١٣٣/١١، وأحكام القرآن لابن
العربي ٥٣٨/٢، والكشاف ٣٢٢/١.
والموقوذة من جنس الميتة، من حيث إنها
ماتت دون تذكية(١).
والميتة أعم من الموقوذة .
د - المتردية :
٥ - المتردّي: هو الواقع في الردى، وهو
الهلاك. والمتردية: هي التي تقع من جبل،
أو تطيح في بئر، أو تسقط من شاهق، فتموت.
والمتردية من جنس الميتة، لأنها ماتت
دون تذكية (٢)
.
والميتة أعم من المتردية .
هـ - التَّطيحة:
٦ - النطيحة هي المنطوحة إلى أن ماتت،
وذلك مثل كبشين تناطحا إلى أن ماتا أو مات
أحدهما .
والنطيحة من الميتة، لأنها ماتت من غير
تذكية(٣).
والميتة أعم من النطيحة .
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٥٣٨/٢، والتسهيل لعلوم
التنزيل ص ١٦٧، وتفسير الفخر الرازي ١١/ ١٣٣،
والكشاف ٣٢٢/١، وأحكام القرآن لإلكيا الهراس
٤٢/٣، وأحكام القرآن للجصاص ٢٩٧/٣.
(٢) الكشاف للزمخشري ٣٢٢/١، والتسهيل لابن جزي
ص ١٦٧ ، وتفسير الرازي ١١/ ١٣٣.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٥٣٨/٢، والكشاف
٣٢٢/١، وتفسير الرازي ١٣٣/١١، والتسهيل
ص ١٦٧، وأحكام القرآن للجصاص ٢٩٨/٣.
- ٣٨١ -

........
...
مَيْتَة ٧ - ١٠
و-الميِّت :
٧ - الميت في اللغة ۔۔ بالتشديد ويخفف -
يقال: ميْت وميّت بمعنى واحد ويستوي فيه
المذكر والمؤنث، قال تعالى: ﴿لِنُحْتِىَ بِهِ،
بَلْدَةٌ مَّيْتًا﴾(١)، وقال: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن
كُلِّ مَكَانٍ وَمَاهُوَ بِمَنِتٍ﴾(٢)، والميت هو
الذي فارق الحياة، وجمعه أموات
وموتی(٣).
واصطلاحاً: هو الذي فارق الحياة،
والموتى جمع من يعقل، والميتون مختص
بذكور العقلاء، والميتات بالتشديد مختصة
لإِناثهم، وبالتخفيف للحيوانات(٤).
والعلاقة بين الميت والميتة هو أن كلاً
منهما قد فارق الحياة .
ز - الذَّبيحة على النُّصب:
٨ - التُّصُبُ هي حجارة كانت منصوبة حول
البيت الحرام، وكان أهل الجاهلية يذبحون
عليها ويشرحون اللحم عليها، ويعظمونها
بذلك، ويتقربون به إليها، قال ابن جزي:
وليست هي بالأصنام، لأنّ الأصنام مصورة،
(١) سورة الفرقان/ ٤٩.
(٢) سورة إبراهيم/ ١٧ .
(٣) لسان العرب، والمعجم الوسيط.
(٤) قواعد الفقه للبركتي.
والنصب غير مصوّرة، وتسمى الأنصاب،
والمفرد نصاب، وقيل: إنّ النُّصُب مفرد،
وجمعه أنصاب(١) .
وما ذبح على النصب داخل في الميتة في
الاصطلاح الشرعي، والميتة أعم مما ذبح
على النصب .
ح-أكيلة السَّبع:
٩ - أكيلة السبع هي ما بقي مما أكله السّبع
أو افترسه من الماشية، قال ابن عباس
رضي الله عنهما وقتادة وغيرهما: كان أهل
الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله، وأكل
بعضه، أكلوا ما بقي فحرّمه الله تعالى(٢).
وأكيلة السبع داخلة في الميتة في
الاصطلاح الشرعي، والميتة أعم منها .
الأحكام المتعلقة بالميتة :
تتعلق بالميتة أحكام منها :
حرمة أكل الميتة :
١٠ - أجمع الفقهاء على حرمة أكل الميتة في
حالة السعة والاختيار(٣) لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
(١) التسهيل لابن جزي ص ١٦٨، والكشاف ٣٢٢/١،
وتفسير الرازي ١١/ ١٣٤.
(٢) تفسير الرازي ١٣٤/١١، وأحكام القرآن لابن العربي
٥٣٩/٢.
(٣) تبيين الحقائق ١٨٥/٥، والكافي لابن عبد البر=
- ٣٨٢ -

مَيْتَة ١٠ -١١
حَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ
فَلَآَ إِثْمَ عَلَيَّةٌ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيهُ الشـ
وقد عبَّر الإِمام الرازي عن حكمة تحريم
أكل الميتة التي نفقت حتف أنفها بقوله:
واعلم أنَّ تحريم الميتة موافق لما في العقول،
لأن الدَّم جوهر لطيف جداً، فإذا مات الحيوان
حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفَّن
وفسد، وحصل من أكله مضارّ عظيمة(٢).
وأما حكمة تحريم أكل الميتة التي قتلت
على هيئة غير مشروعة (أي بدون تذكية) فقد
أوضحها الإِمام ابن القيم بقوله: فلأنَّ الله
سبحانه حرَّم علينا الخبائث، والخبثُ
الموجب للتحريم قد يظهر لنا وقد يخفى، فما
كان ظاهراً لم ينصب عليه الشارع علامةً غير
وصفه، وما كان خفيّاً نصب عليه علامةٌ تدلُّ
علی خبثه .
فاحتقان الدم في الميتة سبب ظاهر، وأما
٤٣٩/١ - ط الرياض، وأحكام القرآن لابن العربي
=
٥٢/١، ولباب اللباب لابن راشد القفصي ص ٧٥،
وبداية المجتهد ١/ ٤٤٠ و٤٦٥، وشرح منتهى
الإِرادات ٣٩٦/٣، والمبدع ٩/ ١٩٣، وكشاف القناع
١٨٨/٦، والمغني لابن قدامة ١٣/ ٣٣٠ (ط هجر).
(١) سورة البقرة/ ١٧٣ .
(٢) تفسير الرازي ١١/ ١٣٢.
ذبيحة المجوسي والمرتد وتارك التسمية ومن
أهَلَّ بذبيحته لغير الله، فنفسُ ذبيحة هؤلاء
أكسبت المذبوح خبئاً أوجب تحريمه، ولا
ينكر أن يكون ذكر اسم الأوثان والكواكب
والجنّ على الذبيحة يُكسبها خبثاً، وذِكْرُ
اسم الله وحده يُكسبها طيباً إلّ من قلّ نصيبه
من حقائق العلم والإِيمان وذوق الشريعة (١).
١١ - وأمّا في حالة الإِلجاء والاضطرار، فقد
ذهب الفقهاء إلى جواز أكل الميتة عندئذ،
فمن اضطر إلى أكل الميتة إمّا بإكراه ملجىء
من ظالم أو بجوع في مخمصة أو بفقر
لا يجد معه غير الميتة، حلَّ له ذلك لداعي
الضرورة(٢)، حيث جاء في التنزيل بعد
تحريم الميتة قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ
بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
زَّحِيوُ لَا﴾(٣)، وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ
فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ ﴾﴾ (٤).
قال الزيلعي: فظهر أنَّ التحريم مخصوص
(١) إعلام الموقعين ٢/ ١٥٤ .
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١ /١٥٦ - ١٥٩، ورد المحتار
٢١٥/٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٥/١،
والمغني لابن قدامة ٣٣٠/١٣ .
(٣) سورة البقرة/ ١٧٣ .
(٤) سورة المائدة/ ٣.
- ٣٨٣-

مَيْتَة ١١ - ١٣
بحالة الاختيار، وفي حالة الاضطرار
مباح (١)، لأن الضرورات تبيح
المحظورات(٢) .
١٢ - واختلف الفقهاء في حد الضرورة
المبيحة لأكل الميتة على أقوال :
أحدها: أن يخاف على نفسه الهلاك قطعاً
أو ظناً، وهو قول المالكية في المشهور(٣).
الثاني: أن يخاف على نفسه موتاً أو مرضاً
مخوفاً أو زيادته أو طول مدته، أو انقطاعه
عن رفقته، أو خوف ضعف عن مشي
أو ركوب، فيسمى هذا الخائف مضطراً. وهو
مذهب الشافعية والحنابلة (٤).
الثالث: خوف التلف على نفسه أو بعض
(١) تبيين الحقائق ١٨٥/٥.
(٢) المادة ٢١ من مجلة الأحكام العدلية، والأشباه والنظائر
لابن نجيم ص ٩٤، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص ٨٤، والمنثور في القواعد للزركشي ٢/ ٣١٧،
وإيضاح المسالك إلى قواعد الإِمام مالك للونشريسي
ص ٣٦٥.
(٣) الخرشي ٢٨/٣، وعقد الجواهر الثمينة ٦٠٣/١،
والكافي لابن عبد البر ٤٣٩/١ - ط الرياض،
والقوانين الفقهية ص ١٧٨ ، ولباب اللباب للقفصي
ص ٧٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٥، وبداية
المجتهد ١ / ٤٧٦، والذخيرة للقرافي ٤ /١٠٩.
(٤) مغني المحتاج ٣٠٦/٤، والمجموع للنووي ٩/ ٤٢،
وتحفة المحتاج ٩/ ٣٩٠، وكشاف القناع ٦/ ١٩٤،
وشرح المنتهى ٤٠٠/٣، وكفاية الأخيار ٢/ ١٤٤ .
أعضائه بتركه الأكل، ويحصل ذلك في موضع
لا يجد فيه غير الميتة، أو أن يكون غيرها
موجوداً، ولكنه أُكره على أكلها بوعيد يخاف
منه تلف نفسه أو بعض أعضائه، وهو مذهب
الحنفية(١) .
هذا في ميتة غير الآدمي، وأما ميتة
الآدمي فقد اختلف الفقهاء فيها، وينظر
تفصيل ذلك في مصطلح (ضرورة
ف ١٠).
١٣ - واختلف الفقهاء في حكم أكل الميتة
عند الاضطرار على ثلاثة أقوال :
أحدها: الوجوب، فمن اضطر إلى أكل
الميتة، وجب عليه تناولها، فإن امتنع من
الأکل وصبر حتى مات أثم، وهو قول جمهور
الفقهاء من الحنفية وقول عند المالكية
والشافعية على الأصح والحنابلة على
الصحيح(٢)، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَّكُمْ إِلَى
(١) أحكام القرآن للجصاص ١٥٩/١، وتبيين الحقائق
١٨٥/٥.
(٢) رد المحتار ٢١٥/٥، وتبيين الحقائق ١٨٥/٥، وأحكام
القرآن للجصاص ١٥٧/١، وأحكام القرآن لابن
العربي ٥٦/١، والتسهيل لابن جزي ص ٦٩،
والمجموع للنووي ٩/ ٤٢، ومغني المحتاج ٣٠٦/٤،
وكشاف القناع ٦/ ١٩٤، وشرح المنتهى ٤٠٠/٣،
والمبدع ٩/ ٢٠٥، والمغني ٣٣١/١٣، وعدة الصابرين=
- ٣٨٤ -

مَيْتَة ١٣ -١٤
اٌلَّلُكَةِ﴾ (١) حيث إن ترك الأكل مع إمكانه في
هذه الحال إلقاء بيده إلى التهلكة، ولقوله
سبحانه: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيمًا ﴾(٢)، ولأنه قادر على إحياء نفسه
بما أحلّه الله له، فلزمه كما لو كان معه طعام
حلال(٣) .
الثاني: الإِباحة، وهو قول أبي يوسف من
الحنفية وسحنون من المالكية وأبي إسحاق
الشيرازي من الشافعية ووجه عند الحنابلة،
وعلى ذلك: فلو امتنع المضطر عن أكلها حتى
مات، فلا إثم عليه (٤)، لأن إباحة الأكل
رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص. ولأنّ
له غرضاً في اجتناب النجاسة والأخذ
بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة،
وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه(٥).
الثالث: الندب، وهو قول بعض
الحنابلة(٦).
=
لابن القيم ص ٣٠، والذخيرة ١١٠/٤، والإنصاف
١٠/ ٣٧.
(١) سورة البقرة/ ١٩٥.
(٢) سورة النساء/ ٢٩.
(٣) المغني ١٣/ ٣٣٢.
(٤) تبيين الحقائق ١٨٥/٥، والذخيرة ٤ /١١٠، والمجموع
شرح المهذب ٩/ ٤٠، والمغني ٣٣٢/١٣.
(٥) المغني ٣٣٢/١٣ .
(٦) المبدع ٩/ ٢٠٥.
وللتفصيل انظر (ضرورة ف ١٠، أطعمة
ف ٩٠).
مقدار ما يباح للمضطر تناوله من الميتة :
١٤ - اختلف الفقهاء في مقدار ما يباح
للمضطر تناوله من الميتة على ثلاثة أقوال :
الأول: لجمهور الفقهاء من الحنفية
والحنابلة والشافعية في الأظهر وابن
الماجشون وابن حبيب من المالكية وغيرهم،
وهو أنه لا يجوز للمضطر أن يأكل من الميتة
إلّ قدر ما يسدّ به رمقه (١)، أي: ما يحفظ به
حياته، قال الصاوي: المراد بالرمق: الحياة،
وسدّها: حفظها(٢).
لأن ما أبيح للضرورة يقدّر بقدرها(٣)،
وذلك أن الله حرّم الميتة، واستثنى ما اضطر
(١) الدر المختار مع رد المحتار ٢١٥/٥، وأحكام القرآن
للجصاص ١/ ١٥٧، ١٦٠، وتفسير الرازي ٢٤/٥،
والإِشراف للقاضي عبد الوهاب ٢٥٧/٢، وأحكام
القرآن لابن العربي ١ /٥٥، ٥٦، وبداية المجتهد
٤٧٦/١، والمجموع ٩/ ٤٣، ومغني المحتاج
٣٠٧/٤، والمغني لابن قدامة ٣٣٠/١٣، وكشاف
القناع ١٩٤/٦، وشرح المنتهى ٤٠٠/٣، والمبدع
٢٠٦/٩، وكفاية الأخيار ٢/ ١٤٣ .
(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١٨٣/٢.
(٣) الأشباه لابن نجيم ص ٩٥، المادة ٢٢، من مجلة
الأحكام العدلية، والمنثور في القواعد ٢/ ٣٢٠،
والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٤.
- ٣٨٥ -

مَيْتَة ١٤ _ ١٥
إليه، فإذا اندفعت الضرورة، عادت الحرمة
كحالة الابتداء(١).
يوضحه أنه بعد سدّ الرمق غير مضطر،
فزال الحكم بزوال علته، لأنَّ القاعدة المقررة
أنَّ الحكم يدور مع العّة وجوداً وعدماً(٢).
الثاني: للمالكية على المعتمد والشافعية
في قول وأحمد في رواية عنه، وهو أنه يجوز
للمضطر أن يأكل من الميتة حتى يشبع، لأن
الضرورة ترفع التحريم، فتعود مباحةً کسائر
الأطعمة(٣)، وذلك لما روى جابر بن سمرة
رضي الله عنه ((أنَّ رجلاً نزل الحرّة، فنفقت
عنده ناقة، فقالت له امرأته: اسلخها حتى
نقدّد شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى
أسأل رسول الله وَخلية، فسأله فقال: هل عندك
غنى يغنيك؟ قال: لا، قال: فكلوها)) (٤).
(١) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٤٠٠.
(٢) كفاية الأخيار ١٤٤/٢ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٥٥/١، عقد الجواهر الثمينة
لابن شاس ٦٠٣/١، والذخيرة للقرافي ١٠٩/٤،
والشرح الصغير للدردير ٢/ ١٨٤، والتسهيل لابن جزي
ص ٦٩، ولباب اللباب للقفصي ص ٧٥، والقوانين
الفقهية ص ١٧٨، والتفريع لابن الجلاب ١/ ٤٠٧،
والكافي لابن عبد البر ٤٣٩/١، والخرشي ٢٨/٣،
وبداية المجتهد ٤٦٦/١، والمجموع شرح المهذب
٩/ ٤٠، ٤٢، وكفاية الأخيار ١٤٤/٢، والمبدع
٢٠٦/٩، والمغني ٣٣١/١٣، وتفسير الرازي ٢٤/٥ .
=
(٤) حديث جابر بن سمرة ((أن رجلاً نزل الحرة ... )).
الثالث: لعبيد الله بن الحسن العنبري:
وهو أنّ له أن يأكل منها ما يسدُّ جوعه، وذلك
فوق قدر إمساك الرمق(١).
تزوّد المضطر بالميتة :
١٥ - إذا خشي المضطر استمرار حالة
الضرورة، فهل يجوز له التزوّد من الميتة؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين :
أحدهما: لجمهور الفقهاء من المالكية
والشافعية والحنابلة في الأصح، وهو أنّ له
ذلك، فإن استغنى عنها طرحها، وذلك لأنه
لا ضرر عليه في استصحابها ولا في إعدادها
لدفع ضرورته وقضاء حاجته، ولا يأكل منها
إلّ عند ضرورته (٢).
أخرجه أبو داود (٤ / ١٦٦ - ١٦٧ - ط حمص) وأحمد
(١٠٤/٥ ط الميمنية)، وسكت عنه المنذري (٣٢٦/٥
ط دار المعرفة)، وقال الشوكاني في نيل الأوطار
(٣٠/٩ ط دار الجيل): وليس في إسناده مطعن.
(١) تفسير الرازي ٥/ ٢٤، وأحكام القرآن للجصاص
١٦٠/١.
(٢) الذخيرة للقرافي ١٠٩/٤، وعقد الجواهر الثمينة
٦٠٣/١، والشرح الصغير للدردير ٢/ ١٨٤، ولباب
اللباب للقفصي ص ٧٥، والقوانين الفقهية ص ١٧٨ ،
والكافي لابن عبد البر ٤٣٩/١، وبداية المجتهد
٤٧٦/١، والتفريع لابن الجلاب ٤٠٧/١، وكفاية
الأخيار ١٤٤/٢، ومغني المحتاج ٣٠٧/٤، وقواعد
الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٤٢، وكشاف القناع =
- ٣٨٦ -

مَيْتَة ١٥ -١٦
والثاني: لأحمد في رواية عنه، وهو أنه
لا يجوز له ذلك، لأنه توسُّع فيما لم يُبح إلّ
ة(١).
للضرورة
حكم التداوي بالميتة :
١٦ - اختلف الفقهاء في مشروعية التداوي
بالميتة إذا احتيج إلى تناولها للعلاج، بأن علم
المسلم أنَّ فيها شفاءً، ولم يجد دواءً غيرها،
سواء أكانت منفردةً أم مخلوطة بغيرها في
بعض الأدوية المركبة، وذلك على قولين :
أحدهما: الإباحة، وهو قول الحنفية
والصحيح من مذهب الشافعية(٢)، لأنه وقدايه.
أباح للعُرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها
للتداوي(٣)، قال العز بن عبد السلام: لأنّ
مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة
اجتناب النجاسة (٤).
١٩٤/٦، وشرح منتهى الإِرادات ٣/ ٤٠٠، والمغني
=
٣٣٣/١٣ ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٧ .
(١) المغني لابن قدامة ٣٣٣/١٣.
(٢) رد المحتار ٢١٥/٤، والبدائع ٦١/١، والمجموع
للنووي ٩/ ٥٠، ونيل الأوطار ٢٠٤/٨.
(٣) حديث: ((أنه ◌َّ أباح للعُرنيين شرب أبوال
الإِبل ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١٤٢ - ط السلفية)
ومسلم (١٢٩٦/٣ ط عيسى الحلبي).
(٤) قواعد الأحكام ١ / ١٤٢، (ط دار الطباع بدمشق).
والثاني: عدم الجواز. وهو قول المالكية
والحنابلة(١)، لما ورد عن النبي ◌َّ أنه قال:
((إنَّ الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حُرِّم
عليها))(٢) .
قال ابن القيم: والمعالجة بالمحرمات
قبيحة عقلاً وشرعاً، أما الشرع فللحديث
السابق، وأمّا العقل، فهو أنَّ الله سبحانه إنما
حرّمه لخبثه، فإنه لم يحرّم على هذه الأمة طيباً
عقوبةً لها، كما حرّمه على بني إسرائيل
بقوله: ﴿ فَيْطَلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ
طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾(٣)، وإنما حرّم على هذه
الأمة ما حرم لخبثه، وتحريمه له حمية لهم،
وصيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به
الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثّر في
إزالتها، لكنه يعقب سماً أعظم منه في القلب
(١) التفريع لابن الجلاب ٤٠٨/١، والذخيرة للقرافي
٤/ ١١٢، وانظر بداية المجتهد ١ /٤٧٦، وتفسير
الرازي ٢٥/٥، والمغني ٣٤٣/١٣، ومجموع فتاوى
ابن تیمیة ٥٦٢/٢١ وما بعدها.
(٢) حديث: ((إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم
عليها ... )).
أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢٣٣/٤ ط الرسالة)
وأبو يعلى في المسند (١٢/ ٤٠٢ - ط دار المأمون)،
من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٨٦/٥ ط القدسي): رجاله رجال
الصحیح خلا حسان بن مخارق، وقد وثقه ابن حبان .
(٣) سورة النساء/ ١٦٠ .
- ٣٨٧ -

..
مَيْتَة ١٦ -١٩
بقوة الخبث الذي فيه، فیکون المداوی به قد
سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب(١).
نجاسة الميتة :
١٧ - ذهب الفقهاء (الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة) إلى أن الميتة نجسة
العين، وقد حرّم الله أكلها بقوله: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾(٢)، ووصفها بالرِّجس في
قوله: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى
طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا
مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ﴾(٣)،
والرّجس في اللغة هو القذر والنجس، وحكى
الرازي الإِجماع على نجاسة الميتة (٤)، هذا
في ميتة غير الآدمي، أما ميتة الآدمي فينظر
تفصيله في مصطلح (نجاسة).
نجاسة إنفحة الميتة :
١٨ - اختلف الفقهاء في الحكم بنجاسة إنفحة
الميتة من الحيوان المأكول اللحم، حيث إنها
قد تستعمل في صناعة الجبن، وذلك على
ثلاثة أقوال :
أحدها: لجمهور الفقهاء من المالكية
(١) زاد المعاد ٤ / ١٥٦.
(٢) سورة المائدة/ ٣.
(٣) سورة الأنعام/ ١٤٥ .
(٤) تفسير الفخر الرازي ١٩/٥ .
والشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب، وهو
أنها نجسة، والجبنُ المعقود بها متنجس،
لا یحُّ أكله، لأن تحریم الميتة تحریم لجميع
أجزائها، ومنها الإِنفحة.
والثاني: لأبي يوسف ومحمد صاحبي
أبي حنيفة، وهو أنها إن كانت مائعة فهي
نجسة لنجاسة وعائها، وإن كانت صلبة يُغسل
ظاهرها وتؤكل.
والثالث: لأبي حنيفة وأحمد في رواية
عنه رجحها ابن تيمية، وهو أنها طاهرة، لأن
الصحابة رضي الله عنهم لمّا دخلوا المدائن
أكلوا الجبن، وهو يعمل بالإِنفحة التي تؤخذ
من صغار المعز، وذبائحهم ميتة(١) .
نجاسة لبن الميتة :
١٩ - اختلف الفقهاء في نجاسة اللبن الخارج
من ميتة الحيوان المأكول اللحم على قولين :
أحدهما: لأبي حنيفة وأحمد في رواية
(١) بدائع الصنائع ٦٣/١، ٤٣/٥، وتبيين الحقائق ٢٦/١،
والبحر الرائق ١١٢/١، وتفسير الفخر الرازي ١٩/٥،
وأحكام القرآن للجصاص ١/ ١٤٧، والخرشي ١ / ٨٥،
ولباب اللباب ص ٧٥، ونهاية المحتاج ٢٢٧/١،
وأحكام القرآن لإلكيا الهراس ٧٢/١، المغني لابن
قدامة ١/ ١٠٠، والمبدع ٢٠٩/٩، ١٤٧/١، والفتاوى
الكبرى لابن تيمية ١/ ٤٨٠، ومجموع فتاوى ابن تيمية
٢١/ ٥٣٢.
- ٣٨٨ -

مَبْتَة ١٩ - ٢٠
عنه، وهو أنه طاهر مأكول شرعاً (١)، ودليلهم
قوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُسْقِيَكُمْ
مِمَّا فِي بُطُونِهِ، مِنْ بَيِّنِ فَرَتٍ وَدَمٍ لََّنَا خَالِصًا سَآِغًا
جَ﴾ (٢)، حيث إن الله سبحانه
لِلشَّرِبِينَ
وصفه بكونه خالصاً، فلا يتنجس بنجاسة
مجراه، ووصفه بكونه سائغاً، وهذا يقتضي
الحلّ، وامتنَّ علينا به، والمنّة بالحلال
لا بالحرام .
والثاني: لجمهور الفقهاء من المالكية
والشافعية والحنابلة والصاحبين من الحنفية،
وهو أنه نجس، لا يحل تناوله، وذلك لقوله
تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ﴾(٣) حيث إن
تحريم الميتة تحريم لجميع أجزائها، ومنها
اللبن، ولأنه مائع في وعاءٍ نجس، فتنجس
به، أشبه ما لو حُلب في إناء نجس (٤) .
(١) بدائع الصنائع ٤٣/٥، وتبيين الحقائق ٢٦/١، أحكام
القرآن للجصاص ١٤٧/١، وتفسير الرازي ١٩/٥ ،
ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢١/ ١٠٢ .
(٢) سورة النحل / ٦٦ .
(٣) سورة المائدة/ ٣.
(٤) أحكام القرآن للجصاص ٨٥/١، والبدائع ٤١/٥ -
٤٣، وتفسير الرازي ١٩/٥، والتفريع ٤٠٨/١،
والكافي لابن عبد البر ٤٣٩/١، والشرح الصغير
٥٠/١، والخرشي ٨٥/١، والمجموع ٢٤٤/١،
ونهاية المحتاج ٢٢٧/١، وأحكام القرآن لإلكيا الهراس
٧٢/١، والمغني لابن قدامة ٧٤/١، ومجموع فتاوى
ابن تيمية ٢١/ ١٠٢ .
نجاسة البيض الخارج من الميتة :
٢٠ - اختلف الفقهاء في نجاسة البيض
المنفصل عن ميتة مأكول اللحم على ثلاثة
أقوال :
أحدها: للحنابلة والشافعية في الأصح
وابن المنذر، وهو أن البيضة التي أخرجت من
جوف ميتة الدجاج إذا صلبت قشرتها فهي
طاهرة، ويحلّ أكلها، لأنَّ القشرة إذا صلبت
حجزت بين المأكول وبين الميتة، فتحل. أما
قبل تصلّب قشرتها فهي نجسة لا تؤكل(١).
ولأنها ليست جزءاً من الميتة وإنما هي
مودعة فيها غير متصلة بها فأشبهت الولد إذا
خرج حياً من الميتة، ولأنها خارجة من حيوان
يخلق منها مثل أصلها، فأشبهت الولد الحيّ،
ولا خلاف عند الشافعية في أن ظاهر هذه
(٢)
البيضة نجس (٢).
والثاني: للحنفية ووجه عند الشافعية،
وهو أنها طاهرة يجوز أكلها مطلقاً، سواء اشتد
قشرها أو لم يشتدّ(٣) .
والثالث: للمالكية والليث بن سعد ووجه
(١) تفسير الرازي ١٩/٥، والمجموع ٢٤٤/١، والمغني
١/ ٧٥.
(٢) المجموع ١ / ٢٤٤، والمغني ١/ ١٠١.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١٢٠/١، ١٤٩، والبدائع
٤٣/٥، وتبيين الحقائق ٢٦/١، والمجموع ٢٤٤/١.
- ٣٨٩ -

٠٠.
مَيْتَة ٢٠ -٢٣
عند الشافعية، وهو أنها نجسة مطلقاً، ولا
يحلّ أكلها، لأنها جزء من الميتة(١).
والتفصيل في (أطعمة ف ٨١).
ما يحلُّ الانتفاع به من الميتة:
٢١ - ذهب الفقهاء إلى جواز الانتفاع بالميتة
من بعض الوجوه، وإن كان بينهم ثمة اختلاف
في ذلك، وتفصيل ذلك فيما يلي :
أ- جلد الميتة بعد الدباغ:
٢٢ - لا خلاف بين الفقهاء في نجاسة جلد
الميتة قبل دبغه، ولكنهم اختلفوا في طهارته
بالدباغ على خمسة أقوال(٢) :
الأول: للحنفية والشافعية وأحمد فى رواية
عنه، وهو أن جلود الميتة تطهر كلها بالدباغ
إلّ الخنزير، واستثنى الشافعية أيضاً جلد
الكلب .
(١) التفريع لابن الجلاب ٤٠٨/١، والكافي لابن عبد البر
٤٣٩/١ - ط الرياض، والمجموع ٢٤٤/١، والمغني
١/ ٧٥، وأحكام القرآن للجصاص ١٤٨/١ .
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١٤٢/١، والبدائع ٨٥/١،
والشرح الصغير للدردير ٥٢/١، والذخيرة ١٦٦/١،
والتفريع ٤٠٨/١، وبداية المجتهد ٧٨/١، والكافي
لابن عبد البر ٤٣٩/١، والمجموع ٢١٧/١، وأحكام
القرآن لإلكيا الهراس ٧١/١، وتفسير الرازي ١٦/٥ ،
ومغني المحتاج ٧٨/١، والمغني ٨٩/١، ٩٤،
والإنصاف ٨٦/١، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٩٥/٢١ .
الثاني: المالكية والحنابلة في المشهور،
وهو عدم طهارة جلد الميتة بالدباغة، قال
المالكية: لكن يجوز الانتفاع بذلك الجلد
المدبوغ واستعماله مع نجاسته في اليابسات
وفي الماء وحده دون سائر المائعات.
الثالث: لأبي يوسف من الحنفية
ولسحنون وابن عبد الحکم من المالكية، وهو
أنّ جمیع الجلود تطهر بالدباغ حتى الخنزير.
الرابع: لأحمد في رواية عنه، وهو أنه إنما
يطهر بالدباغ جلد ميتة ما كان طاهراً حال
الحياة .
الخامس: للأوزاعي وأبي ثور وأحمد في
رواية عنه، وهو طهارة جلود ميتةِ الحيوان
المأكول اللحم فقط .
(ر: دباغة ف ٩ وما بعدها).
ب- صوف الميتة وشعرها :
٢٣ _ اختلف الفقهاء في حكم الانتفاع
بصوف وشعر ووبر ميتة الحيوان المأكول
اللحم على قولين(١):
(١) تبيين الحقائق ٢٦/١، وأحكام القرآن للجصاص
١٤٩/١، والبدائع ٦٣/١، والذخيرة ١٨٣/١،
والتفريع ٤٠٨/١، ومدارج السالكين ٢٦٠/٣،
والكافي لابن عبد البر ٤٣٩/١، وأحكام القرآن لابن
العربي ١١٦٩/٣، وبداية المجتهد ١ / ٧٨،=
- ٣٩٠ -

مَيْتَة ٢٣ -٢٤
الأول: لجمهور الفقهاء من الحنفية
والمالكية والحنابلة في المذهب، وهو أنَّ
صوف الميتة وشعرها ووبرها طاهر يجوز
الانتفاع به، وهو قول الحسن وابن سيرين
وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي
والليث بن سعد والأوزاعي وابن المنذر
وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ
أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَا وَمَتَعًا إِلَى
حِينٍ (٣٥)﴾(١)، فعمَّ الله الجميع بالإِباحة من غير
فصل بين المذكى منها وبين الميتة، ولأنه
عز وجل ذكر هذه الأشياء في معرض المنّة،
والمنّة لا تقع بالنجس الذي لا يحلُّ الانتفاع به.
واستدلوا بقوله رَّر في الميتة: ((إنما حُرِّمَ
أَكْلُها))(٢). قال الجصاص: فأبان النبي ◌َّ
عن مراد الله تعالى بتحريم الميتة، فلمّا لم
يكن الشعر والصوف والعظم ونحوها من
المأكول لم يتناولها التحريم (٣).
والمجموع ٢٣١/١، والإنصاف ٩٢/١، وتفسير
=
الرازي ١٥/٥، والمغني ١ / ١٠٦ .
(١) سورة النحل / ٨٠.
(٢) حديث: ((إنما حرم أكلها)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٣٥٥)، ومسلم
(٢٧٦/١ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عباس.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٥٠.
كما استدلوا بأنَّ هذه الشعور والأصواف
والأوبار أجسام منتفع بها، لعدم تعرضها
للتعفن والفساد، فوجب أن يقضى بطهارتها
كالجلود المدبوغة، ولأنّ نجاسة الميتات
ليست لأعيانها، بل لما فيها من الدماء السائل
والرطوبات النجسة، وهي غير موجودة في
هذه الأشياء .
قال القرافي: وحجتنا أنها طاهرة قبل
الموت، فتكون طاهرة بعده، عملاً
بالاستصحاب(١)، ولأن الموت لا يلحقها،
إذ الموت عبارة عن معنى يحلُّ بعد عدم
الحياة، ولم تكن الحياة في الصوف والوبر
والشعر، فيخلفها الموت فيها(٢).
الثاني: للشافعية في المذهب وأحمد في
رواية عنه، وهو أنَّ صوف الميتة وشعرها
ووبرها نجس لا يحلّ الانتفاع به، وذلك لأنها
جزء من الميتة، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُم
اُلْمَيْنَةُ﴾(٣) عامّ في تحريم سائر أجزائها .
ج- عظم الميتة وقرنها :
٢٤ - اختلف الفقهاء في حكم الانتفاع بعظم
الميتة من الحيوان المأكول اللحم وقرنها
(١) الذخيرة ١/ ١٨٤ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٦٩/٣.
(٣) سورة المائدة/ ٣.
- ٣٩١ -

٠٠
مَیْتَة ٢٤ _٢٥
وظلفها وظفرها على قولين :
أحدهما: للشافعية في المذهب والمالكية
والحنابلة، وهو أنها نجسة لا يحلُّ الانتفاع
بها، وذلك لقوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُخِ اَلْعِظَمَ
وَهِىَ رَمِيمٌ لَ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ
مَرَّةٍ﴾(١) حيث دلَّ على أنها كانت حيّة،
فصارت عند الموت ميتة، وإذا ثبت أنها ميتة،
وجب أن يحرم الانتفاع بها لعموم قوله تعالى:
وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ (٢).
والثاني: للحنفية وابن وهب من المالكية
وأحمد في رواية عنه اختارها ابن تيمية، وهو
أنها ظاهرة يحلُّ الانتفاع بها، وذلك لأنها
أجسام منتفع بها، غير متعرضة للتعفن
والفساد، فوجب أن يقضى بطهارتها،
كالجلود المدبوغة، ولأن نجاسة الميتات
ليست لأعيانها، بل لما فيها من الدماء السائلة
والرطوبات النجسة، وهي ليست موجودة في
هذه الأشياء(٣) .
(١) سورة يس/ ٧٨ -٧٩.
(٢) سورة المائدة/ ٣.
(٣) بدائع الصنائع ٦٣/١، وتبيين الحقائق ٢٦/١ وأحكام
القرآن للجصاص ١٤٩/١، والإنصاف للمرداوي
٩٢/١، والذخيرة للقرافي ١٨٣/١، والتفريع لابن
جلاب ٤٠٨/١، وتفسير الرازي ١٥/٥، والكافي لابن
عبد البر ٤٣٩/١، وبداية المجتهد ٧٨/١، وأحكام
القرآن لإلكيا الهراس ٧٢/١، والمجموع شرح المهذب=
د - إطعام الميتة للحيوان:
٢٥ _ اختلف الفقهاء في جواز الانتفاع بالميتة
بإطعامها للدواب والبهائم أو الكلب المعلّم
والطير والبازي المعلّم ونحوهم على ثلاثة
أقوال :
أحدها: للحنفية والشافعية وأحمد في
رواية عنه: وهو عدم جواز ذلك، لأنه إذا
أطعم الميتة للحيوان فقد انتفع بتلك الميتة،
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾(١) دال
على عدم جواز الانتفاع بها(٢).
قال الجصاص: قال أصحابنا: لا يجوز
الانتفاع بالميتة على وجه، ولا يطعمها
الكلاب والجوارح، لأنّ ذلك ضرب من
الانتفاع بها، وقد حرّم الله الميتة تحريماً
مطلقاً معلقاً بعينها، مؤكداً به حكم الحظر،
فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلاّ أن يخص
شيء منها بدليل يجب التسليم به(٣).
وقال ابن قدامة: قال أحمد: لا أرى أن
يُطعم الكلب المعلّم الميتة، ولا الطير
٢٣١/١، والمغني لابن قدامة ١/ ٩٧، ومختصر
=
الفتاوى المصرية لابن تيمية ص ٢٦ .
(١) سورة المائدة/ ٣.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٣٢، وتفسير الفخر
الرازي ١٦/٥ .
(٣) أحكام القرآن ١/ ١٣٢.
- ٣٩٢ -

مَبْتَة ٢٥ -٢٦
المعلّم، لأنه يضريه على الميتة، فإن أكل
الكلب فلا أرى صاحبه حرجاً، ولعلَّ أحمد
كره أن يكون الكلب المعلّم إذا صاد وقتل أكل
منه، لتضريته بإطعامه الميتة (١) .
والثاني: للمالكية والحنابلة، وهو جواز
إطعام كلبه وطيره البازي المعلم الميتة، وكذا
علفُ دوابه التي لا يؤكل لحمها الميتة، لأنّ
هذه الحيوانات ليست بمأكولة اللحم، ولأنه
استعمال للميتة فيما يجري مجرى الإِتلاف،
وليس فيه ضرر. قال الحنابلة: وكذا يباح أن
يعلف ما يؤكل لحمه من الحيوان كالأنعام
الأطعمة النجسة إذا كان لا يُراد ذبحها
أو حلبها قريباً، لأنه يجوز تركها في المرعى
على اختيارها، ومعلوم أنها ترعى النجاسة،
ويحرم علفها النجاسة إذا كانت تؤكل قريباً
أو تُحلب قريباً، وإن تأخر الذبح
أو الحلب(٢).
والثالث: لبعض المالكية، وهو جواز
علف الدواب والحيوانات مطلقاً الطعام
النجس، ما أكل لحمه منها وما لم يؤكل، قال
(١) المغني ١٣/ ٣٥٠.
(٢) الكافي لابن عبد البر ٤٣٩/١، والمغني ٣٥٠/١٣،
مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص ٢٥، والمبدع
٢٠٤/٩، وكشاف القناع ٦ / ١٩٢، وشرح منتهى
الإِرادات ٣٩٩/٣ .
ابن الجلاب: ولا بأس بعلف الدواب الطعام
النجس ما أكل لحمه وما لم يؤكل لحمه(١) .
هـ - طلاء الجلود والسفن والاستصباح
بدهن الميتة :
٢٦ _ اختلف الفقهاء في جواز ذلك على ثلاثة
أقوال :
أحدها: لجمهور الفقهاء من الحنفية
والشافعية والحنابلة، وهو عدم جواز الانتفاع
بدهن الميتة باستصباح ولا غيره، ولا أن تطلى
به ظهور السفن والجلود(٢) .
واستدلوا على ذلك بما ورد عن النبي وَل
أنه قال: ((إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر
والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا
رسول الله، شحوم الميتة فإنه يُطلى بها
السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها
الناس؟ فقال: لا، هو حرام. ثم قال رَليّ :
قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها،
جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه))(٣). حيث بيّن
(١) التفريع ١ / ٤٠٧.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١٤٥/١، وأحكام القرآن الكريم
لإلكيا الهراس ٧١/١، والمغني ٤٤٩/١٣، وتفسير
الرازي ١٦/٥ .
(٣) حديث: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ /٤١٤ ط السلفية)،
ومسلم (١٢٠٧/٣ ط عيسى الحلبي).
- ٣٩٣-

مَيْتَة ٢٦ -٢٧
النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الله إذا حرّم
شيئاً حرّمه على الإِطلاق، ودخل تحت
تحريمه سائر ضروب الانتفاع به، ومنها
البيع .
والثاني: لعطاء، وهو جواز دهن ظهور
السفن بشحوم الميتة(١) .
والثالث: لابن تيمية، وهو أنه يجوز
الانتفاع بالنجاسات، وسواء في ذلك شحم
الميتة وغيره. وحكى أنَّ الإِمام أحمد أومأ إلى
ذلك في رواية ابن منصور (٢) .
الميتة المستثناة من التحريم :
٢٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى طهارة ميتة
البحر وجواز أكلها (٣) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ
صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾(٤)،
(١) أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٤٥، وأحكام القرآن
لإلکیا الهراس ١/ ٧١ .
(٢) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص ٢٦.
(٣) البدائع ٣٥/٥، والمبسوط ٢٤٩/١١، والفتاوى
الخانية ٣٥٧/٣، والتفريع ١ /٤٠٥، والقوانين الفقهية
ص ١٧٦، وبداية المجتهد ٧٦/١، ٤٦٥، والذخيرة
١٧٩/١، وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٢،
والشرح الصغير ١٨٢/٢، ومغني المحتاج ٢٩٧/٤،
والمجموع ٢٣/٩، ٣١، وشرح منتهى الإِرادات
٣٩٩/٣، والمغني ٢٩٩/١٣، ٣٤٥، وكشاف القناع
١٩٢/٦.
(٤) سورة المائدة/ ٩٦.
وقد صحّ عن أبي بكر الصديق وابن عباس
وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم
قالوا: إنّ صيد البحر ما صيد منه، وطعامه ما
مات فیه(١) .
ولقوله ◌َّ في ماء البحر: ((هو الطهور
ماؤه، الحل میتته))(٢).
كما ذهب الجمهور إلى طهارة ميتة
الجراد، وجواز أكلها لقوله وَ الر: ((أحلت لنا
ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت
والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال))(٣)
وقد علل ابن القيم ذلك الحكم الاستثنائي
بقوله: فإن الميتة إنما حرّمت لاحتقان
الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها،
والذكاة لمّا كانت تزيل ذلك الدم والفضلات
كانت سبب الحلّ، وإلّ فالموتُ لا يقتضي
التحريم، فإنه حاصل بالذكاة كما يحصل
بغيرها، وإذا لم يكن في الحيوان دم وفضلات
(١) فتح الباري ٩/ ٥٢٩، وسنن البيهقي ٩/ ٢٥٤ .
(٢) حديث: ((هو الطهور ماؤه الحل میتته)).
أخرجه أبو داود (١ / ٦٤ ط حمص)، والترمذي
(١٠١/١ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال
الترمذي : حسن صحيح.
(٣) حديث: ((أحلت لنا ميتتان ... )).
أخرجه أحمد (٩٧/٢ ط الميمنية)، وضعف إسناده.
ابن حجر (بلوغ المرام ص ٢٨ ط دار إحياء العلوم).
- ٣٩٤ -

مَيْتَة ٢٧، ميراث، مِیزاب ١ _ ٢
تزيلها الذكاة لم يحرم بالموت، ولم يشترط
لحلّه ذكاة كالجراد، ولهذا لا ينجسُ بالموت
مالا نفس له سائلة كالذباب والنحلة
ونحوهما، والسَّمك من هذا الضرب، فإنه لو
كان له دم وفضلات تحتقن بموته لم يحلّ
لموته بغير ذكاة(١). (ر: أطعمة ف ١٥،
٥٣).
ميراث
انظر : إرث .
(١) زاد المعاد ٣٩٣/٣.
ميزاب
التعريف :
١ - الميزاب في اللغة: قناة أو أنبوبة يصرف
بها الماء من سطح بناء أو موضع عال(١).
والمرزاب والمزراب بمعنى الميزاب.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(٢).
الأحكام المتعلقة بالميزاب :
يتعلق بالميزاب أحكام منها :
إخراجه إلى الطريق الأعظم:
٢ - ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية
والشافعية وهو قول عند الحنابلة إلى أنه يجوز
إخراج الميزاب إلى الطريق الأعظم لأن ((عمر
رضي الله عنه خرج في يوم جمعة، فقطر
ميزاب عليه للعباس، فأمر به فقلع، فقال
العباس: قلعت ميزابي، والله ما وضعه حيث
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٢) قواعد الفقه للبركتي.
- ٣٩٥ -

ميزاب ٢ _ ٣
كان إلَّ رسول الله وَ ل بيده. فقال عمر رضي
الله عنه: والله لا يضعه إلاَّ أنت بيدك، ثم
لا يكون لك سلم إلاَّ عمر. قال: فوضع
العباس رجليه على عاتقي عمر ثم أعاده حيث
کان»(١). وما فعله رسول الله ◌َّ ژ فلغيره فعله
ما لم يقم دليل على اختصاصه به، ولأن
الحاجة تدعو إلى ذلك ولا يمكنه رد مائه إلى
الدار، ولأن الناس يعملون ذلك في جميع
بلاد الإِسلام من غیر نکیر، وذلك إذا لم یکن
فيه ضرر، وزاد أبو حنيفة وأبو يوسف: ولم
یمنعه أحد من الناس(٢) .
وقال الحنابلة: لا يجوز إخراج الميازيب
إلى الطريق الأعظم، ولا يجوز إخراجها إلى
درب نافذ إلّ بإذن الإِمام ونائبه وأهله، لأن
هذا تصرف في هواء مشترك بينه وبين غيره
بغير إذنه فلم يجز سواء ضر بالمارة أو لا ، لأنه
إذا لم يضر حالاً فقد يضر مالاً، كما لو كان
(١) حديث: ((أن عمر رضي الله عنه خرج في يوم
جمعة ... ).
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦٦/٦)، وضعف
إسناده ابن حجر في التلخيص (٤٥/٣).
(٢) مجلة الأحكام العدلية للأتاسي ١٧٢/٤ - ١٧٣ المادة
١٢٣٠، والبحر الرائق ٣٩٥/٨، وتبيين الحقائق
١٤٢/٦، والمغني ٤ / ٥٥٤ ط الرياض، والحاوي
للماوردي ٤٥/٨، وروضة الطالبين ٣٢٠/٩،
والإنصاف ٢٥٥/٥، وتبصرة الحكام ٢٤٢/٢ .
الطريق غير نافذ ولأنه يضر بالطريق وأهلها،
فلم يجز كبناء دكة فيها أو جناح يضر بأهلها،
ولا يخفى ما فيه من الضرر؛ فإن ماءه يقع على
المارة وربما جرى فيه البول أو ماء نجس
فينجسهم، ويزلق الطريق ويجعل فيها
الطين(١) . والتفصيل في (طريق ف ١٤).
الخصومة في الميزاب :
الخصومة في إخراج الميازيب إلى
الطريق :
٣ - قال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أراد أن
يخرج إلى الطريق الأعظم ميزاباً فلكل أحد من
عرض الناس مسلماً كان أو ذمياً أن يمنعه من
الوضع سواء كان فيه ضرر أو لم يكن إذا أراد
الوضع بغير إذن الإِمام لأن فيه الافتيات على
رأي الإِمام فیما إليه تدبیره فلكل أحد أن ينكر
عليه .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة في قول
ومحمد من الحنفية: ليس لأحد حق المنع إذا
لم يكن فيه ضرر، لأنه مأذون في إحداثه شرعاً
فهو كما لو أذن له الإمام(٢) .
(١) المغني ٥٥٤/٤، والإنصاف ٢٥٥/٥ .
(٢) تكملة فتح القدير ٣٣٠/٨ -٣٣١ ط دار صادر -
بيروت، والدسوقي ٣٦٨/٣، ومغني المحتاج
١٨٢/٢ - ١٨٣، والإنصاف ٢٥٥/٥ .
- ٣٩٦ -

ميزاب ٤ - ٥
الخصومة في رفع الميزاب :
٤ - قال أبو حنيفة: من أخرج إلى طريق العامة
ميزاباً فلكل أحد من أهل الخصومة
- كالمسلم البالغ العاقل الحر أو الذمي -
مطالبته بالنقض لأن لكل منهم المرور بنفسه
وبدوابه فيكون له الخصومة بنقضه كما في
الملك المشترك .
وقال أبو يوسف ومحمد: ليس لأحد
ذلك، أما على قول محمد فظاهر لأنه جعله
كالمأذون من الإِمام فلا يرفعه أحد، وأما أبو
یوسف فإنه يقول كان قبل الوضع لكل أحد يد
فيه فالذي يحدث يريد أن يجعلها في يد نفسه
خاصة، أما بعد الوضع فقد صار في يده فالذي
يخاصمه يريد إبطال يده من غير دفع الضرر
عن نفسه فهو متعنت(١) .
وقال الأتاسي: دور في طريق لها ميازيب
من القديم منصبة على ذلك الطريق، ومنه
تمتد إلى عرصة واقعة في أسفله جارية من
القديم، ليس لصاحب العرصة سد ذلك
المسیل القدیم، فإن سده یرفع السد من طرف
الحاكم ويعاد إلى وضعه القديم؛ لأنه يريد
بالسد دفع الضرر عن عرصته وفي ذلك ضرر
(١) العناية بهامش تكملة فتح القدير ٣٣٠/٨ - ٣٣١،
وتبیین الحقائق ٦/ ١٤٢ .
بالطريق الذي تنصب إليه الميازيب؛ وهو
لا يجوز؛ لأن ذلك الطريق إن كان خاصاً ففيه
دفع الضرر الخاص بمثله والضرر لا يزال
بمثله، وإن کان عاماً ففیه دفع الضرر الخاص
بالضرر العام، ويتحمل الضرر الخاص لدفع
الضرر العام، ولا سبيل إلى رفع الميازيب عن
الطريق الخاص لأنها قديمة ولا عن الطريق
العام لأنه لم يتحقق الضرر حيث كان مسيل
ماء إلى العرصة المذكورة قديماً، فاتضح أن
المراد بالطريق ما يعم الخاص والعام كما هو
مقتضى الإطلاق(١)
.
وقال الشافعية: من نصب ميزاباً يضر
بالمارة فلكل أحد من الناس مطالبته بإزالته،
لأنه من إزالة المنكر، لكن لا يزيله إلاَّ الحاكم
لا غيره، لما فيه من توقع الفتنة(٢).
الاختلاف في حق إجراء ماء الميزاب:
٥ - قال الحنفية: إذا كان الميزاب منصوباً إلى
دار رجل واختلفا في حق إجراء الماء وإسالته
فإن كان في حال عدم جريان الماء لا يستحق
إجراء الماء وإسالته إلَّ ببينة وليس لصاحب
الدار أيضاً أن يقطع الميزاب. وحكى الفقيه
أبو الليث: أنهم استحسنوا أن الميزاب إذا كان
(١) شرح المجلة للأتاسي ٤/ ١٧٢ - ١٧٣ المادة ١٢٣٠ .
(٢) مغني المحتاج ٢/ ١٨٣.
- ٣٩٧ -

مِیزاب ٥ - ٧
قدیماً و کان تصویب السطح إلى داره وعلم أن
التصويب قديم وليس بمحدث أن يجعل له
حق التسييل، وإن اختلفا في حال جريان الماء
قيل: القول لصاحب الميزاب ويستحق إجراء
الماء، وقيل: لا يستحق، فإن أقام البينة على
أن له حق المسيل وبينوا أنه لماء المطر من هذا
الميزاب فهو لماء المطر وليس له أن يسيل ماء
الاغتسال والوضوء فيه، وإن بينوا أنه لماء
الاغتسال والوضوء فهو كذلك وليس له أن
یسیل ماء المطر فيه وإن قالوا له فيها حق مسیل
ماء ولم يبينوا لماء المطر أو غيره صح،
والقول لرب الدار مع يمينه أنه لماء المطر
أو لماء الوضوء والغسالة، وقال بعض مشايخ
الحنفية: لا تقبل هذه الشهادة في المسيل،
وفي الطريق تقبل(١).
الوضوء والغسل بماء الميزاب:
٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من وقف
تحت ميزاب أو تحت مطر ناوياً الطهارة
ووصل الماء إلى شعره وبشره أجزأه عن
وضوئه أو غسله(٢) .
(١) الفتاوى الهندية ٤ / ١٠٤ .
(٢) حاشية ابن عابدين ١٠٣/١ - ١٠٥، والمجموع
١٨٥/٢، وحاشية الدسوقي ١٣٤/١، والمغني
٢١٩/١، ومطالب أولي النهى ١/ ١٥٣ .
وذهب المالكية والمزني إلى أنه لا يكفي
في الغسل إفاضة الماء على الجسد دون
الدلك(١) .
قال المتولي والروياني من الشافعية: في
ماء الميزاب الذي يظن نجاسته ولا يتيقن
طهارته ولا نجاسته فيه قولان: والمختار
الجزم بطهارته، لأنه إن كان هناك نجاسة
انغسلت(٢)
سقوط الميزاب وأثره في الضمان:
٧ - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفية
والشافعية والحنابلة - إلى أنه إذا أشرع في
الطريق ميزاباً فسقط على إنسان فعطب فالدية
على عاقلته لأنه مسبب لتلفه متعدٍ بشغله هواء
الطريق وهذا من أسباب الضمان (٣).
وفصل الحنفية والشافعية، فقال الحنفية:
إن أخرج ميزاباً إلى الطريق فسقط على رجل
فقتله ينظر: إن أصابه الطرف الذي كان في
الحائط لا ضمان فيه لأنه وضع ذلك الطرف
في ملكه ولم يكن تعدياً، وإن أصابه الطرف
(١) الدسوقي ١٣٤/١، ١٣٥، والمجموع ١٨٥/٢ .
(٢) المجموع ٢٠٩/١ .
(٣) العناية بهامش تكملة فتح القدير ٣٣٠/٨ -٣٣١ ط دار
صادر بيروت لبنان، ومغني المحتاج ١٨٢/٢ - ١٨٣ ،
وكشاف القناع ٤٠٧/٣، وروضة الطالبين ٣٢٠/٩.
- ٣٩٨ -

..
ميزاب ٧
الخارج من الحائط ضمن صاحب الميزاب لأنه
متعدٍ في ذلك حيث شغل به هواء الطريق لأنه
يمكنه أن يركبه في الحائط، ولا كفارة عليه ولا
يحرم في الميراث لأنه ليس بقاتل حقيقة، وإن
لم يعلم أيهما أصابه ففي القياس لا شيء عليه
لوقوع الشك في الضمان، وفي الاستحسان
يضمن النصف، وإن أصابه الطرفان جميعاً
وعلم ذلك وجب نصف الدية وهدر النصف،
ومن صب الماء في ميزاب له وتحت الميزاب
متاع لغيره يفسد به كان ضامناً استحساناً(١).
وقال الشافعية: إن سقط الميزاب على
شيء فأتلفه كان مضموناً في الجديد لأنه
ارتفاق بالشارع، فجوازه مشروط بسلامة
العاقبة. فإن كان بعض الميزاب في الجدار
وبعضه خارجاً عنه فسقط الخارج منه كله
أو بعضه فأتلف شيئاً فكل الضمان يجب لأنه
تلف بما هو مضمون عليه خاصة، وإن سقط
كل الميزاب داخله وخارجه بأن قطع من أصله
فنصف الضمان يجب في الأصح، لأن التلف
حصل بالداخل في ملكه وهو غير مضمون
وبالخارج وهو مضمون فوزع على النوعين
سواء أكانت الإِصابة بالداخل والخارج استويا
(١) العناية بهامش تكملة فتح القدير ٣٣١/٨، ومجمع
الضمانات ص ١٧٧، والفتاوى الهندية ٦/ ٤١،
والخانية بهامش الهندية ٣٦١/٣.
بالقدر أم لا، ومقابل الأصح يوزع على
الداخل والخارج فيجب قسط الخارج،
ويكون التوزيع بالوزن وقيل : بالمساحة.
ولو أصاب الماء النازل من الميزاب شيئاً
فأتلفه ضمن نصفها إن كان بعضه في الجدار
وبعضه خارجاً، ولو اتصل ماؤه بالأرض ثم
تلف به إنسان قال البغوي: القياس التضمين
أيضاً (١).
وقال المالكية وهو القول القديم عند
الشافعية: إن سقط ميزابه على رأس إنسان فلا
ضمان عليه، لأنه فعل ما أذن له فيه، ولأنه
لضرورة تصريف المياه(٢).
وقال الحنابلة: من أخرج میزاباً في درب
نافذ بغير إذن الإِمام أو في درب غير نافذ بغير
إذن أهله فسقط على إنسان فأتلفه ضمنه، لأنه
تلف بسبب متعدٍّ به، وإن کان بإذن الإِمام بلا
ضرر أو بإذن أهل غير النافذ فلا ضمان لعدم
العدوان(٣).
(١) مغني المحتاج ٨٥/٤ -٨٦.
(٢) التاج والإكليل ٣٢٢/٦، وتبصرة الحكام ٢٤٢/٢،
والقليوبي ١٤٨/٤ .
(٣) كشاف القناع ١٨/٦ .
- ٣٩٩ -

ميزان ١ - ٤
ميزان
التعريف :
١ - الميزان: من وزن الشيء وزناً وزِنة .
قال أبو منصور: رأيت العرب يسمون
الأوزان التي يوزن بها التمر وغيره المسوَّاةَ من
الحجارة والحدید الموازين، واحدها میزان،
وهي المثاقيل واحدها مثقال، ويقال للآلة
التي يوزن بها الأشياء ميزان أيضاً.
وجائز أن يقال للميزان الواحد موازين،
وفي التنزيل: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾(١) أي نضع الميزان
القسط .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(٢) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ_الكيل:
٢ - الكيل هو من كال يكيل كيلاً. والاسم:
(١) سورة الأنبياء/ ٤٧ .
(٢) لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن.
كيلة، والمكيال ما يكال به الأشياء والكيل
مثله، والجمع أکیال(١) .
والصلة بين الميزان والكيل: أنهما أصل
المقادير الشرعية وأكثر آلات التقدير
استعمالاً(٢).
ب - المثقال:
٣ - المثقال معيار يوزن به الأشياء، ومثقال
الشيء ميزانه من مثله، والمثقال واحد مثاقيل
الذهب، والمثقال وزن درهم وثلاثة أسباع
درهم، أو هو اسم للمقدار المقدر به(٣) .
والصلة بين الميزان والمثقال هي أن كلاً
منهما يقدر به الأشياء.
ج- الرطل:
٤ - الرطل معيار يوزن به الأشياء وكسره أشهر
من فتحه، وقال الفقهاء: إن الرطل إذا أطلق
يحمل على الرطل البغدادي وهو اثنتا عشرة
أوقية لأنه هو الرطل الشرعي (٤).
والعلاقة بين الرطل والميزان: أن كلاّ
منهما تقدر به الأشياء.
(١) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٢) حاشية الشيخ زاده على تفسير البيضاوي ٣/ ٥٩.
(٣) المصباح المنير، وحاشية ابن عابدين ٢٩/٢.
(٤) المحلي شرح المنهاج ١٦/٢، وتحفة المحتاج
١٤٤/٣.
- ٤٠٠ -