النص المفهرس

صفحات 121-140

مَنكِب ٧-٨
وذهب الحنفية إلى أنه يسن للمصلي أن
يضع وجهه بین کفیه بحیث یکون إبهاماه حذاء
أذنيه، لحديث وائل بن حُجْرٍ: ((أنه عليه
الصلاة والسلام کان إذا سجد وضع وجهه بین
كفيه))(١)، وقال ابن الهمام: ومن يضع كذلك
تكون يداه حذاء أذنيه(٢)، ولما ورد عن
أبي إسحاق قال: ((سألت البراء بن عازب:
أين كان رسول الله ولا يضع جبهته إذا صلى؟
قال بین کفیه»(٣).
وذهب المالكية إلى أنه يندب للساجد أن
يضع يديه حذو أذنيه أو قربهما (٤) .
قال الخرشي: وظاهر كلام خليل كالرسالة
أخرجه الترمذي (٥٩/٢ ط الحلبي) من حديث
=
أبي حميد الساعدي، وقال: حديث أبي حميد
الساعدي حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم.
(١) حديث: ((أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سجد وضع
وجهه ... )).
أخرجه أبو داود (١ / ٤٧٢ ط حمص) من حديث
وائل بن حُجْر، والطحاوي في شرح معاني الآثار
(١/ ٢٥٧ ط الأنوار المحمدية)، واللفظ للطحاوي.
(٢) فتح القدير ٢١٢/١ ط بولاق، وحاشية ابن عابدين
٣٣٥/١.
(٣) حديث البراء: ((أين كان رسول الله وَ لا يضع ... )).
أخرجه الطحاوي في معاني الآثار (١ / ٢٥٧ ط الأنوار
المحمدية)، وأخرجه الترمذي (٦٠/٢ ط الحلبي)،
بلفظ : وجهه، وقال: حديث حسن صحيح غريب .
(٤) حاشية الدسوقي ٢٤٩/١، والشرح الصغير ٣٢٨/١ .
تساوي الحالتين في الحكم، ولم يعلم من
كلامهما مقدار القرب الذي يقوم مقام
المحاذاة في الندب فإنه يحتمل أن يكون
بحيث تكون أطراف أصابعه محاذية لهما،
ويحتمل غير ذلك(١) .
وقال ابن ناجي: ويحتمل أن في المسألة
قولين، قال العدوي: نعم قول القيرواني
((أو دون ذلك)) يحتمل المنكبين أو الصدر
وهو الأقرب، فقد قال بحذو المنكبين ابن
مسلمة، وقال بحذو الصدر ابن شعبان(٢).
د- محاذاة المناكب في صفوف صلاة
الجماعة :
٨ - اتفق الفقهاء على أنه يستحب في تسوية
صفوف صلاة الجماعة محاذاة المناكب
وإلزاق كل واحد منكبه بمنكب صاحبه في
الصف وذلك حتى لا يكون خلل أو فرج في
الصفوف(٣) لحديث أنس رضي الله عنه عن
النبي وَ﴾ قال: ((أقيموا صفوفكم، فإني
(١) الخرشي ١ / ٢٨٥ .
(٢) جواهر الإكليل ٥١/١، وحاشية العدوي على الرسالة
٢٣٦/١.
(٣) المجموع للنووي ٢٢٦/٤ -٢٢٧، وكشاف القناع
٣٢٨/١، والقوانين الفقهية ص ٧٠، وفتح القدير
٣١١/١، وسبل السلام ٢/ ٦٣ - ٦٤، وفتح الباري
٢١١/٢.
- ١٢١ -

مَنكِب ٨-٩
أراكم من وراء ظهري، وكان أحدنا يلزق
منکبه بمنکب صاحبه وقدمه بقدمه))(١).
ولحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما
قال: ((أقبل رسول الله وَجله على الناس بوجهه
فقال: أقيموا صفوفكم ثلاثاً والله لتقيمن
صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم، قال:
فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه
ورکبته برکبة صاحبه، و کعبە بكعبە))(٢)،
ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن
رسول الله وَ ل قال: ((أقيموا الصفوف،
وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا
بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات
للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله ومن
قطع صفاً قطعه الله))(٣).
والتفصيل في مصطلح (صلاة الجماعة
ف ٢٤).
الجناية على المنكب :
٩ - الجناية على المنكب إما أن تكون عمداً أو
خطأً .
(١) حديث: ((أقيموا صفوفكم ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢١١/٢ ط السلفية).
(٢) حديث: ((أقيموا صفوفكم ثلاثاً ... )).
أخرجه أبو داود (١ /٤٣١ ط حمص).
(٣) حديث: ((أقيموا الصفوف وحاذوا ... )).
أخرجه أبو داود (١ / ٤٣٣ ط حمص).
فإذا كانت الجناية على المنکب عمداً وكان
القطع من مفصل المنكب يجب القصاص عند
توافر شروطه(١) .
(ر: جناية على ما دون النفس ف ١٣
وما بعدها).
أما إذا أدت الجناية إلى قطع اليد من
المنكب خطأً فقد اتفق الفقهاء على وجوب
نصف الدية فيها واختلفوا في وجوب حكومة
عدل فيما زاد على الكف إلى المنكب .
وللتفصيل (ر: ديات ف ٤٣).
(١) بدائع الصنائع ٢٩٨/٧، ومغني المحتاج ٢٧/٤،
والمغني ٧٠٩/٧، وحاشية العدوي على شرح الرسالة
٢٧٥/٢.
- ١٢٢ -

مُنْكَر ١ -٤
مُنْكَر
التعريف :
١ - المنكر لغة: بضم الميم وسكون النون
اسم مفعول من أنكر وهو : خلاف المعروف.
والمنكر: الأمر القبيح.
وأنكرت عليه فعله إنكاراً: إذا عبته ونھیته،
وأنكرت حقه: جحدته.
والمنكر في الاصطلاح: ما ليس فيه
رضا الله من قول أو فعل(١) .
والمنكر من الحديث: الفرد الذي لا يعرف
متنه من غير جهة راويه فلا متابع له فيه بل
ولا شاهد(٢) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ- المعروف :
٢ - المعروف في اللغة: الخير والرفق
(١) المصباح المنير، والتعريفات للجرجاني، وإتحاف
السادة المتقين ٣/٧، والمفردات في غريب القرآن،
والنهاية في غريب الحديث والأثر ١١٥/٥ .
(٢) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي ١ / ٢٣٥.
والإِحسان، وهو ضد المنكر(١).
المعروف اصطلاحاً: هو ما قبله العقل
وأقره الشرع ووافقه كرم الطبع (٢) .
والصلة بين المنكر والمعروف التضاد.
ب- المعصية :
٣ - المعصية لغة: الخروج من الطاعة
ومخالفة الأمر(٣) .
واصطلاحاً: مخالفة الأمر قصداً.
والعلاقة بين المنكر والمعصية أن المنكر
أعم من المعصية (٤).
الحكم التكليفي :
٤ - اتفق الفقهاء على أن المنكر منهي عنه،
وقد ثبت النهي عن المنكر بالكتاب والسنة
والإِجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ
أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ﴾(٥).
ومن السنة قول النبي بَله: ((من رأى منكم
(١) القاموس المحيط والمصباح المنير ومختار الصحاح.
(٢) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٧/ ٣.
(٣) المعجم الوسيط ومختار الصحاح.
(٤) التعريفات للجرجاني ص ٢٨٣، وشرح إحياء علوم
الدين للغزالي ٧ / ٣٤ .
(٥) سورة آل عمران/ ١٠٤.
- ١٢٣ -

مُنْكَر ٤ -٦
منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه،
فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإِيمان))(١) .
وحكى النووي الإجماع على وجوب النهي
عن المنكر(٢) .
وانظر تفصيل ذلك في مصطلح (الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ف ٣).
٥ - واختلف الفقهاء في حكم النهي عن
المنكر هل هو فرض عين أو فرض كفاية،
أو نافلة؟
وتفصيل ذلك في مصطلح (الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ف ٣).
شروط المنكر :
٦ - يشترط في المنكر المطلوب تغييره ما
يلي :
الشرط الأول: أن يكون محظوراً في
الشرع.
الشرط الثاني: أن يكون المنكر موجوداً في
(١) حديث: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ... )).
أخرجه مسلم (٦٩/١ ط عيسى الحلبي) من حديث
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .
(٢) النووي على صحيح مسلم ٢٢/٢، والفواكه الدواني
٣٩٤/٢.
الحال، بأن يكون الفاعل مستمراً على فعل
المنكر، فإن علم من حاله ترك الاستمرار على
الفعل لم يجز إنكار ما وقع على الفعل.
الشرط الثالث: أن يكون المنكر ظاهراً بغير
تجسس .
الشرط الرابع: أن يكون المنكر معلوماً بغير
اجتهاد، أي أن يكون المنكر مجمعاً على
تحریمه(١) .
وقال الغزالي: ولا يقتصر الإِنكار على
الكبيرة، بل يجب النهي عن الصغائر
أيضاً (٢) .
قال الزرقاني: يشترط في المنكر الذي
يجب تغييره معرفته، وأن لا يؤدي ذلك إلى
ما هو أعظم منه مفسدة، وأن يظن الإِفادة.
والأولان شرطان للجواز، فيحرم عند
فقدهما، والثالث للوجوب، فيسقط عند عدم
ظن الإِفادة، ويبقى الجواز إن لم يتأذ في بدنه
أو عرضه، وإلا انتفى الجواز أيضاً.
ويشترط أيضاً في المنكر الذي يجب
(١) الفواكه الدواني ٣٩٤/٢، وشرح إحياء علوم الدين
٧/ ٣٤، وشرح الزرقاني ١٠٨/٣، ١٠٩، والآداب
الشرعية ١/ ١٧٥ وما بعدها.
(٢) إحياء علوم الدين بهامش شرح إتحاف السادة المتقين
٧/ ٣٤، والآداب الشرعية ١٧٥/١ وما بعدها، وتفسير
القرطبي ٣٣٢/١٦.
- ١٢٤ -

مُنْكَر ٦ -٨
تغييره: أن يكون مما أجمع على تحريمه،
أو ضعف مدرك القائل بجوازه، وأما
ما اختلف فيه فلا ينكر على مرتكبه إن علم أنه
يعتقد تحليله بتقليده القائل بالحل .
ولا يشترط في النهي عن المنكر إذن الإِمام
ولا عدالة الأمر أو الناهي على المشهور (١)،
لحديث أنس بن مالك قال: ((قلنا يا رسول الله
لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به، ولا ننهى
عن المنكر حتى نجتنبه كله، فقال
رسول الله وَله: بل مروا بالمعروف وإن لم
تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه
كله)»(٢)
.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (حسبة
ف ٢٨ - ٣٣).
شروط الإِنكار:
٧ - من شروط الإِنكار: أن يغلب على ظنه أنه
لا يفضي إلى مفسدة، وأن يأمن على نفسه
وماله خوف التلف .
(١) شرح الزرقاني ١٠٨/٣ -١٠٩.
(٢) حديث أنس: ((قلنا يا رسول الله ... )).
أخرجه الطبراني في الصغير (١٧٦/٢ ط المكتب
الإِسلامي - بيروت).
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٧٧/٧ -
ط القدسي): رواه الطبراني في الصغير والأوسط من
طريق عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب عن أبيه،
وهما ضعيفان.
وللتفصيل انظر (الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ف ٤).
الإِنكار بغلبة الظن :
٨ - قال القرطبي: للظن حالتان، حالة
تعرف وتقوى بوجه من وجوه الدلالة فيجوز
الحكم بها، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على
غلبة الظن، كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك
من قيم المتلفات وأروش الجنايات.
والحالة الثانية أن يقع في النفس شيء من
غير دلالة، فلا يكون ذلك أولى من ضده،
فهذا هو الشك، فلا يجوز الحكم به، وهو
المنهي عنه .
وقال العز بن عبد السلام: يجب إنكار
المنكر في مثل الحالات التالية :
الأولى: لو رأى إنساناً يسلب ثياب إنسان
لوجب عليه الإِنكار عليه بناءً على الظن
المستفاد من ظاهر يد المسلوب .
الثانية: لو رأى رجلاً يجر امرأة إلى منزله،
يزعم أنها زوجته وهي تنكر ذلك، فإنه يجب
الإِنكار عليه، لأن الأصل عدم ما ادعاه.
الثالثة: لو رأى إنساناً يقتل إنساناً، يزعم
أنه كافر حربي دخل إلى دار الإِسلام بغير أمان
وهو يكذبه في ذلك لوجب عليه الإِنكار،
- ١٢٥ -

مُنْـكـر ٨-١٢
لأن الله خلق عباده حنفاء، والدار دالة على
إسلام أهلها لغلبة المسلمين عليها، ففي هذه
الحالات وأمثالها يعمل بالظنون، فإن أصاب
من قام بها فقد أدی ما أوجب الله علیه إذا قصد
بذلك وجه الله تعالى، وإن لم يصب كان
معذوراً ولا إثم عليه في فعله(١).
أقسام المنكر :
٩ - المنكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان من حقوق الله تعالی .
والثاني: ما كان من حقوق الآدميين.
والثالث: ما كان مشتركاً بين الحقين.
فأما النهي عن المنكر في حقوق الله تعالى
فعلى ثلاثة أقسام :
أحدها: ما تعلق بالعبادات، والثاني: ما
تعلق بالمحظورات، والثالث: ما تعلق
بالمعاملات .
وانظر تفصيل حكم كل فرع منها في
مصطلح (حسبة ف ٣٤).
وجود المنكر في الوليمة :
١٠ - ذهب الفقهاء إلى أن وجود المنكر في
الوليمة يبيح عدم إجابة المدعو إليها، إلا إذا
(١) تفسير القرطبي ٣٣٢/١٦، وقواعد الأحكام ٤٨/٢ -
٤٩.
غلب على ظنه أنه يستطيع إزالة هذا المنكر
وذلك في الجملة(١) .
والتفصيل في مصطلح (وليمة).
إباحة الغيبة لتغيير المنكر :
١١ - قال النووي: تباح الغيبة بستة أسباب،
وعدّ منها: الاستعانة على تغيير المنكر ورد
العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو
قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا
فازجره عنه ونحو ذلك، ويكون مقصوده
إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان
حراماً (٢) .
وانظر مصطلح (غيبة ف ١٠).
الكتابة إلى ذي ولاية لتغيير المنكر :
١٢ - جاء في الفتاوى الهندية للحنفية: رجل
علم أن فلاناً يتعاطى من المنكر هل يحل له أن
يكتب إلى أبيه بذلك؟ قالوا: إن كان يعلم أنه
لو كتب إلى أبيه يمنعه الأب من ذلك ويقدر
عليه يحل له أن يكتب، وإن كان يعلم أن أباه
لو أراد منعه لا يقدر عليه فإنه لا یکتب.
وكذلك فيما بين الزوجين وبين السلطان
(١) شرح الزرقاني ٥٣/٤، وكشاف القناع ١٧٠/٥،
وروضة الطالبين ٧/ ٣٣٤.
(٢) روضة الطالبين ٧/ ٣٣.
- ١٢٦ -

مُنْكَر ١٢ - ١٥
والرعية والحشم، إنما يجب الأمر بالمعروف
إذا علم أنهم يستمعونه. كذا في فتاوى
قاضيخان .
ولو أراد الأب أن يأمر ولده بشيء ويخاف
أنه لو أمره لا يمتثل أمره يقول له: يا ولدي
إن فعلت كذا أو إن لم تفعل كذا يكون
حسناً، ولا يأمره حتى لا يلحقه عقوبة
العقوق(١) .
إظهار أهل الذمة المنكر في دار
الإِسلام:
١٣ - يتضمن عقد الذمة شروطاً يلزم أهل
الذمة الالتزام بها، ومنها عدم إظهار المنكر.
وللتفصيل انظر مصطلح (أهل الذمة
ف ٩).
التدرج في النهي عن المنكر :
١٤ - تغيير المنكر له مراتب، إذ يتدرج من
التنبيه والتذكير إلى الوعظ والتخويف، ثم
الزجر والتأنيب، ثم التغيير باليد، ثم إيقاع
العقوبة بالنكال والضرب، وأخيراً الاستعداء
ورفع الأمر إلى الحاكم.
وللتفصيل انظر مصطلح (حسبة ف ٤٢ -
٤٨).
(١) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٥٣ _٣٥٤.
صور من المنكرات :
أ-منكرات المساجد :
١٥ - قال الغزالي: مما يشاهد كثيراً في
المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في
الركوع والسجود وهو منكر مبطل للصلاة
فيجب النهي عنه، ومن رأى مسيئاً في صلاته
فسكت عليه فهو شريكه في الحرمة (١)، هكذا
ورد الأثر عن بعض الصحابة، وفي الخبر
النبوي ما يدل عليه فقد ورد في الحديث:
((المغتاب والمستمع شريكان في الإِثم))(٢).
وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة من
نجاسة على ثوبه أو بدنه أو موضع الصلاة
لا يراها، أو انحراف عن سمت القبلة بسبب
ظلام أو عمى البصر فكل ذلك تجب الحسبة
فيه ويجب إرشاده بذلك .
ومنها: قراءة القرآن باللحن أي بالخطأ
يجب النهي عنه، ويجب تلقين الصحيح
وتكراره له حتى يعرفه .
(١) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٧/ ٥٢ -
٥٣.
(٢) حديث: ((المغتاب والمستمع شريكان)).
ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (١/ ٢٤٢
ط الحلبي) وقال العراقي: غريب، وللطبراني من
حديث ابن عمر بسند ضعيف: ((نهى رسول الله وَّل عن
الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة)). (الطبراني في الأوسط
٢٠٠/٣ ط مكتبة المعارف - الرياض).
- ١٢٧ -

مُنْكَر ١٥
ومنها تراسل المؤذنين في الأذان
وتطويلهم في كلماته، بحيث يضطرب على
الحاضرين جواب الأذان لتداخل الأصوات،
فكل ذلك منكرات مكروهة يجب تعريفها
إياهم وإرشادهم إلى ما يسن في الأذان
وادابه .
ومن منكرات المساجد: كلام القصاص
والوعاظ الذين يمزجون بكلامهم البدعة مما
لیس في سيرة السلف، فالقاص إن کان یكذب
في أخباره للحاضرين فهو فسق، والإِنكار
علیه واجب لئلا يعتمد على ما يذكره.
وكذا الواعظ المبتدع یجب منعه، ولا
يجب حضور مجلسه إلا على قصد الإِنكار
والرد عليه في بدعته(١) .
ومنها: قراءة القرآن بين يدي الوعاظ على
الأرض أو على الكراسي، مع التمديد
المفرط وهو تمطيط الحروف حتى تتجاوز عن
مخارجها الأصلية، على وجه يغير نظم القرآن
ويجاوز حد الترتيل المأمور به، فهذا منكر
قبيح مكروه شديد الكراهة أنكره جماعة من
السلف منهم أحمد بن حنبل .
ومنها الحلق أي اتخاذها يوم الجمعة وهي
(١) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للغزالي
٧/ ٥٢ _٥٤.
جمع حلقة لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات
والمصنوعات من الحلي والخرز.
وكقيام السُّؤّال في وسط الصفوف، أو على
الأبواب، وقراءتهم القرآن ونشيدهم
الأشعار، فهذه الأشياء منها ما هو حرام لكونه
تلبيساً أو كذباً، فهذا حرام في المسجد
وخارج المسجد، ويجب المنع منه،
وخصوصاً في المسجد فإنه لم یبن لذلك، بل
كل بيع فيه كذب وتلبيس وإخفاء عيب من
عيوبه على المشتري فهو حرام(١) .
ومنها: دخول المجانين والصبيان
والسكارى في المسجد، فإن هؤلاء مسلوبو
الاختيار لا يتحفظون على أنفسهم،
فالمجانين قد يخشى منهم تلويث المسجد
بنحو مخاط أو بول، أو شتمهم ونطقهم بما
هو فحش، أو تعاطيهم لما هو منكر ككشف
العورة.
ومنها: خروج المرأة إلى المسجد متزينة
متعطرة، فهذا منکر لا یسکت عليه.
ومنها: أن يأكل الثوم أو البصل ويأتي إلى
المسجد. وقد نهى رسول الله وَ ل عن ذلك
كما في حديث جابر رضي الله عنه: ((من أكل
من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا،
(١) إتحاف السادة المتقين ٧ /٥٥، ٥٦ .
- ١٢٨ -

مُنْكَر ١٥ - ١٧
فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإِنس))(١) .
ب- منكرات الأسواق:
١٦ - من المنكرات المعتادة في الأسواق:
الكذب في المرابحة، وإخفاء العيب في
السلع، وكذا في الشروط الفاسدة المعتادة بين
الناس يجب الإِنكار فيها فإنها مفسدة للعقود
أو مبطلة على رأي، وكذا في الربويات كلها
وهي غالبة في الأسواق، وكذا سائر
التصرفات الفاسدة فإنه يجب الإِنكار فيها،
ومنها بيع الملاهي أي آلاتها كالعود والقانون
والطنبور والربابة، فلذلك يجب كسرها
والمنع من بيعها كالملاهي، وكذا بيع ثياب
الحرير وقلانس الذهب والحرير التي
لا تصلح للرجال، ويعلم بعادة البلد أنه
لا يشتريه إلا الرجال، فكل ذلك منكر محظور
يجب المنع عنه (٢).
ج - منكرات الشوارع:
١٧ - الشوارع هي الطرق العامة شرعت
لسلوك الناس ومرورهم فيها لحاجاتهم.
فمن المعتاد فيها وضع الأسطوانات وهي
(١) حديث جابر بن عبد الله: ((من أكل من هذه الشجرة
المنتنة . . .)).
أخرجه مسلم (١ / ٣٩٤ ط عيسى الحلبي).
(٢) إتحاف السادة المتقين ٧ / ٥٧ .
الأعمدة سواء كانت من حجر أو خشب
أو بناء، وكذا غرس الأشجار، ووضع
الخشب، ووضع أحمال الحبوب والأطعمة
على الطرق، فكل ذلك منكر إن كان
يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة
بها .
وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث
يضيق على المارة وينجس المجتازين بالبول
والروث، فهذا منكر يجب المنع منه إلا بقدر
حاجة النزول والركوب .
وكذلك تحميل الدواب من الأحمال ما
لا تطيقها منكر يجب منع الملاك منه، ويؤمر
بتخفيفها .
وكذلك القصاب إذا كان يذبح في الطريق،
فيلوث الطريق بالدم والفرث منكر يجب المنع
منه .
وكذلك طرح القمامة مثل الحيوان الميت
من هرة أو دجاجة على جوانب الطريق كل
ذلك من المنكرات .
وكذلك إرسال الماء من المزاريب، وهي
مسايل المياه من السطوح.
وكذلك إن كان له كلب عقور على باب
داره يؤذي الناس ويعقرهم فهذا منكر يجب
منعه منه، لأن الشوارع إنما جعلت مشتركة
- ١٢٩ -

مُنْكَر ١٧ -١٩
المنافع بين الناس(١).
د- منكرات الحمامات:
١٨ - منكرات الحمامات كثيرة، منها:
الصور التي تکون علی باب الحمام، أو داخل
الحمام يجب إزالتها على كل من يدخلها إن
قدر، فإنه منکر .
ومن منكرات الحمامات كشف العورات
والنظر إليها قصداً، ومن جملتها كشف
الدلاك عن الفخذ وما تحت السرة في تنحية
الوسخ، بل من جملتها إدخال اليد تحت
الإِزار، فإن مس عورة الغير حرام كالنظر
إليها، فهذا كله مكروه ومنکر .
وكذلك كشف العورة للحجام والفصاد
الذمي، فإن المرأة لا يجوز لها أن تكشف
بدنها للذميات في الحمام.
ومنها أن يكون في مداخل بيوت الحمام
ومجاري مياهها حجارة ملس مزلقة للأقدام،
فهو منكر يجب قلعه وإزالته وينكر على
الحمامي إهماله.
وكذلك ترك السدر والصابون المزلق
للأقدام على أرض الحمام منكر يجب
إزالته(٢) .
(١) إتحاف السادة المتقين ٥٨/٧ .
(٢) إتحاف السادة المتقين ٥٩/٧ - ٦٠.
هـ- منكرات الضيافة:
١٩ - من منكرات الضيافة فرش الحرير
للرجال فهو حرام، وكذلك تبخير البخور في
مجمرة فضة أو ذهب، أو الشرب منهما
أو استعمال ماء الورد منهما .
ومنها إسدال الستور وعليها الصور.
ومنها سماع الأوتار أو سماع القينات فإنه
منكر مسقط لوجوب الدعوة .
ومنها اجتماع النساء على السطوح وفي
الرواشن المشرفة على مقاعد الرجال للنظر
للرجال، فكل ذلك محظور ومنکر یجب
تغييره .
ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج عن ذلك
المجلس، فلا رخصة في مشاهدة المنكرات.
ومنها أن يكون في الضيافة مبتدع يتكلم في
بدعته، ويحمل الناس عليها، فإن كان
المتکلم یضحك بالفحش والكذب لم یجب
الحضور، وعند الحضور يجب الإِنكار.
ومنها الإِسراف في الطعام فإنه منکر .
ومنها صرف المال إلى النائحة في الموت،
والغناء والطرب في الأفراح فهذه منكرات
كلها(١).
(١) إتحاف السادة المتقين ٧/ ٦٠ وما بعدها.
- ١٣٠ -

٠٠
مُنْكَر ٢٠، مَنّ ١
و- المنكرات العامة :
٢٠ - قال الغزالي: اعلم أن كل قاعد في بيته
أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن
منكر، من حيث التقاعد عن إرشاد الناس
وتعليمهم وحملهم على المعروف، وكل من
رأى منكراً من مناكير الشرع على الدوام، أي
من تيقن أن في السوق منكراً، أو في وقت
بعينه، وهو قادر على تغييره باليد أو باللسان
فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود
في البيت، بل يلزمه الخروج.
فإن كان لا يقدر على تغيير الجميع، وهو
يحترز عن مشاهدته، ويقدر على تغيير البعض
لزمه الخروج. وإنما يمنع الحضور لمشاهدة
المنكر إذا كان من غير غرض صحيح.
فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه
فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك
المحرمات، ثم يعلم ذلك أهل بيته: زوجته
وولده وخادمه، ثم يتعدى عند الفراغ منهم
إلى جيرانه ثم إلى محلته، ثم إلى أهل بلده،
ثم إلى السواد - أي الريف ــ المكتنف
لبلده، أي: المحيط به، فينهى عن المنكر
بقدر استطاعته، فإنه مأجور ومثاب إن
شاء الله(١).
(١) إتحاف السادة المتقين ٧ /٦٣ - ٦٤ .
مَنّ
التعريف :
١ - المنّ لغة يطلق على معانٍ عدة: فيطلق
على الإِنعام، وعلى تعداد الصنائع، كأن
یقول: أعطيتك كذا، وفعلت بك كذا .
كما يطلق على مكيال أو ميزان.
وعلى قطع الشيء: من مننت الحبل :
قطعته فهو ممنون .
وعلى شيء ينزل من السماء يشبه
العسل، قال تعالى في معرض الامتنان على
بني إسرائيل: ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَرِنَّ
وَالسَّلْوَى﴾(١).
والمنة بالضم: الضعف والقوة من أسماء
الأضداد .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٢)
اللغوي(٢).
(١) سورة الأعراف/ ١٦٠ .
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، وابن عابدين ٧٦/٢،
والبحر الرائق ٢٧٤/٢، والمحلي شرح المنهاج
٢ /١٧.
- ١٣١ -

مَنّ ١ - ٣
الأحكام المتعلقة بالمنّ :
تتعلق بالمن أحکام منها :
أ- المن باعتباره مقداراً شرعياً:
٢ - اختلف الفقهاء في تحديد مقدار المنّ.
فذهب الحنفية إلى أن المدّرطلان،
والرطل نصف منّ، والمنّ بالدراهم مائتان
وستون درهماً، وبالمثاقيل أربعة ونصف
فالمد والمنّ سواء، كل منهما ربع صاع،
رطلان بالعراقي والرطل مائة وثلاثون
درهماً(١).
وضبط الإِمام الرافعي من أئمة الشافعية
الأوسق الخمسة التى هى نصاب القوت
بالمنّ، ولم يضبطها بالأرطال لا بالبغدادية
ولا الدمشقية بقوله: والأوسق الخمسة
بالمنّ الصغير: ثمانمائة منّ، وبالمنّ الكبير
الذي وزنه ستمائة درهم: ثلثمائة وأربعون منّاً
وثلثا منّ، وقال الخطيب الشربيني: واستفدنا
من ذلك أن الرطل الدمشقي مساوٍ للمنّ
الكبير، وأن المنّ الصغير مساوٍ رطلين
بالبغدادي(٢).
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٧٦ .
(٢) مغني المحتاج ٣٨٣/١، والمحلي شرح المنهاج
١٧٢/٢، وانظر كشاف القناع ٢٠٦/٢ .
ب- المنّ بمعنى ذكر النعمة على الغير:
حكم المن :
٣ - المنّ إن كان من الله فهو تذكير المخلوق
بخالقه الذي أنعم عليه، وتنبيهه ليشكره، وفي
الدعاء المأثور: ((اللهم إني أسألك بأن لك
الحمد، لا إله إلا أنت المنّان))(١).
وإن كان المنّ من العبد فهو تعداد الصنائع
والتقريع بها والتعبير وهي من الكبائر، وتبطل
ثواب الصدقة(٢) .
فقد دلّ القرآن الكريم بالنص والإِيماء بأن
المنّ والأذى يبطلان ثواب الصدقة، حیث بیّن
فضل الإنفاق في سبيل الله في قوله تعالى:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ
حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَيْعَ سَنَائِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٌ
وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾(٣).
ثم أخبر في الآية التالية أن الإِنفاق المذكور
الذي يضاعف ثوابه لصاحبه هو الإنفاق الذي
يخلو عن المنّ والأذى، فقال عزّ من قائل:
اُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ
(١) حديث: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ... )).
أخرجه النسائي (٥٢/٣) عن أنس أنه كان مع رسول الله وَّ
جالساً ورجل قائم يصلي ... ثم دَعَا: بهذا الدعاء فقال
النبي ◌َّل: ((والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم
الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)).
(٢) الآداب الشرعية ٣٥٨/١، وتفسير القرطبي ٣٠٨/٣.
(٣) سورة البقرة/ ٢٦١.
- ١٣٢ -

مَنّ ٣
مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَآ أَذِىٌ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا
(١)
٢٦٢
خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
والمفهوم من ذلك أن الذين يتبعون ما أنفقوا
منّاً وأذى ليس لهم عند ربهم أجر، ولا أمن من
الخوف والحزن .
ثم بيّن سبحانه وتعالى أن كلمة طيبة ورداً
جميلاً والدعاء للسائل والتأنيس والترجية بما
عند الله خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة،
وفي حقيقتها لا شيء، لأن ذكر القول
المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر لها،
قال ◌َله: ((الكلمة الطيبة صدقة))(٢)، و((لا
تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك
بوجه طلق))(٣)، فيتلقى المسؤول السائل
بالبشر والترحيب ويقابله بالطلاقة والتقريب،
ليكون مشكوراً إن أعطى، ومعذوراً إن منع،
فالستر منه عليه لما علم من خلته وسوء حاله
خير عند الله من صدقة يتصدقها عليه، ويتبعها
أذىٌ ومنّاً (٤). قال عز من قائل: ﴿﴿ قَوْلٌ
(١) سورة البقرة/ ٢٦٢ .
(٢) حديث: ((الكلمة الطيبة صدقة)).
أخرجه البخاري (الفتح ١٣٢/٦)، ومسلم (٦٩٩/٢)
من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً ... )).
أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٢٦) من حديث أبي ذر.
(٤) تفسير القرطبي ٣٠٩/٣ في تفسير آيات من سورة البقرة
من الآية ٢٦١ - ٢٦٣.
مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذَىْ وَاَللَّهُ
غَنِىُّ حَلِيمٌ الْم﴾(١).
ثم ذكر القرآن الكريم بعد ذلك بالنص
حكم الصدقة التي يتبعها المنّ والأذى في قوله
تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ
بِالْمَنِّ وَاُلْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَّءَ النَّاسِ وَلَا
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ
تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَّدًّا لَّا يَقْدِرُونَ
عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
(٢)
(٣٦٤)
اُلْكفرینَ
فشبه سبحانه الذي يمنّ ويؤذي في صدقته
بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله،
وبالكافر الذي ينفق ماله ليقال: إنه جواد
ويثنى عليه أنواع الثناء .
ومثّل سبحانه المنفق المنان بصفوان
- حجر أملس - عليه تراب، فيظنه الرائي
أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر
أذهب عنه التراب وبقي صلداً، فكذلك
المرائي والمنّان، فالمنّ والرياء والأذى
تكشف عن النية في الآخرة كما يكشف المطر
الغزير عن الحجر الأملس (٣).
وقيل: المراد بالآية إبطال الفضل دون
(١) سورة البقرة/ ٢٦٣.
(٢) سورة البقرة/ ٢٦٤ .
(٣) تفسير القرطبي ٣١١/٣ وما بعدها.
- ١٣٣ -

٠٠
مَنّ ٣ -٤
أصل الثواب، وقيل : إنما يبطل من ثواب صدقته
من وقت منّه وإيذائه، وما قبل ذلك يكتب له
ويضاعف، فإذا منّ وأذى انقطع التضعيف، لأنه
ورد أن الصدقة تربى لصاحبها حتى تكون أعظم
من الجبل(١)، فإذا خرجت من يد صاحبها
خالصة لوجه الله ضوعفت، فإذا جاء المنّ بها
والأذى وقف بها هناك وانقطع التضعيف عنها،
والقول الأول أظهر (٢) .
وقد جاء في السنة الصحيحة أن المنان
لا يكلمه الله ولا ينظر إليه، كما في حديث
أبي ذر رضي الله عنه: ((ثلاثة لا يكلمهم الله
يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم
عذاب أليم. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من
هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان،
والمُنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب))(٣).
(١) ورد ذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن
رسول الله وَليل أنه قال: «ما تصدق أحد بصدقة من طيب
ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن
كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من
الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوّه أو فصيله)).
أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٢)، وهو في البخاري (الفتح
٢٧٨/٣) بلفظ مقارب.
(٢) تفسير القرطبي ٣٠٦/٣ -٣٢٠ عند تفسير الآيات
٢٦٢ _ ٢٦٧ من سورة البقرة.
(٣) حديث أبي ذر: ((ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم
القيامة ... )).
أخرجه مسلم (١ / ١٠٢).
رفض التبرع خوفاً من المنّة :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز
للمكلف عدم قبول التبرع، وإن تعيّن لأداء
فرض، حيث قالوا: إذا لم يجد المكلف ماء
للطهارة بعد دخول الوقت، أو لم يجد ما
یشتري به، فوهب له شخص الثمن لم يجب
قبوله لما فيه من المنّة .
قال الشافعية: لو وهب ثمن الماء أو ثمن
آلة الاستقاء، أو أقرض ثمن ذلك ــ وإن کان
موسراً بمال غائب - فلا يجب قبوله لعظم
المنّة ولو من الوالد لولده.
أما إن وُهب له الماء أو أعير آلة الاستسقاء
فيجب عليه قبوله عند المالكية والشافعية في
الأصح والحنابلة، لأن المسامحة بذلك غالبة
فلا تعظم فيه المنّة.
إلا أن المالكية قيدوا اللزوم بما إذا لم
يتحقق منه منّة قالوا: وهذا في منّة يظهر لها
أثر، وأما التافه فیلزمه قبوله.
والقول الثاني عند الشافعية: لا يجب قبول
الماء للمنّة كالثمن (١)
.
وقال أبو حنيفة في ظاهر الرواية وأبو
(١) مغني المحتاج ٩٠/١ -٩١، والمحلي ٨١/١، وشرح
الزرقاني ١١٨/١، والشرح الصغير ١٨٨/١، والمغني
٢٤٠/١.
- ١٣٤ -

مَنّ ٤ -٦
یوسف ومحمد: يجب عليه سؤال رفيقه الماء
والدلو ولا یتیمم حتی یسأله، فإن منعه تیمم،
لأن الماء مبذول عادة فكان الغالب الإعطاء،
وقال الحسن بن زياد من الحنفية بناءً على ما
رواه عن أبي حنيفة في غير ظاهر الرواية:
لا يجب عليه السؤال، لأن في السؤال ذلاً ،
وفيه بعض الحرج، وما شرع التيمم إلا لدفع
الحرج(١).
وفي الذخيرة نقلاً عن الجصاص: أنه لا
خلاف - في غير ظاهر الرواية - بين أبي
حنيفة وصاحبيه، فمراد أبي حنيفة من عدم
اللزوم فیما إذا غلب على ظنه منعه إياه، ومراد
الصاحبين في لزومه عند غلبة الظن بعدم
المنع (٢) .
جاء في البحر: أنه إذا كان له مال غائب
وأمكنه الشراء بثمن مؤجل وجب عليه
الشراء، بخلاف ما إذا وجد من يقرضه
فإنه لا يجب عليه، لأن الأجل لازم في
الشراء ولا مطالبة قبل حلوله بخلاف
(٣)
القرض(٣).
(١) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ١/ ٤٤، والبحر
الرائق ١/ ١٧٠، وابن عابدين ١ / ١٦٧ .
(٢) البحر الرائق ١/ ١٧٠، وحاشية ابن عابدين
١٦٧/١.
(٣) البحر الرائق ١/ ١٧١، وابن عابدين ١٦٧/١.
٥ - نص الشافعية على أنه إن تبرع رجل بنفقة
زوجة المعسر العاجز عن إنفاقها لم يلزمها
القبول، ولها الفسخ لعدم النفقة لعظم المنّة،
كما لو كان لها دين على شخص فتبرع غيره
بأدائه لها لا يلزمه القبول، لما فيه من المنّة،
وحكى ابن كج وجهاً: أنه لا خيار لها، وبه
أفتى الغزالي، لأن المنّة على الزوج لا عليها،
ولو سلمها المتبرع للزوج ثم سلمه الزوج لها
لم يفسخ، ولو كان المتبرع أباً أو جداً والزوج
تحت حجره وجب عليها القبول(١) .
المنّ على الأسرى :
٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أن للإِمام أن يمنّ
على أسرى الحرب من الرجال البالغين إن
رأى مصلحة في المنّ عليهم(٢).
والتفصيل في مصطلح: (أسرى ف ١٧).
(١) مغني المحتاج ٤٤٣/٣ .
(٢) نهاية المحتاج ٦٥/٨، والبدائع ١٢١/٧، وحاشية
الدسوقي ١٨٤/٢، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥٢٠.
- ١٣٥ -

مَنِيحَة ! -٤
مَنِيحَة
التعريف :
١ - المنيحة في اللغة يقال: منحته منحاً من
باب نفع وضرب: أعطيته، والاسم المنیحة،
والمنيحة كالمِنْحة بكسر الميم: هي الشاة
أو الناقة یعطیھا صاحبها رجلاً یشرب لبنها ثم
يردها إذا انقطع اللبن، ثم كثر استعماله حتى
أطلق على كل عطاء .
وفي الاصطلاح: هي ما يعطى من النخل
والناقة والشاة وغيرها ليتناول ما يتولد منه
كالثمر واللبن، وهي عارية، وقد تكون
تمليكاً(١).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العارية:
٢ - العارية مأخوذة من عار: ذهب وجاء
بسرعة، أو من التعاور: أي التناوب.
(١) المصباح المنير، وفتح الباري ٢٢٨/٥ -٢٢٩، ونيل
الأوطار ٣٢٣/٥، وقواعد الفقه للبركتي.
والعارية في الاصطلاح عرّفها الفقهاء
بتعریفین :
أولهما: هي إباحة الانتفاع بما يحل
الانتفاع به مع بقاء عينه ليردّه(١) .
والثاني: هي تمليك المنافع بغير عوض (٢).
والصلة بينهما أن المنيحة نوع من أنواع
العارية .
بـالعمرى:
٣ - العمرى هي: تمليك منفعة شيء مملوك
- عقاراً أو غيره - إنساناً أو غيره في حياة
المُعْطَى - بفتح الطاء - بغير عوض(٣).
والصلة بينهما : أن المنيحة خاصة بلبن شاة
أو بقرة أو ناقة وترد لصاحبها، أما العمرى
فتكون منفعتها مدة العمر .
ج- الهبة :
٤ - الهبة: تمليك عين بلا عوض في حالة
الحياة تطوعاً (٤).
(١) تحفة المحتاج ٤٠٩/٥، ومغني المحتاج ٢٦٣/٢،
والمغني ٢٢٠/٥ ط الرياض.
(٢) تبيين الحقائق ٨٣/٥، والشرح الصغير ٣/ ٥٧٠،
والزرقاني ١٢٦/٦ .
(٣) تبيين الحقائق ٩١/٥، والشرح الصغير ٤/ ١٦٠،
وروضة الطالبين ٣٧٠/٥، ومغني المحتاج ٣٩٦/٢ .
(٤) المراجع السابقة .
- ١٣٦ -

مَنِحَة ٤ -٦
والصلة بينها وبين المنيحة: أن الهبة أعم
من المنيحة .
الأحكام المتعلقة بالمنيحة :
يتعلق بالمنيحة أحكام منها :
أ- الترغيب في المنيحة:
٥ - إعطاء المنيحة من أعمال البر والإحسان،
رغّب الشارع إليها، قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَّآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾(١).
وقد وردت أحاديث كثيرة فى فضل إعطاء
المنيحة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه
قال: قال رسول الله ◌َيّة: ((نعم المنيحة اللقحة
الصفِي منحة، والشاة الصفي تغدو بإناء وتروح
بإناء))(٢)، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول:
أربعون خصلة، أعلاهن منيحة العنز، ما من
عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق
موعودها إلا أدخله الله بها الجنة))(٣).
ب- صيغة إعطاء المنيحة :
٦ - قال بعض مشايخ الحنفية: صيغة المنيحة
(١) سورة النحل / ٩٠.
(٢) حديث: ((نعم المنيحة اللقحة الصفيَّ ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٢٤٢).
(٣) حديث: ((أربعون خصلة أعلاهن منيحة ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٢٤٣).
أن يقول: منحتك هذه الشاة أو الناقة، لأن
المنح صريح في العارية، فتنفذ بها من غير
توقف على نية، ومجاز في الهبة إذا نوى
انعقدت به .
وفصّل أبو بكر المعروف بخواهر زاده،
وقال: إذا قال: منحتك أرضي ونحو ذلك، فإن
هذا اللفظ إن كان مضافاً إلى ما يمكن الانتفاع به
مع بقاء عينه يكون عارية، وإن كان مضافاً إلى ما
لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدراهم
والطعام تكون هبة، لأن المنحة تذكر ويراد بها
العارية، وفي الحديث: ((المنحة مردودة))(١)،
وأراد عليه السلام: العارية؛ لأن الهبة لا تكون
مردودة، وإنما المردودة العارية. وتذكر ويراد
بها الهبة، يقال: فلان منح فلاناً أي : وهب له،
وإذا كانت اللفظة صالحة للأمرين جميعاً
والعمل بهما متعذر في عين واحدةــ لأن العين
الواحدة لا يتصور أن تكون في محلين: هبة
وعارية في وقت واحد - عملنا بهما مختلفين،
فقلنا: إذا أضيفت المنحة إلى عين يمكن
(١) حديث: ((المنحة مردودة)).
أخرجه أحمد (٢٩٣/٥) من حديث سعيد بن أبي سعيد
عمن سمع النبي ◌َّل، وقال الهيثمي (مجمع الزوائد
٤ / ١٤٥): رواه أحمد ورجاله ثقات، وقد ورد بلفظ
((المنيحة مردودة)) من حديث ابن عمر عند البزار (كشف
الأستار ٩٩/٢ ط مؤسسة الرسالة)، وذكر الهيثمي
تضعيف أحد رواته .
- ١٣٧ -

مَنِیحَة ٦ - ٧
الانتفاع به مع بقاء عينه جُعل عارية، وإن
أضيفت إلى عين لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء
ـة(١)
عينها جعلت هبةُ
.
وقال الشافعية: إن المنح من صرائح صيغ
الهبة، وعليه إذا قال: منحتك هذه الناقة
أو الشاة، تكون هبة عندهم، لأنه لفظ صريح
في محلّه ونافذ في موضعه، فلا يكون صريحاً
في غيره ولا مجازاً(٢) .
وطريقة إعارة ذوات الألبان أن يقول:
أعرتك هذه الشاة أو الناقة - وهي المنيحة -
لأخذ درها ونسلها کإباحة ما ذُكر، وصحت
العارية لأنها تتضمن: إعارة أصلها وهو العين
المعارة، والفوائد إنما جعلت بطريق الإِباحة
والتبع وليست مستفادة بالعارية، بل بالإِباحة،
لأن العارية بالمنافع لا بالأعيان، واللبن
والنسل أعيان، والمعارهو الشاة أو الناقة(٣).
جاء في الحاوي الكبير: وما كانت منافعه
عيناً كذوات اللبن من المواشي كالغنم والإِبل
فلا يجوز أن يعار ولا أن يؤجر، لاختصاص
العارية والإِجارة بالمنافع دون الأعيان، ولكن
يجوز أن يمنح.
(١) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي ٥/ ٨٤، والبحر الرائق
٢٨٠/٧.
(٢) تحفة المحتاج ١٩٨/٦، ومغني المحتاج ٣٩٧/٢.
(٣) تحفة المحتاج ٤١٥/٥ -٤١٦، والمغني ٦٥٧/٥.
قال الشافعي: المنحة أن يدفع الرجل ناقته
أو شاته لرجل ليحلبها ثم يردها فيكون اللبن
ممنوحاً، ولا ينتفع بغير اللبن(١).
وإن أعار شاة أو دفعها له وملّكه درّها
ونسلها لم يصح، لأنه أخذها بهبة فاسدة، لأن
اللبن والنسل مجهولان غير مقدوري التسليم
فلا يصح تمليكهما، ويضمن الشاة بحكم
العارية الفاسدة، وللعقود الفاسدة حكم
صحيحها في الضمان وعدمه(٢) .
ج - ضمان المنيحة :
٧ - المنيحة عارية يجري عليها أحكام العارية،
فيجب ردها إن كانت باقية بغير خلاف .
ويضمن المستعير إن تلفت بتعدّ
بالإِجماع، وإن تلفت بلا تعدٍّ فمضمونة عند
الشافعية والحنابلة إذا لم تتلف بالاستعمال
.(٣)
المأذون، وغير مضمونة عند الحنفية
٠
والتفصيل في مصطلح: (إعارة ف ٥).
(١) الحاوي الكبير ٧/ ١١٧ .
(٢) مغني المحتاج ١٣٧/٢، وتحفة المحتاج ٨٨/٥ .
(٣) تبيين الحقائق ٥/ ٨٥، ونهاية المحتاج ١٢٤/٥ -
١٢٥، والمغني ٢٢١/٥.
- ١٣٨ -

مَنِي ١ - ٣
مَنِيّ
التعريف :
١ - المنيّ في اللغة ــ مشددة الياء والتخفيف
لغة - ماء الرجل والمرأة وجمعه مُنْي(١)،
ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَ يَكُ نُطْفَةً مِّنْ غَنِيّ
يُمْنَى (٣)﴾(٢).
وفي الاصطلاح: هو الماء الغليظ الدافق
الذي يخرج عند اشتداد الشهوة (٣) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ-المذي:
٢ - المذي في اللغة: ماء رقيق يخرج عند
الملاعبة أو التذكر، ويضرب إلى البياض،
وقال الفيومي : فيه ثلاث لغات الأولى:
سكون الذال، والثانية: كسرها مع تثقيل
الياء، والثالثة : الكسر مع التخفيف .
(١) لسان العرب، وتاج العروس، والزاهر، والمصباح
المنير .
(٢) سورة القيامة/ ٣٨.
(٣) المغني لابن قدامة ١ / ١٩٩.
والمذّاء فعال للمبالغة في كثرة المذي، من
مذی یمذي(١) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٢)
اللغوي(٢).
والصلة بين المذي والمنيّ : أن المنيّ يخرج
على وجه الدفق بشهوة، وأما المذي فيخرج
لا على وجه الدفق(٣).
ب-الودي:
٣ - الودي في اللغة بإسكان الدال المهملة
وتخفيف الياء وتشديدها: الماء الثخين
الأبيض الذي يخرج في إثر البول (٤).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٥)
اللغوي
والصلة بينهما أن المني يخرج بشهوة وأن
الودي يخرج بلا شهوة عقب البول .
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط،
ومعجم متن اللغة .
(٢) المبسوط ٦٧/١، والفتاوى الهندية ١٠/٩، وقواعد
الفقه للبركتي ص ٤٧٦، وكفاية الطالب ١/ ١٠٧،
وأسهل المدارك ٦١/١، وشرح المنهاج ٧٠/١،
والمغني مع الشرح ١/ ٧٣١ .
(٣) المجموع شرح المهذب ٢/ ١٤٢ .
(٤) لسان العرب، وتاج العروس، والمصباح المنير،
والزاهر، والصحاح.
(٥) حاشية العدوي ١١٥/١، وكفاية الطالب ١٠٧/١،
والزاهر ص ٤٩، وقواعد الفقه للبركتي ص ٤٧٦،
وأسهل المدارك ١ / ٦٢ .
- ١٣٩ -

مَنِي ٤-٥
الأحكام المتعلقة بالمني :
حکم إنزال المني بالید :
٤ - اختلف الفقهاء في حكم إنزال المني
باليد، فذهب المالكية والشافعية إلى أن
الاستمناء باليد حرام وفيه التعزير(١) .
وقال الحنفية: يكره تحريماً الاستمناء
بالكف ونحوه بدون عذر، لقوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ (٥) إِلَّا عَلَ
أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ
مَلُومِينَ (®)﴾(٢)، فلم يبح الاستمتاع إلا
بالزوجة والأمة، وأيضاً فإن فيه سلخ الماء،
وتهييج الشهوة في غير محلها بغير عذر .
أما إذا وجد عذر كما إذا تعين الخلاص من
الزنا بالاستمناء وكان عزباً لا زوجة له ولا
أمة، أو كان إلا أنه لا يقدر على الوصول إليها
لعذر فإنه يجب، لأنه أخف، وعبارة صاحب
فتح القدير: فإن غلبته الشهوة ففعل إرادة
تسكينها به فالرجاء ألا يعاقب (٣).
والمذهب عند الحنابلة أن الاستمناء باليد
لغير حاجة حرام وفيه التعزير، وفي رواية عن
الإِمام أحمد أنه يكره.
(١) الخطاب ٣٢٠/٦، والدسوقي ١٧٣/١، وروضة
الطالبين ٩١/١٠، ونهاية المحتاج ١٦٩/٣.
(٢) سورة المعارج/ ٢٩ - ٣٠.
(٣) ابن عابدين ٢/ ١٠٠ .
وإن كان الاستمناء خوفاً من الزنى جاز ولا
شيء عليه، وهذا هو المذهب.
قال صاحب الإِنصاف: لو قيل
بوجوبه في هذه الحالة لكان له وجه
کالمضطر .
وفي رواية عن الإِمام أحمد أنه يحرم ولو
خاف الزنى. قال في الإِنصاف: لا يباح
الاستمناء إلا عند الضرورة، ثم قال: وحكم
المرأة في ذلك حكم الرجل(١) .
ويجوز عند جميع الفقهاء الاستمناء بيد
الزوجة(٢) .
طهارة المني ونجاسته :
٥ - ذهب الحنفية والمالكية وهو قول عند
الشافعية والحنابلة إلى أن المني نجس (٣)
ولهم في ذلك تفصيل .
فقال الحنفية: إن المني نجس سواء من
(١) الإنصاف ٢٥١/١٠، ٢٥٢، وكشاف القناع ١٨٨/٥ .
(٢) المراجع السابقة .
(٣) البناية على الهداية ١/ ٧٢٠، وحاشية ابن عابدين
٢٠٨/١، وبدائع الصنائع ٦٠/١ -٦١، وحاشية
الدسوقي على الشرح الكبير ٥٦/١، والخرشي
٩٢/١، والخطاب ١٠٤/١، وشرح منتهى الإِرادات
١٠٢/١، والمبدع شرح المقنع ٣٣٨/١، والفروع
١/ ٢٤٧، والإنصاف ١/ ٣٤٠، ومغني المحتاج
٨٠/١.
- ١٤٠ -