النص المفهرس
صفحات 61-80
مُنَاسَبة ٣ -٨ ظنهم أنه یضاهیه لمعنی او یشبهه، ثم قال: فالأولى الاعتماد لإِفادة المناسبة للعلية على العمومات الدالة على الأمر بالقياس(١). تقسیم المناسب : ٤ - ينقسم المناسب من حيث الحقيقة والإِقناع: إلى حقيقي وإقناعي، لأن المناسب إن كان بحيث لا يزول بالتأمل فيه فهو الحقيقي وإلا فهو الإقناعي . والحقيقي ينقسم إلى ما هو: واقع في محل الضرورة، أو محل الحاجة، أو محل التحسين(٢) . تقسيم المناسبة من حيث الاعتبار الشرعي وعدمه : تنقسم المناسبة باعتبار شهادة الشرع لها بالملاءمة والتأثير وعدمها، إلى ثلاثة أقسام : الأول: أن يلغيه الشارع: ٥ - إذا أورد الشارع الفروع على عكس المناسبة، فلا إشكال في أنه لا يجوز التعليل به، وذلك كإيجاب صوم شهرين في كفارة الجماع في نهار رمضان على مالك الرقبة، (١) البحر المحيط ٢٠٧/٥. (٢) التحصيل في المحصول ١٩٢/٢، وشرح الأسنوي على منهاج الأصول للبيضاوي ٣/ ٦٩، والبحر المحيط ٢٠٨/٥. فإنه وإن كان أبلغ في ردعه من العتق، إلا أن الشارع بإيجابه الإِعتاق ابتداء ألغاه، فلا يجوز اعتباره . الثاني : أن يعتبره الشارع: ٦ - وذلك بأن يورد الشارع الفروع على وفق المناسبة، وليس المراد باعتباره: أن ينص الشارع على العلة أو يومىء إليها، وإلا لم تكن العلة مستفادة من المناسبة(١) . الثالث: أن لا يعلم اعتبار الشارع ولا إلغاؤه : ٧ - وهو الذي لا يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالاعتبار ولا بالإلغاء، وهو المسمى ((بالمصالح المرسلة)) وقد اعتبره المالكية من أدلة الفقه(٢). تقسيم المناسبة من حيث التأثير والملاءمة : تنقسم المناسبة إلى مؤثر وملائم وغريب : ٨ - الأول: المؤثر: وهو ما ظهر تأثيره في (١) البحر المحيط ٢١٤/٥ وما بعده، وشرح الأسنوي على منهاج الأصول ٣/ ٧٧ وما بعدها. (٢) البحر المحيط ٢١٥/٥، والأسنوي على منهاج الأصول ٨٥/٣. - ٦١ - مُنَاسَبة ٨ -١٠ الحكم بنص أو إجماع، وسميّ مؤثراً، لظهور تأثير الوصف في الحكم. فالنص كمسّ المتوضىء ذكره، فإنه اعتبر عينه في عين الحدث بنص الحديث عليه: ((من مسّ ذكره فلا يصل حتى يتوضأ))(١)، والإِجماع: كقياس الأَمة على الحرة في سقوط الصلاة بالحيض، لما فيه من مشقة التكرار، إذ ظهر تأثير عينه في عين الحكم بالإِجماع، ولكن في محل مخصوص، فعُدي إلى محل آخر. وهذا لا خلاف في اعتباره عند القائلين بالقياس(٢) . ٩ - الثاني: الملائم: وهو أن يعتبر الشارع عينه في عين الحكم، بترتب الحكم على وفق النصّ، لا بنص ولا إجماع، وسمي ملائماً لكونه موافقاً لما اعتبره الشارع، وهذه المرتبة دون ما قبلها، ومثّله صاحب روضة الناظر من أصوليي الحنابلة: بظهور المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض، فإنه ظهر تأثير جنس (١) حديث: ((من مسّ ذكره ... )). أخرجه الترمذي (١٢٦/١) من حديث بسرة بنت صفوان وقال: حديث حسن صحيح. (٢) روضة الناظر ٨٤٩/٣ - ٨٥٠، والبحر المحيط ٢١٦/٥ وما بعدها. الحرج في إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض كتأثير مشقة السفر في إسقاط الركعتين الساقطتين بالقصر. ١٠ - الثالث: الغريب: وهو أن يعتبر عينه في عين الحكم فترتب الحكم وفق الوصف فقط، ولا يعتبر عين الوصف في جنس الحكم ولا عينه، ولا جنسه في جنسه بنص أو إجماع، كالإِسكار في تحريم الخمر، فإنه اعتبر عين الإِسكار في عين الحكم، ويترتب التحريم على الإِسكار فقط(١). ومن أمثلة المناسب الغريب: توريث المبتوتة في مرض الموت إلحاقاً بالقاتل الممنوع من الميراث تعليلاً بالمعارضة بنقيض القصد، فإن المناسبة ظاهرة، ولكن هذا النوع من المصلحة لم يُعهد اعتباره في غير هذا فكان غريباً (٢) . والتفصيل في الملحق الأصولي. (١) البحر المحيط ٢١٧/٥، وشرح البدخشي على هامش شرح نهاية السول على منهاج الأصول ٣/ ٨١. (٢) روضة الناظر وجنة المناظر في الأصول ٨٥١/٣. - ٦٢ - مُنَاسَخة ١ - ٣ مُنَاسَخة التعريف : ١ - المناسخة في اللغة: مفاعلة من النسخ وهو النقل والتبديل والإِزالة، يقال: نسخت الشمس الظل: إذا أذهبته وحلت محله، ونسخت الكتاب نسخاً: نقلت صورته المجردة إلى كتاب آخر، وذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى، بل يقتضي إثبات مثلها في مادة أخرى، والاستنساخ: التقدم بنسخ الشيء والترشح للنسخ، وقد يعبر بالنسخ عن الاستنساخ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَا ونسخ نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (® الكتاب: إزالة الحكم بحكم يتعقبه(٢) ومنه قوله تعالى: ﴿﴿ مَانَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾(٣). وأما في الاصطلاح، فقد اختلفت عبارات (١) سورة الجاثية/ ٢٩. (٢) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن، والمغرب في ترتيب المعرب للمطرزي . (٣) سورة البقرة/ ١٠٦ . الفقهاء في تعريف المناسخة، وهي في الجملة: نقل نصيب بعض الورثة بموته قبل القسمة إلى من يرث منه (١). أحوال المناسخة وأحكامها : ذهب الفقهاء في الجملة إلى أن للمناسخة أحوالاً ثلاثة لكل منها حكمه(٢)، قال الحجاوي والبهوتي: المناسخة ثلاثة أحوال : ٢ - الحال الأول: أن يكون ورثة الثاني يرثونه على حسب ميراثهم من الأول، مثل أن يكونوا عصبة لهما، فاقسم المال بين من بقي منهم، ولا تنظر إلى الميت الأول؛ كميت خلف أربعة بنين وثلاث بنات، ثم ماتت بنت ثم ابن، ثم بنت أخرى ثم ابن آخر، وبقي ابنان وبنت. فاقسم المال على خمسة . ٣ - الحال الثاني: أن يكون ما بعد الميت الأول من الموتى لا يرث بعضهم بعضاً، كإخوة خلف كل واحد منهم، فاجعلْ (١) حاشية ابن عابدين ٥١١/٥، والتعريفات للجرجاني، والقوانين الفقهية ص ٣٩٤، ومغني المحتاج ٣٦/٣، وتحفة المحتاج ٤٣٥/٦، والمطلع على أبواب المقنع ص ٣٠٤. (٢) رد المحتار على الدر المختار ٥١١/٥، والقوانين الفقهية ص ٣٩٤، وتحفة المحتاج ٤٣٥/٦، ومغني المحتاج ٣٦/٣، وكشاف القناع ٤/ ٤٤٣ . - ٦٣ - مُنَاسَخة ٣ -٤ مسائلهم کعدد انكسرت علیه سهامهم، وصحح على ما ذكر في باب التصحيح. مثاله: رجل خلف أربعة بنين. فمات أحدهم عن ابنين، والثاني عن ثلاثة، والثالث عن أربعة، والرابع عن ستة، فالمسألة الأولى من أربعة، ومسألة الابن الأول من اثنين، والثاني من ثلاثة، والثالث من أربعة، والرابع من ستة عدد البنين لكل منهم . فالحاصل من مسائل الورثة اثنان وثلاثة وأربعة وستة، فالاثنان تدخل في الأربعة والثلاثة تدخل في الستة، فأسقط الاثنين والثلاثة يبقى أربعة وستة، وهما متوافقان، فاضرب وفق الأربعة في الستة تكن اثني عشر، ثم تضربها في المسألة الأولى وهي أربعة تكن ثمانية وأربعين، لورثة كل ابن اثنا عشر حاصلة من ضرب واحد في الاثني عشر، فلكل واحد من ابني الابن الأول ستة، ولكل واحد من ابني الابن الثاني أربعة، ولكل واحد من ابني الابن الثالث ثلاثة، ولكل واحد من ابني الابن الرابع سهمان، لأن كل صنف منهم يختص بتر کة مورثه . ٤ - الحال الثالث: ما عدا ذلك بأن تكون ورثة الثاني لا يرثونه کالأول، ویکون ما بعد الميت الأول من الموتى يرث بعضهم بعضاً، وهو ثلاثة أقسام. القسم الأول: أن تقسم سهام الميت الثاني على مسألته. فتصح المسألتان مما صحت منه الأولى. كرجل خلف زوجة وبنتاً وأخاً لغير أم، ثم ماتت البنت وخلفت زوجاً وبنتاً وعماً، فإن الأول من ثمانية: للزوجة واحد وللبنت أربعة وللأخ الباقي ثلاثة. ومسألة البنت من أربعة: لزوجها واحد ولبنتها اثنان ولعمها واحد. ولها من الأولى أربعة، ومسألتها من أربعة فهي منقسمة عليها، فتصح المسألتان من ثمانية، للزوجة واحد، وللأخ الذي هو عم في الثانية أربعة، ولزوج الثانية واحد، ولبنتها اثنان . القسم الثاني: أن لا تنقسم سهام الثاني على مسألته بل توافقها، فرد مسألته إلى وفقها، واضرب وفق مسألته في كل الأولى، فما بلغ فهو الجامعة للمسألتين، ثم كل من له شيء من المسألة الأولى مضروب في وفق الثانية، ومن له شيء من الثانية مضروب في وفق سهام الميت الثاني . مثل: أن تكون الزوجة أماً للبنت في مسألتنا المذكورة فإن مسألتها تكون من اثني - ٦٤ - مُنَاسَخة ٤ -٥ عشر، لأن فيها نصفاً للبنت، وربعاً للزوج، وسدساً للأم توافق سهامها من الأولى وهي أربعة بالربع، فترجع الاثنا عشر إلى ربعها ثلاثة، فاضربها في الأولى - وهي ثمانية - تكن أربعة وعشرين: للمرأة التي هي زوجة في الأولى أمٌّ في الثانية سهمٌ من الأولى مضروب في وفق الثانية، وهو ثلاثة بثلاثة، ومن الثانية سهمان في وفق سهام الميتة باثنين. فيكون لها خمسة، وللأخ من الأولى ثلاثة في وفق الثانية ثلاثة بتسعة، وله بكونه عمّاً في الثانية واحد في واحد بواحد. فيجتمع له عشرة، ولزوج البنت من الثانية ثلاثة في واحد بثلاثة، ولبنتها منها ستة في واحد بستة. ومجموع السهام أربعة وعشرون. القسم الثالث: أن لا تنقسم سهام الميت الثاني على مسألته ولا توافقها. فاضرب المسألة الثانية في كل المسألة الأولى فما حصل فهو الجامعة، ثم كل من له شيء من الأولى مضروب في الثانية، ومن له شيء من الثانية مضروب في سهام الميت الثاني . وذلك كأن تخلف البنت ــ التي مات أبوها عنها وعن زوجة وأخ ــ بنتين وزوجاً وأماً، فإن الأولى من ثمانية وسهام البنت منها أربعة، ومسألتها تعول إلى ثلاثة عشر: للبنتين ثمانية، وللزوج ثلاثة، وللأم اثنان، والأربعة لا تنقسم عليها ولا توافقها، فاضربها في المسألة الأولى تكن الجامعة مائة وأربعة: للمرأة التي هي أم في الثانية زوجة في الأولى سهم من الأولى في الثانية بثلاثة عشر، ولها من الثانية سهمان في سِهام الميتة من الأولى أربعة بثمانية مجتمع لها أحد وعشرون، ولأخي الميت الأول ثلاثة من الأولى في الثانية بتسعة وثلاثين ولا شيء له من الثانية الاستغراق الفروض المال، وللزوج من الثانية ثلاثة في سهام الميتة الأربعة باثني عشر، ولبنيها من الثانية ثمانية في أربعة باثنين وثلاثين. ومجموع السهام مائة وأربعة . ٥ - فإن مات ثالث قبل القسمة جمعت سهامه مما صحت منه الأوليان، وعملتَ فيها عملك في مسألة الثاني مع الأولى، بأن تنظر بین سهامه ومسألته، فإن انقسمت عليها لم تحتج لضرب، وإلا فإما أن توافق أو تباين. فإن وافقت رَدَدْتَ الثالثة لوفقها وضربته في الجامع، وإن باينت ضربتَ الثالثة في الجامعة، ثم من له شيء من الجامعة يأخذه مضروباً في وفق الثالثة عند التوافق، أو كلها عند التباين، ومن له شيء من الثالثة يأخذه مضروباً في وفق سهام مورثه من - ٦٥ - مُنَاسَخة ٥ - ٧ ٠٠ ..... الجامعة عند الموافقة أو في كلها عند المباينة . مثاله: مات عن زوجة وأم وثلاث أخوات مفترقات. أصل المسألة من اثني عشر، وتعول إلى خمسة عشر. ماتت الأخت من الأبوين عن زوجها وأمها وأختها لأبيها وأختها لأمها، أصل مسألتها من ستة، وتعول إلى ثمانية، وسهامها من الأولى ستة متفقان بالنصف، فاضرب نصف الثانية أربعة في الأولى تبلغ ستين، واقسم على ما تقدم: للزوجة من الأولى ثلاثة في أربعة باثني عشر، وللأم من الأولى اثنان في أربعة بثمانية ومن الثانية واحد في ثلاثة. فيجتمع لها أحد عشر، ولأخت الأول لأبيه اثنان في أربعة بثمانية، ولها من الثانية ثلاثة في ثلاثة بتسعة. يجتمع لها سبعة عشر، وللأخت للأم من الأولى اثنان في أربعة بثمانية، ومن الثانية واحد في ثلاثة يجتمع لها أحد عشر. ولزوج الثانية من الثانية ثلاثة في ثلاثة بتسعة . ثم ماتت الأم وخلفت زوجاً وأختاً وبنتاً وهي الأخت لأم. فمسألتها من أربعة ولها من الجامعة أحد عشر لا تنقسم ولا توافق، فتضرب مسألتها أربعة في الجامعة وهي ستون تبلغ مائتين وأربعين. ومنها تصح الثلاث، للزوجة من الجامعة اثنا عشر في أربعة بثمانية وأربعين. وللأخت لأب سبعة عشر في أربعة بثمانية وستين، وللأخت لأم من الجامعة أحد عشر في أربعة بأربعة وأربعين، ومن الثالثة اثنان في أحد عشر وهي سهام الثالثة باثنين وعشرين. فيجتمع لها ستة وستون، ولزوج الثانية تسعة من الجامعة في أربعة بستة وثلاثين، ولزوج الثالثة منها واحد في أحد عشر بأحد عشر. وكذا أختها. ٦ - وكذلك تصنع في الميت الرابع بأن تعمل له مسألة وتقابل بينها وبين سهامه من الجامعة للثلاث قبلها، فإما أن تنقسم أو توافق أو تباين، وتتم العمل على ما تقدم. ٧ - وكذا تصنع فيمن مات بعده من خامس أو أكثر بأن تعمل للخامس مسألة وتقابل بينها وبين سهامه من الجامعة للأربع قبلها، ثم تعمل للسادس مسألة وتقابل بينها وبين سهامه من التي قبلها، وهكذا فتكون الجامعة كالأولى. ومسألة الميت كالثانية وتتم العمل على ما تقدم. والاختبار بجمع الأنصباء فإن ساوى حاصلها الجامعة فالعمل صحيح وإلا فأعده(١). (١) كشاف القناع ٤٤٣/٤ وما بعدها، مطالب أولي النهي ٤ /٥٩٩. - ٦٦ - مُنَاسَخة ٨ المسألة المأمونية : ٨ - إذا قيل: ميت مات عن أبوين وبنتين، ثم لم تقسم التركة حتى ماتت إحدى البنتين عمن في المسألة فقط أو مع زوج، احتيج إلى السؤال عن الميت الأول أذكر هو أم أنثى، فإن کان الميت الأول رجلاً فالأب في الأولى جد وارث في الثانية لأنه أبو أب. وتصح المسألتان من أربعة وخمسين حيث ماتت عمن في المسألة فقط . لأن الأولى من ستة لكل من الأبوين سهم، ولكل من البنتين سهمان. والثانية من ثمانية عشر: للجدة السدس ثلاثة، وللجد عشرة، وللأخت خمسة، وسهام الميت اثنان لا تنقسم على الثمانية عشر لكن توافقها بالنصف، فردها لتسعة واضربها في ستة تبلغ أربعة وخمسين : للأم من الأولى واحد في تسعة بتسعة ومن الثانية ثلاثة في واحد، يجتمع لها اثنا عشر. وللأب من الأولى واحد في تسعة بتسعة ومن الثانية عشرة في واحد بعشرة، يجتمع له تسعة عشر . وللبنت من الأولى سهمان في تسعة بثمانية عشر ومن الثانية خمسة في واحد، ومجموعها ثلاثة وعشرون. ومجموع سهام الكل أربعة و خمسون. وإن كانت الميت امرأة فالأب في الأولى أبو أم، في الثانية لا يرث، والأخت إما أن تکون شقیقة أو لأم. وتصح المسألتان من اثني عشر، إن كانت الأخت شقيقة، لأن الأولى من ستة كما علمت، والثانية من أربعة بالرد، للجدة واحد، وللشقيقة ثلاثة، وسهام الميتة اثنان لا تنقسم على الأربعة لكن توافقها بالنصف فترد الأربعة لاثنين، وتضربها في ستة باثني عشر ثم تقسمها، للأب من الأولى واحد في اثنين باثنين ولا شيء له من الثانية. والمبنت من الأولى اثنان في اثنين بأربعة ومن الثانية ثلاثة في واحد بثلاثة، وللأم من الأولى واحد في اثنين باثنين، ومن الثانية واحد في واحد فلها ثلاثة، ومجموع السهام اثنا عشر . وإن كانت الأخت لأم فمسألة الرد من اثنين وسهام الميتة من الأولى اثنان. فتصح المسألتان من الستة: للأب واحد، وللبنت ثلاثة، وللجدة اثنان . وهي - أي المسألة المسؤول عنها بأبوين وابنتين لم تقسم التركة حتى ماتت إحدى - ٦٧ - مُنَاسَخة ٨، مَنَاسِك، مُنَاشَدة ١ - ٢ البنتين - (المأمونية) لأن المأمون سأل عنها يحيى بن أكثم - بالثاء المثلثة - لما أراد أن يوليه القضاء. فقال له يحيى: الميت الأول ذكر أو أنثى؟ فعلم أنه قد فطن لها. فقال له: إذا عرفت التفصيل فقد عرفت الجواب، وولاه(١). مَنَاسِك انظر: حج، عمرة. (١) المراجع السابقة. مُنَاشَدة التعريف : ١ - المناشدة في اللغة: مأخوذ من نشد، والمناشدة: المناداة مع رفع الصوت. يقال: نشدت الضالة: رفعت نشيدي : أي صوتي بطلبها، فأنا ناشد، وأنشدتها: أي رفعت صوتي بتعريفها: فأنا منشد(١)، كما يقال: نشد بالشعر ینشده: إذا رفع صوته به، وناشد المعتدي بالدعوة إلى التقوى والكف عن الاعتداء عليه بقوله: ناشدتك الله ونحوه. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى (٢) اللغوي(٢) . الأحكام المتعلقة بالمناشدة: إنشاد اللقطة : ٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن إنشاد اللقطة (١) لسان العرب، والحاوي الكبير ٩/ ٤٢٧ -٤٢٨. (٢) حاشية القليوبي ١٤٣/٣، ومواهب الجليل ٣١٤/٦، والخرشي ١٠٥/٨. - ٦٨ - مُنَاشَدة ٢ - ٣ واجب على الملتقط، سواء أراد تملكها أو أراد حفظها لصاحبها . وتفصيل ذلك في مصطلح: (لقطة ف ٧)، ومصطلح (تعريف ف ٧). إنشاد لقطة غير الحيوان : ٣ - للقطة غير الحيوان بالنسبة لإِنشادها حالتان : إحداهما: أن توجد في أرض مملوكة فلا يتعرض لها . والحالة الثانية: أن توجد في أرض غير مملوكة من مسجد، أو طريق، أو موات، فلا يخلو من أمرين: إما إن يكون بمكة أو بغير مكة، فإن كانت بغير مكة من سائر البلاد، فعلى ضربين: ظاهر ومدفون(١) . فإن كان المال ظاهراً: وكان مما لا يبقى كالطعام الرطب الذي يفسده الإِمساك كالهريسة، والفواكه والبقول التي لا تبقى على الأيام، فقد حكى المزني عن الشافعي في باب اللقطة أنه قال في موضع : يأكله الواجد، وقال في موضع آخر: أحببت أن يبيعه، فاختلف أصحابه، فكان أبو إسحاق المروزي، وأبو علي ابن أبي هريرة وطائفة يخرجون على قولين : (١) الحاوي الكبير ٤٢٦/٩ . أحدهما: كالشاة التي لما تعذر استبقاؤها أبیح لواجدها أكلها بلا إنشاد . والقول الثاني: ليس لواجده أكله، بخلاف الشاة التي لا يجب تعريفها فأبيح له أكلها، والطعام وإن كان رطباً يجب إنشاده فلم يُستبح أکله . فإن قلنا بجواز أكله فأكله صار ضامناً بقيمته، وعليه إنشاد الطعام حولاً، وإن قلنا : لا يجوز أكله، فعليه أن يأتي الحاكم حتى يأذن له في بيعه، ولا يتولى بيعه بنفسه مع القدرة على الإِتيان للحاكم إلاّ بعد استئذان الحاكم، فإن أعوزه إذن الحاكم جاز بيعه، فلو باعه بإذن الحاكم كان الثمن في يده أمانة، وعليه إنشاد الطعام حولاً، وإن كان الطعام الرطب مما يمكن إبقاؤه بعلاج، كرطب یتجفف، والعنب الذي یتزبب، فحكمه حكم غير الطعام في وجوب إنشاده واستبقائه(١). وقال الحنفية: إن كانت اللقطة شيئاً لا يبقى عرَّفه حتى إذا خاف أن يفسد تصدّق به، وينبغي أن يعرِّفها في الموضع الذي أصابها(٢). (١) الحاوي الكبير ٤٥٦/٩ - ٤٥٧، والمحلي شرح المنهاج ١١٩/٣، وتحفة المحتاج ٣٢٨/٦. (٢) البناية في شرح الهداية ٦/ ٢٣، ورد المحتار ٣٢٠/٣. - ٦٩ - مُنَاشَدة ٣ - ٦ أما إن كان مما يبقى كالدراهم والدنانير والثياب والحليُّ والقماش، فهذه هي اللقطة التي قال فيها رسول الله وَلي: ((اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرّفها سنة))(١)، فعليه أن يأتي بشروط تعريفها، ثم بعد الحول إن لم يأتِ صاحبها تملكها إن أراد ذلك. وإن كان المال مدفوناً، فضربان: جاهلي وإسلامي. فإن كان إسلامياً فلقطة يجري عليه أحكام اللقطة فینشد . وإن كان جاهلياً فهو ركاز، ويجب فيه الخمس . مدة الإِنشاد : ٤ - مدة الإِنشاد حول عند جمهور الفقهاء، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية. والقول الآخر عندهم: ينشدها إلى أن يظنّ أن صاحبها لا يطلبها، وليس للإنشاد مدة محددة(٢) . والتفصيل في مصطلح (لقطة ف ٨). (١) حديث: ((اعرف عفاصها ووكاءها ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٧٨/٥)، ومسلم (١٣٤٧/٣) من حديث زيد بن خالد الجهني، واللفظ لمسلم. (٢) الحاوي الكبير ٤٣٨/٩، وكشاف القناع ٢١٦/٤، والمحلي شرح المنهاج ١٢١/٣، وحاشية ابن عابدين ٣٢٠/٣. هذا في غير لقطة الحرم، أما لقطة الحرم فقد اختلف الفقهاء: ذهب الجمهور إلى أن لقطة الحرم كلقطة سائر البلاد في الأحكام. وقال الشافعي رحمه الله: إنه ليس لواجد لقطة مكة تملكها، وينشدها أبداً(١) . والتفصيل في (لقطة ف ١٤). أماکن الإِنشاد : ٥ - أماكن الإِنشادهي: مجامع الناس ومحافلهم من البلدان التي وجد اللقطة فيها، ومحال الرحال، ومناخ الأسفار، وفي الأسواق. فأما الضواحي الخالية من الناس فلا يكون الإِنشاد فيها تعريفاً. وينشدها في أبواب المساجد عند خروج الجماعات، أو أقرب البلاد إلى مكان الالتقاط، وإن جازت قافلة تبعهم وأنشدها (٢) فيهم(٢). إنشاد اللقطة في المساجد : ٦ - يحرم أو يكره على اختلاف بين الفقهاء (١) الحاوي الكبير ٩/ ٤٢٧، والمحلي شرح المنهاج ١٢١/٣. (٢) الحاوي الكبير ٩/ ٤٤٠، والمحلي شرح المنهاج ١٢٠/٣، وابن عابدين ٣/ ٣٢٠. - ٧٠ - مُنَاشَدة ٦ -٩ .... إنشاد اللقطة في المساجد، لخبر: ((من سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد فليقل: لا ردَّها الله علیك)»(١) وقال الشافعية: لا بأس أن يسأل من في المسجد في غير صورة إنشاد . واستثنى الشافعية عن حظر إنشاد اللقطة في المساجد المسجد الحرام، وقالوا: لا يكره إنشاد اللقطة فيه، والحكمة في ذلك أن الله جلَّ شأنه جعل هذا البيت مثابة للناس: أي يعودون إليه، فربما يرجع مالكها وإن طال الزمن(٢). إنشاد ضوالّ الحیوان: ٧-ضوال الحیوان إن وجدت في صحراء : فإن كانت مما يصل إلى الماء والرعي بنفسه، ويدفع عن نفسه صغار السباع بقوته كالإِبل والبقر والخيل والبغال والحمير فلا يجوز التعرض لها للنشدان ولا للتملك، لقوله ◌َ﴾ّ في ضوالّ الإِبل: ((ما لَكَ ولها؟! معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها))(٣) . (١) حديث: ((من سمع رجلاً ينشد ضالةً ... )). أخرجه مسلم ١/ ٣٩٧ من حديث أبي هريرة. (٢) المحلي وحاشية قليوبي ١٢٠/٣ -١٢١، ١٢٣. (٣) حديث: ((مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٤٦/٥) ومسلم (١٣٤٧/٣ - ١٣٤٨) من حديث زيد بن خالد الجهني. أما إن كانت مما لا يدفع عن نفسه صغار السباع، ويعجز عن الوصول إلى الماء والرعي كالغنم والدجاج، فللواجد أخذه وأكله من غير نشدان، وعليه غرمه إذا ظهر مالكه عند جمهور الفقهاء . وقال المالكية: يجوز له أكلها بالصحراء إذا لم يتيسر حملها أو سوقها للعمران. وفي قول عندهم: يجوز له أكلها في الصحراء ولو مع تيسر سوقها للعمران، وإن أتى بها حية للعمران وجب عليه تعريفها (١) . والتفصيل في مصطلح (ضالة ف ٣ - ٤ وما بعدها). الإِنشاد بالشعر : ٨ - الإِنشاد بالشعر جائز إذا لم يكن في المسجد وخلا عن هجو وإغراق في المدح والكذب المحض والغزل الحرام. وتفصيله في مصطلح (شعر ف ٧). مناشدة الظالم : ٩ - نص المالكية على أنه إذا تعرض المحارب للمسافر يستحب أن يناشده قبل القتال إذا أمكن. (١) الحاوي الكبير ٤٢٩/٩ - ٤٣٠، والفواكه الدواني ٢٤٢/٢، والدسوقي ٤/ ١٢٢ . - ٧١ - مُنَاشَدة ٩، مُنَاصَرة، مُنَاضَلة، مُنَاظَرة ١ -٢ والمناشدة هنا أن يدعوه إلى التقوى والكف عن التعرض له. وصيغة المناشدة: ناشدتك الله إلاَّ ما خليت سبيلي، أو: اتَّق الله وكف عن الاعتداء والظلم، ونحو ذلك من التذكير والوعظ. وقال سحنون: لا يناشد المعترض له ولا يدعوه للتقوى، لأن الدعوة للتقوى والتذكير لا يزيده إلاَّ إشلاءً وجرأةً(١). مُنَاصَرة انظر: عاقلة. مُنَاضَلة انظر : سباق. (١) جواهر الإكليل ٢٩٤/٢، والخرشي ١٠٥/٨، ومواهب الجليل ٦/ ٣١٤ . مُنَاظَرة التعريف : ١ - المناظرة لغة: يقال: ناظر فلاناً: صار نظيراً له، وناظر فلاناً: باحثه وباراه في المجادلة، وناظر الشيء بالشيء: جعله نظيراً له. فالمناظرة مأخوذة من النظير أو من النظر بالبصيرة(١). والمناظرة اصطلاحاً: عرفها الآمدي بأنها تردد الكلام بين الشخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه ليظهر الحق(٢)، وعرفها الجرجاني بأنها: النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب(٣). الألفاظ ذات الصلة : أ-المُجَادَلة: ٢ - المجادلة لغة: المناظرة والمخاصمة، (١) المعجم الوسيط، ولسان العرب. (٢) شرح الولدية في آداب البحث والمناظرة ص ٧. (٣) التعريفات ط دار الكتاب العربي، وانظر: الكليات للكفوي ٤ / ٢٦٣ ط دمشق. - ٧٢ - مُنَاظَرة ٢ -٥ يقال: جدل الرجل جدلاً فهو جَدِل من باب تعب: إذا اشتدت خصومته، وجادل جدالاً ومجادلة: إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب(١). والمجادلة اصطلاحاً: قال الآمدي: هي المدافعة لإسكات الخصم (٢) . والصلة بينهما أن كلاً من المجادلین یرید حفظ مقاله وهدم مقال صاحبه، سواء كان حقاً أو باطلاً. أما المناظران فكل منهما يريد إظهار الحق(٣). ب-المُناقَشَة: ٣ - المناقشة لغة: يقال: نقش الشيء نقشاً: بحث عنه واستخرجه، ويقال: نقش الشوكة بالمنقاش، ونقش الحق من فلان، وناقشه مناقشة ونقاشاً استقصی في حسابه . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٤) . (١) المصباح المنير، ولسان العرب. (٢) شرح الآمدي على الولدية في آداب البحث والمناظرة ص ٧، وانظر: الكليات ٦٣/٤، والمفردات للراغب الأصفهاني ط الحلبي، وتاج العروس. (٣) شرح الآمدي على الولدية في آداب المناظرة ص ٧. (٤) المعجم الوسيط، وتاج العروس والمصباح المنير، وانظر: الكليات ٤ / ٢٠٦ . والصلة بين المناقشة والمناظرة أن كلّ منهما يهدف إلى بيان و جه الحق . ج- المُكابَرة: ٤ - المكابرة لغة: المغالبة. يقال: كابرته مكابرة، غالبته وعاندته(١). والمكابرة اصطلاحاً: المنازعة في المسائل العلمية مع علم المتكلم بفساد كلامه وصحة كلام خصمه (٢) . والصلة بين المناظرة والمكابرة التضاد من حيث الغاية والثمرة . د - المُعانَدة: ٥ - المعاندة لغة: من باب ضرب، يقال: عائد فلان عناداً: إذا ركب الخلاف والعصيان، وعانده معاندة: عارضه، قال الأزهري: المعاند المعارض بالخلاف لا بالوفاق(٣) . والمعاندة اصطلاحاً: المنازعة في المسائل العلمية مع عدم علمه بكلامه هو وكلام صاحبه(٤). والصلة بين المناظرة والمعاندة التباين. (١) المصباح المنير. (٢) الكليات ٢٦٣/٤. (٣) المصباح المنير. (٤) الكليات ٤/ ٢٦٣ . - ٧٣ - ٠٠ مُنَاظَرة ٦ - ٧ .... هــ المُحاوَرة: (١) لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٦ - المحاورة لغة: يقال: حاوره محاورة وحواراً: جاوبه، وحاوره: جادله، قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾(١)، ويقال: تحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم وتجادلوا(٢)، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾(٣). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . والصلة بين المحاورة والمناظرة أن كلَّ منهما يراجع صاحبه في قوله. مشروعية المناظرة : ٧ - المناظرة مشروعة بالكتاب والسنة. أما الكتاب فمنه المناظرة التي تمت بين إبراهيم عليه السلام وبين النمرود الذي ادعى الربوبية، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِبْرَهِمَ فِ رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِنْرَهِعُمُ رَبِىَ الَّذِى يُخْىِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِىء وَأُمِيثٌ قَالَ إِنْرَهِعْمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ اُلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرٍّ وَاللَّهُ (١) سورة الكهف/ ٣٧. (٢) المعجم الوسيط والمصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس. (٣) سورة المجادلة/ ١. ومناظرة موسى عليه السلام مع فرعون وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ اٌلْعَلَمِينَ هَا قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ! ٢٥ ـَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا تَسْتَعُونَ (٢٤ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ ٢٧ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ لَپِنِ ٢٨ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ أَقَالَ ٢٩ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ فَأْتِ بٍِ إِن كُنتَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىءٍ مُبِينٍ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مِنَ الصَّدِقِينَ (٢) ٣٣ ◌ُّبِينٌ ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ وأشار ابن الحنبلي إلى وجه الدلالة من ذلك أن فرعون لما قال: ﴿ وَمَا رَبُّ ﴾﴾ علم موسى عليه السلام أنه اُلْعَلَمِينَ سؤال عن ماهيه رب العالمين، ورب العالمين لا ماهية له، لأنه الأول فلا شيء قبله فيكون منه، بل هو مُكَوِّن ما تتكون الأشياء منه، فلم يشتغل موسی برد سؤاله وبيان فساده، وكان المقصود تعريف الرب جل وعلا بصفته فقال: ﴿ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَّ ﴾ فحصر الكائنات في ثلاث كلمات، (١) سورة البقرة/ ٢٥٨. (٢) سورة الشعراء/ ٢٣ - ٣٣. - ٧٤ - ... ٠٠. مُنَاظَرة ٧ -٨ قال: ﴿رَبُّكُمْ ٢٥ فلما قال: ﴿أَلَا تَسْتَعُونَ ﴾ ردّاً على فرعون ٢٦ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ قوله: ﴿أَنَّأْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾(١)، فلما قال: ﴿إِنَّ ﴾ أردف ٢٧ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ما ذكر بشاهدين آخرين فقال: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَنَهُمَاً﴾ لأن المشرق والمغرب آیتان عظیمتان لا یقدر فرعون علی ادعائهما، فلما اندحضت حجته قال: ﴿لَيْنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَا (٢) غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ! ودليل ذلك من السنة: مناظرة النبي صَل مع طالب الإِذن بالزنا، وذلك فيما ورد عن أبي أمامة قال: ((إن فتى شاباً أتى النبي وَل فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنه. فدنا منه قريباً، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. (١) سورة النازعات/ ٢٤. (٢) استخراج الجدال من القرآن الكريم لابن الحنبلي في مجموعة الرسائل المنيرية ٤٧/٣ ط إحياء التراث العربي . قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)) (١) . الحكم التكليفي للمناظرة : حكم تعلم فن المناظرة: ٨ - قال الآمدي: هذا الفن لا شك في استحباب تحصيله، وإنما الشك في وجوبه وجوباً كفائياً، فمن قال بوجوب معرفة مجادلات الفرق على الكفاية، قال بوجوب التحصيل، لأن هذا الفن يعرف به كيفية المجادلة، وإلاّ فلا. وقال ملا زادة تعليقاً عليه: واعلم أنه ذهب بعض إلى أن معرفة مجادلات الفرق الضالة ليجادلهم فرض كفاية لقوله تعالى: (١) حديث: ((أن فتى شاباً أتى النبي ◌َّله فقال: يا رسول الله ... )). أخرجه أحمد (٢٥٦/٥ -٢٥٧) عن أبي أمامة رضي الله عنه وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار بهامش إحياء علوم الدين للغزالي (٣٢٩/٢ - ٣٣٠ ط مصطفى الحلبي): ((إسناده جيد ورجاله رجال الصحيح)). - ٧٥ - مُنَاظَرة ٨ -١١ ﴿ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾(١)، ولأنها دفع الضر عن المسلمين، إذ يخاف أن يقعوا في اعتقاداتهم المضرة، وذا فرض كفاية على من لم يكن مظنة الوقوع فيه، وفرض عين على من کان کذلك. وقال بعضهم: إنها حرام لأن العلم تابع للمعلوم ما لم يمنع عن التبعية(٢). حكم المناظرة في الحالات التي تجري فيها : يختلف حكم المناظرة باختلاف الحالات التي تجري فيها . أولاً _الوجوب: ٩ - تكون المناظرة واجبة في حالات منها: - نصرة الحق بإقامة الحجج العلمية والبراهين القاطعة وحل المشكلات في الدين، لتندفع الشبهات وتصفو الاعتقادات عن تمويهات المبتدعين ومعضلات الملحدين . - ومع أهل الكتاب إذا ظهرت مصلحة من إسلام من يرجى إسلامه منهم . (١) سورة النحل / ١٢٥ . (٢) شرح ملا عمر زاده على الولدية ص ٦. وهي فرض عین، إذا لم يوجد سوى عالم واحد وكان أهلاً للمناظرة في الحالات التي تجب فيها . وتجب كذلك إذا عين الحاكم عالماً لمناظرة أهل الباطل وكان أهلاً لذلك. وتكون فرض كفاية في حالات: منها إذا كان هناك من أهل العلم غير واحد قادر على المناظرات الواجبة، وحينئذ فقيام واحد منهم يكفي لسقوط الحرج عن الباقين وإلا أثم الجمیع بتركه(١) . ثانیاً-الندب: ١٠ - والمناظرة تكون مندوبة في حالات منها : تأكيد الحق وتأييده، ومع غير المسلمين الذین یرجی إسلامهم(٢). ثالثاً - الحرمة: ١١ - تكون المناظرة محرمة في حالات منها: طمس الحق ورفع الباطل، وقهر مسلم، (١) انظر: زاد المعاد ٦٣٩/٤ ط الرسالة، وحاشية ابن عابدين ٢٧١/٥ ط دار إحياء التراث، ومغني المحتاج ٢١٠/٤، وحاشية القليوبي ٤ /١٧٧، وتحفة المحتاج ٢١٣/٩ -٢١٤. (٢) زاد المعاد ٤ / ٦٣٩. - ٧٦ - مُنَاظَرة ١١ - ١٣ وإظهار علم، ونيل دنيا أو مال أو قبول(١) . المناظرة ومناهج استعمال الأدلة ومناسبة إيرادها : ١٢ - قال صاحب فواتح الرحموت: إن المستدل إذا بين دعواه بدليل، فإن خفي على الخصم مفهوم كلامه لإِجمال أو غرابة فيما استعمل استفسره، وعلى المستدل بيان مراده عند الاستفسار، وإلا يبقى مجهولاً فلا تمكن المناظرة . ولو كان بلا نقل من لغة أو أهل عرف أو بلا ذكر قرينة فإذا اتضح مراده: فإن كان جميع مقدماته مسلمة ولا خلل فيها بوجه لا تفصيلاً ولا إجمالاً لزم الانقطاع للبحث وظهر الصواب. وإلا، فإن كان الخلل في البعض تفصيلاً يمنع هذا المختل مجرداً عن السند أو مقروناً مع السند، ويطالب بالدليل عليه فيجاب بإثبات المقدمة الممنوعة . وإن كان الخلل فيها إجمالاً، وذلك الخلل: إما أن يتخلف الحكم عنه في صوره فيكون الدليل حينئذ أعم من المدعى، أو لزوم محال آخر فینقض حينئذ ويدعی فساد (١) حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٧١. الدلیل، فلا بد من إقامة دلیل . وإما بوجود دليل مقابل لدليل المستدل وحاکم بمنافي ما یحکم هو به فیعارض. وفي هذين أي النقض والمعارضة تنقلب المناصب، فيصير المعترض مستدلاً والمستدل معترضاً. فكل بحث - مناظرة - إما منع أو نقض أو معارضة(١) . وفي ذلك يقول طاش كبرى زاده في منظومته في آداب البحث: ثلاثة لسائل مناقضة والنقض ذو الإجمال والمعارضة فمنعه الصغرى من الدليل (٢) أو منعه الكبرى على التفصيل والتفصيل في الملحق الأصولي. آداب المناظرة: ١٣ - للمناظرة آداب عشرة: الأول: إرادة إظهار الحق، قال الإِمام الشافعي رحمه الله: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الله الحق على يديه، وجاء في (١) فواتح الرحموت ٢/ ٣٣٠ بتصرف ط الأميرية. (٢) مجموع أمهات المتون/ ٢٨٥ ط م. الحلبي، وانظر: شرح الأمدي على الولدية في آداب البحث والمناظرة لمحمد المرعشي المعروف بساجقلي زاده. - ٧٧ - مُنَاظَرة ١٣ - ١٤ ٠٠ رد المحتار: المناظرة في العلم لنصرة الحق عبادة(١). الثاني: أن يحترز المناظر عن الإِيجاز والاختصار والكلام الأجنبي لئلا يكون مخلاً بالفهم . الثالث: أن يحترز عن التطويل في المقال لئلا يؤدي إلى الملال. الرابع: أن يحترز عن الألفاظ الغريبة في البحث. الخامس: أن يحترز عن استعمال الألفاظ المحتملة لمعنیین . السادس: أن يحترز عن الدخول في كلام الخصم قبل الفهم بتمامه، وإن افتقر إلى إعادته ثانياً فلا بأس بالاستفسار عنه إذ الداخل في الكلام قبل الفهم أقبح من الاستفسار. السابع: أن يحترز عما لا مدخل له في المقصود بألا يلزم البعد عن المقصود. الثامن: أن يحترز عن الضحك ورفع الصوت والسفاهة، فإن الجهال یسترون بها جهلهم. التاسع: أن يحترز عن المناظرة مع من كان (١) شذرات الذهب ٢٢/٣ ط دار ابن كثير، ورد المحتار ٢٧١/٥. مهيباً ومحترماً كالأستاذ؛ إذ مهابة الخصم واحترامه ربما تزيل دقة نظر المناظر وحدة ذهنه . العاشر: أن يحترز عن أن يحسب الخصم حقيراً لئلا يصدر عنه كلام يغلب به الخصم عليه(١). أنواع المناظرة: للمناظرة أنواع مختلفة باعتبارات متعددة : أ_ أنواع المناظرة باعتبار وسيلة أدائها: المناظرة بهذا الاعتبار نوعان : الأول: المناظرة الخطابية : ١٤ _ وتكون المناظرة الخطابية بالتقاء المتناظرين في مجلس علم، وكثيراً ما كان يحضر الأمراء هذه المناظرات. ومن ذلك المناظرة بين الإِمامين مالك وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة في المدينة المنورة بحضور هارون الرشيد حول صداق المرأة تصنع به ما تشاء. قال القاضي عياض : فلما تناظر مالك وأبو يوسف في صداق المرأة وقال أبو يوسف: لها : (١) شرح العلامة محمد بن حسين البهتي على الولدية ص ١٢٣ ط الحلبي. - ٧٨ - مُنَاظَرة ١٤ - ١٥ أن تصنع به ما شاءت: إن شاءت رمت به وجاءته في قميص، وإن شاءت جعلته في خيط الدوامة، فقال مالك: لو أن أمير المؤمنين خطب امرأة من أهله وأصدقها مائة ألف درهم فجاءته في قميص لم يحكم لها بذلك، ولكن يأمرها أن تتجهز وتتهيأ له بما يشتهيه مما يتجهز به النساء، فقال هارون: أصبت(١). الثاني : المناظرة الكتابية : ١٥ - وتكون المناظرة الكتابية بمخاطبة المتناظرين كتابياً حول مسألة علمية أو أمر يحتاج إلى ذلك. ومن ذلك رسالة الإِمام مالك إلى الإِمام الليث بن سعد - رحمهما الله - في مخالفة أهل المدينة، ورد الليث على ذلك. وفيما يلي نص الرسالتين: من مالك بن أنس إلی الليث بن سعد. سلام الله علیکم، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه. اعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك (١) ترتيب المدارك ١/ ٢٢١. وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة مَنْ قبلك إليك واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿ وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَاْأَنْصَارِ﴾(١) الآية، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ لا الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ عِبَادِ ش أَحْسَبَهُ﴾(٢)، فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحلّ الحلال وحرّم الحرام إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده صلوات الله عليه وبر كاته. ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤٌ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله وعمل بغيره، ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن . فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أرَ لأحد خلافه؛ للذي في أيديهم من تلك (١) سورة التوبة/ ١٠٠ . (٢) سورة الزمر / ١٨ . - ٧٩ - مُنَاظَرة ١٥ - ١٧ الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم، فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أني أرجو أن لا يكون دعائي إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله تعالى وحده، والنظر لك والظن بك، فأنزل كتابي منك منزلته، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحاً، وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر وعلى كل حال، والسلام عليك ورحمة الله . وكان من جواب الليث عن هذه الرسالة : وأنه بلغك عني أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وإنه يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي فيما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي لا أكره، ولا أشد تفضيلاً مني لعلم أهل المدينة الذين مضوا ولا آخَذُ بفتواهم مني والحمد لله، وأما ما ذكرت من مقام رسول الله صل بالمدينة ونزول القرآن عليه بين ظهراني أصحابه وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا تبعاً لهم فكما ذكرت(١) . ب- أنواع المناظرات باعتبار موضوعها : ١٦ - تتنوع المناظرات باعتبار موضوعها إلى أنواع أهمها المناظرات الفقهية: وهذه المناظرات موضوعها مسائل الفقه وقد تكون بين أتباع مذهب ومذهب وقد تكون بين أتباع المذهب الواحد، ومنها على سبيل المثال المناظرة بين الإِمامين الشافعي وأحمد في تارك الصلاة، وفيها قال الشافعي: يا أحمد أتقول: إنه يكفر؟ قال نعم، قال: إذا كان كافراً فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله وَّر، قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه، قال: يسلم بأن يصلي، قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإِسلام بها، فانقطع أحمد وسكت(٢). ثمرة المناظرة : ١٧ - الأصل في المناظرة ــ كما هو وارد في تعريفها - التوصل إلى إظهار الحق. (١) ترتيب المدارك للقاضي عياض ٦٤ - ٦٥. (٢) طبقات الشافعية الكبرى ٦١/٢ ط دار إحياء الكتب العربية . - ٨٠ -