النص المفهرس

صفحات 241-260

مُغَالاة ٥، مَغْرُور، مُغَلْصمة، مُفَاخَذَة ١ - ٢
كذا وكذا، إني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر،
وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس
(١)
مني))(١) .
وعن عائشة ظِاتّها ((أن النبي عليَّ ◌َّم دخل
عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت:
فلانة تذکر من صلاتها، قال: مه علیکم بما
تطيقون، فو الله لا يَمَلُّ الله حتى تملوا، وكان
أحب الدين إليه ما دام صاحبه عليه))(٢)،
فالأفضل للإنسان أن لا يجهد نفسه بالطاعة
وكثرة العمل، وأن لا يغلو في الدين فإنه إذا
فعل هذا مل، ثم ترك، وكونه يبقى على
العمل ولو قليلاً مستمراً عليه أفضل (٣) .
مَغْرُور
انظر: غرر
مغَلْصَمة
انظر: ذبائح
(١) حديث: «ما بال أقوام یقولون كذا وكذا ... )).
أخرجه مسلم (٢/ ١٠٢٠).
(٢) حديث "مه عليكم بما تطيقون ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ١٠١).
(٣) رياض الصالحين للنووي ١٦٥/١، ٢٤٩، وفتح الباري
١٠٤/٩، ومجمع الزوائد ١/ ٦١، وفيض القدير ٥٤٤/٢
مُفَاخَذَة
التعريف
١ - المفاخذة في اللغة: مفاعلة، يقال: فاخذ
المرأة مفاخذة: إذا جلس بين فخذيها أو
فوقهما كجلوس المجامع(١) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي
(٢)
الأحكام المتعلقة بالمفاخذة:
مفاخذة الزوجة وغيرها:
٢ - ذهب الفقهاء إلى أن مفاخذة الرجل
زوجته في غير الإحرام أو الحيض والنفاس
حلال بحائل أو بغير حائل.
أما مفاخذة غير الزوجة من المرأة الأجنبية
ونحوها فحرام.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (أجنبي
ف ١١ وما بعدها، فخذ ف ٣).
(١) المصباح المنير، والمغرب للمطرزي.
(٢) ابن عابدين ٢٢٣/٥، مواهب الجليل ١٦٦/٣، ٤١٦
- ٢٤١ -

مُفَاخَذَة ٣ -٦
المفاخذة في الحج:
٣ - نص الشافعية على أنه تحرم المفاخذة في
الحج بشروط هي: أن يكون الشخص عامدا،
عالما بالحكم، وأن تكون المفاخذة بشهوة وبلا
حائل، ولو كان بعد التحلل الأول، أنزل أو
لم ينزل.
وأما الموجب فإن كانت المفاخذة قبل
التحلل الأول في الحج وقبل الحلق في العمرة
ففيها الفدية، ولا يفسد النسك بها مطلقاً وإن
أنزل، ومتى انتفى شرط من ذلك فلا حرمة
ولا فدية(١) .
وأما جمهور الفقهاء فلم ينصوا
على المفاخذة إلا أنهم قالوا: يجب
على المحرم أن يتجنب مقدمات الجماع
ودواعيه من التقبيل، واللمس بشهوة،
والمباشرة(٢).
أثر المفاخذة في الصوم:
٤ - ذهب الفقهاء إلى أن المفاخذة في نهار
رمضان تبطل صوم الصائم إن أنزل
وعليه القضاء، ولا تبطل الصوم إذا لم
ینزل.
(١) القليوبي وعميرة ١٣٦/٢.
(٢) ابن عابدين ٢٠٨/٢، والفتاوى الهندية ٢٤٤/١، والحطاب
١٦٦/٣، وكشاف القناع ٢/ ٤٤٧، ٤٤٩، ٤٥٦
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا تجب
الكفارة بالمباشرة فيما دون الفرج، من
مفاخذة وغيرها، في نهار رمضان إذا أنزل،
لأنه أفطر بغير جماع.
وقال المالكية: تجب الكفارة في رمضان
على من أفطر بإخراج منى بمباشرة أو
غيرها (١) .
حكم المفاخذة بالنسبة للمصاهرة:
٥ - نص الشافعية على أثر المفاخذة فى
المصاهرة، فقال النووي: في ثبوت المصاهرة
بالمفاخذة وتحريم الربيبة قولان:
أحدهما: نعم، وهو الأظهر عند البغوي
والروياني.
والثاني: لا، وهو الأظهر عند ابن أبي
هريرة وابن القطان وغيرهم، قال:
والقولان فيما إذا جرى ذلك بشهوة،
فأما بغير شهوة فلا أثر له على المذهب، وبه
قطع الجمهور(٢).
أثر المفاخذة في حد الزنا:
٦ - نص الشافعية على أنه لا حدّ بمفاخذة
(١) ابن عابدين ٢/ ١٠٠، والشرح الصغير ٧٠٧/١، وكشاف
القناع ٢/ ٣٢٥، ومغني المحتاج ٤٤٣/١
(٢) روضة الطالبين ٧/ ١١٣
- ٢٤٢ -

مُفَاخَذَة ٦، مفارقة ١ - ٢
ونحوها من مقدمات الجماع مما لا إيلاج فيه
کسحاق(١)، بل يعزران(٢) .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (تعزير ف
٣٦).
F
(١) نهاية المحتاج ٧/ ٤٠٤ ط المكتبة الإسلامية.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٤٤
مُفَارَقة
التعريف:
١ - المفارقة في اللغة: مصدر الفعل فارق
ومادته: فرق، يقال: فَرَق بين الشيئين فرْقا
وفُرقانا: إذا فصل وميّز أحدهما عن الآخر
وفارقه مفارقة وفرقا: باعده، وتفارق القوم:
فارق بعضهم بعضا، وفارق فلان امرأته
مفارقة: باينها، والتفرق والافتراق سواء،
وفي الحديث: ((البيعان بالخيار ما لم
بتفرقًا)(١).
والفراق: الفرقة وأكثر ما تكون بالأبدان،
ويكون بالأقوال مجازا(٢).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٣)
اللغوي
الألفاظ ذات الصلة:
أ - المتاركة:
٢ - المتاركة في اللغة: يقال: ترك الشيء:
خلاه، وتركت الشىء: خليته، وتاركته البيع
(١) حديث: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)).
أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٣٢٨) ومسلم (١١٦٤/٣)
من حدیث حكيم بن حزام.
(٢) لسان العرب، والمعجم الوسيط، والمصباح المنير.
(٣) الفروق للقرافي ٢٧٠/٣
- ٢٤٣ -

مفارقة ٢ - ٤
متارکة أي صالحته علی تر که، وترکت
الرجل: فارقته ثم استعير للإسقاط في المعاني
فقيل: ترك حقه إذا أسقطه، وترك ركعة من
الصلاة: إذا لم يأت بها(١) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٢)
.
اللغوي
وعلى هذا فالمتاركة أعم من المفارقة.
ب- المُجَاوزة:
٣ - المُجاوزة في اللغة: يقال جاوزت الموضع
جوازا ومجاوزة بمعنی جُزته، وجاوزت
الشيء إلى غيره وتجاوزته تعديته، وتجاوزت
عن المسيء: عفوت عنه(٣) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٤)
اللغوي
والمجاوزة أعم من المفارقة.
الأحكام المتعلقة بالمفارقة:
تتعلق بالمفارقة أحكام منها:
أولاً: المفارقة في العبادات:
المفارقة في صلاة الجماعة.
المراد بالمفارقة في صلاة الجماعة ترك أحد
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، والمعجم
الوسيط.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤١٩/٤، وإعانة الطالبين ١٥٢/٣
(٣) لسان العرب والمصباح المنير ومختار الصحاح.
(٤) المغني ٢٦٦/٣
المصلين صلاة الجماعة، وهذه المفارقة قد
تکون ممتنعة، وقد تکون جائزة، وقد تكون
واجبة، وبيان ذلك فيما يلي:
امتناع مفارقة المأموم صلاة الجماعة بدون
عذر:
٤- ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية
في القديم إلى أنه لا يجوز أن يفارق المقتدي
إمامه بدون عذر فلا ينتقل من في جماعة إلى
الانفراد، لأن المأمومية تلزم بالشروع، وإن لم
تجب ابتداءً كما يقول المالكية(١) ، لقول النبي
مرَّم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا
تختلفوا عليه)) (٢)، ولأنه ترك متابعة إمامه
وانتقل من الأعلى للأدنی بغير عذر أشبه ما
لو نقلها إلى النقل(٣) .
وإذا انتقل المأموم من الجماعة إلى الانفراد
بدون عذر بطلت صلاته عند الحنفية
والمالكية وفي أصح الروايتين عند الحنابلة
وفي القول القديم للشافعية، لأنه من ترك
(١) البدائع ٢٢٣/١، والشرح الصغير ٤٤٩/١، ٤٥٠، ومغني
المحتاج ٢٥٩/١، وكشاف القناع ٣٢١/١، وشرح منتهى
الإرادات ١٧١/١
(٢) حديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٠٩/٢) ومسلم
(٣٠٩/١) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.
(٣) كشاف القناع ٣٢١/١
- ٢٤٤ -

مفارقة ٤ - ٥
المتابعة بغير عذر أشبه ما لو تركها من غير نية
المفارقة. ولأنه كما يقول الشافعية في القديم
التزم القدوة في كل صلاته وفيه إبطال
العمل (١) ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ
أَعْنَكُمْ ﴾(٢) .
والمذهب عند الشافعية والرواية الثانية عند
الحنابلة أن الصلاة صحيحة لكن مع الكراهة
عند الشافعية - أي كراهة المفارقة -، واستدل
الشافعية على صحة صلاة المأموم مع المفارقة
بأن صلاة الجماعة إما سنة على قول والسنن
لا تلزم بالشروع إلا في الحج والعمرة، وإما
فرض كفاية على الصحيح فكذلك إلا في
الجهاد وصلاة الجنازة والحج والعمرة، ولأن
الفرقة الأولى فارقت النبي ،ِيَّام في ذات
الرقاع(٣)، وعلل الحنابلة الصحة ـــ كما قال
ابن قدامة - بأن المنفرد لو نوى كونه
مأموما لصح في رواية. فنية الانفراد أولى،
فإن المأموم قد يصير منفردا بغير نية وهو
المسبوق إذا سلَّم إمامه، وغيره لا يصير مأموما
(١) البدائع ١ /٢٢٣، والشرح الصغير ١/ ٤٥٠، ومغني المحتاج
٢٥٩/١، والمغني ٢٣٣/٢، والإنصاف ٣١/٢.
(٢) سورة محمد / ٣٣
(٣) حديث: مفارقة الصحابة في الصلاة للنبي لديهم.
أخرجه البخاري (فتح الباري٧/ ٤٢١) ومسلم (١ /٥٧٥ -
٥٧٦)
بغير نية بحال(١).
جواز مفارقة المأموم صلاة الجماعة بعذر:
٥ - ذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية
والحنابلة - إلى أنه يجوز للمأموم أن يفارق
صلاة الجماعة وینوي الانفراد إذا كان ذلك
لعذر، ولم يجز الحنفية المفارقة مطلقا ولو
بعذر.
واستدل القائلون بجواز المفارقة بما رواه
جابر فيه قال: كان معاذ بن جبل يصلي مع
النبي عِدَّم العشاء ثم يرجع إلى قومه بني
سلمة فيصليها بهم، وأن رسول الله عن بهم
أخر العشاء ذات ليلة فصلاها معاذ معه ثم
رجع فأم قومه، فافتتح بسورة البقرة فتنحى
رجل من خلفه فصلى وحده، فلما انصرف
قالوا: نافقت يا فلان. فقال: ما نافقت،
ولكنِي آتي رسول الله عِدَ ليم فأخبره. فأتى
النبيّ ◌ِرَّم فقال: يا رسول الله، إنك أخرت
العشاء البارحة، وإن معاذاً صلاها معك ثم
رجع فأَمَّنا فافتتح سورة البقرة فتنحيت
فصليت وحدي وإنما نحن أهل نواضح
نعمل بأيدينا فالتفت رسول الله مِنَّيّم إلى
معاذ فقال: ((أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت؟
(١) مغني المحتاج ١ /٢٥٩، والمغني ٢٣٣/٢، وروضة الطالبين
٣٧٤/١
- ٢٤٥ _

مُفَارَقة ٥
..
اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والسماء
والطارق، والسماء ذات البروج، والشمس
وضحاها، والليل إذا يغشى ونحوها)) (١)،
ولم يأمر النبي عدّكلام الرجل بالإعادة ولا
أنكر عليه فعله(٢) . غير أنهم اختلفوا في
الأعذار التي تجوز معها المفارقة، فمن الأعذار
التي تجيز مفارقة الإمام تطويل الإمام في
الصلاة طولاً لا يصبر معه المأموم لضعف أو
شغل ففي هذه الحالة يجوز للمأموم أن يفارق
الإمام وینوي الانفراد ويتم صلاته منفرداً لما
سبق في قصة معاذ رضی الله تعالى عنه.
وهذا العذر متفق عليه بين المالكية والحنابلة
وفي الصحيح عند الشافعية(٣).
وزاد الشافعية من الأعذار التي يجوز
للمأموم أن يفارق إمامه في الصلاة أن يترك
الإمام سنة مقصودة كالتشهد الأول أو
القنوت فله فراقه ليأتي بتلك السنة.
واعتبر إمام الحرمين أن الأعذار التي يجوز
معها ترك الجماعة ابتداء تجوز معها المفارقة
(١) حديث جابر: ((كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي طاقم ... ))
أخرجه البيهقي (١١٢/٣) وأصله في الصحيحين.
(٢) المغني ٢/ ٢٣٣، ومغني المحتاج ٢٥٩/١، وكشاف القناع
١/ ٣٢٠، والشرح الصغير ١/ ٤٥٠، وجواهر الإكليل
٨٢/١
(٣) جواهر الإكليل ١/ ٨٢، ومغني المحتاج ٢٥٩/١، والمجموع
٤/ ٢٤٧، وكشاف القناع ١/ ٣٢٠
أثناء الصلاة (١)
.
وقال الحنابلة: من أحرم مأموما ثم نوى
الانفراد لعذر يبيح ترك الجماعة كتطويل إمام
وكمرض وكغلبة نعاس أو غلبة شيء يفسد
صلاته كمدافعة أحد الأخبثين أو خوف على
أهل أو مال أو خوف فوت رفقة أوخرج من
الصف مغلوبا لشدة زحام ولم يجد من يقف
معه ونحو ذلك من الأعذار صح انفراده فيتم
صلاته منفردا لحديث جابر رضى الله تعالى
عنه في قصة معاذ رضى الله تعالى عنه، قالوا:
ومحل إباحة المفارقة لعذر إن استفاد من
فارق لتدارك شيء يخشى فواته أو غلبة
نعاس أو خوف ضرر ونحوه بمفارقة إمامه
تعجيل لحوقه قبل فراغ إمامه من صلاته
ليحصل مقصوده من المفارقة فإن كان الإمام
يعجل ولا يتميز انفراده عنه بنوع تعجيل لم
يجز له الانفراد لعدم الفائدة فيه، وأما من
عذره الخروج من الصف فله المفارقة مطلقا
لأن عذره خوف الفساد بالفَذِّية وذلك لا
يتدارك بالسرعة، وفصل الحنابلة فيما إذا
نوى المأموم المفارقة فقالوا: وإذا فارق المأموم
الإمام لعذر مما تقدم في قيام قبل قراءة الإمام
الفاتحة قرأ المأموم لنفسه لصيرورته منفردا
(١) المجموع ٢٤٧/٤، وفتح العزيز بهامش المجموع ٤ / ٤٠٤
- ٢٤٦ -

مُفارقة ٥ - ٧
قبل سقوط فرض القراءة عنه بقراءة الإمام،
وإن فارقه بعد قراءة الفاتحة فله الركوع في
الحال لأن قراءة الإمام قراءة للمأموم، وإن
فارقه في أثناء القراءة فإنه يكمل ما بقي من
الفاتحة.
وإن كان في صلاة سرٍّ كظهر وعصر، أو
في الأخيرتين من العشاء مثلا وفارق الإمام
لعذر بعد قيامه وظن أن إمامه قرأ لم يقرأ، أي
لم تلزمه القراءة إقامة للظن مقام اليقين، قال
البهوتي: الاحتياط القراءة (١) .
وجوب المفارقة:
من الأحوال التي يجب فيها على المأموم
مفارقة صلاة الجماعة ما يلي:
أ - انحراف الإمام عن القبلة:
٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا انحرف
الإمام عن القبلة فإنه يجب على المأموم
مفارقته ويصلي منفردا(٢) .
ولو اجتهد اثنان في القبلة واتفق
اجتهادهما وصلى أحدهما بالآخر وتغير
اجتهاد أحدهما لزمه الانحراف إلى الجهة
التي تغير اجتهاده إليها لأنها ترجحت في ظنه
(١) كشاف القناع ٣٢٠/١، المغني ٢٣٣/٢
(٢) الشرح الصغير ٤٣٥/١، ومغني المحتاج ١/ ١٤٧، وكشاف
القناع ٣١٢،٣١١/١
فتعينت عليه وأتم صلاته وينوي المأموم الذي
ائتم بالآخر مفارقة إمامه للعذر المانع له من
(١)
اقتدائه به وهو التغير
وقال الحنفية: والمقتدي إذا ظهر له وهو
وراء الإمام أن القبلة غير الجهة التي يصلي
إليها الإمام لا يمكنه إصلاح صلاته لأنه إذا
استدار خالف إمامه في الجهة قصدا وهو
يفسد وإلا كان متما صلاته إلى ما هو غير
القبلة عنده وهو مفسد أيضاً (٢).
ب - تلبس الإمام بما يبطل صلاته:
٧ - لو رأى المأمومُ في أثناء الصلاة الإمامَ
متلبسا بما يبطل الصلاة كأن رأى على ثوبه أو
بدنه نجاسة أو تبین أن الإمام محدث أو جنب
فإنه يجب على المأموم مفارقته ويتم صلاته
منفرداً بانيا على ما صلى مع الإمام، وهذا
عند المالكية والشافعية في الجملة.
قال المالكية: إن علم المأموم حدث إمامه
في الصلاة ولم يستمر معه بل فارقه وصلى
لنفسه منفرداً أو مستخلفاً فتصح للمأمومین،
ومفهومه أنه لو علم بحدث إمامه في الصلاة
واستمر معه بطلت علیھم.
وقالوا: لو رأى المأموم نجاسة على إمامه
(١) مغني المحتاج ١٤٧/١، وكشاف القناع ٣١٢،٣١١/١،
وشرح منتهى الإرادات ١٦٤/١
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٢٩١
- ٢٤٧ -

مُفَارَقة ٧
وأراه إياها فورا واستخلف الإمام من حين
ذلك فتبطل صلاة الإمام دون المأمومين واختار
ابن ناجي البطلان للجميع، وقال الشافعية: إن
استمر المأموم في هذه الحالة على المتابعة لحظة
أو لم ينو المفارقة بطلت صلاته بالاتفاق - أي
اتفاق فقهاء الشافعية - لأنه صلى بعض
صلاته خلف محدث مع علمه بحدثه، وممن
صرح ببطلان صلاته إذا لم ينو المفارقة ولم
يتابعه في الأفعال الشيخ أبو حامد والقاضي
أبو الطيب في تعليقهما والمحاملي وخلائق
من كبار الأصحاب، وسواء كان الإمام عالما
بحدث نفسه أم لا، لأنه لا تفريط من المأموم
في الحالين، وهذا هو المذهب وبه قطع
الجمهور كما قال النووي.
وقال الشافعية أيضا: لو كان المأموم قارئاً
وكان الإمام أمياً، أو كان الإمام قد قام إلى
ركعة خامسة أو أتى الإمام بمناف غير ذلك
فإنه يجب على المأموم مفارقته ویتم صلاته
منفرداً بانياً على ما صلى مع الإمام(١) .
والأصح عند الشافعية أن التنحنح إن ظهر
(١) الشرح الصغير ٤٣٥/١، ٤٣٦، والمواق بهامش الحطاب
٩٧/٢، ومغني المحتاج ٢٤٢/١، ٢٦٠، والمجموع ٢٤٧/٤،
٢٥٦ وما بعدها، وفتح العزيز بهامش المجموع ٤ /٣٢٦
منه حرفان يبطل الصلاة، واختلفوا فيما لو
تنحنح الإمام فبان منه حرفان هل يجب على
المأموم مفارقته أم لا؟ فالمذهب أنه لا يفارقه
حملا على العذر، لأن الظاهر تحرز الإمام
عن المبطل والأصل بقاء العبادة، لكن قال
السبكي: إن دلت قرينة حال الإمام على
خلاف ذلك وجبت المفارقة، ولو لحن الإمام
في الفاتحة لحنا يغير المعنى وجبت مفارقته،
كما لو ترك واجباً، ولكن هل يفارقه في
الحال أو حتى يركع جواز أنه لحن ساهيا،
وقد یتذکر فیعید الفاتحة؟ الأقرب الأول - أي
المفارقة في الحال - لأنه لا تجوز متابعته في
فعل السهو كما قال الزركشي.
وقال الخطيب الشربيني: بل الأقرب الثاني
- أي لا يفارقه حتى يركع - لأن إمامه لو
سجد قبل ركوعه لم تجب مفارقته في الحال.
ولا تصح الصلاة وراء السكران لأنه
محدث، قال الشافعي والأصحاب: فإن
شرب الخمر وغسل فاه وما أصابه وصلى
قبل أن یسکر صحت صلاته والاقتداء به،
فلو سكر في أثناء الصلاة بطلت صلاته
ويجب على المأموم مفارقته ويبني على
- ٢٤٨ -

...
مُفَارَقة ٧ -٨
صلاته، فإن لم يفارقه وتابع معه بطلت
صلاته(١) .
وقال ابن عقيل من الحنابلة: إن عجز الإمام
عن إتمام الفاتحة في أثناء الصلاة صحت صلاة
الأمي خلفه لمساواته له، أما القارئ فإنه يفارق
الإمام للعذر ويتم لنفسه لأنه لا يصح ائتمام
القارئ بالأمي، ولكن قال الموفق: الصحيح
أنه إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة تفسد صلاته
لأنه قادر على الصلاة بقراءتها فلم تصح
صلاته لعموم قوله عدّهم: ((لا صلاة لمن لم
يقرأ بفاتحة الكتاب))(٢)، وإن استخلف الإمام
الذي عجز عن إتمام الفاتحة في أثناء الصلاة
من يتم بهم صلاتهم وصلى معهم جاز(٣) .
وقال الحنابلة: إذا قام الإمام لركعة زائدة
ونبهه المأمومون فلم يرجع وجبت مفارقته
وبطلت صلاته لتعمده ترك ما وجب عليه،
ويسلم المأموم المفارق لإمامه بعد قيامه لزائدة
وتنبيهه وإبائه الرجوع وذلك إذا أتم التشهد
(٤)
الأخير
.
أما إن ترك الإمام التشهد الأول مع
(١) مغني المحتاج ١٩٥/١، ١٩٦، والمجموع ٤ / ٢٦٢
(٢) حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
أخرجه البخاري (الفتح ٢٣٧/٢) ومسلم (٢٩٥/١) من
حديث عبادة بن الصامت.
(٣) كشاف القناع ٣٧٩/١
(٤) مطالب أولي النهى ٥١٣/١، ٥١٤
الجلوس له وقام لزم رجوعه إذا لم يستتم
قائما، فإن استتم قائما کره رجوعه، ويحرم
رجوعه إن شرع في القراءة أما المأموم فالمتجه
أن يفارق إمامه ويتم صلاته لنفسه ويسلم
على قول، والمنصوص أن المأموم إذا سبح
الإمامه قبل أن يعتدل فلم يرجع تشهد لنفسه
وتبعه(١) .
وقال الحنابلة: لا تبطل صلاة الجماعة
بقطع صف من صفوفها سواء كان وراء
الإمام أو عن يمينه لكن لو كان الصف الذي
انقطع عن يسار الإمام وبَعُد بقدر مقام ثلاثة
رجال فتبطل صلاة هذا الصف المنقطع وهذا
ما لم تنو الطائفة المنقطعة مفارقة الإمام، فإن
١(٢)
نوت مفارقته صحت صلاتها
المفارقة في صلاة الجمعة:
٨ - أجاز الشافعية والحنابلة للمأموم أن
يفارق الجماعة في الركعة الثانية من صلاة
الجمعة.
جاء في مغني المحتاج: لا يجوز قطع
الجماعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة،
لأن الجماعة في الركعة الأولى منها شرط،
وأما فى الركعة الثانية فليست بشرط فيها
(١) مطالب أولي النهى ٥١٥/١، ٥١٦
(٢) مطالب أولي النهى ١/ ٦٩٥
- ٢٤٩ -

مُفَارَقة ٨ - ١٠
خلافا لما في الكفاية من عدم الجواز، ولو
تعطلت الجماعة بخروجه وقلنا بأنها فرض
كفاية فينبغي كما قاله بعض المتأخرين عدم
الخروج منها، لأن فرض الكفاية إذا انحصر
في شخص تعين عليه (١) .
وفي المجموع: إذا صلى المأموم ركعة من
صلاة الجمعة ثم فارق إمامه بعذر أو بغيره
وقلنا لا تبطل صلاته بالمفارقة أتمها جمعة كما
(٢)
لوأحدث الإمام وهذا لا خلاف فيه
وقال الحنابلة: إن فارق المأموم الجماعة
لعذر في الركعة الثانية من صلاة الجمعة وقد
أدرك الركعة الأولى مع الإمام فإنه يتمها
جمعة، لأن الجمعة تدرك بركعة، وقد أدركها
مع الإمام، فإن فارقه في الركعة الأولى من
الجمعة فكمزحوم فيها حتى تفوته ركعتان
فيتمها نفلا ثم يصلي الظهر (٣) .
وقال المالكية: لا يجوز الانفراد في صلاة
الجمعة لأن الجماعة شرط فيها (٤) .
شرط مفارقة البنيان في قصر صلاة
المسافر:
٩ - يجوز للمسافر قصر الصلاة الرباعية، لكن
يشترط للترخص برخصة القصر أن يفارق
(١) مغني المحتاج ١ /٢٥٩ - ٢٦٠
(٢) المجموع ٤ / ٥٨٢
(٣) كشاف القناع ٣٢٠/١
(٤) شرح الزرقاني ١ /١٩٠
المسافر محل إقامته ويتحققُ ذلك بمفارقته
بيوت المكان الذي يخرج منه وتوابع البيوت
أيضا.
وذلك لما روی أنس رضی الله تعالی عنه
قال: ((صليت مع رسول الله عَ لقيم الظهر
بالمدينة أربعاً، وصليت معه العصر بذي
الحليفة ركعتين)) (١)، وروي عن علي فيؤثّ أنه
لما خرج إلى البصرة رأى خصاً أمامه فقال:
((لولا هذا الخص لصلينا ركعتين)) (٢).
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (صلاة
المسافر ف ٢٢).
المفارقة في صلاة الخوف:
١٠ - من صور صلاة الخوف أن الإمام يفرق
الجيش فرقتين، فرقة تجعل في مواجهة العدو،
ويصلي الإمام بالفرقة الثانية من الجيش فإذا
قام الإمام إلى الركعة الثانية في الثنائية وإلى
الركعة الثالثة في الثلاثية أو الرباعية فارقه
المأمومون ولا يتابعونه بل يتمون الصلاة
لأنفسهم ثم يذهبون إلى وجه العدو وتأتي
الفرقة الحارسة فيصلي بهم الإمام ما بقي من
:
(١) حديث أنس: ((صلبت مع النبي عن يم الظهر بالمدينة
أربعاً ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٥٦٩/٢) ومسلم (١ /٤٨٠)
واللفظ لمسلم.
(٢) الأثر عن علي ◌ِه، أخرجه عبد الرزاق في المصنف
(٥٢٩/٢)
- ٢٥٠ -

مُفَارَقة ١٠ - ١٢
صلاته فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا
صلاتهم والإمام ينتظرهم ليسلم بهم.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (صلاة
الخوف ف ٦).
شرط مفارقة البنيان في فطر المسافر:
١١ - اتفق الفقهاء على أن المسافر الذي يريد
الترخص برخصة الفطر في رمضان لا يجوز
له الفطر إلا بعد مفارقة عمران البلد الذي
يسافر منه.
كما اتفقوا على أنه لو سافر وفارق عمران
البلد قبل الفجر جاز له الفطر في هذا اليوم.
ولكنهم اختلفوا فيما لو سافر وفارق
عمران البلد بعد الفجر هل يجوز له الفطر في
ذلك اليوم أم لا ؟
فذهب الحنفية والمالكية وهو مذهب
الشافعى المعروف من نصوصه كما قال
النووي وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن
من سافر وفارق العمران بعد طلوع الفجر لا
يجوز له الفطر في ذلك اليوم، وهو قول
مكحول والزهري ويحيي الأنصاري
والأوزاعي، لأن الصوم عبادة تختلف بالسفر
والحضر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر
ويعتبر في هذا اليوم مقيما فلزمه الصوم فلا
يبطله باختياره ولذلك لو جامع فيه فعليه
القضاء والكفارة.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد أن له أن
يفطر في ذلك اليوم وهو قول عمرو بن
شرحبيل والشعبي وإسحاق وابن المنذر لما
روی عبيد بن جبير قال: «كنت مع أبي بصرة
الغفاري صاحب النبي ◌ِّم في سفينة من
الفسطاط في رمضان فرفع ثم قرب غداءه
قال جعفر في حديثه فلم يجاوز البيوت حتى
دعا بالسفرة ثم قال: اقترب. قلت: ألست
ترى البيوت؟ قال أبو بصرة أترغب عن سنة
رسول الله ،ِبِئام ؟ - قال جعفر في حديثه -
فأكل))(١)، ولأن السفر معنى لو وجد ليلا
واستمر في النهار لأباح الفطر فإذا وجد في
أثنائه أباحه(٢).
ثانياً: المفارقة في العقود:
أثر المفارقة في لزوم العقد:
المفارقة المتعاقدين أثر في لزوم بعض
العقود ومن ذلك:
مفارقة المتبايعين مجلس العقد:
١٢ - من أسباب لزوم البيع بعد انعقاده
بالإيجاب والقبول أحد أمرين: إما التخاير،
وهو أن يخير أحد المتبايعين صاحبه في
(١) أثر عبيد بن جبير: ((كنت مع أبي بصرة الغفاري .... ))
أخرجه أبو داود (٧٩٩/٢ - ٨٠٠)
(٢) حاشية ابن عابدين ١٢٣/٢، والاختيار ١٣٤/١، والشرح
الصغير ٧١٨/١، والمجموع ٢٦١/٦، ٢٦٢، والمغني
١٠١،١٠٠/٣
- ٢٥١ -

مُفَارَقة ١٢ - ١٣
إمضاء العقد أو إبطاله، وإما مفارقة المتبايعين
أو أحدهما مجلس العقد، وكلامنا هنا في
المفارقة إذا لم يوجد التخاير، فمفارقة
المتبايعين مجلس العقد من أسباب لزوم
العقد، أما قبل المفارقة فإن عقد البيع يكون
جائزا ويثبت لكل واحد من المتبايعين الخيار
في فسخ العقد ما داما في المجلس ولم يفترقا،
وهذا ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، ويسمى
الخيار في فسخ العقد ما داما في المجلس:
(١)
خيار المجلس
قال ابن قدامة: يقع البيع جائزا، ولكن من
المتبايعين الخيار في فسخ البيع ما داما
مجتمعين لم يتفرقا، وهو قول أكثر أهل
العلم، یروی ذلك عن عمر وابن عمر وابن
عباس وأبي هريرة وأبي برزة رضي الله
عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب وشريح
والشعبي وعطاء وطاووس والزهري
والأوزاعي وابن أبي ذئب والشافعي وإسحاق
وأبو عبيد وأبو ثور.
واستدل الشافعية والحنابلة(٢) بما رواه ابن
عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله
عدوّقيم أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد
(١) مغني المحتاج ٢/ ٤٣ - ٤٥، والمجموع شرح المهذب
٩/ ١٦١ وما بعدها تحقيق المطيعي، والمغني ٥٦٣/٣، وشرح
منتهى الإرادات ١٦٦/٢، ١٦٧
(٢) المغني ٣/ ٥٦٣، والمجموع ٩/ ١٧١ وما بعدها.
منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو
يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد
وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم
يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع))(١).
حكم مفارقة المتبايعين:
١٣ - اختلف الشافعية والحنابلة في حكم
مفارقة المتبايعين أو أحدهما مجلس العقد
وسبب اختلافهما هو ما رواه عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده أن النبي عدّيقيم قال:
(البيعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا أن تكون
صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه
خشية أن يستقيله))(٢).
فقال الشافعية: المفارقة جائزة لكل واحد
من المتعاقدين، والحِلّ الوارد في الحديث
محمول على الإباحة المستوية الطرفين.
وما ذهب إليه الشافعية هو رواية عن
الإمام أحمد، قال ابن قدامة: ذكر القاضي أن
ظاهر كلام أحمد جواز مفارقة أحد المتبايعين
لصاحبه ودليل هذه الرواية ما ورد عن ابن
عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا
(١) حديث: ((إذا تبايع الرجلان فكل منهما ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٣٣٣) من حديث ابن عمر.
(٢) حديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ... ))
أخرجه الترمذي (٣/ ٥٤١) وقال: حديث حسن.
- ٢٥٢ -

مُفَارَقة ١٣ - ١٤
اشتری شیئا يعجبه فارق صاحبه.
أما الرواية الثانية عن الإمام أحمد فقد قال
ابن قدامة: ظاهر حديث عمرو بن شعيب
تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية من
فسخ البيع، قال: وهذا ظاهر كلام أحمد في
رواية الأثرم، فإنه ذكر له فعل ابن عمر،
وحديث عمرو بن شعيب فقال: هذا الآن
قول النبي عِيَّام، وهذا اختيار أبي بكر، قال
ابن قدامة: وهذه الرواية هي الأصح، لأن قول
النبي عِيَّام يقدم على فعل ابن عمر رضي الله
تعالى عنهما، والظاهر أن ابن عمر لم يبلغه
هذا ولو علمه لما خالفه (١).
كيفية المفارقة التى يلزم بها البيع:
١٤ - المفارقة التى يلزم بها البيع هي المفارقة
بالأبدان لا بالأقوال وتختلف المفارقة
باختلاف مكان العقد ويعتبر فى ذلك العرف،
فما يعده الناس تفرقا يلزم به العقد وما لا فلا
لأن ما ليس له حد شرعاً ولا لغة يرجع فيه
إلى العرف، فإن كانا في دار كبيرة فبالخروج
من البيت إلى الصحن أو من الصحن إلى
الصفة أو البيت، وإن كانا في سوق أو
صحراء أو في بيت متفاحش السعة فبأن يولي
(١) مغني المحتاج ٢/ ٤٥، والمغني ٥٦٧/٣، وشرح منتهى
الإرادات ١٦٨/٢
أحدهما الآخر ظهره ويمشي قليلاً.
قال الشربيني الخطيب: ولو لم يبعد عن
سماع خطابه، وقال البهوتي: ولو لم يبعد
عنه بحيث لا يسمع كلامه في العادة خلافاً
للإقناع.
وإن كانا في سفينة أو دار صغيرة أو
مسجد صغير فبخروج أحدهما منه أو
صعوده السطح ولا يحصل التفرق بإقامة
ستر ولو ببناء جدار بينهما، لأن المجلس
باق(١).
وقيل لا تكون المفارقة إلا بأن يبعد عن
صاحبه بحيث لو كلمه على العادة من غير
رفع الصوت لم يسمع كلامه وهو ما ذهب
إليه الاصطخري والشيرازي والقاضي أبو
الطيب من الشافعية، قال النووي: والمذهب
الأول وبه قطع الجمهور (أي جمهور
الشافعية) ونقله المتولي والروياني عن جميع
الأصحاب سوى الاصطخري واستدل لذلك
بما ورد عن ابن عمر فقد قال نافع: ((كان ابن
عمر إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام
فمشى هنية ثم رجع إليه)) (٢).
وسئل الإمام أحمد عن تفرقة الأبدان
فقال: إذا أخذ هذا كذا وهذا كذا فقد تفرقا.
(١) مغني المحتاج ٢/ ٤٥، ومنتهى الإرادات ١٦٧/٢، ١٦٨
(٢) أثر ابن عمر ((كان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله ... ))
أخرجه مسلم (١١٦٤/٣)
- ٢٥٣ -

...
مُفَارَقة ١٤
قال النووي: وحكى القاضي أبو الطيب
والروياني وجها أنه يكفي أن يوليه ظهره،
ونقله الروياني عن ظاهر النص لكنه
مؤول(١).
ولو فارق أحدهما مجلسه دون الآخر لم
ينقطع خيار الآخر خلافا لبعض المتأخرين،
وقال البهوتي: وإذا فارق أحدهما صاحبه لزم
البيع سواء قصد بالمفارقة لزوم البيع أو قصد
حاجة أخرى لحديث ابن عمر السابق(٢).
واختلف في الإكراه على المفارقة هل يبطل
به الخيار ويلزم البيع أم لا ؟ قال ابن قدامة: إن
فارق أحدهما الآخر مكرها احتمل بطلان
الخيار لوجود غايته وهو التفرق، ولأنه لا
يعتبر رضاه في مفارقة صاحبه له فكذلك في
مفارقته لصاحبه، وقال الشافعية والقاضي من
الحنابلة: لا ينقطع الخيار، لأنه حكم علق على
التفرق فلم يثبت مع الإكراه، فعلی قول من لا
يرى انقطاع الخيار إن أكره أحدهما على فرقة
صاحبه انقطع خیار صاحبه كما لو هرب منه
وفارقه بغير رضاه ويكون الخيار للمكره
منهما في المجلس الذي يزول عنه فيه الإكراه
(١) المجموع شرح المهذب ١٦٨/٩ تحقيق المطيعي، ومغني
المحتاج ٢/ ٤٥، والمغني ٣/ ٥٦٥، وشرح منتهى الإرادات
١٦٧/٢
(٢) المجموع ١٦٧/٩، ١٦٨، ومغني المحتاج ٢/ ٤٥، والمغني
٥٦٥/٣، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ١٦٧، ١٦٨، وكشاف
القناع ٢٠١/٣
حتى يفارقه، وإن أكرها جميعا على المفارقة
انقطع خيارهما، لأن كل واحد منهما ينقطع
خياره بفرقة الآخر له فأشبه ما لو أكره
صاحبه دونه(١).
ومن صور الإكراه ما لو تفرقا مع فزع من
مخوف کسبع أو ظالم خشیاه فهربا منه أو
تفرقا مع إلجاء كتفرق بسيل أو نار أو
نحوهما أو تفرقا مع حمل لهما لأن فعل
المكره والملجأ كعدمه فيستمر خيارهما إلى أن
يتفرقا من مجلس زال فيه إكراه أو إلجاء(٢).
وقال الشافعية فيما نقله النووي: لو هرب
أحد العاقدين ولم يتبعه الآخر فقد أطلق
الأكثرون أنه ينقطع خيارهما، وجزم به
الفوراني والمتولي وصاحبا العدة والبيان
وغيرهم، وقال البغوي والرافعي: إن لم يتبعه
الآخر مع التمكن بطل خيارهما، وإن لم
يتمكن بطل خيار الهارب دون الآخر، قال
النووي: والصحيح ما قدمناه عن الأكثرين،
لأنه متمكن من الفسخ بالقول ولأنه فارقه
باختياره فأشبه إذا مشى على العادة ، فلو
هرب وتبعه الآخر يدوم الخيار ما داما
متقاربين، فإن تباعدا بحيث يعد فرقة بطل
(١) المغني ٥٦٦/٣، ومغني المحتاج ٤٥/٢
(٢) شرح منتهى الإرادات ١٦٨/٤، والمغني مع الشرح ٩/٤،
ومغني المحتاج ٤٥/٢
- ٢٥٤ -

مُفَارَقة ١٤ - ١٥
اختيارهما(١).
وقال الحنابلة: إن هرب أحد المتبايعين من
صاحبه، بطل خيارهما ولزم العقد لأنه فارقه
باختياره ولا يقف لزوم العقد على
رضاهما(٢).
وأما أثر المفارقة بالموت أو الجنون ونحوه
ففي إبطال خيار المجلس به خلاف ينظر
تفضيله في مصطلح (خيار المجلس ف ١٣).
ولو تنازع العاقدان في التفرق بأن جاءا معا
وقال أحدهما: تفرقنا، وأنكر الآخر صدق
النافي بيمينه.
ولو اتفقا على حصول التفرق وتنازعا في
الفسخ قبل التفرق فقال أحدهما نسخت
البيع قبل التفرق وأنكر الآخر صدق النافي
بيمينه لأن الأصل دوام الاجتماع وعدم
الفسخ ولو اتفقا على عدم التفرق وادعى
أحدهما الفسخ فدعواه الفسخ فسخ(٣).
وما سبق من اعتبار المفارقة إنما هو فيما إذا
تولى عقد البيع طرفان أما إذا تولى العقد
شخص واحد كالأب يبيع ماله لولده أو يبيع
مال ولده لنفسه فهل لا بد من ثبوت الخيار
واعتبار المفارقة سببا للزوم العقد أم لا؟
(١) المجموع ٩/ ١٧٠، ومغني المحتاج ٢/ ٤٥
(٢) المغني ٣ /٥٦٦
(٣) مغني المحتاج ٢/ ٤٦
للشافعية والحنابلة في ذلك رأيان الأول:
ثبوت الخيار قال النووي: أصحهما ثبوته
فعلى هذا يثبت خيار للولد وخيار للأب
ويكون الأب نائب الولد، فإن ألزم البيع
لنفسه وللولد لزم، وإن ألزم لنفسه بقي الخيار
للولد فإذا فارق المجلس لزم العقد على
الأصح من الوجهين عند الشافعية، قال
الماوردي وهذا قول أبي إسحاق المروزي وهو
المذهب.
والرأي الثاني وهو الصحيح من المذهب
عند الحنابلة ومقابل الأصح عند الشافعية: لا
يلزم ((أي البيع)) إلا بالإلزام، لأنه لا يفارق
نفسه وإن فارق المجلس، قال الماوردي: وهذا
قول جمهور أصحابنا، قال: وعلى هذا لا
ينقطع الخيار إلا بأن يختار الأب لنفسه
وللولد، فإن لم يختر ثبت الخيار للولد إذا
بلغ.
وقال البغوي: ولو کان العقد بینه وبین
ولده صرفا ففارق المجلس قبل القبض بطل
العقد على الوجه الأول ولا يبطل على الثاني
(١)
إلا بالتخاير(١).
اعتبار المفارقة في العقود الأخرى:
١٥ - كما تعتبر مفارقة مجلس العقد سببا
(١) المجموع شرح المهذب للنووي ٩/ ١٦٣ تحقيق المطيعي،
والمغني ٣/ ٥٦٥، والإنصاف ٣٦٣/٤
- ٢٥٥ -

مُفَارَقة ١٥-١٦
للزوم البيع فإنها تعتبر سببا للزوم بعض
العقود الأخرى التي يثبت فيها خيار المجلس
وهي عند الشافعية والحنابلة: الصرف،
وبيع ربوي من مكيل وموزون بجنسه كبر
بير ونحوه، والسلم، وصلح المعاوضة،
وزاد الشافعية: التولية، والتشريك، وزاد
الحنابلة الهبة التى فيها عوض معلوم،
والإجارة(١).
وذلك لعموم الخيرة ولأن موضوع الخيار
النظر في الأحظ وهو موجودهنا، وينظر
تفصيل هذه العقود في مصطلحاتها.
المفارقة في النكاح:
تقع المفارقة في النكاح لأسباب منها:
أولاً: الجمع بین أکثر من أربع زوجات.
١٦ - لا يجوز للمسلم الحر أن يجمع بين أكثر
من أربع زوجات في وقت واحد لقول الله
تعالى: ﴿فَأَنْكِحُوْ مَاطَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ
مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾(٢) ، فإذا أسلم الكافر
وتحته أكثر من أربع زوجات أسلمن معه
وجب عليه مفارقة ما زاد على الأربع، وهذا
(١) المجموع ٩/ ١٦٣ تحقيق المطبيعي، ومغني المحتاج ٤٣/٢،
وشرح منتهى الإرادات ١٦٧/٢
(٢) سورة النساء / ٣
باتفاق الفقهاء(١).
واستدلوا على ذلك بما رواه عبد الله بن
عمر: ((أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده تسع
نسوة، فأمر رسول الله عدّ لهم: أن يختار منهن
أربعا)»(٢).
وتختلف كيفية المفارقة بين من كان كافرا
وكان في عصمته أكثر من أربع زوجات ثم
أسلم وأسلمن معه، وبين المسلم الذي يجمع
في عصمته أكثر من أربع زوجات في وقت
واحد .
فمن كان كافراً وأسلم وفي عصمته أكثر
من أربع زوجات وأسلمن معه فقد ذهب
المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد من
الحنفية إلى أنه لا يشترط فيمن يفارقهن أو
يختارهن ترتب عقودهن فسواء تزوجهن في
عقد واحد أو عقود متفرقة وسواء كان من
فارقهن أو اختارهن أوائل في العقد أو
أواخر، ووجه ذلك كما قال الإمام الشافعي
(١) البدائع للكاساني ٢٦٥/٢، ٢٦٦، وجواهر الإكليل
٢٩٧/١، ومنح الجليل ٢/ ٧٣، ٧٤، والفروق للقرافي
٩١/٢ و١١١/٣، ١١٢، ١٣٢، ١٣٣ ومغني المحتاج
١٨١/٣، ١٩٦، والمغني ٥٣٩/٦، ٥٤٠ وشرح منتهى
الإرادات ٥٨،٣٤/٣
(٢) حديث ابن عمر: ((أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده تسع
نسوق ... ))
أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ١٨٣)، وقال ابن حجر في
التلخيص (١٦٩/٣) رجاله ثقات.
- ٢٥٦ -

مُفَارَقة ١٦
والقرافي أن النبي عِيَّام أمر من أسلم على
أكثر من أربع أن يفارق ما زاد على الأربع.
وأطلق الحكم ولم يستفصل عن كيفية
نكاحهن، وترك الاستفصال في حكاية
الأحوال مع قيام الاحتمال منزل منزلة العموم
في المقال ولولا أن الحكم يعم الحالين لما أطلق
ذلك(١).
وقد روى الشافعى عن نوفل بن معاوية
قال: ((أسلمت وتحتي خمس نسوة فسألت
النبي عَ لَّم فقال: فارق واحدة وأمسك
أربعاً، فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ
ستین سنة ففار قتها»(٢).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لو تزوج
كافر بخمس نسوة ثم أسلم، فإن كان
تزوجهن في عقدة واحدة فرق بینه وبینھن
جميعا، وإن كان تزوجهن في عقود متفرقة
صح نكاح الأربع وبطل نكاح الخامسة، لأن
الجمع محرم على المسلم والكافر جميعا، لأن
حرمته ثبتت لمعنى معقول وهو خوف الجور
في إيفاء حقوقهن.
(١) البدائع ٣١٤/٢، والفروق للقرافي ٩١/٢، ٩٢، ومنح
الجليل ٧٣/٢، ٧٤، ومغني المحتاج ١٩٦/٣، والمغني
٦/ ٦٢٠، ومنتهى الإرادات ٥٨/٣
(٢) حديث : ((نوفل بن معاوية: أسلمت وتحتي خمس نسوة ... ))
أخرجه الشافعي في المسند (ترتيب مسند الإمام الشافعي
للسندي ١٦/٢ ط دار الكتب العلمية) وفي إسناده جهالة.
وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم
والكافر إلا أنه لا يتعرض لأهل الذمة مع
قيام الحرمة، لأن ذلك ديانتهم وهو غير
مستثنى من عهودهم وقد نهينا عن التعرض
لهم عن مثله بعد إعطاء الذمة وليس لنا
التعرض لأهل الحرب فإذا أسلم فقد زال
المانع، فلا يمكّن من استيفاء الجمع بعد
الإسلام بين أكثر من أربع، فإذا كان تزوج
الخمس في عقدة واحدة فقد حصل نكاح
کل واحدة منهن جميعا إذ ليست إحداهن
بأولی من الأخری والجمع محرم وقد زال
المانع من التعرض فلا بد من الاعتراض
بالتفريق، فأما إن كان تزوجهن على الترتيب
في عقود متفرقة فنكاح الأربع منهن وقع
صحيحا لأن الحر يملك التزوج بأربع نسوة
مسلما كان أو كافرا ولم يصح نكاح الخامسة
لحصوله جمعا فيفرق بينهما بعد الإسلام(١).
وإذا تزوج الحربي بأربع نسوة ثم سُبِي هو
وسبين معه فعند أبي حنيفة وأبي يوسف
يفرق بينه وبين الكل سواء تزوجهن في عقدة
واحدة أو في عقد متفرقة، لأن نكاح الأربع
وقع صحيحا، لأنه كان حرا وقت
(١) بدائع الصنائع ٣١٤/٢
- ٢٥٧ -

مُفَارَقة ١٦ - ١٧
النكاح،والحر يملك التزوج بأربع نسوة مسلما
كان أو كافراً إلا أنه تعذر الاستيفاء بعد
الاسترقاق لحصول الجمع من العبد في حال
البقاء بين أكثر من اثنتين، والعبد لا يملك
الاستیفاء فیقع جمعا بین الکل ففرق بینه وبین
الكل ولا يخير فيه كما إذا تزوج رضيعتين
فأرضعتهما امرأة بطل نكاحها ولا يخير كذا
هذا، وعند محمد یخیر فیه فیختار اثنتین منهن
كما يخير الحر في أربع نسوة من نسائه
ويفارق الباقي(١) .
١٧ - ويوضح ابن قدامة صفة المفارقة فيقول:
إن قال لما زاد على الأربع فسخت نكاحهن
کان اختیارا للأربع، وإن طلق إحداهن كان
اختيارا لها لأن الطلاق لا يكون إلا في
زوجة، وإن قال: قد فارقت هؤلاء أو اخترت
فراق هؤلاء، فإن لم ينو الطلاق كان اختيارا
لغيلان ((اختر منهن
لغيرهن لقول النبي عليه
أربعا وفارق سائرهن))(٢) وهذا يقتضي أن
يكون لفظ الفراق صريحا فيه كما كان لفظ
الطلاق صریحا فیه، و کذا في حدیث فيروز
الديلمي قال: ((فعمدت إلى أقدمهن صحبة
ففارقتها)»(٣)، وهذا الموضع أخص بهذا اللفظ
(١) بدائع الصنائع ٣١٥/٢
(٢) حديث: ((اختر منهن أربعاً ... ))
تقدم تخريجه في (فقرة ١٦) .
(٣) حديث فيروز الديلمي أخرجه أبو داود (٢ / ٦٧٨)
فیجب أن یتخصص فيه بالفسخ، وإن نوی به
الطلاق کان اختیارا لهن دون غيرهن، وذکر
القاضي من الحنابلة فيه عند الإطلاق
و جھین:
أحدهما: أنه يكون اختيارا للمفارقات،
لأن لفظ الفراق صريح في الطلاق قال ابن
قدامة: والأولى ما ذكرناه(١).
وقال ابن قدامة: إذا أسلم الكافر وتحته
أکثر من أربع زوجات قد دخل بهن فأسلمن
معه و کن ثمانیاً فاختار أربعاً منهن وفارق
أربعا منهن لم يطأ واحدة من المختارات حتى
تنقضي عدة المفارقات لئلا يكون واطئاً
لأكثر من أربع، فإن كن خمسا ففارق
إحداهن فله وطء ثلاث من المختارات ولا
يطأ الرابعة حتى تنقضي عدة من فارقها، فإن
كن ستا ففارق اثنتين فله وطء اثنتين من
المختارات فإن کن سبعا ففارق ثلاثا فله وطء
واحدة من المختارات ولا يطأ الباقيات حتى
تنقضي عدة المفارقات فكلما انقضت عدة
واحدة من المفارقات فله وطء واحدة من
المختارات (٢)، وماسبق إنما هو بالنسبة للكافر
الذي أسلم على أكثر من أربع نسوة.
(١) المغني ٦/ ٦٢٢، ٦٢٣، وينظر مغني المحتاج ١٩٩/٣،
والمهذب ٢/ ٥٣
(٢) المغني ٦٢٦/٦، ٦٢٧، وشرح منتهى الإرادات ٥٨/٣
- ٢٥٨ -

مُفَارَقة ١٧ - ١٨
أما المسلم الذي يجمع بين أكثر من أربع
نسوة في عصمته في وقت واحد فإن الحكم
یختلف بین ما إذا كان تزوجهن بعقد واحد
وما إذا كان تزوجهن بعقود متفرقة.
فإذا كان تزوجهن بعقد واحد فلا بد من
مفارقة جميعهن وهذا باتفاق الفقهاء لأن
النكاح يبطل في جميعهن، إذ ليس إبطال
نكاح واحدة بأولى من الأخرى فبطل
الجميع.
وكذلك الحكم لو كانت العقود متفرقة
وجهل ترتيبها ولم يدر أي واحدة هي
الخامسة، فأما إن كانت العقود مترتبة فالأخيرة
هي التي يجب مفارقتها وهذا باتفاق
كذلك(١).
ثانياً: الجمع بین من يحرم الجمع بينهن:
١٨ - إذا جمع المسلم بين من يحرم عليه
الجمع بينهن كما إذا عقد على أختين أو جمع
بين امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها، فإن كان
في عقد واحد بطل نكاحهما وإن كانا في
عقدين بطل نكاح الثانية والتفصيل في
مصطلح (محرمات النكاح ف٢٣).
(١) البدائع ٣١٤/٢، ومتح الجليل ٦٧/٢، والشرح الصغير
١/ ٤٠٠، ٤٠١ ط. الحلبي، ومغني المحتاج ١٨١/٣، وشرح
منتهى الإرادات ٣١/٣، والمغني ٥٨٤/٦
أما من كان كافرا وأسلم وكان متزوجا
بمن يحرم الجمع بينهن كأختين وأسلمن معه
فقد ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية
والحنابلة إلى أنه يجب عليه أن يختار واحدة
ويفارق الأخرى وسواء أكان تزوجهما بعقد
واحد أو بعقدين وسواء أكان دخل بهما أو
دخل بإحداهما وذلك لحديث فيروز الديلمي
«قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي
أختان فقال رسول الله عَ لِيم طلق أيتهما
شئت))(١).
ولأن المبقاة يجوز له ابتداء نكاحها فجاز
له استدامته كغيرها، ولأن أنكحة الكفار
صحیحة وإنما حرم الجمع وقد أزاله، ولا مھر
للمفارقة منهما قبل الدخول، وهكذا الحكم
في المرأة وعمتها أو خالتها لأن المعنى في
الجميع واحد (٢)، قال ابن قدامة: إن كان
دخل بهما واختار إحداهما لم يطأها حتى
تنقضي عدة المفارقة(٣) .
وهذا ما ذهب إليه أيضا محمد بن الحسن
(١) حديث: ((فيروز الديلمي: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت
وتحتي أختان ... ))
أخرجه أبو داود (٦٧٨/٢) والترمذي (٤٢٧/٣) واللفظ
لأبي داود وقال الترمذي: حسن.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٦٠، والمغني ٦/ ٦٢٦، ومنح
الجليل ٧٤/٢، ومغني المحتاج ٣/ ١٩٧
(٣) المغني ٦٢٦/٦
- ٢٥٩ -

مُفَارَقة ١٨ - ١٩
من الحنفية واستدل بحديث فيروز السابق،
قال: لقد خيره الرسول علّ ◌َّام ولم يستفسر أن
نكاحهن كان دفعة واحدة أو على الترتيب
ولو كان الحكم يختلف لاستفسر فدل على أن
حكم الشرع فيه هو التخيير مطلقاً (١) .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كان تزوج
الأختين في عقدة واحدة فيجب عليه
مفارقتهما لأن نكاح واحدة منهما جعل جمعا
إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى
والإسلام يمنع من ذلك ولا مانع من التفريق
فیفرق، وإن كان تزوجهما في عقدین فنكاح
الأولى وقع صحيحا إذ لا مانع من الصحة
وبطل نكاح الثانية لحصوله جمعا فلا بد من
التفريق بعد الإسلام قالا: والنبي عِدُّليم قال
لفيروز: طلق أيتهما شئت ومعلوم أن الطلاق
إنما يكون في النكاح الصحيح فدل أن ذلك
العقد وقع صحيحا في الأصل فدل أنه كان
قبل تحريم الجمع ولا كلام فيه (٢).
ثالثاً: السلام بعد المفارقة:
١٩ - قال النووي: البدء بالسلام سنة مؤكدة
ومن السنة أن من سلم على إنسان ثم فارقه
ثم لقيه على قرب أو حال بينهم شيء ثم
اجتمعا فالسنة أن يسلم علیه، وهكذا لو تكرر
(١) البدائع ٣١٤/٢
(٢) البدائع ٣١٤/٢، ٣١٥
ذلك ثالثا ورابعا وأكثر سلم عند كل لقاء
وإن قرب الزمان، قال: اتفق عليه أصحابنا
لحديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته
(«أنه صلى في جانب المسجد ثم جاء فسلم
على النبي ◌ِّم فرد عليه السلام ثم قال:
ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع فصلّى، ثم
جاء فسلم على النبي ◌ِنَّم حتى فعل ذلك
ثلاث مرات))(١).
وعن أبي هريرة رضى الله تعالی عنه عن
النبي عِيَّام أنه قال: ((إذا لقي أحدكم أخاه
فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو
جدار أو حجر ثم لقیه فلیسلم عليه)) (٢).
وعن أنس فيه قال: ((كان أصحاب
رسول الله مِنََّّلم يتماشون، فإذا استقبلتهم
شجرة أو أكمة فتفرقوا يمينا وشمالا ثم التقوا
من ورائها سلم بعضهم على بعض)) (٣).
ومن السنة إذا قام شخص من المجلس
وأراد فراق الجالسين أن يسلم عليهم (٤).
(١) حديث: قصة المسيء صلاته
أخرجه البخاري (الفتح ٢٣٧/٢)، ومسلم (٢٩٨/١)
(٢) حديث أبي هريرة: ((إذا لقى أحدكم أخاه .. ))
أخرجه أبو داود (٣٨١/٥) ونقل ابن علان في الفتوحات
(٣١٨/٥) عن ابن حجر أنه صححه.
(٣) أثر أنس: ((كان أصحاب رسول الله ،دَّلم يتماشون ... ))
أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٢٣)
(٤) المجموع ٤ / ٥٩٨
- ٢٦٠ -