النص المفهرس

صفحات 41-60

٠٠
مُضَاربَةٍ ٩ - ١٠
٠٠
المضاربة عندهم إجارة على التجر بمال ـ أي
البيع والشراء لتحصيل الربح - بجزء من
ربحه، والإجارة تكفي فيها المعاطاة كالبيع،
فتكفي المعاطاة في انعقاد المضاربة كذلك(١)
ما يتعلق بالعاقدين من الشروط:
١٠ - يشترط في كل من طرفي عقد المضاربة -
وهما رب المال والعامل - شروط لابد منها
لصحة المضاربة، وتفصيل ذلك فيما يلي:
قال المالكية والشافعية: يشترط لصحة
المضاربة أن تقع من أهل التصرف، وهو الحر
البالغ الرشيد الذي يصح منه التوكيل
والتوكل، أي المتأهل لأن يوكل غيره ويتوكل
لغيره، لأن العاقدين كل واحد منهما وكيل عن
صاحبه ومو کل لصاحبه، فمن جاز له أن يوكل
ويتوكل جاز له عقد شركة المضاربة، ومن لا
فلا، وعلى ذلك لا تصح المضاربة من عبد إلا
بإذن سيده أو كان مأذونا له في التجارة، وكذا
غيره من المحجور عليهم.
وقال الرملي: ويجوز لولي المحجور عليه
من صبي ومجنون وسفيه أن يضارب من
(١) بدائع الصنائع ٨٠/٦ - ٨١، والشرح الصغير وحاشية
الصاوي٦٨٢/٣ - ٦٨٣، وحاشية الدسوقي ٥١٧/٣،
وروضة الطالبين ١٢٤/٥ وما بعدها، ونهاية المحتاج وحاشية
الشبراملسي ٢٦٦/٥، وكشاف القناع ٥٠٨/٣، وشرح منتهى
الإرادات ٣٢٧/٢ -٣٢٨
يجوز إيداعه المال المدفوع إليه، سواء أكان
الولي أبا أم جدا أم وصيا أم حاكما أم أمينه،
ومحل ذلك أن لا يتضمن عقد المضاربة الإذن
في السفر، فإن تضمن الإذن في السفر اتجه
كونه كإرادة الولي السفر بنفسه.
وأما المحجور عليه بالفلس فلا يصح أن
یضارب، ويصح أن یکون عاملا.
وتصح المضاربة من المريض، ولا يحسب
مازاد على أجرة المثل من الثلث، لأن المحسوب
منه ما يفوّته من ماله، والربح ليس بحاصل
حتى يفوته، وإنما هو شيء يتوقع حصوله، وإذا
(١)
حصل كان بتصرف العامل
وقال الحنفية: يشترط في رب المال
والمضارب أهلية التوكيل والوكالة، لأن
المضارب يتصرف بأمر رب المال وهذا معنى
التو کیل، فيشترط في الموكل أن يكون ممن يملك
فعل ما وكل به بنفسه، لأن التوكيل تفويض ما
يملكه من التصرف إلى غيره، فلا يصح التوكيل
من المجنون والصبي الذي لا يعقل أصلا، لأن
العقل من شرائط الأهلية، ألا ترى أنهما لا
يملكان التصرف بأنفسهما ..
(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٤٥٧/٣ - ٤٥٨، وشرح
الخرشي وحاشية العدوي ٦/ ٢٠٣، والمدونة ١٠٧/٥، ومغني
المحتاج ٣١٤/٢، ونهاية المحتاج ١٥/٥، ٢٢٦
- ٤١ -

مُضَارِبَةٍ ١٠ - ١١
ويشترط فى الوكيل أن يكون عاقلا، فلا
تصح وكالة المجنون والصبي الذي لا يعقل،
وأما البلوغ والحرية فليسا بشرط لصحة
الوكالة، فتصح وكالة الصبي العاقل والعبد،
مأذونین کانا أو محجورین(١).
وقال الحنابلة: لا يصح شيء من الشركة
- ومنها المضاربة - إلا من جائز التصرف، لأنه
عقد على التصرف في المال فلم يصح من غير
جائز التصرف كالبيع (٢).
مضاربة غير المسلم:
١١ - اختلف الفقهاء في مضاربة غير المسلم:
فذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز مضاربة
غير المسلم في الجملة. قال الكاساني: ولا
يشترط إسلام رب المال أو المضارب، فتصح
المضاربة بين أهل الذمة وبين المسلم والذمي
والحربي المستأمن، حتى لو دخل حربي دار
الإسلام بأمان، فدفع ماله إلى مسلم مضاربة،
أو دفع إليه مسلم ماله مضاربة فهو جائز، لأن
المستأمن في دارنا بمنزلة الذمي، والمضاربة مع
الذمي جائزة فكذلك مع الحربي المستأمن.
فإن كان المضارب هو المسلم فدخل دار
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٨١،٢٠، ٨٢
(٢) المغني ١/٥ -٢
الحرب بأمان فعمل بالمال فهو جائز، لأنه دخل
دار رب المال، فلم يوجد بينهما اختلاف
الدارين، فصار كأنهما في دار واحدة.
وإن كان المضارب هو الحربي فرجع إلى
داره: فإن كان بغير إذن رب المال بطلت
المضاربة، وإن کان بإذنه فذلك جائز ويكون
على المضاربة، ويكون الربح بينهما على ما
شرطا إن رجع إلى دار الإسلام مسلما أو
معاهدا أو بأمان استحسانا، والقياس أن تبطل
المضاربة.
وجه الاستحسان: أنه لما خرج بأمر رب
المال صار کان رب المال دخل معه، ولو دخل
رب المال معه إلى دار الحرب لم تبطل
المضاربة، فكذا إذا دخل بأمره، بخلاف ما إذا
دخل بغير أمره، لأنه لما لم يأذن له بالدخول
انقطع حكم رب المال عنه، فصار تصرفه لنفسه
فملك الأمر به.
-.
ووجه القياس: أنه لما عاد إلى دار الحرب
بطل أمانه وعاد إلى حكم الحرب كما كان،
فبطل أمر رب المال عند اختلاف الدارين، فإذا
تصرف فيه فقد تعدى بالتصرف فملك ما
تصرف فيه(١) .
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٨١ - ٨٢
- ٤٢ -

مُضَاربَةٍ ١١ - ١٣
وقال ابن قدامة: وأما المجوسي فإن أحمد
كره مشاركته ومعاملته، قال: ما أحب مخالطته
ومعاملته، لأنه يستحل مالا يستحل غيره(١).
وأما الشافعية والمالكية في المذهب فذهبوا
إلى أن مضاربة غير المسلم أو مشار كته مكروهة،
وعند المالكية قول بحرمة مضاربة المسلم
للذمي.
وقال مالك: لا أحب للرجل أن يقارض
رجلاً إلا رجلا يعرف الحرام والحلال، وإن كان
رجلاً مسلماً فلا أحب له أن يقارض من
يستحل شيئاً من الحرام(٢).
ما يتعلق برأس مال المضاربة من الشروط:
يشترط لصحة المضاربة شروط يلزم تحققها
في رأس المال، وهي: أن يكون نقدا من
الدراهم والدنانير، وأن يكون معلوماً، وأن
یکون عيناً لا ديناً.
أولا: كون رأس المال من الدراهم والدنانير:
١٢ - اتفق الفقهاء - في الجملة - على هذا
(١) المغني ٤/٥
(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٣/ ٤٥٥ - ٤٥٨، والخرشي
٢٠٣/٦، والمدونة ١٠٧/٥، ونهاية المحتاج ٢٢٦/٥، ومغني
المحتاج ٢/ ٣١٤
الشرط، واستدل بعضهم عليه بالإجماع كما
نقله الجويني من الشافعية، أو بإجماع
(١)
الصحابة كما قال غيره منهم
وللفقهاء فيما يتخرج على هذا الشرط من
محترزات وصور ومسائل .. خلاف وتفصيل:
أ- المضاربة بالعروض:
١٣- ذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وهو
ظاهر المذهب عند الحنابلة إلى أنه لا تصح
المضاربة بالعروض، مثليةً كانت أو متقومة،
ولهم في الاستدلال على هذا الحكم والتفريع
عليه بيان:
قال الحنفية: إن ربح ما يتعين بالتعيين
ربح ما لم يضمن، لأن العروض تتعين عند
الشراء بها، والمعين غير مضمون، حتى لو
هلكت قبل التسليم لاشيء على المضارب،
فالربح علیھا یکون ربح ما لم يضمن، و:
(نهى رسول الله علي كلم عن ربح مالم
يضمن))(٢)، وما لا يتعين يكون مضمونا عند
الشراء به، حتى لو هلكت العين قبل التسليم
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٨٢، والشرح الصغير ٦٨٢/٣، ومغني
المحتاج ٢/ ٣١٠، وكشاف القناع ٥٠٧/٥
(٢) حديث: ((أن النبي ◌ِنَّ نهى عن ربح ما لم يضمن ... ))
ورد ضمن حديث عبدالله بن عمرو: ((لا يحل سلف وبيع،
ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن».
أخرجه الترمذي (٥٢٧/٣) وقال: حديث حسن صحيح.
- ٤٣ -

مُضَارِبَةٍ ١٣
٠٠
٠٠٠
فعلى المشتري به ضمانه، فکان الربح على ما
في الذمة، فيكون ربح المضمون، ولأن
المضاربة بالعروض تؤدي إلى جهالة الربح
وقت القسمة، لأن قيمة العروض تعرف بالحزر
والظن، وتختلف باختلاف المقومين، والجهالة
تفضي إلى المنازعة، والمنازعة تفضي إلى
الفساد، وهذا لا يجوز(١).
وقال المالكية فى تعليل عدم جواز
المضاربة بالعروض: إن المضاربة رخصة
يقتصر فيها على ما ورد، ويبقى ما عداه على
الأصل من المنع، ولا يجوز اعتبار قيمة
العرض رأس مال(٢) .
وعلل الشافعية عدم جواز المضاربة على
عروض، بأن المضاربة عقد غرر، إذ العمل
فيها غير مضبوط والربح غير موثوق به، وإنما
جوزت للحاجة، فاختصت بما يروج غالبا
وتسهل التجارة به وهو الأثمان (٣)، ولأن
المقصود بالمضاربة رد رأس المال والاشتراك
في الربح، ومتى عقد على غير الأثمان لم
يحصل المقصود، لأنه ربما زادت قيمته،
(١) بدائع الصنائع ٨٢/٦
(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٣/ ٦٨٣، ٦٨٦، وشرح
الزرقاني وحاشية البناني ٢١٣/٦
(٣) مغني المحتاج ٣١٠/٢
فيحتاج أن يصرف العامل جميع ما اكتسبه في
رد مثله إن کان له مثل، وفي رد قیمته إن لم
یکن له مثل، وفي هذا إضرار بالعامل، وربما
نقصت قيمته فيصرف جزءا يسيراً من الكسب
في رد مثله أو رد قيمته ثم يشارك رب المال في
الباقي، وفي هذا إضرار برب المال، لأن العامل
يشاركه في أكثر رأس المال، وهذا لا يوجد في
الأثمان لأنها لا تقوم بغيرها (١).
وظاهر المذهب عند الحنابلة أن العروض
لا تجوز الشركة فيها، نص عليه أحمد في
رواية أبي طالب وحرب وحكاه عنه ابن
المنذر، لأن الشركة: إما أن تقع على أعيان
العروض أو قيمتها أو أثمانها، لا يجوز
وقوعها على أعيانها، لأن الشركة تقتضي
الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله،
وهذه لامثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة
جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك
جمیع الربح أو جمیع المال، وقد تنقص قيمته
فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه
الذي ليس بربح، ولا يجوز وقوعها على
قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر، فيفضي
إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته،
(١) المهذب ٣٨٥/١
- ٤٤ _

مُضَارِبَةٍ ١٣
ولأن القيمة قد تزيد فى أحدهما قبل بيعه
فيشاركه الآخر في العين المملوكة له، ولا
يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال
العقد ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي
اشتراها به فقد خرج عن مكانه وصار للبائع،
وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير
شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، ولا
يجوز ذلك.
وعن أحمد رواية أخرى: أن الشركة
والمضاربة تجوز بالعروض، وتجعل قيمتها
وقت العقد رأس المال، قال أحمد : إذا
اشتركا في العروض يقسم الربح على ما
اشترطا، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل
عن المضاربة بالمتاع، قال: جائز، فظاهر هذا
صحة الشركة بها، واختار هذا أبو بكر وأبو
الخطاب وصوبه المرداوي، وهو قول ابن أبي
ليلى، وبه قال في المضاربة طاووس
والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان، لأن
مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين
جميعا، وكون ربح المالين بينهما، وهذا
يحصل في العروض كحصوله في الأثمان،
فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها
كالأثمان، ويرجع كل واحد منهما عند
المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا
جعلنا نصاب زكاتها قيمتها(١) .
وقال الحنفية: لو دفع إليه عروضا فقال له:
بعها واعمل بثمنها مضاربة، فباعها بدراهم
ودنانير وتصرف فيها جاز، لأنه لم يضف
المضاربة إلى العروض وإنما أضافها إلى الثمن،
والثمن تصح به المضاربة، فإن باعها بمكيل أو
موزون جاز البيع عند أبي حنيفة بناء على
أصله في الوكيل بالبيع مطلقاً: أنه يبيع
بالأثمان وغيرها، إلا أن المضاربة فاسدة لأنها
صارت مضافة إلى مالا تصح المضاربة به وهو
الحنطة والشعير، وأما على أصلهما فالبيع لا
يجوز لأن الوكيل بالبيع مطلقا لا يملك البيع
بغير الأثمان، ولا تفسد المضاربة لأنها لم تصر
مضافة إلى ما لا يصلح به رأس مال
المضاربة(٢).
وقال المالكية: إن قال له: بعه واجعل ثمنه
رأس مال فمضاربة فاسدة، للعامل فيها أجر
مثله في تولية ومضاربة مثله في ربح المال إن
ربح، وإن لم یربح فلا شيء له في ذمة ربه،
وقالوا: لا تجوز بغير نقد يتعامل به، ولو انفرد
التعامل به كالودع، وقال بعضهم: الظاهر
(٣)
الجواز(٣).
(١) المغني ١٣/٥ - ١٧
(٢) بدائع الصنائع ٨٢/٦
(٣) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٦٨٦/٣
- ٤٥ -

مُضَاربَةٍ ١٤ - ١٦
٠٠
..
ب - المضاربة بالتبر:
١٤ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا تجوز
المضاربة على تبر ولا حلي ولا سبائك
لاختلاف قيمتها.
وذهب الحنفية إلى جواز المضاربة بتبر
الذهب والفضة بشرط تعامل الناس به، فإن
كان الناس يتعاملون به فهو بمنزلة الدراهم
والدنانير فتجوز المضاربة به، وإن كانوا
لا يتعاملون به فهو كالعروض فلا تجوز
المضاربة به.
وأجاز المالكية المضاربة بالتبر ونحوه
بشرطين:
الأول: أن يتعامل بالتبر ونحوه فقط في
بلد المضاربة.
الثاني: أن لا يوجد مسکوك یتعامل به،
فإن وجد مسكوك يتعامل به أيضاً لم يجز
التبر ونحوه لوجود الأصل(١).
ج - المضاربة بالمغشوش من النقدين:
١٥ - ذهب الحنفية والمالكية في المشهور عندهم
إلى جواز المضاربة بالمغشوش من النقدين،
(١) بدائع الصنائع ٨٢/٦، والشرح الصغير ٦٨٣/٣ - ٦٨٤،
وشرح الزرقاني ٢١٣/٦، ومغني المحتاج ٢/ ٣١٠، ونهاية
المحتاج ٢١٩/٥، وكشاف القناع ٤٩٨/٣
وهو قول السبكي من الشافعية(١).
وقال الشافعية في الصحيح عندهم، وهو
قول ابن وهب من المالكية: لا تصح المضاربة
بالمغشوش من الأثمان، لأن الغش الذي فيها
عرض، ولأن قيمتها تزيد وتنقص، أشبهت
العروض.
وأضاف الشافعية: لا تصح المضاربة
بالدراهم والدنانير المغشوشة وإن راجت وعلم
مقدار غشها وجوزنا التعامل بها (٢).
وقال الحنابلة: لا تصح المضاربة في
المغشوش من النقدين غشاً كثيراً عرفاً لأنه لا
ینضبط غشه، فلا یتأدی رد مثله، لأن قيمتها
تزيد وتنقص فهي كالعروض(٣).
د - المضاربة بالفلوس :
١٦ - ذهب جمهور الفقهاء - أبو حنيفة وأبو
يوسف، والمالكية على المشهور، والشافعية
والحنابلة - إلى أن المضاربة لا تصح
(١) بدائع الصنائع ٨٢/٦، والزرقاني ٢١٤/٦، ومغني المحتاج
٣١٠/٢
(٢) روضة الطالبين ١١٧/٥، ومغني المحتاج ٣١٠/٢، والمهذب
٣٨٥/١، ونهاية المحتاج ٢١٩/٥
(٣) كشاف القناع ٤٩٨/٣
- ٤٦ -

...
مُضَارِبَةٍ ١٦ - ١٩
(١) لأن المضاربة عقد غرر جوز
بالفلوس
للحاجة، فاختص بما يروج غالبا وتسهل
التجارة به وهو الأثمان.
وقيد بعض الفقهاء جواز المضاربة بها
بقیود:
قال الكاساني: إن كانت الفلوس كاسدة
فلا تجوز المضاربة بها لأنها عروض، وإن كانت
نافقة فكذلك في الرواية المشهورة عن أبي
حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد تجوز (٢)
وقال المالكية: الفلوس لا يجوز أن تكون
رأس مال المضاربة ولو تعومل بها على
المشهور، لأن التبر إذا كان لا يجوز المضاربة به
إلا إذا انفرد التعامل به - والحال أنه ليس مظنة
الكساد- فأولى الفلوس التي هي مظنة
الكساد، فلا يجوز المضاربة بها إلا أن تنفرد
بالتعامل بها ، وإلا جاز، وقال الدردير:
وظاهره ولو كان العامل يعمل بها في
المحقَّرات التي الشأن فيها التعامل بها.
وقال بعض المالكية بجواز المضاربة
بالفلوس، لأن الدراهم والدنانير ليست
(١) الفلوس جمع فلس، وهو القطعة المضروبة من النحاس
يتعامل بها، وهي أثمان عند المقابلة بغير جنسها (قواعد الفقه
للبركتي، وبدائع الصنائع ٢٣٦/٥)
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٥٩
مقصودة لذاتها حتى تمتنع بغيرها حیث انفرد
التعامل بها، بل هي مقصودة من حيث
التنمية(١).
هـ- المضاربة بالمنفعة:
١٧ - نص الشافعية على أنه لا تصح المضاربة
على المنفعة، وقالوا: لا يجوز جعل رأس المال
سكنى دار، لأنه إذا لم يجعل العرض رأس
مال فالمنفعة أولى (٢) .
و - المضاربة بالصرف:
١٨ - نص المالكية على أن رب المال لو دفع نقدا
إلى العامل ليصرفه من غيره بنقد آخر ثم يعمل
بما يقبضه مضاربة فلا يجوز، فإن عمل بما
قبضه من الصرف فله أجر مثله في تولّيه في
ذمة رب المال ولو تلف أو خسر، ثم له أيضا
مضاربة مثله في ربحه - أي المال - فإن تلف أو
لم يربح فلا شيء له في ذمة رب المال(٣).
ثانياً: كون رأس مال المضاربة معلوماً:
١٩- ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط في رأس
مال المضاربة أن يكون معلوما للعاقدين، قدراً
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٥١٩/٣، والشرح الصغير
وحاشية الصاوي ٣ /٦٨٤
(٢) روضة الطالبين ١١٩/٥
(٣) جواهر الإكليل ٢/ ١٧١
- ٤٧ -

مُضَاربة ١٩-٢٢
وصفة وجنساً، علماً ترتفع به الجهالة ويدرأ
النزاع، فإن لم يكن رأس المال معلوما لهما
كذلك فسدت المضاربة. وقالوا فى تعليل
ذلك: إن كون رأس مال المضاربة غير معلوم
للعاقدين على النحو المذكور يؤدي إلى الجهل
بالربح، وكون الربح معلوما شرط صحة
المضاربة(١) .
المضاربة بأحد الكيسين أو الصرتين:
٢٠ - نص الحنابلة والشافعية في الأصح
عندهم وبعض الحنفية على أن رب المال إن
دفع كيسين أو صرتين من النقد في كل من
الكيسين أو الصرتين مال معلوم، وقال لمن دفع
إليه ذلك: ضاربتك على أحد الكيسين أو على
إحدى الصرتين .. لم تصح المضاربة لعدم
التعيين، حتى لو تساوى ما فيهما للإبهام ،
وفيه غرر لا ضرورة إلی احتماله.
وفى وجه مقابل للأصح عند الشافعيةوهو
قول بعض الحنفية: أن المضاربة تصح على
إحدى الصرتين المتساويتين في القدر والجنس
والصفة، فيتصرف العامل في أيتهما شاء
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٨٢، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٨٤،
وجواهر الإكليل ١٧١/٢، وحاشية الدسوقي ٥١٨/٣،
والمهذب ٣٨٥/١، ونهاية المحتاج ٢١٩/٥ - ٢٢٠، ومغني
المحتاج ٣١٠/٢، والمغني ١٩/٥
فتتعين للمضاربة، ولا بد أن يكون ما فيهما
معلوما.
وقال الشافعية: يتفرع على القول الأول
الأصح عندهم أن رب المال لو ضارب العامل
على دراهم أو دنانير غير معينة ثم عينها في
المجلس صح، وقيل: لا يصح(١) .
ثالثا: كون رأس مال المضاربة عيناً:
٢١ - ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط لصحة
المضاربة أن يكون رأس مالها عيناً، فلا تجوز
على ما في الذمة، بمعنى أن لا يكون رأس المال
دینا، فإن كان دينا لم تصح.
والمضاربة بالدين لا تخلو إما أن تكون
بالدين على العامل، وإما بالدين على غير
العامل.
أ - المضاربة بالدين على العامل:
٢٢ - اتفق الحنفية والمالكية والشافعية وهو
المذهب عند الحنابلة إلى أن المضاربة بدين لرب
المال على العامل لا تصح، وقال بعض الحنابلة
بصحتها، وذلك على التفصيل التالي:
(١) روضة الطالبين ١١٨/٥، ومغني المحتاج ٣١٠/٢، وكشاف
القناع ٥٠٧/٣، وروضة القضاة للسمناني ٥٨٢/٢
- ٤٨ -

مُضاربة ٢٢
٠٠٠٠٠٠٠
ذهب الحنفية إلى أنه يشترط لصحة
المضاربة أن يكون رأس المال عينا، فإن كان
دينا فالمضاربة فاسدة، وإذا كان لرب المال على
رجل دين فقال له: اعمل بديني الذي في
ذمتك مضاربة بالنصف فالمضاربة فاسدة بلا
خلاف - أي عندهم - فإن اشترى هذا المضارب
وباع فله ربحه وعليه وضيعته (أي
خسارته) والدين في ذمته عند أبي حنيفة، لأن
من و کل رجلا يشتري له بالدين الذي في ذمته
لم يصح عنده، حتى لو اشترى لا يبرأ عما في
ذمته عنده، وإذا لم يصح الأمر بالشراء في
الذمة لم تصح إضافة المضاربة إلى ما في
الذمة.
وقال الصاحبان: ما اشترى المضارب- في
الصورة السابقة - وباع هو لرب المال له ربحه
وعليه وضیعته، لأنه يصح عندهما التوكيل ولا
تصح المضاربة لأن الشراء يقع للموكل، فتصير
المضاربة بعد ذلك مضاربة بالعروض، لأنه في
التقدير كأنه وكله بشراء العروض ثم دفعه إليه
مضاربة، فتصير مضاربة بالعروض فلا
(١)
تصح(١).
وقال المالكية: لا تصح المضاربة بدين على
العامل، فليس لرب المال أن يقول لمدينه: اعمل
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٨٣، ورد المحتار ٤ / ٤٨٤
فيه مضاربة بنصف ربحه مثلا لأنه سلف
بزيادة، وإن قال له ذلك استمر الدين على حاله
في الضمان واختصاص المدين بربحه إن كان
وعليه خسره، مالم يقبض الدين من المدين،
فإن قبضه ربه منه ثم دفعه له مضاربة صح(١).
وذهب الشافعية إلى أن رب المال لو قال
لمن له دين عليه : ضاربتك على الدين الذي لي
عليك لم تصح المضاربة، بل لو قال له: اعزل
ما لي الذي في ذمتك من مالك، فعزله ولم
يقبضه ثم ضاربه عليه لم تصح المضاربة لأنه لا
يملك ما عزله بغير قبض، فإذا تصرف العامل
فيما عزله نظر، إن اشترى بعينه للمضاربة فهو
كالفضولي يشتري لغيره بعين ماله، وإن
اشترى في الذمة فوجهان: أصحهما عند
البغوي أنه للمالك لأنه اشتری له بإذنه،
وأصحهما عند أبي حامد للعامل.
وحيث كان المعزول للمالك فالربح
ورأس المال له لفساد المضاربة، وعليه الأجرة
(٢)
للعامل(٢).
وذهب الحنابلة إلى أن رب المال لو قال
(١) جواهر الإكليل ٢/ ١٧١، والشرح الصغير وحاشية الصاوي
عليه ٣/ ٦٨٣
(٢) روضة الطالبين ١١٨/٥، ومغني المحتاج ٣١٠/٢
- ٤٩ -

مُضاربة ٢٢ - ٢٤
لمدينه: ضارب بالدين الذي عليك لم يصح
وهو المذهب، وعن أحمد: يصح، وبناه
القاضي على شرائه من نفسه، وبناه في النهاية
على قبضه من نفسه لمو كله، وفيهما روايتان(١)
ب - المضاربة بدين على غير العامل:
٢٣- ذهب جمهور الفقهاء- الشافعية والحنابلة
وجمهور المالكية - إلى أن المضاربة بدين على
غير العامل لا تصح، كما لو قال للعامل:
قارضتك على ديني على فلان فاقبضه واتجر
فيه، أو نحو ذلك(٢).
وقال الحنفية: تجوز المضاربة في هذه
الصورة، وبهذا يقول اللخمي من المالكية،
وصاحب الرعاية من الحنابلة.
قال الكاساني: لوقال لرجل اقبض مالى
على فلان من الدين واعمل به مضاربة جاز،
لأن المضاربة هنا أضيفت إلى المقبوض، فكان
رأس المال عينا لا دينًا(٣).
(١) الإنصاف ٤٣١/٥
(٢) جواهر الإكليل ٢/ ١٧١، وروضة الطالبين ١١٧/٥ - ١١٨،
والإنصاف ٤٣١/٥
(٣) بدائع الصنائع ٨٣/٦، وجواهر الإكليل ٢/ ١٧١،
والإنصاف ٤٣١/٥
رابعا: كون رأس مال المضاربة مسلماً إلى
العامل:
٢٤ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والقاضي
وابن حامد من الحنابلة إلى أنه يشترط لصحة
المضاربة أن يكون العامل مطلق التصرف في
رأس مال المضاربة ومستقلا باليد عليه، وعبر
بعضهم عن ذلك بالتخلية بينه وبين رأس المال،
وعبر عنه آخرون بأنه تسليم رأس المال إليه،
وللفقهاء مع اختلافهم في التعبير خلاف في
التعليل والتفصيل.
فقال الكاساني: يشترط تسليم رأس المال
إلى المضارب لأنه أمانة، فلا تصح إلا بالتسليم
وهو التخلية كالوديعة، ولا تصح المضاربة مع
بقاء يد الدافع على المال لعدم التسليم مع بقاء
يده، حتى لو شرط بقاء يد المالك على المال
فسدت المضاربة.
ولو شرط في المضاربة عمل رب المال
فسدت المضاربة، سواء عمل رب المال معه
أو لم يعمل، لأن شرط عمله معه شرط بقاء
يده على المال وهو شرط فاسد، وسواء كان
المالك عاقدا أو غیر عاقد، فلا بد من زوال ید
رب المال عن ماله لتصح المضاربة، حتى إن
الأب أو الوصي إذا دفع مال الصغير مضاربة
وشرط عمل الصغير لم تصح المضاربة، لأن
٥٠ -
۔

٠٠.
...
مَضَاربة ٢٤ - ٢٥
يد الصغير باقية - لبقاء ملكه - فتمنع التسليم(١)
وقال المالكية: يشترط في رأس مال
المضاربة أن يكون مسلماً من ربه للعامل
بدون أمين عليه، لابدين عليه أو برهن أو
وديعة، وإلا فإن تسليمه حينئذ يكون كلا
(٢)
تسليم(٢) .
وقال الشافعية: يشترط لصحة المضاربة أن
يكون رأس مالها مسلما إلى العامل، قال
الشربيني الخطيب: ليس المراد اشتراط تسليم
المال إليه حال العقد أو في مجلسه، وإنما
المراد أن يستقل العامل باليد عليه والتصرف
فيه فلا يجوز ولا يصح الإتيان بما ينافي ذلك،
وهو شرط كون المال في يد المالك أو غيره
ليوفى منه ثمن ما اشتراه العامل، ولا شرط
مراجعته أو مراجعة مشرف نصبه في
التصرف، لأنه قد لا يجده عند الحاجة، ولا
شرط عمل المالك مع العامل لأن انقسام
التصرف يفضي إلى انقسام اليد، ولأنه ینافی
(٣)
مقتضاها من استقلال العامل بالعمل
٠
وقال الحنابلة في المذهب أنه إن أخرج
(١) بدائع الصنائع ٨٤/٦ - ٨٥
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٥١٧/٣، وشرح الزرقاني
٢١٤/٦
(٣) روضة الطالبين ١١٨/٥ - ١١٩، ونهاية المحتاج وحاشية
الشبراملسي ٢٢١/٥، ومغني المحتاج ٢/ ٣١٠، ٣١١
شخص مالاً ليعمل فيه هو وآخر، والربح
بينهما صح، ويكون مضاربة (١).
المضاربة بالوديعة:
٢٥ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن
المضاربة تصح بالوديعة في يد العامل أو في يد
غيره، كما لو قال رب الوديعة للمودع:
ضارب بالوديعة التي عندك والربح مناصفة
بيننا، أو قال لآخر: ضارب بالوديعة التي لي
عند فلان- مع العلم بقدرها - فقبل كل
منهما، فإن المضاربة تنعقد صحيحة، لأن اليد
لم يتغير وصفها، فهي قبل المضاربة وحال
كونها وديعة يد أمانة، وهي بعد المضاربة يد
أمانة كذلك، ولأن الوديعة ملك رب المال
فجاز أن يضارب عليها كما لو كانت حاضرة
في زاوية البيت، فإن كانت تلفت عنده على
وجه يضمنها لم يجز أن يضارب عليها لأنها
صارت دينا(٢) .
وذهب المالكية إلى أنه لا تصح المضاربة
بالوديعة الموجودة في يد العامل، وذلك
لاحتمال كون المودع أنفقها فتكون دينا،
والمضاربة لا تصح بالدين، إلا أن يحضر
(١) الإنصاف ٤٣٢/٥
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٨٣، وروضة الطالبين ١١٨/٥، ومطالب
أولي النهى ٥٢٢/٣، ٥٢٣
- ٥١ -

مضاربة ٢٥ - ٢٦
المودع الوديعة، ويقبضها المودع ويدفعها
مضاربة فتصح، أو يحضرها المودع ويشهد
على أن هذا المال الذي أحضر هو وديعة فلان
عندي، ثم يدفعها المودع مضاربة فتجوز، فإن
لم يحدث شيء من هذين الأمرين، وقال رب
الوديعة للعامل: اتجر بما عندك من وديعة على
أن الربح مناصفة بيننا مضاربة، فاتجر العامل
بالوديعة، فإن ربحها لربها وخسرها عليه،
وللعامل أجر مثله.
وقالوا: لا تصح المضاربة بالوديعة عند
أمين، فإن وكل رب الوديعة العامل على
خلاصها ثم یضارب بها أو بثمنها بعد بيعها
كانت المضاربة فاسدة يترتب عليها- بعد
العمل فيها- للعامل أجر مثله في تولي
تخليص الوديعة، وبيعها إن حدث، في ذمة
ربها، ربح العامل أو لم یربح، وللعامل كذلك
مضاربة مثله في ربح المال، فإن ربح أعطي
منه مضاربة مثله، وإن لم يربح فلا شيء له
لافي المال ولا في ذمة ربه (١) .
المضاربة بالمغصوب:
٢٦- ذهب الحنابلة والشافعية في الأصح
وأبويوسف والحسن بن زياد إلى أن المضاربة
بالمغصوب تصح.
(١) جواهر الإكليل ٢/ ١٧١، والشرح الصغير ٦٨٥/٣، ٦٨٦،
وشرح الزرقاني ٢١٥/٦
قال الكاساني: إن أضاف المضاربة إلى
مضمونة في يده كالدراهم والدنانير المغصوبة
فقال للغاصب: اعمل بما في يدك مضاربة
بالنصف جاز ذلك عند أبي يوسف والحسن
ابن زياد، لأن ما في يده مضمون إلى أن يأخذ
في العمل، فإذا أخذ في العمل وهو الشراء
تصير أمانة في يده فيتحقق معنى المضاربة
فتصح.
وقال جمهور فقهاء الشافعية: تصح
مضاربة الغاصب على المغصوب لتعين المال
المغصوب في ید العامل الغاصب، بخلاف ما
في الذمة فإنه يتعين بالقبض، وتصح مضاربة
غير الغاصب على المال المغصوب بشرط أن
يكون المالك أو العامل قادرا على أخذه، ويبرأ
الغاصب بتسليم المغصوب لمن يعامل، لأنه
سلمه بإذن مالكه وزالت عنه يده، لا بمجرد
المضاربة(١) .
وقال الشافعية ۔ في وجه مقابل للأصح -
وزفر بعدم صحة المضاربة بالمال المغصوب،
لأن المضاربة تقتضي كون المال أمانة في يد
المضارب، والمغصوب مغصوب في يده
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٨٣، والفتاوى الهندية ٤ /٢٨٦، وروضة
الطالبين ١١٨/٥، والمهذب ٣٨٥/١، وأسنى المطالب
٣٨١/٢، ومغني المحتاج ٢/ ٣١٠، ومطالب أولي النهى
٣ /٥٢٣
- ٥٢ -

٠٠٠٠
٠٠
مُضاربة ٢٦ - ٢٩
.
٠٠
ليس كذلك، فلا يتحقق التصرف للمضاربة،
(١)
فلا تصح(١).
المضاربة بالمال المشاع:
٢٧ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن
المضاربة تصح بمال مشاع، فلو دفع رجل مالاً
إلى رجل: بعضه مضاربة، وبعضه غير
مضاربة، مشاعاً في المال، فالمضاربة جائزة، لأن
الإشاعة لا تمنع من التصرف في المال، فإن
المضارب يتمكن من التصرف في المال المشاع،
والإشاعة إنما تمنع جواز المضاربة وصحتها إذا
كانت تمنع من التصرف بأن كانت مع غير
العامل، أما مع العامل فلا تمنعه من التصرف
.(٢)
.
فصحت المضاربة
ما يتعلق بالربح من الشروط:
أولاً: كون الربح معلوما:
٢٨ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة
المصاربة أن يكون نصيب كل من العاقدين من
الربح معلوما، لأن المعقود عليه هو الربح،
(٣)
(١).
وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٨٣، وروضة الطالبين ١١٨/٥، والمهذب
٣٨٥/١، وأسنى المطالب وحاشية الرملي ٣٨١/٢، ومغني
المحتاج ٣١٠/٢
(٢) بدائع الصنائع ٨٣/٦، وروضة الطالبين ١١٩/٥، ومغني
المحتاج ٢/ ٣١٠، والمغني ٢٤،٢٣/٥
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ٨٥، والشرح الصغير ٦٨٢/٣، ٦٨٧ ،
ومغني المحتاج ٣١٣/٢، وروضة الطالبين ١٢٢/٥ - ١٢٤،
ومطالب أولي النهى ٥١٤/٣
وقال الحنفية والشافعية في الأصح
والحنابلة: لو دفع إليه ألف درهم على أنهما
يشتركان في الربح، ولم يبين مقدار الربح،
جاز ذلك، والربح بينهما نصفان، لأن الشركة
تقتضى المساواة (١)، قال الله تعالى: ﴿فَهُمْ
شُرَكَاءُ فِى اُلتُّلُثِ﴾(٢).
وقال الدردير: لو قال الربح مشترك بيننا أو
شركة فهو ظاهر في أن له النصف، لأنه يفيد
التساوي عرفاً، بخلاف ما لو قال له: اعمل فيه
ولك في الربح شرك، فإن المضاربة لا تجوز إلا
إذا كانت هناك عادة تعين إطلاق الشرك على
النصف مثلا فيعمل عليها (٣).
ثانياً: كون الربح جزءاً شائعاً:
٢٩ - ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط أن يكون
المشروط لكل من المضارب ورب المال من
الربح جزءاً شائعاً: نصفا أو ثلثا أو ربعا، فإن
شرطا عدداً مقدرا بأن شرطا أن يكون
لأحدهما مائة من الربح أو أقل أو أكثر والباقي
للآخر لا يجوز والمضاربة فاسدة، لأن
المضاربة نوع من الشركة، وهي الشركة في
-
(١) بدائع الصنائع ٦٥/٦، وروضة الطالبين ١٢٣/٥، وشرح
المنتهى ٣٢٨/٢، والمغني ٣٣/٥
(٢) سورة النساء/ ١٢
(٣) الشرح الصغير ٦٨٧/٣
- ٥٣ -

مُضَاربَةٍ ٢٩
الربح، وهذا شرط يوجب قطع الشركة في
الربح، لجواز أن لا يربح المضارب إلا هذا
القدر المذکور، فیکون ذلك لأحدهما دون
الآخر فلا تتحقق الشركة، فلا يكون التصرف
مضاربة(١).
قال الكاساني: وكذا إن شرطا أن يكون
لأحدهما النصف أو الثلث ومائة درهم، أو
قالا: إلا مائة درهم، فإنه لا يجوز لأنه شرط
يقطع الشركة في الربح، لأنه إذا شرط
لأحدهما النصف ومائة فمن الجائز أن يكون
الربح مائتين فيكون كل الربح للمشروط له،
وإذا شرط له النصف إلامائة فمن الجائز أن
یکون نصف الربح مائة فلا يكون له شيء من
الربح.
ولو شرطا في العقد أن تكون الوضيعة
عليهما بطل الشرط والمضاربة صحيحة، لأن
الوضيعة جزء هالك من المال فلا يكون إلا
على رب المال، ولأن المضاربة وكالة، والشرط
الفاسد لا يعمل في الوكالة (٢).
وقال الحنفية: لو شرط بعض الربح
(١) بدائع الصنائع ٨٥/٦ - ٨٦، والشرح الصغير ٦٨٢/٣ -
٦٨٧، وروضة الطالبين ١٢٢/٥ -١٢٤، والمغني ٢٩/٥ -
٣٢
(٢) بدائع الصنائع ٨٥/٦ - ٨٦
للمساكين أو للحج أو في الرقاب أو لامرأة
المضارب أو مكاتبه صح العقد ولم يصح
الشرط، ويكون المشروط لرب المال.
ولو شرط البعض لمن شاء المضارب، فإن
شاء لنفسه أو لرب المال صح الشرط، وإلا بأن
شاءہ لأجنبي لا يصح.
ومتى شرط البعض لأجنبي .. إن شرط
عمله صح، وإلا فلا، وفي القهستاني: يصح
مطلقا.
والمشروط للأجنبي .. إن شرط عمله وإلا
فللمالك.
ولو شرط البعض لقضاء دين المضارب أو
دين المالك جاز، ويكون للمشروط له قضاء
دينه، ولا يلزم بدفعه لغرمائه(١).
وقال الشافعية: للربح أربعة شروط:
الأول: أن یکون مخصوصا بالمتعاقدین، فلو
شرط بعضه لثالث لم تصح المضاربة، إلا أن
يشرط عليه العمل معه فيكون قراضا مع
رجلين.
الثاني: أن يكون مشترکا بينهما، ليأخذ
المالك بملكه والعمل بعمله فلا يختص به
أحدهما، فلو شرط اختصاص أحدهما بالربح
لم تصح المضاربة.
الثالث: أن يكون معلوما، فلو قال:
(١) الدر المختار ٤٨٥/٤، ٤٨٨، ٤٨٩
- ٥٤ -

مُضَارَبة ٢٩ - ٣٢
ضاربتك على أن لك في الربح شرکا فسدت
المضاربة.
الرابع: أن يكون العلم من حيث الجزئية لا
من حيث التقدير، فلو قال: لك من الربح،
أولي منه، درهم أو مائة والباقي بيننا نصفان لم
تصح المضاربة (١) .
٣٠- قال الحنفية: لو شرط جميع الربح
للمضارب فالعقد قرض، لأنه إذا لم يمكن
تصحيحه مضاربة يصحح قرضًا، لأنه أتى
بمعنى القرض، والعبرة في العقود لمعانيها.
وعلى هذا لو شرط جميع الربح لرب المال
(٢)
فهو إيضاع لوجود معنى الإبضاع
ويقرب من هذا مذهب المالكية، وقالوا:
يجوز جعل الربح كله لأحد المتعاقدين أو
لغيرهما، لأنه من باب التبرع، وإطلاق القراض
عليه حينئذ مجاز(٣) .
وقال الحنابلة: إن قال رب المال: خذ هذا
المال فاتجر به وربحہ کله لك کان قرضًا
لاقراضًا، لأن قوله: خذه فاتجر به يصلح لهما
وقد قرن به حكم القرض فانصرف إليه، وإن
قال مع ذلك: ولا ضمان عليك فهذا شرط فيه
(١) روضة الطالبين ١٢٢/٥-١٢٤، ومغني المحتاج ٣١٢/٢ -
٣١٣
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٨٥
(٣) الشرح الصغير ٦٩٢/٣، والخرشي ٢٠٩/٦
نفي الضمان فلا ینتفي بشرطه، كما لو صرح به
فقال: خذ هذا قرضًا ولا ضمان عليك، وإن
قال: خذه فاتجر به والربح كله لي كان إبضاعًا،
وإن قال: خذه مضاربة والربح كله لك أو كله
لي فهو عقد فاسد، وإلى هذا ذهب الشافعية
في الأصح عندهم.
وفي قول مقابل للأصح عند الشافعية أن
من قال للعامل: قارضتك على أن كل الربح
لك فهو مضاربة صحيحة، وإن قال رب المال:
كل الربح لي فهو إيضاع(١) .
خامسًا: ما يتعلق بالعمل من الشروط:
٣١ - ذهب الفقهاء - في الجملة - إلى أنه
يشترط في العمل بالمضاربة شروط، تصح
المضاربة بوجودها، وتفسد إن تخلفت هذه
الشروط أو بعضها، وهي: أن يكون العمل
تجارة، وأن لا يضيق رب المال على العامل في
عمله، وأن لا يخالف العامل مقتضى العقد.
تصرفات المضارب:
لا تخرج تصرفات المضارب عن أقسام
أربعة:
الأول: ماله عمله من غير نص عليه:
٣٢- إذا لم يعين رب المال للمضارب العمل أو
(١) المغني ٣٥/٥، ومغني المحتاج ٣١٢/٢
- ٥٥ -

مُضَارَبة ٣٢ - ٣٣
....
المكان أو الزمان أو صفة العمل أو من يعامله،
بل قال له: خذ هذا المال مضاربة على كذا فله
البيع، وله الاستئجار، وله التو کیل، وله الرهن،
وله الإبضاع، والإحالة، لأن كل ذلك من عمل
التجار.
بهذا قال الحنفية(١)، ويقرب منه ما ذهب
إليه جمهور الفقهاء.
فقد صرح الشافعية بأن للعامل البيع
والشراء بعرض وإن لم يأذن له المالك إذ
الغرض الربح وقد یکون فيه (٢) .
ونص الحنابلة على أن حكم المضاربة حكم
الشركة فيما للعامل أن يفعله من البيع والشراء
أو القبض والإقباض ونحو ذلك(٣) .
وإن أطلق رب المال فلا خلاف عندهم في
جواز البيع حالاً.
وفي جواز البيع نسيئة روايتان:
إحداهما: ليس له ذلك لأنه نائب في البيع،
فلم يجز له البيع نسيئة بغير إذن صريح
كالوكيل وذلك لأن النائب لا يجوز له
التصرف إلا على وجه الحظ والاحتياط، وفي
النسيئة تغرير بالمال، وقرينة الحال تقيد مطلق
الكلام، فیصیر کأنه قال: بعه حالاً.
(١) بدائع الصنائع ٨٧/٦ - ٩٠، وانظر الاختيار ٢٠/٣
(٢) نهاية المحتاج ٢٢٩/٥ - ٢٣١، والمهذب ٣٨٧/١
(٣) كشاف القناع ٥١١/٣
والثانية: أنه يجوز له البيع نساء - وهو
اختيار ابن عقيل - لأن إذنه في التجارة
والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذا
عادة التجار، ولأنه يقصد الربح، وهو في
النساء أكثر، ويفارق الوكالة المطلقة فإنها لا
تختص بقصد الربح وإنما المقصود تحصيل
الثمن فحسب، فإذا أمكن تحصيله من غير خطر
كان أولى(١).
وصرح الشافعية والحنابلة بأن للعامل شراء
المعيب إن رأى ذلك لأن المقصود طلب الحظ،
وقد يكون الربح في المعيب (٢).
وقال الشافعية: للعامل الرد بعيب تقتضيه
مصلحة، فإن اقتضت المصلحة إمساكه فلا یرده
في الأصح لإخلاله بمقصود العقد (٣).
٣٣- واختلف الفقهاء في سفر العامل بمال
المضاربة، والأصل عند الحنفية والمالكية
والحنابلة في الصحيح من المذهب وهو قول
عند الشافعية - نقله البويطي - أن للمضارب
السفر بمال المضاربة إن أطلق رب المال الإذن
للعامل ولم يقيده، لأن الإذن المطلق ينصرف
إلى ما جرت به العادة، وهي جارية بالتجارة
(١) المغني ٥/ ٣٩ -٤٠
(٢) نهاية المحتاج ٢٢٩/٥ - ٢٣١، والمهذب ٣٨٧/١، والمغني
٤٤/٥
(٣) المراجع السابقة.
- ٥٦ -

مُضَارَبة ٣٣
سفرا وحضرا، ولأن المقصود من عقد
المضاربة استنماء المال وهذا المقصود بالسفر
أوفر، ولأن العقد صدر مطلقا عن المكان
فيجري على إطلاقه، ولأن مأخذ الاسم دليل
عليه لأن المضاربة مشتقة من الضرب في
الأرض وهو السير طلبا للفضل .. فملك السفر
بمطلقها، قال تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى
اُلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾(١).
ونقل أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: إذا
دفع إليه المال بالكوفة وهما من أهليها فليس
للعامل أن يسافر بالمال، ولو كان الدفع في
مصر آخر غير الكوفة فللمضارب أن يخرج به
حيث شاء، لأن المسافرة بالمال مخاطرة به فلا
تجوز إلا بإذن رب المال نصا أو دلالة، فإذا
دفع إليه المال في بلدهما فلم يأذن له بالسفر
نصا ولا دلالة لم يكن له أن يسافر، وإذا دفع
إليه في غير بلدهما فقد وجد دلالة الإذن
بالرجوع إلى الوطن، لأن العادة أن الإنسان لا
يأخذ المال مضاربة ويترك بلده، فكان دفع
المال في غير بلدهما رضا بالرجوع إلى الوطن
فكان إذنا دلالة (٢).
وقال المالكية: سفر العامل بمال المضاربة
(١) سورة المزمل / ٢٠
(٢) بدائع الصنائع ٨٨/٦، والشرح الصغير ٦٩٤/٣، وروضة
الطالبين ١٣٤/٥، والإنصاف ٤١٨/٥، والمغني ٤١/٥
يجوز إن لم يحجر عليه (أي لم يمنعه) رب
المال قبل شغل المال، فإن حجر عليه قبل
شغله ولو بعد العقد لم يجز، فإن خالف وسافر
ضمن، بخلاف مالو خالف وسافر بعد شغله إذا
ليس لرب المال منعه من السفر بعده(١).
وقال الحنابلة: إن أذن رب المال في السفر
أو نهى عنه أو وجدت قرينة دالة على أحد
الأمرين تعين ذلك، وثبت ما أمر به وحرم
مانهى عنه، وليس له السفر في موضع مخوف
على الوجهين جميعا، وكذلك لو أذن له في
السفر مطلقا لم يكن له السفر في طريق
مخوف ولا إلى بلد مخوف، فإن فعل فهو
ضامن لما يتلف، لأنه متعد بفعل ماليس له
فعله(٢).
وقال الشافعية في المشهور عندهم وهو
وجه عند الحنابلة وقول أبي يوسف - في رواية
أصحاب الإملاء عنه - أنه ليس للعامل أن
يسافر بالمال ولو كان السفر قريبا والطريق آمنا
ولا مؤنة في السفر بلا إذن من المالك، لأن
السفر مظنة الخطر.
وقال الشبراملسي: محل امتناع السفر إلى
ما يقرب من بلد المضاربة إذا لم يعتد أهل بلد
(١) الشرح الصغير ٦٩٤/٣
(٢) المغني ٤١/٥، والإنصاف ٤١٨/٥
- ٥٧ -

مُضَاربة ٣٣ - ٣٤
......
المضاربة الذهاب إليه ليبيع ويعلم المالك
بذلك، وإلا جاز، لأن هذا بحسب عرفهم يعد
من أسواق البلد.
وقال الشافعية: لو ضاربه بمحل لا يصلح
للإقامة - كالمفازة- فالظاهر كما قال الأذرعي
أنه يجوز له السفر بالمال إلى مقصده المعلوم
لهما، ثم ليس له بعد ذلك أن يحدث سفرا إلى
غير محل إقامته، فإن أذن له جاز بحسب
الإذن، وإن أطلق الإذن سافر لما جرت به العادة
من البلاد المأمونة، فإن سافر بغير إذن أو خالف
فيما أذن له فيه ضمن وأثم، ولم تنفسخ
المضاربة ولو عاد من السفر، ثم إن كان المتاع
بالبلد الذي سافر إلیه أكثر قیمة، أو تساوت
القیمتان، صح البيع واستحق نصيبه من الربح
وإن كان متعديا بالسفر، ويضمن الثمن الذي
باع به مال القراض فى سفره وإن عاد الثمن من
السفر، لأن سبب الضمان وهو السفر لا يزول
بالعود، وإن كان - المتاع هناك - أقل من
القيمة لم يصح البيع إلا أن يكون النقص قدرا
یتغابن به.
وقالوا: ولا يسافر في البحر إلا إن نص له
عليه لخطره، فلا يكفي فيه الإذن في السفر،
نعم إن عين له بلدا ولا طريق له إلا البحر -
کساکن الجزائر التي يحيط بها البحر - كان له
أن يسافر فيه وإن لم ينص عليه والإذن
محمول عليه، قاله الأذرعى وغيره، والمراد
بالبحر الملح كما قاله الإسنوي، وهل يلحق
بالبحر الأنهار العظيمة كالنيل والفرات؟ قال
الأذرعي: لم أر فيه نصا، وقال الشربيني
الخطيب: الأحسن أن يقال: إن زاد خطرها على
خطر البر لم یجز إلا أن ینص علیه کما قاله ابن
(١)
شهبه (١).
الثاني: ما ليس للمضارب عمله إلا
بالنص عليه:
٣٤- ينتظم هذا النوع التصرفات التي لا تقع
من التجار عادة ولا ينتظمه عقد المضاربة
بإطلاقه، ومن ذلك الاستدانة على مال المضاربة
بشراء المضارب شيئًا بثمن دین ليس في يده من
جنسه، فلو استدان المضارب كان دينا عليه في
ماله ولم يجز على رب المال، لأن الاستدانة
إثبات زيادة في رأس المال من غير رضا رب
المال، وفيه إثبات زيادة ضمان على رب المال
من غير رضاه، لأن ثمن المشتري برأس المال في
المضاربة مضمون على رب المال، بدليل أن
المضارب لو اشترى برأس المال ثم هلك
المشترى قبل التسليم فإن المضارب يرجع إلى
(١) مغني المحتاج ٣١٧/٢، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي
٢٣٢/٥ - ٢٣٥، وروضة الطالبين ١٣٤/٥، وبدائع الصنائع
٨٨/٦، والإنصاف ٤١٨/٥، والمغني ٤١/٥
- ٥٨ -

...
مُضَاربَةٍ ٣٤
رب المال بمثله، فلو جوزنا الاستدانة على
المضاربة لألزمناه زیادة ضمان لم يرض به وهذا
لا يجوز، وكذلك لا يجوز الاستدانة على
إصلاح مال المضاربة.
وإذا أذن للمضارب أن يستدين على مال
المضاربة جاز له الاستدانة، وما يستدینه یکون
بينهما شركة وجوه، ولا يأخذ المضارب سفتجة
لأن أخذها استدانة وهو لا يملكها إلا بالنص
عليها، وكذا لا يعطى سفتجة لأن إعطاءها
إقراض وهو لا يملكه إلا بالنص عليه.
و کذلك ليس له أن يشتري بما لا يتغابن به
الناس في مثله وإن قال له: اعمل برأيك، ولو
اشترى يصير مخالفا لأن المضاربة توكيل
بالشراء، والتوكيل بالشراء مطلقًا ينصرف إلى
المتعارف، وهو ما يكون بمثل القيمة أو بما
يتغابن الناس في مثله، ولأن الشراء بما لا
يتغابن في مثله محاباة، والمحاباة تبرع، والتبرع
لا يدخل في عقد المضاربة، هذا مذهب
الحنفية(١).
وقال المالكية: للعامل أن يشارك بإذن رب
المال، أو يخلط المال بماله أو بمال قراض عنده،
وللعامل الإبضاع بإذن رب المال، وإذا شارك
العامل في مال المضاربة غيره بغير إذن رب المال
فإنه يضمن، لأن رب المال لم يستأمن غيره.
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٩٠
ولا يجوز للعامل أن يشتري سلعًا
للمضاربة بنسيئة وإن أذن له رب المال في
ذلك.
قال الصاوي: إنما منع ذلك لأكل رب المال
ربح ما لم يضمن ونهي النبي مد ◌ّم عنه(١)، ثم
إن المنع مقيد بما إذا كان العامل غير مدير، وأما
المدير فله الشراء للمضاربة بالدين كما في
سماع ابن القاسم (٢).
وقال الشافعية: لا يتجر العامل إلا فيما أذن
فيه رب المال، فإن أذن له في صنف لم يتجر
في غيره لأن تصرفه بالإذن فلم يملك ما لم
یأذن له فیه.
ولا يشتري العامل للمضاربة بأكثر من رأس
المال وربحه إلا بإذن المالك، لأنه لم یرض بأن
يشغل العامل ذمته إلا بذلك، فإن فعل لم يقع
الزائد لجهة المضاربة(٣).
ولو ضارب العامل شخصا آخر بإذن المالك
ليشاركه في العمل والربح لم تجز في الأصح،
لأن المضاربة على خلاف القياس، وموضوعها
أن يكون أحد العاقدين مالكا لا عمل له
(١) حديث: ((نهى عن ربح ما لم يضمن))
أخرجه الترمذي (٥٢٧/٣) من حديث عبد الله بن عمرو،
وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) الشرح الصغير ٦٩٥/٣ -٦٩٨
(٣) المهذب ٣٨٦/١ - ٣٨٧، ومغني المحتاج ٣١٦/٢
- ٥٩ -

مُضَاربَة ٣٤
والآخر عاملا ولو متعددا لا ملك له، فلا يعدل
إلى أن يعقدها عاملان، ومحل المنع بالنسبة
للثاني أما الأول فالمضاربة باقية في حقه، فإن
تصرف الثاني فله أجرة المثل على
المالك، والربح كله للمالك، ولا شيء للعامل
الأول حيث لم يعمل شيئا، قال الشبراملسي:
أما لو عمل فالأقرب أن الربح يكون لهما
بحسب ما شرطاه، ومقابل الأصح: أنه يجوز
كما يجوز للمالك أن يضارب شخصين في
الابتداء.
ولو أذن المالك للعامل في أن يضارب غيره
لينسلخ من المضاربة ويكون وكيلا فيصح،
ومحله - كما قال ابن الرفعة - إذا كان المال مما
يجوز عليه المضاربة لأنه ابتداء مضاربة، فلو
وقع بعد تصرفه وصيرورة المال عرضا لم تجز.
ولو ضارب العامل شخصا آخر بغير إذن
المالك فسدت المضاربة مطلقا، سواء أقصد
المشاركة في عمل وربح أم ربح فقط أم قصد
الانسلاخ، لانتفاء إذن المالك فيها وائتمانه على
المال غيره، فإن تصرف العامل الثاني بغير إذن
المالك فتصرف غاصب فيضمن ما تصرف
فیه، لأن الإذن صدر ممن ليس بمالك ولا وكيل،
فإن اشترى للأول في الذمة ونقد الثمن من مال
المضاربة وربح فالربح للعامل الأول في الأصح
لأن الثاني تصرف بإذنه فأشبه الو کیل، وعليه
للثاني أجرته هو من زيادته من غير تمييز لأنه لم
یعمل مجانا، وقيل: الربح كله للثاني لأنه لم
يتصرف بإذن المالك فأشبه الغاصب ، واختاره
السبكي، أما لو اشترى في الذمة لنفسه فيقع
لنفسه، وإن اشترى بعين مال المضاربة فباطل
شراؤه لأنه فضولي(١).
وللعامل أن يبيع ويشتري بنسيئة أو بغبن
فاحش إذا أذن له رب المال لأن المنع لحقه وقد
زال بإذنه، ومع الجواز ينبغي أن لا يبالغ في
الغبن فيبيع ما يساوي مائة بعشرة، بل يبيع بما
تدل القرينة على ارتكابه عادة فى مثل ذلك،
فإن بالغ لم يصح تصرفه، ويجب الإشهاد في
النسيئة وإلا ضمن، بخلاف الحال، لعدم جريان
العادة بالإشهاد في البيع الحال (٢).
وقال الحنابلة: يجوز لرب المال أن ينص
للمضارب على التصرف نقداً أو نسيئة ولم تجز
مخالفته لأن المضارب متصرف بالإذن، فلا
يتصرف في غير ماأذن له فيه، ولأن ذلك لا
يمنع مقصود المضاربة ، وقد يطلب بذلك
(٣)
الفائدة فى العادة
وقالوا: ليس للعامل أن يشتري بأكثر من
(١) نهاية المحتاج ٢٢٧/٥، ٢٢٨، ٢٣٢
(٢) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٢٢٩/٥ - ٢٣١، والمهذب
٣٨٧/١، ومغني المحتاج ٣١٥/٢
(٣) المغني ٣٩/٥
- ٦٠ -