النص المفهرس
صفحات 121-140
مُسَاقَاة ٢٠ - ٢٢ أ- أن يكون مشتركاً بين المالك والعامل، لا أن يكون لأحدهما أو لغيرهما (١). قال الكاساني: لأن معنى الشركة لازم لهذا العقد وكل شرط يكون قاطعاً للشركة يكون مفسداً للعقد (٢). غير أن المالكية نصوا على جواز أن تكون الثمرة كلها للعامل أو المالك (٣). وخرّج ذلك على أنه منحة لا مساقاة (٤). ب - أن يكون نصيب كل منهما من الخارج جزءا معلوم القدر كالثلث والنصف (٥)، وأجاز المالكية كون التعيين بالعادة الجارية في البلد (٦). ج - أن يكون الاشتراك في الخارج على وجه الشيوع لا على التعيين أو العدد (٧). ومحصل هذا اشتراط كون نصيب كل منهما من الثمرة جزءاً شائعا معلوما، وذلك تحقيقا لمعنى المساقاة، وهو العمل في الشجر لقاء جزء معلوم من الثمر. (١) بدائع الصنائع ١٨٦/٦، والقوانين الفقهية ١٨٤، وكشاف القناع ٥٣٥/٣، وحاشية الدسوقي ٣/ ٥٤٠، ومغني المحتاج مع المنهاج ٣٢٦/٢ (٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٧ (٣) الشرح الكبير للدردير ٥٤٠/٣ (٤) بداية المجتهد ٣١٨/٢ (٥) المراجع السابقة. (٦) حاشية الدسوقي ٣/ ٥٤٠ (٧) بدائع الصنائع ١٨٦/٦، والقوانين الفقهية ١٨٤، وكشاف القناع ٥٣٥/٣، والدسوقي ٥٤٠/٣، ومغني المحتاج ٣٢٦/٢ الركن الخامس: العمل: يشترط في العمل ثلاثة شروط هي: أولا: أن يكون مقصوراً على العامل وحده، بدون اشتراط شيء منه على المالك. ٢١- هذا الشرط - في الجملة - متفق عليه بين فقهاء المذاهب الأربعة (١) حتى يفسد العقد بوجه عام باشتراط شيء من العمل ومؤنته ولوازمه على المالك، لأنه يخالف مقتضى العقد، وهو: أن العمل على العامل، كما في المضاربة إذا شرط فيها العمل على رب المال. ثانيا: أن لا يشترط على العامل ما لا يدخل في جنس عمله. ٢٢- قال ابن رشد: إن العلماء بالجملة أجمعوا على أن الذي يجب على العامل هو السقي والإبار، واختلفوا في غير ذلك. واتفقوا على أنه لا يجوز فيها اشتراط منفعة زائدة، مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دراهم أو دنانير، ولا شيئاً من الأشياء الخارجة عن المساقاة (٢). (١) روضة الطالبين ١٥٥/٥، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير ٥٤٦/٣، بدائع الصنائع ١٨٦/٦، والمغني لابن قدامة ٥٦٥/٥ وما بعدها، كشاف القناع ٣/ ٥٤٠ (٢) روضة الطالبين ١٥٥/٥، والمغني ٤٠١/٥، ٤٠٢، وبداية المجتهد ٣١٨/٢ - ١٢١ - مُسَاقًا: ٢٣ - ٢٥ ثالثا: أن ينفرد العامل بالحديقة: ٢٣- من شروط العمل: أن يستبد العامل باليد في الحديقة ليتمكن من العمل متى شاء فلو شرطا كونه في يد المالك، أو مشاركته في اليد لم يصح، ولو سلم المفتاح إليه، وشرط المالك الدخول عليه، جاز على الصحيح، والوجه الثاني: أنه إذا دخل، كانت الحديقة في يده، يتعوق بحضوره عن العمل (١). ما يلزم العامل في المساقاة والاشتراط عليه: في ضبط ما على العامل بالعقد عند إطلاقه وما ليس عليه، وما يجوز اشتراطه عليه وما لا يجوز اشتراطه التفصيل التالي: ٢٤ - ذكر الحنفية ضابطين: الضابط الأول: أن ما كان من عمل قبل إدراك الثمر من السقي والتلقيح والحفظ، فهو على العامل، وما بعد الإدراك كالجذاذ وهو القطف، وحفظه فهو عليهما في ظاهر الرواية، وما بعد القسمة فهو عليهما، فعلى هذا لو شرط قطف الثمر على العامل لم يجز لأنه لا عرف فيه (٢). الضابط الثاني: أن ما لا تبقى منفعته بعد مدة العقد فهو على العامل، فاشتراطه عليه لا يفسد العقد، وما تبقى منفعته بعدها کغرس (١) روضة الطالبين ١٥٥/٥ (٢) الهداية ٥٨/٤، وحاشية ابن عابدين ١٨٥/٥ الأشجار ونصب العرائش، وإلقاء السرقين، فاشتراطه على العامل يفسد العقد(١). ٢٥- وأما المالكية: فأرجعوا الأمر إلى العرف، فقرروا: أن كل ما يفتقر إليه الثمر عرفاً يجب على العامل ولو بقي بعد المساقاة، ولا يشترط تفصيل العمل، ويحمل على العرف إن كان منضبطاً، وإلا فلا بد من البيان (٢). ولهم ضابط تفصيلي قريب من ضابط الحنفية على النحو التالي: أ- أن ما لا يتعلق بالثمرة ولا تأثير له في إصلاحها لا يلزم العامل بالعقد، ولا يجوز أن يشترط عليه إلا اليسير منه كسد الحيطان وإصلاح مجارى المياه (٣). ب - ما يتعلق بالثمرة ويبقى بعدها أو یتأبد، کحفر بئر أو عین أو ساقية أو بناء بيت يخزن فيه الثمر، أو غرس فسيل، فإنه لا يلزم بالعقد، ولا يجوز أن يشترط عليه(٤)، وفي بداية المجتهد(٥): وأما ماله تأثير في إصلاح الثمر ويبقى بعد الثمر فيدخل عنده بالشرط في المساقاة لا بنفس العقد. ج- ما يتعلق بالثمرة ولا يبقى أو لا يتأبد (١) الدر المختار مع رد المحتار ١٨٥/٥، والهداية ٥٨/٤ (٢) مواهب الجليل ٣٧٥/٥ (٣) القوانين الفقهية ص١٨٤، وبداية المجتهد ٣١٩/٢ (٤) القوانين الفقهية ص١٨٤ (٥) بداية المجتهد ٣١٧/٢ -٣١٨ - ١٢٢ - مُسَاقَاة ٢٥ - ٢٦ فهو واجب على العامل بالعقد، كالسقي والحفر، والتنقية، والتذكير، والجذاذ وشبه ذلك(١). ٢٦ - أما الشافعية فلهم في ذلك تفصيل أوسع - ويلتقون بالجملة مع المالكية والحنابلة - وفق البيان التالي: قال في الحاوي(٢): قال الشافعي: و کل ما كان فيه مستزاد في الثمر من إصلاح الماء وطريقه وتصريف الجريد وإبار النخل، وقطع الحشيش المضر بالنخل ونحوه جاز شرطه على العامل، فأما شد الحظائر فليس فيه مستزاد ولا صلاح في الثمرة فلا يجوز شرطه على العامل. قال الماوردي: العمل المشروط في المساقاة على أربعة أضرب: أحدها: ما يعود نفعه على الثمرة دون النخل. والثاني: ما يعود نفعه على النخل دون الثمرة. والثالث: ما يعود نفعه على النخل والثمرة. والرابع: ما لا يعود نفعه على الثمرة ولا النخل. فأما الضرب الأول: وهو ما يعود نفعه على (١) القوانين الفقهية ١٨٤، وبداية المجتهد ٢١٨/٢ (٢) الحاوي ١٧٨/٩ - ١٧٩ ط. دار الفكر. الثمرة دون النخل، فمثل إبار النخل وتصريف الجريد وتلقيح الثمرة ولقاطها رطباً وجذاذها ثمراً، فهذا الضرب يجوز اشتراطه على العامل، وينقسم ثلاثة أقسام: أ- قسم يجب عليه فعله من غير شرط، وهو كل ما لا تحصل الثمرة إلا به كالتلقيح والإبار. ب- وقسم لا يجب عليه فعله إلا بالشرط، وهو كل ما فيه مستزاد للثمرة وقد تصلح بعدمه، كتصريف الجريد وتدليه الثمرة. ج - قسم مختلف فيه وهو كل ما تكاملت الثمرة قبله كاللقاط والجذاذ ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجب على العامل إلا بشرط لتكامل الثمرة بعدمه، والوجه الثاني: أنه واجب على العامل بغير شرط، لأن الثمرة لا تستغني عنه وإن تكاملت قبله. وأما الضرب الثاني: وهو ما يعود نفعه على النخل دون الثمرة، فمثل شد الحظائر وحفر الآبار وشق السواقي و کري الأنهار، فكل هذا مما يعود نفعه على النخل دون الثمرة، فلا يجوز اشتراط شيء من ذلك على العامل، و کذا ما شاکله من عمل الدواليب ونحوها. فإن شرط رب المال على العامل شيئاً مما ذكرنا كان الشرط باطلاً والمساقاة فاسدة. - ١٢٣ - مُسَاقَاة ٢٦ - ٢٧ وقال بعض أصحابنا: يبطل الشرط وتصح المساقاة، حملاً على الشروط الزائدة في الرهن تبطل ولا يبطل معها الرهن في أحد القولین. وأما الضرب الثالث: وهو ما يعود نفعه على النخل والثمرة، فكالسقي والإثارة وقطع الحشيش المضر بالنخل .. إلى ما جرى هذا المجرى مما فيه صلاح النخل ومستزاد في الثمرة فهذا على ضربين: أحدهما: ما لا تصلح الثمرة إلا به، كالسقي فيما لا يشرب بعروقه من النخل حتى يسقى سيحاً فهو على العامل، كنخل البصرة فهو وغيره من شروط هذا الفصل سواء، وهو الضرب الثاني في هذين الضربين، وفيه لأصحابنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنه واجب على العامل بنفس العقد، واشتراطه علیه تأکید لما فيه من صلاح النخل وزيادة الثمرة. والوجه الثاني: أنه واجب على رب النخل، واشتراطه على العامل مبطل للعقد لأنه بصلاح النخل أخص منه بصلاح الثمرة. والوجه الثالث: أنه يجوز اشتراطه على العامل لما فيه من زيادة الثمرة، ويجوز اشتراطه على رب النخل لما فيه من صلاح النخل فلم يتناف الشرطان فيه فإن شرطه على العامل لزمه، وإن شرط على رب النخل لزمه، وإن أغفل لم يلزم واحداً منهما، وأما العامل فلأنه لا يلزمه إلا ما كان من موجبات العقد أو من شروطه، وأما رب النخل فلأنه لا يجبر علی تثمیر ماله. وأما الضرب الرابع: وهو ما لا يعود نفعه على النخل ولا على الثمرة فهو كاشتراطه على العامل أن يبني له قصراً أو يخدمه شهراً أو يسقي له زرعاً، فهذه شروط تنافي العقد، وتمنع من صحته لأنه لا تعلق لها به، ولا تختص بشيء في مصلحته (١). ٢٧- وقال الحنابلة: يلزم العامل بإطلاق عقد المساقاة ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها مثل حرث الأرض تحت الشجر والبقر التي تحرث وآلة الحرث وسقي الشجر واستقاء الماء وإصلاح طرق الماء وتنقيتها وقطع الحشيش المضر والشوك وقطع الشجر اليابس وزبار الكرم وقطع ما يحتاج إلى قطعه وتسوية الثمر وإصلاح الأجاجين وهي الحفر التي يجتمع فيها الماء على أصول النخل وإدارة الدولاب، والحفظ للثمر في الشجر وبعده حتى يقسم، وإن كان مما يشمس فعليه تشمیسه. وعلی رب المال ما فیه حفظ الأصل کسد (١) الحاوي ١٧٩/٩ - ١٨٠ ط. دار الفكر. - ١٢٤ - مُسَاقًا: ٢٧ - ٢٨ الحيطان وإنشاء الأنهار وعمل الدولاب وحفر بئره وشراء ما يلقح به. وعبر بعض أهل العلم عن هذا بعبارة أخرى فقال: كل ما يتكرر كل عام فهو على العامل وما لا يتكرر فهو على رب المال، وهذا صحيح في العمل، فأما شراء ما يلقح به فھو علی رب المال وإن تکرر، لأن هذا لیس من العمل. وإن أطلقا العقد ولم يبينا ما على كل واحد منهما فعلی كل واحد منهما ما ذكرنا أنه عليه، وإن شرطا ذلك كان تأكيدا، وإن شرطا على أحدهما شيئا مما يلزم الآخر، فقال القاضي وأبو الخطاب لا يجوز ذلك، فعلى هذا تفسد المساقاة لأنه شرط يخالف مقتضى العقد فأفسده. وقد روي عن أحمد ما يدل على صحة ذلك فإنه ذكر أن الجذاذ عليهما، فإن شرطه على العامل جاز، لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد ولا مفسدة فيه فصح كتأجيل الثمن في المبيع لكن يشترط أن يكون ما يلزم كل واحد من العمل معلوماً لئلا يفضي إلى التنازع والتواكل فيختل العمل، وأن لا يكون ما على رب المال أكثر العمل، لأن العامل يستحق بعمله فإذا لم يعمل أكثر العمل كان وجود عمله كعدمه فلا يستحق شيئا. فأما الجذاذ والحصاد واللقاط فهو على العامل، نص أحمد عليه فى الحصاد، لأنه من العمل فكان على العامل کالتشميس، وروي عن أحمد في الجذاذ أنه إذا شرط على العامل فجائز لأن العمل عليه وإن لم يشرطه فعلى رب المال بحصته ما يصير إليه(١). مدة المساقاة: ٢٨- ذهب الحنفية في الاستحسان عندهم والمالكية والحنابلة إلى أنه يصح توقيت المساقاة، ولا يشترط التوقيت، واستدل الحنفية بأن وقت إدراك الثمر معلوم وقلما يتفاوت فيه فیدخل فيه ما هو المتيقن، ولأن رسول الله وقدر وخلفاءه لم يضربوا مدة لأهل خیبر. والقياس عند الحنفية أن تذكر المدة لما فيها من معنى الإجارة. واستدل الحنابلة بأنه لا ضرر في تقدير مدة المساقاة فصح توقيتها ولأنها عقد جائز كالوكالة فلم يشترط التوقيت. وقال الشافعية: يشترط معرفة العمل جملة لا تفصيلا بتقدير المدة كسنة أو أكثر، فلا تصح مطلقة ولا مؤيدة لأنها عقد لازم (١) المغني ٤٠١/٥ - ٤٠٣ - ١٢٥ - مُسَاقًا: ٢٨ - ٣٠ فأشبهت الإجارة(١). بيان المدة: ٢٩- قال الحنفية (٢): المساقاة كالمزارعة في الخلاف والحكم وفي الشروط إلا المدة، والقياس أن تذكر المدة لما فيها من معنى الإجارة، وفي الاستحسان: يجوز وإن لم یبینھا، وتقع على أول ثمرة تخرج، لأن وقت إدراك الثمرة معلوم والتفاوت فیه قلیل ويدخل فيه المتيقن، بخلاف الزرع فإنه يختلف كثيراً ابتداء وانتهاء ربيعاً وخريفاً وغير ذلك. أ - ففي حال ذكر المدة: إن ذكر مدة يثمر الشجر خلالها صحت المساقاة، وإن ذكر مدة لا یثمر خلالها فسدت، وإن ذکر مدة یحتمل أن يثمر الشجر خلالها وأن لا يثمر تصح أيضاً لعدم التيقن بفوات المقصود، ثم إن خرج الثمر خلال هذه المدة المحتملة صحت، وإن تأخر عنها فسدت لأنه تبين الخطأ في المدة المسماة، وإن لم يخرج الثمر أصلا صح العقد لأن الذهاب كان بآفة لا بسبب فساد تسمية المدة، فیبقی العقد صحيحاً فلا یتبین فساد المدة. ب- وفي حال عدم ذكر المدة يقع العقد (١) حاشية ابن عابدين ٥/ ١٨٢، والاختيار ٧٩/٣، والشرح الصغير ٧١٨/٣، ٧١٩، ومغني المحتاج ٣٢٧/٢، وكشاف القناع ٥٣٨/٣ (٢) الاختيار ٧٩/٣، والهداية ٤/ ٤٤ - ٤٥، ودرر الحكام ٣٢٨/٢، والدر المختار ورد المحتار ١٨٢/٥ صحيحا وينصرف إلى أول ثمرة تخرج في تلك السنة للتيقن به لا إلى ما بعده لأنه مشكوك، ومثل الشجر في ذلك الرطاب، إذا دفعها مساقاة حتی یدرك بذرها فإنه يصح العقد لأن لإدراك البذرة مدة معلومة. أما لو دفعها ريثما يذهب أصولها وينقطع نبتها فإنه يفسد المساقاة، إذ ليس لذلك أمد معلوم، وإذا لم يتعرض لذهاب الأصول وأطلق جاز العقد وانصرف إلى أول جزة(١). ٣٠- وأما المالكية فمذهبهم قريب من مذهب الحنفية. قال ابن عبد البر: وجائز عقد المساقاة عاماً واحداً وعامين وأعواماً من الجذاذ إلى الجذاذ على جزء معلوم مما يخرج الله من الثمرة بعد إخراج الزكاة فيها. ولو ساقاه إلى أجل فانقضى الأجل وفي النخل ثمر لم يجز جذاذه، ولم یحل بيعه فهو علی مساقاته حتی یجز، لأنه حق وجب له. وإنما المساقاة إلى الجذاذ وإلى القطاف، لا إلى الأجل. قال ابن رشد: وكره مالك المساقاة فيما طال من السنين وانقضاء السنين فيها هو بالجذاذ لا بالأهلّة(٢). (١) الهداية ٥٩/٤، والاختيار ٧٩/٣ - ٨٠ والمراجع السابقة. (٢) مواهب الجليل ٣٧٨/٥، والكافي ١٠٨/٢، وبداية المجتهد ٣٢٠/٢ - ١٢٦ - مُسَاقَاة ٣١ ٣١- وعند الشافعية يشترط التوقيت بسنة أو أكثر، فلا يصح عندهم الإطلاق فيها ولا التأبيد، ورتبوا على انقضاء المدة أحكاماً من حيث إدراك الثمر وعدم إدراكه. قال النووي: يشترط لصحة المساقاة أن تكون مؤقتة، فإن وقت بالشهور أو السنين العربية فذاك، ولو وقت بالرومية وغيرها جاز إذا علماها. فإن أطلقا لفظ السنة انصرف إلى العربية. وإن وقت بإدراك الثمرة فهل يبطل كالإجارة أم يصح لأنه المقصود؟ وجهان: أصحهما عند الجمهور: أولهما، وبه قطع البغوي (١)، وصحح الغزالي الثاني حيث قال: وليعرف العمل جملة، فإن عرف بإدراك الثمار جاز على الأصح(٢). ولو قال: ساقيتك سنة وأطلق فهل يحمل على السنة العربية أم سنة الإدراك وجهان: زعم أبو الفرج السرخسي أن أصحهما: الثاني، فإن قلنا بالأول أو وقت بالزمان، فأدركت الثمار والمدة باقية لزم العامل أن يعمل في تلك البقية ولا أجرة له. وإن انقضت المدة وعلى الشجر طلع أو بلح فللعامل نصيبه منها وعلى المالك التعهد إلى الإدراك. وإن حدث الطلع بعد المدة فلا حق للعامل فيه (١). ولو ساقاه أكثر من سنة ففي صحته أقوال، فعلى القول بالجواز هل يجب بيان حصّة كل سنة، أم يكفي قوله ساقيتك على النصف لاستحقاق النصف كل سنة؟ قولان أو وجهان كالإجارة. وقيل: يجب هنا قطعاً لكثرة الاختلاف في (٢) الثمر . قال الماوردي: فلو ساقاه على نخله عشر سنين على أن له ثمرة سنة منها لم يجز، سواء عين السنة أو لم يعينها لأنه إن لم يعينها كانت مجهولة، وإن عينها فقد شرط جميع الثمرة فيها. ولو جعل له نصف الثمرة في سنة من السنين العشرة إن لم يعينها بطلت المساقاة للجهل بها، وإن عينها نظر: فإن كانت غير السنة الأخيرة بطلت المساقاة، لأنه قد شرط عليه بعد حقه من الثمرة عملاً لا يستحق عليه عوضاً، وإن كانت السنة الأخيرة ففي صحة المساقاة وجهان: أحدهما: أنها صحيحة كما يصح أن يعمل (١) روضة الطالبين ١٥٦/٥ (٢) الوجيز ٢٢٨/١ (١) روضة الطالبين ١٥٦/٥ (٢) روضة الطالبين ٧/ ١٥٦، وانظر الحاوي ٩/ ١٧٠ -١٧١ ط.دار الفكر. - ١٢٧ - مُسَاقَا: ٣١- ٣٣ في جميع السنة، وإن كانت الثمرة في بعضها. والوجه الثانى: أنها باطلة لأنه يعمل فيها مدة تثمر فيها ولا يستحق شيئاً من ثمرها وبهذا المعنى خالف السنة الواحدة(١). وإذا ساقاه عشر سنين، فأطلعت ثمرة السنة العاشرة بعد تقضيها لم يكن للعامل في ثمرة تلك السنة حق، لتقضي مدته وزوال عقده، ولو اطلعت قبل تقضي تلك السنة ثم تقضت والثمرة لم يبد صلاحها - وهي بعد طلع أو بلح - کان له حقه منها لحدوثها في مدته. فإن قيل: إنه أجير، فعليه أن يأخذ حقه منها طلعاً أو بلحاً، وليس له استيفاء حقه إلی بدو الصلاح، وإن قيل: إنه شریك، كان له استيفاؤها إلى بدو الصلاح، وتناهي الثمرة(٢). ٣٢- وأما الحنابلة: فقد قال البهوتي: ويصح توقيت مساقاة كوكالة وشركة ومضاربة لأنه لا ضرر فيه، ولا يشترط توقيت المساقاة لأنها عقد جائز لكل منهما إيقاؤه وفسخه، فلم يحتج إلى التوقيت كالمضاربة. ویصح توقیتها إلی جذاذ وإلی إدراك وإلی مدة تحتمله لا إلى مدة لا تحتمله لعدم (١) الحاوي ١٧١/٩ ط. دار الفكر. (٢) الحاوي للماوردي ٩/ ١٧١ ط. دار الفكر. حصول المقصود بها(١). وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالباً فلم تحمل الثمرة تلك السنة فلا شيء للعامل لأنه دخل على ذلك(٢). الأحكام المترتبة على المساقاة الصحيحة ابتداء: ٣٣- يترتب على المساقاة الصحيحة العديد من الأحكام منها: أ- أنه يجب قيام العامل بكل ما يحتاج إليه الشجر من السقي والتلقيح والحفظ، لأنها من توابع المعقود عليه وهو العمل، وسبق ذكر الضابط فیما یجب علیه وما لا یجب، كما يجب على المالك كل ما يتعلق بالنفقة على الشجر من السماد واللقاح ونحو ذلك. ب- لا يملك العامل أن يدفع الشجر معاملة إلى غيره إلا إذا قال له المالك: اعمل برأيك، وذلك لأن فيه إثبات الشركة في مال غيره بغير إذنه والثمر عندئذ للمالك. وللعامل الثاني أجر مثله على العامل الأول، ولا أجر للأول لأنه تصرف في مال غيره بغیر تفويض وهو لا يملك ذلك(٣). (١) شرح منتهى الإرادات ٣٤٥/٢، وانظر كشاف القناع ٥٣٨/٣ (٢) کشاف القناع ٥٣٨/٣ - ٥٣٩ (٣) بدائع الصنائع ١٨٧/٦، وحاشية ابن عابدين ١٨٥/٥ - ١٨٦ - ١٢٨ - مُسَاقَاة ٣٣ وهذا ما قاله الحنفية وما ذهب إليه أيضا الحنابلة (١) قياسا على المضاربة والوكالة. واستدل ابن قدامة: بأنه عامل في المال بجزء من نمائه فلم يجز أن يعامل غيره فيه كالمضارب، ولأنه إنما أذن له في العمل فيه فلم يجز أن يأذن لغيره کالوكيل. وقال: وللموقوف عليه أن يزارع في الوقف ويساقي على شجره لأنه إما مالك لرقبة ذلك أو بمنزلة المالك ولا نعلم في هذا خلافاً عند من أجاز المساقاة والمزارعة (٢). وأجاز المالكية ذلك بقيد، قال الدسوقي (٣): وجاز مساقاة العامل عاملاً آخر، بغير إذن رب الحائط، ومحل الجواز إن لم يشترط رب الحائط عمل العامل بعينه وإلا منع من مساقاته لآخر، ما لم يكن أمينا - أيضاً - ولو أقل أمانة لا غير أمين، ـ وفرقوا في هذا الصدد بينه وبين المضارب - قال الدسوقي: بخلاف عامل القراض، فليس له أن يعامل عاملاً آخر بغير إذن رب المال مطلقا، ولو كان أميناً، لأن مال القراض مما يغاب عليه بخلاف الحائط. واحترز بقوله (لا غير أمين) أي إن كان غير (١) المغني ٤١٣/٥ (٢) المغني ٤١٣/٥ (٣) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣/ ٥٤٥ أمين لا تجوز مساقاته وإن كان الأول مثله في عدم الأمانة، لأن رب الحائط ربما رغب في الأول لأمر ليس في الثاني، ويضمن العامل الأول موجب فعل الثاني، إذا كان هذا غير أمين أو مجهول الحال، وإن كان الاتفاق بين العاملين على أكثر مما جعل للأول في عقد المساقاة فالزائد على العامل الأول، وإن كان أقل فالزائد للعامل الأول. وأما الشافعية: فقالوا بالجواز بقيد التوافق في المدة والنصيب، قال في الحاوي (١): فإن أراد العامل أن يساقي غيره عليها مدة مساقاته جاز بمثل نصيبه فما دون، كالإجارة، ولا يجوز بأكثر من نصيبه لأنه لا يملك الزيادة، والفرق بين المساقاة حيث كان للعامل أن يساقي عليها وبين المضاربة حيث لم يجز للعامل أن يضارب بها، أن تصرف العامل في المضاربة تصرف في حق رب المال لأن العقد ليس بلازم فلم يملك ما بات عليه في تصرفه، وتصرف العامل في المساقاة تصرف في حق نفسه للزوم العقد فيملك الاستنابة في تصرفه. ج - إذا قصر العامل في سقي الشجر حتى يبس ضمن، لأن العمل واجب عليه، والشجر في يده أمانة، فيضمن بالتقصير ولو أخَّر السقي تأخيراً معتاداً لا يضمن لعدم (١) الحاوي للماوردي ١٦٨/٩ ط. دار الفكر. - ١٢٩ - مُسَاقَاة ٣٣- ٣٤ التقصير، وإلا ضمن، وهذا عند الحنفية(١)، کذلك قال المالکیة بالضمان إن قصّر عما شرط عليه أو جرى به العرف. قال في الشرح الكبير (٢): وإن قصر عامل عما شرط علیه من العمل أو جری به العرف، كالحرث أو السقي ثلاث مرات فحرث أو سقى مرتين حط من نصيبه بنسبته، فينظر قيمة ما عمل مع قيمة ما ترك، فإن كانت قيمة ما ترك الثلث مثلا حط من جزئه المشترط له ثلثه. وقوله: قصّر، يشعر أنه لو لم يقصر، بأن شرط علیه السقي ثلاث مرات فسقی مرتین، وأغناه المطر عن الثالثة، لم يحط من حصته شيء و کان له جزؤه بالتمام وهو كذلك، قال ابن رشد بلا خلاف، بخلاف الإجارة بالدراهم أو الدنانير على سقاية حائط زمن السقي وهو معلوم عندهم وجاء ماء السماء فأقام به حيناً فإنه يحط من الأجرة بقدر إقامة الماء فيه، والفرق أن الإجارة مبنية على المشاحة، والمساقاة مبنية على المسامحة لأنها رخصة والرخصة تسهيل. د- قال الحنفية: الزيادة على المشروط في العقد جائزة بوجه عام و کذلك الحط منه، (١) حاشية ابن عابدين ١٧٩/٥، ومجمع الضمانات ص ٣١٤ _ ٣١٥ (٢) حاشية الدسوقي ٣/ ٥٥٠ وذلك في حالتين: الأولى: إن لم يتناه عظم الثمر كانت جائزة منهما- العامل ورب الأرض- لأن إنشاء العقد جائز في هذه الحال فتجوز الزيادة منهما أيهما كان. الثانية: وإن تناهى عظم الثمر وتم نضجه جازت الزيادة من قبل العامل لرب الأرض، لأن الزيادة في هذه الحال بمثابة حط، ولا تجوز الزيادة من قبل المالك لأنها مستحقة في مقابل العمل، والمحل لا يحتمله، إذ قد نضج الثمر، ولهذا لا يحتمل إنشاء العقد في هذه الحال. والأصل في هذا - كما يقول الحنفية - أن كل موضع احتمل إنشاء العقد احتمل الزيادة وإلا فلا، والحط جائز في الموضعين(١). أحكام المساقاة الصحيحة في الانتهاء: ٣٤- الآثار المترتبة على المساقاة الصحيحة عند انتهائها دون فسخ أو انحلال، تبرز في الأحكام الآتية: أولا: اقتسام الخارج على الشرط المذكور في العقد، لأن الشرط صحيح فيجب الوفاء به، وهذا حکم متفق عليه. (١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٧، ودرر الحكام ٣/ ٥١٠ -٥١١ - ١٣٠ - مُسَاقَاة ٣٤ وإن لم تثمر الأشجار شيئاً فلا أجر للعامل ولا للمالك لأن الواجب هو المسمى في العقد، وهو بعض الخارج ولم يوجد ولا يخالف أحد في هذا(١). ثانيا: العمل في الثمار بعد إدراكها قبل قسمتها من الجذاذ والقطف والحصاد والتجفيف واللقاط، اختلف الفقهاء في ذلك. فذهب الحنفية وهو قول عند الشافعية: أنها عليهما معاً على قدر حصصهما، وعلله الحنفية: بأنه ليس من أعمال المساقاة لانتهائها بالإدراك، حتى لا يجوز اشتراطها على العامل، لأنه لا عرف في ذلك(٢). والصحيح من المذهب عند الحنابلة أن الجذاذ عليهما بقدر حصتهما إلا أن يشرطه (٣) على العامل(٣). وذهب المالكية(٤)، والشافعية في الأصح عندهم، وفي الرواية الثانية عن أحمد أنها على العامل، وأنها لازمة بالعقد نفسه (٥). (١) درر الحكام ٥١٣/٣، والقوانين الفقهية ١٨٤ - ١٨٥ (٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٧، والهداية ٤/ ٤٤، وشرح المحلي مع القليوبي ٦٩/٣. (٣) المغني ٤٠٣/٥، وكشاف القناع ٣/ ٥٤٠، والإنصاف ٤٨٦/٥. (٤) الشرح الكبير مع الدسوقي ٥٤٤/٣، وبداية المجتهد ٣١٧/٢. (٥) مغني المحتاج ٣٢٩/٢، وروضة الطالبين ١٥٩/٥، وكشاف القناع ٣/ ٥٤٠، والإفصاح لابن هبيرة ٢/ ٤٧. أما الأعمال التي تلي القسمة فتجب على كل واحد منهما في نصيبه خاصة لتمييز ملك كل منهما عن الآخر(١). ثالثاً: إن اختلف المالك والعامل في المقدار المشروط في العقد للعامل. فقد ذهب الحنفية إلى أن القول للمالك مع يمينه لأن العامل يدعي الزيادة، والمالك ينكر، فالقول قوله والبينة على العامل، ولو أقاما البينة رجحت بينة العامل، لأنها تثبت الزيادة ولا يتحالفان هنا أي بعد نضج الثمر واستيفاء منفعة العامل لخلوه من الفائدة وإنما يتحالفان قبل بدء العمل وحال قيامه، ويترادان(٢). وقال الحنابلة: إن اختلفا في الجزء المشروط للعامل فالقول قول رب المال، ذكره ابن حامد، وكذلك إن اختلفا فيما تناولته المساقاة في الشجر، لأن رب المال منكر للزيادة التي ادعاها العامل فيكون القول قوله، لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: («البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه))(٣)، فإن كان مع أحدهما بينة حكم بها، وإن كان مع كل واحد منهما بينة ففي أيهما (١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢ - ١٨٧، والهداية ٤ / ٤٤. (٢) المبسوط ٨٨/٢٣ -٨٩ (٣) حديث: ((البينة على المدعي واليمين ... ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢٥٢/١٠) وإسناده صحيح. - ١٣١ - مُسَاقَاة ٣٤ -٣٥ تقدم بينته؟ وجهان بناء على بينة الداخل والخارج، فإن كان الشجر لاثنين فصدق أحدهما العامل وكذبه الآخر أخذ نصيبه من مال المصدق فإن شهد على المنکر قبلت شهادته إذا كان عدلاً، لأنه لا يجر إلى نفسه نفعاً ولا يدفع ضرراً ویحلف مع شاهده، وإن لم یکن عدلاً کانت شهادته کعدمھا، ولو کان العامل اثنين ورب المال واحداً فشهد أحدهما على صاحبه قبلت شهادته أيضاً (١). وفصل المالكية في ذلك، فذهبوا إلى أنه إن وقع الاختلاف قبل العمل فإنهما يتحالفان ویتفاسخان. وإن وقع بعد انتهاء العمل وينع الثمر: فإن ادعى أحدهما ما يشبه مساقاة المثل فالقول له بيمينه، وإن لم يشبه واحد منهما مساقاة المثل وجب تحليفهما فإن حلفا أو نكلا وجبت مساقاة المثل، وإن حلف أحدهما ونکل الآخر قضي للحالف على الناكل. فإن كانت مساقاة المثل مختلفة كأن كانت عادة أهل المنطقة المساقاة بالثلث والربع قضي بالأكثر. وإن أشبه كل منهما في دعواه مساقاة المثل فالقول للعامل بيمينه، لأنه مؤتمن، والأصل (١) المغني لابن قدامة ٤١٠/٥، ٤١١ عند مالك أن اليمين تجب على أقوى المتداعيين شبهة (١). وذهب الشافعية كما قال النووي: إذا اختلفا في قدر المشروط للعامل، ولا بينة تحالفا كما في القراض، وإذا تحالفا وتفاسخا قبل العمل فلا شيء للعامل، وإن كان بعده، فله أجرة مثل عمله، وإن كان لأحدهما بينة قضي بها. وإن كان لكل منهما بينة فالأظهر أنهما تتساقطان فيتحالفان، ومقابل الأظهر أنهما تستعملان فيقرع بينهما. ثم قال: ولو ساقاه شريكان في الحديقة، فقال العامل: شرطتما لي نصف الثمر وصدقه أحدهما، وقال الآخر: بل شرطنا الثلث، فنصیب المصدِّق مقسوم بينه وبين العامل. وأما نصیب المكذّب فيتحالفان فيه ولو شهد المصدق للعامل أو المكذب، قبلت شهادته لعدم التهمة (٢). ما يفسد المساقاة: تفسد المساقاة بما يلي: ٣٥- أولاً: اشتراط جزء معين من الثمرة بالكيل أو بالوزن أو بغيرهما لأحد المتعاقدين، أو تخصيص جانب من الكرم أو (١) الشرح الكبير مع الدسوقي ٥٤٩/٣، وبداية المجتهد ٣٢١/٢ (٢) الوجيز ٢٢٩/١، وروضة الطالبين ١٤٦/٥ - ١٤٧ - ١٦٥. - ١٣٢ - مُسَاقَاة ٣٥ -٣٧ البستان لأحدهما، أو اشتراط جزء معلوم من غير الثمر يفسدها لأنه من مورد النهي الثابت في السنة كما في حديث رافع بن خديج رضي الله عنه. ولأنه قد لا يثمر الشجر إلا القدر المسمى، ولأن المساقاة شركة في الثمرة فقط، ولذا لم يختلف جمهور الفقهاء في فساد العقد بمثل هذا الشرط(١). غير أن ابن سراج من المالكية استثنى حالة الضرورة: كأن لا يجد رب الحائط عاملاً إلا مع دفعه له شيئاً زائداً على الجزء المسمى في (٢) العقد فيجوز(٢). ٣٦- ثانيا: اشتراط مشاركة المالك للعامل في عمله مفسد للعقد إذ لابد من التخلية بين العامل والشجر - كما تقدم - وهي تفوت بذلك، كما أن هذا يخالف مقتضى عقد المساقاة، وهو أن العمل فيها على العامل كما هو في المضاربة، وقد نص على ذلك الكاساني(٣) في المزارعة، والمساقاة مثلها (٤) وكذا النووي (١) بدائع الصنائع ١٨٦/٦، والقوانين الفقهية ١٨٤، والشرح الكبير ٥٤٠/٢، ٥٤١، ٥٤٨، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي ص ٦٧، والمغني لابن قدامة ٥/ ٤١٢، ٤١٣، والحاوي ٩/ ١٧٧ ط. دار الفكر. وحديث رافع سبق تخريجه ف (٥) (٢) حاشية الدسوقي ٥٤٨/٣ (٣) بدائع الصنائع ١٦٨/٦ (٤) روضة الطالبين ١٥٥/٥ وأما المالكية فقالوا: يفسد العقد باشتراط إخراج ما كان من الرقيق أو الدواب في البستان الكبير إذ للعامل انتفاعه بالموجود منها فيه، وإن المفسد أيضاً: اشتراط تجديد ما لم يكن موجوداً منها وقت العقد، على المالك أو (١) العامل(١). بل استثنى فقهاء المذاهب الثلاثة - كما سبق - جواز اشتراط العامل معاونة من يستحق المالك منفعته إذا كان معلوماً بالرؤية أو الوصف، وفي قول عند الحنابلة: إن المفسد اشتراط أكثر العمل على المالك(٢). ٣٧- ثالثا: أن يشترط على العامل عملا يبقى أثره ومنفعته بعد أن يونع الثمر، وتنتهي مدة المساقاة، كنصب العرائش، وغرس الأشجار، وبناء الجدران، وتشييد البيوت لحفظ الثمار، وتسوير الحدائق، واستحداث حفريات مائية، فهذا مفسد للعقد عند الحنفية والشافعية. وعلله الحنفية بقولهم: لأنه شرط لا يقتضيه العقد(٣)، كما علله الشافعية بقولهم: لأنه استئجار بعوض مجهول، وأنه اشتراط عقد في عقد، ولأنه ليس من العمل في الشجر في شىء (٤)، وقالوا: لأنه شرط عليه ما ليس من جنس عمله. (١) الشرح الكبير مع الدسوقي ٥٤٠/٣ (٢) المغني ٥ /٥٦٦ - ٥٦٧ (٣) المبسوط ٨٠/٢٣ -٨١ (٤) مغني المحتاج ٣٢٧/٢ - ١٣٣ - مُسَاقَاة ٣٧ -٣٩ وأما المالكية: فاستثنوا اشتراط اليسير القليل على العامل مما لا يبقى غالباً بعد المساقاة كإصلاح الحياض وتحصين الجدر(١). ٣٨- رابعا: اشتراط شيء من الأعمال على العامل بعد أن تنتهي مدة المساقاة ويحين الأكل، كالقطاف والحفظ والتجفيف، لأن ذلك ليس مما يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحدهما ولم يجر به التعامل، فكان من مؤن الملك، والملك مشترك بينهما فكانت مؤنته عليهما على قدر ملكيهما. ومعنى هذا أنه لو جرى بشيء من ذلك العرف صح العقد وجاز اشتراطه، وهو الذي رواه بشر وابن سماحة عن أبي يوسف(٢). غير أن جمهور الفقهاء - كما سبق - على أن هذه المذكورات على العامل، فلا يفسد العقد باشتراطها على العامل، لأنها من العمل الواجب عليه، خلافاً للحنفية الذين يرون أن المفسد اشتراطها على العامل. فقد قرر الشافعية كما في المحلي على المنهاج (٣): أن ما على المالك إذا شرط في العقد على العامل بطل العقد، وكذا ما على (١) حاشية الدسوقي ٣/ ٥٤٤ - ٥٤٥، ومواهب الجليل ٣٧٦/٥ (٢) المبسوط ٣٦/٢٣، وبدائع الصنائع ١٨٦/٦ (٣) المحلي على المنهاج ٦٩/٣ العامل إذا شرط في العقد على المالك بطل العقد. وكذا قرر الحنابلة: أنه إذا شرط على أحدهما شيء مما يلزم الآخر لا يجوز ذلك فعلى هذا تفسد المساقاة لأنه شرط يخالف مقتضى العقد فأفسده(١). وأما المالكية فمع أنهم ذهبوا مذهب الشافعية والحنابلة في أن الجذاذ ونحوه على العامل لكنهم قالوا: إنه لو اشترطه العامل على المالك جاز، بل قرروا هذا المبدأ كما في حاشية الدسوقي: وهو: أنه إذا جرت العادة بشيء واشترط خلافه عمل بالشرط، لأنه كالناسخ للعادة (٢). ٣٩ - خامسا: اشتراط أن يكون الخارج كله لأحدهما لانقطاع معنى الشركة به، وهي من خصائص هذا العقد، وكذلك لو شرط أن يكون بعض الخارج لغيرهما (٣). ومذهب المالكية جواز أن تكون الثمرة كلها للعامل أو المالك وإن نفاه بعضهم. (ر: ف ٢٠). ٤٠- سادساً: اشتراط الحمل والحفظ بعد (١) المغني لابن قدامة ٤٠٢/٥ (٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣/ ٥٤٤، وبداية المجتهد ٣١٧/٢ (٣) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠، ومغني المحتاج ٣٢٦/٢. - ١٣٤ - مُسَاقَاة ٤٠ - ٤٢ قسمة المحصول على العامل، لأنه ليس من عمل المساقاة، وهذا عند الحنفية، وقيد المالكية الفساد بها إذا كانت فيه كلفة أو مشقة (١)، قال الدردير: أو اشترط العامل على رب الحائط حمل نصيب العامل لمنزل العامل إذا كان فيه كلفة ومشقة، وإلاجاز، وينبغي أن يدفع له أجرة الحمل في الممنوعة مع أجرة المثل(٢)، و کذا عکسه، وهو اشتراط رب الحائط على العامل ذلك(٣). ٤١- سابعا: تحديد مدة لا يثمر الشجر خلالها، وهذا يمنع المقصود فيكون مفسداً للعقد، ومن يشترط التوقيت من المالكية لا يجيزه بما زاد على الجذاذ في العادة. وعند الشافعية: لا يجوز فيها الإطلاق ولا التأبيد ولا التوقيت بإدراك الثمر في الأصح، لأنه يتقدم ويتأخر كما سبق عند شرط المدة وأحكامها. وقال الحنابلة: إن ساقاه على مدة لا تكمل فيها الثمرة فالمساقاة فاسدة (٤). ٤٢- ثامناً: شر کة العامل فیما یعمل فيه، کما (١) بدائع الصنائع ١٨٦/٦ (٢) حاشية الدسوقي ٥٤٩/٣ (٣) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٥٤٠ (٤) حاشية ابن عابدين ٥/ ١٨٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٥٤٢/٤، ومغني المحتاج ٣٢٧/٢، ٣٢٨، والمغني ٤٠٦/٥ لو کان بستاناً مشتركاً بين اثنين فدفعه أحدهما إلى الآخر مساقاة مدة معلومة على أن يكون الثمر بينهما مثالثة، ثلثاه للعامل وثلثه للمالك، فإنه تفسد المساقاة، والخارج بینهما على قدر الملك، ولا شيء للعامل، وهذا لأن المساقاة إجارة في المعنى، ولا يجوز استئجار الإنسان للعمل في شيء هو فيه شريك، ولأن من شروط صحة الإجارة عند الحنفية تسليم المعقود عليه إلى المستأجر وتسليمه في الصورة المذكورة غير متصور، لأن كل جزء من أجزاء البستان الذي يعمل فيه هو شريك فيه، فيكون عاملاً فيه لنفسه فلا يتحقق (١) التسليم (١). وخالف الشافعية في ذلك: فأجازوا مساقاة الشريك بشرطين: أولهما: أن يشرط له زيادة على حصته، حتى لو لم يشرط له زيادة عليها لم تصح، لخلوها عن العوض ولا أجرة له بالعمل لأنه متبرع، والآخر: أن يستبد العامل بالعمل ويستقل به حتى لو شاركه المالك بالعمل لم تصح (٢). وقال الحنابلة: وإن ساقى أحد الشريكين شریکه وجعل له من الثمر أکثر من نصيبه مثل أن يكون الأصل بينهما نصفين فجعل له ثلثي (١) الهداية ١٧٨/٣ (٢) الوجيز ٢٢٧/١، ومغني المحتاج ٣٢٧/٢ - ١٣٥ - ... مُسَاقَاة ٤٢ - ٤٣ الثمرة صح، وكان السدس حصته من المساقاة فصار كأنه قال: ساقيتك على نصيبي بالثلث وإن جعل الثمرة بينهما نصفين أو جعل للعامل الثلث فهي مساقاة فاسدة، لأن العامل يستحق نصفها بملكه فلم يجعل له في مقابلة عمله شيئا، وإذا شرط له الثلث فقد شرط أن غير العامل يأخذ من نصيب العامل ثلثه، ويستعمله بلا عوض فلا يصح، فإذا عمل في الشجر بناء على هذا كانت الثمرة بينهما لأنه تبرع به لرضاه بالعمل بغیر عوض، فأشبه بحكم الملك ولا يستحق العامل بعمله شيئا، ما لو قال له: أنا أعمل فيه بغير شيء، لأنه عمل في مال غيره متبرعا فلم يستحق عوضاً كما لو لم يعقد المساقاة، قال ابن قدامة: وذكر أصحابنا وجها آخر أنه يستحق أجر المثل، لأن المساقاة تقتضي عوضاً فلم تسقط برضاه بإسقاطه كالنكاح إذا لم يسلم له المسمى (١) يجب فيه مهر المثل أحكام المساقاة الفاسدة: ٤٣- إذا وقعت المساقاة فاسدة، واطلع على الفساد وقبل الشروع في العمل وجب فسخها هدراً بلا شيء يجب على المالك أو العامل، (١) الشرح الكبير مع المغني ٥/ ٥٨٠ لأن الوجوب أثر للعقد الصحيح ولم يوجد(١). أما إذا اطلع على الفساد بعد الشروع في العمل فقد اختلف الفقهاء فيما يتعلق بالناتج ونصيب العامل والمالك، أو ما يكون للعامل وللمالك وفق البيان التالى: أ- أطلق الشافعية والحنابلة والحنفية القول بوجوب الأجرة للعامل واستحقاق المالك للثمر في المساقاة الفاسدة وهو قياس رواية عن مالك(٢). ب- أنه لا يجبر العامل على العمل لأن الجبر على العمل بحكم العقد ولم يصح. ج- أن أجر المثل لا يجب في المعاملة الفاسدة ما لم يوجد العمل. د- أن أجر المثل فيها يجب مقدراً بالمسمى لا یتجاوز عنه عند أبي یوسف، وعند محمد: یجب تاماً. وهذا الاختلاف فيما إذا كانت حصة كل واحد منهما مسماة في العقد، فإن لم تكن مسماة فى العقد يجب أجر المثل تاماً بلا (١) بدائع الصنائع ١٨٢/٦-١٨٨، وبداية المجتهد ٣٢١/٢، والقوانين الفقهية ١٨٤، وكشاف القناع ٥٤٤/٣، ومواهب الجليل ٣٨٥/٥، وحاشية الشرقاوي على التحرير ٨٥/٢ (٢) حاشية الشرقاوي على التحرير ٢/ ٨٥، وبداية المجتهد ٣٢١/٢، وكشاف القناع ٥٤٤/٣، وبدائع الصنائع ٦/ ١٨٨،١٨٣ - ١٣٦ - مُسَاقَاة ٤٣-٤٤ خلاف، قال الكاساني(١) : ووجه قول محمد: أن الأصل في الإجارة وجوب أجر المثل لأنها عقد معاوضة، ومبنى المعاوضات على المساواة بين البدلين، وذلك في وجوب أجر المثل، لأنه المثل الممكن في الباب إذ هو قدر قيمة المنافع المستوفاة إلا أن فيه ضرب جهالة وجهالة المعقود عليه تمنع صحة العقد فلابد من تسمية البدل تصحيحاً للعقد، فوجب المسمى على قدر قيمة المنافع أيضاً، فإذا لم يصح العقد لفوات شرط من شرائطه وجب المصير إلى البدل الأصلي للمنافع وهو أجر المثل ولهذا إذا لم يسمّ البدل أصلاً في العقد وجب أجر المثل بالغا مابلغ. ووجه قول أبي يوسف: أن الأصل ما قاله محمد وهو وجوب أجر المثل بدلاً عن المنافع قيمة لها لأنه هو المثل بالقدر الممكن لكن مقدراً بالمسمى، لأنه كما يجب اعتبار المماثلة في البدل في عقد المعاوضة بالقدر الممكن يجب اعتبار التسمية بالقدر الممكن، لأن اعتبار تصرف العاقل واجب ما أمكن، وأمكن ذلك بتقدير أجر المثل بالمسمى، لأن المستأجر مارضي بالزيادة على المسمى والآجر مارضي بالنقصان عنه، فكان اعتبار المسمى في تقدير أجر المثل به عملا بالدليلين ورعاية للجانبين بالقدر الممكن فكان أولى، بخلاف ما إذا لم يكن البدل مسمى في العقد لأن البدل إذا لم يكن مسمى أصلاً لاحاجة إلى اعتبار التسمية فوجب اعتبار أجر المثل فهو الفرق(١). وأما المالكية ففصلوا في الاطلاع على الفساد بعد الشروع، قال ابن رشد (٢) في بيان المذهب، بعد أن أورد إحدى الروايتين عن مالك والمذكورة عند بيان مذهب الجمهور قال: وقيل: إنها ترد إلى مساقاة المثل بإطلاق، وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك، وأما ابن القاسم فقال في بعضها: ترد إلى مساقاة مثلها، وفى بعضها: إلى إجارة المثل. انفساخ المساقاة: تنفسخ المساقاة بالموت، ومضي المدة، والاستحقاق، وتصرف المالك، والفسخ، وبيان ذلك فيما يأتي: أ - الموت: ٤٤ - اختلف الفقهاء في فسخ المساقاة بالموت. فقال الحنفية: تبطل المساقاة بالموت لأنها في معنى الإجارة، فلو طرأ الموت قبل (١) بدائع الصنائع ١٨٣/٦ (٢) بداية المجتهد ٣٢١/٢-٣٢٢، والقوانين الفقهية ١٨٤، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٥٤٧/٣-٥٤٩، ومواهب الجليل ٣٨٥/٥-٣٨٧ (١) بدائع الصنائع ١٨٨،١٨٣/٦ - ١٣٧ - مُسَاقَا: ٤٤ الشروع في العمل انفسخ العقد ولايلزم واحد منهما بشيء للآخر. ولو طرأ الموت بعد نضج الثمر انفسخ العقد وقسم الثمر بينهما على حسب الشرط في العقد. ولو طرأ الموت والثمر فج فقالوا: ببقاء العقد حكماً وإن بطل قياساً، وفرقوا بين ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن يموت رب الأرض ولما ينضج الثمر، بأن كان بسراً أو فجاً، فيجوز للعامل أن يقوم به حتى ينضج وإن أبى ذلك ورثته لأن في فسخ العقد إضرارا به وإبطالاً لما كان مستحقاً بالعقد وهو ترك الثمار في الأشجار إلى وقت الإدراك، فإذا انتقض العقد، تكلف الجذاذ قبل الإدراك وفیه ضرر عليه، وإذا جاز نقض الإجارة لدفع الضرر فلأن يجوز بقاؤها لدفعه أولى، ولاضرر في ذلك على الورثة(١)، فلو أراد العامل تحمل الضرر ورضي بقطع الثمر فجأ أو بسراً، تخير ورثة المالك بین أمور ثلاثة: الأول: أن يقسموا البسر على الشرط. الثاني: أن يعطوه قيمة نصيبه يومئذ فجاً، ویبقی الثمر لهم. الثالث: أن ينفقوا عليه بأمر القاضي ثم يرجعوا على العامل بجميع ما أنفقوا، لأن العمل علیه فعلیه بدله، ولأنه ليس له إلحاق الضرر بهم (١) وهذا لأن العامل لما امتنع من العمل لم يجبر عليه، لأن إبقاء العقد بعد وجود سبب البطلان وهو الموت استحساناً للنظر له وقد ترك هو النظر لنفسه، فيخير الورثة بين الأمور الثلاثة دفعاً للضرر عنهم بقدر الإمكان(٢). الحال الثاني: أن يموت العامل والثمر كذلك بسر، فیقوم وارثه مقامه، إن شاء يستمر على العمل حتى نضوج الثمر ولا يحق لصاحب الأشجار منعه، لأنه نظر في ذلك إلى الجانبین، وإذا امتنع الوارث عن الاستمرار على العمل فلايجبر على العمل، ولکن یکون صاحب الشجر مخيراً بأحد الوجوه الثلاثة التالية: الوجه الأول: إن شاء اقتسم الثمر الغير الناضج مع الوارث على الوجه المشروط. الوجه الثاني: وإن شاء أدى للوارث حصته من قيمة الثمر الغير الناضج. (١) الاختيار ٣/ ٨٠، والمبسوط ٥٨/٢٣، ودرر الحكام ٥١٤/٣ (١) الاختيار ٣/ ٨٠ (٢) تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي ٢٨٤/٥-٢٨٥، والمبسوط ٥٦/٢٣-٥٨، وابن عابدين ١٨٤/٥ - ١٣٨ - مُسَاقَاة ٤٤ الوجه الثالث: وإن شاء يصرف قدراً معروفاً بإذن القاضي ويستمر على العمل، ويأخذ المبلغ المصروف بعد ذلك من الوارث، ولكن لايتجاوز هذا المبلغ المصروف في أي حال حصته من الثمر(١). الحال الثالث: إذا توفي کلاهما فیکون ورثة العامل مخيرين على الوجه المذكور آنفاً لأنهم يقومون مقام العامل، وقد كان له في حياته هذا الخيار بعد موت رب الأرض، فكذلك يكون لورثته بعد موته. وأما المالكية فقال الدردير: وإذا لم تنفسخ - أي المساقاة - بالفَلَس الطارىء فكذا بالموت، لأن الموت كالفلس، والمساقاة كالكراء لاتنفسخ بموت المتكارين(٢). وذهب الشافعية إلى القول بأن المساقاة تنفسخ بالموت فى أحوال خاصة وفرقوا بين موت المالك وموت العامل: فإن مات مالك الشجر في أثناء المدة لم تنفسخ المساقاة بل يستمر العامل ويأخذ نصيبه (٣). واستثني من ذلك الوارث، أي إذا ساقى المورث من يرثه ثم مات فإن المساقاة تنفسخ(٤)، وكذا لو ساقى البطن الأول البطن الثاني ثم مات الأول في أثناء المدة وكان الوقف وقف ترتيب فينبغي أن تنفسخ كما قال الزركشي، لأنه لايكون عاملاً لنفسه(١). وإن مات العامل يفرق بين أن تكون المساقاة على عينه أو على ذمته: فإن كانت المساقاة على عينه انفسخت المساقاة بموته كما تنفسخ الإجارة بموت الأجير المعين، وقيده السبكي وغيره بما إذا مات قبل تمام العمل وإلا بأن لم يبق إلا نحو التجفيف (٢) فلا تنفسخ(٢). وإن كانت المساقاة على الذمة، فوجهان: الأول: تنفسخ، لأنه لايرضى بيد غيره، والثاني: وهو الصحيح وعليه التفريع: لاتنفسخ كالإجارة بل ينظر: أ- إن خلف تركة تمم وارثه العمل، بأن يستأجر من يعمل، وإلا، فإن أتم العمل بنفسه أو استأجر من ماله من يتمم، فعلى المالك تمكينه إن كان مهتدياً إلى أعمال المساقاة ويسلم له المشروط، وإن أبى لم يجبر عليه على الصحيح. ب - وإن لم يخلف تركة لم يقترض على الميت، وللوارث أن يتم العمل بنفسه أو بماله (١) درر الحكام ٥١٤/٣، ٥١٥ (٢) الشرح الكبير ٣/ ٢٨٣، ٥٤٦ (٣) روضة الطالبين ١٦٢/٥ (٤) مغني المحتاج ٣٣١/٢ (١) مغني المحتاج ٣٣١/٢ (٢) القليوبي والمحلي ٦٦/٣ - ١٣٩ - مُسَاقَاة ٤٤ -٤٥ ويسلم له المشروط. قال الغزالي(١): فإن أبى لم يجب عليه شيء إذا لم يكن له تركة وسلم إليه أجرة العمل الماضي وفسخ العقد للمستقبل. وأما الحنابلة، فالمساقاة في ظاهر كلام أحمد عقد جائز غیر لازم ینفسخ بموت کل منهما كما في المضاربة ويكون الحكم فيها کما لو فسخها أحدهما. وأما على القول بلزومها - وهو غير الظاهر عند الحنابلة - فلاتنفسخ بموت أحدهما، ويجري الحكم على نحو التفصيل المذكور عند الشافعية، غير أنهم في موت العامل ولم يترك تر کة، قالوا: فإن لم تكن تركة أو تعذر الاستئجار منها بيع من نصيب العامل ما يحتاج إليه لتكميل العمل واستؤجر من يعمله وإن باعه أي نصیب العامل هو أو وارثه لمن يقوم مقامه بالعمل جاز لأنه ملکه(٢). ب - مضى المدة: ٤٥ - الغالب أن تنقضي مدة المساقاة وقد نضج الثمر، فينتهى العقد ويقسم الثمر على الشرط المذكور، وقد يحدث أن تنقضى مدة المساقاة والثمر فجّ، والقياس يقضي ببطلان (١) الوجيز للغزالي ٢٢٩/١ (٢) كشاف القناع ٥٣٨/٢، وانظر: الشرح الكبير مع المغني لابن قدامة ٥٦٨/٥-٥٦٩ العقد كما يقضي ببطلانه لموت أحد العاقدين، لكن الاستحسان يقضي ببقائه حكما هنا كما قضى ببقائه هناك بسبب الموت، وذلك دفعاً للضرر وفق الأحكام التالية: ١ - يتخيّر العامل بين المضي في العمل على الشرط حتى يدرك وبین تر که. ب - إذا اختار المضي في العمل لم يكن عليه أجر حصته حتى يدرك الثمر، لأن الشجر لا يجوز استئجاره، وهو بخلاف المزارعة حيث يجب الأجر عليه لجواز استئجار الأرض(١). ج - العمل كله واجب على العامل وحده هنا، لعدم وجوب الأجر عليه لصاحب الشجر بخلاف المزارعة، فإن العمل فيها يجب عليهما بنسبة حصصهما، لأنه لما وجب على العامل من أجر الأرض بنسبة نصيبه من الخارج وجب على المالك عمل مثل نسبة نصيبه من الخارج، لأن بانتهاء العقد أصبح الزرع مالاً مشتركاً بينهما(٢). وإن اختار العامل الترك لم يجبر على (١) الهداية ٦١/٤، والاختيار ٨١/٣ (٢) درر الحكام ٥١٥/٣، والمبسوط ٥٧/٢٣، وبدائع الصنائع ١٨٤/٦ -١٨٥ - ١٤٠ -