النص المفهرس
صفحات 21-40
مَرضُ الموت ١٨ - ٢٠
أجازوها نفذت، وإن ردّوها خيّر المشتري بین
أن يُبلغ المبيع تمام قيمته، ولا اعتراض
للدائنین، وبین فسخ البيع وأخذ ما دفعه من
الثمن إن كان الفسخ ممكناً، أمّا إذا تعذر
لهلاك المبيع تحت يده ونحو ذلك، فيلزم
المشتري بإتمام الثمن إلى أن يبلغ
القيمة (١).
١٩- ومثل البيع في كلّ الأحوال
المتقدمة الشراء، فإذا اشترى المريض مرض
الموت من وارثه الصحيح أو من أجنبي وكان
غير مدين أو كان مديوناً اتبعت نفسُ الأحكام
المتقدمة في بيعه (٢)، وقد جاء في الفتاوى
الهندية: صورة المحاباة أن يبيع المريض ما
يساوي مائة بخمسين، أو يشتري ما يساوي
خمسين بمائة، فالزائد على قيمة المثل في
الشراء والناقص في البيع محاباة (٣).
ثانیا - الإجارة في مرض الموت:
٢٠- إذا آجر المريض شيئاً من ماله بأجرة
المثل فلا خلاف بين الفقهاء في صحة إجارته
ونفاذها على البدل المسمى.
أمّا إذا حابى المريض المستأجر في البدل،
بأن آجره بأقل من أجرة المثل، فلفقهاء الحنفية
(١) انظر كشف الأسرار على أصول البزدوي ٤/ ١٤٣٢
(٢) انظر شرح المجلة للأناسي ٤١٣/٢
(٣) الفتاوى الهندية ٦/ ١١٠
في ذلك قولان:
أحدهما، وهو الراجح المعتمد في
المذهب: وهو أنّ الإجارة صحيحة نافذة على
البدل المسمى، وتعتبر المحاباة من رأس
المال لا من الثلث (١).
واستدلوا على ذلك بأنّ الإجارة تبطل
بموت أحد العاقدين، فلا يبقى على الورثة
ضرر فيما بعد الموت، لأن الإجارة لمَّا
بطلت بالموت، صارت المنافع مملوكة لهم
وفي حياته لا ملك لهم، فلا ضرر عليهم فيما
يستوفيه المستأجر حال حياة المؤجر، ولأن
حق الغرماء والورثة إنما يتعلق بمال المريض
الذي يجري فيه الإرث كأعيان التركة .. أمّا ما
لا يجري فيه الإرث كالمنافع فلا يتعلق حقهم
بها، فيكون تبرعه بها نافذاً من كلّ ماله (٢).
الثاني، وبه قال بعض الحنفية (٣)، وهو أنّ
هذه المحاباة تأخذ حكم الوصية، لأنه قد
يتحقق بها الإضرار بالورثة، كما لو آجر
المريض ما أجرته مائة بأربعين مدةً معلومةً،
وطال مرضه بقدر مدة الإجارة فأكثر، بحيث
(١) ردّ المحتار ٨١/٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم
ص ٢٩٤ (ط. الحلبي سنة ١٩٦٨م)، والفتاوى الهندية
٢٦١/٥، والفتاوى البزازية ٤٥٢/٦
(٢) جامع الفصولين ١٧٩/٢، ورد المحتار ٨١/٥
(٣) الحموي على الأشباه والنظائر ١٢٣/٢، وجامع الفصولين
١٨٦/٢
- ٢١ -
مَرضُ الموت ٢٠-٢٣
استوفى المستأجر المنافع في مدة إجارته في
القدر الذي حابی به وهو ستون، فكان القیاس
أن تعتبر هذه المحاباة كالوصية (١).
ثالثا - الزواج في مرض الموت:
٢١ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنّ
حكم الزواج في حال مرض الموت والصحة
سواء، من حيث صحة العقد وتوريث
كل واحد من الزوجين صاحبه (٢)
واستدلوا بعموم قوله تعالى:
فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣)
وبما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه
قال: لو لم يبق من أجلي إلاَّ عشرة أيام وأعلم
أني أموت في آخرها يوماً، لي فيهن طول
النكاح، لتزوجت مخافة الفتنة (٤).
وبما روى ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل
رضي الله عنه أنه قال في مرضه الذي مات
فيه: زوجوني، إني أكره أن ألقى الله عز وجل
عزباً (٥).
(١) الأحكام الشرعية لقدري باشا مادة ٥١٦
(٢) بدائع الصنائع ٢٢٥/٧، والزيلعي وحاشية الشلبي عليه .
٢٣/٥ وما بعدها، والأم ٣١/٤، وجواهر العقود للأسيوطي
١/ ٤٥٠، والمغني ٢١٢/٧، والشرح الكبير على المقنع
١٧٥/٧
(٣) سورة النساء / ٣
(٤) أثر ابن مسعود أخرجه سعيد بن منصور في سنته
(١٢٢/٣/١)
(٥) الأم للشافعي ٤/ ٣٢
فإذا ثبتت صحة الزواج في مرض الموت
ثبت التوارث بين الزوجين لعموم آية الميراث
(١)
بين الأزواج (١).
ثم اختلفوا بعد ذلك فيما يثبت للزوجة التي
عقد علیها المريض من المهر.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (مهر).
رابعا - الطلاق في مرض الموت:
٢٢- إذا طلّق الرجل زوجته في مرض موته،
فالطلاق واقع، سواء طلّقها طلقةً واحدةً أو
بائنة، دخل بها أو لم يدخل باتفاق الفقهاء، إلاَّ
ما روي عن الشعبي أنه قال: لا يقع طلاق
المريض (٢).
ومع قول عامة الفقهاء بوقوع طلاق
المريض، فقد اختلفوا في ثبوت التوارث
بينهما بعده، ووجوب العدة عليها.
والتفصيل في مصطلح (طلاق ف ٦٦).
خامسا - الإبراء في مرض الموت:
٢٣- إذا أبرأ المريض غير المدین مدیناً له مما
له عليه من دين فإما أن يكون المبرأ أجنبيا وإما
أن یکون وارثا:
أ- فإن كان أجنبياً، فقد قال الحنفية
(١) المغني لابن قدامة ٧/ ٢١٣
(٢) القوانين الفقهية ص ٢٢٨ مطبعة النهضة بفاس عام ١٩٣٥م،
ونهاية المحتاج للرملي ٦/ ٤٤٤
- ٢٢ -
مَرضُ الموت ٢٣ - ٢٥
والشافعية والحنابلة: إذا أبرأ المريض مدينه
الأجنبي من دین له علیه لا يتجاوز ثلث مال
المريض، فإنَّ الإبراء صحيح نافذ، أما إذا كان
أکثر من الثلث، فإنّ الزائد على الثلث يكون
موقوفاً على إجازة الورثة فإن أجازوہ نفذ۔
لأن المنع كان لحقهم وقد أسقطوه -
وإن ردوه بطل .
أما إذا لم يكن للمريض وارث، فقد قال
الحنفية: ينفذ إبراؤه للأجنبي، ولو استغرق كلّ
ماله، ولا حقّ لأحد في المعارضة (١).
ب - أمّا إذا كان وارثاً، فقد قال الحنفية: إذا
أبرأ المريض وارثه من دينه، وكان المريض
غير مدين، فإن إبراءه يتوقف على إجازة
سائر الورثة، سواء أكان الدين الذي أبرأه منه
قليلاً أم كثيراً، فإن أجازوه نفذ، وإن ردّوه بطل.
أما إذا لم يكن للمريض وارثٌ سوى المبرأ
من الدين، فإن الإبراء ينفذ ولو استغرق جميع
المال، لأن المنع كان لحق الورثة، ولم
يوجدوا، فينفذ (٢).
(١) قرة عيون الأخيار ٢/ ١٣١ وما بعدها، والعقود الدرية لابن
عابدين ٢/ ٥٠، ورد المحتار ٦٣٨/٤، وشرح المجلة
للأناسي ٤/ ٥٩٢، ونهاية المحتاج ٥٥/٦، والبجيرمي على
الخطيب ٣/ ٣٠٠، ومغني المحتاج ٤٧/٣، وإعانة الطالبين
٢١٢/٣، والمغني لابن قدامة ٦/ ٤٩١، وانظر م ٩٤١ من
مرشد الحيران والمادة (١٥٧٠) من مجلة الأحكام العدلية.
(٢) جامع الفصولين ١٨٦/٢، والعقود الدرية ٢/ ٥٠، ورد
المختار ٦٣٨/٤، وقرة عيون الأخيار ١٣٢/٢، وانظر=
٢٤- وإن كان المريض مديناً بدين مستغرق
لتركته، فقد قال الحنفية: يتوقف إبراء
المريض مدينه في هذه الحالة على إجازة
الدائنين، سواء أكان الدين الذي أبرأ منه قليلاً
أم كثيراً، لأنهم أصحاب الحقوق في ماله، فإن
أجازوه نفذ، وإن ردّوه بطل، ولا فرق بين أن
يكون المبرأ وارثاً للمريض أو غير وارث.
أما إذا أبرأ المريض مدينه، وكان المبرىء
مديناً بدين غير مستغرق لتركته، فيخرج من التركة
مقدار ما عليه من الدين، ويُحكم على الإبراء في
القدر الباقي بعد الدين بالحكم على الإبراء
حيث لا يكون المريض مديناً أصلا (١).
سادساً - الخلع في مرض الموت:
٢٥- لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المخالعة
في مرض الموت صحيحة ونافذة،
سواء أكان المريض الزوج أو الزوجة أو
كليهما (٢).
غير أنهم اختلفوا فيما يثبت للزوج من بدل
الخلع إذا وقعت المخالعة في المرض، كما
اختلفوا في ثبوت التوارث بينهما في هذه
=المادة ٩٤٠ من مرشد الحيران والمادة (١٥٧٠) من المجلة
العدلية، وشرح المجلة للأناسي ٤ / ٦٨٢
(١) قرة عيون الأخيار ٢/ ١٣١، والعقود الدرية ٢/ ٥٠، ٥٨
والمادة (٥٦٧) من الأحكام الشرعية والمادة (١٥٧١) من
المجلة العدلية والمادة (٩٤١) من مرشد الحيران.
(٢) المغني ٢٢٨/٨، والأم ١٨٢/٥
- ٢٣ -
مَرضُ الموت ٢٥-٢٧
الواقعة، مع تفريقهم بين ما إذا كان الزوج
المخالع هو المريض، وبين ما إذا كانت
الزوجة المخالعة هي المريضة.
وبيان ذلك في مصطلح (خلع ف
١٨ -١٩).
سابعاً - الإقرار في مرض الموت:
٢٦ - إقرار المريض مرض موت بالحد
والقصاص مقبول اتفاقاً، و كذا إقراره بدين
لأجنبي، فإنه ينفذ من كل ماله ما لم يكن عليه
ديون أقر بها في حال صحته عند الحنفية
والمالكية والشافعية، وأصح الروايات عند
الحنابلة، وهو المذهب عندهم.
وأما إقرار المريض لوارث فهو باطل إلا أن
يصدقه الورثة أو يثبت ببينة عند الحنفية
والمذهب عند الحنابلة، وفي قول عند
الشافعية.
وعند المالكية إن كان متهما في إقراره،
كأن يقر لوارث قريب مع وجود الأبعد أو
المساوي لم يقبل.
والتفصيل في مصطلح (إقرار ف ٢٤،
٢٥).
٢٧- وأما الإقرار باستيفاء الدين في مرض
الموت فقد قال الحنفية: إقرار المريض
باستیفاء دین وجب له علی غیره، لا يخلو من
أحد وجهين: إما أن یکون إقراراً باستيفاء دین
وجب له على أجنبي، وإما أن يكون إقراراً
باستیفاء دین وجب له علی وارث:
أ- فإذا أقرّ المریض باستيفاء دین وجب له
على أجنبي، فإما أن يكون الدين المقرّ
باستیفائه وجب له في حال الصحة أو في حال
المرض.
فإن كان الدين الذي أقرّ المريض باستيفائه
قد وجب له في حال الصحة (١)، فيصح
إقراره، ويصدق فيه، ويبرأ الغريم من الدين
سواء أكان الدين الواجب في حال الصحة
بدلاً عما ليس بمال، كأرش الجناية وبدل
الصلح عن دم العمد، أو كان بدلاً عما هو
مال، نحو بدل القرض وثمن
المبيع، وسواء أكان عليه دين
صحة أم لم يكن (٢).
(١) أي علم وجوبه فى حال الصحة بالبيئة، أما إذا لم يعلم ذلك
إلاّ بقول المریض وحده، أو بقوله وقول من داین معه، بأن
قال المريض لرجل بعينه: قد كنت بعتك هذا العبد في
صحتي بكذا، وأنت قبضت العبد، وأنا استوفيت الثمن،
وصدقه في ذلك المشتري، ولا يعرف ذلك إلا بقولهما فإن
كان العبد قائما في يد البائع أو المشتري أو كان هالكاً وقت
الإقرار إلاَّ أنه عرف قيامه وحياته في أول المرض أو لا
يدري أنّه هلك في حالة المرض أو في حالة الصحة، ففي
هذه الوجوه كلها لا يصحّ إقرار المريض بالاستيفاء إذا كذّبه
غرماء الصحة، وإن علم أن العبد هلك في حالة الصحة،
صحّ إقراره به لتبين وجوب الدين له حال الصحة (انظر
الفتاوى الهندية ١٧٩/٤، وجامع الفصولين ١٨٥/٢، وشرح
المجلة للأناسي ٤ /٦٧٥، ٦٨٢)
(٢) بدائع الصنائع ٢٢٦/٧، والفتاوى الهندية ١٧٩/٤، ورد
المحتار ٤ /٦٤٠
- ٢٤ -
مَرضُ الموت ٢٧
أمّا إذا كان الدين الذي أقرّ المريض
باستیفائه قد وجب له في حالة المرض، فیفرّق
بین ما إذا وجب له بدلاً عما هو مال للمريض
وبين ما إذا وجب له بدلاً عما ليس بمال
للمريض:
فإن کان الدین المقرّ باستیفائه قد وجب
للمريض بدلاً عمّا هو مال له كثمن المبيع
وبدل القرض، فلا يصحّ إقراره في حقّ غرماء
الصحة، ويجعل ذلك منه إقراراً بالدين، لأنه
لمَّا مرض فقد تعلق حقّ الغرماء بالمبدل،
لأنه مال، فكان البيع والقرض إبطالاً لحقهم
عن المبدل، إلاَّ أن یصل البدل إلیھم، فیکون
مبدلا معنى لقيام البدل مقامه، فإذا أقرّ
بالاستيفاء فلا وصول للبدل إليهم، فلم يصح
إقراره بالاستيفاء في حقهم، فبقي إقراراً
بالدين، حيث إن الإقرار بالاستيفاء إقرار
بالدين، لأنّ كلّ من استوفى ديناً من غيره،
يصير المستوفى ديناً في ذمة المستوفي، ثم
تقع المقاصّة، فكان الإقرار بالاستيفاء إقراراً
بالدین، وإقرار المریض بالدین وعلیه دین
الصحة لا يصح في حق غرماء الصحة
ولا ينفذ (١).
(١) بدائع الصنائع ٢٢٧/٧، ورد المحتار ٤ / ٦٤٠، والفتاوى
الهندية ١٧٩/٤، وشرح المجلة للأناسي ٤/ ٦٨٢، وانظر م
١٦٠٣ من مجلة الأحكام العدلية.
ويتفرع على هذا، ما لو أتلف شخص
للمريض شيئاً من ماله في مرضه، فأقر
المريض بقبض القيمة منه، فلا يصدق في
ذلك إن كان عليه دين الصحة، لأن الحق كان
متعلقاً بالمبدل فيتعلق بالبدل (١).
أما إذا كان الدين المقر باستیفائه قد وجب
للمريض في حالة مرضه بدلاً عما هو ليس
بمال له، کأرش الجناية أو بدل الصلح عن دم
العمد، فيصحّ إقراره بالاستيفاء، ويبرأ الغريم
من الدین، لأن هذا الإقرار باستيفاء الدين ليس
فيه مساس بحق الغرماء، لأن حقهم لا يتعلق
في المرض بالمبدل في هذه الحالة - وهو
النفس - لأنه لا يحتمل التعلّق، لأنه ليس
بمال، فلا يتعلق ببدله، وإذا لم يتعلق حقهم
به، فلا يكون في الإقرار باستيفاء هذا الدين
إيطال لحقّ الغرماء، فينفذ مطلقا(٢).
ب - أمّا إذا أقرّ المريض باستيفاء دينٍ
وجب له علی وارث فلا يصحّ إقراره، سواء
وجب بدلاً عما هو مال، أو بدلاً عما ليس
بمال، لأنه إقرار بالدين، لما بينا أن استيفاء
الدين يكون بطريق المقاصة، وهو أن يصير
(١) بدائع الصنائع ٢٢٧/٧
(٢) بدائع الصنائع ٢٢٧/٧، وجامع الفصولين ١٨٤/٢، ورد
المحتار ٦٤٠/٤، والفتاوى الهندية ١٧٩/٤، وشرح المجلة
للأناسي ٤/ ٦٨٠
- ٢٥ -
٠٠
مَرضُ الموت ٢٧
المستوفى ديناً في ذمة المستوفي، فكان إقراره
بالاستيفاء إقراراً بالدين، وإقرار المريض
بالدين لوارثه باطل إن لم يجزه باقي
الورثة (١).
جاء في كشف الأسرار: لا يصحّ إقرار
المريض باستيفاء دينه الذي له على الوارث
منه، وإن لزم الوارث الدَّيْن في حال صحة
المقرّ، لأن هذا إيصاء له بمالية الدَّيْن من
حيث المعنى، فإنها تسلم له بغير
عوض (٢).
وهثل ذلك في الحكم ما لو كان وارثه
کفیلاً عن أجنبي، للمريض علیه دین، أو كان
الأجنبي کفیلاً عن وارثه الذي له علیه دین، فلا
يصحّ إقراره باستيفائه، لتضمنه براءة ذمة
الوارث عن الدَّيْن أو عن الكفالة (٣).
ويتفرع على هذا، أنه إذا تزوج امرأة فأقرت
في مرض موتها أنها استوفت مهرها من
زوجها، ولا يعلم ذلك إلا بقولها - وعليها دين
الصّحة - ثم ماتت وهي في عصمة زوجها ولا
مال لها غير المهر، لا يصحّ إقرارها، ويؤمر
(١) رد المحتار ٤/ ٦٤٠، والمبسوط ٨١/١٨ وما بعدها، وبدائع
الصنائع ٢٢٧/٧
(٢) كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري
١٤٣٠/٤
(٣) المرجع السابق ١٤٣٠/٤، والمبسوط ٨١/١٨، وشرح
المجلة للأتاسي ٦٨٢/٤
الزوج بردّ المهر إلى الغرماء، فیکون بين
الغرماء بالحصص، لأنّ الزوج وارث لها،
وإقرار المريض باستيفاء دين وجب له
على وارثه لا يصح (١).
وقال المالكية: إذا أقر المريض باستيفاء ما
وجب له من الدين على الأجنبي، صح إقراره
إن كان المريض غير متهم في هذا الإقرار،
وإذا أقرّ باستيفاء ما وجب له من الدین علی
الوارث، لم يصحّ إقراره إن كان متهماً فيه،
فمدارُ الحكم بالصحة أو عدمها في الحالتين
على انتفاء التهمة أو ثبوتها (٢)، قال زروق:
ولا يجوز إقرار المريض لوارثه بدين أو
بقبضه، يعني لأن حكم الواقع في المرض كلّه
حکم الوصية، ولا وصية لوارث، ومدار هذه
المسائل على انتفاء التهمة وثبوتها، فحيث
یتھم بمحاباة یمنع ولا يصح، وحيث لا فيجوز
.(٣)
ويصحٌ(٣).
وقال الحنابلة: يصحّ إقرار المريض
باستيفاء دينه إذا كان غريمه أجنبيا
لا وارئا (٤).
(١) بدائع الصنائع ٢٢٧/٧
(٢) المدونة ٤ / ١١٠، وكفاية الطالب الرباني ٣٤٢/٢
(٣) شرح زروق على الرسالة ٢/ ٣١٥ (المطبعة الجمالية بمصر
١٣٣٠ هـ)
(٤) منتهى الإرادات ٢/ ٦٨٥
- ٢٦ -
مَرضُ الموت ٢٨-٢٩
الإقرار بالوقف في مرض الموت:
٢٨- قال الحنفية: إذا أقرّ المریض أنه كان قد
وقف أرضاً أو داراً في يده في صحته، نفذ
إقراره من كلّ ماله إذا عيّن الموقوف عليهم،
أمّا إذا لم یعینهم، نفذ من ثلث ماله إن كان له
ورثة ولم یجیزوا الإقرار، فإن لم یکن له ورثة،
أو كان له وأجازوه نفذ من الكلّ أيضاً(١).
وإذا أقرّ المريض بأن الأرض التي في يده
وقفها رجل مالك لها على معيّن، كانت وقفاً
من جمیع ماله، وإذا لم تكن علی معيّن، كانت
وقفاً من ثلث ماله (٢).
وإذا أقرّ المريض بأرض في يده أنّ رجلاً
مالكاً لها جعلها صدقةً موقوفةً عليه وعلى
ولده ونسله ثم من بعدهم للفقراء، فلا تكون
وقفا عليه ولا على ولده، وإن لم يكن لهم
منازع أصلاً، بل تكون للمساكين، لأنه لمَّا
أقرّ بملكيتها لغيره، وأقرّ بأنه جعلها صدقة
موقوفة، والأصل في الصدقة أن تكون
للمساكين، فقد أقرّ بأنها وقف عليهم معنى،
فلا يقبل منه بعد ذلك دعواه أنها لنفسه وولده
إلاَّ ببينة، لأنه رجوع عن الإقرار الأول (٣).
(١) انظر م ٥٥٠، ٥٥٢ من قانون العدل والإنصاف للقضاء على
مشكلات الأوقاف لمحمد قدري باشا (الطبعة الثالثة
بالمطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٣٢٠هـ)
(٢) انظر م ٥٥١ من قانون العدل والإنصاف.
(٣) انظر م ٥٥٣ من قانون العدل والإنصاف لمحمد قدري باشا.
الإقرار بالطلاق في مرض الموت:
٢٩- إذا أقرّ المريض أنه كان قد طلق زوجته
المدخول بها في صحته، فإما أن يكون إقراره
بطلاق رجعي أو بائن.
فإن أقرّ المريض بأنه طلقها في صحته
طلاقاً رجعياً، فقد نصّ المالكية والحنابلة على
أنه يقع الطلاق ساعة تكلّم، وتبدأ عدتها، فإن
مات أحدهما قبل انقضاء العدّة من يوم الإقرار
ورثه الآخر، وإن مات بعد انتهاء العدة فحكمه
حكم ما لو أقر بأنه طلّقها في صحته طلاقاً
بائنا (١).
أما إذا أقر المريض بأنه طلّقها في صحته
ثلاثاً أو بائناً، فقد فرّق الحنفية في هذه الحالة
بين ما إذا صدّقته الزوجة على ما أقرّ به، وبين
ما إذا أنكرته علیه.
فإن صدّقته الزوجة فلا ترثه، لأن ما تصادقا
عليه صار كالمعاين أو كالثابت بالبينة في
حقهما، ولأن الحق في الميراث لها، وقد
أقرّت بما يسقط حقّها (٢).
أما إذا أنكرت الزوجة ذلك، فتبتدئ عدّة
الطلاق من وقت الإقرار، وترثه إذا استمرت
أهليتها للإرث من وقت الإقرار إلى وقت
(١) المدونة ١٣٢/٢، والدردير وحاشية الدسوقي عليه
٣٥٤/٢، وشرح الخرشي ١٨/٤، والمغني ٢٣٣/٧
(مطبوع مع الشرح الكبير).
(٢) رد المحتار ٧١٨/٢، والمبسوط ١٦٥/٦، والفتاوى الهندية
٤٦٤/١، ومجمع الأنهر ٤٣٠/١
- ٢٧ -
مَرضُ الموت ٢٩ - ٣٠
موته، وكان موته في عدّها (١).
وقال الشافعي: يقع الطلاق بإقراره ساعة
تكلم، وتستقبل عدة الطلاق من ذلك اليوم،
(٢)
ولا ترثه بحال
.
وقال المالكية: إذا أقر المريض أنه كان قد
طلّق زوجته المدخول بها طلاقاً بائناً، فإمّا أن
تشهد له على إقراره بيّنة، وإما ألاَّ تشهد له
على إقراره بيّنة:
فإن شهدت له بيّنة على إقراره، فیعمل به،
وتكون العدّة من الوقت الذي أرّخته البينة، ولا
إرث بينهما.
أمّا إذا لم تشهد له بينة على إقراره، فيعتبر
هذا الإقرار بمنزلة إنشائه الطلاق في المرض،
ولا عبرة بإسناده لزمن صحته، فترثه زوجته إن
مات من ذلك المرض في العدّة وبعدها، ولو
تزوجت غیرہ أزواجاً، ولا يرثها هو، وتبتدئ
عدّتها من يوم الإقرار، لا من اليوم الذي أسند
(٣)
إليه الطلاق
وقال الحنابلة: لا يقبل إقرار المريض
بأنه أبان امرأته في صحته، ويقع الطلاق
ساعة تكلم، وترثه في العدّة وبعدها ما
(٤) .
لم تتزوج (٤).
(١) رد المحتار ٧١٨/٢، ومجمع الأنهر ٤٣٠/١، والمبسوط
٦/ ١٦٥، والفتاوى الهندية ١/ ٤٦٤
(٢) الأم ٥/ ٢٣٧
(٣) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٢/ ٣٥٤
(٤) المغني لابن قدامة ٢٢٣/٧
ثامناً - قضاء المريض ديون بعض الغرماء:
٣٠- إذا قضی المریض دیون بعض غرمائه فإن
كانت التركة تفي بكل ديون المريض، فقد
اتفق الفقهاء علی نفاذ قضائه هذا، ولا حق
لبقية الدائنين في الاعتراض علیه، لأنه لم يؤثر
بهذا العمل على حقّ أحد منهم، سواء أكانت
الديون مختلفة في القوة أو متساوية فيها (١).
أما إذا كانت التركة لا تفي بجميع الديون،
وقضی المریض بعض دائنیه:
فقال المالكية وبعض الشافعية: لا ينفذ
قضاؤه، ولبقية الغرماء أن يزاحموا من قضاهم
المريض بنسبة ديونهم، كما لو أوصى بقضاء
بعض الدیون دون بعض، فلا تنفذ وصيته،
فكذا إذا قضاها (٢).
وقال الشافعية على المشهور عندهم
والحنابلة: ينفذ قضاؤه لمن قضی من دائنیه،
وليس لأحد من الدائنين الباقين حقّ
الاعتراض عليه أو مشاركة من قبض من
الدائنين فيما قبض، لأن المريض قد أدّى
واجباً عليه، كما لو اشترى شيئاً بثمن مثله
فأدی ثمنه، أو باع شيئا من ماله كذلك وسلّمه،
فثبت أن إيفاء ثمن المبيع قضاء لبعض
غرمائه، وقد صحّ عقيب البيع، فكذلك إذا
(١) نهاية المحتاج ٤/ ٣٤٢، المدونة ١٠٨/٤، والإقناع ٤٢/٣،
والمغني ٦/ ٥٠٤
(٢) المدونة ٤/ ١٠٨، ونهاية المحتاج ٣٤٢/٤
- ٢٨ -
مَرضُ الموت ٣٠-٣١، مرضع
تراخى عنه، إذ لا أثر لتراخيه (١)
وقال الحنفية: إن كانت الديون مختلفة في
القوة، وقضى المريض منها الدين القويّ، وهو
دين الصحة، فلا حقّ لصاحب الدين الضعيف
في المعارضة، لأن حقّه مؤخر، أمّا إذا قضى
منها الدين الضعيف، وهو دين المرض، فإنه
يثبت لصاحب الدين القوي حقّ معارضته،
لتقَدّم حقّه.
٣١- أمّا إذا كانت الديون متساوية في القوة،
بأن کانت کلها دیون صحة، أو کانت کلها
ديون مرض، وقضى المريض بعض الغرماء
ديونهم، ثبت للباقين حقّ الاعتراض على
تفضيله بعضهم على البعض الآخر، لتعلّق
حق الجميع بماله على السواء، ويكون لهم
أن يشاركوهم فيما قبضوه من المريض،
كلّ بنسبة دينه، ولا يختصّ الآخذ بما
أخذ(٢)، حتى ولو كان المأخوذ مهرا أو أجرة
شيء استوفى منفعته، لأنّ ما حصل للمريض
من منفعة النكاح وسكنى الدار لا يحتمل تعلق
حقّ الغرماء به، ولا يصلح لقضاء حقوقهم،
فصار وجود هذا العوض وعدمه في حقهم
بمنزلة واحدة، فكان إبطالاً لحقهم، وليست
(١) نهاية المحتاج ٣٤٢/٤، والإقناع للحجاوي ٤٢/٣
(٢) بدائع الصنائع ٢٢٦/٧، وتكملة فتح القدير ٦/٧ وما
بعدها، والمبسوط ٢٨/١٨، والفتاوى البزازية ٥/ ٤٥٧
له ولاية الإبطال (١).
واستثنوا من ذلك مسألتين:
الأولى: إذا أدّى بدل ما استقرضه في
مرضه.
والثانية: إذا دفع ثمن ما اشتراه في مرضه
بمثل القيمة (٢)، إلاّ أنه يشترط ثبوت كلٍ
من القرض والشراء بالبيئة (٣).
وهذا النوع من الديون إذا قضاه المريض
في مرضه، نفذ قضاؤه وليس لبقية الغرماء أن
يشاركوه فيه، لأنّ المريض بقضاء دين
المقرِضِ والبائع بثمن المثل لم يبطل حقّ
الغرماء الباقين، لأنّ حقهم تعلّق بمالية التركة
لا بأعبائها، وهذا لا يعدّ تفويتاً لحقهم، إذ
حصل له مثل ما دفع، فكان نقلاً لحقهم ممن
(٤)
له ولاية النقل
.
مرضع
انظر: رضاع
(١) الفتاوي الهندية ١٧٧/٤، ورد المحتار ٦٣٨/٤، وبدائع
الصنائع ٢٢٦/٧، وقرة عيون الأخيار ١٣١/٢، والمبسوط
٧٨/٢٨، وشرح المجلة للأناسي ٤ / ٦٨٤
(٢) انظر شرح المجلة للأتاسي ٤ / ٦٨٤
(٣) شرح المجلة للأناسي ٤ / ٦٨٤
(٤) جامع الفصولين ١٨٣/٢، ورد المحتار ٦٣٨/٤، وبدائع
الصنائع ٢٢٦/٧، وقرة عيون الأخيار ١٣١/٢، وشرح
المجلة للأناسي ٦٨٣/٤
- ٢٩ -
مَرْفَق ١-٤
مَرْفَق
التعريف:
١- المرفق كمسجد ومنبر لغتان، ويطلق في
اللغة على معنیین:
الأول: مرفق الإنسان، وهو آخر عظم
الذراع المتصل بالعضد، أو مجتمع طرف
الساعد والعضد، ويجمع على مرافق.
الثاني: مرفق الدار ونحوها، وهو کل ما
يرتفق به من مطبخ، وكنيف ومصابّ المياه،
وقيل: مرفق الدار بكسر الميم وفتح الفاء لا
غير، على التشبيه باسم الآلة (١).
والمرفق بهذا المعنى الثاني قد سبق الكلام
عليه في مصطلح: (ارتفاق).
ويستعمل الفقهاء المرفق بهذين المعنيين(٢).
الألفاظ ذات الصلة:
أ- العضد:
٢- يطلق العضد على معان منها: ما بين المرفق
(١) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط، والمصباح المنير مادة
(رفق))، وابن عابدين ٦٧/١ ط. بولاق، ومطالب أولي النهى
١١٩/١ ط. المكتب الإسلامي، وكفاية الطالب ١٨٣/١
(٢) ابن عابدين ١/ ٦٧ ط. بولاق، وجواهر الإكليل ١٤/١ ط.
دار الباز، والقليوبي وعميرة ٣٠١/٣، وكفاية
الطالب١٥٣/١ ط. مصطفى البابي الحلبي.
إلى الكتف، ويجمع على أعضاد، ومنها المعين
والناصر(١)، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتُ
مُتَّخِذَالْمُضِلِينَ عَضْدًا﴾(٢).
والصلة بين المرفق والعضد المجاورة.
ب- الید:
٣- لليد في كلام العرب إطلاقات كثيرة،
والمراد بها هنا عضو من أعضاء الجسد، وهي
بهذا المعنى تطلق على ثلاثة معان: الكف فقط،
والكف والذراع، والكف والذراع
والعضد (٣).
فالمرفق والعضد والذراع جميعا من أجزاء
اليد على الإطلاق الثالث، وليس كذلك على
الإطلاق الأول والثاني.
الحكم الإجمالي:
يختلف الحكم المترتب على المرفق باختلاف
مواطنه على النحو التالي:
غسل المرفق في الوضوء:
٤- ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجب غسل
المرفقين مع اليدين فى الوضوء، واستدلوا
بقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا قُمْتُمْ
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط مادة ((عضد))، وتفسير ابن
کثیر ٥/ ٢٨٠ ط. دار الأندلس.
(٢) سورة الكهف/ ٥١
(٣) بداية المجتهد ١٢/١ ط. مكتبة الكليات الأزهرية، والمعجم
الوسيط، والمصباح المنير مادة ((يدي)).
- ٣٠ -
مَرْفَق ٤-٥
إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى
اَلْمَرَافِقِ﴾(١)، ووجه الاستدلال: أن معنى قوله
تعالى: ﴿إِلى المرافق﴾ مع المرافق، لأن ((إلى))
تستعمل بمعنى ((مع)) كقوله تعالى: ﴿وَيَزِدَّكُمْ
قُوَّةً إِلَى قُوّتِكُمْ﴾(٢) أي مع قوتكم.
وقال بعض أصحاب مالك وزفر من
الحنفية والطبري: لا يجب غسل
المرفقين، لأن الله تعالى أمر بالغسل
إليهما فلا يدخل المذكور بعده، نظيره قوله
تعالى: ﴿ثُمََّتِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾(٣).
وعند المالكية قول ثالث: وهو دخول
المرفقين في الغسل استحبابا لكونه أحوط،
لزوال مشقة التحديد (٤).
وإن خُلقت اليدان بلا مرفقين كالعصا،
فصرح جمهور الفقهاء بأنه یغسل إلى قدرهما
من غالب الناس إلحاقا للنادر بالغالب.
وقال بعض المالكية: يجب غسلهما للإبط
احتياطا، وفيه، وفي غسل الأقطع من مفصل
(١) سورة المائدة / ٦
(٢) سورة هود / ٥٢
(٣) سورة البقرة / ١٨٧
(٤) ابن عابدين ٦٧/١ ط. بولاق، والاختبار ٧/١ ط. دار
المعرفة، وفتح القدير ١٠/١ ط. الأميرية، وبدائع
الصنائع ٤/١ ط. دار الكتاب العربي، وبداية المجتهد ١١/١،
١٢ ط. مكتبة الكليات الأزهرية، وجواهر الإكليل ١/ ١٤ ط.
دار الباز، وكفاية الطالب ١٥٣/١، ١٥٤، والقليوبي وعميرة
٢٤٩/١، وأسنى المطالب ٣٢/١ ط. المكتبة الإسلامية،
والجمل/ ١١٢ ط. إحياء التراث العربي، والمغني ١٢٢/١،
ونيل المآرب ٦٣/١ ط. مكتبة الفلاح، وكشاف القناع ١/ ٩٧
ط. عالم الكتب، ومطالب أولي النهى ١/ ١٠١، ١١٥
مرفق، أو دونه أو فوقه تفصيل(١) ينظر في
مصطلح (وضوء).
وأما مسح المرفقين في التيمم فقد اختلف
الفقهاء فيه، وينظر في مصطلح (تيمم
ف ١١).
كيفية وضع المرفق في السجود:
٥- لا خلاف بين الفقهاء في أن من سنن
السجود للرجل غير العاري مجافاة مرفقيه عن
ركبتيه فى السجود، بحيث يكونان بعيدين عن
جنبيه، لأن النبي ◌َّي كان يفعل ذلك في
سجوده، وقد روي أنه پے «كان إذا سجد لو
شاءت بهمةٌ أن تمر بين يديه لمرت))(٢)، وفي
رواية أخرى: ((كان النبي ◌َّر إذا سجد جافى
بین یدیه حتی لو أن بهمة أرادت أن تمر تحت
يديه مرت)»(٣)، وذلك يدل على شدة مبالغته
في رفع مرفقیه وعضدیه(٤).
(١) فتح القدير ١/ ١٠، والفتاوى الهندية ٤/١، وكفاية الطالب
١٥٣/١ط. مصطفى البابي، وحاشية الجمل ١١٢/١،
والمغني ١٢٣/١
(٢) حديث: ((كان إذا سجد لو شاءت بهمة ...... ))
أخرجه مسلم (١ / ٣٥٧) من حديث ميمونة رضي الله عنها.
(٣) حديث: ((كان إذا سجد جافى بين يديه .. ))
أخرجه أبو داود (٥٥٤/١، ٥٥٥) والنسائي ٢١٣/٢) من
حديث ميمونة رضي الله عنها، واللفظ لأبي داود.
(٤) ابن عابدين ٣٣٩/١ ط. بولاق، وفتح القدير ٣١٦،٣١٥/١
ط. الأميرية، والاختيار ٥٢/١ط. دار المعرفة، وجواهر الإكليل
٥١/١ ط. دار الباز، والقوانين الفقهية ص ٦٦ ط. دار الكتاب
العربي، وحاشية الجمل ٣٧٧/١، ٣٧٨ ط. دار إحياء التراث
العربى، وأسنى المطالب ١/ ١٦٢ ط. المكتبة الإسلامية،
ومطالب أولي النهى ١/ ٤٥٣ ط. المكتب الإسلامي، والمغني
٥١٩/١، وكشاف القناع ٣٥٣/١ ط. عالم الكتب.
- ٣١ -
....
مَرْفَق ٥-٨
وقيل: إذا كان في الصف لا يجافي، كي لا
يؤذي جاره(١).
وزاد الرحيباني وغيره من الحنابلة: بأنه
يجب تركه في حالة الإيذاء، ويحرم عليه فعله
لحصول الإيذاء المنهي عنه.
ونص أيضا بأن للمصلي أن يعتمد بمرفقيه
على فخذيه إن طال سجوده ليستريح(٢)، لقوله
وَل*، وقد شكوا إليه مشقة السجود عليهم:
((استعينوا بالركب))(٣).
وأما المرأة فتضم المرفقين إلى الجنبين في
جميع الصلاة، لأنه أستر لها.
وكذلك العاري، فالأفضل له الضم وعدم
التفریق، وإن کان خالیا، کما صرح به بعض
الشافعية (٤).
وصرح الحنابلة بأن من كمال السجود رفع
المرفقين عن الأرض(٥)، واستدلوا بقول النبي
مَلة: ((إذا سجدت فضع كفيك، وارفع
مرفقیك))(٦).
(١) فتح القدير ٢١٥/١ ط. الأميرية.
(٢) مطالب أولي النهى ١/ ٤٥٢، ٤٥٣، وكشاف القناع ٣٥٣/١
(٣) حديث: ((استعينوا بالركب))
أخرجه أبو داود (٥٥٦/١) والترمذي (٢/ ٧٧-٧٨) من
حديث أبي هريرة.
(٤) ابن عابدين ٣٣٩/١ ط. بولاق، والقوانين الفقهية/ ٦٦
ط. دار الكتاب العربي، وحاشية الجمل ٣٣٧/١، ٣٧٨،
وأسنى المطالب ١/ ١٦٢ ط. المكتبة الإسلامية.
(٥) المغني ١/ ٥٢٠، وكشاف القناع ٣٥٢/١.
(٦)حديث: ((إذا سجدت فضع كفيك .. ))
أخرجه مسلم (٣٥٦/١) من حديث البراء بن عازب.
القصاص في المرفق:
٦- من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس
الاستيفاء من غير حيف، ويتحقق ذلك في اليد
بأن يكون القطع من مفصل فإن كان من غير
مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع من غير
خلاف بل فيه الدية، وعلى هذا: لو قطع يد
شخص من المرفق فله القصاص منه، لأنه مفصل،
وليس له القطع من الكوع، لأنه أمكنه استيفاء
حقه بكماله، والاقتصاص يكون من محل الجناية
عليه، فلم يجز له العدول إلى غيره(١).
وتفصيل ذلك في مصطلح (جناية على
مادون النفس ف ١١).
دية المرفق:
٧- اتفق الفقهاء على وجوب الدية في قطع
الیدین، ووجوب نصفها في قطع إحداهما،
واختلفوا فيما إذا قطع ما فوق الكوع أي من
بعض الساعد أو المرفق على أقوال
ينظر في مصطلح (ديات ف ٤٣).
النظر إلى مرفقي المرأة:
٨- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مرفقي المرأة
(١) تكملة فتح القدير ٢٧٠/٨ ط. الأميرية ببولاق، والاختيار
٣٠/٥، وابن عابدين ٣٥٤/٥ ط. بولاق، والزرقاني ١٨/٨،
١٩ ط. دار الفكر، ومواهب الجليل ٢٤٦/٦، وروضة
الطالبين ٩/ ١٨١، ونهاية المحتاج ٧/ ٢٧٠ ط. المكتبة
الإسلامية، والمغني ٧/ ٧٠٧، ٧٠٩، ونيل المآرب ٣٢٦/٢
- ٣٢ -
مَرْفَق ٨، مَرْهُون، مُروءَةٍ ١-٢
عورة بالنسبة للأجنبي، وورد عن أبي يوسف
القول بجواز إظهار ذراعيها لأنهما يبدوان منها
عادة.
أما بالنسبة للمحارم لنسب أو سبب
مصاهرة أو رضاع فیری جمهور الفقهاء جواز
النظر إلى اليدين إلى المرفقين(١).
وتفصيل ذلك في مصطلح (عورة ف ٣، ٦).
مَرْهُون
انظر: رهن
(١) تكملة فتح القدير ١٠٣/٨، ١٠٤ ط. الأميرية ببولاق، وتبيين
الحقائق ٦/ ١٩ ط. دار المعرفة، والقوانين الفقهية/ ٤٣٧،
ومغني المحتاج ١٢٩/٣ ط. مصطفى البابي الحلبي، ومطالب
أولي النهى ١٣/٥ ط. المكتب الإسلامي.
٠٠
مُروءَةً
التعريف:
١ - المروءة في اللغة: آداب نفسانية تحمل
مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن
الأخلاق وجميل العادات(١).
يقال: مَرُؤَ الرجل فهو مرىء: أي ذو
مروءة.
وفي الاصطلاح عرفها الفقهاء بتعاريف
متقاربة، ضابطها: الاستقامة، قال القليوبي:
إنها صفة تمنع صاحبها عن ارتكاب الخصال
الرذيلة(٢).
وقال الشربيني الخطيب: وأحسن ما قيل في
تفسير المروءة: أنها تخلّق المرء بخلق أمثاله من
أبناء عصره ممن يراعي مناهج الشرع وآدابه في
(٣)
زمانه ومكانه(٣).
الألفاظ ذات الصلة:
العدالة:
٢- العدالة في اللغة: صفة توجب مراعاتها
(١) المصباح المنير مادة (مرؤ).
(٢) حاشية القليوبي ٢٣٦/٣
(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤٣١
- ٣٣ -
....
٠٠
مُروءَةٍ ٢- ٤
الاحتراز عما يخل بالمروءة عادة ظاهراً
وفي الاصطلاح: اجتناب الكبائر وعدم
الإصرار على صغيرة من نوع واحد أو
(٢)
أنواع (٢).
الأحكام المتعلقة بالمروءة:
المروءة فى الشهادة :
٣- المروءة من لوازم قبول الشهادة، فيشترط
في الشاهد فوق اجتناب الكبائر وعدم
الإصرار على الصغائر: الترفع عن ارتكاب
الأمور الدنيئة المزرية بالمرء وإن لم تكن حراما،
وهي كل ما يذم فاعله عرفا من أمثاله في زمانه
ومكانه، لأن الأمور العرفية قلّما تنضبط ، بل
تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة
(٣)
والبلدان(٣).
مسقطات المروءة:
تسقط المروءة بالأمور الدنيئة وهى نوعان:
٤- أحدهما في الأفعال: كالأكل في السوق
وكشف ما جرت العادة بتغطیته من بدنه،
(١) المصباح المنير.
(٢) مغني المحتاج ٤ /٤٢٧، والمغني ٩/ ١٦٧
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٨٢/٤ - ٣٨٣، وفتح القدير ٤٨٥/٦
- ٤٨٦، ومغني المحتاج ٤٣١/٤، والخرشي ٧/ ٧٧، والمغني
١٦٨/٩ - ١٦٩
=(١)
وكشف رأسه في بلد يُعدّ فعله خفة وسوء
أدب، والبول على الطريق ومدّ رجله عند
الناس، والتمسخر بما يُضحك الناس به،
ومخاطبة امرأته بالخطاب الفاحش، ومشي
الواجد حافيا، ففاعل هذه الأشياء ونحوها
تسقط مروءته فلا تقبل شهادته، وإن اجتنب
الكبائر ولم يصر على الصغائر لأنها سخف
ودناءة، فمن رضي لنفسه هذه الأفعال
واستحسنها فليست له مروءة، فلا تحصل
الثقة بقوله، ولأن المروءة تمنع عن الكذب
وتزجر عنه، ولهذا يمتنع منه ذو المروءة وإن لم
يكن ذا دين، وإذا كانت المروءة مانعة من
الكذب اعتبرت في العدالة كالدين، ويشترط
في انخرام العدالة بالأفعال المذكورة أن يفعلها
في محضر من الناس وأن يتخذها عادة، فإن
فعلها مختفيا أو مرة واحدة لم تسقط بها
المروءة ، لأن صغائر المعاصي لا تؤثر في العدالة
إذا لم تكرر منه، فهذا أولى(١).
وتختلف المروءة باختلاف الأشخاص
والأزمان والأماكن، فقد يستقبح فعل شيء ما
(١) المغني ١٦٨/٩- ١٦٩، وفتح القدير ٤٨٥/٦-٤٨٦،
وروضة القضاة للسمناني ٢٣٩/١، والخرشي ٧/ ١٧٧،
والقوانين الفقهية ص ٢٠٣، ومغني المحتاج ٤٣١/٤
- ٣٤ -
مُروءَةٍ ٤-٥
من شخص دون آخر، وفي قطر دون آخر،
وفي حال دون آخر، فحمل الطعام للبيت والماء
شحّا يخرم المروءة، بخلاف حملها اقتداء
بالسلف، ولبس فقيه قباء أو قلنسوة فى بلد لا
يعتاد للفقيه لبسها يخرم المروءة، والتقشف في
المأكل والمشرب والملبس للواجد شحا يخرمها،
بخلاف ما إذا فعل ذلك تواضعا لله وكسراً
(١)
للنفس(١).
٥- النوع الثاني: الصناعات الدنيئة:
لا خلاف بين الفقهاء في أن الاحتراف
بصنعة يحرم الاحتراف بها شرعاً تسقط المروءة
والعدالة.
واختلفوا فى سقوط المروءة بالاحتراف
بصنعة دنيئة عرفاً مباحة شرعاً.
فذهب المالكية والشافعية إلى أن الاحتراف
بصنعة دنيئة عرفا تنخرم المروءة بها وإن كانت
مباحة شرعاً ، كحجامة وكنس لزبل ونحوه
ودبغ و کقيم حمام وحارس وقصاب وإسكاف
ممن لا تليق به، وليست مهنة آبائه ولم يتوقف
عليها قوته وقوت عياله، لإشعار ذلك بقلة
مروءته، أما إذا كان ممن تليق به أو كانت حرفة
آبائه أو توقف عليها قوته وقوت عياله فلا
(١) مغني المحتاج ٤٣١/٤، وشرح المنهج ٥/ ٣٨٢، والمراجع
السابقة.
تسقط المروءة بها في الأصح، لأنه لا يُعير بها
في هذه الحالة، ولأنها حرفة مباحة يحتاج إليها
الناس(١).
وفي قول الشافعية والحنفية تسقط مروءته
بها، لأن في اختياره لها مع اتساع طرق
الكسب إشعاراً لسقوط الهمة وقلة المروءة (٢).
وقال الحنفية في الصحيح: تقبل شهادة
أصحاب الصنائع الدنيئة إذا كان غالب
أحوالهم الصلاح.
قال السمناني: من استقام منهم في الطريقة
وعرف بصدق اللهجة في بيعه وشرائه ليست
الصناعة بضائرة له، ولولا ذلك لما عرفنا
بشهادتهم قیم الدواب وعیوب الحیوان، ولا بد
في كل صنعة من مستور وصالح مستقيم،
وعلى هذه الأحوال وجد الناس بعضهم
بعضا (٣).
وذهب الحنابلة: إلى أنه لا تسقط المروءة
بحرفة مباحة، فتقبل شهادة من صناعته دنيئة
عرفا، كالحجام والكناس والحائك
(٤)
والحارس (٤).
أما ما اتخذه أرباب الدنيا من العادات التي
(١) الخرشي ١٧٨/٧ ومغني المحتاج ٤٣٢/٤ والجمل على شرح
المنهج ٣٨٣/٥
(٢) مغني المحتاج ٤٣٢/٤، وفتح القدير ٤٨٦/٦، وروضة
القضاة ٢٤٠/١
(٣) فتح القدير ٦/ ٤٨٦، وروضة القضاة ٢٤٠/١
(٤) كشاف القناع ٦ / ٤٢٤
- ٣٥ -
مروءة ٥، مُرور ١-٣
لم يقُّحْها السلف ولا اجتنبها أصحاب رسول
الله وسلّ مثل تقذرهم من حمل الحوائج
والأقوات للعیال، ولبس الصوف، وركوب
الحمار وحمل الماء على الظهر والرزمة إلى
السوق فلا يعتبر شيء من ذلك من المروءة
الشرعية، فقد كان أصحاب رسول الله چم
يحمل الواحد منهم الماء لأهله، ويحمل الرزمة
إلى السوق، وقد ركب المصطفى وَلَه
الحمار(١). واحتذى المخصوف(٢) مع كونه قد
أوتي مکارم الأخلاق فلا ازدراء في ذلك، ولا
.(٣)
إسقاط مروءة(٣).
(١) حديث: ركوب النبي ◌َّ الحمار.
أخرجه البخاري (فتح الباری ٥٨/٦)، ومسلم (٥٨/١) وفيه
أن اسمه عُفَیر من حديث معاذ بن جبل.
(٢) حديث: ((كان يحتذي المخصوف».
أخرجه أحمد (١٦٧/٦) بلفظ: ((كان رسول الله وَ الر يخصف
نعله)) وصححه ابن حبان (الإحسان ١٢ / ٤٩١)
(٣) كشاف القناع ٦/ ٤٢٤-٤٢٥
مرور
التعريف:
١- المرور لغة: الاجتياز، يقال: مررت بزيد
وعليه مَرّاً ومروراً وممرا: اجتزت، ومرّ الدهر
مراً ومروراً: ذهب.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(١)
اللغوي(١).
الألفاظ ذات الصلة:
الوقوف:
٢- الوقوف لغة: السكون، يقال: وقفت الدابة
تقف وقفاً ووقوفا: سکنت.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(٢)
اللغوي(٢).
والصلة أن المرور ضد الوقوف
الأحكام المتعلقة بالمرور:
يتعلق بالمرور أحكام منها:
المرور بين يدي المصلي:
٣- لا خلاف بين الفقهاء في أن المرور وراء
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن،
ومغني المحتاج ١/ ٢٠٠
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، ومراقي الفلاح ص ٤٠٠
- ٣٦ -
مُرور ٣-٥
سترة المصلي لا يضر، وأن المرور بين المصلي
وسترته منهي عنه، فيأثم المار بين يديه، لقوله
وَّر: ((لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه
من الإثم لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن
یمر بین یدیه))(١).
وللفقهاء في إثم المصلي أو المارّ أو
إثمهما معاً تفصيل ينظر في: (سترة
المصلي ف ١٢).
موضع المرور المنهي عنه:
٤- يرى الحنفية في الأصح أن الموضع الذي
يكره المرور فيه هو موضع صلاة المصلي من
قدمه إلى موضع سجوده، هذا حكم الصحراء،
فإن كان في المسجد إن كان بينهما حائل
کإنسان أو اسطوانة لا یکره، وإن لم یکن
بينهما حائل والمسجد صغير کره في أي مكان
كان، وقالوا: المسجد الكبير كالصحراء(٢).
وقال المالكية: إن كان للمصلي سترة حرم
المرور بينه وبين سترته، ولا يحرم المرور من
ورائها، وإن كان يصلي لغير سترة حرم المرور
في قدر ركوعه وسجوده، وهو الأوفق بيسر
الدين، وقال بعضهم: يحرم المرور بين يدي
(١) حديث: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١ /٥٨٤) ومسلم (٣٦٣/١) من
حديث أبي جهيم، وقوله: ((من الإثم)) ورد في إحدى روايات
البخاري كما قال ابن حجر في شرحه (١/ ٥٨٥)
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٠٤، وابن عابدين ١/ ٤٤٦
المصلي في قدر رمية حجر أو سهم أو رمح(١).
وقال الشافعية: يحرم المرور بين المصلي
وسترته إذا كان بينهما قدر ثلاثة أذرع فأقل(٢).
وقال الحنابلة: يحرم المرور بين المصلي
وسترته ولو كانت السترة بعيدة من المصلي،
وإن لم تكن سترة فيحرم المرور في قدر ثلاثة
أذرع يد من موضع قدم المصلي(٣).
المرور أمام المصلي في المسجد الحرام:
٥- ذهب الفقهاء إلى أنه لا يمنع المرور بين
يدي المصلي خلف المقام من المسجد الحرام ولا
في حاشية المطاف وذلك لما روي أن النبي وَله
كان يصلي مما يلي باب بني سهم والناس
يمرون بين يديه وليس بينهما سترة (٤)، وهو
محمول على الطائفين لأن الطواف صلاة
فصار كمن بين يديه صفوف من المصلين.
قال المالكية: يرخص بالمرور في المسجد
الحرام ولو كان للمار مندوحة، ويكره للطائف
إن كانت له مندوحة إن صلى لسترة في المسجد
الحرام، وإن صلى لغير سترة فيجوز المرور
مطلقا.
وتوسع الحنابلة في ذلك فقالوا: لا يرد المار
(١) الخرشي مع حاشية العدوي ٢٧٩/١، والدسوقي ٢٤٦/١
(٢) مغني المحتاج ١/ ٢٠٠
(٣) مطالب أولي النهى ٤٨٩/١
(٤) حديث: ((أن النبي ◌َ ◌ّ كان يصلي مما يلي باب بني سهم .. ))
أخرجه أبو داود (٥١٨/٢) من حديث المطلب بن وداعة،
وفي إسناده جهالة.
- ٣٧ -
مُرور٥-٧
بين يدي المصلي بمكة المشرفة، قال أحمد: لأن
مکة لیست کغيرها، لكثرة الناس وازدحامها
بهم، فمنعهم تضييق عليهم، لما روي أن النبي
{﴾ صلی بمكة والناس يمرون بین یدیه وليس
بينهما سترة، وألحق الموفق بمكة سائر الحرم.
قال الرحيباني: ويتجه إنما يتمشى كلام
الموفق في زمن الحج لكثرة الناس
واضطرارهم، وأما في غير أيام الحج فلا حاجة
للمرور بين يدي المصلي للاستغناء عنه، وكلام
أحمد يمكن حمله على الصلاة في المطاف أو
قريباً منه(١).
ضمان ما ينشأ عن مقاتلة المار:
٦- ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إن أدى
الدفع المشروع من المصلي للمار بین یدیه إلى
موته- مع التدرج المنصوص عليه في الدفع-
لا یضمنه المصلي ودمه هدر، وذلك حدیث:
((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس
فأراد أحد أن يجتاز بین یدیه فليدفعه، فإن أبی
فليقاتله فإنما هو شيطان)»(٢) أي فيه شيطان أو
(٣)
هو شيطان الإنس
(١) رد المحتار على الدر المختار ٤٢٧/١ و١٧٢/٢، والخرشي
٢٧٩/١، ٢٨٠، مع حاشية العدوي ونهاية المحتاج ٢/ ٥٢،
٥٣، ومطالب أولي النهى ١/ ٤٨٢
(٢) حديث: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره .. )
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٨٢) ومسلم (٣٦٣/١)
من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ للبخاري.
(٣) مغني المحتاج ١/ ٢٠٠، ومطالب أولي النهى ١/ ٤٨٣
ويرى الحنفية أن مقاتلة المار غير مأذون بها،
فإن أدت المقاتلة إلى قتل المارّ كان قتله جناية،
فيلزم المصلي موجبها من دية أو قود (١).
وقال المالكية: يدفع المصلي المار دفعاً خفيفاً
لا يشغله فإن كثر أبطل، ولو دفعه دفعاً مأذوناً
فیه فسقط منه دینار أو انخرق ثوبه ضمن، ولو
مات المار بدفع المصلي كانت دية المار على
عاقلة المصلي، وذلك لأنه لما كان الدفع مأذوناً
فيه في الجملة كان كالخطأ(٢).
أثر المرور بين يدي المصلي في قطع الصلاة
ونقصها:
٧- ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن
المرور بين المصلي وسترته لا يقطع الصلاة ولا
يبطلها، ولو كان بالصفة التي توجب الإثم
على المار، وذلك لقوله تعالي: ((لا يقطع الصلاة
شيء، وادرؤوا ما استطعتم)) (٣)، وقالت عائشة
رضي الله عنها: ((كان رسول الله وَ ◌ّر يصلي من
الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة کاعتراض
الجنازة))(٤)، ولحديث أن زينب بنت أم سلمة
(١) حاشية ابن عابدين ٤٢٩/١
(٢) حاشية العدوي على الخرشي ١/ ٢٨٠
(٣) حديث: ((لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم .. ))
أخرجه أبو داود (١/ ٤٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري،
وقال الزيلعي عن راويه مجالد بن سعيد: ((فيه مقال)) كذا في
نصب الراية (٧٦/٢)
(٤) حديث عائشة: ((كان رسول الله(# يصلي من الليل ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٩٠) ومسلم (٣٦٦/١)
واللفظ لمسلم.
- ٣٨ -
مُرور ٧-١١
حين مرت بين يدي رسول الله ◌َّةٍ فلم يقطع
الصلاة(١)
وقال الحنابلة مثل ذلك، إلا أنهم استثنوا
الكلب الأسود البهيم فقالوا: إنه يقطع الصلاة.
وأضاف الحنابلة: إن المرور بين يدي المصلي
ينقص الصلاة ولا يقطعها، قال القاضي: ينبغي
أن يحمل ذلك على من أمكنه الرد فلم
يفعل(٢).
المرور بين يدي المأمومين:
٨- اختلف الفقهاء في حكم المرور بين يدي
المأمومين، واختلافهم هذا فرع عن اختلافهم
في سترة الإمام وفي الإمام ، هل يكون أي
منهما سترة للمأمومين أو لا يكون؟.
والتفصيل في مصطلح (سترة المصلي ف ١١).
المرور أمام المصلي في مكان مغصوب:
٩- نص الشافعية: على أنه إذا صلى مسلم بسترة
في مكان مغصوب لم يحرم المرور بينها وبينه ولم
يكره، سواء وجد المار سبيلاً غيره أم لا(٣).
(١) حديث: ((أن زينب بنت أم سلمة حين مرت بين يدي
رسول الله /ـ ... )
أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٠٥) بهذا المعنى من حديث أم سلمة،
وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ١٨٧)
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٢٦/١، والفتاوى الهندية ١٠٤/١،
والحطاب ٥٣٢/١-٥٣٤، ومغني المحتاج ٢٠١/١، والمغني
لابن قدامة ٢٤٧/٢-٢٤٩
(٣) نهاية المحتاج ٢/ ٥٢، ٥٣
وللحنابلة وجهان فيمن صلى إلى سترة
مغصوبة ومر من ورائها كلب أسود.
أحدهما: تبطل صلاته لأنه ممنوع من نصبها
والصلاة إليها فوجودها کعدمها.
والثانى: لا تبطل لقول النبي وقله: ((يقي من
ذلك مثل مؤخرة الرحل))(١) وهذا قد وجد(٢).
المرور في ملك الغير:
١٠ - نص الحنفية على أن من أحيا أرضاً
ميتةثم أحاط الإحياء بجوانبها الأربعة من أربعة
نفر على التعاقب تعين مرور الأول في الأرض
الرابعة، وأما لو كان الإحياء جميعه لواحد فله
أن يمر إلى أرضه من أي جانب(٣).
ونص الشافعية على أنه يجوز المرور في ملك
الغير بما جرت به العادة ولم يضر وإن منعه (٤).
المرور في الطريق العام والخاص:
١١- الطريق العام- وهي النافذة- من المرافق
العامة، وللجميع الانتفاع بها بما لا يضر
الآخرين باتفاق الفقهاء ومنفعتها الأصلية
المرور فيها لأنها وضعت لذلك، فيباح لهم
الانتفاع بما وضع له وهو المرور بلا خلاف.
(١) حديث: ((يقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل))
أخرجه مسلم (٣٦٦/١) من حديث أبي هريرة.
(٢) المغني لابن قدامة ٢/ ٢٥٤
(٣) رد المحتار ٢٧٨/٥
(٤) القليوبى وعميرة ٣١١/١
- ٣٩ -
مُرور ١١-١٤
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (طريق ف ٩).
أما الطريق غير النافذ فملك لأهله، ولا
يجوز لغير أهله التصرف فيه إلا برضاهم وإن
لم يضر، لأنه ملکهم فأشبه الدور.
وأهله من لهم حق المرور فيه إلى ملكهم من
دار أو بئر أو فرن أو حانوت، لا من لاصَقَ
جداره الدرب من غیر نفوذ باب فیه، لأن
هؤلاء هم المستحقون الارتفاق فیه.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (طريق ف ٢١).
المرور في المسجد للمحدث:
١٢ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يجوز
دخول الحائض والنفساء والجنب إلى المسجد
ولو مرورا من باب لباب، إلاّ أن لا يجد بدا
فیتیمم ويدخل.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يمنع
الجنب من العبور في المسجد.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (دخول ف ٦-٨).
المرور على العاشر:
١٣ - يُنُصّب الإمامُ على المعابر في طرق الأسفار
عشارين للجباية ممن يمر عليهم بأموال التجارة من
المسلمين وأهل الذمة وأهل الحرب إذا أتوا بأموالهم
إلى بلاد الإسلام، فيأخذ من أهل الإسلام ما يجب
عليهم من زكاة، ويأخذ من أهل الذمة نصف
العشر، ويأخذ من أهل الحرب العشر.
والتفصيل في مصطلح (زكاة ف
١٥٥، وعشر ف١٣ وما بعدها).
أثر المرور بالوطن في قصر الصلاة:
١٤- ذهب الحنفية والمالكية وهو المذهب عند
الشافعية إلى أن مرور المسافر بوطنه بُصَيِّره
مقيماً بدخوله ويقطع حكم السفر(١).
وذهب الحنابلة: إلى أن مرور المسافر بوطنه
لا يقطع حكم السفر، فلو أن رجلاً مقيماً
ببغداد أراد الخروج إلى الكوفة، فعرضت له
حاجة بالنهروان، ثم رجع فمر ببغداد ذاهبا إلى
الكوفة، صلى ركعتين إذا كان يمر ببغداد
مجتازاً لا يريد الإقامة بها(٢).
ونص المالكية على أنه من غلبته الربح
بالمرور على وطنه لا يقطع حكم السفر، إلا إذا
انضم لذلك دخول أو نية دخول (٣).
ولو مرّ المسافر في طريقه على قرية أو بلدة
له بها أهل وعشيرة فذهب الحنفية والمالكية
وهو خلاف الأظهر عند الشافعية وقول عند
أحمد: إلى أنه يصير مقيماً من غير نية الإقامة
ويتم صلاته لما روي عن النبي ويعلم أنه قال: ((من
تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم)) (٤).
(١) بدائع الصنائع ١٠٣/١، والخرشي ٦١/٢، ومواهب
الجليل ١٤٨/٢، وروضة الطالبين ٣٨٣/١
(٢) المغني لابن قدامة ٢/ ٢٩١
(٣) الخرشي ٢/ ٦١
(٤) حديث: ((من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم))
أخرجه أحمد (٦٢/١) من حديث عثمان بن عفان، وأورده=
- ٤٠ -