النص المفهرس

صفحات 241-260

◌َخَارج الحِيَل ٢ - ٤
٠٠٠
أعذار العباد، ويقابلها العزيمة (١).
وتشترك الرخصة مع مخارج الحيل في
التيسير في كل.
ب - التیسیر:
٣ - من معاني التيسير: التسهيل والتهيئة.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (٢) .
والعلاقة بين مخارج الحيل والتيسير أن
المخارج سبب في التيسير.
الحكم التكليفي:
٤ - اختلف الفقهاء في جواز الحيل.
قال الحنفية - كما قال السرخسي - إن
الحيل في الأحكام المخرجة عن الآثام جائز
عند جمهور العلماء، واستدل بقوله تعالى:
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِب ◌ِهِ، وَلَا
تَحْنَثْ﴾ (٣)، ووجه الاستدلال أن هذا تعلیم
المخرج لأيوب عليه السلام عن يمينه التي
حلف ليضربن زوجته مائة .
وبما روي أن رسول الله ◌َّلاڑ قال يوم
الأحزاب لنعيم بن مسعود رضي الله عنه وقد
أسلم: ((إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا
(١) ابن عابدين ١ / ١٧٦ - ط. بولاق.
(٢) القاموس المحيط، والمفردات للراغب الأصفهاني.
(٣) سورة ص / ٤٤
إن استطعت، فإنها الحرب خدعة)) (١).
وقال: والحاصل أن ما يتخلص به الرجل
من الحرام، أو يتوصل به إلى الحلال من
الحيل فهو حسن، وإنما يكره من ذلك أن
يحتال في حق شخص حتى يبطله، أو في
باطل حتی یموهه، أو في حق حتی يدخل
فيه شبهة، فما كان على هذا السبيل فهو
مکروه، وما کان علی سبیل الأول فلا بأس
به (٢)، لأن الله تعالى قال: ﴿وَتَّعَاوَنُواْ عَلَى
اُلِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ﴾(١).
وعند المالكية - كما قال الشاطبي -
الحقيقة المشهورة للحيل أنها: تقديم عمل
ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في
الظاهر إلى حكم آخر، فماّ العمل فيها خرم
قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند
رأس الحول فراراً من الزكاة، فإن أصل الهبة
على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان
ممنوعاً، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في
المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا
القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة،
وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى
(١) حديث: ((إنما أنت فينا رجل واحد ... ))
أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣ / ٤٤٥، ٤٤٦)
(٢) المبسوط ٣٠/ ٢١٠، وإعلام الموقعين ٣ / ١٩٤
(٣) سورة المائدة / ٢
- ٢٤١-

تَخَارج الحِيَل ٤
إيطال الأحكام الشرعية (١)، والحيل في
الدين - بمعنى قلب الأحكام الثابتة شرعاً
إلى أحكام أخر بفعل صحيح الظاهر لغو في
الباطن - غير مشروعة في الجملة (٢) .
وقال الشاطبي : ومرجع الأمر في الحيل
أنها على ثلاثة أقسام :
أحدها: لاخلاف في بطلانه كحيل
المنافقين والمرائين .
والثاني: لا خلاف في جوازه، كالنطق
بكلمة الكفر إكراها عليها، لأنه مأذون فيه
لكونه مصلحة دنيوية لا مفسدة فيها بإطلاق
لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والثالث: وهو محل الإِشكال والغموض :
وهو ما لم يتبين فيه بدليل واضح قطعى لحاقه
بالقسم الأول أو الثاني، ولا تبین فیه للشارع
مقصد يتفق على أنه مقصود له، ولا ظهر أنه
على خلاف المصلحة التي وضعت لها
الشريعة بحسب المسألة المفروضة فيه، فصار
هذا القسم من هذا الوجه متنازعا فيه (٣).
وعند الشافعية قال ابن حجر: الحيل عند
العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها،
فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق،
أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات
(١) الموافقات ٤ / ٢٠١.
(٢) الموافقات ٢ / ٣٨٠.
(٣) الموافقات للشاطبي ٢ / ٣٨٧ وما بعدها.
حق، أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة،
وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من
وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو
إلى ترك مندوب فهي مكروهة، ونقل ابن
حجر عن الشافعي أنه نص على كراهة
تعاطي الحيل في تفويت الحقوق، فقال
بعض أصحابه هي كراهة تنزيه، وقال کثیر
من محققيهم كالغزالي: هي كراهة تحریم
ویأثم بقصده، ويدل عليه قوله پالآن: ((وإنما
لکل امریء ما نوی»(١) فمن نوی بعقد
البيع الربا وقع في الربا ولا يخلصه من الإثم
صورة البيع، ومن نوى بعقد النكاح التحليل
كان محللا ودخل في الوعيد على ذلك
باللعن، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح،
وكل شيء قصد به تحريم ما أحل الله أو
تحليل ما حرم الله كان إثماً، ولا فرق في
حصول الإِثم في التحليل على الفعل المحرم
بين الفعل الموضوع له، والفعل الموضوع
لغيره إذا جعل ذريعة له (٢)
وعند الحنابلة: قال ابن القيم: تجويز
الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة فإن
الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن،
(١) حدیث: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩) ومسلم (٣ / ١٥١٥) من
حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري .
(٢) فتح الباري ١٢/ ٣٢٦، ٣٢٨
-٢٤٢-

تَارج الحِيل ٤ - ٦
والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، والحيل
المحرمة مخادعة لله، ومخادعة الله حرام،
فحقیق بمن اتقى الله وخاف نکاله أن يحذر
استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال،
ويدل على تحريم الحيل الحديث الصحيح
وهو قوله مقلية: ((ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق
بین مجتمع خشية الصدقة)» (١)، وهذا نص
في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو
تنقيصها بسبب الجمع أو التفريق، ومما يدل
على التحريم: أن أصحاب رسول الله وَليه
أجمعوا على تحريم هذه الحيل وإبطالها
وإجماعهم حجة قاطعة.
ومما يدل على بطلان الحيل وتحريمها: أن
الله تعالى إنما أوجب الواجبات وحرم
المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده
ومعاشهم ومعادهم، فإذا احتال العبد على
تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرض الله
وتعطيل ما شرع الله كان ساعياً في دين الله
تعالى بالفساد، وأكثر هذه الحيل لا تمشى
على أصول الأئمة بل تناقضها أعظم
مناقضة (٢).
وقال ابن قدامة: لا يحل الاحتيال
(١) حديث: ((ولا يجمع بين متفرق .. )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٣٣٠) من حديث أنس بن
مالك رضي الله عنه .
(٢) إعلام الموقعين ٣ / ١٥٩، ١٦١، ٠١٦٣ ١٧٢، ٠١٧٣
١٨٠
لإسقاط الشفعة وإن فعل لم تسقط.
قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد
سألته عن الحيلة في إبطال الشفعة: لا يجوز
شيء من الحيل في ذلك ولا في إبطال حق
مسلم (١).
مخارج الحيل فى التصرفات الشرعية :
تدخل الحيل في العديد من أبواب الفقه من
ذلك ما يأتي :
الحيلة في المسح على الخفين:
٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط لجواز
المسح على الخفين لبسهما على طهارة كاملة
واختلفوا فيما لو لبس المتوضىء أحد الخفين
قبل غسل الرجل الأخرى، ثم غسل الأخرى
ولبس عليها الخف: فذهب المالكية
والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز المسح،
لأنه لم يلبس على كمال الطهارة (٢)، والحيلة
في جواز المسح عند الحنابلة کما صرح به ابن
القيم: أن يخلع هذه الفردة الثانية ثم
يلبسها (٣).
الحيلة في الصلاة :
٦ - من الحيل في الصلاة عند الحنفية ما
(١) المغني ٥ / ٣٥٣
(٢) القوانين الفقهية / ٤٣، وجواهر الإكليل ١ / ٢٤، ٢٥ - ط.
دار الباز، وحاشية الجمل ١ / ١٤١، والمغني ١ / ٢٨٢
(٣) إعلام الموقعين ٣/ ٢٠٤
- ٢٤٣-

◌َارج الحِيَل ٦ - ١٠
..........
صرح به ابن نجيم: بأنه إذا صلى الظهر
منفردا أربعا فأقيمت الجماعة في المسجد،
فالحيلة أن لا يجلس على رأس الرابعة حتى
تنقلب هذه الصلاة نفلا ويصلى مع الإِمام.
قال الحموي: وإذا انقلبت هذه الصلاة نفلا
يضم إليها ركعة أخرى لئلا يلزم التنفل
بالبتراء (١).
الحيلة في قراءة الحائض:
٧ - قال الحنابلة: لا يحرم على الجنب قراءة
بعض آية، ما لم تكن طويلة ولو كرره، لأنه
لا إعجاز فيه، ما لم يتحيل على قراءة تحرم
عليه كقراءة آية فأكثر، لأن الحيل غير جائزة
في شيء من أمور الدين (٢).
الحيلة في قراءة آية السجدة:
٨ - من الحيل عند الحنفية في قراءة آية
السجدة أن يقرأ سورة السجدة، ويدع
آیتها، أو يقرأها سرا بحیث لا يسمع نفسه،
لأن المعتبر إسماع نفسه لا مجرد تصحيح
الحروف على المشهور.
واختلفوا في حكم هذه الحيلة : فيرى أبو
یوسف بأنها لا تكره، وقال محمد: تكره،
وعليه الفتوى (٣).
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٥ وحاشية الحموي
٣ / ٢٩٢ - نشر إدارة القرآن والعلوم الإِسلامية .
(٢) كشاف القناع ١/ ١٤٧
(٣) ابن عابدين ٥ / ١٥٦
الحيلة في الزكاة :
الكلام على الحيلة في الزكاة في موضعين:
أ - في سقوط الزكاة:
٩ - اختلف الفقهاء في التحيل على إسقاط
الزكاة بإبدال النصاب بغير جنسه قبل نهاية
الحول، فذهب الحنفية والشافعية إلى سقوط
الزكاة، لأن النصاب نقص قبل تمام حوله،
فلم تجب فيه كما لو أتلفه حاجته.
وذهب المالكية والحنابلة والأوزاعي
وإسحاق وأبو عبيد إلى تحريم التحيل
لإسقاط الزكاة، وأنه لا تسقط عنه الزكاة
سواء كان المبدل ماشية أو غيرها من النصب (١).
وتفصيل ذلك في مصطلح: (زكاة ف ١١٤) .
ب - في مصرف الزكاة:
١٠ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز دفع الزكاة
إلى أصله وإن علا ولا إلی فرعه وإن سفل،
وإن كانا معسرين، والحيلة عند الحنفية في
جواز ذلك مع الكراهة أن يتصدق بها على
الفقير ثم يصرفها الفقير إليهما(٢).
(١) المبسوط السرخسي ٢ / ١٦٦ - ط. دار المعرفة، وابن عابدين
٢/ ٢١، ٣٧ و٥ / ١٥٦، والأشباه والنظائر لابن
نجيم / ٤٠٥، ٤٠٧ وجواهر الإكليل ١ / ١٢٠، والقوانين
الفقهية / ١٠٣، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٢٣١، وروضة
الطالبين ٢ / ١٩٠، ومغني المحتاج ١ / ٣٧٩، والمغني
٢ / ٦٧٦ - ٦٧٧، وإعلام الموقعين ٣ / ٣٠٨ وما بعدها .
(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٣ - ط. بولاق، والقوانين الفقهية / ١٠٨،
وكشاف القناع ٢ / ٢٩٠، والمغني ٢ / ٦٤٧
-٢٤٤-
:

ے.
تَخَارج الحِيَل ١٠ - ١١
وكذلك التمليك شرط في مصارف
الزكاة، فلا تصرف الزكاة إلى بناء نحو
مسجد، كبناء القناطر، والسقايات،
وإصلاح الطرقات، وكرى الأنهار، والحج،
والتكفين، وكل ما لا تمليك فيه، والحيلة في
جواز الدفع لهذه الأشياء مع صحة الزكاة عند
الحنفية: أن يتصدق على الفقير ثم يأمره
بفعل هذه الأشياء فیکون له ثواب الزكاة،
وللفقير ثواب هذه القرب (١).
وصرح الحنفية بأنه لا يجوز في الزكاة أداء
الدين عن العين والمراد بالدين ما كان ثابتا في
الذمة من مال الزكاة، وبالعين ما كان قائما في
ملكه من نقود وعروض، وأداء الدين عن
العين كجعله ما في ذمة مديونه زكاة لماله
الحاضر.
وكذلك لا يجوز أداء دين عن دين
سيقبض، كما لو أبرأ الفقير عن بعض
النصاب ناوياً به الأداء عن الباقي، لأن
الباقي یصیر عینا بالقبض فیصیر مؤديا الدین
عن العين.
وحیلة الجواز عندهم فیما إذا كان له دین
على معسر وأراد أن يجعله زكاة عن عين
عنده، أو عن دين له على آخر سيقبضه : أن
(١) ابن عابدين ٢ / ١٢، ٦٣ والأشباه والنظائر لابن
نجيم / ٤٠٥، ٤٠٧، والقوانين الفقهية / ١٠٩ والمغنى
٢/ ٦٦٧، وكشاف القناع ٢ / ٢٧٠
يعطى مديونه الفقير زكاته، ثم يأخذها عن
دينه، قال في الأشباه: وهو أفضل من غيره،
واستدل ابن عابدين لهذا بقوله: لأنه يصير
وسيلة إلى براءة ذمة المديون (١).
وصرح المالكية والحنابلة بأنه يجوز، إلا إذا
كان حيلة، قال الحطاب: ومحل الجواز إذا لم
يتواطاً عليه، وإلا منع اتفاقا.
وقال أحمد: إن كان حيلة فلا يعجبني،
قال القاضي وغيره: معنى الحيلة أن يعطيه
بشرط أن يردها عليه من دينه، لأن من شرطها
كونها تمليكا صحيحا، فإذا شرط الرجوع لم
يوجد، ولأن الزكاة حق الله تعالى فلا يجوز
صرفها إلی نفعه، وإن رد الغريم من نفسه ما
قبضه وفاء عن دينه من غير شرط ولا مواطأة
جاز لرب المال أخذه من دينه لأنه بسبب
متجدد كالإِرث والهبة (٢).
الحيلة في الحج :
١١ - ذهب الحنفية إلى جواز الحيلة في
الحج، وذلك کان یهب ماله لابنه قبل أشهر
الحج، واختلفوا في حكمها: فقال أبو يوسف:
(٣)
لا تكره ، وقال محمد: تکره، وعلیه الفتوى
وإذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم
(١) ابن عابدين ٢ / ١٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٧
(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٣٨ ط دار الباز ومكتبة الهلال،
والمغني ٢ / ٦٥٣، وکشاف القناع ٢/ ٢٨٨، ٢٨٩
(٣) ابن عابدين ٥ / ١٥٦
- ٢٤٥-

خَارج الحِيَل ١١ - ١٢
.....
بالحج فيفوته، فيلزمه القضاء ودم الفوات،
فالحيلة من الخلاص من ذلك: أن يحرم
إحراما مطلقا ولا يعينه، فإن اتسع له الوقت
جعله حجا مفرداً أو قرانا، أو تمتعا، وإن
ضاق عليه الوقت جعله عمرة ولا يلزمه
غيرها (١).
قال ابن نجيم: إذا أراد الآفاقي دخول
مكة بغير إحرام من الميقات، فالحيلة أن
يقصد مكانا آخر داخل المواقيت كبستان بني
عامر (٢).
وعلق الحموي عليه بقوله: عبارة
التتارخانية: قصد مكانا آخر وراء ميقات
نحو بستان بني عامر أو موضعاً آخر بهذه
الصفة لحاجة، ثم إذا وصل إلى ذلك الموضع
يدخل مكة بغير إحرام.
وعن أبي يوسف أنه شرط الإِقامة بذلك
المكان خمسة عشر يوماً،يعنى لو نوى أقل من
ذلك لا يدخل بغير إحرام (٣) .
الحيلة في النكاح :
١٢ ۔ الأصل أنه إذا ادعت امرأة نكاح رجل
فأنکر، ولا بينة ولا یمین علیه عند أبي حنيفة
فلا يمكنها التزوج، ولا يؤمر بتطليقها لأنه
(١) المبسوط ٤/ ١٧٠
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٧
(٣) غمِزِ عيون البصائر ٢ / ٦٩٤
يصير عقدا بالنكاح، فالحيلة عند أبي حنيفة
كما صرح به ابن نجيم: أن يأمره القاضي أن
يقول: إن كنت امرأتي فأنت طالق ثلاثا (١).
ومن الحيل في باب النكاح ما ذكره محمد
ابن الحسن أن أبا حنيفة سئل عن أخوين
تزوجا اختین، فزفت کل واحدة منهما إلى زوج
أختها، ولم يعلموا حتى أصبحوا، فذكر ذلك
لأبي حنيفة، وطلبوا المخرج منه، فقال:
ليطلق كل واحد من الأخوين امرأته تطليقة،
ثم يتزوج كل واحد منهما المرأة التي دخل بها
مكانها، فیکون جائزا، لأنه لم یکن بينه وبين
زوجته دخول ولا خلوة، ولا عدة عليها من
الطلاق، لأنه طلقها قبل الدخول، وعدتها
من الواطىء لا تمنع نكاحه (٢) .
ونقل ابن القيم ذلك ثم قال: وهذه
الحيلة في غاية اللطف، فإن المرأة التي دخل
بها كل منهما قد وطئها بشبهة فله أن ينكحها
في عدتها فإنه لا يصان ماؤه عن مائه، وأمره
أن يطلق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلقها
فالواحدة تبینها، ولا عدة علیها منه، فللآخر
أن يتزوجها (٣).
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٧، والاختيار ٢ / ١١٢ -
ط. دار المعرفة، والمغني ٩/ ٢٣٨
(٢) المبسوط السرخسي ٣٠/ ٢٤٤ - ط. دار المعرفة، والمخارج في
الحيل / ٤٨، وإعلام الموقعين ٣/ ٣٨٣
(٣) إعلام الموقعين ٣ / ٣٨٤
-٢٤٦-

تَخَارج الحِيَل ١٣ - ١٥
٠٠
...
الحيلة في الطلاق:
١٣ - الأصل أنه يقع الطلاق بقول الزوج
لزوجته: أنت طالق، فالحيلة في عدم وقوع
ذلك كما روي عن أبي حنيفة: أن يصل قوله
بالاستثناء ويقول: أنت طالق إن شاء الله .
والتفصيل في (طلاق ف ٥٥ وما بعدها).
الحيلة السريجية في الطلاق:
١٤ - صورة هذه الحيلة - كما نقلها ابن
القيم - أن يقول زوج لزوجته: كلما طلقتك
أو كلما وقع عليك الطلاق فأنت طالق قبله
ثلاثاً، يقول أبو العباس بن سريج - ووافقه
عليه جماعة من أصحاب الشافعي -: إنه لا
يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك إذ لو وقع لزم
ما علق به وهو الثلاث، وإذا وقعت الثلاث
امتنع وقوع هذا المنجز، فوقوعه يفضي إلى
عدم وقوعه وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده
لم يوجد (١).
وأبى ذلك جمهور الفقهاء من الحنفية
والمالكية والحنابلة وكثير من الشافعية، ثم
اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق فقال
الأكثرون: هذا التعليق لغو وباطل من
القول (٢) .
(١) المخارج في الحيل ص ١ وما بعدها.
(٢) إعلام الموقعين ٣ / ٢٥١، ٢٥٢
الحيلة في الأيمان:
١٥ - الأصل عند أبي حنيفة ومحمد: أن
إمكان تصور البر في المستقبل شرط انعقاد
الیمین ولو بطلاق، وکذلك شرط بقائها،
وقال أبو يوسف: لا يشترط تصور البر، ولهذا
الأصل فروع كثيرة منها :
قال الزوج لزوجته : إن لم تہیني صداقك.
اليوم فأنت طالق، وقال أبوها: إن وهبتيه
فأمك طالق، فالحيلة في ذلك: أن تشترى
الزوجة من زوجها بمهرها ثوبا ملفوفا، فإذا
مضى اليوم لم يحنث أبوها لعدم الهبة، ولا
الزوج لعجزها عن الهبة عند الغروب،
لسقوط المهر بالبيع، ثم إذا أرادت الرجوع
ردته بخیار الرؤیة (١) .
وكذلك الأصل أن المعتبر ملكية المالك
حين الحنث لا حين الحلف، وعلى هذا لو
قال رجل: إن فعلت كذا، فما أملكه
صدقة، فحيلته عند الحنفية: أن يبيع ملكه
من رجل بثوب في منديل، ويقبضه ولم يره،
ثم يفعل المحلوف عليه، ثم يرده بخيار
الرؤية فلا يلزمه شيء، لأن المعتبر الملك حين
الحنث لا حين الحلف، ولا يدخل المشترى
بخيار الرؤية حتی یراه ویرضی به (٢) .
(١) ابن عابدين ٣/ ١٠٠، ١٠١
(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٦٧
- ٢٤٧-

.........
...
تَخَارج الحِيَل ١٦ - ٢٠
الحيلة في الوقف :
١٦ - صرح ابن نجيم من الحنفية بأنه إذا
أراد شخص وقف داره في مرض موته، وخاف
عدم إجازة الورثة، فالحيلة: أن يقر أنها وقف
رجل، وإن لم يسمه، وأنه متوليها وهي في
یده (١) .
الحيلة في الوصاية :
١٧ - إذا أراد المريض الذي لا وارث له أن
يوصي بجميع أمواله في أبواب البر، ففي
الصحيح عن القول عند الحنابلة أنه لا
يملك ذلك، فالحيلة في ذلك: أن يقر
لإِنسان يثق بدينه وأمانته بدين يحيط بماله
كله، ثم يوصيه إذا أخذ ذلك المال أن يضعه
في الجهات التي يريد (٢).
الحيلة في التركة :
١٨ - الأصل في التركة أن نقدها وعینها ودینها
شائع بين الورثة، فليس لبعضهم الاستقلال
بشيء دون قسمة معتبرة، حتى لو قبض
بعضهم شيئاً من الدين لم يختص به وإن
قصد المدين الأداء عن حصته فقط .
ومن حيل الاستقلال - كما صرح به
الشافعية - أن يحيل بعض الورثة دائنه على
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٤١١
(٢) إعلام الموقعين ٤ / ٣٩، ٤٠
قدر حصته من دین التركة، فإذا وفی مدین
التركة المحتال عن الحوالة، اختص
بحصتها، ولم يشارك فيها الوارث الآخر (١).
الحيلة في البيع والشراء:
١٩ - لو اشترى رجل دارا بألف درهم فخاف
أن يأخذها جارها بالشفعة، فاشتراها بألف
دينار من صاحبها، ثم أعطاه بالألف دينار
ألف درهم، فصرح أبو يوسف من الحنفية
بأن العقد جائز، لأنه مصارفة بالثمن قبل
القبض، وذلك جائز لحديث ابن عمر رضي
الله عنه قال لرسول الله وَلثر : إني أبيع الإِبل
بالبقيع، وربما أبيعها بالدراهم، وآخذ مكانها
دنانير، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا بأس
إذا افترقتما ولیس بینکما عمل)) (٢)، فإن حلفه
القاضي: (ما دلست ولا والست) فحلف،
كان صادقا، لأن هذه عبارة عن الغرور
والخيانة، ولم يفعل شيئا من ذلك (٣).
الحيلة في الربا والصرف:
٢٠ - من الحيل في البيع الربوي بجنسه
متفاضلا كبيع ذهب بذهب متفاضلا كما
(١) حاشية الجمل ٣/ ٣٠٧ - ط. دار إحياء التراث العربي.
(٢) حديث: ((لا بأس إذا افترقتما .. ))
أخرجه أحمد في المسند (٢ / ١٣٩) وأبو داود (٣ / ٦٥١) من
حديث ابن عمر رضي الله عنه ونقل ابن حجر في التلخيص
(٣ / ٢٦) عن الشافعي أنه ضعفه .
(٣) المبسوط ٣٠/ ٢٣٩
-٢٤٨-

تَارج الحِيَل ٢٠ - ٢٣
صرح به الشافعية: أن يبيع الذهب من
صاحبه بدراهم أو عرض، ويشتري
بالدراهم أو بالعرض الذهب بعد التقابض،
فيجوز، ولو اتخذه عادة، قياسا بما أمر النبي
وَ* عامل خيبر ((أن يبيع الجمع بالدراهم، ثم
يشتري بها جنيبا))(١). أو أن يقرض كل منهما
صاحبه ويبرئه، أو أن يتواهبا، فهذه الحيل
كلها جائزة - عند الحنفية والشافعية - إذا لم
يشترط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله
الآخر، ولكنها مكروهة إذا نويا ذلك، لأن
كل شرط أفسد التصريح به العقد إذا نواه
كره، كما لو تزوج امرأة بشرط أن يطلقها لم
ینعقد، وبقصد ذلك کره.
ثم هذه الطرق ليست حيلا في بيع
الربوي بجنسه متفاضلا لأنه حرام، بل حيل
في تمليكه لتحصيل ذلك (٢).
الحيلة في السلم :
٢١ - الأصل أنه لايصح أن يستبدل عن
المسلَم فيه غير جنسه كبر عن شعير، والحيلة
في جواز هذا الاستبدال، كما صرح به
الشافعية: أن يفسخا السلم بأن يتقايلا فيه،
(١) حديث: ((أمر النبي عامل خيبر أن يبيع الجمع
بالدراهم .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٩٩) ومسلم (٣/ ١٢١٥)
من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما .
(٢) أسنى المطالب ٢ / ٢٣
ثم يعتاض عن رأس المال، ولو كان أكثر من
رأس المال بكثير، وأيضا مع بقاء رأس المال
الأصلي (١) .
الحيلة في الشفعة :
٢٢ - الحيلة في الشفعة أن يظهر المتعاقدان
في البيع شيئا لا يؤخذ بالشفعة معه، وأن
يتواطاً فى الباطن على خلاف ما أظهراه،
والكلام على الحيلة في الشفعة في موضعين:
أ - الحيلة لإِبطال حق الشفعة:
٢٣ - الحيلة لإبطال الشفعة إما أن تكون
للرفع بعد الوجوب، أو لدفعه قبل الوجوب :
النوع الأول: مثل أن يقول المشتري
للشفيع: أنا أبيعها منك بما أخذت، فلا
حاجة لك فى الأخذ، فيقول الشفيع : نعم،
واختلفوا في حكمها: فذهب الحنفية إلى أنه
مكروه وفاقا، وعند الشافعية حرام على
الراجح.
والنوع الثاني: مثل أن يبيع دارا إلا مقدار
ذراع منها في طول الحد الذي يلي الشفيع،
فلا شفعة له، لانقطاع الجوار.
وكذا إذا وهب منه هذا المقدار، وسلمه
إليه، تسقط الشفعة عند الحنفية والشافعية،
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٢٠٩ - ٢١٠ - ط. المكتبة الإسلامية.
- ٢٤٩-

تَخَارج الحِيَل ٢٣ - ٢٤
لكنهم اختلفوا في حكمها على أقوال:
فذهب محمد من الحنفية، وهو الأصح
عند الشافعية، وبه قال ابن سريج والشيخ
أبو حامد إلى أنها تكره هذه الحيلة، لأنها
شرعت لدفع الضرر عن الشفيع، والحيلة
تنافيه، ولأن الذي يحتال لإسقاطها يكون
بمنزلة القاصد إلى الإضرار بالغير، وذلك
مكروه .
ويرى أبو يوسف من الحنفية أنها لا تكره،
وهو مقابل الأصح عند الشافعية، صرح به
أبو حاتم القزويني الشافعي في كتاب الحيل
بقوله: وأما الحيل في دفع شفعة الجار فلا
كراهة فيها مطلقا، لأنه دفع الضرر عن
نفسه، لا الإضرار بالغير، لأن في الحجر عليه
عن التصرف أو تملك الدار علیه بغير رضاه
إضرارا به، وهو إنما قصد دفع هذا الضرر،
ولاحتمال أن يكون الجار فاسقا يتأذى به، وفي
استعمال الحيلة لإسقاط الشفعة تحصيل
الخلاص من مثل هذا الجار.
والفتوى في المذهب الحنفي على قول أبي
يوسف، وقيد عدم الكراهة في السراجية بما
إذا كان الجار غير محتاج إليه، واستحسنه
شرف الدين الغزي من فقهاء الأحناف في
تنوير الأبصار حیث قال: وينبغي اعتماد هذا
القول لحسنه .
ب - الحيلة لتقليل رغبة الشفيع:
٢٤ - إذا أراد شخص أن يبيع داره بعشرة
آلاف درهم يبيعها بعشرين ألفا، ثم يقبض
تسعة آلاف وخمسمائة، ويقبض بالباقي عشرة
دنانير أو أقل أو أكثر، فلو أراد الشفيع أن
يأخذها بعشرين ألفا إن شاء، فلا يرغب
في الشفعة بسبب كثرة الثمن (١).
وللحيل المسقطة للشفعة، والمقللة لرغبة
الشفيع أمثلة كثيرة في كتب الفقه(٦).
وقال المالكية: الحيل لا تفيد في العبادات
ولا في المعاملات (٣).
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يحل الاحتيال
لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط، قال
أحمد: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك ولا في
إبطال حق مسلم. وبهذا قال أبو أيوب،
وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، وأبو إسحاق،
والجوزجاني، واستدلوا بحديث أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعا: ((لا ترتکبوا ما ارتكبت
اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى
(١) الإختيار ٢ / ٤٨، وابن عابدين ٥ / ١٥٦ وتكملة فتح القدير
٧/ ٤٥٠، والمبسوط السرخسي ١٤ / ١٣١، والأشباه والنظائر
لابن نجيم / ٤٠٥، ٤٠٧، والمخارج في الحيل / ١٣١،
ونهاية المحتاج ٥ / ٢٠٥، وحاشية الجمل ٣/ ٥٠٧، والقليوبي
وعميرة ٣ / ٤٧، وروضة الطالبين ٥ / ١١٥، ١١٦، وإعلام
الموقعين ٣/ ١١٩
(٢) المخارج في الحيل / ١٣١ وما بعدها.
(٣) الشرح الصغير ١ / ٦٠١
- ٢٥٠-

تَخَارج الحِيَل ٢٤ - ٢٥
الحيل)) (١)، ولأن الشفعة وضعت الدفع
الضرر، فلو سقطت بالتحيل للحق الضرر،
فلم تسقط، مثل أن يشترى شقصا يساوي
عشرة دنانير بألف درهم، ثم یقضیه عنها
عشرة دنانير.
وأما إذا لم يقصد به التحيل فتسقط به
الشفعة، لأنه لاخداع فيه ولا قصد به إبطال
حق، والأعمال بالنيات، والقول قول المشتري
فيما إذا اختلفا في كونه حيلة أم لا، لأن
المشتري أعلم بنيته وحاله (٢).
الحيلة في الإِجارة والمساقاة:
٢٥ - الأصل أن اشتراط المرمة على المستأجر
يفسد الإجارة، والحيلة في جواز ذلك عند
الحنفية والحنابلة: أن ينظر إلى قدر ما يحتاج
إليه، فيضم إلى الأجرة، ثم يأمره المؤجر
بصرفه إلى المرمة، فيكون المستأجر وكيلا
بالإنفاق.
وكذلك اشتراط خراج الأرض على
المستأجر غير جائز، لأن الأصل أن الخراج
على المالك وليس على المستأجر، والحيلة في
(١) حديث: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود .. ))
أورده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٨) وعزاه إلى ابن بطه وقال:
إسناده جيد.
(٢) المغني ٥/ ٣٥٣ - ٣٥٥، وكشاف القناع ٤ / ١٣٥، ١٣٦،
وإعلام الموقعين ٣/ ٣٧٩، ٣٨٠، ٢٧٩، ونيل المآرب
١/ ٤٥٥، ومطالب أولى النهى ٤ / ١٠١ - ١٠٣
جوازه عند الحنفية والحنابلة: أن يزيد في
الأجرة بقدره، ثم يأذن له أن يدفع في خراجها
ذلك القدر الزائد على أجرتها، لأنه متی زاد
مقدار الخراج على الأجرة أصبح ذلك دينا
على المستأجر، وقد أمره أن يدفعه إلى مستحق
اخراج وهو جائز.
ونظير هذا عند الحنفية أن يؤجر دابة،
ويشترط علفها على المستأجر، فإنه غير جائز،
لأنه مجهول، والأجر من شرطه أن يكون
معلوما، والحيلة في جوازه كما سبق.
وهذه الحيلة غير محتاج إليها عند
الحنابلة، لأنهم يجوزون استئجار الظئر
بطعامها وكسوتها، والأجیر بطعامه وكسوته،
فكذلك إجارة الدابة بعلفها وسقيها (١).
والأصل عند الحنفية: أن الإِجارة تنفسخ
بموت أحد طرفي العقد، وبه قال الثوري
والليث، وعلى هذا إذا أراد المستأجر أن لا
تنفسخ بموت المؤجر، فالحيلة: أن يقر المؤجر
بأنها للمستأجر عشر سنين يزرع فيه ما شاء،
وما خرج فهو له، فلا تبطل بموت
أحدهما (٢).
والأصل عند الحنفية والمالكية،
(١) الأشباه والنظائر/ ٤١٤، والمخارج في الحيل / ٢١،١٩، وإعلام
الموقعين ٣/ ٣٤٥ - ٣٤٦، ٢٠١
(٢) الحيل للخصاف / ٤٠ وما بعدها، والمخارج في الحيل / ٩،
والمغني ٥ / ٤٦٨
- ٢٥١-

◌َارج الحیَل ٢٥ - ٢٨
والشافعية : أنه لو دفع غزلا لآخر لینسجه له
بنصف الغزل، أو استأجر بغلاً ليحمل
طعامه ببعضه، أو ثورا ليطحن بره ببعض
دقيقه، فسدت الإِجارة في الكل، لأنه
استأجره بجزء عمله، ولنهيه مَّر عن قفيز
الطحان (١).
والحيلة في جواز ذلك عند الحنفية: أن
يفرز الأجر أولا ويسلمه إلى الأجير، أو يسمي
قفیزا بلا تعیین، ثم يعطيه قفیزا منه فيجوز،
فلو خلطه بعد ذلك، وطحن الكل ثم أفرز
الأجرة، ورد الباقي جاز، لأنه لم يستأجره أن
یطحن بجزء منه (٢).
الحيلة في الرهن :
٢٦ - الأصل عند الحنفية أنه لا يجوز رهن
مشاع، والحيلة في جواز ذلك عندهم: أن
يبيع نصف داره مشاعا من طالب الرهن،
ويقبض منه الثمن على أن المشتري بالخيار،
ويقبض الدار ثم يفسخ البيع بحكم الخيار،
فتبقى في يده بمنزلة الرهن بالثمن(٣) .
وأما الأئمة الثلاثة فلا حاجة للحيلة
(١) حديث: ((نهى النبي ( 8 184 عن قفيز الطحان .. ))
أخرجه الدارقطني (٣ / ٤٧) وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال
(٤ / ٣٠٦) وقال: هذا منكر، وراويه لا يعرف .
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٣٦، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٤٤،
والقوانين الفقهية / ٢٧٣، ونهاية المحتاج ٥/ ٢٦٨
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣١٥، ٣١٦ - ط. بولاق.
عندهم، لأنه يجوز عندهم رهن مشاع (١).
الحيلة في الوكالة :
٢٧ - الأصل أن شراء الوكيل المعين من نفسه
غير جائز عند الحنفية وهو رواية عن أحمد،
لأن الآمر اعتمد عليه في شرائه فيصير كأنه قد
خدعه بقبول الوكالة ليشتريه لنفسه، وأنه لا
جوز.
والحیلة عند من يقول بعدم جواز ذلك:
أن یشتریه بخلاف جنس ما أمر به، أو بأکثر
مما أمر به أو بأقل مما أمر به، لأنه خالف أمر
الآمر فلا ينفذ تصرفه عليه، ولا يكون آثما في
اكتساب هذه الحيلة ليشتريها لنفسه(٢) .
الحيلة في الكفالة :
٢٨ - رجل كفل بنفس رجل آخر على أنه إن
لم یواف بما عليه غدا فهو ضامن للمال الذي
للطالب على المطلوب، فلم يواف المطلوب،
فالكفيل ضامن المال، فهذا يجوز عند أبي
حنيفة، ولا يجوز عند بعض فقهاء الأحناف.
والحيلة في ذلك حتى يجوز عند الجميع :
(١) القوانين الفقهية / ٣١٨، ٣١٩، والمغني ٤ / ٣٧٤، وكشاف
القناع ٣٤ / ٣٢٦، وحاشية الجمل ٣/ ٢٦٧، وإعلام
الموقعين ٤ / ٤٢٢
(٢) المبسوط السرخسي ٣٠/ ٢٢٠، والمخارج في الحيل / ٢١ وما
بعدها، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤١٥، والحيل
للخصاف / ٥٤ وما بعدها، والاختيار ٢ / ١٥٩، وإعلام
الموقعين ٣/ ٢٠٢، ٣٨١، والمغني ٥/ ١١٧، ١٢٣
- ٢٥٢-

خَارج الخِيَل ٢٨ - ٣١
أن يشهد عليه أنه ضامن للألف التي على
المطلوب، على أنه إن وافی به غدا فهو بریء،
فيجوز من غير خلاف بين فقهاء الأحناف (١)
الحيلة في الحوالة :
٢٩ - الأصل أن الحوالة لا تصح إلا برضا
المحتال (٢)، فإذا أراد المدين أن يحيل الدائن
على رجل ولم يقبل الدائن الحوالة مخافة أن
یتوي حقه، فالحيلة في ذلك: أن يشهد
المدين أن الدائن وكيل له في قبض ماله على
غريمه، ويقر له الغريم بالوكالة، أو أن
يقول طالب الحق (الدائن) للمحال عليه :
اضمن لي هذا الدين الذي على غريمي،
ويرضى منه بذلك بدل الحوالة، فإذا ضمنه
تمكن من مطالبة أيهما شاء (٧).
الحيلة في الصلح :
٣٠ - اختلف الفقهاء فيما يجوز الصلح عليه
من حالات الإِقرار والإِنكار والسكوت.
والتفصيل في مصطلح (صلح ف ١١ وما
بعدها).
والحيلة على الصلح على الإِنكار- عندمن
يمنعه - أن يقول رجل أجنبي للمدعي : أنا
(١) المخارج في الحيل / ٨٠، والحيل للخصاف / ١٠٠
(٢) الاختيار ٣ / ٤، والقوانين الفقهية / ٣٢٢، وحاشية الجمل
٣ / ٣٧٢، وكشاف القناع ٣ / ٣٨٦
(٣) المخارج في الحيل / ٧٧، وإعلام الموقعين ٤ / ٣٨، ٣٩
أعلم أن ما في يد المدعى عليه لك، وهو
يعلم أنك صادق في دعواك، وأنا وكيله
فصالحني على كذا، فينقلب حينئذ على
الإِنكار وهو جائز، وإن دفع المدعى عليه
المال إلى الأجنبي وقال: صالح عني
بذلك، جاز أيضا.
والحيلة في جواز الصلح على الإِقرار عند
من يمنعه: أن يبيعه سلعة ويحابيه فيها بالقدر
الذي اتفقا على إسقاطه بالصلح (١).
الحيلة في الشركة :
٣١ - الأصل عند الحنفية والشافعية والحنابلة
في ظاهر المذهب أنه لا تجوز الشركة في
العروض، كما إذا كان لأحدهما متاع ومع
الآخر مال، فأراد أن يشتركا، فالحيلة في ذلك
أن يبيع صاحب المتاع من صاحب المال
بنصف ذلك المال، فيصير المال والمتاع بينهما
نصفين، ثم يتعاقدان الشركة على ما
يريدان، وكذلك الحكم إذا كان مع كل
واحد متاع، فالحيلة: أن يبيع كل واحد منهما
نصف متاعه من صاحبه بنصف متاع
صاحبه، ويتقابضان ويتفقان ويشتركان
على ما اتفقا (٢).
(١) إعلام الموقعين ٣/ ٣٦٠
(٢) الحيل للخصاف / ٥٨ وما بعدها، ٨٩ وما بعدها، والأشباه
والنظائر لابن نجيم / ٤١١، وروضة الطالبين ٤/ ٢٧٦ ==
- ٢٥٣-

خَارج الحِيَل ٣١ - ٣٤
وللحيل في الشركة أمثلة أخرى كثيرة
ذکرها النووي وابن القيم (١).
ولا حاجة إلى هذه الحيل عند المالكية،
وهو رواية عن أحمد لأنه تجوز عندهم الشركة
في العروض بالقيمة (٢).
الحيلة في المضاربة :
٣٢ - الأصل أن المضارب أمین فلا یضمن ما
تلف تحت يده من مال المضاربة ما لم يتعد أو
يقصر، ولو شرط رب المال على المضارب
ضمان مال المضاربة لم يصح (٣).
والحيلة في تضمينه عند الحنفية والحنابلة :
أن يقرض رب المال المضارب ما يريد دفعه
إليه، ثم يخرج من عنده درهما واحدا،
فيشاركه على أن يعملا بالمالين جميعا على أن
ما رزقه الله تعالى فهو بينهما نصفين، فإن
عمل أحدهما بالمال بإذن صاحبه فربح كان
الربح بينهما على ما شرطاه، وإن خسر كان
الخسران على قدر المالين، وعلى رب المال
بقدر الدرهم، وعلى المضارب بقدر رأس
المال، وذلك لأن المضارب هو الملزم نفسه
= ٢٧٨، وإعلام الموقعين ٣/ ١٩٩، ٢٠٤، ٣٥٦، ٣٥٧،
والمغني ٥ / ١٧،١٦
(١) روضة الطالبين ٤ / ٢٧٧، وما بعدها، وإعلام الموقعين
٣/ ١٩٩، ٢٠٤، ٣٥٦، ٣٥٧
(٢) القوانين الفقهية / ٢٨٠ - ٢٨١، والمغني ٥ / ١٦.
(٣) الاختيار ٣ / ٢٤، والقوانين الفقهية / ٢٨٠، وحاشية الجمل
٣/ ٥٢٣، والمغني ٥ / ٧١
الضمان بدخوله في القرض (١).
الحيلة في الهبة :
٣٣ - الأصل أن الموهوب إن كان مشغولا
بملك الواهب لا تصح الهبة، كما لو وهب
دابة عليها سرجه، وسلمها كذلك لا تصح
الهبة كما صرح به الحنفية، لأن استعمال
السّرج إنما يكون للدابة، فكانت للواهب
عليه يد مستعملة، فتوجب نقصانا في
القبض.
والحيلة في جواز ذلك عند الحنفية: أن
يودع الشاغل أولا عند الموهوب له، ثم
يسلمه الدابة، فتصح لشغلها بمتاع
في يده.
وكذلك لو وهب دارا فيها متاع الواهب،
أو جرابا فيه طعامه (٢).
الحيلة في المزارعة :
٣٤ - الأصل عند أبي حنيفة أنه لا تجوز
المزارعة بالنصف أو الثلث أو الربع،
والحيلة في ذلك حتى تجوز المزارعة في قول أبي
حنيفة: أن يأخذها مزارعة، ثم يتنازعان إلى
قاض يرى أن المزارعة جائزة فيحكم بجوازها
علیهم، فيجوز ذلك إذا قضى به قاض، أو
(١) إعلام الموقعين ٣/ ٢٠٢، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٨٣
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥١٠ - ط. بولاق.
- ٢٥٤-

◌َارج الحِيَل ٣٤ -٣٦
یکتبان کتاب إقرار عنهما یقران بذلك، فيجوز
إقرارهما بذلك على أنفسهما، ولا حاجة إلى
الحيلة على قول أبي يوسف ومحمد، لأن
المزارعة ببعض الخارج جائزة عندهما،
والفتوى على قولهما لحاجة الناس (١).
الحيلة في إسقاط حد السرقة والزنا:
٣٥ - الأصل أنه يشترط للقطع في السرقة
بجانب الشروط الأخرى أن يكون المسروق
ملكا لغير السارق، وإليه ذهب جميع
الفقهاء، فلا قطع على من سرق مال نفسه
من يد غيره كالمرتهن والمستأجر (٢).
وعلى هذا فمن الحيل لمنع القطع كما
صرح به الشافعية: أن يدعى السارق أن
المال المسروق ملكه، أو سرقه شخصان، ثم
ادعى أحدهما أن المسروق له أو لهما، فكذبه
الآخر، لم يقطع، لأن ما ادعاه محتمل في
ذاته، وإن کذبه الشرع أو الحس، أو قامت
بينة بخلافه، أو كذبه المقر أو المقر له، وكذا
لو ادعى أنه أخذه من غیر حرز، أو أنه دون
نصاب، أو أن المالك أذن له في الأخذ لم
يقطع، نظرا إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات.
قال أبو حامد من الشافعية: هذه
(١) كتاب الحيل للخصاف / ٤٤، والاختيار ٣ / ٧٤، ٧٥
(٢) الاختيار ٤ / ١٠٢، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٠، والقوانين
الفقهية / ٣٥١، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٨٨، ومطالب أولى
النهى ٦ / ٢٤٣
الدعاوى كلها من الحيل المحرمة، ويسمى
مدعيها بالسارق الظريف كما قال الشافعي .
وأما دعوى زوجية المزني بها لإسقاط حد
الزنا فمن الحيل المباحة (١).
الحيلة في الإِفتاء:
٣٦ - صرح الشافعية بأنه يكره للمفتي تتبع
الحيل طلبا للترخيص على من يروم نفعه، أو
التغليظ على من يروم ضره، فمن فعل هذا
فلا وثوق به، وأما إذا صح قصده فاحتسب
في طلب حيلة لا شبهة فيها، ولا تجر إلى
مفسدة ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين
ونحوها فذلك حسن، وعليه يحمل ما جاء
عن بعض السلف من هذا.
ويحرم سؤال من عرف بالتساهل واتباع
الحيل المذكورة (٢).
وفي واضح ابن عقيل للحنابلة: أنه
يستحب إعلام المستفتي بمذهب غيره إن
کان أهلا للرخصة کطالب التخلص من الربا
فيرده إلى من يرى الحيل جائزة للخلاص
منه (٣).
ويرى ابن القيم: أنه لا يجوز للمفتي تتبع
الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص
(١) القلوب وعميرة ٤ / ١٨٨
(٢) روضة الطالبين ١١ / ١٠، وأسنى المطالب ٤ / ٢٨٣
(٣) نيل المآرب ٢/ ٢٢٤
- ٢٥٥-
2

خارج الحِیل ٣٦، مُخارجة، نَخاض ١ - ٢
لمن أراد نفعه، فإن حسن قصده في حيلة
جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص
المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل
استحب، وقد أرشد الله تعالی نبیه أيوب عليه
السلام إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ
بيده ضغئاً، فيضرب به المرأة ضربة واحدة،
وأرشد النبي مَلل بلالا إلى بيع التمر بدراهم،
ثم يشتري بالدراهم تمراً آخر فيتخلص من
الربا، فأحسن المخارج ما خلص من المآثم،
وأقبحها ما أوقع في المحارم (١) .
مُخارجة
انظر: تخارج
(١) إعلام الموقعين ٤ / ٢٢٢
نخاض
التعريف :
١ - المخاض بفتح الميم والكسر- لغة - وَجَعُ
الولادة .
يقال: مخضت المرأة وکل حامل: دنا
ولادها وأخذها الطلق.
وجاء في التنزيل: ﴿فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى
حِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (١) أي ألجأها وجع الطلق إلى
جذع النخلة .
والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى
اللغوي (٢) .
الألفاظ ذات الصلة :
الولادة :
٢ - الولادة: وضع الوالدة ولدها(٣).
والمخاض يسبق الولادة.
(١) سورة مريم / ٢٣
(٢) المصباح المنير، والمغرب في ترتيب المعرب، وقواعد الفقه
للبركتي .
(٣) المصباح المنير.
-٢٥٦-

غَاض ٣ - ٤
الأحكام المتعلقة بالمخاض:
أ - الموت في المخاض:
٣ - قال الفقهاء: الميتة في المخاض شهيدة في
الآخرة بمعنى أن لها أجر الشهداء في الآخرة
لحديث راشد بن حبيش: أن رسول الله وَ التّ
دخل على عبادة بن الصامت يعوده في
مرضه، فقال رسول الله وعليه: ((أتعلمون من
الشهيد في أمتي؟)) فأرم القوم، فقال عبادة:
ساندوني فأسندوه، فقال: يارسول الله،
الصبار المحتسب. فقال رسول الله صل: ((إن
شهداء أمتي إذا لقليل، القتل في سبيل الله
عز وجل شهادة، والطاعون شهادة، والفرق
شهادة، والبطن شهادة، والنفساء يجرها
ولدها بسرره إلى الجنة)) (١) ولكنها تغسل
وتكفن ويُصلّى عليها (٢)، لأن النبي ◌َ﴾
صلى على امرأة ماتت فى النفاس فقام
وسطها (٣)
(١) حديث راشد بن حبيش أن رسول اللّه بح لل دخل على عبادة بن
الصامت
أخرجه أحمد (٣/ ٢٨٩) وحسن إسناده المنذري في الترغيب
(٢ /٣٠٩)
(٢) حاشية القليوبي والمحلي ١ / ٣٣٩، ومغني المحتاج ١ / ٣٥٠،
وابن عابدين ١ / ٦١١، والمجموع ٥/ ٢٦٤، والمغني
٢ / ٥٣٦، وكشاف القناع ٢ / ١٠١
(٣) حديث: ((أن رسول الله صلى على امرأة ماتت في
النفاس ..
أخرجه البخارى (فتح الباري ٣ / ٢٠١) ومسلم (٢ / ٦٦٤)
من حدیث سمرة بن جندب .
ب - تبرع المرأة في المخاض:
٤ - لا ينفذ تبرع الجرأة في مخاضها، أو بعد
الولادة قبل انفصال المشيمة إلا في الثلث.
لخطر الولادة، فأعطيت حكم المریض مرض
الموت، فيوقف ما زاد على الثلث، فإن
انفصلت المشيمة ولم يحصل بالولادة جرح أو
ضربان شديد أو ورم، نفذ تبرعها (١).
من
(١) مغني المحتاج ٣/ ٥٢، والمغني ٦ / ٨٦
-٢٥٧-

خَاط ١ - ٤
◌ُخَاط
التعريف :
١ - المخاط في اللغة: ما يسيل من الأنف
كاللعاب من الفم، والمخطة: ما يقذفه
الرجل من أنفه، يقال: امتخط أي أخرج
مخاطه من أنفه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (١).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - النخاعة :
٢ - النخاعة بالضم: ما يخرجه الإِنسان من
حلقه من مخرج الخاء المعجمة من البلغم، أو
هي : ما يخرج من الخيشوم عند التنخع .
والنخامة هي النخاعة وزنا ومعنى ،
يقال: تنخم وتنخع: رمى بالنخامة
والنخاعة (٢).
(١) لسان العرب، والمعجم الوسيط، والشرح الكبير للدردير
٥٠/١
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط .
وفي الاصطلاح: النخاعة أو النخامة هي
الفضلة الغليظة التي يلفظها الشخص من
فيه، سواء من دماغه أو من باطنه (١) .
والعلاقة بينهما أن النخاعة أعم من
المخاط .
ب - اللعاب:
٣ - من معاني اللعاب في اللغة: ما سال من
الفم (٢).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (٣).
وكل من المخاط واللعاب يخرج من
الباطن، غير أن المخاط يخرج من الأنف
واللعاب من الفم.
الأحكام المتعلقة بالمخاط :
أولا: طهارة المخاط :
٤ - اتفق الفقهاء على أن المخاط طاهر، وأن
الصلاة. في ثوب فيه مخاط صحيحة (٤)،
لحديث: ((فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن
یساره تحت قدمه، فإن لم يجد فلیقل هكذا -
(١) أسنى المطالب ١ / ٤١٥
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٣) الشرح الكبير للدردير ١/ ٥٠
(٤) الفتاوى الخانية ١ / ٢٧، وجواهر الإكليل ١ / ٨، ومغني
المحتاج ١ / ٧٧، وكفاية الأخيار ١ / ٦٤، وكشاف القناع
١ / ١٩١، ١٩٤، وابن عابدين ٢٣٢/٥
- ٢٥٨-
٠٠٠.

◌ُغَاط ٤ -٦
وصفه الراوي - فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه
ببعض)) (١).
إلا أن المالكية عمموا فقالوا: مخاط
الحيوان الحي الطاهر ولعابه ودمعه وعرقه
طاهر، سواء كان بحرياً أو بريا، ولو خلق من
عذرة أو كلبا، أو خنزيرا، ولو كان جلالة أو
سكران حال سكره، أو أكل نجسا أو شربه،
ولا تكره الصلاة في ثوب فیه عرق شارب خمر
أو مخاطه أو بصاقه (٢).
واختلفوا في حكم ما صعد من المعدة من
البلغم :
فذهب أبو حنيفة ومحمد، والحنابلة
والمالكية إلى أنه طاهر ولا فرق عندهم بین ما
نزل من الصدر أو الدماغ وبين ما صعد من
المعدة من البلغم، واستدلوا بظاهر حديث
أبي هريرة رضي الله عنه السابق، إذ لم يفرق
بين ما صعد من المعدة من البلغم وبين ما
نزل من الدماغ أو الصدر، ولأن المعدة - كما
قال المالكية - طاهرة، فيكون ما صعد منها
طاهرا ما لم يكن منتنا متغيرا (٣).
وذهب الشافعية وأبو يوسف من الحنفية
إلى أنه نجس، لاختلاطه بالأنجاس، لأن
(١) حديث: ((فإذا تنخع أحدكم .. ))
أخرجه مسلم (١ / ٣٨٩) من حديث أبي هريرة .
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٨
(٣) الشرح الصغير ١ / ٤٤، والخرشي ١ / ٨٦، وكشاف القناع
١/ ١٩١، والمغني ١ / ١٨٦، وبدائع الصنائع ١/ ٢٧
المعدة معدن الأنجاس كما لو قاء طعاماً (١).
ثانيا : حرمة تناول المخاط :
٥ - نص الشافعية على حرمة تناول المخاط،
قالوا: إن المخاط وإن كان طاهرا إلا أنه
مستقذر، ويحرم تناول الإِنسان له لاستقذاره
لا لنجاسته(٢).
ثالثا : انتقاض الوضوء بخروج المخاط ونحوه :
٦ - اختلف الفقهاء في انتقاض الوضوء
بخروج المخاط ونحوه من بلغم ونخامة،
فذهب المالكية والحنابلة والشافعية وأبو حنيفة
ومحمد بن الحسن من الحنفية إلى أن الوضوء
لا ينتقض بخروج مخاط ونحوه مما نزل من
الدماغ، أو من الجوف.
واختلفوا في تعليل عدم نقضه تبعاً
لاختلافهم في بعض نواقض الوضوء، فقال
الشافعية والمالكية : إنه شيء لم يخرج من أحد
السبيلين، وكل ما لم يخرج منهما لم ينقض
الوضوء، إلا إذا انسد المخرج وانفتح منفذ
من تحت السرة فخرج منه المعتاد، ففي هذه
الحالة يبطل الوضوء به (٣).
(١) بدائع الصنائع ١ / ٢٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ٩٤، وتحفة
المحتاج ١ / ٢٩٤، ومغني المحتاج ١ / ٧٩
(٢) مغني المحتاج ١ / ٧٧، وكفاية الأخيار ١ / ٦٤
(٣) روض الطالب ١ / ٥٤، ونهاية المحتاج ١ / ٩٦، والخرشي
١/ ١٥٣، والشرح الصغير ١ / ١٣٦
-٢٥٩-

غَاط ٦ - ٧
وقال أبو حنيفة ومحمد، والحنابلة: لأنه
طاهر، ولأنه شيء صقيل لا يلتصق به شيء
من الأنجاس فكان طاهراً، وخروج شيء
طاهر من المتوضىء لا يبطل الوضوء فصار
كالبزاق، وقال أبو يوسف: إن صعد المخاط
من المعدة وكان ملء الفم أفسد الطهارة
لاختلاطه بالأنجاس، لأن المعدة معدن
الأنجاس، فيكون المخاط حدثا يبطل
الوضوء به كالقىء، قال الزيلعي: إن محلّ
الخلاف بین أبي یوسف وصاحبیه : إذا لم یکن
البلغم مخلوطا بالطعام، والغالب الطعام.
أما إذا كان مخلوطا بالطعام وكان الطعام
غالباً نقض إجماعاً عندهم (١).
رابعا: اقتلاع المخاط أو بلعه في الصوم:
٧ - اختلف الفقهاء في فساد الصوم بابتلاع
المخاط أو قلعه .
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن الصوم لا
يفسد باقتلاع المخاط وابتلاعه وإن أمكن
طرحه، ولو بعد وصوله إلى ظاهر الفم.
وقال أبو يوسف من الحنفية: إن صعد
المخاط من المعدة وكان ملء الفم أفسد
الصوم (٢).
(٢) بدائع الصنائع ١ / ٢٧، وتبيين الحقائق ١ / ٩، وحاشية ابن
عابدين ١/ ٩٤، والمغني ١ / ١٨٦
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٠١، وحاشية الطحطاوي ١ / ٤٥٨ -
٤٥٩، والبحر الرائق ١/ ٢٩٤، وفتح القدير ٢ / ٢٦٠،
وقال الشافعية : : لا يبطل الصوم بخلع
النخامة ومجها في الأصح، سواء أقلعها من
دماغه، أم من باطنه لتكرر الحاجة إلى ذلك
فرخص فيه، ومقابل الأصح يفطر به
كالاستقاءة، وإن نزلت بنفسها أو نزلت بغلبة
السعال فلا بأس به جزما، وإن بقيت في
محلها فلا يفطر جزما، فإن نزلت من دماغه،
وحصلت في حدّ الظاهر من الفم، فإن
قطعها من مجراها وتجّها لم يفسد الصوم، وإن
تركها مع القدرة على مجّها فوصلت الجوف
أفطر في الأصح لتقصيره، أما إذا لم تصل إلى
حد الظاهر من الفم - وهو مخرج الحاء
المهملة - عند النووي - ومخرج الخاء المعجمة
عند الرافعي - بأن كانت في حدّ الباطن -
وهو مخرج الهمزة والهاء، أو حصلت في
الظاهر ولم يقدر على مجّها لم تضر (١).
وللحنابلة في ابتلاع الصائم النخامة
روايتان :
إحداهما: يفطر، قال حنبل: سمعت أبا
عبد الله يقول: إذا تنخم ثم ازدرده فقد
أفطر، لأن النخامة من الرأس تنزل، ولو
تنخع من جوفه ثم ازدرده: أفطر، لأنه أمكن
وتبيين الحقائق ١ / ٣٢٦، والشرح الصغير ١ / ٧٠٠، وشرح
الزرقاني ٢ / ٢٠٣
(١) تحفة المحتاج ٣ / ٣٩٩، ونهاية المحتاج ٣/ ١٦١، وروض
الطالب ١ / ٤١٥، والمحلي والقليوبي ٢/ ٥٥
- ٢٦٠ -
1