النص المفهرس
صفحات 121-140
٠
تُجَاهَرَة ٨ - ١٠
فیه كف لأمثاله، فیترکون تشييع جنازته (١).
وقال الأوزاعي: لا يصلى على الفاسق
تصريحاً أو تأويلاً وهو قول عمر بن
عبد العزيز (٢).
(ر: جنائز ف ٤٠).
الستر على المجاهر بالمعصية :
٩ - ذهب الفقهاء إلى أنه يندب الستر فيما
كان حقاً لله عز وجل على المسلم من ذوي
الهيئات ونحوهم ممن لم يعرف بأذى أو فساد،
لقول النبي مَله: ((من ستر مسلماً ستره الله
يوم القيامة)) (٣).
وأما المجاهر والمتهتك فيستحب أن لا
يستر عليه، بل يظهر حاله للناس حتى
يتوقوه، أو يرفعه لولي الأمر حتى يقيم عليه
واجبه من حد أو تعزير، ما لم يخش مفسدة،
لأن الستر عليه يطمعه في مزيد من الأذى
والفساد (٤).
قال النووي: من جاهر بفسقه أو بدعته
جاز ذكره بما جاهر به دون من لم يجاهر
(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٢٦٤
(٢) نيل الأوطار ٤ / ٨٥ - ط. دار الجيل.
(٣) حديث: ((من ستر مسلماً ستره الله ... ))
أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٦) من حديث ابن عمر.
(٤) دليل الفالحين ٢ / ١٥، والآداب الشرعية لابن مفلح
١/ ٢٦٦، وحاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٣، ٤ /٣٧١،
وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ١٧٥
(٥) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢١ / ١٣٩
وللتفصيل في أحكام ستر عيوب المؤمن
(ر: إفشاء السر.ف ١٠ وستر.ف ٢).
غيبة المجاهر بالمعصية :
١٠ - الغيبة حرام باتفاق الفقهاء، وذهب
بعضهم إلى أنها من الكبائر (١)، إلا أن
الفقهاء أجازوا غيبة المجاهر بفسقه أو بدعته
كالمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس وأخذ
المكس وجباية الأموال ظلماً وتولي الأمور
الباطلة، وقالوا: يجوز ذكره بما يجاهر به ويحرم
ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه
سبب آخر (٢).
قال الخلال: أخبرني حرب سمعت أحمد
يقول: إذا كان الرجل معلناً بفسقه فليست
له غيبة (٣).
قال ابن مفلح (٤): ذکر ابن عبد البر في
كتاب (بهجة المجالس) عن النبي ◌َط *:
((ثلاثة لا غيبة فيهم: الفاسق المعلن بفسقه
وشارب الخمر والسلطان الجائر)) (٥).
(١) الزواجر ٢ / ٤، وتفسير القرطبي ٣٣٦/١٦ -٣٣٧، وتهذيب
الفروق ٤/ ٢٢٩
(٢) دليل الفالحين ٤ / ٣٥٠، ٣٥٤
(٣) الآداب الشرعية ١/ ٢٧٦
(٤) الآداب الشرعية ١/ ٢٧٦
(٥) حديث: ((ثلاثة لا غيبة فيهم ... ))
رواه ابن عبد البر في بهجة المجالس وأنس المجالس (١ / ٣٩٨
نشر دار الكتب العلمية)
- ١٢١-
مُجَاهَرَةٍ ١١ - ١٣
هجر من جهر بالمعاصي :
١١ - يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعلية
والقولية والاعتقادیة، وقیل: يجب إن ارتدع
به، وإلا كان مستحباً، وقيل: يجب هجره
مطلقاً إلا من السلام بعد ثلاثة أيام، وقيل:
ترك السلام على من جهر بالمعاصي حتي یتوب
منها فرض کفایة، ویکره لبقية الناس تركه،
وظاهر ما نقل عن أحمد ترك الكلام والسلام
مطلقا (١).
وقال أحمد في رواية حنبل عنه: ليس لمن
يسكر ويقارف شيئا من الفواحش حرمة ولا
صلة إذا كان معلناً مكاشفاً (٢).
قال ابن علان في تعليقه على حدیث: ((لا
يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن
مرت به ثلاث فلیلقه فليسلم علیه، فإن رد
علیه السلام فقد اشترکا في الأجر، وإن لم يرد
عليه فقد باء بالإِئم)) (٣). إذا كان الهجر من
المؤمن للمؤمن لله تعالى بأن ارتكب المهجور
بدعة أو تجاهر بمعصية فليس من هذا في
شيء، والوعید لا يتناوله أصلاً، بل هو
مندوب إليه (٤) .
(١) الآداب الشرعية ١ / ٢٥٩
(٢) الآداب الشرعية ١ / ٢٦٤
(٣) حديث: ((لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث ... ))
أخرجه أبو داود (٥/ ٢١٤ - ٢١٥) من حديث أبي هريرة،
وحسن إسناده النووي في ریاضی الصالحین (ص ٥٦٨)
(٤) دليل الفالحين ٤ / ٤٢٩
إجابة دعوة المجاهر بالفسق :
١٢ - يرى جمهور الفقهاء أن إجابة الدعوة إلى
الوليمة واجبة، وأما سائر الدعوات غير
الوليمة فإن الإِجابة إليها مستحبة غير واجبة (١).
وأما الإِجابة إلى دعوة المجاهر بالفسق فقد
نص الحنفية وقالوا: لا يجيب دعوة الفاسق
المعلن، ليعلم أنه غير راض بفسقه، وكذا
دعوة من كان غالب ماله من حرام ما لم يخبر
أنه حلال (٢).
إتکار ما يجاهر به من محظورات ومباحات:
١٣ - قال ابن الأخوة: إذا جاهر رجل بإظهار
الخمر، فإن كان مسلماً أراقها المحتسب
وأدبه، وإن کان ذمیا أدب على إظهارها،
واختلف الفقهاء في إراقتها عليه:
فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تراق علیه،
لأنها من أموالهم المضمونة في حقوقهم.
وذهب الشافعي إلی أنها تراق علیھم،
لأنها لا تضمن عنده في حق المسلم ولا
الكافر.
فأما المجاهرة بإظهار النبيذ فعند أبي
حنيفة أنه من الأموال التي يقر المسلمون
(١) المغني ٧ / ١١، وحاشية القليوبي مع شرح المحلي ٣/ ٢٩٥،
والفتاوى الهندية ٥/ ٣٤٣، والشرح الكبير مع حاشية
الدسوقي ٢ / ٣٣٧.
(٢) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٤٣.
-١٢٢ -
ثُجَاهَرَةٍ ١٣ - ١٤
عليها، فيمنع من إراقته ومن التأديب على
إظهاره .
وعند الشافعي أنه ليس بمال کالخمر،
وليس في إراقته غرم، فيعتبر والى الحسبة
شواهد الحال فيه فينهى عن المجاهرة ویزجر
عليه ولا يريقه إلا أن يأمره بإراقته حاكم من
أهل الاجتهاد، لئلا يتوجه عليه غرم إن
حوکم فیه (١).
ومن قبيل إنكار ما يجاهر به من مباحات
ما نقله البهوتي عن القاضي من أنه ینکر على
من أكل في رمضان ظاهراً، وإن كان هناك
عذر (٢).
قال ابن الأخوة: وأما المجاهرة بإظهار
الملاهي المحرمة، مثل الزمر والطنبور والعود
والصنج وما أشبه ذلك من آلات الملاهي،
فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشباً
يصلح لغير الملاهي، ويؤدب على المجاهرة
عليها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح
لغير الملاهي، فإن لم يصلح لغير الملاهي
كسرها ولا يجوز بيعها، والمنفعة التي فيها لما
كانت محظورة شرعاً كانت ملحقة بالمنافع
المعدومة (٣)، وأما ما لم يظهر من المحظورات
(١) معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة ص ٣٢ - ٣٣ - ط.
دار الفنون بكيمبرج ١٩٣٧م.
.(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٤٤٥
(٣) معالم القرية ص ٣٥
فلیس للمحتسب أن يتجسس عنها، ولا أن
يهتك الأستار حذراً من الاستسرار بها(١)،
قال النبي وَلهى: ((اجتنبوا هذه القاذورة التي
نهى الله عنها، فمن أَلَّ فليستتر بستر الله،
ولیتب إلى الله، فإنه من يُبد لنا صفحته نقم
علیه كتاب الله عز وجل (٢))).
المفاضلة بين المجاهرة بالطاعات
والإِسرار بها:
١٤ - جاء في قواعد الأحكام: الطاعات
ثلاثة أضرب :
أحدها: ما شرع مجهوراً به، كالأذان
والإِقامة والتكبير والجهر بالقراءة في الصلاة
والخطب الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وإقامة الجمعة والجماعات والأعياد
والجهاد وعيادة المرضى وتشبيع الأموات،
فهذا لا يمكن إخفاؤه. فإن خاف فاعله
الرياء جاهد نفسه في دفعه إلى أن تحضره نية
إخلاصه فیأتي به مخلصاً کما شرع، فیحصل
على أجر ذلك الفعل وعلى أجر المجاهد لما فيه
من المصلحة المتعدية.
الثاني: ما يكون إسراره خيراً من إعلانه
كإسرار القراءة في الصلاة وإسرار أذكارها،
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء ص ٢٩٥
(٢) حديث: ((اجتنبوا هذه القاذورة ... ))
أخرجه الحاكم (٤ / ٢٤٤) من حديث ابن عمر، وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي .
- ١٢٣-
مجاهرة ١٤، مجاورة ١ -٢
فهذا إسراره خير من إعلانه.
الثالث: ما يخفى تارة ويظهر أخرى
کالصدقات، فإن خاف على نفسه الرياء أو
عرف من عادته كان الإخفاء أفضل من
الإبداء لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمْ﴾ (١)، ومن أمن من
الرياء فله حالان: أحدهما: أن لايكون ممن
يقتدى به، فإخفاؤها أفضل إذ لا يأمن من
الرياء عند الإظهار، وإن کان ممن يقتدى به
كان الإبداء أولى، لما فيه من سد خلة الفقراء
مع مصلحة الاقتداء، فيكون قد نفع الفقراء
بصدقته وبتسببه إلى تصدق الأغنياء عليهم،
وقد نفع الأغنياء بتسببه إلى اقتدائهم به في
نفع الفقراء (٢).
ونشرلك
(١) سورة البقرة / ٢٧١ .
(٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٢٨ - ١٢٩، نشر دار
الكتب العلمية، وانظر إحياء علوم الدين ٣/ ٣٠٩ - ط.
الحلبي .
٨/ ٠٠
مجاورة
التعريف :
١ - المجاورة في اللغة: تقارب المحالّ، من
قولك: أنت جاري وأنا جارك وبيننا جوار
والجار من يقرب مسكنه منك، وهو من
الأسماء المتضايفة .
قال بعض البلغاء: الجوار قرابة بين
الجيران، ثم استعملت المجاورة في موضعٍ
الاجتماع مجازاً ويقال: جاوره مجاورة وجواراً
من باب قاتل، والاسم الجوار بالضم: إذا
لاصقه في السكن.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (١).
الأحكام المتعلقة بالمجاورة:
للمجاورة أحكام متعددة نجملها
فیما يلي:
أ - مجاورة الماء لغيره:
٢ - قال جمهور الفقهاء لا يضر في طهورية
(١) المفردات، والمصباح، والفروق اللغوية.
-١٢٤-
ثُجَاوَرَة ٢ - ٣
الماء إذا تغير بمجاور طاهر غير مختلط به
كالعود والدهن، على اختلاف أنواعه،
والشمع ونحو ذلك من الطاهرات الصلبة
كالكافور والعنبر إذا لم يهلك في الماء ويمع
فيه، لأن تغيره بذلك لكونه تروحا لا يمنع
إطلاق اسم الماء عليه كتغير الماء بجيفة ملقاة
على شط نهر.
قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذه الأنواع.
خلافا، ثم قال: وفي معنی المتغیر بالدهن ما
تغیر بالقطران والزفت والشمع، لأن في ذلك
دهنية يتغير بها الماء تغير مجاورة فلا يمنع
كالدهن.
وقال الشافعية: الكافور نوعان :
أحدهما: خليط كالدقيق والزعفران،
والثاني: مجاور لا ينماع في الماء فهو كالعود
فلذلك قيد الكافور بالصلابة وكذا
القطران (١).
وقال الحطاب من المالكية: إن الماء إذا
تغير بمجاورة شيء له فإن تغيره بالمجاورة لا
يسلبه الطهورية، سواء كان المجاور منفصلا
عن الماء أو ملاصقا له، فالأول كما لو كان إلى
جانب الماء جيفة أو عذرة أو غيرهما فنقلت
(١) مغني المحتاج ١ / ١٩، وفتح العزيز شرح الوجيز بهامش
المجموع ١ / ١٢٢ وما بعدها، المجموع ١ / ١٠٤ وما بعدها،
وجواهر الإكليل ١/ ٦، ومواهب الجليل ١ / ٤٥، وکشاف
القناع ١ / ٣٢، والمغني ١ / ١٣
الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغیر ولا خلاف في
هذا، قال بعضهم: ومنه إذا سَدّ فم الإِناء
بشجر ونحوه فتغير منه الماء من غير مخالطة
لشيء منه، وأما الثاني وهو المجاور الملاصق
فمثّله ابن الحاجب بالدهن، وتبعه المصنف
على ذلك وقیده بالملاصق (١).
ولم يوجد عند الحنفية في هذا الموطن لفظ
مجاورة وإنما وجد عندهم لفظ المخالطة،
فقال الشرنبلالي: لا يضر تغير أوصاف الماء
بجامد خالطه بدون طبخ كزعفران وورق
شجر.
وفي اللباب على القدوري: لو خرج الماء
عن طبعه (بالخلط) أو حدث له اسم على
(٢)
حدة لا تجوز به الطهارة
ب - مجاورة الحرمين الشريفين:
٣ - اختلف الفقهاء في حكم مجاورة الحرمين
الشريفين في مكة والمدينة المنورة.
فذهب بعض الفقهاء ومنهم أبو حنيفة إلى
أن المجاورة بمكة المكرمة والمدينة المنورة
مكروهة .
قال ابن عابدين: وبقول أبي حنيفة قال
الخائفون المحتاطون من العلماء كما في الإِحياء
قال: ولا يظن أن كراهة القيام تناقض فضل
(١) مواهب الجليل ١/ ٥٤
(٢) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ١٥ واللباب للميداني
على القدوري ١ / ١٩ - ٢٠ - ط. دار إحياء التراث بيروت.
-١٢٥-
٠٠.
........
مُجَاوَرَة ٣
البقعة، لأن هذه الكراهة علتها ضعف
الخلق وقصورهم عن القيام بحق الموضع،
قال في الفتح: وعلى هذا فیجب كون الجوار
في المدينة المشرفة كذلك يعني مكروها عنده،
فإن تضاعف السيآت، أو تعاظمها إن فقد
فيها، فمخافة السآمة وقلة الأدب المفضي
إلى الإخلال بوجوب التوقیر والإِجلال قائم،
قال بعضهم: وهو وجيه فينبغي أن لا يقيد
بالوثوق اعتباراً للغالب من حال الناس لا
سيما أهل هذا الزمان.
وقال بعض الحنفية: لا تكره المجاورة
بالمدينة المنورة وكذا بمكة المكرمة لمن يثق
بنفسه.
قال ابن عابدين: واختار في اللباب: أن
المجاورة بالمدينة أفضل منها بمكة المكرمة .
وقال المالكية: عدم المجاورة بمكة أفضل.
قال مالك: القفل أي الرجوع أفضل من
الجوار (١).
وذهب الشافعية والحنابلة وأبو يوسف
ومحمد من الحنفية: إلى استحباب المجاورة
بالحرمين الشريفين إلا أن يغلب على ظنه
الوقوع في المحظورات، أو أن تسقط حرمتهما
عنده، لما ورد من مضاعفة العمل الصالح
فيهما كحديث: ((صلاة في مسجدي هذا
(١) الخرشي ٣ / ١٠٧، وحاشية العدوي ٢ / ٣٣
أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد
إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام
أفضل من مائة صلاة في هذا)) (١) وقال الله
تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى
بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ﴾ (٢). قال
القرطبي : جعله مباركاً لتضاعف العمل
فیه (٣) .
قال أحمد: کیف لنا بالجوار بمكة؟ قال
النبي ◌َّه: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب
أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما
خرجت)» (٤).
قال ابن قدامة: وإنما كره الجوار بمكة لمن
هاجر منها، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما
جاور بمكة وجميع أهل البلاد ومن كان من
أهل اليمن ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر أي
لا بأس به وابن عمر رضي الله عنهما كان يقيم
بمكة قال: والمقام بالمدينة أحب إليّ من المقام
بمكة لمن قوي عليه، لأنها مهاجر
(١) حديث: ((صلاة في مسجدي هذا ... ))
أخرجه أحمد (٤ / ٥) من حديث عبد الله بن الزبير، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/٤): رجاله رجال الصحيح .
(٢) سورة آل عمران / ٩٦
(٣) ابن عابدين ٢ / ١٨٧، ٢٥٦ وما بعدها ومجمع الأنهر شرح
ملتقى الأبحر ١ / ٣١٢، والقليوبي وعميرة ٢ / ١٢٦، والمغني
لابن قدامة ٣/ ٥٥٦، وكشاف القناع ٢ / ٥١٦، وتفسير
القرطبي ٤ / ١٣٩
(٤) حديث: ((والله إنك لخير أرض الله ... ))
أخرجه الترمذي (٥/ ٧٢٢) من حديث عبد الله بن عدي،
وقال: حديث حسن غريب صحيح .
-١٢٦ -
مجاورة ٣ -٥
المسلمين (١) وقال النبي وقال فيه: ((لا يصبر على
لأوائها وشدتها أحد إلا کنت له شهيداً شفيعا
يوم القيامة)) (٢).
ج - استحقاق الشفعة بالمجاورة :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم ثبوت
الشفعة بسبب المجاورة.
وذهب الحنفية والثوري وابن أبي لیلی وابن
شبرمة إلى إثبات الشفعة للجار الملاصق
فالمجاورة سب للشفعة عندهم مثل الشركة.
والتفاصيل في مصطلح (شفعة ف ١١
وما بعدها).
د - الوصية للجار:
٥ - اختلف الفقهاء فيمن يدخل في الوصية
للجار:
فقال الشافعية والحنابلة: لو أوصى
لجيرانه فلأربعين داراً من كل جانب من
جوانب داره الأربعة (٣)، لحديث: ((حق الجوار
إلى أربعين داراً هكذا وهكذا وهكذا وهكذا،
وأشار قداما وخلفا ويمينا وشمالاً .. )) (٤).
(١) المغني لابن قدامة ٣ / ٥٥٦ في فصل خاص عقده للجوار
بالمدينة، هذا لفظه كله .
(٢) حديث: ((لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد ... ))
أخرجه مسلم (٢ / ١٠٠٤) من حديث ابن عمر.
(٣) القليوبي وعميرة ٣ / ١٦٨، والمغني ٦/ ١٢٤ - ط. مكتبة ابن
تيمية في القاهرة .
(٤) حديث: ((حق الجوار إلى أربعين داراً .... ))
أورده الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٨) وقال: رواه أبو یعلی عن
شيخه محمد بن جامع العطار وهو ضعيف .
وقال المحلي نقلا عن الروضة: ويقسم
المال علی عدد الدور لا علی عدد سكانها (١).
قال ابن قدامة بعد ذكر الحديث
المتقدم ذكره هذا نص لا يجوز العدول
عنه، إن صح، وإن لم يثبت الخبر، فالجار
هو المقارب، ويرجع في ذلك إلى العرف (٢).
وعند أبي حنيفة هو الملاصق، وعند
الصاحبین هو من یسکن في محلته وجمعهم
مسجد المحلة، وهذا استحسان لكن
الصحيح قول الإِمام، وهو مما رجح فيه
القياس على الاستحسان (٣) لحديث: ((الجار
أحق بسقبه)» (٤).
وقال المالكية: لو أوصى لجيرانه، فإنه
يعطي الجار وزوجته، وأما زوجة الموصي فلا
تعطى لأنها ليست جارا وحد الجار الذي لا
شك فيه ما كان يواجهه وما لصق بالمنزل من
ورائه وجانبيه والمعتبر في الجار یوم القسم،
فلوانتقل بعضهم أو كلهم وحدث غيرهم أو
بلغ صغير فذلك لمن حضر، ولو كانوا يوم
الوصية قليلا ثم كثروا أعطوا جميعهم (٥).
والتفصيل في مصطلح (وصية).
(١) المحلي بحاشية القليوبي ٣/ ١٦٨
(٢) المغني ٦ / ١٢٤
(٣) الدر المختار ورد المحتار عليه ٥ / ٤٣٧ - ط. بولاق.
(٤) حديث: ((الجار أحق بسقبه))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٣٧) من حديث أبي رافع.
(٥) الخرشي ٨ / ١٧٦، ١٧٧
-١٢٧-
مجاورة ٦
هـ - مجاورة الصالحين:
٦ - ينبغي للمسلم مجالسة أهل الخير،
والصالحين وملازمة مجالسهم والصبر معهم
ومصاحبتهم لقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِتِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ
اُلْحَيَوْةِ الدُّنيّ وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا
وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾(١).
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
قال: كنا مع النبيِ وَ﴿ ستة نفر، فقال
المشركون للنبي وَله: اطرد هؤلاء لا يجترؤن
علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من
هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع
في نفس رسول الله وَله ما شاء الله أن يقع،
فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: (٢) ﴿ وَلَا
تَظِرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ
وَجْهَدٌ﴾ (٣).
قال ابن علان الصديقي من الشافعية :
مجالسة أهل الخير وهم حزب الله المنقطعون
إليه اللائذون به الحائزون لشرف العلم
(١) سورة الكهف / ٢٨
(٢) حديث: سعد بن أبي وقاص: ((كنا مع النبي ﴾ .... ))
أخرجه مسلم (٤ / ١٨٧٨ ).
(٣) تفسير القرطبي ٦/ ٤٣١ - ٤٣٤، ١٠/ ٣٩٠ - ٣٩٣، دليل
الفالحين ٢/ ٢١٩ - وما بعدها ...
والآية من سورة الأنعام ٥٢
والعمل به مع الإِخلاص فيه مستحبة، لأن
من تشبه بقوم فهو منهم، ولأنهم هم القوم لا
يشقى جليسهم قال: وأقل ثمرات مجالستهم
حفظ نفسه في ذلك الزمن عن المخالفة لمولاه
عز وجل (١) وعن أبي موسى الأشعري رضي
الله عنه أن النبي وَل) قال: ((مثل الجليس
الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير،
فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع
منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير
إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا
خبيثة))(٢) أي فجليس الأخيار إما أن يعطى
بمجالستهم من الفيوض الإِلهية أنواع الهبات
حياء وعطاء، وإما أن يكتسب من المجالس
خیرا وأدبا یکتسبها عنهویأخذها منه ،وإما أن
يكتسب حسن الثناء بمخاللته، ومخالطته،
وأما جليس السوء فإما أن يحترق بشؤم
معاصيه كما قال الله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْفِتْنَةً لَّا
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ﴾ (٣) وإما
أن یدنس ثناءه بمصاحبته (٤) وقد ورد:
(١) دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٢ / ٢١٩ وما
بعدها.
(٢) حديث: عن أبي موسى الأشعري: ((مثل الجليس
الصالح ... »
أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٦٦٠) .
(٣) سورة الأنفال / ٢٥
(٤) دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٢ / ٢٢٦، فتح الباري
٤/ ٣٢٤
-١٢٨-
مُجَاوَرَةَ ٦، مَجْبوب، مُجْتَهِد، مَجْذُوم، مَجْرى الماء ١ - ٢
((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من
يخالل)» (١).
مَجْبوب
انظر: جَبٌ
مجتهِد
انظر: اجتهاد
مَجْذُوم
10
انظر: جُذام
(١) حدیث: ((الرجل علی دین خلیله .. ))
أخرجه الترمذي (٤ / ٥٨٩) من حديث أبي هريرة، وحسنه
مَجْرَى الماء
التعريف :
١ - المجرى في اللغة بوزن مَفْعَل: ظرف
مکان من فعل جری يجري : بمعنى سال،
خلاف وقف وسكن، والماء الجاري هو:
المتدافع في انحدار أو في استواءٍ.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (١) .
الأحكام المتعلقة بمجرى الماء :
أقسام مجری الماء:
٢ - يقسم الفقهاء مجرى الماء إلى قسمين:
المجرى العام، والمجرى الخاص.
وأما المجرى العام: وهو ما لا يختص
بأحد: بأن يكون في أرض مباحة ولا صنيع
للآدميين في حفره ولا في إجراء الماء فيه
كالأنهار الكبيرة كالنيل، والفرات ونحوهما
التي لا تزاحم فيها لسعتها، وكثرة الماء فيها
ولا يتضرر بالتصرف فيه أحد فهذا لا ملك
لأحد على رقبة المجرى، ولا حق خاصاً في
(١) المصباح المنير، والقليوبي ٢ / ٣١٧
-١٢٩-
٠٠٠
.....
تَجْرى الماء ٢ - ٣
الانتفاع بمائه بل الحق فيه عام لجميع
المسلمين، فلكل أن ينتفع بهذه الأنهار
بمختلف أوجه الانتفاع إن لم يضر بتصرفه
مصلحة عامة للمسلمين، وليس للإِمام ولا
لغيره منعه، إن لم يضر أحداً.
وله نصب رحى عليه أو دالية أو ساقية :
بشرط أن لا يضر النهر، وأن يكون مكان
البناء ملكاً له، أو مواتاً محضا لا يتعلق به حق
للغير (١).
وأما المجرى الخاص فهو أن يكون المجرى
مملوكاً، بأن يحفر نهراً يدخل فيه الماء من
الوادى العظيم، أو من النهر المنخرق منه
فالماء باق على إباحته لكن مالك النهر أحق
به کالسیل يدخل ملكه فليس لأحد مزاحمته
لسقي الأرضين، وأما للشرب والاستعمال
وسقي الدواب فليس له المنع (٢).
والتفصيل في (شرب ف ٣ - ٩ ومياه،
ونهر).
إجراء ماء في أرض الغير:
٣ - لا يجوز إجراء ماء في أرض الغير بلا
ضرورة بغير إذنه، بالاتفاق لأنه تصرف في
ملك الغير بلا إذن، وإن كان لضرورة كأن
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٢، وروضة الطالبين ٥/ ٣٠٤، والمغني
٥/ ٥٨٣، والخرشي ٦ / ٧٦ وبلغة السالك ٣ / ١٨٨
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٥ - ٣٠٧ بدائع الصنائع ١٨٣/٦ -
٥٨٣ والخرشي ٧ / ٧٦، والمغني ٥/ ٥٨ وما بعدها .
تكون له أرض للزراعة لها ماء لا طريق له
إليها إلا أرض جاره فهل له إجراء الماء في
أرض جاره لتوصيل الماء إلى أرضه بغير إذن
الجار؟ اختلف فيه. فذهب الشافعية على
المذهب وأحمد فی إحدی روایتین له ومالك في
رواية ابن القاسم واختارها عيسى بن دينار
إلى أنه ليس له ذلك، لأن مثل هذه الحاجة
لا تبیح له مال غيره، وهي كما لو لم تدع إليه
حاجة، بدليل أنه لا یباح له الزرع فى أرض
غيره، والبناء فيها، ولا الانتفاع بشيء من
منافعها المحرمة عليه قبل هذه الحاجة، فإن
إذن له جاز (١) .
والرواية الأخرى عن أحمد وقول عن مالك
أنه يجوز له ذلك لما ورد أن الضحاك بن
خليفة ساق خليجا له من العريض، فأراد أن
يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى
محمد، فقال له الضحاك: لم تمنعني وهو لك
منفعة تشرب به أولاً وآخراً ولا يضرك. فأبى
محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب
رضي الله عنه فدعا عمر بن الخطاب محمد
ابن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله، فقال
محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه
وهو لك نافع: تسقي به أولاً وآخراً وهو لا
(١) المغني ٤ / ٥٤٨ والمنتقى شرح الموطأ ٦/ ٣٢، ٤٦، وما بعدها
وروضة الطالبين ٥/ ٣٠٧، ٤/ ٢٢١
- ١٣٠-
تَجْرى الماء ٣ - ٤
يضرك. فقال: محمد: لا، والله . فقال عمر:
والله لیمرن ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر
به ففعل الضحاك (١).
المالك قول ثالث وهو أنه يختلف حكم
المسألة باختلاف أحوال الناس فإذا كان أهل
الزمن کأهل زمن عمر رضي الله عنه، یعمهم
أو يغلب عليهم الصلاح والدين والتحرج عما
لا يحل یقضی بإمراره، وإن کان یعم أو
يغلب عليهم استحلال أموال الناس بغير
الحق، وجب أن يحكم بالمنع في ذلك، لأنه
قد يطول الأمر فيدعي صاحب الماء الممر فى
أرض من قضي له بإمراره فى أرضه فيدعی
ملك رقبة الممر، أو يدعی حقوقا فیه، فیشهد
له ما قضي له به، فیمنع الإِمرار سداً للذريعة
وسد الذريعة من أدلة الشريعة عند المالكية
وهذه رواية أشهب عنه (٢).
الصلح على إجراء ماء في أرض مملوكة للغير
أو على سطح الجار:
٤ - قال الشافعية والحنابلة: إن صالح رجلا
على إجراء ماء سطحه من المطر على سطحه،
أو في أرضه عن سطحه، أو في أرضه عن
أرضه جاز، إذا كان ما يجرى ماء معلوماً إما
(١) أثر أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له ...
أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٧٤٦) .
(٢) المنتقى شرح الموطأ ٦ / ٤٦، والمغني ٤ / ٥٤٨، وروضة
الطالبين ٤ / ٢٢١
بالمشاهدة وإما بمعرفة المساحة، لأن الماء
يختلف بصغر السطح وكبره، ولا يمكن
ضبطه بغير ذلك. ويشترط معرفة الموضع
الذي يجري منه الماء إلى السطح، لأن ذلك
يختلف، ولا يفتقر إلى ذكر مدة، لأن الحاجة
تدعو إلى هذا ويجوز العقد على المنفعة في
موضع الحاجة غير مقدر كما كان في النكاح.
وقال الشافعية: أما غسالة الثياب والأواني
فلا يجوز الصلح على إجرائها على مال لأنه
مجهول لا تدعو الحاجة إليه وإن خالف في
ذلك البلقيني، وشرط المصالحة على إجراء ماء
المطر على سطح غيره: أن لا یکون له مصرف
إلى الطريق إلا بمروره على سطح جاره، قاله
الإِسنوي، ومحل الجواز في الثلج إذا كان في
أرض الغير لا في سطحه لما فيه من الضرر،
وليس لمن أذن له في إجراء المطر على السطح
أن يطرح الثلج عليه ولا أن يترك الثلج حتى
يذوب ويسيل إليه ومن أذن له في إلقاء الثلج
لا یجری المطر ولا غيره.
والملك ليس قیدا بل يجوز ذلك في الأرض
الموقوفة والمستأجرة لكن يعتبر هنا التأقيت،
لأن الأرض غير مملوكة فلا يمكنه العقد عليها
مطلقا .
وقال الحنابلة: إن كان السطح الذي
يجري عليه الماء مستأجراً أو عارية مع إنسان
- ١٣١-
تجرى الماء ٤ - ٥، تَجْلِس ١
لم يجز أن يصالح على إجراء الماء عليه، لأنه
يتضرر بذلك. ولم يؤذن له فیه (١).
تغير الماء بطاهر في مجراه:
٥ - إذا تغير الماء بطاهر في مجراه تغيراً لا يمنع
إطلاق اسم الماء عليه فلا يسلب الطهورية
في الماء فيصح التطهر به لتعذر صون الماء عما
ذکر.
ر: مصطلح (تغيير ف ٣).
(١) مغني المحتاج ٢ / ١٩١، والمغني ٤ / ٥٤٧
مَجْلِس
التعريف :
١ - المجلس (بکسر اللام) موضع الجلوس،
وبفتحها: مصدر، والجلوس: القعود، وهو
نقيض القيام .
والجلسة: الحال التي يكون عليها
الجالس (١).
والجَليسُ: من يجالِسُك، فَعيل بمعنى
فاعل .
وجمع المجلِس: مجالس.
وقد يُطلقُ المجلس على أهله مجازاً،
تسميةً للحالِ باسم المحل، فيقال: اتفق
المجلس (٢).
وتستعمل المجالس بمعنى الجلوس، كما
في حديث: «فإذا أتيتم إلى المجالس .. )) (٣).
(١) الصحاح للجوهري، ولسان العرب لابن منظور.
(٢) المصباح المنير للفيومي.
(٣) حديث: ((فإذا أتيتم إلى المجالس ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ١١٢) من حديث أبي سعيد
الخدري .
- ١٣٢-
◌ُجْلِس ١ - ٣
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (١).
الألفاظ ذات الصلة :
الحلقة :
٢ - الحلقة: الجماعة من الناس مستديرون
كحلقة الباب وغيرها (٢).
والتحلق: على وزن تفعّل، وهو تعمد
الجلوس مستديرين كالحلقة (٣).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
والصلة أن المجلس قد يكون على هيئة
الحلقة .
صفة المجلس وهيئة أهله :
٣ - لم تفرض في المجلس صفة معينة، وإنما
شُرعت له آداب، وهناك إشارات تدل على
أن بعض مجالس السلف كانت بصفة
الحلقة، وكان النبي وَلّه يُرشد إلى توسعة
المجلس، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه قال: سمعت رسول الله مل* يقول:
((خيرُ المجالس أوسعها)) (٤)، وكان عمر
(١) قواعد الفقه. للبركتي.
(٢) لسان العرب.
(٣) النهاية لابن الأثير مادة: (حلق) وحاشية عون المعبود على سنن
أبي داود لمحمد أشرف الصديقي ٤ / ٤٠٥
(٤) حديث: ((خير المجالس أوسعها.))
أخرجه أبو داود (٥ / ١٦٢)، والحاكم (٤ / ٢٦٩) من حديث =
يقول: يصفي لك ودّ أخيك ثلاث .. ويعد
منها أن توسع له في المجلس (١).
أما هيئة الجالس مع غيره فلم يمنع منها
إلا ما كان مفضياً إلى كشف العورة أو جزء
منها (٢).
وهناك هيئة في الجلوس تدل على التكبر
والتجبر والقسوة نهى عنها الرسول وَله فيما
رواه الشرید بن سويد رضي الله عنه، قال:
((مرّ بي رسول الله وَّ وأنا جالس، وقد
وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت
على ألية يدي، فقال رسول الله وَله: أتقعد
قِعدة المغضوب عليهم» .
وأخرجه ابن حبان بزيادة: قال ابن
جريج: وضع راحتيك على الأرض (٣).
قال العظيم آبادي: الآلية بفتح الهمزة:
اللحمة التي في أصل الإِبهام، وقال: الأظهر
أن يراد بالمغضوب عليهم أعم من الكفار
والفجار المتكبرين المتجبرين ممن تظهر آثار
العجب والكبر عليهم من قعودهم ومشيهم
ونحوهما (٤).
= أبي سعيد الخدري، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على
شرط مسلم ولم يخرجاه.
(١) الجامع في السنن والآداب لابن أبي زيد / ١٩٥، والآداب
للبيهقي ص ١٠٢
(٢) فتح الباري ١١ / ٧٩
(٣) حديث: ((أتقعد قعدة ... ))
أخرجه أبو داود (٥/ ١٧٧)، وابن حبان (١٢ / ٤٨٨) .
(٤) عون المعبود ٤ / ٤١٣
- ١٣٣ -
نَجْلِس ٣ - ٥
وللجلوس للأكل هيئات وآداب مستحبة
منها: عدم الاتكاء في الجلسة .
والتفصيل في (أكل ف ١٩).
٤ - ومما عُرف من هيئات جلوس الرسول
:燕
أ - التربع، ففي حديث جابر بن سمرة
رضي الله عنه: ((كان رسول اللهصل إذا صلى
الفجر تربع في مجلسه، حتى تطلع الشمس
حسناء)) (١).
ب - الاتكاء، وقد أشارت إليه أحاديث
منها حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه:
رأيت النبي وَلي متكئا على وسادة (٢).
قال الخطابي: كل معتمد على شيء
متمكن منه فهو متکیء.
قال المهلب: يجوز للعالم والمفتي والإِمام
الاتكاء في مجلسه بحضرة الناس لألم يجده في
بعض أعضائه أو لراحة يرتفق بذلك، ولا
یکون ذلك في عامة جلوسه (٣).
ج - الاضطجاع: وهو: وضع الجنب على
الأرض، فقد ورد من حديث عائشة رضي
الله عنها: ((كان النبي # إذا صلي ركعتي
(١) حديث: ((كان رسول الله صلفر إذا صلى الفجر .. ))
أخرجه أبو داود (٥/ ١٧٨) .
(٢) حديث: ((رأيت النبي﴾ متكنا ... ))
أخرجه الترمذي (٥ / ٩٨) وقال: هذا حديث صحيح.
(٣) فتح الباري ١١ / ٦٦ - ٦٧ .
الفجر اضطجع على شقه الأيمن)) (١).
د - الاحتباء: وهو أن يجلس على أليتيه
رافعا ركبتيه محتويا عليهما بيديه أو غيرهما (٢).
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((رأيت
رسول الله * بفناء الكعبة محتبياً بيده
هكذا .. )) (٣).
هـ - الاستلقاء، هو الاضطجاع على القفا
ووضع الظهر على الأرض، سواء كان معه نوم
أم لا، فعن عباد بن تميم عن عمه «أنه رأی
النبي # مستلقيا في المسجد واضعاً إحدى
رجليه على الأخرى» (٤) .
وقد عرف من عادة الرسول و # أنه كان
يجلس بين أصحابه بالوقار التام، فما ورد من
استلقائه عليه السلام إنما كان لبيان الجواز،
وكان في وقت الاستراحة لا عند مجتمع
الناس (٥) .
مكان المجلس :
٥ - تعقد المجالس في کل مکان مناسب لها،
(١) حديث: ((كان النبي# إذا صلى ركعتي الفجر .. ))
أخرجه البخاري (٣/ ٤٣)، ومسلم (١ / ٥٠٨)، وانظر زاد
المعاد ١/ ٣١٨
(٢) أسنى المطالب ١ / ٥٦
(٣) حديث: ((رأيت رسول الله﴾ بفناء الكعبة .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١/ ٦٥) .
(٤) حديث عباد عن عمه: ((أنه رأى النبي # مستلقيا في
المسجد . .)
أخرجه الترمذي (٥ / ٩٥، ٩٦) وقال: حديث حسن صحيح
(٥) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لأبي العباس القسطلاني
٩/ ٦٦
- ١٣٤ -
٠٠
نَجْلِس ٥ -٦
مع مراعاة المصالح، وتجنب الأماكن التي قد
يفضي الجلوس بها إلى مفاسد ومضار.
وصرح جمهور الفقهاء بأنه يكره الجلوس
على الطرقات، واستدلوا بما روي عن النبي
*: ((اجتنبوا مجالس الصعدات، فقلنا إنما
قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتذاكر،
ونتحدث، قال: أما لا، فأدوا حقها: غضوا
البصر، وردوا السلام، وحسنوا الكلام)) (١).
وزاد أبو داود ((وإرشاد السبيل)) (٢)، وفي
رواية له أيضا: ((وتغيثوا الملهوف، وتهدوا
الضال» (٣).
ولما فيه من التعرض للفتن والأذى.
قال ابن مفلح: أما الطريق الواسع
فالمروءة والنزاهة اجتناب الجلوس فيه، فإن
جلس كان عليه أن يؤدي حق الطريق:
غض البصر، وإرشاد الضال، ورد السلام،
وجمع اللقطة للتعريف، والأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر، ومن جلس ولم يعط
الطريق حقها فقد استهدف لأذية
الناس (٤) .
(١) حديث: ((اجتنبوا مجالس الصعدات .. ))
أخرجه مسلم (٤ / ١٧٠٤) من حديث أبي طلحة رضي الله
عنه .
(٢) حديث: ((وإرشاد السبيل ... ))
أخرجه أبو داود (٥ / ١٦٠) من حديث أبي هريرة .
(٣) حديث: ((وتغيثوا الملهوف .. ))
أخرجه أبو داود (٥ / ١٦١) من حديث عمر بن الخطاب .
(٤) بريقة محمودية ٤ / ١٦٥، ١٦٦، والآداب الشرعية لابن مفلح
٣٩٢/٣، ٣٩٣
آداب المجلس :
من آداب المجلس ما يلي:
أ - التفسح في المجلس وعدم الجلوس وسط
الحلقة :
٦ - صرح جمهور الفقهاء بأنه یکره الجلوس في
وسط الحلقة، كحلقة الذكر والعلم والطعام
وغير ذلك، واستدلوا بما روي ((أن رسول الله
وَل* لعن من جلس وسط الحلقة)) (١)، وكان
أحمد بن حنبل إذا كان في الحلقة فجاء رجل،
فقعد خلفه يتأخر، قال ابن مفلح: يعنى أنه
يكره أن يكون في وسط الحلقة، ويتوجه
تحريم ذلك.
والجلوس في وسط الحلقة معناه: أن يأتي
حلقة، فيتخطى رقاب الناس ويقعد وسط
القوم، ولا يقعد حيث ينتهي المجلس، أو أن
يقعد وسط الحلقة مقابلا بين وجوه
المتحلقين، فيحجب بعضهم عن بعض،
وإنما لعن لأنهم يلعنونه، ويذمونه لتأذيهم.
وقيل: اللعن مختص بمن يجلس استهزاء
كالمضحك، وبمن يجلس لأخذ العلم
نفاقا (٢).
(١) حديث: ((لعن من جلس وسط الحلقة))
أخرجه أبو داود (٥ / ١٦٤) والترمذي (٥ / ٩٠) من حديث
حذيفة بن اليمان، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح .
(٢) بريقة محمودية وهامشها ٤/ ١٦٦، ١٦٧، والقوانين =
- ١٣٥-
نجلِس ٧
ب - تجنب إقامة شخص من مجلسه :
٧ - ذهب الحنفية إلى أنه يكره للمصلي
تخصيص مكان لنفسه في المسجد لأنه يخل
بالخشوع، أي لأنه إذا اعتاده ثم صلى في غيره
يبقى باله مشغولاً بالأول، بخلاف ما إذا لم
يألف مكاناً معيناً .
وقالوا: ليس لمن له في المسجد موضع
معین یواظب عليه - ولو مدرساً - وقد شغله
غيره إزعاج هذا الغير منه، لأن المسجد ليس
ملكا لأحد، قال ابن عابدين: وينبغي
تقييده بها إذا لم يقم عنه على نية العود بلا
مهلة، كما لو قام للوضوء مثلاً، ولا سيما إذا
وضع فيه ثوبه لتحقق سبق يده.
وقال الخير الرملي: مثل المسجد مقاعد
الأسواق التي يتخذها المحترفون: من سبق
لها فهو الأحق بها، وليس لمتخذها أن
يزعجه، إذ لا حق له فيها ما دام فيها، فإذا
قام عنها استوى هو وغيره فيها مطلقاً، قال
ابن عابدين: والمراد بها (بالمقاعد) التي لا
تضر العامة وإلا أزعج فيها مطلقا.
وصرحوا بأنه إذا ضاق المسجد فللمصلي
إزعاج القاعد ولو مشتغلا بقراءة أو درس،
وكذا إذا لم يضق لكن في قعود القاعد قطع
للصف.
= الفقهية / ٤٣٣ - ط. دار الكتاب العربي، والآداب الشرعية
لابن مفلح ١ / ٤٥٧، والآداب للبيهقي / ١٠٣
وفي شرح السير الكبير السرخسي: وكذا
کل ما یکون المسلمون فيه سواء، کالنزول في
الرباطات، والجلوس في المساجد للصلاة
والنزول بمنى أو عرفات للحج حتى لو
ضرب فسطاطه في مكان كان ينزل فيه غيره
فهو أحق، ولیس للآخر أن يحوله، فإن أخذ
موضعاً فوق ما يحتاجه فللغير أخذ الزائد
منه (١).
وسئل مالك عن الرجل يقومُ من
المجلس، فقيل له: إن بعض الناس يزعم
أنه إذا قام الرجل من مجلسه ثم رجع إليه،
إنه أحق به، فقال: سمعت في ذلك شيئاً،
وإنه لحسن إن كان إتيانه قريباً، وإن تباعد
ذلك حتى يذهب بعيداً ونحو ذلك، فلا
أرى ذلك له، وإن هذا لمن محاسن الأخلاق،
قال محمد بن رشد معناه: إذا قام عنه على أن
لا یرجع إلیه، وأما إن قام عنه على أن يرجع
إلیه فهو أحق به إن رجع بالقرب، فتحصیل
هذا أنه إن قام عنه على أن لا يرجع إليه فرجع
بالقرب، حسن أن يقوم له عنه من جلس
بعده فیه، وإن لم يرجع بالقرب، لم یکن ذلك
عليه في الاستحسان، وإن قام عنه على أن
يعود إليه فعاد إليه بالقرب، كان أحق به،
ووجب على من جلس فيه بعده أن يقوم له
(١) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٤٤٥
-١٣٦-
مجلس ٧
عنه، وإن لم يعد إليه بالقرب، حسن أن يقوم
له عنه من جلس فيه بعده، ولم يجب ذلك
علیه (١).
وقال الشافعية: يحرم أن يقيم أحداً ولو في
غير المسجد ليجلس مكانه، لخبر: ((نهى أن
يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن
تفسحوا وتوسعوا)) (٢). فإن قام الجالس
باختياره وأجلس غيره فلا کراهة في جلوس
غيره، وأما هو فإن انتقل إلى مكان أقرب إلى
الإِمام أو مثله لم یکره، وإلا کره إن لم یکن
عذر كإيثار نحو عالم، وقارىء لأن الإِيثار
بالقرب مكروه .
وقال النووي : استثنى أصحابنا من ألف
من المسجد موضعا يفتي فيه أو يقرىء فيه
قرآنا أو علما فله أن يقيم من سبقه إلى القعود
فيه، وفي معناه - كما قال ابن حجر - من سبق
إلى موضع من الشوارع ومقاعد الأسواق
لمعاملة .
ويجوز أن يبعث من يقعد له في مكان
لیقوم عنه إذا جاء هو.
وإذا فرش لأحد ثوب أو نحوه فلغيره
تنحيته والصلاة مكانه لا الجلوس عليه بغير
(١) البيان والتحصيل ٢٣١/٧ -٢٣٢
(٢) حديث: ((نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٦٢)، ومسلم
(٤ / ١٧١٤)
رضا صاحبه، ولا يرفعه بيده أو غيرها لئلا
يدخل في ضمانه .
ومن جلس في موضع من المسجد أو غيره
لصلاة مثلا ثم فارقه ليعود إليه - بعد وضوء
مثلا أو شغل یسیر- لا يبطل اختصاصه به،
وله أن يقيم من قعد فيه، وعلى القاعد أن
يطيعه وجوبا على الأصح، وقيل:
یستحب (١).
وقال الحنابلة : يحرم أن یقیم غيره فيجلس
مکانه، ولو عبده الكبير أو ولده الكبير لأنه
لیس بال، وإنما هو حق ديني فاستوى فيه
السید وعبده، والوالد وولده أو كانت عادته
الصلاة فيه، حتى المعلم ونحوه كالمفتي
والمحدث، ومن يجلس للمذاكرة في الفقه إذا
جلس إنسان موضع حلقته حرم عليه إقامته،
لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي
وَل: ((نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس
فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا))، ولكن
يقول: افسحوا، ولأن المسجد بيت الله،
والناس فيه سواء إلا الصغیر فیؤخر.
وقواعد المذهب: تقتضي عدم صحة
صلاة من أخر مكلفاً وجلس مكانه، لشبهه
الغاصب إلا من جلس بموضع يحفظه لغيره
بإذنه أو دونه لأن النائب يقوم باختياره، ولأنه
(١) أسنى المطالب ١/ ٢٦٨، والقليوبي ١ / ٢٨٧، وفتح الباري
١١ / ٦٤
- ١٣٧-
نَجْلِس ٧ - ٨
قعد فيه لحفظه له، ولا يحصل ذلك إلا
بإقامته، لكن إن جلس في مكان الإِمام أو
طريق المارة أو استقبل المصلين في مكان
ضيق، أقيم.
ويكره إيثاره غيره بمكانه الأفضل كالصف
الأول ونحوه وكيمين الإِمام ويتحول إلى ما
دونه، لما في ذلك من الرغبة عن المكان
الأفضل، وظاهره: ولو آثر به والده ونحوه،
ولا یکره للمؤثر قبول المكان الأفضل ولا رده،
فلو آثر - الجالس بمكان أفضل - زيدا فسبقه
إلیه عمرو، حرم علی عمرو سبقه إليه، وإن
وجد مصلى مفروشا فليس له رفعه لأنه
کالنائب عنه، ولما فيه من الافتیات على
صاحبه والتصرف في ملكه بغير إذنه والإفضاء
إلى الخصومة، وقاسه في الشرح على رحبة
المسجد، ومقاعد الأسواق ما لم تحضر الصلاة
فله رفعه والصلاة مكانه، لأنه لا حرمة له
بنفسه، وإنما الحرمة لربه، ولم يحضر، ولا
الجلوس ولا الصلاة عليه .
قال في الفروع: ویتوجه إن حرم رفعه فله
فرشه، وإلا كره ومنع من الفرش الشيخ،
لتحجره مكانا من المسجد، ومن قام من
موضعه من المسجد لعارض لحقه، ثم عاد
إليه قریباً، فهو أحق به، لما روى عن أبي
أيوب رضي الله عنه مرفوعا ((من قام من
مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به)) (١) وقيده
في الوجيز بها إذا عاد، ولم يتشاغل بغيره ما لم
يكن صبيا قام في صف فاضل أو في وسط
الصف ثم قام لعارض ثم عاد، فيؤخر، كما
لو لم يقم منه بالأولى فإن لم يصل العائد إليه
إلا بالتخطي، جاز له التخطي كمن رأى
فرجة لا يصل إليها إلا به (٢).
ج - السلام:
٨ - قال الماوردي : لو دخل شخص مجلسا،
فإن كان الجمع قليلا يعمهم سلام واحد
فسلم كفاه، فإن زاد فخصص بعضهم فلا
بأس، ویکفي أن یرد منهم واحد فإن زاد فلا
بأس، وإن کانوا کثیرا بحیث لا ينتشر فيهم
فيبتدأ أول دخوله، إذا شاهدهم وتتأدّى سنة
السلام في حق جميع من یسمعه، ويجب على
من سمعه الرد على الكفاية، وإذا جلس
سقط عنه سنةُ السلام فيمن لم يسمعه من
الباقين (٣) .
وفي مجلس القضاء لا يسلم القاضي على
الخصوم ولا هم يسلمون علیه، لأنهم لو
سلّموا علیه لا يلزمه الردّ وذلك لأنه اشتغل
(١) حديث: ((من قام من مجلسه .. ))
أخرجه مسلم (٤ / ١٧١٥) من حديث أبي هريرة رضي اللّه
عنه .
(٢) كشاف القناع ٢ / ٤٤ - ٤٦
(٣) فتح الباري ١١ /١٤ - ١٥، وشرح مسلم ١٤ / ١٤٥
-١٣٨-
.............
تَجْلِس ٨ - ٩
بأمر هو أعظم وأهم (١).
ومن قام من المجلس فعليه أن يسلم
أيضا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
. الله {﴾ قال: ((إذا انتھی أحدكم إلى مجلس
فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم
إذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من
الآخرة)) (٢).
كفارة المجلس والدعاء فيه :
٩ - يستحب للرجل إذا قام من مجلسه أن
يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن
لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فإنه
یغفر له ما کان في مجلسه)) (٣)، لما روى عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَ: ((من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه
فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : سبحانك
اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت،
أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في
مجلسه ذلك)) (٤) .
واحتج أبو بكر الآجرى في كفارة المجلس
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠
(٢) حديث: ((إذا انتهى أحدكم إلى مجلس ... ))
أخرجه الترمذي (٥ / ٦٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
وقال الترمذي : هذا حديث حسن .
(٣) الآداب الشرعية ٣/ ٦١٩ - ٦٢٣
(٤) حديث: ((من جلس في مجلس .. ))
أخرجه الترمذي (٥ / ٤٩٤) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه .
بما رواه جبير بن مطعم عن النبي * أنه
قال: «كفارة المجلس أن لا یقوم حتى يقول:
سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت
تب عليّ واغفر لي)) يقولها ثلاث مرات، فإن
کان مجلس لغط کانت کفارة له، وإن كان
مجلس ذكر كانت طابعا عليه (١) .
وروي عن جماعة من أهل العلم منهم
مجاهد وأبو الأحوص ويحيى بن جعده وعطاء
قالوا: في تأويل قوله تعالى: ﴿وَسَيِّحْ بَحَمْدِ
رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ (٢) أي: حين تقوم من
مجلس تقول: سبحانك اللهم وبحمدك
أستغفرك وأتوب إليك، وقالوا: من قالها غفر
الله له ما كان في المجلس، وقال عطاء: إن
کنت أحسنت ازددت إحسانا وإن کنت غیر
ذلك كان كفارة (٣).
قال ابن علان في شرح حديث أبي هريرة :
عمومہ مخصوص بما عدا الكبائر فإنها لا تكفر
إلا بالتوبة أو بالفضل الإلهي، وبما عدا
تبعات العباد، لأن إسقاطها عند التلوث بها
موقوف على رضا ذي الحق وهذا التخصيص
مأخوذ من أحاديث أخر.
(١) حديث: ((كفارة المجلس أن لا يقوم ... ))
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢ / ١٣٩) من حديث جبير
ابن مطعم وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٢) .
(٢) سورة الطور/ ٤٨
(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٦٢١ - ٦٢٣، والتفسير الكبير
٢٨ / ٢٢٩
-١٣٩-
1
تجْلِس ٩ - ١٠
ثم قال: وإنما ترتب على هذا الذكر غَفْرٌ
ما کسب في ذلك المجلس لما فيه من تنزيه
المولى سبحانه والثناء عليه بإحسانه والشهادة
بتوحيده، ثم سؤال المغفرة من جنابه وهو
الذي لا یخیب قاصد بابه (١).
أمانة المجلس :
١٠ - قال الخادمي في شرح حديث:
((المجالس بالأمانة)) (٢) أي لا یشیع حديث
جليسه، وفيه إشارة إلى مجالسة أهل الأمانة
وتجنب أهل الخيانة، وعن العسکری: یرید
أن الرجل يجلس إلى القوم فيخوضون في
حدیث ربما كان فيه ما يكرهون، فيأمنونه على
سرهم، فذلك الحدیث کالأمانة عنده، وفسر
أيضا: بأن المجالس إنما تحسن بالأمانة
لحاضريها على ما يقع فيها من قول أو فعل.
وقال رجب بن أحمد: يعنى جميع
المجالس ما وقع فيها من الأقوال والأفعال
ملابس بالأمانات على أهلها دون الخيانة،
فلا يجوز إظهار ما فيها وإفشاؤه بين
الناس (٣).
(١) دليل الفالحين ٣/ ٣٠٦
(٢) حديث: ((المجالس بالأمانة .. ))
أخرجه أبو داود (٥ / ١٨٩) من حديث جابر بن عبد الله،
وضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (٧ / ٢١٠)
(٣) بريقة محمودية وبهامشه الوسيلة الأحمدية، والذريعة السرمدية
٣/ ٢٢٢
وقال الغزالي : إفشاء السر منهي عنه لما فيه
من الإيذاء والتهاون بحق المعارف
والأصدقاء، قال النبي ◌َّ: ((إذا حدث
الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة)) (١).
وإفشاء السر حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم
إن لم یکن فيه إضرار (٢).
وقال ابن مفلح: لا يجوز الاستماع إلى
كلام قوم يتشاورون، ويجب حفظ سر من
يلتفت في حديثه حذرا من إشاعته، لأنه
كالمستودع لحديث جابر بن عبد الله رضي الله
عنهما عن النبي وَله: ((إذا حدث الرجل
بالحديث ثم التفت فهي أمانة)).
واستثنى من خطر إفشاء السر ثلاثة
مجالس، وردت في الحديث الذي رواه جابر
رضي الله عنه أن رسول الله وَلفي قال:
((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك
دم حرام، وفرج حرام، واقتطاع مال
بغير حق)) (٣)
قال الخادمي : فيفشي ما سمع عما يتعلق
بإهراق دم بغير حق ويلحقه ما يتعلق
(١) حديث: ((إذا حدث الرجل ... ))
أخرجه أبو داود (٥/ ١٨٩)، والترمذي (٤/ ٣٤١) من حديث
جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقال الترمذي: هذا
حديث حسن .
(٢) إحياء علوم الدين ٣/ ١٣٢
(٣) حديث: ((المجالس بالأمانة إلا ثلاث مجالس .. ))
أخرجه أبو داود (٥ / ١٨٩) من حديث جابر بن عبد الله
وضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (٧ / ٢١٠) .
- ١٤٠-