النص المفهرس

صفحات 281-300

لَفْو ١ -٢
لَغْو
التعريف :
١ - اللغو: له معان كثيرة في اللغة.
منها: السقط وما لا يعتد به من الكلام
وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع.
ومنها: ما لا يعقد عليه القلب مثل قول
الرجل: لا والله وبلى والله .
قالت عائشة رضي الله عنها: إنما اللغو في
المراء والهزل والمزاحة في الحديث الذي لا
يعقد عليه القلب (١).
وقال الشافعي : اللغو هو الكلام غير
المعقود عليه .
ومنها: الإِثم، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا
يُؤَاخِذُكُمْ اللّهُ بِاللَّغْوِفِ أَيْمَنِكُمْ﴾ (٢)،
والمعنى لا يؤاخذكم الله بالإِثم في الحلف إذا
كفّرتم .
ومنها: اللغط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
(١) قول عائشة: ((إنما اللغو في المراء والهزل ... ))
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره كما في الدر المنثور
للسيوطي (٣ / ١٥١)
(٢) سورة المائدة / ٨٩
الَّذِينَ كَفَرُوْلَا تَسْمَعُوْلِذَا الْقُرْءَانِ وَالْفَوَافِيِ لَعَلَّكُمْ
تَغْلِبُونَ﴾ (١) أي الغطوا فيه .
·ومنها: النطق: يقال هذه لغتهم التي
يلغون بها أي ينطقون بها، ولغو الطير
أصواتها (٢).
واصطلاحاً: ضم الكلام بما هو ساقط
العبرة منه، وهو الذي لا معنى له في حق
ثبوت الحكم وغيره (٣).
الألفاظ ذات الصلة :
الباطل :
٢ - الباطل لغة: ما سقط حكمه، يقال بَطَل
الشيء يَبْطل بطلاً وبطولاً وبطلاناً: فسد أو
سقط حکمه (٤)
واصطلاحا: عرفه البركتي: بأنه الذي لا
یکون صحیحا بأصله أو ما لا يعتد به ولا
يفيد شيئا أو ما كان فائت المعنى مع وجود
الصورة إمّا لانعدام الأهلية أو لانعدام
المحلية (٥)
والصلة بين اللغو والباطل، العموم
والخصوص فالباطل أعم من اللغو، فكل لغو
باطل وليس كل باطل لغواً.
(١) سورة فصلت / ٢٦
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٣) قواعد الفقه للبركتي ص ٤٥٤.
(٤) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٥) قواعد الفقه ص ٢٠٢
- ٢٨١ -

لغْو ٣-٥
الأحكام المتعلقة باللغو:
أولا - لغو اليمين :
٣ - اختلف الفقهاء في تعريف لغو اليمين.
والتفصيل في مصطلح (أيمان ف ١٠٣).
کفارة لغو اليمين :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء: إلى أنه لا كفارة في
لغو اليمين ولا إثم على صاحبها لقوله تعالى:
لَا يُؤَاخِذُ كُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ (١) فجعل الله
تعالى الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها ونفى
المؤاخذة باللغو فيلزم انتفاء الكفارة.
وممن قال: لا كفارة في لغو اليمين ابن
عباس وأبو هريرة وأبو مالك وزرارة بن أوفى
والحسن والنخعي والأوزاعي والثوري.
وروي عن أحمد والنخعي أن من حلف
على شيء يظنه كما حلف فلم يكن ففيه
الكفارة وليس من لغو اليمين، لأن اليمين
بالله تعالى وجدت مع المخالفة فأوجبت
الكفارة كاليمين على مستقبل (٢).
والتفصيل في (كفارة ف٩).
زمن لغو اليمين :
٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن لغو اليمين
(١) سورة المائدة / ٨٩
(٢) بدائع الصنائع ٣/ ٣، ومواهب الجليل ٣/ ٢٦٧، وكفاية
الطالب الرباني ٢ / ١٦، وروضة الطالبين ٣/ ٧، والمغني لابن
قدامة ٨/ ٦٨٧، ٦٨٨
يكون على أمر في الماضي أو الحال أو
المستقبل، كأن يقول الإنسان والله ما كلمت
زيداً وفي ظنه واعتقاده أنه لم يكلمه، أو يقول
والله لقد کلمت زيداً وفي ظنه أنه کلمه وهو
بخلافه، أو يقول والله هذا الجائي لزيد وهو
بخلافه، أو إن هذا الطائر لغراب وفي ظنه
كذلك ثم تبیّ بخلافه، وما لا يعقد عليه
قلبه ولم يقصد اليمين عليه وإنما جرت على
لسانه فهو من لغو اليمين ماضيا كان أو حالا
أو مستقبلاً (١).
وكلام عائشة رضي الله عنها يدل على هذا
فإنها قالت: إنما اللغو في المراء والهزل والمزاحة
في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب (٢).
وذهب الحنفية والعدوي وابن عرفة من
المالكية: إلى أنه لا لغو في يمين المستقبل،
لأن اليمين في المستقبل يمين معقودة سواء
وجد القصد أو لا. وتکفر إن حنث.
وقول عائشة رضي الله عنها يدل على أن
يمين اللغو ما يجرى في كلام الناس لا والله
وبلى والله في الماضي لا في المستقبل، وأنها
فسرتها بالماضي في بعض الروايات حينما
سئلت عن يمين اللغو فقالت: قول الرجل :
(١) مواهب الجليل ٣/ ٢٦٦، وبداية المجتهد ١/ ٤٢٠ ط
الكليات الأزهرية، ونهاية المحتاج ٨/ ١٦٩، ١٧٠، والمغني
لابن قدامة ٨/ ٦٨٨
(٢) قول عائشة: إنما اللغو في المراء والهزل ..
تقدم (ف ١) .
- ٢٨٢ -

لَغْو ٥ - ٧، لَفْظ ١
فعلنا والله كذا وضعنا والله كذا، واليمين
المعقودة هي اليمين على أمر في المستقبل نفياً
أو إثباتاً مثل قول الرجل: والله لا أفعل كذا
وكذا، وقوله: والله لأفعلن کذا.
ولأن لغو الیمین بمستقبل غیب فلا يلزم
مِنْ ترك الكفارة في حلفه على ما وقع ترکها في
حلفه على ما لم يقع لعذر الأول وجراءة
الثاني (١).
ثانيا - اللغو أثناء خطبة الجمعة :
٦ - اختلف الفقهاء في حكم الإنصات
لخطبة الجمعة وما يترتب عليه من لغو من لا
ينصت للخطبة، وذلك على تفصيل في
مصطلح (استماع ف ١٢ - ١٤).
لغو خطبة الجمعة :
٧ - ذهب المالكية: إلى أنه لابد أن تكون
الخطبة باللغة العربية، فوقوعها بغير العربية
لغو، فإن لم يكن في الجماعة من يعرف العربية
والخطیب یعرفهاوجبت،فإن لم يعرف الخطيب
العربية لم تجب، ولابد أن تكون جهراً فإسرارها
كعدمها وتعاد جهراً، ولابد أن تكون لها
بال (٢).
(ر: خطبة ف ٩).
(١) بدائع الصنائع ٣/ ٤، ٥، ومواهب الجليل ٣/ ٢٦٦،
والخرشي ٣ / ٥٤
(٢) العدوي على اخرشي ٢ / ٧٨
لَفْظ
التعريف :
١ - اللفظ في اللغة: أن ترمي بشيء كان
في فيك، واللفظ بالشيء: التكلم به، ولفظ
بقول حسن: تكلم به، ولفظ بالكلام: نطق
كتلفظ، ومن ذلك قوله جلّ وعلا: ﴿ مَايَلْفِظُ
مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عِيدٌ﴾(١)، وفي
الحديث: ((ويبقى في الأرض شرار أهلها
تلفظهم أرضوهم)) (٢) أي تقذفهم
(٣)
وترمیھم (٣).
وفي اصطلاح الفقهاء: اللفظ هو ما
يتلفظ به الإنسان أو من في حکمه مهملاً کان
أو مستعملا (٤).
(١) سورة ق / ١٨
(٢) حديث: ((ويبقى في الأرض شرار أهلها ... ))
أخرجه أبو داود (٣ / ١٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وأورده
المنذري في مختصر السنن (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤) وذكر أن في إسناده
راوياً قد تكلم فيه غير واحد.
(٣) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير.
(٤) التعريفات للجرجاني.
٢٨٣

لَفْظ ٢ - ٦
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإِشارة:
٢ - الإِشارة لغة: التلويح بشيء يفهم منه ما
يفهم من النطق، وتشمل الإيماء إلى الشيء
بالكف والعين والحاجب وغيرها، ومنه : أشار
علیه بكذا: إذا أبدی له رأيه، وتكون حسية
عند الإطلاق (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
والصلة بين الإِشارة واللفظ: أن الإِشارة
تفيد ما يفيده اللفظ وتقوم مقامه أحيانا.
ب- السكوت:
٣ - السكوت هو الصمت، وهو ضد
النطق، يقال: سكت الصائت سكوتاً: إذا
صمت (٢).
وفي اصطلاح الفقهاء: السكوت مختص
بترك الكلام مع القدرة عليه (٣)، وعلى هذا
فالسكوت ضد التلفظ والنطق .
الأحكام المتعلقة باللفظ :
أ - معرفة المراد عن طريق الألفاظ:
٤ - الألفاظ ترجمان الإِرادة والرغبة في الأشياء
والحاجات، ولهذا يقول ابن القيم: إن الله
(١) لسان العرب والمصباح المنير والكليات ١/ ١٨٤ - ١٨٥ .
(٢) المصباح المنير ولسان العرب
(٣) المفردات للراغب، والتعريفات للجرجاني.
تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفاً ودلالة
على ما في نفوسهم، فإذا أراد أحدهم من
الآخر شيئا عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه
ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها
بواسطة الألفاظ (١)
ب - التصرفات المقيدة بألفاظ مخصوصة وغير
المقيدة :
هناك تصرفات تتقيد بألفاظ مخصوصة
منها :
أولاً: في العبادة:
٥ - تتقيد بعض العبادات ببعض الألفاظ فلا
تصح بغيرها، كالأذان والإقامة وتكبيرة
الإِحرام والتشهد في الصلاة، وكذلك بعض
الأذكار المأثورة .
وللتفصيل: (ر: ذكر ف ٥ وما بعدها).
ثانياً: في العقود:
٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن العقود - غير
عقدي النكاح والسلم - لا يشترط فيها لفظ
معين، بل كل لفظ يؤدي إلى المقصود يتم به
العقد، وعلى هذا بنيت القاعدة الفقهية
المعروفة ( العبرة في العقود للمقاصد والمعاني
لا للألفاظ والمباني) (٢).
(١) إعلام الموقعين ٣/ ١٠٥)
(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (٣)
- ٢٨٤ -

لَفْظ ٦ - ٩
أما عقد النكاح فقد ذهب الحنفية
والمالكية إلى أنه كبقية العقود الأخرى يتم بأي
لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة (١)، ويرى
الشافعية والحنابلة أن عقد النكاح لابد فيه
من لفظ مشتق من لفظي التزويج أو
الإِنكاح، لأنهما وردتا في القرآن الكريم في
قوله تعالى: ﴿زَوَّحْتَكَهَا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَا
تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَا ؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ
مَاقَدْ سَلَفَْ﴾ (٣) دون سواهما (٤).
وانفرد الشافعية بإضافة عقد السلم إلى
عقد النكاح في تقييده بألفاظ خاصة (٥).
وللتفصيل (ر: صيغة ف ٦).
ثالثا: في الشهادة :
٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لابد في أداء
الشهادة من لفظ (أشهد) فلا يقبل مثل
قوله: أعلم أو أعرف أو أتيقن إلا أن المالكية
لم يشترطوا لفظاً مخصوصاً في الشهادة، بل
یکفي عندهم كل ما يدل على حصول علم
الشاهد بما شهد (٦)
(١) الشرح الصغير ١/ ٣٨٠، وبدائع الصنائع ٢/ ٢٣٠ -
٢٣١
(٢) سورة الأحزاب / ٣٧
(٣) سورة النساء / ٢٢
(٤) مغني المحتاج ٣/ ١٤٠، والمغني ٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣
(٥) المنثور ٢ / ٤١٢، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٤
(٦) بدائع الصنائع ٦/ ٢٧٣، والشرح الصغير ٢ / ٣٤٨، والمغني
٩/ ٢١٦، والجمل على المنهج ٥/ ٣٧٧
وللتفصيل (ر: إثبات ف ١٠، شهادة
ف ٢٧) .
رابعا: في أيمان اللعان:
٨ - اشترط الفقهاء في أيمان اللعان أن ترد
فيها ألفاظ مخصوصة هي (أشهد، لعنة،
غضب) (١)، وذلك لورود النص القرآني.
بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَزَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ وَيَّكُنْ لَهُمْ شُهَدَآءُإِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَ حَدِهِمْ
أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الضَّدِقِينَ
وَاَ لْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَذِينَ
وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهْدَاتٍ بِلّهِإِنَّهُ.
لَمِنَ الْكَذِبِينَ ﴾ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَآ
إِن كَانَ مِنَ الصََّدِقِينَ ﴾﴾(٢).
والتفصيل في (لعان، وأيمان ف ١٤).
ج - الإكراه على التلفظ بألفاظ مخصوصة:
٩ - الإِكراه يؤثر في الإِرادة ويعد عيباً من
عيوبها ... وذهب أكثر الفقهاء إلى أن
الإكراه على التلفظ بلفظ ما يمنع ترتيب أثره
عليه ولو كان كلمة الكفر، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا
مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ، مُظْمَيِنٌّ ◌ِاَلْإِيمَنِ﴾ (٣
(١) مغني المحتاج ٣/ ٣٧٥، والاختيار ٣/ ١٦٩، وبدائع
الصنائع ٣/ ٢٤٢، وشرح منتهى الإرادات ٣/ ٢٠٧،
والفواكه الدواني ٢/ ٨٥
(٢) سورة النور / ٦ - ٩
(٣) سورة النحل / ١٠٦
- ٢٨٥ -

لَفْظ ٩ - ١١
ولحديث: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه)) (١).
وللتفصيل (ر: اكراه ف ١٨ - ٢٤) .
د - قصد معاني الألفاظ:
١٠ - اللفظ هو الصورة التي تحمل مراد
المتكلم إلى السامع، فإذا كان صاحب اللفظ
جاهلا بمعناه كالأعجمي لم يعد اللفظ
صالحا لتأدية هذا المعنى، فيسقط اعتباره.
جاء في قواعد الأحكام: إذا نطق
الأعجمي بكلمة کفر أو إیمان أو طلاق أو بيع
أو شراء أو صلح أو إبراء لم يؤاخذ بشيء من
ذلك، لأنه لم يلتزم مقتضاه ولم يقصد إليه،
وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه
المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا
يؤاخذ بشيء من ذلك لأنه لم يرده فإن الإِرادة
لا تتوجه إلا إلی معلوم أو مظنون، وإن قصد
العربي النطق بشيء من هذا الكلام مع
معرفته بمعانيه نفذ ذلك منه (٢).
إلا أن الحنفية أوقعوا طلاق الناسي
والخاطىء والذاهل، وکذلك یمینه، إذ
القصد بالنسبة لليمين والطلاق ليس بشرط
(١) حديث: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ... ))
أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩) من حديث أبي هريرة، وقال
البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣٥٣) هذا إسناده صحيح
إن سلم من الانقطاع .
(٢) قواعد الأحكام العز بن عبد السلام ٢/ ١٠٣
عندهم (١)، كما أنهم حكموا بإسلام الكافر
إذا أجبر على التلفظ بكلمة الإِسلام، على
العكس من إجبار المسلم على التلفظ بكلمة
الكفر (٢)
.
وإذا تلفظ بلفظ فقصد صورته دون معناه
كالهازل أو اللاعب لم يترتب على تصرفه
أحكامه عند جمهور الفقهاء وكان لغواً إلا
خمسة أمور هي: طلاقه ويمينه ونكاحه
ورجعته وعتقه، فإنها تقع كلها منه، لقوله
قال: ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد:
النكاح والطلاق والرجعة» (٣)، وقال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: أربع جائزات إذا
تكلم بهن: الطلاق والعتاق والنكاح والنذر.
وللتفصيل انظر مصطلحات (صيغة
ف ٩، وعقد ف ٦، وطلاق ف ٢٨ وما
بعدها، ونكاح، وهزل).
هـ - اشتراك لفظ واحد بین معنیین أو أکثر:
١١ - المشترك اللفظي هو اللفظ الموضوع لغة
المعنيين أو أكثر على سبيل البدل، أو هو أن
يتحد اللفظ ويتعدد المعنى على سبيل
الحقيقة فيهما كالقرء، فإنه حقيقة في الحيض
(١) الأشباه لابن نجيم ٣٠٣، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٤٩،
وبدائع الصنائع ٣/ ١٠٠
(٢) بدائع الصنائع ١٠٠/٣
(٣) حديث: ((ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد ... ))
أخرجه الترمذي (٣/ ٤٨١) من حديث أبي هريرة، وقال:
حدیث حسن غريب.
- ٢٨٦ -

لَفْظ ١١ - ١٣
والطهر (١) (ر: اشتراك ف ٣).
ولو حلف: لا يركب دابة أو لا يأكل لحماً
أو لا يجلس على فراش أو لا یشرب بارداً فإن
كلاّ من هذه الألفاظ (الدابة واللحم والفراش
والبارد) يحتمل عدة معان: إذ تطلق الدابة
على الحمار والفرس، ويطلق اللحم على
الغنم والإِبل والسمك، ويشمل الفراش ما
أعد للنوم والجلوس، وكذلك البارد یشمل
الماء وغيره، فلهذا يلجأ إلى نية الحالف أو
قصد المتكلم أو إلى العرف، ويصرف اللفظ
إليها ... قال ابن القيم: مما تتغير به الفتوى
لتغير العرف والعادة موجبات الأيمان والإِقرار
والنذور وغیرها، فمن حلف: لا رکبت
دابة، وكان في بلدٍ عرفهم في لفظ الدابة:
الحمار خاصة، اختصت يمينه به، ولا يحنث
برکوب الفرس ولا الجمل، ثم قال: فیفتی في
کل بلد بحسب عرف أهله، ویفتی كل أحد
بحسب عادته (٢).
وكذلك ما نقله ابن عابدين عن فتاوى
قاسم حيث قال: لفظ الواقف والموصي
والحالف والناذر وكل عاقد يحمل على عادته
في خطابه ولغته التي يتكلم بها، سواء وافقت
(١) جمع الجوامع ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وكشاف اصطلاحات الفنون
١٥٤/٤
(٢) إعلام الموقعين ٣/ ٥٠
لغة العرب ولغة الشارع أو لا (١).
و- الصريح والكناية من الألفاظ:
١٢ - الصريح في اللغة: هو الذي خلص
من تعلقات غيره، وفي الاصطلاح: اسم
لکلام مکشوف المراد به بسبب كثرة الاستعمال
حتی یظهر ظهوراً بینا.
والكناية لغة: أن يتكلم بشىء يستدل به
على المكني عنه، أما في الاصطلاح فهي كما
قال الجرجاني: كلام استتر المراد منه
بالاستعمال وإن كان معناه ظاهراً في
اللغة (٢).
ولهذا تنقسم الألفاظ إلى صريح يظهر
المراد به وكناية يخفى المراد بها، إلا مع قرينة
تظهره، وهذا التقسيم يدخل في ألفاظ كثير
من العقود والتصرفات كالطلاق والوقف والهبة
والخطبة والنكاح والخلع والظهار والقذف
والنذر وغيرها مما تستعمل فيه ألفاظ صريحة
وأخرى كنائية ... وتعرف تفاصيل تلك
الألفاظ في مصطلحاتها وفي مصطلح (صريح
ف ١٢ - ٢١، وكناية).
.
ز- النهي عن ألفاظ معينة:
١٣ - ورد النهي عن بعض الألفاظ لمقاصد
(١) مجموع رسائل ابن عابدين ١ / ٤٨
(٢) المصباح المنير، والقاموس المحيط، والتعريفات للجرجاني.
وفتح القدير وبهامشه العناية ٣ / ٤٤ - ٤٥
- ٢٨٧ -

لَفْظ ١٣ ، لَقَب ١ - ٢
شرعية كقوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ
أَنْظُرْنَا﴾ (١).
ومن ذلك النهي عن تسمية العنب
بالكرمة، وصلاة المغرب بالعتمة، والنهي عن
ألفاظ سلام الجاهلية: عم صباحاً ومساءً،
والنهي عن ابتداء أهل الذمة بألفاظ السلام
الخاصة بالمؤمنين، ونحو ذلك.
وتنظر تفصيلات ذلك في مصطلحاتها.
(١) سورة البقرة / ١٠٤
لَقَب
التعريف :
١ - اللقب في اللغة: هو ما يسمى به
الإِنسان بعد اسمه الأول (العَلَم) من لفظ
يدل على المدح أو الذم لمعنى فيه، والجمع
ألقاب.
واللقب ضربان: ضرب علی سبیل
التشريف كألقاب السلاطين، وضرب على
سبيل النبز.
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه
اللغوي (١).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاسم:
٢ - الاسم لغة: ما وضع لشيء من الأشياء
ودل على معنى من المعاني، جوهراً كان أو
عرضاً.
واصطلاحا: هو ما يعرف به الشيء
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، والتعريفات
والمفردات، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، وتفسير القرطبي
١٦ / ٣٢٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧١١
- ٢٨٨ -

لَقَب ٢ - ٤
ويستدل به عليه، أو هو ما دل على معنى فى
نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، وهو
ينقسم إلى اسم عين، وهو الدال على معنى
يقوم بذاته كزيد وعمرو، وإلى اسم معنى وهو
ما لا يقع بذاته، سواء كان معنى وجوديا
کالعِلْم أو عدمیا کالجهل.
والصلة بين اللقب والاسم أن ما قصد به
التعظيم أو التحقير فهو لقب، وإلا فهو
اسم (١).
ب - الكنية :
٣ - الكنية في اللغة: تطلق على الشخص
للتعظيم، وتكون علما غير الاسم واللقب،
وتصدّر بأب أو أم، وذلك کأبي حفص وأبي
الحسن.
وتستعمل الكنية مع الاسم ومع اللقب أو
بدونهما تفخيما لشأن صاحبها أن يذكر اسمه
مجردا، وتكون لأشراف الناس (٢).
والصلة أن الكنية تكون - غالبا -
للتفخيم، وأما اللقب فقد يكون للمدح
والتفخيم أو الذم.
الحكم التكليفي:
قسم الفقهاء أحكام النبز بالألقاب إلى
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات، والمعجم الوسيط،
والفروق اللغوية ص ١٧، والكليات ٣/ ١٩٢
(٢) المصادر السابقة.
مستحب وجائز ومكروه وحرام .
٤ - فاللقب إن كان من مستحب الألقاب،
ومستحسنها، وليس فيه الإِطراء المنهي عنه
شرعا فهو مستحب بشرط أن يكون الملقب
راضيا عنه، لما ورد عن النبي وَلاير: ((أنه كان
يعجبه أن يدعو الرجل بأحب أسمائه إليه
وأحب كناه)) (١)، ولأنه صلى الله عليه وسلم
لقب الصديق رضي الله عنه بعتيق (٢) وعليًا
رضي الله عنه بأبي تراب (٣)، وخالد بن الوليد
رضي الله عنه بسيف الله (٤)
ولأنه قلّ من المشاهير في الإِسلام من لیس
له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في
الأمم كلها من العرب والعجم تجري في
مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير (٥).
(١) حديث: ((أن الرسول كان يعجبه أن يدعو الرجل ... ))
أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٤ / ١٣) في حديث حنظلة
ابن حذیم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨ / ٥٦) رجاله
ثقات
(٢) حديث: ((أن رسول الله# لقب أبا بكر الصديق بعتيق))
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١ / ٥٣) من حديث عبد الله
ابن الزبير، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠) وقال:
رواه البزار والطبراني بنحوه ورجالهما ثقات.
(٣) حديث: ((أن رسول الله ﴾ لقب عليًا بأبي تراب.))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٨٧/١٠)
(٤) حديث: ((أن رسول الله # لقب خالد بن الوليد بسيف الله)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٥١٢) من حديث أنس بن
مالك .
(٥) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠ / ٤٦٨، ومغني المحتاج
٤ / ٢٩٥، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٢٩، وأحكام القرآن لابن
العربي ٤ / ١٧١١، وابن عابدين ٥/ ٢٦٨
- ٢٨٩ -

لَقَب ٥ -٧
٥ - وإن كان اللقب عاديا لا يوصف
بالمستحسن ولا بالمستقبح وكان الملقب به
راضيا عنه جاز، وكذا إن كان مستقبحا
ولايرضى عنه الملقب إلا أنه تعين طريقا إلى
التعریف به، حیث یغلب عليه الاستعمال
ويشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكر هذا
اللقب، فهذا جائز أيضا عند جمهور الفقهاء
وأهل العلم بشرط أن لا يكون إلقاء اللقب
على وجه التعيير والتنقيص.
ومن أجل هذا أكثر العلماء من استعمال
مثل هذه الألقاب للمؤلفين والرواة والفقهاء
كالأعمش والأعرج، وما أشبه ذلك من
الألقاب.
والأصل في ذلك قول النبي ◌َلي في
الحديث المسمی بحديث ذى اليدين: (أکما
یقول ذو الیدین»، وفي رواية: «ما يقول ذو
الیدین)) (١)، وذلك لما سلّم في ركعتين من
صلاة الظهر، ولأن داعية التعريف في الجملة
مصلحة يفتقر إليها، ومع ذلك فقد قال
العلماء: لو أمكن تعريف صاحب اللقب
بغير ذلك اللقب المكروه كان أولى، لحصول
(١) حدیث: (أکما یقول ذو الیدین)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٦٦)، والرواية الأخرى
أخرجها مسلم (١ / ٤٠٣)
المقصود مع السلامة من الغيبة (١).
٦ - وذهب بعض العلماء إلى حرمة ذلك حتى
مع وجود الحاجة إلى التعريف بالملقب، ومن
هؤلاء الحسن البصري فقد نقل عنه أنه قال:
أخاف أن يكون قولنا حميد الطويل غيبة،
وقال ابن العربي من المالكية بعد ما ذكر
المسألة: وقد ورد لعمر الله من ذلك في كتبهم
ما لا أرضاه ... ولا أراه سائغا في الدین،
وقد كان موسى بن علي بن رباح المصري
يقول: لا أجعل أحدا صغّر اسم أبي في
حل، وكان الغالب على اسم أبيه التصغير
بضم العين (٢)
.
٧۔ أما إذا كان الشخص لم يشتهر بهذا
اللقب، أو كان يتميز عن غيره بغير هذا
اللقب من الأسماء والألقاب والكنى، أو كان
إطلاق اللقب عليه ليس على جهة التعريف
به، وإنما على جهة التنقيص والتعبير فلا يجوز
ذلك إجماعا (٣) لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ
بِالْأَلْقَبِ بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنِّ وَمَن ◌َّْ
يَتُبْ فَأَوْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ﴾ (٤).
(١) دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٤ / ٣٥٤، وفتح الباري
١٠ / ٤٦٨، تفسير القرطبي ١٦ / ٣٢٨ وما بعدها، ومغني
المحتاج ٤ / ٢٩٤ - ٢٩٥، وأحكام القرآن لابن العربي
٤/ ١٧١١
(٢) فتح الباري ١٠/ ٤٦٨، وأحكام القرآن لابن العربي
٤ / ١٧١١، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٢٩.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) سورة الحجرات / ١١
- ٢٩٠ -
..

لَقَب ٧ - ٩
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ تَعْضُكُمْ بَعْضَأْ
أَيُحِبُّ أَحَدُ كُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا
نگفتُاُ﴾ (١).
الألقاب المحرمة :
٨ - إذا كان اللقب من قبيل الإطراء المنهي
عنه شرعا كملك الأملاك وملك الملوك، وما
أشبه ذلك من الألقاب التي ينبغي أن لا
يُوصف بها إلا الله عز وجل، فيحرم لقول
النبي #1: ((إن أخنع اسم عند الله رجل
تسمى ملك الأملاك)) (٢)، ولأن إطلاق مثل
هذه الألقاب على غير الله تعالى وصف لذلك
الغير بوصف الخالق الذي لا يصح قيامه
بغيره سبحانه (٣).
إطلاق ألقاب التفخيم على الفساق:
٩ - ذهب الفقهاء إلى أنه يكره تلقیب الفساق
والعصاة والظالمين والسفلة بالألقاب العلية
التي تدل على التعظيم أو التشريف كسيد
وأستاذ وما أشبههما من ألقاب التعظيم
والتبجيل، لما ورد عن بريدة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقولوا للمنافق
(١) سورة الحجرات / ١٢
(٢) حديث: ((إن أخنع اسم عند الله رجل ... ))
أخرجه البخاي (فتح الباري ١٠/ ٥٨٨) ومسلم (٣/ ١٦٨٨)
واللفظ لمسلم .
(٣) دليل الفالحين ٤ / ٤٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤، والفواكه
الدواني ١ / ٤٦١، وفتح الباري ١٠ / ٢٦٨
سيد، فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم
عز وجل)) (١).
ولأن في هذا تعظيم من أهانه الله بسبب
معصیته وخرج بذلك عن حزب الرحمن
وانتظم في إخوان الشياطين، فعلى المسلم
إهانته وترك تعظيمة ليرتدع عما هو فيه فيرجع
إلى الطاعة.
وقال الزمخشرى بعدما ذكر الألقاب
الجائزة: إلا ما أحدثه الناس في زماننا هذا من
التوسع حتى لقبوا السفلة بالألقاب العلية ..
فما أقول في تلقیب من ليس من الدین في
قبيل ولا دبير بفلان الدين هي لعمر الله
الغصة التي لا تساغ (٢).
قال ابن عابدين: ونظيره ما يقال
للمدرسين بالتركى: أفندي، وسُلْطَانم
ونحوه (٣) .
كما تكره عندهم الألقاب القبيحة
كشيطان وظالم وشهاب وحمار وكليب (٤).
(١) حدیث: ((لا تقولوا للمنافق سید ... »
أخرجه أبو داود (٥/ ٢٥٧) وصحح إسناده النووي في الأذكار
(ص ٥٥٨)
(٢) دليل الفالحين ٤ / ٥٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، وحاشية
ابن عابدين ٥/ ٢٦٥، ٢٦٨ - ٢٦٩، والفواكه الدواني
٤٦١/١ .
(٣) حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٦٩
(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، والفواكه الدواني ١ / ٤٦١،
ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤، وتفسير القرطبي ١٦/ ٣٢٨ -
٣٢٩
- ٢٩١ -

لَقْط ١ - ٣
لَقْط
التعريف :
١ - اللقط بفتح اللام وسكون القاف
کالنصر- مصدر لَقَطَ یلقُط ۔ ومن معانيه في
اللغة أخذ الشيء من الأرض وجمعه، يقال:
لقطه يلقُطه لقطاً: أخذه من الأرض، ومنه
اللُّقَطَة وهي اسم الشيء الذي تجده ملقى
فتأخذه، واللقيط وهو المولود المنبوذ (١)
.
والمراد به عند الفقهاء أخذ أيام النقاء بين
الدّمَيْن والحكم عليها بالطهر، والتقاط أزمنة
الدم والحكم عليها بالحيض (٢).
ويسمى القول باللقط كذلك القول
بالتلفيق .
الألفاظ ذات الصلة :
السحب :
٢ - السحب لغة: جر الشيء على وجه
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وحاشية البجيرمي على الخطيب
١/ ٣٠٨
(٢) الوجيز وشرحه فتح العزيز بهامش المجموع ٢/ ٥٣٦، ٥٣٧
الأرض كالثوب وغيره (١).
وفي الاصطلاح: عرّفه الشافعية بإعطاء
النقاء المتخلل بين أيام الحيض حكم
الحيض، وسمّي بذلك لسحب حكم
الحيض على النقاء وجعل الكل حيضا (٢).
الحکم الإجمالي:
٣ - اللقط لفظ يستعمله الشافعية غالباً فيها
إذا انقطع دم المرأة وكانت ترى يوماً دماً ويوماً
نقاء، أو یومین ویومین، ويختلف الحكم عند
الفقهاء في انقطاع دم المرأة حسب اختلاف
أحوال الانقطاع، فالطهر المتخلل بين
الدمين إذا كان خمسة عشر يوما فصاعداً فإنه
طهر فاصل بين الدمين عند جميع الفقهاء.
واختلفوا في حكم الطهر بين الدمين أقل
من هذه المدة، هل يعتبر فاصلاً أو لا؟.
فذهب الحنفية إلى أن الطهر الفاصل بين
الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يعتبر
فاصلاً.
وفيما زاد عن ثلاثة أيام إلى خمسة عشر يوما
فعن أبي حنيفة فیه أربع روايات روى أبو
يوسف عنه أنه قال: الطهر المتخلل بين
الدمین إذا كان أقل من خمسة عشر يوما یکون
طهرا فاسدا ولا یکون فاصلا بین الدمین بل
(١) لسان العرب.
(٢) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ١/ ٣٨٥
- ٢٩٢ -

لقط ٣
یکون کله کدم متوال ثم یقدر ما ينبغي أن
يجعل حيضا يجعل حيضا والباقي يكون
استحاضة، وروی محمد عن أبي حنيفة أن
الدم إذا كان في طرفي العشرة فالطّهر المتخلل
بینھما لا یکون فاصلا ويجعل کله کدم متوال،
وإن لم يكن الدم في طرفي العشرة كان الطهر
فاصلا بین الدمین. ثم بعد ذلك إن أمكن
أن يجعل أحد الدمين حيضا يجعل ذلك
حيضا، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما
حيضا يجعل أسرعهما حيضا، وهو أولهما،
وإن لم يمكن جعل أحدهما حيضا لا يجعل
شيء من ذلك حيضا، وروى عبد الله بن
المبارك عن أبي حنيفة أن الدم إذا كان في
طرفي العشرة وكان بحال لو جمعت الدماء
المتفرقة تبلغ حيضا لا يصير الطهر فاصلا بين
الدمین، ویکون کله حیضا، وإن کان بحال
لو جمع لا يبلغ حيضا يصير فاصلا بين
الدمين ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحد
الدمین حیضا يجعل ذلك حيضا وإن أمكن
أن يجعل كل واحد منهما حيضا يجعل أسرعهما
حیضا وإن لم یمکن أن يجعل أحدهما حیضا
لا يجعل شيء من ذلك حیضا، وروى
الحسن عن أبي حنيفة أن الطهر المتخلل بين
الدمین إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون
فاصلا بين الدمين وكله بمنزلة المتوالي، وإذا
کان ثلاثة أیام کان فاصلا بينهما، ثم ينظر إن
٠٠
أمكن أن يجعل أحد الدمین حیضا جعل،
وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضا
يجعل أسرعهما، وإن لم يمكن أن يجعل شيء
من ذلك حيضا لا يجعل حيضا، واختار
محمد لنفسه في كتاب الحيض مذهبا فقال:
الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من
ثلاثة أيام لا يعتبر فاصلا وإن كان أكثر من
الدمین ویکون بمنزلة الدم المتوالي، وإذا كان
ثلاثة أيام فصاعدا فهو طهر كثير فيعتبر،
لكن ينظر بعد ذلك إن كان الطهر مثل
الدمین أو أقل من الدمين في العشرة لا يكون
فاصلا وإن كان أكثر من الدمين يكون
فاصلا ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحدهما
حيضا جعل وإن أمكن أن يجعل كل واحد
منهما حيضا يجعل أسرعهما حيضا وإن لم
يمكن أن يجعل أحدهما حيضا لا يجعل شيء
من ذلك حیضا.
قال في الفتاوى الهندية: وكثير من
المتأخرين أفتوا برواية أبي يوسف لأنها أسهل
على المفتي والمستفتى والأخذ بها أيسر كذا في
الهداية وعليه استقر رأي الصدر الشهيد
حسام الدین وبه یفتی (١) .
ويرى المالكية في مسألة التقطع هذه أنّ
(١) بدائع الصنائع ١ / ٤٣، ٤٤، والفتاوى الهندية ١ / ٣٧، وفتح
القدير ١ / ١٢٠، ١٢١
- ٢٩٣ -

لَقْط ٣
المرأة تلفق، أي تجمع أيام الدم فقط لا أيام
الطهر، وتغتسل وجوباً كلما انقطع الدم فيها
في أيام التلفيق، وتصوم إن كانت قبل الفجر
طاهراً، وتصلى بعد طهرها، مع تفصيل في
ذلك مبتدأة ومعتادة وحامل (١) .
وعند الشافعية إذا كان الانقطاع قبل
مجاوزة الخمسة عشرقولان:
القول الأول: قول السحب، وهو أن حکم
الحيض ينسحب على أيام النقاء، فتحيض
فيها جميعاً، لأن زمان النقاء ناقص عن أقل
الطهر فيكون حيضاً، كساعات الفترة بين
دفعات الدم.
والقول الثاني: قول اللقط والتلفيق، وهو أن
تلتقط أيام النقاء وتلفق، ويحكم بالطهر
فيها، وحيضها أزمنة الدم لا غير، لقوله
تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢) أي
ينقطع دمهن، وقد انقطع فيجوز القربان،
ولأنه لا يحكم في أيام الدم حقيقة بالطهر
فكذلك لا يحكم في أيام النقاء حقيقة
بالحيض توفيراً لحكم كل واحدة من الحالتين.
عليها.
ونقل النووي اختلاف الشافعية في
(١) الدسوقي ١ / ١٧٠ وما بعدها، وجواهر الإكليل ١/ ٣١،
ومواهب الجليل ١/ ٣٦٩، والزرقاني ١ / ١٣٥
(٢) سورة البقرة / ٢٢٢
الأصح منهما، ثم قال: والحاصل أن الراجح
عندنا قول السحب (١).
وقال الرملي: ومحل القولين في الصلاة
والصوم ونحوهما، فلا يجعل النقاء طهراً في
انقضاء العدة إجماعا، ثم قال: وشرط جعل
النقاء بين الدم حيضاً أن لا يجاوز خمسة عشر
يوماً ولا ينقص مجموع الدماء عن أقل
الحيض، وأن يكون النقاء زائداً على الفترات
المعتادة بين دفعات الحيض، فإن تلك
حيض قطعا (٢).
وذهب الحنابلة في مسألة تقطع الدم إلى
أن المرأة تغتسل وتصلي في زمن الطهر حتى
ولو كان ساعة، لقول ابن عباس رضي الله
عنهما: لا يحل لها إذا رأت الطهر ساعة إلا أن
تغتسل. وقال الرحيباني: إن الطهر في أثناء
الحيضة صحيح تغتسل فيه وتصلي ونحوه أي
تصوم وتطوف وتقرأ القرآن، ولا يكره فيه
الوطء، لأنه طهر حقيقة (٣).
والتفصيل في مصطلح :(تلفيق ف ٥،٤).
(١) فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع ٢ / ٥٣٦ وما بعدها،.
والمجموع شرح المهذب ٢ / ٥٠٢ وما بعدها .
(٢) نهاية المحتاج ١ / ٣٣٨.
(٣) كشاف القناع ٢١٤/١ - ٢١٨، ومطالب أولي النهى
١/ ٢٦١
- ٢٩٤ -

لُقَطَّة ١ - ٤
لُقَطَة
التعريف:
١ - اللقطة في اللغة: من لقط أي أخذ
الشيء من الأرض، وكل نثارة من سنبل أو تمر
لقط (١).
واللقطة شرعا: هي المال الضائع من ربه
يلتقطه غيره، أو الشيء الذي يجده المرء ملقى
فيأخذه أمانة (٢).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - اللقيط:
٢ - سمي لقيطاً وملقوطاً باعتبار أنه يلقط،
ومنبوذاً باعتبار أنه ينبذ، ويسمى أيضاً
دعياً (٣)، وشرعاً اللقيط: اسم المولود طرحه
أهله خوفاً من العيلة أو فراراً من تهمة الزنا،
أو هو طفل نبيذ بنحو شارعٍ لا يعرف له
مدعٍ (٤). قال تعالى: ﴿فَلَْقَطَهُرْ ءَالْ فِرْعَوْنَ
(١) لسان العرب، والقاموس المحيط، ومعجم مقاييس اللغة.
(٢) فتح القدير ٦/ ١١٨، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٦، وفتح الجواد
١/ ٦٣٠، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣١٨
(٣) لسان العرب.
(٤) التعريفات للجرجاني.
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١).
واللقطة أعم من اللقيط.
ب - الکنز:
٣ - الكنز هو المال المدفون الذي لا يعرف
دافنه (٢).
واللقطة والكنز صاحبهما غير معروف.
حكم الالتقاط:
٤ - اختلف الفقهاء في حكم الالتقاط على ما
یآتي:
ذهب الحنفية(٣) إلى أنه يندب رفع اللقطة
من على الأرض إن أمن الملتقط على نفسه
تعريفها، وإلا فالترك أولى من الرفع، وإن
أخذها لنفسه حرم، لأنها كالغصب في هذه
الحالة.
ویفرض عليه أخذها إذا خاف من
الضياع، لأن المال المسلم حرمة كمال نفسه
فلو ترکھا حتی ضاعت کان آثما.
وذهب المالكية إلى أنه إن كان الملتقط
يعلم من نفسه الخيانة كان الالتقاط حراما،
وإن كان يخاف أن يستفزه الشيطان ولا
یتحقق من ذلك فیکون مکروها، وإن كان
(١) سورة القصص / ٨
(٢) لسان العرب، والتعريفات للجرجاني.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٧٧، وشرح الكنز الزيلعي
٣٠٢/٣، والمبسوط السرخسي ٢/١١، وبدائع الصنائع
٦٠/ ٢٠٠
- ٢٩٥ -

لُقطَة ٤ - ٥
یثق بأمانة نفسه، فإما أن یکون بین ناس لا
بأس بهم ولا يخاف عليها الخونة، وإما أن
يخافهم فإن خافهم وجب عليه الالتقاط،
وإن لم يخفهم فلمالك ثلاثة أقوال في هذه
الحالة :
الأول: الاستحباب مطلقا.
الثاني: الاستحباب فيما له بال فقط.
الثالث: الكراهة (١).
وقال الشافعي : إذا وجدها بمضیعة وأمنِ
نفسه عليها فالأفضل أخذها، واختار
أبو الخطاب ذلك وحكي عن الشافعي قول
آخر: أنه يجب أخذها صيانة للمال عن
الضياع، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍْ﴾ (٢). فإذا
کان المؤمن ولياً للمؤمن فقد وجب عليه حفظ
ماله فلا يتركه عرضة للضياع .
وممن رأى أخذها سعيد بن المسيب
والحسن بن صالح وأخذها أبي بن كعب
فعلا (٣).
ويرى أحمد أن الأفضل ترك الالتقاط
وروي معنی ذلك عن ابن عباس وابن عمر
(١) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للخطاب ٦/ ٧١، وبداية
المجتهد لابن رشد ٢ / ٣٣٦ - ٣٣٧، وحاشية الدسوقي
٤ / ١٢٠، والخرشي ٧/ ١٢٣
(٢) سورة التوبة / ٧١
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٤٠٦ - ٤٠٧، ونهاية المحتاج ٥/ ٤٢٣،
والمهذب ١ / ٤٢٩
رضي الله عنهم وبه قال جابر واپن زید
والربيع بن خيثم وعطاء، وحجتهم: حديث
الجارود مرفوعا: ((ضالة المسلم حرق
النار)) (١). ولأنه تعريض لنفسه لأكل الحرام
وتضييع الواجب في تعريفها وأداء الأمانة فيها
فكان تركه أولى وأسلم (٢).
من يصح منه الالتقاط:
٥ - اختلف الفقهاء في من يصح منه
الالتقاط ولهم في ذلك اتجاهان:
الاتجاه الأول:
ذهب الحنفية والشافعية في الراجح
عندهم والحنابلة إلى أنه يجوز الالتقاط من أي
إنسان سواء كان مكلفا أم غير مكلف،
رشیدا أم لا .
وعلى ذلك يصح الالتقاط من الصبي
والمجنون والمعتوه والسفيه ومن المسلم
والذمي، واستثنى الحنفية المجنون فلا يصح
التقاطه عندهم وكذلك المعتوه في قول، وقد
استدلوا علی ذلك بما يلي:
أ - عموم الأخبار الواردة في اللقطة، فلم
تفرق بين ملتقط وآخر.
(١) حديث الجارود: ((ضالة المسلم حرق النار))
أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣/ ٤١٨) وصحح إسناده
ابن حجر في الفتح (٥ / ٩٢)
(٢) المغني لابن قدامة ٥/ ٦٩٣، والمقنع ٢ / ٢٩٥، ومنتهى
الإرادات ١/ ٥٥٤
- ٢٩٦ -

لُقَطَة ٥ -٦
ب - إن الالتقاط تكسب فصح من هؤلاء
كالاصطياد والاحتشاش (١).
الاتجاه الثاني :
ذهب مالك إلى أن الملتقط هو کل حر
مسلم، بالغ، وعلى ذلك لا يصح الالتقاط
عنده من العبد ولا من الذمي ولا من
الصبي، ووافقه بعض أصحاب الشافعي في
عدم جواز الالتقاط من الذمي .
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أ - أن اللقطة ولاية ولا ولاية للعبد والذمي
والصغير.
ب - أن اللقطة أمانة والذمي ليس أهلا
للأمانات.
وإن تلفت اللقطة في يد من يجوز له
الالتقاط من غير تفريط منه لم يكن عليه
ضمان، لأنه أخذ ماله الحق في أخذه.
أما إن كان التلف بتفريطه فإنه یضمنها
من ماله هو (٢).
وإذا علم الولي بالتقاط من عليه الولاية
وجب عليه أخذها منه، لأن المولی علیہ لیس
من أهل الحفظ والأمانة، فإن تركها الولي في
(١) ابن عابدين ٣/ ٣١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٤٢٦، والمهذب
١/ ٤٣٣، والمغني ٥ / ٧٣١ - ٧٣٢، والمقنع ٢/ ٣٠١،
ومنتھی الإرادات ١/ ٥٥٨
(٢) المراجع السابقة وبداية المجتهد لابن رشد ٢/ ٣٣٣
يده کان عليه ضمانها، لأنه يلزمه حفظ ما
يتعلق به حق الصبي، وهذا يتعلق به حقه،
فإذا تركها في يده كان مضيعا لها فوجب عليه
ضمانها، وإذا أخذها الولي عرفها هو، لأن
واجدها ليس من أهل التعريف، فإذا عرفها
خلال مدة التعریف دخلت في ملك واجدها
وليس في ملك الولي لأن سبب الملك تم
شرطه فیثبت الملك له.
الإِشهاد على اللقطة :
٦ - ذهب المالكية والشافعية في المذهب
والحنابلة إلى أنه يسن الإشهاد على اللقطة
حين يجدها، لأن في الإِشهاد صيانة لنفسه
عن الطمع فیھا وکتمها وحفظها من ورثته إن
مات، ومن غرمائه إن أفلس، ويشهد عليها
سواءً أكان الالتقاط للتملك أم للحفظ.
وذهب الحنفية وهو مقابل المذهب عند
الشافعية إلى وجوب الإشهاد لقول النبي
مَل: ((من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو
ذوي عدل ولا یکتم ولا یغیب» (١)، والحكم
كذلك عند المالكية إذا تحقق أو ظن ادعاء
ملکیتها .
ويكون الإشهاد بقوله على مسمعٍ من
(١) حديث: ((من وجد لقطة فليشهد ... ))
أخرجه أبو داود (٣٣٥/٢) من حدیث عیاض بن حمار وإسناده
صحيح .
- ٢٩٧ -

لُقْطَة ٦ - ٨
الناس: إنى ألتقط لقطة، أو عندي لقطة،
فأي الناس أنشدها فدلوه عليّ، فإذا أشهد
عليها ثم هلكت فالقول قول الملتقط ولا
ضمان عليه .
ويذكر في الإِشهاد بعض صفات اللقطة
لیکون في الإشهاد فائدة ولا یستوعب صفاتها
لئلا ينتشر ذلك فيدعیھا من لا يستحقها ممن
یذکر صفاتها التي ذكرها الملتقط، ولکن یذکر
للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس
والنوع، أو عفاصها أو وكاءها (١).
تعريف اللقطة :
٧ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في
المعتمد والحنابلة إلى أنه يجب على الملتقط
تعريف اللقطة سواءً أراد تملكها أو حفظها
لصاحبها لما ورد عن أبي بن کعب قال:
أصبت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي
﴿*، فقال: «عرفها حولاً)» فعرفتها حولاً فلم
أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: ((عرفها
حولاً)) فعرفتها فلم أجد، ثم أتيته ثلاثاً
فقال: «احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن
جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها)» (٢).
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣١٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٢٦،
ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٧، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣٣٥
(٢) حديث أبي بن كعب: ((أصبت صرة فيها مائة دينار ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٧٨) ومسلم (٣/ ١٣٥٠)
واللفظ للبخاري .
ولم يفرق بين من أراد حفظها ومن أراد
تملكها، ولأن حفظها لصاحبها إنما يقيد
باتصالها إليه وطريقه التعريف، أما بقاؤها في
يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها
وهلاكها سيان، ولأن إمساكها من غير
تعريف تضييع لها عن صاحبها فلم يجز،
ولأنه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط،
لأن بقاءها في مكانها إذا أقرب إلى وصولها إلى
صاحبها، إما بأن يطلبها في الموضع الذي
ضاعت فيه فيجدها، وإما بأن يجدها من
يعرفها، وأخذها يفوت الأمرين فيحرم، فلما
جاز الالتقاظ وجب التعريف كيلا يحصل
هذا الضرر، ولأن التعريف واجب على من
أراد تملكه، فكذلك علی من أراد حفظها.
وذكر الشافعية أنه يشترط فيمن يتولى
التعريف أن يكون عاقلا ثقة ولا تشترط فيه
العدالة إذا کان موثوقا بقوله، كما يشترط أن
یکون غیر مشهور بالخلاعة والمجون وهو عدم
المبالاة بما يصنع (١).
مدة التعريف :
٨ - يرى مالك والشافعي وأحمد أن اللقطة
تعرّف سنة من غير تفصيل بين القليل
(١) فتح القدير ٦/ ١٢٠، والدسوقي ٤ / ١٢٠، والمدونة
٦ / ١٧٣، والأم ٤ / ٦٦، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣١٩،
٣٢٠، وفتح الباري ٥ / ٧٨، ٩٢، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٢ -
٤١٣
- ٢٩٨ -
:
٠

لُقَطَة ٨ - ١٠
والكثير، وهذا رأي محمد بن الحسن من
الحنفية أيضاً، لأن النبي # أمر زيد بن
خالد الجهني رضي الله عنه أن يعرف اللقطة
سنة من غير فصل بين القليل والكثير، ولأن
السنة لا تتأخر عنها القوافل، ويمضي فيها الزمان
الذي تقصد فيه البلاد من الحر والبرد
والاعتدال فصلحت قدراً.
ويرى أبو حنيفة وبقية أصحابه التفريق
بين القليل والكثير فإن كانت أقل من عشرة
دراهم عرفها أياماً على حسب ما یری أنها
كافية للإعلام، وأن صاحبها لا يطلبها بعد
هذه المدة، وإن كانت عشرة فصاعداً عرَفها
حولاً، لأن التقدير بالحول ورد في لقطة كانت
مائة دينار تساوي ألف درهم (١).
لما ورد عن زيد بن خالد الجهني أنه قال:
جاء رجل إلى رسول الله ﴿9، فسأله عن
اللقطة فقال: ((اعرف عفاصها ووكاءها ثم
عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك
بها)) قال: فضالة الغنم؟ قال: ((هي لك أو
لأخيك أو للذئب)) قال: فضالة الإبل؟
قال: «مالك وها، معها سقاؤها وحذاؤها،
ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها)) (٢).
(١) (فتح القدير ٦/ ١٢٢، والمدونة ٦ / ١٧٣، ومغني المحتاج
٢/ ٤١٣، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣٢٠ - ٣٢٥
(٢) حديث زيد بن خالد الجهني: ((جاء رجل إلى النبي # فسأله
عن اللقطة .. ))
زمان التعريف ومكانه :
٩ - ذهب الفقهاء إلى أن الملتقط يعرّف
اللقطة خلال مدة التعريف، في النهار دون
اللیل، لأن النهار مجمع الناس وملتقاهم دون
الليل، ويكون التعريف في اليوم الذي
وجدها فيه ولأسبوع بعده، لأن الطلب فيه
أکثر فيعرفها في کل یوم.
ويعرفها في المكان الذي وجدها فيه، لأن
ذلك أقرب إلى الوصول إلى صاحبها، لأنه
يطلبها غالباً حيث افتقدها، كما تعرف أيضاً
على أبواب المساجد والجوامع في الوقت الذي
يجتمعون فیه کأدبار الصلوات، ولا ينشدها
داخل المسجد، لأن المساجد لم تبنَ هذا،
ولورود النهي عن ذلك (١)، كما يعرفها أيضاً
في الأسواق والمجامع والمحافل ومحال الرحال
ومناخ الأسفار، وإن التقط في الصحراء
وهناك قافلة تبعها وعرف فيها (٢).
مرات التعريف ومؤنته:
١٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب
= أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٤٦) مسلم (١٣٤٦/٣ -
١٣٤٨)
(١) حديث النهي عن إنشاد الضالة في المسجد.
أخرجه مسلم (١ / ٣٩٧) من حديث أبي هريرة .
(٢) ابن عابدين ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٠٢،
ومغني المحتاج ٢ / ٤١٣، وروضة الطالبين ٥/ ٤٠٩، والمغني
٦ / ٣٢١، ٣٢٢، والمدونة ٦/ ١٧٤، ومواهب الجليل
٧٣/٦
- ٢٩٩ -

لُقَطَة ١٠ - ١٢
على الملتقط أن يستغرق جميع الحول
بالتعريف كل يوم، بل يعرف في أول السنة
کل یوم مرتین، ثم مرة كل أسبوع، ثم مرة أو
مرتين في كل شهر، وإنما جُعل التعريف في
أول السنة أكثر، لأن طلب المالك فيها أكثر،
وكلما طالت المدة على فقد اللقطة قل طلب
المالك لها ..
وذهب الشافعية وأبو الخطاب من الحنابلة
إلى أنه إن أخذها ليحفظها لمالكها لا تلزمه
مؤنة التعريف إن كانت لها مؤنة بل يرتبها
القاضي من بيت المال أو يقترض على المالك،
وإن أخذها للتملك لزمه مؤنة التعريف.
وذهب المالكية إلى أن الملتقط لو استناب
غيره لتعريفها فالأجر من اللقطة.
وذهب الحنابلة إلى أن للملتقط أن يتولى
التعريف بنفسه وله أن يستنیب فيه غيره، فإن
وجد متبرعاً بذلك، وإلا إن احتاج إلى أجر
فهو على الملتقط. قال الشافعية وإن أراد
سفراً استناب من يحفظ اللقطة ويعرّفها بإذن
الحاكم ولا يسافر بها، أما إذا التقط اثنان
لقطة عرفها كل واحدٍ منهما نصف سنة، أو
عرّفها أحدهما سنة كاملة نيابة عن الآخر،
ويعرفها كلها لا نصفها ليكون للتعريف
فائدة .
وإن أراد التخلص من تعب التعريف
دفعها إلى حاكم أمين، أو إلى القاضي،
ويلزمهما القبول حفظاً لها على صاحبها (١).
كيفية التعريف :
١١ - يجب أن يذكر من يتولى التعريف جنس
اللقطة ونوعها ومكان وجودها وتاريخ
التقاطها، ولا سيما إذا تأخر في التعريف، كما
له أن یذکر عفاصها أو وکاءها، لأن في ذکر
الجنس أو النوع أو العفاص أو الوكاء ما
يؤدي إلى انتشار ذلك بين الناس فيؤدي إلى
الظفر بالمالك، ويجب على المعرف أن لا
يستوفي جميع أوصاف اللقطة حتى لا
يعتمدها كاذب فيفوتها على مالكها (٢).
تضمين الملتقط :
١٢ - ذهب الفقهاء إلى أن الملتقط إذا أشهد
على اللقطة فيده عليها أثناء الحول يد أمانة،
إن جاء صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة
والمنفصلة، لأنها نماء ملکه، وإن تلفت عند
الملتقط أثناء الحول بغير تفريطه أو نقصت
فلا ضمان عليه كالوديعة، وإن أقرّ الملتقط أنه
أخذها لنفسه يضمن لأنه أخذ مال غيره
(١) تبيين الحقائق ٣/ ٣٠٢، ٣٠٣، البناية شرح الهداية ٦/ ٢٠،
٢٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٢٠، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٢ -
٤١٤، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣٢٢
(٢) فتح القدير ٦/ ١٢٢، ١٢٣، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٠٢،
ومغني المحتاج ٢ / ٤١٣، ٤١٤، وروضة الطالبين ٥ / ٤٠٨،
والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣٢٣
- ٣٠٠ -