النص المفهرس
صفحات 21-40
كُفْر ١١ - ١٣
وقيل: إنهم مكلفون بما عدا الجهاد.
وقيل: بالتوقف (١).
واجب المسلمين تجاه الكفار:
١٢ - يجب على المسلمين دعوة الكفار إلى
الإِسلام لقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَاَلْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ
وَحَدِ لُهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ (٢)، ولا يقاتلون
قبل الدعوة إلى الإِسلام لأن قتال الكفار لم
يفرض لعين القتال بل للدعوة إلى الإسلام.
والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهي القتال
ودعوة بالبيان وهو اللسان، وذلك بالتبليغ،
والدعوة بالبيان أهون من الدعوة بالقتال لأن
في القتال مخاطرة الروح والنفس والمال، ولیس
في دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا احتمل
حصول المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح
بها، وقد «روی أن رسول الله ێے لم یکن
يقاتل الكفرة حتى يدعوهم إلى
الإِسلام» (٣).
ثم إذا دعاهم المسلمون إلى الإِسلام فإن
أسلموا كفوا عنهم القتال لقول النبي يا :
(١) البحر المحيط ٤٠١/١، وفواتح الرحموت ١٢٨/١، وتهذيب
الفروق ٢٣١/٣ - ٢٣٢
(٢) سورة النحل / ١٢٥
(٣) حديث: ((أن رسول الله 18 لم يكن يقاتل الكفرة حتى يدعوهم
إلى الإسلام».
ورد ضمن حديث بريدة أنه كان إذا أمر أميرا أمره بذلك،
أخرجه مسلم (١٣٥٧/٣)
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله
إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا
ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق
الإِسلام وحسابهم على الله))(١)، فإن أبوا
الإِجابة إلى الإِسلام دعوهم إلى الذمة إن
کانوا ممن تقبل منهم الجزیة، فإن أجابوا كفوا
عنهم لقول النبي 19َّ: ((فإن هم أبوا فسلهم
الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف
عنهم)) (٢) وإن أبوا استعانوا بالله سبحانه
وتعالى على قتالهم ووثقوا بنصر الله سبحانه
وتعالى لهم بعد أن بذلوا جهدهم واستفرغوا
وسعهم (٣).
وينظر تفصيل ذلك في (جزية
ف٢٥ - ٣٠، وجهاد ف٢٤).
مايلزم الكافر إذا أسلم :
١٣ - قال القرافي: أحوال الكافر مختلفة إذا
أسلم، فيلزمه ثمن البياعات وأجر الإِجارات
ودفع الديون التي اقترضها ونحو ذلك.
ولا يلزمه من حقوق الآدميين القصاص
ولا الغصب ولا النهب إن کان حربیا، وأما
الذمي فيلزمه جميع المظالم وردها لأنه عَقَد
(١) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس ... ))
سبق تخريجه ف ٦
(٢) حديث: (فإن هم أبوا فسلهم الجزية ... ))
أخرجه مسلم (١٣٥٧/٢) .
(٣) بدائع الصنائع ١٠٠/٧، والمغني ٣٦٢،٣٦١/٨، والمواق
بهامش الحطاب ٣٥٠/٣
- ٢١ -
كُفْر ١٣ - ١٥
الذمة وهو راض بمقتضى عقد الذمة، وأما
الحربي فلم يرض بشيء، فلذلك أسقطنا عنه
الغصوب والنهوب والغارات ونحوها.
وأما حقوق الله تعالی فلا يلزمه ۔ ولو كان
ذمیا - مما تقدم في کفره لا ظهار ولا نذر ولا
يمين من الأيمان ولا قضاء الصلوات ولا
الزكوات ولا شيء فرّط فيه من حقوق الله
تعالى لقول النبي قال: ((الإِسلام يهدم ماكان
قبله» (١)
وحقوق العباد قسمان: قسم منها رضي به
حال كفره واطمأنت نفسه بدفعه لمستحقه،
فهذا لا يسقط بالإِسلام، لأن إلزامه إیاہ لیس
منفرا له عن الإِسلام لرضاه.
أما مالم يرض بدفعه لمستحقه كالقتل
والغصب ونحوه فإن هذه الأمور إنما دخل
عليها معتمدا على أنه لايوفيها أهلها، فهذا
كله يسقط، لأن في إلزامه مالم يعتقد لزومه
تنفيرا له عن الإسلام فقدمت مصلحة
الإِسلام على مصلحة ذوي الحقوق.
وأما حقوق الله تعالى فتسقط مطلقا رضي
بها أم لم يرض، والفرق بينها وبين حقوق
الآدمیین من وجهین:
أحدهما: أن الإِسلام حق لله تعالى،
والعبادات ونحوها حق لله تعالى کذلك، ولما
(١) حديث: ((الإسلام يهدم ماكان قبله.))
أخرجه مسلم (١١٢/١) من حديث عمرو بن العاص .
كان الحقان لجهة واحدة ناسب أن يقدم
أحدهما على الآخر، ويُسقط أحدهما الآخر
لحصول الحق الثاني لجهة الحق الساقط.
وأما حق الآدميين فلجهة الآدميين
والإِسلام ليس حقا لهم، بل لجهة الله تعالى
فناسب أن لايسقط حقهم بتحصيل حق
غيرهم.
وثانيهما: أن الله تعالى كريم جواد تناسب
رحمته المسامحة، والعبد بخيل ضعيف فناسب
ذلك التمسك بحقه، فسقطت حقوق الله
تعالی مطلقا وإن رضي بها کالنذور والأيمان،
أو لم يرض بها كالصلوات والصيام، ولا
يسقط من حقوق العباد ما تقدم الرضا
به (١)
معاملة الأبوين الكافرين:
١٤ - أمر الإِسلام ببر الوالدين والإِحسان
إليهما سواء أكان الوالدان مسلمين أم
کافرین .
والتفصيل في مصطلح (بر الوالدين
ف٣).
نجاسة الكافر وطهارته :
١٥ - ذهب الفقهاء إلى أن الكافر الحي
(١) الفروق للقرافي ١٨٤/٣ - ١٨٥، وينظر المنثور في القواعد
للزركشي ١٠٠/٣، والبحر المحيط ٤٠٩/١، وأسنى المطالب
٢٠٩/٤
- ٢٢ -
گُفْر ١٥ - ١٧
طاهر لأنه آدمي، والآدمي طاهر سواء أكان
مسلما أم كافرا (١)، لقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَابَنِيّ ◌َادَمَ ﴾ (٢)، وليس
المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ
◌َجَسَّ﴾ (٣)، نجاسة الأبدان وإنما المراد
نجاسة ما يعتقدونه، وقد ربط النبي
الأسير في المسجد (٤).
مس الكافر المصحف
١٦ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة
وأبو يوسف من الحنفية إلى أنه لا يجوز للكافر
مس. المصحف لأن في ذلك إهانة للمصحف.
وقال محمد بن الحسن: لابأس أن يمس
الكافر المصحف إذا اغتسل، لأن المانع هو
الحدث وقد زال بالغسل، وإنما بقي نجاسة
اعتقاده وذلك في قلبه لافي يده (٥).
وقال المالكية: يمنع الكافر من أن يحمل
حرزا من قرآن ولو بساتر لأنه يؤدي إلى
امتهانه (٦)
٠
(١) حاشية ابن عابدين ١٤٨/١، والشرح الكبير مع حاشية
الدسوقي ٥٠/١، ونهاية المحتاج ٢٢١/١، وكشاف القناع
١٩٣/١.
(٢) سورة الاسراء / ٧٠ .
(٣) سورة التوبة /٢٨ .
(٤) حديث: ربط النبي # الأسير في المسجد وهو ثمامة بن أثال
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٥٥/١)، ومسلم (١٣٨٦/٣)
من حديث أبي هريرة .
(٥) بدائع الصنائع ٣٧/١، والدر المختار وحاشية ابن عابدين
١١٩/١
(٦) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٢٦/١
دخول الكافر المسجد :
١٧ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة
ومحمد من الحنفية إلى أنه لايجوز للكافر
دخول المسجد الحرام (١)، لقول الله تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌَّ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسِْدَ.
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢). والمسجد
الحرام مراد به الحرم لقول الله تعالى:
سُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ (٣)،
وإنما أسري به من بيت أم هانىء من خارج
المسجد ..
أما المساجد الأخرى غير المسجد الحرام
فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لايحل
لهم دخولها بغير إذن المسلمین لما روی عیاض
الأشعري «أن أبا موسى رضي الله عنه وفد
إلى عمر رضي الله عنه ومعه نصراني،
فأعجب عمر خطه فقال: قل لکاتبك هذا:
يقرأ لنا كتابا، فقال: إنه لايدخل المسجد،
فقال: لم؟ أجنب هو؟ قال: لا، هو نصراني،
قال: فانتهره عمر)». فإن دخل من غیر إذن
عزر لما روت أم غراب قالت: رأيت عليا كرم
الله وجهه على المنبر وبصر بمجوسي فنزل
(١) المهذب ٢٥٩/٢، والمغني ٥٣١/٨، والدسوقي ١٣٩/١،
والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٤٨/٥
(٢) سورة التوبة /٢٨
(٣) سورة الاسراء / ١
- ٢٣ -
كُفْر ١٧ - ١٨
فضربه وأخرجه من باب كندة.
وإن وفد قوم من الكفار ولم يكن للإِمام
موضع ينزلهم فيه جاز أن ينزلهم في
المسجد (١)، لما روي أن النبي ولي أنزل سبي
بني قريظة والنضير في مسجد المدينة (٢)،
وربط ثمامة بن أثال في المسجد (٣).
وعند المالكية یمنع الكافر من دخول
المسجد وإن أذن له مسلم في الدخول، وهذا
مالم تدع ضرورة لدخوله بأن لم يوجد نجار أو
بنّاء وغيره والمسجد محتاج إلى ذلك، أو وجد
مسلم لكن كان الكافر أتقن للصنعة، فلو
وجد مسلم مماثل له في إتقان الصنعة لكن
كانت أجرة المسلم أزيد من أجرة الكافر فإن
كانت الزيادة يسيرة لم يكن هذا من الضرورة
وإلا كان منها على الظاهر.
وإذا دخل الكافر المسجد للعمل فیندب
أن يدخل من جهة عمله (٤).
وما ذهب إليه المالكية هو رواية عند
الحنابلة، قال ابن قدامة: وفيه رواية أخرى:
لیس لهم دخوله بحال.
(١) المهذب ٢٥٩/٢، والمغني ٥٣٢/٨
(٢) حديث: أن النبي ## أنزل سبي بني قريظة في مسجد المدينة.
أورده الشيرازي في المهذب (٢٥٩/٢)، ولم نهتد إلى من أخرجه
من المصادر الحديثية .
(٣). حديث: ((ربط ثمامة بن أثال في المسجد)).
تقدم في ف١٥
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٣٩/١.
وعند الحنفية يجوز للكافر دخول
المسجد، سواء أكان المسجد الحرام أم غيره
من المساجد، لما روى ((أن النبي ( #) أُنزل
وفد ثقيف في مسجده وهم كفار)) (١)، ولأن
الخبث في اعتقادهم فلا يؤدي إلى تلويث
المسجد، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسِّ
فَلَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
محمول على الحضور استيلاء واستعلاء، أو
طائفين عراة كما كانت عادتهم في الجاهلية
فليس الممنوع نفس الدخول (٢).
تلقين الكافر المحتضر:
١٨ - قال الإِسنوي: لو كان - أي المحتضر -
کافرا لقن الشهادتين وأمر بهما (٣)، لما روى
أنس رضي الله عنه قال: کان غلام يهودي
يخدم النبي ﴿، فمرض، فأتاه النبي وَه
یعوده، فقعد عند رأسه فقال له: ((أسلم))
فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا
القاسم ول فأسلم، فخرج النبي بَّر وهو
يقول: الحمد لله الذي أنقذه من
النار)) (٤).
وتلقين الكافر المحتضر الشهادة يكون
(١) حديث: ((انزال وفد ثقيف في مسجده ﴾)).
ذكره ابن اسحاق في سيرته كما في السيرة النبوية لابن هشام
(٤/ ١٨٤)
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١٤٨/١، ٢٤٨/٥
(٣) حاشية الجمل ١٣٦/٢
(٤) حديث: ((كان غلام يهودي نخدم النبي ﴾ ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢١٩/٣)
- ٢٤ -
گُفْر ١٨ - ٢٠
وجوبا إن رجي إسلامه، وإن لم يرج إسلامه
فیندب ذلك.
قال الجمل: وظاهر هذا أنه يلقن إن
رجى إسلامه وإن بلغ الغرغرة ولابعد فیه،
لاحتمال أن یکون عقله حاضرا وإن ظهر لنا
خلافه وإن كنا لانرتب عليه أحكام المسلمين
حينئذ (١).
ولاية الكافر على المسلم وولاية المسلم على
الکافر
١٩ - لايعتبر الكافر من أهل الولاية بالنسبة
للمسلم لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَپيلًا ﴾ (٢)، ولیس
للمسلم ولاية بالنسبة للكافر إلا بالسبب
العام كولاية السلطان أو نائبه وهذا في
الجملة (٣)
.
ومن أمثلة ذلك :
أ - لا يجوز للكافر أن يزوج ابنته المسلمة، ولا
للمسلم أن يزوج ابنته الكافرة، لأن الموالاة
منقطعة بينهما (٤) لقوله تعالى: ﴿ وَاَلْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٥)، وقوله
(١) حاشية الجمل ١٣٦/٢
(٢) سورة النساء / ١٤١
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣١٢/٢، والمهذب ٣٧/٢،
والمغني ٦/ ٤٧٢
(٤) حاشية ابن عابدين ٣١٢/٢، والمهذب ٣٧/٢، والمغني
٤٧٢/٦، والدسوقي ٢٢١/٢، والخرشي ١٨١/٣ - ١٨٢.
(٥) سورة التوبة / ٧١
تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ:
بعض﴾ (١)
ب - القضاء من الولايات العامة، ويشترط
في القاضي أن يكون مسلما، ولايجوز تولية
الكافر القضاء لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾، وسواء
أكانت تولية الكافر القضاء بين المسلمين، أم
بین أهل دینه .
وأجاز أبو حنيفة أن يتولى الكافر القضاء
بين أهل دينه (٢).
وينظر تفصيل ذلك في (قضاء ف ٢٢).
أنكحة الكفار:
٢٠ ۔ أنکحة الكفار صحیحة ویقرون علیھا
إن أسلموا، أو تحاكموا إلينا إذا كانت المرأة
ممن يجوز ابتداء نكاحها في الحال، ولاينظر
صفة عقدهم وكيفيته، ولايعتبر له شروط
أنكحة المسلمين من الولي والشهود وصيغة
الإيجاب والقبول وأشباه ذلك.
قال ابن عبدالبر: أجمع العلماء على أن
الزوجين إذا أسلما في الحال معا أن لهما المقام
على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب ولا
رضاع، وقد أسلم خلق کثیر في عهد رسول
(١) سورة الأنفال /٧٣
(٢) بدائع الصنائع ٣/٧، والدسوقي ١٢٩/٤، والمهذب
٢٩١/٢، وكشاف القناع ٢٩٥/٦، والأحكام السلطانية
للماوردي ص ٦٥
- ٢٥ -
گُفْر ٢٠ -٢٢
الله ◌َ﴾، فأقرهم على أنكحتهم ولم يسألهم
رسول الله پے عن شروط النكاح ولا کیفیته،
وهذا أمر عرف بالتواتر والضرورة فکان یقینا،
ولكن ينظر في الحال فإن كانت المرأة على
صفة يجوز له ابتداء نكاحها أقر، وإن كانت
مما لايجوز ابتداء نكاحها كإحدى المحرمات
بالنسب أو السبب أو المعتدة والمرتدة والوثنية
والمجوسية والمطلقة ثلاثا لم يقر (١).
وإن أسلم الحر وتحته أكثر من أربع نسوة
وأسلمن معه لزمه أن يختار أربعا منهن
ويفارق مازاد على ذلك لأمر النبي ﴿ ﴿ لغيلان
لما أسلم على تسع نسوة: ((أن يختار منهن
أربعا» (٢)
وللفقهاء تفصيل في ذلك وفيما إذا أسلم
أحد الزوجين ولم يسلم الآخر أو أسلم
أحدهما ثم أسلم الآخر في العدة أو بعدها،
وينظر تفصيل ذلك في (نكاح وإسلام
ف ٥).
نكاح المسلم كافرة ونكاح الكافر مسلمة :
٢١ - يحرم على المسلم أن يتزوج ممن لا کتاب
(١) بدائع الصنائع ٣١٠/٢، والدسوقي ٢٦٧/٢، ٢٦٩،
والمهذب ٥٣/٢، والمغني ٦١٣/٦
(٢) المهذب ٥٣/٢، والمغني ٦٢٠/٦، والبدائع ٣١٤/٢،
والدسوقي ٢٧١/٢ -٢٧٢
وحديث ((أمر النبي # لغيلان ... »
أخرجه البيهقي (١٨٣/٧) وقال ابن حجر في التلخيص
(١٦٩/٣): رجال إسناده ثقات ..
لها من الكفار لقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١).
وهذا باتفاق (٢).
قال ابن قدامة: لاخلاف بين أهل العلم
في تحريم نسائهم وذبائحهم.
والعلة في تحريم نكاح المشركات - كما
يقول الكاساني : أن ازدواج الكافرة والمخالطة
معها مع قيام العداوة الدينية لايحصل
السكن والمودة التي هي قوام مقاصد
النكاح (٣).
٢٢ - ويجوز للمسلم زواج الحرائر من نساء
أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى لقول الله
تعالى: ﴿وَالْحُّصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ (٤)، ولأن الصحابة
رضي الله تعالى عنهم تزوجوا من أهل الذمة
فتزوج عثمان رضى الله عنه نائلة بنت
القرافضة الكلبية وهي نصرانية وأسلمت
عنده، وتزوج حذيفة رضى الله تعالى عنه
بیهودیة من أهل المدائن (٥).
وإنما جاز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها،
(١) سورة البقرة / ٢٢١
(٢) البدائع ٢٧٠/٢، والدسوقي ٢٦٧/٢، والمهذب ٤٥/٢،
والمغني ٥٩٢/٦
(٣) بدائع الصنائع ٢٧٠/٢
(٤) سورة المائدة / ٥
(٥) بدائع الصنائع ٢٧٠/٢، والدسوقي ٢٦٧/٢، والمهذب
٤٥/٢، والمغني ٥٨٩/٦
- ٢٦ -
گُفْر ٢٢ - ٢٤
لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في
الجملة (١).
ومع الحكم بجواز نكاح الكتابية، فإنه
یکره الزواج منها، لأنه لايؤمن أن يميل إليها
فتفتنه عن الدين، أو يتولى أهل دينها، فإن
كانت حربية فالكراهية أشد، لأنه لاتؤمن
الفتنة أيضا، ولأنه يكثر سواد أهل الحرب،
ولأنه لايؤمن أن یسبی ولده منها فيسترق.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه
للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب:
طلقوهن فطلقوهن إلا حذيفة رضي الله
عنه، فقال له عمر: طلقها قال: تشهد أنها
حرام؟ قال: هي خمرة (٢) طلقها، قال: تشهد
أنها حرام؟ قال: هي خمرة، قال: قد علمت
أنها خمرة، ولكنها لي حلال، فلما كان بعدُ
طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك
عمر؟ قال: کرهت أن یری الناس أني ركبت
أمرا لا ينبغي لي (٣).
وقد کره ذلك أيضا مالك لأنها تتغذى
بالخمر والخنزير، وتغذي ولده بهما، وهو
يقبّلها ويضاجعها وليس له منعها من ذلك
التغذي، ولو تضرر برائحته، ولا من
الذهاب للكنيسة، وقد تموت وهي حامل
(١) بدائع الصنائع ٢٧٠/٢
(٢) وفي بعض النسخ ((جمرة)).
(٣) المهذب ٤٥/٢، والمغني ٥٩٠/٦، والدسوقي ٢٦٧/٢
فتدفن في مقبرة الكفار وهي حفرة من حفر
النار (١).
٢٣ - ولا يجوز للكافر أن يتزوج مسلمة لقول
الله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى
يُؤْمِنُواْ﴾ (٢)، ولأن في نكاح المؤمنة الكافر
خوف وقوع المؤمنة في الكفر، لأن الزوج
يدعوها إلى دينه، والنساء في العادات يتبعن
الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدنهم في
الدين، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في آخر
الآية بقوله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى
النَّارِ﴾ (٣)، لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر،
والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار، لأن الكفر
یوجب النار، فکان نكاح الكافر المسلمة سببا
داعيا إلى الحرام فكان حراما، والنص وإن
ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى
النار تعم الكفرة أجمع، فيعم الحكم بعموم
العلة (٤).
٢٤ - واختلف الفقهاء في زواج المسلم من
المجوسية باعتبار شبهها بأهل الكتاب.
كما اختلفوا في الزواج من السامرة
والصابئة .
واختلفوا فيما إذا كان أحد أبوي الكافرة
(١) الدسوقي ٢٦٧/٢
(٢) سورة البقرة / ٢٢١
(٣) سورة البقرة / ٢٢١
(٤) بدائع الصنائع ٢٧١/٢ - ٢٧٢
- ٢٧ -
گُفْر ٢٤ - ٢٨
کتابیا والآخر وثنيا .
وكذلك فيما إذا تزوج كتابية فانتقلت إلى
دين آخر من أهل الكتاب، أو من غير أهل
الكتاب.
وینظر تفصيل ذلك في (نكاح).
وصیة الکافر والوصية له :
٢٥ - إسلام الموصي ليس بشرط لصحة
الوصية باتفاق فتصح الوصية من الكافر
بالمال للمسلم والكافر، لأن الكفر لاينافي
أهلية التمليك، ولأنه يصح بيعه وهبته فكذا
وصیته .
وكما جازت الوصية من الكافر فإنها تجوز
له من مسلم أو كافر في الجملة، وروی ذلك
أيضا عن شريح والشعبي والثوري
وإسحاق
والتفصيل في مصطلح (وصية).
الإجارة والاستئجار من الكافر:
٢٦ - قال الكاساني: إسلام العاقد في
الإِجارة ليس بشرط أصلا، فتجوز الإِجارة
والاستئجار من المسلم والذمي والحربي
والمستأمن، لأن هذا من عقود المعاوضات
فيملكه المسلم والكافر جميعا كالبياعات (١).
وينظر تفصيل ذلك في (إجارة ف ٩٨).
(١) بدائع الصنائع ١٧٦/٤
٢٧ - أما استئجار الذمي للمسلم فإن كان
في عمل معين في الذمة كخياطة ثوب
وقصارته جاز، قال ابن قدامة: بغير خلاف
نعلمه، «لأن عليا رضي الله عنه أجر نفسه
من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة وأخبر
النبي * بذلك فلم ينكره)) (١).
أما إجارته خدمته فقد نص أحمد في رواية
الأثرم: أنه لايجوز، لأنه عقد يتضمن
حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له
واستخدامه (٢).
وينظر تفصيل ذلك في (إجارة
ف ١٠٤).
الشركة بين المسلم والكافر:
٢٨ - أجاز المالكية والحنابلة الشركة بين
المسلم والكافر بشرط أن لايتصرف الكافر إلا
بحضور شريكه المسلم، لأن ارتكابه
المحظورات الشرعية في تصرفاته للشركة يؤمن
حينئذ.
وذهب الشافعية وأبويوسف من الحنفية إلى
الجواز أيضا لكن مع الكراهة، لأن الكافر
لايهتدي إلى وجوه التصرفات المشروعة في
الإِسلام، وعند أبي حنيفة ومحمد: لاتجوز
(١) حديث: ((أن عليا أجر نفسه من يهودي ... )
أخرجه ابن ماجه (٨١٨/٢)، وضعف إسناده البوصيري في
مصباح الزجاجة (٥٣/٢).
(٢) المغني ٥٥٤/٥
- ٢٨ -
گُفْر ٢٨ - ٣٠
الشركة بين المسلم والكافر، لأن الكافر يسعه
أن يشتري الخمر والخنزير ویبیعھما، ولیس
كذلك المسلم.
والتفصيل في (شركة ف ٤١).
الاستعانة بالکافر في الجهاد:
٢٩ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز الاستعانة
بالكفار في الجهاد في غیر حاجة (١)، لما روت
عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ((خرج
رسول الله# قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة
أدركه رجل قد کان یذکر منه جرأة ونجدة،
ففرح أصحاب رسول الله (پڼ حین رأوه،
فلما أدركه قال لرسول الله (وَلخير: جئت
لأنبعك وأصيب معك فقال له رسول
الله ﴾﴾: «أتؤمن بالله ورسوله؟)) قال: لا،
قال: ((فارجع فلن أستعين بمشرك)»، قالت:
ثم مضی حتی إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل
فقال له كما قال له أول مرة، فقال له النبي
** كما قال أول مرة: قال: ((فارجع فلن
أستعين بمشرك)) قال: ثم رجع فأدركه
بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: «تؤمن
بالله ورسوله» قال: نعم، فقال له رسول الله
: ((فانطلق)) (٢).
(١) المغني ٤١٤/٨ - ٤١٥، والمهذب ٢٣١/٢، وحاشية
ابن عابدين ٢٣٥/٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
١٧٨/٢
(٢) حديث عائشة: ((خرج رسول الله# قبل بدر ... ))
أخرجه مسلم (١٤٤٩/٢ - ١٤٥٠)
وأما إذا احتاج المسلمون إلى الاستعانة
بالكافر ففي ذلك تفصيل ينظر في
(استعانه ف ٥، أهل الكتاب ف ١١،
جهاد ف ٢٦).
الوقف من الكافر وله :
٣٠ - ذهب الفقهاء إلى جواز وقف الكافر
على المسلم وغير المسلم بشرط أن لايكون في
معصية .
كما يجوز وقف المسلم على الذمي في غير
معصية (١).
والتفصيل في مصطلح (وقف).
(١) حاشية ابن عابدين ٣٦١/٣، حاشية الدسوقي ٧٨/٤،
المهذب ١ /٤٤٨ وشرح منتهى الإرادات ٤٩٣/٢
- ٢٩ -
كَفّ ١ - ٣
گفّ
التعريف:
١ - الكف في اللغة: راحة اليد مع
الأصابع، يؤنث، وزعم بعضهم أنه یذکر،
وجمعها کفوف وأکف، مثل فلس وفلوس
وأفلس .
سميت بذلك، لأنها تكف الأذى
عن البدن .
وتكفف الرجل الناس واستكفهم: مدّ
كفه إليهم بالمسألة، ومنه قوله {8# في
الحديث: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير
من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) (١).
وقيل: معنى استكف الناس: أخذ
الشيء بيده.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (٢).
(١) حديث: ((إنك إن تذر ورثتك ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٣/١٠)، ومسلم
(١٢٥١/٣) من حديث سعد بن أبي وقاص، واللفظ لمسلم ..
(٢) لسان العرب والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمغرب في
ترتيب المعرب مادة (كف).
الألفاظ ذات الصلة :
الإصبع :
٢ - الإصبع اسم يقع على السلامى والظفر
والأنملة والأطرة والبرجمة معا ..
ويستعار للأمر الحسي فيقال: لكِ على
فلان إصبع كقولك: لك عليه يد، والجمع
أصابع .
والإصبع مؤنثة وكذلك سائر أسمائها مثل
الخنصر والبنصر، قال الصغاني: يذكر
ويؤنث والغالب التأنيث.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (١).
والعلاقة بين الكف والإصبع الجزئية
حيث إن الإصبع أحد أطراف الكف .
الأحكام المتعلقة بالكف:
أولا: غسل الكفين في أول الوضوء:
٣ - اتفق الفقهاء على مشروعية غسل الكفين
إلى الكوعين في أول الوضوء، لفعل النبي وَلا
ذلك، فقد روى عثمان بن عفان رضي الله
عنه وصف وضوء النبي وَر فقال: ((دعا بإناء
فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم
أدخل يمينه في الإناء)» (٢).
(١) المراجع السابقة
(٢) حديث عثمان في وصف وضوء النبي #
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٥٩/١)، ومسلم (٢٠٤/١)
واللفظ للبخاري .
- ٣٠ -
كَفّ ٣ - ٤
ولكنهم اختلفوا في حكم الغسل عند
القيام من النوم، وذلك بعدما اتفقوا على أن
غسلهما من سنن الوضوء لغير القائم من
النوم .
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو
رواية عن أحمد إلى أن غسل الكفين سنة من
سنن الوضوء سواء قام المتوضىء من نوم أو لم
يقم من نوم، وسواء كان هذا النوم من نوم
الليل أو من نوم النهار، لأن آية الوضوء لم
تذكر غسل الكفين من بين الفروض
والواجبات، ولأن الحدیث یدل على
الاستحباب لتعلیله بما يقتضي ذلك وهو قوله
رد : ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا
يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه
لایدری أین باتت یده»(١)، حيث إن طروء
الشك علی الیقین لایؤثر فيه.
والرواية الأخرى عن أحمد هي وجوب
غسل الكفين عند القيام من النوم للأمر به في
الحديث السابق، وأمره ◌َلم يقتضي
الوجوب .
وإلى هذا ذهب ابن عمر وأبو هريرة
والحسن البصري .
(١) حديث: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس
بده في الإناء .. »
.. أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٦٣/١)، ومسلم (٢٣٣/١)
من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
ثم اختلف الموجبون في أي نوم يجب منه
الغسل؟
فذهب أحمد في الرواية عنه بالوجوب إلى
أن وجوب الغسل يكون عند القيام من نوم
الليل ولا يجب غسلهما من نوم النهار بدلالة
الحديث على ذلك، حيث قال: ((فإنه
لایدری أین باتت یده»، والمبيت لایکون إلا
بليل، ولأن نوم الليل مظنة الاستغراق
فإصابته فيه بالنجاسة أكثر احتمالا .
وسوى الحسن بين نوم الليل ونوم النهار في
الوجوب لعموم قوله وخلفه: ((إذا استيقظ
أحدكم من نومه ... الخ)) .
ثانيا: غسل الکفین مع اليدين في الوضوء:
٤ - اتفق الفقهاء على أن غسل الكفين مع
اليدين إلى المرفقين من أركان الوضوء لقول
الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَ أْ إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الصَّلَوةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
(٢)
الْمَرَافِق
وللأحاديث الواردة في وصف وضوء .
النبي (٢)* ومنها: ((أنه # توضأ فغسل
وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى
(١) حاشية ابن عابدين ٧٥/١، وجواهر الإکلیل ١٦/١،
والمجموع للنووي ٣٤٧/١، ومغني المحتاج ٥٧/١، والمغني
لابن قدامة ٩٧/١
(٢) سورة المائدة / ٦
(٣) حاشية ابن عابدين ٦٦/١، ومغني المحتاج ٥٢/١، وجواهر
الإكليل ١٤/١، والمغني لابن قدامة ١٢٢/١
- ٣١ -
كَفّ ٤ -٦
حتى أُشرع في العضد، ثم یده الیسری حتی
أشرع في العضد ... ))(١).
والتفصيل في مصطلح: (وضوء) .
ثالثا: مسح الكفين في التيمم :
٥ - اتفق الفقهاء على وجوب مسح الكفين
بالتراب عند التیمم، وأن هذا ركن من أركان
التيمم، لقوله تعالى: ﴿ وَإِن كُتُمِ نَّرْضَى أَوْ
عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ
النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا
فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهٌ﴾(٢)،
والأحاديث الواردة في هذا الباب، منها: عن
عمار رضي الله عنه قال: ((بعثني النبي ◌ِ ◌ّ﴾ في
حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في
الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ◌َّر
فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن
تقول بیدیك هكذا، ثم ضرب بیدیه الأرض
ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين
وظاهر کفیه ووجهه» (٣).
ولكنهم اختلفوا في مسح ماعدا الكفين
من الساعد والمرفق (٤).
(١) حديث (أنه # توضأ فغسل وجهه ... ))
أخرجه مسلم (٢١٦/١) من حديث أبي هريرة.
(٢) سورة المائدة /٦
(٣) حديث عمار: ((بعثني النبي في حاجة فأجنبت ... ))
أخرجه مسلم (٢٨٠/١)
(٤) حاشية ابن عابدين ١٥٣/١، وجواهر الإكليل ٢٧/١، ومغني
المحتاج ٩٩/١، والمغني لابن قدامة ٢٤٤/١
وتفصيله في مصطلح: (تيمم
ف ٧ - ١١).
رابعا: غسل الکفین قبل الأكل وبعده:
٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب
غسل الكفين قبل الأکل وبعده، وإن كان
على وضوء لما روي عن النبي صلغير أنه قال:
((من أحب أن یکثر الله خير بيته فليتوضأ إذا
حضر غذاؤه وإذا رُفع)) (١).
وعنه پڑ: «من بات وفي يده ربح غمر
فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه)) (٢).
قال العلماء: المراد بالوضوء في هذه
الأحاديث هو غسل اليدينلا
الوضوء الشرعي .
وقال الصاوي من المالكية: غسل اليد
قبل الطعام وإن لم يكن سنة عندنا فهو بدعة
حسنة، أما بعد الأكل فيندب الغسل.
وفي رواية عن الإِمام أحمد: أنه يكره
الغسل قبل الطعام وبعده، واختاره
القاضي، وفي رواية عنه یکره قبله (٣).
(١) حدیث: ((من أحب أن یکثر الله خیر بیته .. ))
أخرجه ابن ماجه (١٠٨٥/٢) من حديث أنس بن مالك،
وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١٧٤/٢).
(٢) حديث: ((من بات وفي يده ريح غمر ... ))
أخرجه الترمذي (٢٨٩/٤) من حديث أبي هريرة وقال:
حديث حسن .
(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٤٧، بلغة السالك
٥٢٦/٢ - ٥٢٧، ومغني المحتاج ٣/ ٢٥٠، والمغني لابن قدامة
١٤/٧، والآداب الشرعية ٢٣١/٣
- ٣٢ -
گفّ ٧ - ٨
خامسا: قطع الكف في القصاص:
٧ - أجمع الفقهاء على وجوب القصاص في
قطع الكف إذا توفرت في الجناية شروط
القصاص، لوجوب المماثلة ولإِمكان
الاستيفاء فيه من غير حيف .
فإذا قطعت يد المجني عليه من مفصل
الكوع وجب القصاص للمجني عليه، وله
قطع يد الجاني من مفصل الكوع، لأنه أمكنه
استيفاء حقه دون الخوف من حيف .
وقال الفقهاء ليس له التقاط - أي قطع -
أصابع الجاني لأن هذا غير محل الجناية فلا
يجوز الاستيفاء من غيره مع قدرته على محل
الجناية، ومهما أمكنه المماثلة فليس له العدول
عنها .
قال الشافعية: حتى لو طلب قطع أنملة
واحدة لم يمكّن من ذلك فإن فعل وقطع
الأصابع عزّر لعدوله عن المستحق ولا غرم
لأن له إتلاف الجملة فلا يلزمه بإتلاف
البعض غرم .
والأصح أن له قطع الكف بعد ذلك (١).
سادسا: دية الكف:
٨ - أجمع الفقهاء على وجوب نصف دية في
قطع اليد من مفصل الكف الصحيح إذا
(١) البدائع ٢٩٧/٧ و٢٩٨، وجواهر الإكليل ٢٥٩/٢، ومغني
المحتاج ٤ / ٢٥ - ٢٩، والمغني لابن قدامة ٧٠٨/٧
كانت الجناية عمدا، وعفي عن القصاص أو
كانت خطأ أو شبه عمد حديث معاذ بن
جبل رضي الله عنه قال: إن النبي وَلاّ قال:
((وفي اليدين الدية)) (١) الحديث، ولما ورد في
كتاب النبي . 18 لعمرو بن حزم رضي الله
عنه: ((وفي اليد خمسون من الإِبل)) (٢).
والمراد من اليد التي تجب فيها الدية الواردة
في الحدیثین هي الکف، لأن اسم الید عند
الإِطلاق ينصرف إليها بدليل: أن الله تعالى
لما قال: ﴿وَالشَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوَأ
آیدیھُمَا﴾(٣)كان الواجب قطعھما من الكوع،
ولأن فيهما جمالا ظاهرا ومنفعة كاملة، وليس
في البدن من جنسهما غيرهما، فكان فيهما
الدية كالعينين، ولأن المنفعة المقصودة في اليد
من البطش والأخذ والدفع وغير ذلك تتم
بالكف، وما زاد تابع للكف (٤).
والتفصيل في مصطلح: (ديات
ف ٤٣) .
(١) حديث: «وفي اليدين الدية))
أورده الزيلعي في نصب الراية (٣٧١/٤) من حديث سعيد بن
المسیب، وقال: ((غريب)).
(٢) حديث: ((وفي اليد خمسون من الإِبل))
أخرجه النسائي (٥٩/٨)، ونقل ابن حجر في التلخيص
(١٧/٤ - ١٨) تصحيحه عن جماعة من العلماء.
(٣) سورة المائدة /٣٨
(٤) البدائع ٣١٤/٧، والقوانين الفقهية ص ٣٤٤، ومغني المحتاج
٤ /٦٥، والمغني ٢٧/٨
-٣٣ -
كَفّ ٩ - ١٠
سابعا: قطع كف السارق:
٩ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة إلى أن يد السارق تقطع
عند استيفاء شروط السرقة من مفصل الكف
وهو الكوع لما روى من أن رسول الله ﴾
((قطع يد سارق من المفصل)) (١)، ولما روى
عن أبي بكر الصديق، وعمر رضی الله عنهما
أنهما قالا: ((إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه
من الكوع»، ولما روى عن عمر وعلى رضي
الله عنهما: أنهما قطعا اليد من المفصل.
قال الكاساني: روى أن النبي ◌َ﴾ قطع
ید السارق من مفصل الزند، فکان فعله بیانا
للمراد من الآية الشريفة، كأنه نص سبحانه
وتعالى فقال: فاقطعوا أيديهما من مفصل
الزند، وعليه عمل الأمة من لدن رسول الله
إلى يومنا هذا (٢).
وحكي عن بعض العلماء: أن يد السارق
تقطع من المرفق، وقال بعضهم: تقطع من
منبت الأصابع .
وقيل: تقطع من المنكب، وأدلة هؤلاء
جميعا ظاهر آية السرقة وهي قوله تعالى:
﴿وَاُلْسَارِقُ وَالسَّارِقَّةُ فَأَقْطَهُوَ أَبْدِيَهُمَا﴾ الآية،
قالوا: إن اسم اليد يقع على هذا العضو إلى
(١) حديث: ((أن رسول الله﴾ قطع يد سارق من المفصل))
أخرجه البيهقي (٢٧١/٨) من حديث جابر بن عبدالله.
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٨٨/٧
المنكب بدليل أن عمار بن ياسر رضي الله
عنهما فهم هذا المعنى من قوله تعالى:
﴿فامسحُواْبِوُجُوهِكُمْ وَآَيَدِیگُممِنْهُ﴾ (١)،
فمسح بالتراب إلى المنكب، ولم يُخطَّأ من
طريق اللغة (٢).
والتفصيل في مصطلح: (سرقة
ف ٦٥ ,٦٦).
ثامنا: قطع كف قاطع الطريق :
١٠ - ذهب عامة الفقهاء إلى أن يد قاطع
الطريق الذي تتوفر فيه شروط القطع تقطع
من مفصل الكف (٣).
وتفصيل ذلك في مصطلح: (حد
ف٣٣).
(١) سورة المائدة /٦
(٢) تفسير القرطبي ١٧١/٦، وأحكام القرآن للجصاص
٥١٠/٢، والبدائع ٨٨/٧، جواهر الإكليل ٢٨٩/٢، ومغني
المحتاج ١٧٨/٤، والمغني لابن قدامة ٢٥٩/٨
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٤٩٣/٢، وتفسير القرطبي
١٤٧/٦، والبدائع ٩٦/٧، ومغني المحتاج ١٨٠/٤، والمغني
لابن قدامة ٢٨٦/٨
- ٣٤ -
كَفَّ النّفس ١ - ٣
كَفُّ النَّفْس
التعريف :
١ - من معاني الكف في اللغة الترك والمنع،
يقال: کف عن الشيء کفا من باب قتل، إذا
ترکه، وكففته كفا منعته (١).
وأما في الاصطلاح فعرفه الأصوليون بأنه
الانتهاء عن المنهي عنه، قال في التقرير
والتحبير: إن الفعل المكلف به في النهي هو
كفه النفس عن المنهي، أي انتهاؤه عن المنهي
عنه، فقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْالزَّفَ﴾ (٢)
نهي يقتضي انتهاء المكلف عن المنهي عنه،
أي الزنا إذا طلبته نفسه (٣).
فلا يحصل الكف عن المنهي عنه إلا بعد
إقبال النفس عليه (٤) .
(١) المصباح المنير مادة: (كفف)، وانظر أيضا لسان العرب في المادة
نفسها.
(٢) سورة الإسراء / ٣٢
(٣). التقرير والتحبير ٨١/٢، وانظر حاشية الشربيني على هامش
شرح جمع الجوامع ٢١٤/١
(٤) جمع الجوامع ٦٩/١
الألفاظ ذات الصلة :
الترك:
٢ - من معاني الترك التخلية والإسقاط وعدم
الفعل، يقال: تركت الشيء إذا خليته، وترك
حقه إذا أسقطه، وترك ركعة من الصلاة إذا
لم يأت بها(١).
فالترك قد يستعمل في المأمور به من
الواجب أو السنة، وقد يستعمل في المنهي
عنه من الحرام أو المكروه. كما يستعمل في
الحقوق ونحوها .
وعلى ذلك فالترك أعم من كف النفس
الذي لايستعمل إلا في المنهي عنه .
الحكم الإجمالي:
٣ - عرف الأصوليون الحكم بأنه خطاب الله
تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرا
أو وضعا، وقالوا: إن کان الخطاب حتما
لفعل غير كف فالإيجاب ... أو ترجيحا
فالندب، وإن کان حتما لكف فالتحریم، أو
غير حتم فالكراهة (٢).
وصرحوا بأنه لاتکلیف ۔ أمرا کان أو نهيا - إلا
بفعل كسبي للمكلف، والفعل المكلف به
في النهي كفه النفس عن المنهي، ويستلزم
النهي عن الشيء سبق الداعية أي داعية
-ـ
(١) المصباح المنير ولسان العرب .
(٢) التقرير والتحبير ٨٠/٢
- ٣٥ -
كَفُّ النَّفْس ٣ - ٤
المنهي إلى فعله، فلا تكليف قبل الداعية،
فإذا قال الشارع: لاتزن، والغرض أن معناه
كف نفسك من الزنا، لزم أن لايتعلق
التكليف قبل طلب النفس للزنا، لأنه إذا لم
يخطر طلبها للزنا كيف يتصور كفها عنه؟ فلو
طلب منه کف النفس في حال عدم طلبها
طلب ماهو محال .
وعلى هذا يكون نحو: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ
اُلزِفٌ﴾ (١) تعليق التكليف، أي إذا طلبته
نفسك فكفَّها (٢).
وبناءً على ذلك فسر أكثر الأصوليين
القادر الموجه إليه التكليف بأنه إن شاء فعل
وإن شاء لم يفعل، لا إن شاء فعل وإن شاء
ترك، فيدخل في المقدور عدم الفعل إذا ترتب
على عدم المشيئة، وكان الفعل مما يصح ترتبه
على المشيئة، فتخرج العدميات التي ليست
کذلك، فالمكلف به في النهي ليس مجرد عدم
الفعل، كما ذهب إليه كثير من المعتزلة (٣).
وعلى ذلك فكف النفس فعل يتعلق به
التکلیف کما يتعلق بالعمل في المأمور به، أما
عدم الفعل، فكان متحققا من قبل واستمر،
فلا يتعلق به التكليف أصلا، كما حققه
الشيخ عبد الرحمن الشربيني على حاشية
(١) سورة الإسراء / ٣٢
(٢) التقرير والتحبير ٨١/٢
(٣) نفس المرجع، وجمع الجوامع ٢١٣،٦٩/١، ٢١٤
العلامة البناني (١).
ونقل أبن أمير الحاج عن السبكي أنه
وقف على دليلين يدلان على أن الكف
فعل (٢)، أحدهما قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اُلرَّسُولُ
يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ
مَهْجُورًا﴾ (٣) إذ الاتخاذ افتعال، والمهجور
المتروك .
والثاني مارواه أبو جحيفة السوائي رضي
الله عنه أن النبي و ليز قال: ((أي الأعمال
أحب إلى الله؟)) فسكتوا فلم يجبه أحد،
قال: ((هو حفظ اللسان (٤).
وتفصيل الموضوع في الملحق الأصولي .
ترتب الثواب علی کف النفس :
٤ - لقد تقدم أن كف النفس فعل يتعلق به
التكليف، ومن المقرر عند الأصوليين أن
ممتثل التكليف مطيع، والطاعة حسنة
والحسنة مستلزمة للثواب على ما قال تعالى:
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٥) وقال
تعالى: ﴿ِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَهْزِىَ
الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالُْْنَى﴾(٦).
(١) حاشية البناني مع جمع الجوامع ٢١٣/١
(٢) التقرير والتحبير ٨٢/٢
(٣) سورة الفرقان / ٣٠
(٤) حديث أبي جحيفة السوائي: ((أي الأعمال أحب إلى الله ... ))
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٤٥/٤) وأورده
المنذري في الترغيب (٥٠٦/٣) وقال: في إسناده من لا
يحضرني الآن حاله .
(٥) سورة الأنعام / ١٦٠
(٦) سورة النجم / ٣١
- ٣٦ -
كف النفس ٤ كُفَّار - كَفَّارة ١
وعلى ذلك فالكف عن المنهي عنه بالمعنى
الذي تقدم موجب للثواب، كما حققه
الآمدي في معرض أدلة المتكلمين على أن
الكف فعل، (١) لكن يشترط بعضهم للثواب
أن يكون الكف بقصد الامتثال .
قال الشربيني في تقريراته على حاشية
البناني:
إن في التكليف بالنهي ثلاثة أمور:
الأول: المكلف به، وهو مطلق الترك،
ولا يتوقف على قصد الامتثال بالفعل، بل
مداره على إقبال النفس على الفعل ثم كفها
عنه .
الثاني: المكلف به المثاب عليه، وهو
الترك للامتثال.
الثالث: عدم المنهي عنه، وهو المقصود،
لكنه ليس مكلفا به لعدم قدرة المكلف علیه،
وهذا هو التحقيق (٢).
وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصولي.
كُفَّار
انظر: كفر
(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١٤٧/١ - ١٤٨
(٢) تقريرات الشربيني بهامش حاشية البناني على جمع الجوامع
١ / ٦٩.
كَفَّارة
التعريف :
١ - الكفارة في اللغة: مأخوذة من الكفر وهو
الستر، لأنها تغطي الذنب وتستره، فهي اسم
من كَفَّرَ الله عنه الذنب، أي محاه لأنها تكفر
الذنب، وكأنه غطى عليه بالكفارة.
وفى التهذيب: سميت الكفارات
كفارات، لأنها تكفر الذنوب، أي تسترها
مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار، والقتل
الخطأ، وقد بينها الله تعالى في كتابه وأمر بها
عباده.
والكفارة: ما کفر به من صدقة أو صوم أو
نحو ذلك.
وتكفير اليمين: فعل ما يجب بالحنث
فيها، والتكفير في المعاصي: كالإِحباط في
الثواب (١) .
وفي الاصطلاح: قال النووي: الكفارة
من الكفر - بفتح الكاف - وهو الستر لأنها
تستر الذنب وتذهبه، هذا أصلها، ثم
(١) لسان العرب لابن منظور، ومختار الصحاح للرازي، والمصباح
المنير مادة (كفر) .
- ٣٧ -
كَفَّارة ١ - ٤
استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة أو
انتهاك وإن لم يكن فيه إثم كالقتل خطأ
وغيره (١).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستغفار:
٢ - الاستغفار في اللغة: طلب المغفرة (٢).
وشرعا: سؤال المغفرة والتجاوز بها عن
الذنب وعدم المؤاخذة به (٣).
وقد يأتي الاستغفار بمعان أخرى، فيأتي
بمعنى الإِسلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا
كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤).
يقول مجاهد وعكرمة: أى يسلمون.
كما يأتي بمعنى الدعاء والتوبة، هكذا
يقول القرطبي (٥) .
والصلة أن كلا من الكفارة والاستغفار
يكون - بمشيئة الله تعالى - سبباً لمغفرة
الذنب.
(١) المجموع ٦ / ٣٣٣، والبحر الرائق ٤ / ١٠٨، وكشاف القناع
٦/ ٦٥
(٢) القاموس المحيط
(٣) الفتوحات الربانية للكريدى ٧/ ٢٦٧ المكتبة الإسلامية،
والبحر المحيط ٥ / ٢٠١ طبعة مطبعة السعادة.
(٤) سورة الأنفال / ٣٣
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٣٩٩
ب - التوبة :
٣ - التوبة في اللغة: العود والرجوع عن
المعصية .
يقال: تاب عن ذنبه، إذا رجع عنه
وأقلع، وتاب الله عليه: وفقه للتوبة (١).
وشرعاً: هي الندم والإقلاع عن المعصية
والعزم على عدم العود إليها إذا قدر (٢).
والصلة بين الكفارة والتوبة أن كلا منهما -
بمشيئة الله تعالى - سبب لمغفرة الذنب.
ج - العقوبة :
٤ - العقوبة في اللغة: مأخوذة من العقب،
وهو الجري بعد الجري والولد بعد الولد.
والعقبة بالضم: النوبة والبدل والليل
والنهار، لأنهما يتعاقبان (٣).
وفي الاصطلاح هي: زواجر شرعها الله -
عز وجل - للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما
أمر، ليردع بها ذوي الجهالة حذرا من ألم
العقوبة (٤).
وهذه الزواجر: إما أن تكون مقدرة،
فتسمى حدا وإما أن تكون غير مقدرة
فتسمی تعزیرا.
والصلة بين الكفارة والعقوبة: أن الكفارة
(١) القاموس المحيط.
(٢) كشاف القناع ١/ ٤١٨، والمغني ٩/ ٢٠٠
(٣) القاموس المحيط، ولسان العرب، ومختار الصحاح.
(٤) الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٢٢١ بتصرف.
- ٣٨ -
:
كَفَّارة ٤ -٦
فيها معنى العبادة، وليست العقوبة كذلك.
الحكم التكليفي:
٥ - الكفارة مشروعة باتفاق الفقهاء وهي
واجبة جبرا لبعض الذنوب والمخالفات
الشرعية .
ودليل ذلك الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ
بِاَللَّغْوِ فِ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدْ تُمُ
اَلْأَيْمَنَّ فَكَفََّرَتُهُمْإِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَمِنْ
أَوْسَطِ مَاتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ذَالِكَ
كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١) وقوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَفْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَصَفًّا
وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَعَطًا فَتَحْرُِ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحِْیُ
رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ مِّثَقُ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ،
وَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَّوْبَةٌ مِنَ اللَّهِ
وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ
ثُمَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِبُرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا
(١) سورة المائدة / ٨٩
(٢) سورة النساء / ٩٢
ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فَمَنْ لَّمْ يَدْ فَضِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَاشَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِّعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينَاً﴾(١).
وأما السنة: فما ورد عن عبدالرحمن بن سمرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلتر: ((لا
تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة
أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت
إليها، وإذا حلفت علی یمین فرأيت غيرها
خيراً منها فأت الذي هو خير، وكفر عن
یمینك)» (٢).
وأما الإِجماع: فقد أجمع المسلمون من عصر
الرسول - ل - إلى يومنا هذا على مشروعية
الكفارة (٣).
الوصف الشرعي للكفارة:
٦ - نص الحنفية على أن الكفارة فيها معنى
العقوبة ومعنى العبادة. قال ابن نجيم: وأما
صفتهاً أي الكفارة مطلقا فهي عقوبة
وجوبا، لكونها شرعت أجزية لأفعال فيها
معنى الحظر، عبادة أداء، لكونها تتأدى
بالصوم والإِعتاق والصدقة وهي قرب،
(١) سورة المجادلة / ٤،٣
(٢) حديث: ((لاتسأل الإمارة .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٦٠٨)
(٣) المجموع شرح المهذب للنووي ١٨ / ١١٥، والمغني والشرح
الكبير لابن قدامة ١١ / ٢٥٠ طبع مطبعة المنار بمصر - الطبعة
الأولی ١٣٤٨ هـ .
- ٣٩ -
گَفَّارة ٦، ٧
والغالب فيها معنى العبادة، إلا كفارة الفطر
في رمضان فإن جهة العقوبة فيها غالبة بدلیل
أنها تسقط بالشبهات كالحدود، ولا تجب مع
الخطأ، بخلاف كفارة اليمين لوجوبها مع
الخطأ، وكذا كفارة القتل الخطأ، وأما كفارة
الظهار فقالوا: إن معنى العبادة فيها
غالب (١).
وقال الشربيني الخطيب من الشافعية :
وهل الكفارات بسبب حرام زواجر كالحدود
والتعازير للخلل الواقع؟ وجهان، أوجههما
الثاني كما رجحه ابن عبد السلام، لأنها
عبادات ولهذا لا تصح إلا بالنية (٢).
وقال الشيخ محمد علي من المالكية: وقد
اختلف في بعض الكفارات هل هي زواجر لما
فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها، أو هي
جوابر لأنها عبادات لا تصح إلا بالنيات،
وليس التقرب إلى الله تعالى زجرا، بخلاف
الحدود والتعزیرات فإنها ليست قربات، لأنها
لیست فعلا للمزجورین (٣).
أسباب وجوب الكفارة :
لوجوب الكفارة أسباب عدة:
(١) البحر الرائق ٤ / ١٠٩
(٢) مغنى المحتاج ٣/ ٣٥٩
(٣) حاشية تهذيب الفروق والقواعد السنية على الفروق للقرافي
٢١١/١
أولا: الحنث في اليمين:
٧ - لا خلاف بين الفقهاء في أن كفارة اليمين
لا تجب إلا بالحنث فیه.
٠
ولا خلاف بينهم في أن موجب الحنث هو
المخالفة لما انعقدت عليه اليمين، وذلك
بفعل ما حلف على عدم فعله، أو ترك ما
حلف على فعله، إذا علم أنه قد تراخی عن
فعل ما حلف على فعله، إلى وقت لا يمكنه
فيه فعله.
ولا خلاف على وجوب الكفارة بالحنث في
اليمين المعقودة على أمر في المستقبل، نفيا
كان أو إثباتا .
کما لا خلاف بينهم على عدم وجوبها في
اليمين اللغو في الزمن الماضي أو الحال، نفيا
كان أو إثباتا .
وإنما الخلاف بينهم في وجوبها في اليمين
الغموس، وهي المعقودة على أمر في الماضي أو
الحال كاذبة يتعمد صاحبها ذلك (١).
(١) المبسوط لشمس الدين السرخسي ٨/ ١٤٧، والبحر الرائق
شرح كنز الدقائق لابن نجيم ٤ / ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٣،
٣٠٤، والتاج والإكليل لمختصر خليل مطبوع بهامش مواهب
الجليل ٣/ ٢٧٥ طبع دار الفكر، والمدونة الكبرى للإمام مالك
ابن أنس ٣ / ١٠٠ وما بعدها، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي
٦ / ٢٧٥ وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني
١١/ ٦١٧، ٦١٨ وما بعدها، طبع دار الريان، وصحيح
مسلم بشرح النووي ١١/ ١٠٨ وما بعدها طبع المطبعة
المصرية، وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي ١١ / ١٢
طبع المكتب الإسلامي ببيروت، وكشاف القناع
للبهوتي ٦ / ٢٤٣ .
- ٤٠ -