النص المفهرس
صفحات 301-320
كفالة ٢١ - ٢٢ الالتزام تصرف في حق نفسه، وفيه نفع للطالب، ولا ضرر فيه على المطلوب، لأن ضرره بثبوت الرجوع، ولا رجوع عليه، لأنه عند أمره، وعند أمره یکون قد رضي به، ولأن قضاء دين الغير بغير إذنه جائز، فالتزامه أولى، وکما يصح الضمان عن الميت اتفاقا وإن لم يخلف وفاء (١). ويترتب على ذلك أن الكفالة تصح إذا کان المکفول عنه صبیا أو مجنونا أو غائبا، لأن الحاجة إلى الكفالة تظهر غالبا في مثل هذه الأحوال (٢) . ٣ - قدرة المكفول عنه على تنفيذ محل الالتزام: ٢٢ - ذهب الحنابلة والصاحبان (محمد وأبو يوسف ) إلى أنه لا يشترط لصحة الكفالة أن يكون المكفول عنه قادرا على تسلیم المکفول به، فیصح الضمان عن كل من وجب عليه حق، حیا کان أو ميتا، مليئا أو مفلسا، ترك كفيلا بهذا الدين أو لم يترك، ففي الحديث: أقر النبي ◌َّ الكفالة عن میت لم يترك وفاء ولا كفيلا (٣)، ويؤيد ذلك أيضا صحة إبراء المتوفى عن دين وإن لم يترك مالا، وصحة التبرع بالأداء عنه . (١) فتح القدير ٦ / ٣٠٤، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٠ . (٢) بدائع الصنائع ٦ / ٦، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٤، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٤، وكشاف القناع ٣/ ٣٥٤ (٣) الحدیث سبق تخريجه ف ١٤ وذهب أبو حنيفة إلى أنه يشترط في المكفول عنه أن يكون قادرا على الوفاء بالمكفول به إما بنفسه وإما بنائبه، فلا يصح عنده ضمان میت مدین توفي لا عن ترکة ولا عن كفيل بالدين، لأن الميت في هذه الحال عاجز عن الوفاء، غير أهل للمطالبة، والضمان: ضم ذمة إلى ذمة في الدين أو في المطالبة، ولا دين هنا ولا مطالبة لأنه بالوفاة عن غير مال ولا كفيل تصير ذمته خربة وغیر صالحة لأن تشغل بدين، وعنده أن الحديث المتقدم يحمل على الإِقرار بكفالة سابقة لا على إنشائها، أو أنه وعد بالتبرع وهو جائز عن الميت (١). الركن الخامس: محل الكفالة : قد تكون الكفالة بالمال، ويطلق عليها كثير من الفقهاء: الضمان، وقد تكون بالنفس، ويطلق عليها البعض: كفالة البدن، وكفالة الوجه . أولا- كفالة المال: قد يكون المكفول به دينا، وقد يكون عينا، والحكم يتغير في كل حالة: (١) بدائع الصنائع ٦ / ٦، والفتاوى الهندية ٣/ ٢٥٣، وفتح القدير ٦/ ٣١٧ - ٣١٨، والدسوقي والدردير ٣٣١٠/٣، والمغني ٥ / ٧٣ - ٧٤ - ٣٠١ - كَفَالة ٢٣ أ - كفالة الدين: ٢٣ - يشترط الفقهاء لصحة كفالة الدين: أُن یکون دینا صحیحا، وأن يكون واجبا في الذمة على التفصيل الآتي: ١ - أُن یکون دینا صحیحا: يشترط في الدين المکفول به أن یکون دینا صحيحا، وهو ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإِبراء، وعلى ذلك تجوز كفالة نفقة الزوجة عند وجوبها بالقضاء أو الرضاء سواء كانت ماضية أو حاضرة أو مستقبلة. وقال الشافعي - في الجديد -: تجب نفقة الزوجة بالعقد والتمكين وحينئذ لا يصح ضمان النفقة المستقبلة (١). فإذا كان الدين صحيحا، فلا يشترط جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعي في القديم أن يكون معلوم القدر والصفة والعين، لأن الكفالة من قبيل التبرع، والتبرع يصح مع الجهالة كالنذر، وقد جرى بها العرف، والحاجة إلى التعامل بها تبرر ذلك، غير أن الحنابلة يشترطون لصحة الكفالة بدين مجهول أن يكون مآله إلى العلم بمقداره، كأن يقول الكفيل : (١) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣ - ٢٨٤، والدسوقي ٣/ ٣٣٣، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٦، والمغني ٥ / ٧٤ - ٧٥ کفلت لك بالك قبل فلان، ولا يعلم مقدار ذلك. وذهب الشافعي - في الجدید - إلی عدم صحة الكفالة بالدين المجهول، وهو ما ذهب إليه الثوري واللیث وابن أبي لیلی وابن المنذر وغيرهم، لأن الكفالة التزام دين في الذمة، والتزام المجهول غرر ينهى عنه الشارع، فوجب أن يكون الدین معلوما حتى يكون الكفيل على بينة من أمره ومن قدرته على الوفاء بما التزم به (١) . ٢ - أن يكون واجبا في الذمة : يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعي في القديم أن يكون الدين المكفول به واجبا في الذمة عند الكفالة به، أو أن يكون مآله إلى الوجوب، وعلى ذلك تصح الكفالة بالدين الموعود به۔۔ وإن لم یکن موجودا عند الكفالة - لأن مآله إلى الوجوب، وذلك كأن يقول الكفيل: أقرض فلانا وأنا کفیل بما ستقرضه إياه (٢) . واشترط الشافعي - في الجدید - أن يكون الدين ثابتا في الذمة عند الكفالة، وعلى ذلك: فإن الكفالة لا تصح ـ على هذا (١) فتح القدير ٦ / ٢٩٨، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٤، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٦، والمغني ٥ / ٧٢ (٢) ابن عابدين ٥ / ٣٠٣، والدسوقي ٣/ ٣٣٣، والقليوبي وعميرة ٢/ ٣٢٦، والمغني ٥/ ٧٢ - ٧٣ - ٣٠٢ - كفالة ٢٣ - ٢٥ القول - بما سیکون من دین موعود به، وما ذهب إليه الشافعي - في الجدید ۔ من عدم صحة الكفالة بالدين قبل ثبوته، يرجع إلى أن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في الدين، والدين قبل ثبوته لا تشغل به ذمة، فلا يتحقق معنى الكفالة (١). واتفق الفقهاء على صحة الكفالة بالدَّرَك ۔ رغم أنه لم يثبت ولم یلزم - لأن الحاجة تدعو إليه، وعلى ذلك يجوز أن یضمن شخص لأحد العاقدين ما بذله للآخر إن خرج مقابله مستحقا أو معيباً أو ناقصاً ورُدَّ، سواء كان ذلك قبل قبض الثمن أو كان بعده. والمذهب عند الشافعية: أن ضمان الدرك إنما يصح بعد القبض، لأنه إنما یضمن ما دخل في يد البائع، ولا يدخل الثمن في ضمانه إلا بقبضه، وضمان الدرك أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقا، أو إن أخذ بشفعة سابقة على البيع ببيع آخر، ولا يختص ضمان الدرك بالثمن بل يجري في المبيع فيضمنه للبائع إن خرج الثمن المعيّن مستحقا أو أخذ بشفعة سابقة (٢). (١) تحفة المحتاج وحواشيها ٥ / ٢١٧، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٠٢، والقليوبي وعميرة ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦ (٢) فتح القدير ٦ / ٢٩٨، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٤، والشرقاوي على التحرير ٢/ ١٢١ - ١٢٢، والمغني ٥ / ٧٦ - ٧٨، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠١ أما الجعل في الجعالة فأجاز الكفالة به الحنفية والمالكية والحنابلة، سواء كانت الكفالة قبل الشروع في العمل أو کانت بعده لأنه آيل إلى اللزوم، والأصح عند الشافعية عدم صحة الكفالة بالجعل قبل الفراغ من العمل، لأنه غير آيل للزوم بنفسه، بل بالعمل، ومقابل الأصح جواز الكفالة به بعد الشروع في العمل (١). ب - كفالة العين: ٢٤ - المقصود بضمان العين أو كفالتها: أن يلتزم الكفيل برد عينها إن كانت قائمة، وبرد مثلها أو قيمتها إذا تلفت، وللفقهاء في حكم كفالة الأعيان تفصيل يرجع إلى ثبوت الحق في ذمة الأصيل أو عدم ثبوته، وذلك على التفصيل الآتي : قد يكون المكفول به من الأعيان المضمونة سواء كانت مضمونة بنفسها أو مضمونة بغيرها، وقد يكون المكفول به أمانة في يد حائزه، فهذه حالات ثلاث تفصیلھا کما يلي : ١ - العين المضمونة بنفسها: ٢٥ - هي التي يجب على حائزها أن يردها إلى صاحبها إن كانت قائمة أو يرد مثلها أو (١) فتح القدير ٦ / ٢٩٨، والدسوقي ٣ / ٣٣٣، وقليوبي وعميرة ٢/ ٣٢٦، والمغني ٥/ ٧٤ - ٣٠٣ - كفالة ٢٥ - ٢٧ قيمتها إن تلفت، وذلك كالعين المغصوبة أو المقبوضة على سوم الشراء. وقد ذهب الحنفية والحنابلة وهو قول عند الشافعية إلى صحة كفالة هذا النوع من الأعيان: فيلتزم الكفيل برد العين ما دامت قائمة، وبرد المثل إن كانت مثلية، وبرد القيمة إن كانت قيمية، والحكم كذلك عند الحنفية في العين المبيعة بعقد فاسد. وذهب المالكية وهو قول آخر للشافعية إلى أنه لا تجوز الكفالة بالأعيان، على أنه إذا استحق لزمه عينه، وإنما تصح إذا ضمن المعين على أنه إذا تلف بتعد أو تقصير التزم بدفع قیمته أو برد مثله، وعلى ذلك: إذا ضمن عين المغصوب لم يصح الضمان، ولكن إذا کفله على أنه ملزم بضمانه إذا تعذر رده صح الضمان (١). ٢ - العين المضمونة بغيرها: ٢٦ - وهي التي يجب على حائزها أن يردها إلى صاحبها إن كانت قائمة، فإذا هلكت لا يجب أن يرد مثلها أو قيمتها، بل يجب عليه التزام آخر، مثال ذلك: المبيع في يد البائع، فإنه مضمون بالثمن، فإذا هلك سقط الثمن عن المشتري إذا لم يكن دفعه، ووجب على (١) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٥٤، والدسوقي ٣/ ٣٣٤، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٩، والمغني ٥ / ٧٥ - ٧٦ . البائع رده إلیه إن کان دفعه، وكذلك الرهن في يد المرتهن، فإنه مضمون بالدین إذا كانت قیمته تزید علیه، وإلا كان مضمونا بقدر قیمته من الدین. وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن هذا النوع من الأعيان يجوز ضمان تسليمه فقط ما دام قائما، فإذا هلك سقطت الكفالة، لأنه إذا هلك هلك علی صاحب الید بما هو مضمون به، فالمبيع مضمون بالثمن، وإذا هلك في ید البائع سقط الثمن عن المشتري (١)، وعند المالكية لا يصح ضمان الأعيان، على معنى تسليمها بذاتها(٢)، وقد تقدم في العين المضمونة بنفسها عرض قولى الشافعية ، فيجريان أيضا في هذه المسألة (٣). ٣ - الأمانة : ٢٧ - قسم الحنفية الأعيان التي تعد أمانة في ید حائزها قسمین: قسم يجب على صاحب اليد تسليمه، بمعنى أنه ملتزم بأن يسعى إلى تسليمه إلى مالكه، كالعارية في يد المستعير والعين المستأجرة في يد المستأجر، وهذا القسم تجوز الكفالة بتسليمه لوجوب التسليم على صاحب اليد، فإذا هلك لا يلزم الكفيل (١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٥٤، والمغني ٥ / ٧٥ - ٧٦ . (٢) الخطاب ٥ / ٩٨، والخرشي ٥ / ٢٨، والدسوقي ٣/ ٣٣٤. (٣) القليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤١. - ٣٠٤ - گفالة ٢٧ - ٢٨ شيء لكونه أمانة، والأمانة إذا هلكت تهلك مجانا . والقسم الآخر لا يجب على صاحب الید تسلیمه، بل على المالك أن يسعى إلى ذلك، كالودائع وأموال المضاربة، وهذا القسم لا تجوز الكفالة بتسلیمه، کما لا تجوز بقیمته، إذ ليس شيء منهما مضمونا أو واجبا على صاحب اليد، ولا كفالة إلا بما هو واجب (١). وذهب المالكية إلى عدم صحة ضمان الودائع والعاريات ومال القراض، على أنها إذا تلفت أتى بعينها، ولكن إذا ضمنها على أنها إذا تلفت بتعد أو تقصير التزم بدفع القيمة أو رد المثل، صح الضمان ولزم، لأنها كفالة معلقة على ثبوت الدين، وهي جائزة عندهم (٢). وذهب الشافعية إلى أن العين إذا لم تكن مضمونة على من هي في يده، كالوديعة والمال في يد الشريك والوكيل والوصي، فلا يصح ضمانها، لأن الواجب فيها التخلية دون الرد (٣). وذهب الحنابلة إلى أن الأمانات، (١) فتح القدير ٦ / ٣١٢ - ٣١٣، الفتاوى الهندية ٣/ ٢٥٤ (٢) الخطاب ٥ / ٩٨، والخرشي ٦ / ٢٨، والدسوقي ٣/ ٣٣٤ (٣) القليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤١ كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط لا یصح ضمانها إن ضمنها من غیر تعد فيها، لأنها غير مضمونة على من هي في يده، فکذلك علی ضامنه، أما إن ضمنها إن تعدی فیھا فظاهر كلام أحمد یدل على صحة الضمان، فعلى هذا إن تلفت العين بغير تعد ولا تفريط لم يلزم الضامن شيء، وإن تلفت بتفريط أو تعد لزم الحائز ضمانها، ولزم ضامنه ذلك، لأنها مضمونة على من هي في يده، فلزم ضامنه، كالغصوب والعواري، وهذا في الحقيقة ضمان ما لم يجب، وهو جائز عندهم (١). ثانيا - كفالة النفس : ٢٨ - هي التزام الكفيل بإحضار المكفول إلى المكفول له أو إلى مجلس الحكم أو نحو ذلك (٢)، وفي هذه الحالة يتحد المكفول به والمکفول عنه . وقد اختلفت كلمة الفقهاء في حكم الكفالة بالنفس، وفي مضمونها وذلك على التفصيل التالي : (١) المغني مع الشرح الكبير ٥ / ٧٦ (٢) الشرقاوى على التحرير ٢ / ١١٩ - ٣٠٥ - كَفَالَةٍ ٢٩ - ٣٠ أ - حكم الكفالة بالنفس: ٢٩ - ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣) إلى أن الكفالة بالنفس صحيحة، وهذا مذهب شريح والشوري والليث بن سعد وغيرهم (٤)، لقوله تعالى: قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ, مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِلتأنتُنىڕەچإلّ آنُحَاطَپِكُمْ﴾ (٥)، ولما رواه حمزة بن عمرو الأسلمي : «أن عمر رضي الله عنه بعثه مصدقا، فوقع رجل على جارية امرأته، فأخذ حمزة من الرجل كفلاء حتى قدم على عمر، وكان عمر قد جلده مائة جلدة، فصدقهم، وعذره بالجهالة))(٦)، قال ابن حجر: استفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان، فإن حمزة بن عمرو الأسلمي صحابي، وقد فعله، ولم ينكر عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذ (٧)، وروى البخاري كذلك قول جرير والأشعث (١) ابن عابدين ٥ / ٢٨٦، وبدائع الصنائع ٦/ ٤، وفتح القدير ٦/ ٢٨٥ (٢) الدسوقي والدردير ٣/ ٣٤٤، والمواق ١٠٥/٥، وبداية المجتهد ٢ /٢٩١ (٣) كشاف القناع ٣/ ٣٦٢، والمغني ٥ / ٩٥ (٤) المغني ٥ / ٩٥ - ٩٦ (٥) سورة يوسف / ٦٦ (٦) أثر حمزة بن عمرو الأسلمي أن عمر رضي الله عنه بعثه مصدقاً .... » أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٤٧) وعلقه البخاري في صحيحه (الفتح ٤ / ٤٦٩) (٧) فتح الباري ٤ / ٤٧٠ وما بعدها. لعبدالله بن مسعود في المرتدين: استتبهم وکفلهم، فتابوا وکفلهم عشائرهم، قال ابن حجر: قال ابن المنير: أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، والكفالة بالنفس قال بها الجمهور(١). والمذهب عند الشافعية صحة كفالة البدن في الجملة للحاجة إليها واستؤنس لها بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ,مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًمِنَ اللهِلَتَأْنُنِّى بِعِلَّ أَنْ يُخَاطَ بِكُمْ﴾ . وفي قول لا تصح، لأن الحر لا يدخل تحت اليد ولا يقدر على تسليمه، وقطع بعضهم بالأول (٢). ب - مضمون الكفالة بالنفس : ٣٠ - لا خلاف بين الفقهاء في صحة كفالة النفس بالنظر إلى من عليه دين، ولكنهم اختلفوا في جوازها ببدن من علیه حد أو قصاص، وذلك على التفصيل الآتي: ذهب الحنفية إلى جواز الكفالة ببدن من علیه دین، لأنها مجرد التزام بإحضار من يجب إحضاره إلى مجلس ينبغي أن يحضره، ولا تتضمن التزاما بدين المكفول إلا بالشرط، كأن يقول الكفيل: إن لم أحضره إلى مجلس (١) المرجع السابق. (٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٠٣، وحاشية القلیوب ٢ / ٣٢٧ - ٣٠٦ - گفالة ٣٠ -٣٢ القضاء الفلاني في وقت کذا فعليّ ما عليه من الدین. کما ذهبوا إلى عدم جواز الكفالة ببدن من علیه حد خالص لله، كحد الزنا وشرب الخمر، لأنها تندریء بالشبهات، فلا یلیق بها الاستيثاق، سواء طابت نفس المطلوب بالكفالة أو لم تطب، وسواء كان ذلك قبل إقامة البينة أو بعدها، أما الكفالة ببدن من علیه حد فیه حق للعبد، كحد القذف، أو بیدن من علیه قصاص، فإنها تصح باتفاق الحنفية، إن طابت بها نفس المطلوب، لأنه أمكن ترتيب موجبه عليه، وهو تسليم النفس، لأن تسليم النفس فيهما واجب، فيطالب به الكفيل، فيتحقق الضم. وإن لم تطب نفس المطلوب بإعطاء الكفيل بلا جبر - في القصاص وحد القذف - فلا تجوز الكفالة عند أبي حنيفة، أي لا يجبر على إعطاء كفيل بنفسه يحضره في مجلس القضاء لإثبات ادعاء خصمه عليه، وتجوز الكفالة بالبدن في هذه الحالة عند الصاحبين، لوجود حق العبد، فيليق الاستيثاق (١). ويميز المالكية بين نوعين من كفالة الوجه : (١) ابن عابدين ٥ / ٢٩٧ - ٢٩٨، وبدائع الصنائع ٦/ ٨، وفتح القدير ٦ / ٢٨٥ - ٢٨٦ ضمان الوجه : ٣١ - وهو التزام الإِتيان بذات المضمون وإحضاره وقت الحاجة إليه، وهذا لا يجوز إلا إذا كان المضمون مدينا، لأن مقتضى الضمان إحضاره إلى الطالب ليتمكن من استيفاء دينه منه، وبناء على ذلك لا يصح ضمان الوجه فیمن یثبت علیه قصاص أو حد أو تعزیر (١)، وللزوج رد ضمان الوجه إذا صدر من زوجته، سواء كان ضمانها له أو لغيره، وسواء كان الدين الذي على المضمون يبلغ ثلث مالها أو أقل أو أكثر، لأنه مظنة لخروجها لطلبه، وفي ذلك معرّة عليه (٢). الضمان بالطلب: ٣٢ - وهو التزام طلب الغريم والتفتيش عليه إن تغيب والدلالة عليه دون الالتزام بإحضاره، وقيل: يلتزم بإحضاره، ولذا صح ضمان الطلب فيمن كان مطلوبا بسبب حق مالي، أو بسبب قصاص ونحوه من الحقوق البدنية من حدود وتعزیرات متعلقة بآدمي ، كأن يقول الكفيل: أنا حميل بطلبه، أو لا أضمن إلا الطلب، أو لا أضمن إلا وجهه، أو أضمن وجهه بشرط عدم غرم المال إن لم (١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٣٤٤ والمواق ٥ / ١٠٥ وما بعدها (٢) الدسوقي والدردير ٣/ ٣٤٤ -٥٣٠٧ کَفَّالة ٣٢ أجده (١). وحاصل كفالة البدن عند الشافعية كما قال الإِمام الغزالي: التزام إحضار المكفول ببدنه، فکل من يلزمه حضور مجلس الحكم عند الاستعداء، أو يستحق إحضاره، تجوز الكفالة ببدنة، فتجوز الكفالة ببدن من عليه حق مالى لآدمي كمدين وأجير وكفيل، وببدن من عليه عقوبة آدمي كالقصاص وحد القذف ـ على الأظهر - وقيل: لا تصح قطعاً، ولا تصح الكفالة ببدن من علیه حد لله تعالى كالزنا والخمر- على المذهب - وقيل : قولان . فإن كفل بدن من عليه مال لم يشترط العلم بقدره، لعدم لزومه للكفيل، ولکن يشترط أن یکون مما يصح ضمانه. وتصح الكفالة ببدن صبي ومجنون بإذن وليهما، لأنه قد يستحق إحضارهما لإِقامة الشهادة على صورتهما في الإِتلاف وغيره، وببدن محبوس وغائب، وإن تعذر تحصیل الغرض في الحال، وببدن ميت قبل دفنه لیشهد على صورته بإذن الوارث . والقاعدة: أن کل دین، لو ادغى به على شخص عند حاكم لزمه الحضور له تصح (١) الدسوقي والدردير ٣/ ٣٤٦، والمواق ٥/ ١٠٥ وما بعدها. الكفالة بیدن من هو عليه (١) . وذهب الحنابلة إلى صحة الالتزام بإحضار من عليه حق مالي إلی ربه، سواء من كان علیه الحق حاضرا أو غائبا، ولذا صحت الكفالة ببدن من علیه دین لازم، معلومًا کان الدين - للكفيل - أو مجهولا، ولا يمنع من جوازها أن يكون المكفول محبوسا عند الحاكم، إذ المحبوس عنده یمکن تسليمه بأمر الحاكم. ولا تصح الكفالة ببدن من علیه حد لله، کحد الزنا، أو ببدن من علیه حد لآدمي، کحد القذف، حدیث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: «لا کفالة في حد)) (٢)، ولأن مبناه على الإِسقاط والدرء بالشبهة، فلا يدخله الاستیثاق ولا یمکن استیفاؤه من غیر الجاني، ولا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص، لأنه بمنزلة الحد، وتصح الكفالة بالصبي والمجنون، وببدن المحبوس والغائب . وتصح الكفالة - عندهم - مع اشتراط أن يضمن المال إذا لم يُخْضِر المكفول، وتصح (١) روضة الطالبين ٤ / ٢٥٣، والشرقاوي على التحرير ١١٩/٢، والقليوبي وعميرة ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٣١ وما بعدها، وتحفة المحتاج وحواشیھا ٥/ ٢٥٨ - ٢٦١ (٢) حديث: «لا کفالة في حد» أخرجه البيهقي (٦ / ٧٧)، وضعف إسناده . - ٣٠٨ - كَفَالَة ٣٢ - ٣٤ الكفالة حالة ومؤجلة، كما صح الضمان كذلك (١). آثار الكفالة : أولا : - علاقة المكفول له بالكفيل : يختلف الأمر فيما إذا كانت الكفالة بالمال أو بالنفس. أ - كفالة المال: قد یکون المال المکفول به دینا، وقد یکون عینا . ١ - كفالة الدين: يتعلق بكفالة الدين أحكام هي : حق المطالبة : ٣٣ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الدائن المكفول له يستطيع أن يطالب . الکفیل بأداء الدین عند حلوله دون أن يتقید بتعذر مطالبة الأصيل المكفول عنه، كما يستطيع أن يطالب الأصيل به عند حلول أجله علیه، لأن ذمة كل منهما مشغولة بالدين جمیعه، فکان له مطالبة أيهما شاء اجتماعا وانفرادا (٢). (١) كشاف القناع ٣/ ٣٦٢ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٣/ ٣١٦، والمغني ٥ / ٩٦ - ٩٩. (٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٣١، والمغني ٨٣/٥ . أما المالكية فعندهم رواية - جرى عليها العمل في بعض البلاد - وهو الأظهر، تقرر نفس الحكم. وعندهم رواية أخرى لا تجيز للدائن المكفول له أن يطالب الكفيل بالدين المكفول به إذا کان الدین حالا والأصیل حاضر موسر ليس ذا لدد في الخصومة ولا مماطلاً في الوفاء، أو كان الأصيل غائبا وله مال حاضر ظاهر یمکن الاستیفاء منه بدون بعد ومشقة، وهذا إذا لم يكن قد اشترط في عقد الكفالة أن يأخذ بالحق من أيهما شاء، وذلك أن الدین إنما وجب ابتداء على الأصيل، والكفالة وثيقة فلا یستوفی الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصیل، کالرهن (١). تعدد الكفلاء : ٣٤ - للدائن المكفول له أن يطالب كل واحد . من الكفلاء بكل الدين إذا كانت كفالتهم على التعاقب، ويكون الكفيل الأول بالنسبة للكفيل الثاني كالأصيل بالنسبة للكفيل المنفرد، لأن كل واحد منهم کفیل بکل الدين فلا يؤثر في ضمانه أن يضمنه غيره، وإذا تعدد الكفلاء بالدين في عقد واحد، فإن الدین ينقسم عليهم بحسب رءوسهم - عند الحنفية (١) الخرشي ٥/ ٣٣، والدسوقي والدردير ٣/ ٣٣٧ وما بعدها، ومنح الجليل ٣/ ٢٥٩ . - ٠٩ ٣ - ٠ كَفَالَة ٣٤ - ٣٦ والمالكية والحنابلة، وفي قول عند الشافعية - لأن الضامن للدين مجموعهم، فصاروا في ضمانه شركاء، والمكفول به يقبل الانقسام، فوجب أن ينقسم عليهم. والقول الآخر للشافعية: أن للدائن قِبَل كل واحد منهم من الحقوق ماله قِبَل الكفيل المنفرد، إذ يُعد كل واحد منهم كفيل بكل الدین . وزاد المالكية أن الدائن لو اشترط حمالة بعضهم عن بعض، كان له أخذ جميع حقوقه من أحدهم إن غاب غيره أو افتقر فصار معدما، أما إن حضروا جميعا ملاء فإنه يتبع كل واحد منهم بحصته فقط حسب انقسام الدین علیھم (١) . زمان ومكان وموضوع المطالبة : . ٣٥ - يتحدد التزام الكفيل بما كان يلتزم به الأصيل من دين، فيؤديه في الزمان والمكان المتفق عليهما، وذلك مع مراعاة ما تضمنه عقد الكفالة من الشروط، ومع مراعاة ما تقدم بيانه في صيغة الكفالة من تنجيز أو تعليق أو إضافة إلى أجل أو تأقیت أو اقتران بشرط. وإذا مات الكفيل بالدين المؤجل حل (١) فتح القدير ٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩، والدسوقي ٣/ ٣٤٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤٤، والمغني ٥ / ٩٥ . الدين بموته عند الحنفية ما عدا زفر، والشافعية، وفي رواية عند الحنابلة، لأن ذمته خربت، وثبت للدائن حق مطالبة الورثة بالدین من تركته . وفي المشهور من مذهب أحمد: أن الدين لا يحل بالموت إذا ما وثّقه الورثة برهن أو کفیل. وذهب المالكية إلى أنه إذا مات الضامن قبل حلول أجل الدین، انتهى ضمانه في حق نفسه، وخير الطالب بين بقائه إلى حين حلول الأجل ومن ثم يطالب الأصيل، وبين أن يتعجل استيفاء حقه فيأخذه من تركة الضامن، حتى لو كان الأصيل حاضرا مليئا لعدم حلول أجله، أما إذا مات الضامن عند حلول الأجل أو بعده فلا يؤخذ الدين من · التركة إذا كان المدین حاضرا مليئا، وإنما يؤخذ منها إذا كان غائبا معدما، أو لا يُستطاع الاستيفاء منه بدون مشقة (١). حقوق الكفيل قِبَل الدائن : ٣٦ - إذا كان الضمان بإذن الأصيل كان للكفيل الحق في مطالبة الدائن - إذا ما توفي الأصيل قبل الوفاء - أن يأخذ من تركة مدينه ما يفي بدينه، أو ما يخصه منها عند المزاحمة، (١) ابن عابدين ٥ / ٣١٩، والدسوقي والدردير ٣/ ٣٣٧، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٣١، والمغني ٥ / ٨١ . - ٣١٠ - ..... كَفَالَة ٣٦ - ٣٧ أو پبرئه، ليتجنب بذلك احتمال تلفها وعدم الرجوع فيها إذا ما وفى الدين من ماله، ويثبت هذا الحق للضامن عندما يفلس الأصيل، فيطلب الدائن بيع مال الأصيل ليستوفي دينه أو ما يخصه عند المزاحمة، وذلك قبل الرجوع عليه . وذهب المالكية إلی أن للضامن - إذا ما طالبه الدائن بالدین - أن يدفع طلبه بأن المدين حاضر موسر فيجب مطالبته أولا، أو بأن للمدين مالا حاضرا يمكن الوفاء منه بدون مشقة، وإن لم يكن المدین حاضرا، وللضامن - عندهم - حق الاعتراض على تأجيل الدائن الدین للمدین عند يساره، فيخير الدائن بين أمرين: إما عدوله عن التأجيل، وإما إمضاؤه التأجيل وإبراؤه من الكفالة . كذلك للضامن أن يلزم الدائن بمطالبة المدين بالدين إذا ما حل أجله، خشية أن يموت أو يفلس إذا كان المدين قادرا على الوفاء، وإلا أسقط الكفالة (١). ٢ - كفالة العين : ٣٧ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الكفيل . إذا كفل عينا مضمونة بنفسها - فإنه يلتزم (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٠، ومنح الجليل ٣ / ١٦٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤٤ - ٤٤٥، وبدائع الصنائع ٦ / ١١، وانظر المغني ٥ / ٨٦ - ٨٩ بتسليمها ما دامت قائمة، وإن هلكت ألزم برد المثل إن كانت مثلية أو بدفع القيمة إن كانت قيمية. وإذا کفل عينا مضمونة بغيرها، فلا يجب عليه إلا تسليمها إن كانت قائمة، وإن هلكت سقطت الكفالة ولا يلزمه شيء. وإذا كفل أمانة واجبة التسليم، فإنه يلتزم بتسلیمها إن كانت قائمة، وإن هلکت لا يلزمه شيء، وإذا كفل بأمانة غير واجبة التسليم فلا يلزمه شيء (١) . وذهب المالكية إلى أن الكفيل إذا ضمن العين على أنها إذا تلفت بتعد أو تقصير التزم برد المثل أو دفع القيمة، یکون ملزما بهذا الضمان، أما إذا ضمن تسليمها بذاتها، فلا يلزمه شيء (٢) . وذهب الشافعية على القول بصحة كفالة الأعيان المضمونة إلى أن الضامن يلتزم بتسليمها إن كانت قائمة، فإن هلكت فعندهم وجهان: أولهما یوجب ضمانها على الكفيل، والآخر لا يضمنه وتنتهي الكفالة (٣) (١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٥٤، وفتح القدير ٦/ ٣١٢ - ٣١٣، والمغني ٥/ ٧٥ - ٧٦ . (٢) الدسوقي واليدردير ٣٣٤/٣، والحطاب ٩٨/٥، والخرشي ٢٨/٥ . (٣) القليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤١. - ٣١١ - ٠. كَفَالَة ٣٨ ب - كفالة النفس: ٣٨ - ذهب الحنفية إلى أن الكفالة بالنفس يترتب عليها وجوب التخلية بين الطالب والمکفول في موضع یقدر الطالب فیه علی إحضاره مجلس القضاء، إذ يحصل بذلك مقصود العقد، وهو استيفاء الحق أمام القاضي، فإذا قام بذلك انتهت الكفالة، وبناء على ذلك: لو سلم الكفيل المطلوب في صحراء، فلا یکون قد أوفى بالتزامه، ولکن لو سلمه في مصر، فإنه يخرج بهذا التسليم من الكفالة، حتى لو قيدت بالتسليم في مجلس القاضي، إذ الغرض من الكفالة تسليم المطلوب في مكان يتمكن فيه من إحضاره مجلس القاضي، فلا يتقيد بمكان خلاف مجلسه، لعدم الفائدة من التقييد. ولو شرط في الكفالة أن يسلمه في مصر معین، فسلمه في مصر آخر، خرج من الكفالة عند أبي حنيفة، لأن المقصود هو الوصول إلى الحق أمام قاض مختص، فلا يتقيد بقاض دون آخر، وذهب الصاحبان إلى أن الكفيل لايخرج بذلك التسليم من الكفالة، لأن الطالب وضع شرطا معتبرا وهو يقصد الإلزام به، فقد تكون حجته وبينته في هذا المصر دون غيره. ولو تعدد الكفلاء بالنفس فأحضر المطلوبَ أحدهم، برىء الجميع إن كانت الكفالة بعقد واحد، لأن المكفول فيها فعل واحد - هو إحضاره ـ فيتم بأحدهم، وإن كانت الكفالة بعقود متعددة بعددهم، لم يبرأ إلا من يحضر المطلوب، لأن المکفول حينئذ أفعال متعددة بعددهم، ففعل أحدهم لا يعد فعلا لغيره. ويلتزم الكفيل بإحضار المطلوب في الوقت المعين، ولا يحق له أن يطلب مهلة إذا كان محل المطلوب معلوما، فإذا لم يحضره أجبر على ذلك، لأنه امتنع عن أداء حق لازم عليه، ولكن لا يلزمه دين المطلوب، لأن مقتضى كفالة البدن - عند الحنفية - مجرد الالتزام بالإِحضار، إلا إذا شرط ذلك في العقد كأن يقول: إن لم أحضره .. فعليّ ما عليه من الدين، فيلزمه الدين، ولا يبرأ من الكفالة بالنفس إن کان قادرا على إحضاره، وإذا رفض المطلوب مطاوعة الكفيل بتسليم نفسه، كان له مراجعة الحاكم ليعينه بأعوانه، وهذا إذا كانت الكفالة بأمر من المطلوب، فإن لم تكن بأمره، فلا يملك الكفيل إلا إرشاد المكفول له إلى مكانه، ثم يخلي بينهما. وإذا ارتد المكفول ولحق بدار الحرب، لم يخرج الكفيل من الكفالة، لأن لحاقه بدار - ٣١٢ - كَفَالَةٍ ٣٨ الحرب إنما اعتبر كموته حكما في حق أمواله وقسمتها بین ورثته، أما في حق نفسه فهو مطالب بالتوبة والرجوع وتسليم نفسه إلى خصمه، فیبقی الكفيل على كفالته، ويمهله القاضي مدة مناسبة . وإذا مات المكفول به برىء الكفيل بالنفس من الكفالة، لأنه عجز عن إحضاره، ولأنه سقط الحضور عن الأصيل فيسقط الإِحضار عن الكفيل، وكذا إذا مات الكفيل لأنه لم يعد قادرا على تسليم المكفول بنفسه، وماله لا يصلح لإِيفاء هذا الواجب بخلاف الكفيل بالمال، ولو مات المكفول له فللوصي أن يطالب الكفيل، فإن لم يكن فلوارثه لقيامه مقام الميت (١). وذهب المالكية إلی أن الکفیل بضمان الوجه يلتزم بتسليم المطلوب بعد حلول الدين في مكان يقدر فيه الطالب على خلاص دينه منه أمام القضاء، فيبرأ من الكفالة إذا سلمه في مکان به حاكم أو قاض، وإن لم یکن بالبلد الذي حدث به الضمان، كما يبرأ إذا سلم المطلوب نفسه للدائن بعد حلول دينه إن أمره الضامن بذلك، فإن کان التسلیم قبل حلول الدین، أو بعده من غير أمر الكفيل، لم يبرأ الضامن (١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٧ وما بعدها، وبدائع الصنائع ٦ / ٤ وما بعدها، وفتح القدير ٦ / ٢٨٥ وما بعدها من الكفالة. والمشهور في المذهب: أنه إذا لم يحضر الضامن المضمون في الوقت المعين، فإنه يلزم بما عليه من الدين من بعد تلوم (إمهال) خفیف ۔ کالیوم - إن قربت غيبة الغريم، وبلا تلوم إن بعدت غيبته، وذهب ابن عبد الحكم إلى القول بعدم الضمان، وأنه لا يلتزم إلا بإحضاره . وإذا أثبت الكفيل أن المطلوب كان معسرا عند حلول الأجل، فلا يلزمه الضمان خلافا لابن رشد، وكذلك لا يلتزم بالضمان إذا أثبت أن المکفول قد مات قبل الحكم عليه بالغرم، لأن النفس المضمونة قد ذهبت، أما إن ثبت موته بعد الحكم فالغرم ماض. أما ضمان الطلب: فلا يلتزم فيه الكفيل إلا بطلب الغريم بما یقوی علیه، فإن ادعى أنه لم يجده صدق، وحلف أنه ما قصر في طلبه ولا يعلم موضعه، فإذا نكل عن اليمين غرم . وكذلك يغرم إذا فرط في الإِتيان به، أو في الدلالة علیه عند علمه بموضعه حتى تمكن من الهرب (١) . (١) الدسوقي والدردير ٣ / ٣٤٥ وما بعدها، والمواق ٥ / ١٠٥ - ١١٦ . - ٣١٣ - کفالة ٣٨ ... وذهب الشافعية إلى أن الكفيل بالبدن يلتزم بإحضار الغريم وتسليمه في المكان المعين بالعقد إن كان صالحا، وإلا تعين مكان الكفالة إن صلح، وقید بلد التسليم معتبر تجب مراعاته، ويجوز للمکفول له أن یرفض التسليم في غيره، ولو عين مكان محدد في البلد ففي المهذب: إن أحضره في غیر الموضع الذي شرط فيه التسليم فإن كان عليه ضرر بقبوله فيه، أو كان له غرض في رده، لم يلزمه قبوله، وإن لم یکن عليه ضرر وليس له غرض وجب قبوله، فإن لم يتسلمه أحضر الكفيل المطلوب عند الحاكم ليتسلم عنه ویبرأ. ويبرأ الكفيل إذا سلم الغريم في مكان التسليم بلا حائل يمنع الطالب منه، کمتغلب یمنعه منه، وإلا فلا یبرأ. وكذلك يبرأ من الكفالة إذا سلم المكفول نفسه، مظهرا أنه يسلم نفسه براءة للكفیل، ولا يكفي مجرد حضوره دون إظهار ذلك. وإذا غاب المطلوب لم يلزم الكفيل بإحضاره إن جهل مكانه لقيام عذره، فإن علم مكانه لزمه إحضاره عند أمن الطريق، ويمهل مدة الذهاب والإياب على العادة، فإن مضت ولم يحضره حبس ما لم يؤد الدین لأنه مقصر، وقيل: إن كانت غيبته مسافة قصر لم يلزم إحضاره، والأصح: أنه إذا مات المكفول أو هرب أو توارى ولم يعرف مكانه لم يطالب الكفيل بما عليه من الدين، ومقابل الأصح: أنه يغرم، والأصح: أنه لو شرط في الكفالة تغريم الكفيل المال عند عدم إحضار المكفول بطلت، لأنه شرط ينافي مقتضاها، ومقابل الأصح: أن الكفالة تصح مع هذا الشرط (١). ومذهب الحنابلة: أن الكفالة بالنفس إذا وقعت مطلقة عن المكان تعين إحضار المكفول في محل الكفالة، فإن تعين المكان بالعقد وجب إحضاره فيه، وإذا سلم المكفول نفسه في زمان التسليم ومكانه بریء الكفيل بذلك كما يبرأ الكفيل بموت المكفول. وإذا غاب المكفول، وعلم الكفيل زيمكانه، أمهل بقدر ما يمضي إلى هذا المكان وحضره، فإن مضى إليه ولم يحضره لتواریه أو هربه أو امتناعه، لزمه ما علیه من الدین، إلا إذا شرط البراءة من المال، وإن لم يعلم مكانه لزمه ما على المكفول من الدين لتقصيره في تقصي حاله، فكان بسبب ذلك متلفا. .(١) تحفة المحتاج ٥/ ٢٥٨ وما بعدها، وروضة الطالبين ٤/ ٢٥٣ وما بعدها، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١١٩، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٧ - ٣٢٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٣١ وما بعدها، والمهذب ١ /٣٥١ - ٣١٤ - كَفَالَة ٣٨ - ٤٠ وإذا ضمن شخص لآخر معرفة إنسان، کان جاء إنسان إلى آخر یستدین منه - مثلا - فقال له: لا أعرفك فلا أعطيك، فجاء شخص وضمن له معرفته، فداینه، ثم غاب المستدين أو توارى، أخذ الضامن بالدين، مالم یعرُّف الدائن بالمدین (١). ثانیا :- علاقة الکفیل بالمکفول عنه: ٣٩ - إذا كانت الكفالة بأمر المدين، فإن الكفيل يحق له أن يطالبه بتخليصه من الكفالة، وكذلك يحق له أن يرجع عليه بما أداه للدائن على التفصيل الآتي: أ - مطالبة المدين بتخليصه من الكفالة: ٤٠ - ذهب الحنفية إلى أن الكفالة إذا كانت بأمر المدين، ثبت للكفيل الحق في أن يطالبه بتخليصه من الكفالة إذا طالبه الدائن بالدین، وذلك بأن یؤدي الدين للدائن، ويثبت له الحق كذلك في ملازمته إذا لازمه الدائن، والحق في المطالبة بحبسه إذا ما طالب الدائن بحبس الكفيل، وإنما كان له ذلك لأن المدين هو الذي أوقعه فيما صار إلیه، فحق له أن يعامله بمثل ما یعامل به . وأما إذا كانت الكفالة بغير أمر المدين (١) كشاف القناع ٣/ ٣٦٢ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٣١٦/٣ وما بعدها، والمغني والشرح الكبير ٩٦/٥ وما بعدها . فليس للكفيل الحق في مطالبته بذلك، لأنه متبرع بالكفالة وبما يترتب عليها، فلا يثبت له حق إلزام غيره بما التزم به (١) . وذهب المالكية إلى أن للضامن الحق في مطالبة المضمون بدفع ما عليه من الدين إلى الدائن ليخلص من الضمان، ويحق له أن يجبره على ذلك عند حلول الأجل، سواء طالبه الدائن أو لا، وسواء كانت الكفالة بإذن المدين أو بغير إذنه، وليس للضامن أن یطالب المدین بتسلیم ما به الوفاء إليه ليدفعه إلى الدائن، لأن المدين لا يبرأ بالدفع إليه (٢). وذهب الشافعية إلى أن الضامن إذا ضمن من غير إذن المضمون، لا يحق له أن يطالبه بتخليصه من الكفالة، لأنه لم يدخل في الضمان بإذنه، فلا يلزمه تخليصه منه، وإن ضمن بإذن المدين، ثم طالبه الدائن، جاز له مطالبته بأن يخلصه من الكفالة، لأنه إذا جاز له أن يغرمه إذا غرم جاز له كذلك أن يطالبه بتخليصه من الكفالة إذا طولب، وإن ضمن بإذن المدين، ولم يطالبه الدائن، فالأصح أنه لايستطيع مطالبة المدين، لأنه لما لم يكن له أن يغرمه قبل أن يُغرم لم يكن (١) بدائع الصنائع ٦ / ١١، والزيلعي والشلبي ٤ / ١٥٦. (٢) الدسوقي والدردير ٣٤٠/٣، ومنح الجليل ٢٦١/٣ وما بعدها . - ٣١٥ - كَفَالَةٍ ٤٠ - ٤٢ له أن يطالبه قبل أن يطالب، ومقابل الأصح في المذهب: أن له حق مطالبته بتخلیصه، لأنه شغل ذمته بالدين بإذنه، فجاز له أن یطالبه بتفریغ ذمته منه، کما إذا أعاره عينا ليرهنها، كان له أن يطالب المستعير بتخليصھا (١) . وعند الحنابلة: إذا ضمن عن رجل بإذنه، فطولب الضامن، فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه، لأنه لزمه الأداء عنه بأمره، فكان له المطالبة بتبرئة ذمته، وإن لم يطالب الضامن لم يملك مطالبة المضمون عنه، لأنه لما لم يكن له الرجوع بالدين قبل غرامته، لم يكن له المطالبة به قبل طلبه منه، وفيه وجه آخر: أن له المطالبة، لأنه شغل ذمته بإذنه، فكانت له المطالبة بتفريغها، كما لو استعار عينا فرهنها، كان لصاحبها مطالبته بفکاکها وتفريغها من الرهن (٢). ب - رجوع الضامن على المدين: ٤١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الضامن لا يحق له أن يطلب من المدين أن يسلمه ما به وفاء الدين قبل قيامه بأدائه للدائن (٣) . (١) المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه ٢ / ٣٣١، والمهذب ١ / ٣٤٢ - ٣٤٣ (٢) كشاف القناع ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠، والمغني والشرح الكبير ٥ /٩٠ - ٩١ (٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣١٤، والدسوقي والدردير ٣/ ٣٣٦، ٠ والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٣١، والمغني والشرح الكبير ٥ / ٨٦ ولا خلاف بينهم في أن الضامن إذا أدى ما على المضمون بنية التبرع عن المدين، لم يكن له حق الرجوع عليه، أما إذا أدى الضامن حق الدائن بنية الرجوع على المدین، ففي حكم رجوعه تفصيل وبيان كما يلي: ١ - شروط الرجوع: ٤٢ - يشترط الحنفية لرجوع الكفيل على المكفول عنه ثلاثة شروط : الأول: أن تكون الكفالة بأمر المدین، إذا کان ممن يجوز إقراره بالدین علی نفسه، فلو کان المدین صبیا مميزا أو محجورا علیه لعته أو سفه، فلا يثبت للكفيل حق الرجوع، لأن الكفالة بالأمر في حق المكفول عنه استقراض واستقراض الصبي والمحجور عليه لا يتعلق به الضمان . والثاني: أن يتضمن كلام المدين ما يدل على أمر الضامن بأن يقوم بالضمان عنه، كأن يقول: اضمن عني ، فإذا قال له: اضمن الدين الذي في ذمتي لفلاني، دون أن یضیف الضمان لنفسه، لم یکن للكفیل حق الرجوع عليه عند الأداء، لأن هذا الأمر لا يتضمن طلب إقراض، وقال أبو يوسف: يرجع مطلقا، لأن الأداء تم بناء على الأمر بالضمان، وهو يقتضي أن يكون نائبا عنه في - ٣١٦ - كَفَالَةٍ ٤٢ الأداء مطلقا . والثالث: أن يترتب على أداء الكفيل إبراء ذمة المکفول، لأن حق الرجوع قد ثبت بناء على نيابة الكفيل عن المدین في أداء الدین، وعلى ذلك لو أدى الكفيل الدين للدائن، وهو لا يعلم أن المدین قد قام بأدائه، لم یکن له حق الرجوع على المدين بما أدى، وإنما يسترد ما دفعه ممن دفعه إلیه (١) . وذهب المالكية إلى أن الضامن إذا أدی دين المضمون ثبت له حق الرجوع على المضمون، سواء أكانت الكفالة بإذنه أم کانت بدون إذنه، حتى لو أدى عن صغیر بغیر إذن ولیه، فله أن یرجع بما أدی في مال الصغیر، وذلك لأنه قام بوفاء ما كان واجبا على الأصيل، فيرجع بما غرم في هذه السبيل (٢) . وذهب الشافعية إلى أن للضامن الذي أدى الدين حق الرجوع على المضمون إن وجد إذنه في الضمان والأداء جميعا، وليس له حق الرجوع إن انتفى إذنه فيهما، فإن أذن الأصيل في الضمان فقط وسكت عن الأداء، (١) حاشية ابن عابدين ٥/ ٣١٤، وبدائع الصنائع ٦ / ١٣، والشلبي على الزيلعي ٤ / ١٥٣، وفتح القدير ٦/ ٣٠٤ - ٣٠٥، والمبسوط ١٩ / ١٧٨ (٢) الخرشي ٥/ ٣١، والدسوقي والدردير ٣/ ٣٣٧ وما بعدها، وبلغة السالك ٢ / ١٥٨، وبداية المجتهد ٢/ ٢٩٤، والقوانين الفقهية ص ٣٢٥ رجع الکفیل عليه في الأصح، لأنه أذن له في سبب الغرم، ومقابل الأصح: لا يثبت له حق الرجوع، لأن الغرم حصل بغير إذن، وإن أذن الأصيل في الأداء ولم يأذن في الضمان لا يرجع الكفيل عليه في الأصح، لأن الغرم بالضمان ولم يأذن فيه، ومقابل الأصح: يثبت للكفيل حق الرجوع على الأصیل، لأنه أسقط الدین عنه بإذنه (١). وذهب الحنابلة إلى أن الضامن الذي أدى الدين المضمون بنية الرجوع به على المدين، له أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الضامن قد ضمن بإذن المدين، ثم أوفاه كذلك، فله حق الرجوع، سواء قال له: اضمن عني وأدّ عني، أو أطلق الإذن بالضمان والأداء فلم يضفه إلی نفسه . الحالة الثانية: أن يكون الضامن قد ضمن بإذن المدین، ولکنه أدی بدون إذنه، فله حق الرجوع أيضا، لأن الإِذن في الضمان يتضمن الإذن في الأداء عرفا . الحالة الثالثة: أن يكون الضامن قد ضمن بدون إذن المدين، ولكنه أدى الدين (١) روضة الطالبين ٤ / ٢٦٦، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٢٢، والتحفة وحواشيها ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٥، والقليوبي وعميرة على المحلي ٢ / ٣٣١، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤٦ وما بعدها . - ٣١٧ - ٠٠ كَفّالَة ٤٢ - ٤٣ ٠٠ بإذنه، فله کذلك حق الرجوع، لأن إذن المدين بالأداء يدل على أنه أراد أن يقوم الكفيل عنه فيه. الحالة الرابعة: أن یکون الضامن قد ضمن بدون إذن المدین، ثم أدی بدون إذن منه، ففيه روايتان: إحداهما: يرجع بما أدى، لأنه أداء مبریء من دین واجب، فكان من ضمان مَنْ هو عليه، وقيام الإِنسان بقضاء ما هو واجب على غيره يستلزم حق رجوعه عليه ما لم يكن متبرعا، والرواية الأخرى: لا يرجع بشيء لأن صلاة النبي اليهود على الميت المدین، بعد ضمان دينه (١) تدل على أن ذمته برئت من الدين، ولو كان للضامن حق الرجوع على المدين بمجرد ضمانه من غير إذنه ما برئت ذمة الميت (٢). ٢ - كيفية الرجوع: ٤٣ - ذهب الحنفية إلى أن الكفيل الذي له حق الرجوع يرجع على المكفول عنه بما أدى، إذا كان ما وفاه مثل الدين ومن جنسه، لأن الكفيل - وقد أمر بالضمان وقام بالوفاء بناء عليه - يتملك الدين بذلك الوفاء، فإذا أداه من جنسه حل محل الدائن فيه، وإذا أدى (١) حديث: ((صلاة النبي ﴿ على الميت المدين ... )) تقدم فقرة (٦) . (٢) كشاف القناع ٣/ ٣٥٩، والمغني والشرح الكبير ٥/ ٨٦ وما بعدها . أقل من الدین، فإنما يتملك بقدر دى، تجنبا للربا بسبب اختلاف القدر مع اتحاد الجنس، أما إذا أدى بغير جنسه مطلقا، أو تصالح مع الدائن على بعض الدين، فإنه یرجع علی المدین بما ضمن - وهو الدين - لأنه تملك الدين بالأداء، فيرجع بما تمت الكفالة عليه، وشبهة الربا غير واردة. (١) وعند المالكية: أن الضامن - الذي له حق الرجوع - يرجع على المدين بمثل ما أدى إذا کان ما أداه من جنس الدین، سواء کان الدين مثليا أو قيميا، لأن الضامن كالمسلف، وفي السلف يرجع بالمثل حتى في المقومات، وإذا لم یکن ما أداه من جنس الدين، فإنه يرجع على المكفول بالأقل من الدين وقيمة ما أدى، وذلك إذا لم يكن الضامن قد اشتری ما أدی به، فإنه في هذه الحالة يرجع بثمنه ما لم یکن في شرائه محاباة، وإلا لم يرجع بما زاد على قيمته، وإذا تصالح الحميل والدائن فلا يرجع الضامن على المدين إلا بالأقل من الأمرين، الدين وقيمة ما صالح به (٢). وذهب الشافعية إلى أن الضامن - إذا ثبت له حق الرجوع - فالأصح أنه يرجع بما (١) حاشية ابن عابدين ٣١٤/٥ - ٣١٥، وفتح القدير . ٦/ ٣٠٤ -٣٠٦ (٢) الخرشي ٥ / ٣١، والدسوقي والدردير ٣٣٥/٣ -٣٣٦ - ٣١٨ - کَفَالَة ٤٣ - ٤٦ غرم، لا بما لم یغرم، فیرجع بالدین إن أداه، ويرجع بما أدى إن كان أقل، ويرجع بالأقل مما أدى ومن الدين إن صالح عن الدين بخلاف جنسه، ومقابل الأصح رجوعه بالدین کله، لأنه حصل البراءة منه بما فعل، . والمسامحة جرت معه (١) وذهب الحنابلة إلى أن الضامن يرجع على المضمون عنه بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدین، لأنه إن کان الأقل الدین فالزائد لم یکن واجبا، فهو متبرع بأدائه، وإن كان المقضي أقل، فإنما يرجع بما غرم، ولهذا لو أبرأه غريمه لم يرجع بشىء. وإن دفع عن الدين عرضا رجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين، فإن قضى المؤجل قبل أجله لم يرجع به قبل أجله، لأنه لا يجب له أكثر مما كان للغريم، فإن أحاله كانت الحوالة بمنزلة تقبيضه، ويرجع بالأقل مما أحال به أو قدر الدين، سواء قبض الغريم من المحال عليه، أو أبرأه، أو تعذر عليه الاستيفاء لفلس أو مُطْل، لأن نفس الحوالة كالإِقباض (٢). انتهاء الكفالة : ٤٤ - انتهاء الكفالة يعنى براءة ذمة الكفيل (١) تحفة المحتاج ٥ / ٢٧٥، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٣١، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤٦ وما بعدها . (٢) المغني مع الشرح الكبير ٥ / ٨٩، وكشاف القناع ٣/ ٣٥٩. مما التزم به بعقد الكفالة، وقد تكون هذه البراءة تابعة لانتهاء التزام المدين، لأن التزام الكفيل تابع لالتزام الأصيل، وإذا سقط الأصل سقط التبع، كما تكون هذه البراءة بصفة أصلية، فتنتهي الكفالة ويبقى التزام الأصيل، إذ لا يلزم من انتهاء الالتزام التابع انتهاء الالتزام الأصلي، وعلى ذلك یکون لانتهاء الكفالة حالتان: انتهاؤها تبعا لانتهاء التزام الأصيل، وانتهاؤها بصفة أصلية. أ - انتهاء الكفالة تبعا لانتهاء التزام الأصيل: ٤٥ - تنتهي الكفالة بانقضاء الدين المكفول به بأي طريق من طرق انقضاء الدين، كالأداء والإِبراء والمقاصة وغير ذلك. وتفصيل ذلك في مصطلح (دین ف ٧٠ - ٧٨) . أما الكفالة في العين فتنتهي بتسليم العين المكفولة . وأما الكفالة في البدن فتنتهي بإحضار المکفول ببدنه أو موته (١). ب - انتهاء الكفالة بصفة أصلية : تنتهي الكفالة بصفة أصلية بما يأتي : ١ - مصالحة الکفیل الدائن: ٤٦ - إذا صالح الكفيل الدائن على بعض (١) بداية المجتهد ٢ / ٢٩٤، وكشاف القناع ٣/ ٣٥٩. - ٣١٩- كَفَالَة ٤٦ - ٥٠ الدين بشرط أن يبرئه من الكفالة، انتهت الكفالة بالنسبة للدین کله، وبرئت ذمة الأصيل إزاء دائنه من الجزء الذي تم عليه الصلح، ويرجع الكفيل على المدين وفقا للشروط والأحكام التي تقدم بيانها (ر: ف ٣٩) . ٢ - الإبراء: ٤٧ - إذا أبرأ الدائن الكفيل من التزامه، فإن هذا الإِبراء يعد منه تنازلا عن الكفالة، وتنتهي بذلك. (ر: إبراء ف ١٤) . ٣ - إلغاء عقد الكفالة: ٤٨ - إذا بطل عقد الكفالة، أو فسخ، أو استعمل المكفول له حق الخيار، أو تحقق شرط البراءة منها، أو انقضت مدة الكفالة المؤقتة، أو نحو ذلك، فإن الكفالة تنتهي بالنسبة للكفيل، دون أن تبرأ ذمة الأصيل نحو دائنه (ر: ف ٧) . ٤ - موت الکفیل بالبدن : ٤٩ - إذا مات الكفيل في ضمان الوجه أو في ضمان الطلب، فإن الكفالة تنتهي، لأنه لم يبق قادرا على إحضار المكفول بنفسه، ولا التفتيش عنه أو الدلالة عليه (١) . (١) بدائع الصنائع ٦ / ٤ وما بعدها، والتاج والإكليل ٥ / ١٠٥ -= ٥ - تسليم العين المكفولة: ٥٠ - إذا سلم الكفيل العين المضمونة بنفسها إن كانت قائمة، أو رد مثلها أو دفع قيمتها إن كانت هالكة، فإنه يبرأ من التزامه، وتنتهي الكفالة بذلك (١). = ١٠٦، وتحفة المحتاج ٥/ ٢٥٨، والمغني مع الشرح الكبير ٥/ ٩٦. (١) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٥٤، وفتح القدير ٦ / ٢٨٩، والدسوقي ٣/ ٣٣٤، والمحلي على المنهاج ٢/ ٣٢٩، والمغني والشرح الکبیر ٥ / ٧٥ . - ٣٢٠ -