النص المفهرس

صفحات 281-300

کفاءة ١٢ - ١٥
أولى، ونقل عن البحر أن الكبيرة لو زوجها
الوکیل غنیا مجبوبا جاز، وإن كان لها التفريق
بعد (١).
تقابل خصال الكفاءة:
١٣ - نص الشافعية على أن بعض خصال
الكفاءة لايقابل ببعض في الأصح، فلا تجبر
نقيصة بفضيلة، أي لاتزوج عفيفة رقيقة
بفاسق حر، ولا سليمة من العيوب دنيئة
بمعيب نسيب .. لما بالزوج في الصور
المذكورة من النقص المانع من الكفاءة، ولا
ينجبر بما فيه من الفضيلة الزائدة عليها .
ومقابل الأصح عندهم أن دناءة نسب
الزوج تنجبر بعفته الظاهرة، وأن الأمة العربية
يقابلها الحر العجمي .
وفصل الإِمام فقال: السلامة من العيوب
لاتقابل بسائر فضائل الزوج، وكذا الحرية،
وكذا النسب، وفي انجبار دناءة نسبه بعفته
الظاهرة وجهان: أصحهما المنع، قال:
والتنقي من الحرف الدنية يقابله الصلاح
وفاقا، والصلاح إن اعتبرناه يقابل بكل
خصلة، والأمة العربية بالحر العجمي
(١) رد المحتار ٣٢٤/٢
وترى اللجنة أن عامة الصفات المعتبرة في الكفاءة بحسب ما
تقدم لدى الفقهاء مناط اعتبارها العرف، وقد عبر الفقهاء بما
تقدم انطلاقا من عرفهم، فإذا تغير العرف تغيرت صفات
الكفاءة .
على هذا الخلاف (١).
وذكر ابن عابدين: أنه لو کان الزوج ذا
جاه كالسلطان والعالم ولم يملك إلا النفقة،
قیل : یکون كفئا لأن الخلل ینجبر به، ومن
ثَمَّ قالوا: الفقيه العجمي كفء للعربي
الجاهل، وقال: والذي يظهر لي أن شرف
النسب أو العلم يجبر نقص الحرفة، بل يفوق
سائر الحرف (٢).
تخلف ما لم ينص عليه في خصال الكفاءة:
١٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصفات
التي لاتعتبر في خصال الكفاءة التي سبق
بيانها لاتؤثر في الكفاءة، كالكرم وعكسه،
واختلاف البلد، ونحو ذلك، قالوا: لأنه
ليس بشيء (٣)، وقد خالف بعضهم في
اعتبار ذلك کما يلي:
أ - كفاءة الدميم للجميلة :
١٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجمال
ليس من الخصال المعتبرة في الكفاءة للنكاح،
لكن الروياني من الشافعية اعتبره من
تلك الخصال، ومع موافقة الحنفية لجمهور
الفقهاء فإنهم قالوا: لكن النصيحة أن يراعي
(١) شرح المنهاج للمحلي ٢٣٦/٣، ومغني المحتاج ١٦٨/٣،
وروضة الطالبين ٨٣/٧
(٢) رد المحتار ٣٢١/٢-٣٢٢
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٣٢٤/٢، ومغني المحتاج ١٦٧/٣،
ومطالب أولي النهى ١٣٦/٥
- ٢٨١ -

كفاءة ١٥ - ٢١
الأولياء المجانسة في الحسن والجمال (١).
ب - كفاءة ولد الزنا لذات النسب:
١٦ - نصَّ الحنابلة على هذه المسألة،
واختلف قولهم فيها فنقل البهوتي أنه قد قیل
إنه كفء لذات نسب، وقال ابن قدامة:
يحتمل ألا يكون كفئا لذات نسب، ونقل
البهوتي وابن قدامة عن أحمد أنه ذكر له أن
ولد الزنا ينكح وينكح إليه فكأنه لم يحب
ذلك، لأن المرأة تعیر به هي ووليها، ويتعدى
ذلك إلی ولدها، وأما كونه لیس بکفء
لعربية فلا إشكال فيه، لأنه أدنی حالا من
الموالي (٢) .
جـ - كفاءة الجاهل للعالمة :
١٧ - ذكر الشافعية هذه المسألة، واختلفوا
فيها، فصحح في زيادة الروضة كون الرجل
الجاهل كفئا للعالمة، ورجح الروياني أنه غير
كفء لها، واختاره السبكي، واحتج بأنهم
يعتبرون العلم في الأب، فاعتباره في المرأة
نفسها أولى، قال الشربيني الخطيب بعد أن
نقل ماسبق: وهذا متعين (٣).
د - كفاءة القصير لغير القصيرة:
١٨ - ذهب الشافعية إلى أن الطول أو القصر
(١) رد المحتار ٣٢٤/٢، ومغني المحتاج ١٦٧/٣
(٢) كشاف القناع ٦٨/٥، والمغني ٤٨٦/٦
(٣) مغني المحتاج ١٦٧/٣
لا يعتبر أي منهما في الكفاءة للنكاح، لأنه
ليس بشيء، وهو فتح لباب واسع، وقال
الأذرعي : فيما إذا أفرط القِصر في الرجل نظر،
وينبغي ألا يجوز للأب تزويج ابنته بمن هو
كذلك، فإنه ممن تتعير به المرأة (١).
هـ - كفاءة الشيخ للشابة:
١٩ - ذهب الشافعية إلى أن الشيخ كفء
للشابة، لكن الروياني ذكر أن الشيخ لايكون
كفئًا للشابة على الأصح، قال النووي :
الصحيح خلاف ما قاله الروياني، وقال
الرملي: هو ضعيف لكن ينبغي مراعاته (٢).
و- كفاءة المحجور عليه بسفه للرشيدة:
٢٠ - ذهب الشافعية إلى أن المحجور عليه
بسفه كفء للرشيدة، وقال الزركشي: فيه
نظر، لأنها تتعير غالبًا بالحجر على الزوج،
وقال الأنصاري: الأوجه أنه غير كفء (٣).
مايترتب على تخلف الكفاءة:
٢١ - إذا تخلفت الكفاءة عند من يشترطونها
لصحة النكاح فإنه یکون باطلاً أو فاسداً،
أما من لا يعتبرونها لصحة النكاح، ویرونها
حقًّا للمرأة والأولياء فإن تخلف الكفاءة
لايبطل النكاح عندهم في الجملة، بل يجعله
(١) مغني المحتاج ١٦٧/٣، وروضة الطالبين ٨٣/٧
(٢) نهاية المحتاج ٢٥١/٦
(٣) أسنى المطالب ١٣٨/٣
- ٢٨٢ -

كفاءة ٢١
عرضة للفسخ .
وللفقهاءة وراء ذلك تفصيل :
قال الحنفية ۔ على ظاهر الرواية - إذا تزوجت
المرأة غير كفء فللولي أن یفرق بينهما دفعًا
للعار مالم يجىء منه دلالة الرضا، والتفريق
إلى القاضي، لأنه مجتهد فيه، وكل من
الخصمين يتشبث بدليل، فلا ينقطع النزاع
إلا بفصل القاضي، ومالم يفرق فأحكام
النكاح ثابتة، یتوارثان به إذا مات أحدهما
قبل القضاء، ولايكون الفسخ طلاقًا، لأن
الطلاق تصرف في النكاح وهذا فسخ لأصل
النكاح، ولأن الفسخ إنما يكون طلاقًا إذا
فعله القاضي نيابة عن الزوج، وهذا ليس
كذلك، ولهذا لايجب لها شيء من المهر إن
كان قبل الدخول، وإن دخل بها فلها
المسمى، وعليها العدة ولها نفقة العدة
للدخول فى عقد صحيح، والخلوة الصحيحة
عندهم في هذا کالدخول.
وقالوا : إن قبض الولي المهر أو جهز به أو
طالب بالنفقة فقد رضي، لأن ذلك تقرير
للنكاح وأنه يكون رضا، كما إذا زوجها
فمكنت الزوج من نفسها، وإن سكت
لایکون قد رضي وإن طالت المدة، مالم تلد،
فليس له حينئذ التفريق، لأن السكوت عن
الحق المتأكد لایبطله، لاحتمال تأخره إلى وقت
يختار فيه الخصومة، وعن شيخ الإسلام أن له
التفريق بعد الولادة أيضًا.
وإن رضي أحد الأولياء فليس لغيره ممن هو
في درجته أو أسفل منه الاعتراض، لأن حق
الأولياء لايتجزأ، وهو دفع العار، فجعل كل
واحد منهم كالمنفرد، لأنه صح الإسقاط في
حقه، فيسقط في حق غيره ضرورة عدم
التجزي، کالعفو عن القصاص، بخلاف ما
إذا رضيت، لأن حقها غير حقهم، إذ أن
حقها صيانة نفسها عن ذل الاستفراش،
وحقهم دفع العار، فسقوط أحدهما لايقتضي
سقوط الآخر، وقال أبو يوسف: للباقین حق
الاعتراض، لأنه حق ثبت لجماعتهم، فإذا
رضي أحدهم فقد أسقط حقه وبقي حق
الآخرين، وإن كان الولي المعترض أقرب من
الولي الذى رضي فله حق الاعتراض.
وروى الحسن عن أبي حنيفة - وروايته
هي المختارة للفتوى عند الحنفية - أن المرأة إذا
تزوجت بغير كفء لم يجز ولايصح العقد
أصلا، قال السرخسي: وهو أحوط، فليس
كل ولي يحسن المرافعة إلى القاضي، ولا كل
قاض یعدل، فكان الأحوط سد هذا الباب،
وقال في الخانية: هذا أصح وأحوط.
وقد نقل الكمال بن الهمام عن أبي الليث:
أن للمرأة التي زوجت نفسها من غیر کفء أن
- ٢٨٣ -

کفاءة.٢١
تمتنع عن تمکینه من وطئها، لأن من حجة
المرأة أن تقول: إنما تزوجتك على رجاء أن يجيز
الولي، وعسى أن لایرضی، فیفرق (١)
وقال المالكية ۔۔ کما حکی البناني - إذا تزوجت
المرأة من غير كفء في الدين، فيتحصل في
العقد ثلاثة أقوال :
أحدها: لزوم فسخه لفساده، وهو ظاهر
اللخمي وابن بشير وغيرهما. الثاني: أنه
نكاح صحيح، وشهره الفاکهاني .
الثالث: لإِصبغ: إن كان لا يؤمن عليها منه
رده الإِمام وإن رضيت به. وقال البناني:
وظاهر كلام الحطاب أن القول الأول هو
الراجح .
ونقل الحطاب عن ابن فرحون أنه قال في
تبصرته: من الطلاق الذي يوقعه الحاكم بغير
إذن المرأة وإن كرهت إيقاعه
نكاحها الفاسق، وعقب الحطاب بقوله :
سواء كان فاسقا بالجوارح أو بالاعتقاد،
وظاهر كلامهم أنه يفسخ مطلقا بعد الدخول
وقبله، ثم قال: وأما الحال - أي تخلف
الكفاءة بسبب الحال وليس بسبب الدين -
فلا إشكال أن للمرأة ووليها إسقاطه (٢).
وقال الشافعية: لو زوج الولي المنفرد المرأة
(١) الاختيار ١٠٠/٣، وفتح القدير ٤١٩/٢
(٢) شرح الزرقاني وبهامشه حاشية البناني ٢٠٢/٣، ومواهب الجليل
٤٦١/٣، والدسوقي على الشرح الكبير ٢٤٩/٢
غير كفء برضاها، أو زوجها بعض الأولياء
المستوين غير كفء برضاها ورضا الباقين ممن
في درجته، صح التزويج، لأن الكفاءة حقها
وحق الأولياء - كما سبق - فإن رضوا بإسقاطها
فلا اعتراض عليهم.
ولو زوجها الولي الأقرب غیر کفء برضاها
فليس للأبعد الاعتراض، إذ لاحق له الآن في
التزويج .
ولو زوجها أحد الأولياء المستوين في
الدرجة بغیر الکفء برضاها دون رضاء باقي
المستوين لم يصح التزويج به، لأن لهم حقا
في الكفاءة، فاعتبر رضاهم - ويستثنى ما لو
زوجها بمن به جَبّ أو عنَّة برضاها، فإنه
يصح - وفي قول: يصح ولهم الفسخ؛ لأن
النقصان يقتضي الخيار لا البطلان، كما لو
اشتری معیبا .
ويجري القولان في تزويج الأب أو الجد بكرًاً
صغيرة أو بالغة بغير رضاها من غير كفء، وفي
الأظهر: التزويج باطل، لأنه على خلاف
الغبطة، لأن ولي المال لايصح تصرفه بغير
الغبطة، فولي البضع أولى، وفي الآخر: يصح،
وللبالغة الخيار في الحال، وللصغيرة إذا بلغت،
ويجري الخلاف في تزويج غير المجبر إذا أذنت
في التزويج مطلقا.
ولو طلبت من لا ولي خاصا لها أن يزوجها
- ٢٨٤ -

كفاءة ٢١ - ٢٣
السلطان أو نائبه بغير كفء ففعل لم يصح
تزويجه في الأصح، لأنه نائب المسلمين ولهم
حظ في الكفاءة، والثاني: يصح كالولي
الخاص، وصححه البلقيني.
ولو کان للمرأة ولي خاص، ولکن زوجها
السلطان لغيبته أو عضله أو إحرامه، فلا
تزوج إلا من كفء قطعا، لأنه نائب عنه في
التصرف، فلا يصح التزويج من غير كفء
مع عدم إذنه.
ولو كان الولي حاضرا وفيه مانع من فسق
ونحوه وليس بعده إلا السلطان، فزوج
السلطان من غير كفء برضاها فظاهر
إطلاقهم طرد الوجهين (١) .
ادّعاء المرأة كفاءة الخاطب:
٢٢ - وإذا ادعت المرأة كفاءة الخاطب
وأنكرها الولي رفع الأمر إلى القاضي، فإن
ثبتت کفاءته ألزمه تزويجها، فإن امتنع زوجها
القاضي به، وإن لم تثبت كفاءته فلا يلزمه
تزويجها به، نص على ذلك ابن
المقري والأنصاري من الشافعية (٢).
تزویج من لایوجد لها كفء:
٢٣ - نص بعض الشافعية على أنه إذا كانت
(١) مغني المحتاج ١٦٤/٣ - ١٦٥
(٢) أسنى المطالب ١٤٠/٣
المرأة بحیث لايوجد لها كفء أصلا جاز للولي
تزويجها - للضرورة - بغير الكفء (١).
وقال الحنابلة: إن تزوجت المرأة غير كفء،
وكانت الكفاءة معدومة حال العقد، فرضیت
المرأة والأولياء كلهم صح النكاح على القول
بأن الكفاءة ليست شرطا في صحة النكاح
وإن لم یرض بعضهم ففیه روایتان عن أحمد :
إحداهما: أنه باطل، لأن الكفاءة حق
لجميعهم، والعاقد متصرف فيها بغير
رضاهم، فلم يصح، كتصرف الفضولي.
والثانية: أنه صحيح، بدليل أن المرأة
التي رفعت إلى النبي وَل ير أن أباها زوجها من
غير كفئها، خيرها النبي ◌َّه ولم يبطل النكاح
من أصله (٢)، ولأن العقد وقع بالإِذن،
والنقص الموجود فيه لایمنع صحته، وإنما
يثبت خيار الفسخ، والحق في الخيار لمن لم
يرض بالنكاح من المرأة والأولياء كلهم، حتى
من يحدث من عصبتها بعد العقد، لأن العار
في تزویج من لیس بکفء عليهم أجمعين،
وهذا الحق في الفسخ على الفور وعلى
التراخي لأنه خيار لنقص في المعقود عليه ،
فأشبه خيار العيب، فلا يسقط الخيار إلا
(١) أسنى المطالب ١٣٧/٣
(٢) حديث: ((أن المرأة رفعت إلى النبي ◌َ﴿ أن أباها زوجها ... ))
أخرجه النسائي (٨٧/٦) من حديث عائشة.
- ٢٨٥ -

گفاءة ٢٣ - ٢٥
بإسقاط العصبة الأولياء بقول مثلَ:
أسقطنا الكفاءة، أو رضینا به غیر کفء،
ونحوه، وأما سکوتهم فلیس رضا، وخيار
الزوجة یسقط بما يدل على رضاها من قول أو
فعل، كأن مكنته من نفسها عالمة أنه غير
كفء .
ويملك الحق في خيار الفسخ لفقد
الكفاءة الأبعد من الأولياء مع رضا الأقرب
منهم به، ومع رضا الزوجة، دفعا لما يلحقه
من العار، فلو زوج الأب بنته بغير كفء
برضاها، فللإِخوة الفسخ، لأن العار في
تزويج من ليس بكفء عليهم أجمعين (١).
تخلف الكفاءة فیمن رضي به الأولياء في نكاح
سابق :
٢٤ - ذهب الحنفية إلى أن الولي لوزوج المرأة
بإذنها من غير كفء فطلقها، ثم زوجت
نفسها منه ثانیا، کان لذلك الولي التفريق،
ولایکون الرضا بالأول رضا بالثاني، لأن
الإِنسان لايبعد رجوعه عن خلة دنيئة، وكذا
لو زوجها هو من غير كفء فطلقها فتزوجت
آخر غير كفء، ولو تزوجته ثانيا في العدة
ففرق بينهما لزمه مهر ثان، واستأنفت العدة،
(١) المغني ٦ / ٤٨١، وكشاف القناع ٦٧/٥، ومطالب أولي النهى
٨٤/٥
وإن کان قبل الدخول في الثاني(١).
وقال المالكية: ليس لولي رضي بتزويج
وليته غير كفء وزوّجه إياها، فطلقها طلاقاً
بائنا أورجعیا، امتناع من تزويجها له ثانیا
- إن رضیت به - بلا عیب حادث مقتض
للامتناع، لسقوط حقه في الكفاءة، حيث
رضي به أولا، فإن امتنع عد عاضلا، وله
الامتناع بعيب حادث (٢).
وقال الشافعية: لو رضي الأولياء بتزويجها
بغیر کفء، ثم خالعھا الزوج، ثم زوجها
أحد الأولياء به برضاها دون رضا الباقين فإنه
يصح، كما هو قضية كلام الروضة، وجزم به
ابن المقري، لرضاهم به أولا، وإن خالف في
ذلك صاحب الأنوار، وفي معنى المختلع :
الفاسخ والمطلق رجعيا إذا أعاد زوجته بعد
البينونة، والمطلق قبل الدخول (٣).
تكلم الأم إن تخلفت كفاءة زوج ابنتها:
٢٥ - نص المالكية على مسألة تكلم أم
الزوجة في رد تزويج الأب ابنتهما الموسرة
المرغوب فيها من رجل فقير، ففي المدونة :
أتت امرأة مطلقة إلى مالك فقالت له: إن لي
ابنة فى حجري موسرة مرغوبا فيها، فأراد
(١) فتح القدير ٤١٩/٢
(٢) جواهر الإكليل ٢٨٨/١
(٣) مغني المحتاج ١٦٤/٣، وأسنى المطالب ١٣٩/٣
- ٢٨٦ -

كفاءة ٢٥، كَفَالَة ١
أبوها أن يزوجها من ابن أخ له فقير، وفي
المهمات: معدم لامال له، أفترى لي في ذلك
تکلما؟ قال: نعم، إني لأرى لكِ تكلما،
ورويت المدونة أيضا بالنفي، أي نعم،
لااری لك تکلما.
قال ابن القاسم: لاأرى لها تكلما، وأراه
ماضيا، إلا لضرر بين فلها التكلم.
قال خليل والآبي وغيرهما: هل قول ابن
القاسم وفاق لقول مالك بحمل رواية
الإثبات على ثبوت الضرر، ورواية النفي على
عدمه، أو خلاف بحمل كلام مالك على
ظاهره، وهو إطلاق الكلام على رواية
الإِثبات، وإطلاق عدمه على رواية النفي؟
فيه تأويلان: التوفيق لأبي عمران وابن محرز
عن بعض المتأخرين، والخلاف لابن
حبيب (١).
(١) جواهر الإكليل ٢٨٨/١.
كَفَالَة
التعريف :
١ - الكفالة لغة: من كَفَل المالَ وبالمال:
ضمنه وكَفَل بالرجل يكفُل ويكفِل كَفْلا
وكفولا، وكَفَالَة، وَكَفُلَ وَكَفِل وتكفّل به كله:
ضمنه، وأكفله إياه وكفّله: ضمّنه، وكَفَلْت
عنه المال لغريمه وتكفّل بدينه تكفّلا.
وفي التهذيب: وأما الكافل فهو الذي
كفل إنسانا يعوله وينفق عليه، وفي
الحديث: ((الرّبيب كافِل)) (١)، وهو زوج أم
اليتيم، كأنه كفِّل نفقة اليتيم، والمكافَل:
المعاقِد المحالف، والكفيل من هذا
أُخذ (٢).
وأما الكفالة في الاصطلاح: فقد اختلف
الفقهاء في تعريف الكفالة تبعا لاختلافهم
فيما يترتب عليها من أثر.
فعرفها جمهور الحنفية بأنها: ضم ذمة
(١) حديث: ((الرّبيب كافِل))
أورده ابن الأثير في النهاية (٢ / ١٨١) بلفظ: (الراب كافل)،
ولم نهتد لمن أخرجه من المصادر الحديثية .
(٢) تاج العروس، لسان العرب، المصباح المنير.
- ٢٨٧ -

كَفَالَة ١ - ٤
الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة بنفس أو
دین أو عین.
وعرفّها بعضهم بأنها: ضم ذمة الكفيل
إلى ذمة الأصيل في الدّين.
قال في الهداية: والأول هو الأصح (١).
ويرى المالكية والشافعية في المشهور
والحنابلة أن الكفالة هي: أن يلتزم الرشيد
بإحضار بدن من يلزم حضوره في مجلس
الحكم.
فالحنفية يطلقون الكفالة على كفالة المال
والوجه، والمالكية والشافعية يقسمون الضمان
إلى ضمان المال وضمان الوجه، ويطلق
الشافعية الكفالة على ضمان الأعيان البدنية.
وأما عند الحنابلة: فالضمان يكون التزام
حق في ذمة شخص آخر، والكفالة التزام
بحضور بدنه إلى مجلس الحكم.
ويسمى الملتزم بالحق ضامنا وضمينا
وحميلا وزعيما وكافلا وكفيلا وصبيرا وقبيلا
وغريما، غير أن العرف جار بأن الضمين
يستعمل في الأموال، والحميل في الديات،
والزعيم في الأموال العظام، والكفيل في
النفوس، والقبيل والصبير في الجميع (٢) .
(١) بدائع الصنائع ٤ /٢، وفتح القدير ٦/ ٢٨٣، ٢٨٤،
والمبسوط ١٩ / ١٦٠،.١٦١، وقارن ابن عابدين في حاشية رد
المحتار ٥ / ٢٨١ - ٢٨٣
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٤٩، وبدائع الصنائع ٢/٦، والاختيار=
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإِبراء:
٢ - من معاني الإِبراء في اللغة: التنزيه
والتخليص والمباعدة عن الشيء.
وفي الاصطلاح: هو إسقاط الشخص
حقًّا له في ذمة آخر أو قبله.
فالإبراء عكس الكفالة لأنه یفید خلو
الذمة، وهي تفيد انشغالها (ر: إبراء ف١).
ب - الحمالة:
٣ - الْحَمالة بالفتح: ما يتحمله الإِنسان عن
غيره من دية أو غرامة (١).
ووجه الصلة بين الحمالة والكفالة: أن
العرف خص الحمالة بالدية والغرم الإصلاح
ذات البين، وأطلق الكفالة على ضمان الدين
والعين والنفس (٢).
ج - الحوالة :
٤ - الحوالة في اللغة: التحول والانتقال (٣)
وفي الاصطلاح: نقل الدين من ذمة إلى ذمة
= ٢ / ١٦٦، والقوانين الفقهية ٣٣٠، وروضة الطالبين
٤ / ٢٤٠ والشرح الصغير ٤ / ٤٢٩، ومغني المحتاج
٢ / ١٩٨، وقليوبي وعميرة ٢ / ٣٣٣ والمغني مع الشرح الكبير
٥/ ٧١، والمغني ٤ / ٥٩٠
(١) لسان العرب، وتاج العروس، والموسوعة الفقهية ١٨ / ١٢١
(٢) قليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٣، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١١٨
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والموسوعة الفقهية ١٨ / ١٦٩
- ٢٨٨ -

كَفَالَة ٤ -٦
أخری(١) .
والفرق بين الحوالة والكفالة أو الضمان:
أن الحوالة نقل للدين من ذمة إلى ذمة
أخرى، أما الكفالة أو الضمان فهو ضم ذمة
إلى ذمة في الالتزام بالحق، فهما متباينان، لأن
بالحوالة تبرأ ذمة المحيل، وفي الكفالة لا تبرأ
ذمة المكفول.
د - القَبَالة:
٥ - القبالة في الأصل مصدر قبَل به إذا
كفل، وقبل إذا صار كفيلا، وتقبل له:
تكفّل، والقبيل: الكفيل (٢).
وكثير من الفقهاء يستعمل لفظ القبالة
بمعنی الكفالة ووزنه، ولکن بعضھم خص
الكفالة بالنفس أو العين، وعمم القبالة في
المال والدية والنفس والعين (٣).
والقبالة عند بعض الفقهاء أعم من
الكفالة.
الحكم التكليفي :
٦ - الكفالة مشروعة بالكتاب والسنة
والإجماع.
(١) الزيلعي على الكنز ٤ / ١٧١، والدسوقي والدردير ٣٢٥/٣،
ومغني المحتاج ٢ / ١٩٣، والمغني والشرح الكبير ٥/ ٥٤ .
(٢) تاج العروس، ولسان العرب، والكليات.
(٣) الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي،
١٤٢/٣ دمشق ١٩٧٤
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ
صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَآَمَِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَابِهِ.
زَعِيدٌ﴾(١). أى كفيل: ضامن (٢) وقوله
تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِمْ﴾ (٣)،
أى: كفيل (٤).
ومن السنة: قوله وله: ((العارية مؤداة،
والزعيم غارم والدين مقضي)) (٥)، قال
الخطابي وغيره: الزعيم الكفيل، والزعامة
الكفالة (٦)، وما روى أبو قتادة أن النبي ◌َّلـ
أتي برجل ليصلي عليه، فقال النبي وكلير:
«صلوا على صاحبكم فإن عليه دینا، قال
أبو قتادة: هو عليّ، فقال رسول الله والآن:
بالوفاء؟ قال: بالوفاء، فصلى عليه (٧).
وقد نقل كثير من الفقهاء الإجماع على
جواز الكفالة - وإن اختلفوا في بعض
الفروع - لحاجة الناس إليها ودفع الضرر عن
المدين (٨)، قال في الاختيار: بعث النبي
:
(١) سورة يوسف / ٧٢.
(٢) انظر تفسير الرازي ١٨ / ١٧٩ .
(٣) سورة القلم / ٤٠.
(٤) مختصر المزني بهامش الأم ٢ / ٢٢٧، والمبسوط ١٩ / ١٦١،
والمغني والشرح الكبير ٥ / ٧٠ .
(٥) حديث: ((العارية مؤداة ... ))
أخرجه الترمذي (٣/ ٥٥٦) من حديث أبي أمامة، وقال:
حديث حسن .
(٦). معالم السنن ٣/ ١٧٧، ومختصر المزني ٢ / ٢٢٧.
(٧) حديث أبي قتادة ((أن النبي ﴿ أتى برجل ليصل عليه ... ))
أخرجه الترمذي (٣/ ٣٧٢) وقال: حديث حسن صحيح .
(٨) المبسوط ١٩ / ١٦١، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩١، والتحفة=
- ٢٨٩ -

كَفَالَة ٦ - ٩
** والناس يتكفلون فأقرهم عليه، وعليه
الناس من لدن المصدر الأول إلى يومنا هذا
من غير نكير (١).
ولهذه الأدلة رأى بعض الفقهاء أن الضمان
الشامل للكفالة مندوب لقادر واثق بنفسه
أمن غائلته (٢) .
أركان الكفالة وشروطها :
أركان الكفالة: الصیغة، والكفیل،
والمکفول له، والمکفول عنه، والمکفول به.
الركن الأول - صيغة الكفالة:
٧ - ذهب المالكية والحنابلة، وهو الأصح عند
الشافعية، وأبو يوسف إلى أن صيغة
الكفالة تتم بإيجاب الکفیل وحده، ولا
تتوقف على قبول المكفول له، لأن الكفالة
مجرد التزام من الكفيل بأداء الدين لا معاوضة
فيه، بل هو تبرع ینشأ بعبارته وحده، فيكفي
فيه إيجاب الكفيل (٣)
وفي قول ثان عند الشافعية يشترط الرضا
ثم القبول، والثالث يشترط الرضا دون
= وحواشيها ٥ / ٢٤١، وكشاف القناع ٣ / ٣٥٠، وتذكرة
الفقهاء ٢ / ٨٥
(١) الاختيار لتعليل المختار ٢ / ١٦٦
(٢) الشرقاوى على التحرير ٢ / ١١٨، قليوبي وعميرة ٢/ ٣٢٣،
وتحفة المحتاج وحواشیها ٥/ ٢٤١
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣، والدسوقي والدردير ٣/ ٣٣٤، وقليوبي
وعميرة ٢ / ٣٢٥، والمغني والشرح الكبير ٥ / ١٠٢، ١٠٣،
وكشاف القناع ٣/ ٣٦٥
القبول لفظا .
وذهب أبو حنيفة ومحمد (١)، وهو رأي
عند الشافعية (٢) إلى أن صيغة الكفالة
تترکب من إيجاب يصدر من الكفيل، وقبول
يصدر عن المكفول له، لأن الكفالة عقد
يملك به المكفول له حق مطالبة الكفيل أو
حقا ثبت في ذمته فوجب قبوله، ویترتب على
ذلك أن الكفالة لا تتم بعبارة الکفیل وحده،
سواء كانت الكفالة بالنفس أو بالمال، بل
لابد من قبول المکفول له.
وإيجاب الكفيل يتحقق بكل لفظ يفهم
منه التعهد والالتزام والضمان، صراحة أو
ضمنا، كما يتحقق بكل تعبير عن الإِرادة
يؤدي هذا المعنى (٣) .
٨ - قد تكون الكفالة منجزة أو معلقة أو
مضافة إلى زمن مستقبل وقد توصف بأنها
مطلقة أو مؤقتة أو مقترنة بشرط، وتفصيل
ذلك فيما يلي :
أ - الكفالة المنجزة :
٩ - وهي التي تكون صيغتها خالية من
(١) البدائع ٦/ ٢، والفتح القدير ٦ /٣١٤، وابن عابدين
٥ / ٢٨٣
(٢) تحفة المحتاج وحواشيها ٢٤٥/٥، والشرقاوي على التحرير
٢ / ١١٨، وقليوبي وعميرة / ٣٢٥
(٣) لمزيد من التفصيل انظر مصطلح (تعبير)، الموسوعة الفقهية
١٢/ ٢١٤ - ٢١٨
- ٣٩٠ -

كَفَالَةٍ ٩ - ١١
التعليق بشرط أو الإضافة لأجل، فمعنى
التنجيز: أن تترتب آثار الكفالة في الحال
بمجرد وجود الصيغة مستوفية شروطها، فإذا
قال شخص لآخر: أنا كفيل بدينك على
فلان وقبل الدائن الكفالة - على رأي من
يوجب لتمام الصيغة قبول الدائن - فإن
الکفیل یصیر مطالبا بأداء الدين في الحال إذا
کان الدین حالا .
أما إذا كان الدين مؤجلا فیثبت الدين
أوالمطالبة به في ذمة الكفيل بصفته من الحلول
والتأجيل متى كانت صيغة الكفالة مطلقة
غير مقترنة بشرط يغير من وصف الدين (١).
ويرى الحنابلة أن الكفالة إذا أطلقت
انعقدت حالة، لأن کل عقد يدخله الحلول
فإنه يحمل عليه عند إطلاقه، كالثمن في
البيع (٢) .
ب - الكفالة المعلقة :
١٠ - وهي التي يعلق وجودها على وجود شيء
آخر، كما إذا قال شخص للمشتري : أنا
كفيل لك بالثمن إذا استحق المبيع، فإذا
كان الشيء الذي علقت به الكفالة موجودا
وقت التعليق، فإن الكفالة تنعقد منجزة،
وذلك كما لو قال الكفيل للدائن: إذا أفلس
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٢٢، وفتح القدير ٦/ ٣٠٠.
(٢) المغني والشرح الكبير ٥ / ٩٨.
فلان فأنا كفيل لك بهذا الدين، ثم تبين أن
فلانا هذا كان قد أفلس فعلا وقت إنشاء
الكفالة.
١١ - وللفقهاء في حكم الكفالة المعلقة
خلاف یمکن إیجازه فیما يلي:
ذهب الحنفية إلى صحة الكفالة المعلقة
على شرط ملائم، وهو الشرط الذي يكون
سببا لوجوب الحق، كقول الكفيل
للمشتري: إذا استحق المبيع فأنا ضامن
الثمن، أو الشرط الذي يكون سببا لإِمكان
الاستيفاء، كقول الكفيل للدائن: إذا قدم
فلان - أي المکفول عنه - فأنا كفيل بدينك
عليه، أو الشرط الذي يكون سببا لتعذر
الاستيفاء، كقول الكفيل للدائن: إذا غاب
فلان - المدين - عن البلد فأنا كفيل
بالدين (١).
وذهبوا كذلك إلى صحة الكفالة المعلقة
بشرط جری به العرف، كما لو قال الكفيل :
إن لم يؤد فلان ما لك عليه من دين إلى ستة
أشهر فأنا له ضامن، لأنه علق الكفالة بالمال
بشرط متعارف فصح (٢).
فأما إذا علقت الكفالة على شرط غير
(١) البدائع ٦ / ٤، وفتح القدير ٦ / ٢٩١ - ٢٩٤، وابن عابدين
٥ / ٣٠٥، ٣٠٦.
(٢) ابن عابدين ٢٩٥/٥، ٢٩٦، فتح القدير ٢٩٠/٦،
٢٩١ .
- ٢٩١ -

کَفَالَة ١١ - ١٢
ملائم، کقوله: إن هبت الربح أو إن نزل
المطر أو إن دخلت الدار فأنا كفيل، فلا
تصح الكفالة (١)، لأن تعليق الكفالة على
شرط غير ملائم لا یظهر فیه غرض صحیح،
وذهب بعض فقهاء المذهب إلى أن الكفالة
تصح إذا ما علقت على شرط غير ملائم،
ويلغو التعليق (٢).
ويبدو مما ذكره المالكية من فروع: أن
الكفالة تكون صحيحة إذا علقت على
الشروط الملائمة، ولا تكون صحيحة إذا
علقت على شرط غير ملائم (٣) .
أما الشافعية فالأصح عندهمٍ عدم
جواز تعليق الضمان والكفالة، لأن كلاً من
الضمان والكفالة عقد كالبيع، وهو لا يجوز
تعليقه بالشرط .
ومقابل الأصح عندهم: جواز تعليق
الضمان والكفالة، لأن القبول لا يشترط
فيهما، فجاز تعليقهما كالطلاق، والقول
الثالث: يمتنع تعليق الضمان دون الكفالة،
لأن الكفالة مبنية على الحاجة (٤).
وعند الحنابلة روايتان (٥): تذهب أولاهما
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٧١، وفتح القدير ٦/ ٢٩١.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٠٧.
(٣) الدسوقي والدردير ٣/ ٣٣٨.
(٤) نهاية المحتاج ٤ / ٤٤١، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١١٩،
وقليوبي وعميرة ٢ / ٣٣٠، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٧.
(٥) كشاف القناع ٣ / ٣٦٤، ٣٦٥، والمغني والشرح الكبير=
إلى بطلان الكفالة مع التعليق، وهو ما
اختاره القاضي، لأن في التعليق خطراً فلم
يجز تعليق الضمان علیه، والكفالة تثبت حقا
الآدمي معين فلم يجز تعليق ثبوته على شرط.
وتذهب الرواية الأخرى إلى صحة تعليق
الكفالة مطلقا، لأن تعليق الكفالة والضمان
على شرط صحيح كضمان العهدة (١)، وقد
مال إلى هذه الرواية: الشريف أبو جعفر
وأبو الخطاب، لأنه أضاف الضمان إلى سبب
الوجود فيجب أن يصح كضمان الدرك (٢).
ج - الكفالة المضافة :
١٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز إضافة
الكفالة بالمال إلى أجل مستقبل كأن يقول
الكفيل: أنا ضامن لك هذا المال أو هذا
الدين ابتداء من أول الشهر القادم، وفي هذه
الحالة لا یکون کفیلا إلا في ذلك الوقت، أما
قبله فلا يعد كفيلا ولا يطالب بالمال، وإذا
توفى قبل الوقت المحدد لايؤخذ الدين من
ترکته .
وفرق الحنفية (4)
بين إضافة الكفالة
وتأجيل الدين المكفول به، فالكفالة
= ٥ /١٠٠ - ١٠٢، والإِنصاف ٢١٣/٥.
(١) كشاف القناع ٣/ ٣٦٥ .
(٢) المغني والشرح الكبير ٥ / ١٠١.
. (٣) ابن عابدين ٥ / ٣٠٦ وما بعدها، وبدائع الصنائع ٦/ ٣،
وفتح القدير ٦ / ٢٩١، وما بعدها، والفتاوى الهندية
٣ / ٢٧٨، والمبسوط ١٩ / ١٧٢ وما بعدها .
- ٢٩٢ -

كَفَالَةٍ ١٢
المضافة هي التي تتعلق بدین غير موجود عند
إنشائها، ولكنها تعلقت به بسبب إضافتها
إلیه، كما لو قال الکفیل للدائن : أنا کفیل بما
ستقرضه لفلان من المال، أو بسبب تعليقها
به، کما لو قال: إن أقرضت فلانا مبلغ كذا
فأنا كفيل به، وهذا النوع من الكفالة لا
ینعقد إلا بعد وقوع ما علق به، ولا يترتب
عليه أثر إلا من ذلك الوقت.
أما إن كان الدين المكفول موجودا عند
إنشاء الكفالة، فقد یکون حالا وقد يكون
مؤجلا، فإن كان الدين المكفول حالا،
وأضيفت كفالته إلى زمن مستقبل، كأن يقول
الکفیل للدائن : کفلت لك دینك الذي على
فلان ابتداء من أول الشهر الآتي، فلا يكون
للكفالة أثر إلا من أول الشهر الآتي، ويتأجل
الدين بالنسبة إلى الكفيل وحده بسبب
إضافة الكفالة، أما بالنسبة إلى المدين فلا
يتغير وصف الدين بل يظل حالا، إذ لا يلزم
من تأجيل الدين على الكفيل بسبب كفالته
المضافة تأجيله على المدين الأصيل، وفي هذه
الصورة تكون الكفالة منعقدة في الحال،
ولكن آثارها لا تظهر إلا عند حلول الأجل .
وإن كان الدين المكفول مؤجلا عند إنشاء
الكفالة، وكانت الكفالة مطلقة بأن قال
الکفیل : کفلت لك دینك الذي على فلان،
فإن مطالبة الكفيل ترجأ إلى وقت حلول
الدين على الأصيل، لأن الكفالة المطلقة
بدين تلزم بما يتصف به من الحلول أو
التأجيل، وفي هذه الصورة أيضا تكون
الكفالة منعقدة في الحال، ولكن آثارها لا
تظهر إلا عند حلول الأجل.
ومن هذا يتضح أن جمهور الحنفية يجيز
إضافة الكفالة بالمال إلى الزمن المستقبل،
ويرتب على ذلك: أن إضافتها إلى وقت
معلوم أو مجهول جهالة غير فاحشة لا يمنع
من جوازها إلى الأجل الذي ذكر، وذلك
كإضافتها إلى الحصاد أو إلى المهرجان أو إلى
النيروز، أما إضافة الكفالة إلى أجل مجهول
جهالة فاحشة۔ کنزول المطر۔ فلا تصح،
لأن ذلك ليس من الآجال المتعارفة أو
المنضبطة، وإذا بطل الأجل لتفاحش الجهالة
فيه وعدم تعارفه، صحت الكفالة، وكانت
منجزة (١).
وذهب المالكية إلى صحة إضافة الكفالة
إلى زمن مستقبل معلوم، وحينئذ لا يطالب
الكفيل إلا إذا حل الأجل، وكذلك تصح
الكفالة إذا أضيفت إلى أجل مجهول جهالة
غير فاحشة، كخروج العطاء، ولكن القاضي
يضرب له أجلا بقدر ما يرى، وعندئذ لا
(١) نفس المراجع المتقدمة .
- ٢٩٣ -

كَفَالَة ١٢ - ١٣
يترتب على الكفالة أثرها إلا بحلول الأجل
الذي أضيفت إليه (١).
وقال الحنابلة: إن كفل إلى أجل مجهول لم
تصح الكفالة لأنه ليس له وقت يستحق
مطالبته فيه وهكذا الضمان، وإن جعله إلى
الحصاد والجزاز والعطاء خرج على الوجهين،
كالأجل في البيع، والأولى صحتها هنا، لأنه
تبرع من غير عوض جعل له عوضا لا يمنع
من حصول المقصود منه فصح، كالنذر،
وهكذا كل مجهول لا يمنع مقصود
الكفالة (٢).
وقال الشافعية: لو نجز الكفالة وشرط
تأخیر المکفول به شهراً کضمنت إحضاره،
وأحضره بعد شهر جاز، لأنه التزام بعمل في
الذمة، فكان كعمل الإِجارة يجوز حالاً
ومؤجلا .
وخرج بشهر مثلا التأجيل بمجهول،
كالحصاد فلا يصح التأجيل إليه، والأصح
أنه يصح ضمان الحال مؤجلا أجلا معلوما،
إذ الضمان تبرع، والحاجة تدعو إليه، فكان
على حسب ما التزمه ويثبت الأجل في حق
الضامن على الأصح، فلا يطالب إلا كما
التزم .
(١) الخطاب ٥/ ١٠١، والدسوقي والدردير ٣/ ٣٣١، ٣٣٢،
والمدونة ١٣ / ١٣١ وما بعدها .
(٢) المغني مع الشرح الكبر ٥/ ١٠٠
ومقابل الأصح: لا يصح الضمان
للمخالفة، ووقع في بعض نسخ المحرر
تصحيحه، قال في الدقائق: والأصح ما في
بقية النسخ والمنهاج، ولو ضمن المؤجل
مؤجلا بأجل أطول من الأول فكضمان الحال
مؤجلا(١) .
د - الكفالة المؤقتة :
١٣ - توقيت الكفالة معناه: أن يكفل
الكفيل الدين مدة معلومة محددة، فإذا
انقضت تلك المدة يبرأ بعدها من التزامه
وتنتهي الكفالة، وذلك مثل قول الكفيل : أنا
كفيل بنفس فلان أو بدينه من اليوم إلى نهاية
هذا الشهر، فإذا انقضى الشهر برئت من
الكفالة .
وقد اختلف الفقهاء في صحة توقيت
الكفالة بناء على اختلافهم في الأثر المترتب
عليها، فمن رأى أن ذمة الكفيل لا تشغل
بالدين وإنما يطالب فقط بأدائه، أجاز
الكفالة المؤقتة، وقيد المطالبة بالمدة المتفق
عليها، أما من ذهب إلى أن ذمة الكفيل
تصير مشغولة بالدين إلى جانب ذمة المدین،
فلم يجز توقيت الكفالة، لأن المعهود في
الشرع أن الذمة إذا شغلت بدين صحيح
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٤٤٢، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٧
- ٢٩٤ -

كَفَالَة ١٣ - ١٤
فإنها لا تبرأ منه إلا بالأداء أو الإِبراء، وقبول
الكفالة للتوقيت يترتب عليه سقوط الدين
عن الكفيل دون أداء أو إبراء، وتطبيقا على
ذلك ذهب أغلب الحنفیة إلی أن الکفیل لو
قال: کفلت فلانا من هذه الساعة إلی شھر،
تنتهي الكفالة بمضي الشهر بلا خلاف، ولو
قال: كفلت فلانا شهرا أو ثلاثة أيام ... من
المشايخ من قال: إن الكفيل في هذه الصورة
يطالب في المدة ويبرأ بمضي المدة ... ومنهم
من ذهب إلى أنه يكون كفيلا أبدا ويلغو
التوقيت (١).
وذهب المالكية إلى جواز توقيت الكفالة في
إحدی حالتين: أن یکون المدین موسرا ولو في
أول الأجل فقط، أو أن يكون معسرا والعادة
أنه لا يوسر في الأجل الذي ضمن الضامن
إليه، بل بمضي ذلك الأجل عليه وهو
معسر، فإن لم يعسر في جمیعه، بل أيسر في
أثنائه کبعض أصحاب الغلات والوظائف،
كأن يضمنه إلى أربعة أشهر وعادته اليسار
بعد شهرين، فلا يصح، لأن الزمن المتأخر
عن ابتداء يساره يعد فيه صاحب الحق
مُسلفا، لقدرة رب الحق على أخذه منه عند
اليسار، هذا قول ابن القاسم بناء على أن
اليسار المترقب كالمحقق، وأجازه أشهب لأن
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٧٨، وابن عابدين ٥ / ٢٨٩
الأصل استصحاب عسره(١).
والأصح عند الشافعية أنه لا يجوز توقيت
الكفالة، کأنا کفیل بزید إلی شهر وأکون
بعده بريئا، ومقابل الأصح عندهم: أنه
يجوز، لأنه قد یکون له غرض في تسليمه هذه
المدة، بخلاف المال فإن المقصود منه الأداء؛
فلهذا امتنع تأقيت الضمان قطعا (٢).
واختلف الحنابلة في صحة توقيت الكفالة
على وجهين: الأول: أن الكفالة تكون
صحيحة، ويبرأ الكفيل بمضي المدة التي
عينها وإن لم يحدث فيها وفاء. والثاني: عدم
صحة الكفالة، لأن الشأن في الديون أنها لا
تسقط بمضى الزمن (٣).
تقييد الكفالة بالشرط :
١٤ - إن قيد الكفالة بشرط، فقد تصح
الكفالة والشرط، وقد تصح الكفالة ويلغو
الشرط، وقد تلغو الكفالة والشرط.
وقد اختلف الفقهاء في التفريق بين أنواع
الشروط السابقة وأثر كل منها على الكفالة.
فذهب الحنفية إلى أنه لو كفل رجل عن
رجل بألف درهم بأمره على أن يعطيه المكفول
عنه هذا العبد رهنا ولم يشترط ذلك على
(١) الدسوقي والشرح الكبير ٣/ ٣٣١.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٠٧، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤١
(٣) الفروع ٢/ ٦١٨، والإنصاف ٢١٣/٥، وكشاف القناع
٣٦٥/٣
- ٢٩٥ -

كَفَالَة ١٤
الطالب، ثم إن المكفول عنه أبى أن يدفع
العبد كان له ذلك ولا يتخير الكفيل بين أن
يمضي في الكفالة وبين أن يفسخ وإن لم
يسلم له شرطه، لأن هذا الشرط جرى بين
الکفیل وبين المکفول عنه، ولم يجز بینه وبین
الطالب، بخلاف ما لو شرط ذلك على
الطالب بأن قال للطالب: أكفل لك بهذا
المال على أن يعطيني المطلوب بهذا المال عبده
هذا رهنا، فكفل على هذا الشرط، فأبى
المطلوب أن یعطیه الرهن فإن الکفیل یتخیر.
ولو ضمنها على أن يقضيها من ثمن هذه
الدار، فباع الدار بعبد، لم يلزمه المال، ولم
يجبر على بيع العبد في الضمان (١).
وقال الشافعية: الأصح أنه لو شرط في
الكفالة أنه یغرم المال إن فات التسلیم،
كقوله: كفلت بدنه بشرط الغرم، أو على أني
أغرم، بطلت الكفالة، لأنه شرط ينافي
مقتضاها، بناء على أنه لا يغرم عند
الإِطلاق.
والقول الثاني: يصح بناء على مقابله أي
أنه يغرم المال.
والأصح أنه لا تصح الكفالة بشرط براءة
الأصيل لمخالفة مقتضى العقد .
الثاني: يصح الضمان والشرط، لما رواه
(١) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٧٣
جابر في قصة أبي قتادة للميت، قال: فجعل
النبي عليه يقول: ((هما عليك وفي مالك
والميت منهما برىء فقال: نعم. فصلى
عليه))(١)، والقول الثالث: يصح الضمان
فقط (٢) .
وقال الحنابلة: إن قال: كفلت ببدن
فلان علی أن یبرأ فلان الكفيل أو على أن تبرئه
من الكفالة لم يصح، لأنه شرط شرطا لا يلزم
الوفاء به فیکون فاسداً، وتفسد الكفالة به،
ويحتمل أن تصح الكفالة لأنه شرط تحويل
الوثيقة التي على الكفيل إليه، فعلى هذا لا
تلزمه الكفالة إلا أن يبرىء المكفول له
الكفيل الأول، لأنه إنما كفل بهذا الشرط،
فلا تثبت كفالته بدون شرطه .
وإن قال: كفلت لك بهذا الغريم على أن
تبرئني من الكفالة بفلان، أو ضمنت لك
هذا الدین بشرط أن تبرئني من ضمان الدين
الآخر، أو على أن تبرئني من الكفالة بفلان،
خرج فيه الوجهان، والأولى: أنه لا يصح،
لأنه شرط فسخ عقد في عقد، فلم يصح،
كالبيع بشرط فسخ بيع آخر.
وكذلك لو شرط في الكفالة أو الضمان أن
(١) حديث: ((هما عليك وفي مالك والميت منهما بريء ... ))
أخرجه الحاكم (٢/ ٥٨) وصححه.
(٢) حاشية القليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣١، ومغني
المحتاج ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٨
- ٢٩٦ -

كَفَالَة ١٤ - ١٥
یتکفل المکفول له، أو المکفول به بآخر، أو
یضمن دینا عليه، أو يبيعه شيئا عيّنه أو يؤجره
داره، لم يصح، لما ذكر(١).
الركن الثاني - الكفيل :
١٥ - يشترط الفقهاء في الكفيل أن يكون
أهلا للتبرع، لأن الكفالة من التبرعات (٢)،
وعلى ذلك لا تصح الكفالة من المجنون أو
المعتوه أو الصبي، ولو كان مميزا مأذونا أو
أجازها الولي أو الوصي (٣).
إلا أن ابن عابدين قال: إلا إذا استدان
له وليّه وأمره أن يكفل المال عنه فتصح،
ويكون إذنا في الأداء، ومفاده أن الصبي
يطالب بهذا المال بموجب الكفالة، ولولاها
لطولب الوليّ، ولا تصح الكفالة من مریض
إلا من الثلث (٤) .
أما المحجور عليه لسفه فلا يصح ضمانه
ولا كفالته عند جمهور الفقهاء (٥).
وذهب القاضي أبو يعلى الحنبلي إلى أن
كفالة السفيه تقع صحيحة غير نافذة ويتبع
(١) المغني والشرح الكبير ٥ / ١٠٢.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣٥٣، الاختيار ٢ / ١٦٧، ٥/ ٧٨،
والدسوقي ٢ / ٢٦٥، والروضة ٢٢/٨ -٢٣، وكشاف القناع
٥/ ٢٣٤، والمغني مع الشرح الكبير.
(٣) قليوبي وعميرة ٢/ ٣٢٣، ٣٢٧، وتحفة المحتاج وحواشيها
ص ٢٤١، ٢٥٨
(٤) ابن عابدين ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢
(٥) نهاية المحتاج ٤ / ٤٣٤
بها بعد فك الحجر عنه، کإقراره بالدین (١)،
وكذلك لا تصح الكفالة مع الإِكراه عند
الحنفية والشافعية والحنابلة، وعند المالكية
لا تلزم الكفيل المكره (٢).
أما المحجور عليه للدين، فقد ذهب
الشافعية - على الصحيح عندهم - (٣)،
والحنابلة (٤)، إلى أنه يجوز له أن يكفل، لأنه
أهل للتصرف، والحجر يتعلق بماله لا
بذمته، فیثبت الدین في ذمته الآن، ولا
يطالب إلا إذا انفك عنه الحجر وأيسر.
وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه
تصح كفالة المريض من مرض الموت، بحيث
لا یتجاوز۔ مع سائر تبرعاتہ ــ ثلث التركة،
فإن جاوزته تكون موقوفة على إجازة الورثة،
لأن الكفالة تبرع، وتبرع المريض مرض الموت
يأخذ حكم الوصية (٥).
وذهب الشافعية إلى أن ضمان المريض
يكون من رأس ماله، إلا إذا ضمن وهو
(١) المغنى ٥ / ٧٨
(٢) ابن عابدين ٤ / ٤، ٥/ ٩٣، وانظر مصطلح: إكراه في
الموسوعة الفقهية ٦/ ٩٨، والشرح الصغير ٣/ ٤٢٩، ٤٣٢،
وتحفة المحتاج وحواشيها ٥ / ٢٤١، ٢٥٨، وكشاف القناع
٣/ ٣٦٦ - طبع دار الفكر، والخرشي ٣/ ١٧٥ - ١٧٦،
والدسوقي ٢ / ٢٣٩، وقليوبي وعميرة ٢ / ١٥٦
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٣٠٦
(٤) شرح المنتهى ٢ / ٢٧٨، وقليوبي وعميرة ٢/ ٣٢٣، ومغني
المحتاج ٢ / ١٩٩، والمغني مع الشرح الكبير ٥/ ٧٩
(٥) ابن عابدين ٤ / ٢٧٩، والزرقاني ٥/ ٢٦٢ وما بعدها، المغني
٥/ ٧١ - ٧٢، وكشاف القناع ٣/ ٣٦٣
- ٢٩٧ -

كَفَالَة ١٥ - ١٧
معسر واستمر إعساره إلى وقت وفاته، أو
ضمن ضمانا لا يستوجب رجوعه علی المدین،
فیکون حينئذ في حدود الثلث، وإذا استغرق
الدین مال المریض ۔ وقضی به - بطل الضمان
إلا إذا أجازه الدائن، لأن الدين يقدم على
الضمان (١).
كفالة المرأة :
١٦ - لا يفرق جمهور الفقهاء بين الرجل والمرأة
في حكم التصرفات المالية، ولكن المالكية
یرون أن ضمان المرأة - إذا کانت ذات زوج -
ينفذ في حدود ثلث مالها، أما إذا زاد على
الثلث فيصح ولكنه لا يلزم إلا بإجازة الزوج .
أما المرأة الأيم غير ذات الزوج - إذا كانت لا
يولى عليها - فهي بمنزلة الرجل في
الكفالة (٢).
الركن الثالث - المکفول له :
يشترط في المكفول له أن يكون معلوما
للكفيل، وقد اختلف الفقهاء في اشتراط
كونه بالغا عاقلا، وفي اشتراط رضاه بالكفالة
وقبوله لها، وذلك على النحو التالي :
١ - كون المكفول له معلوما للكفيل :
١٧ - ذهب الحنفية، والشافعية في الأصح
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٤٢٢ - ٤٢٣، وقليوبي وعميرة ٢/ ٣٢٣.
(٢) الخرشي ٦ / ٢٦، والدسوقي ٣/ ٣٣٠، القوانين الفقهية
ص ٣٥٣، والمدونة ٥ / ٢٨٣
عندهم، والقاضي من الحنابلة، إلى اشتراط
کون المکفول له معلوما للكفیل، سواء كانت
الكفالة منجزة أو معلقة أو مضافة، فإن كان
مجهولا له، كما لو قال: أنا كفيل بما يحصل
من هذا الدلال من ضرر على الناس، لم
تصح الكفالة، لتفاوت الناس في استيفاء
حقوقهم تشديدا وتسهيلا وليعلم الضامن
هل هو أهل لإِسداء الجميل إليه أولا، ثم إن
أبا حنيفة ومحمدا يشترطان أن يكون المكفول
له حاضرا في مجلس العقد - بنفسه أو بنائبه -
فلو كفل الكفيل لشخص غائب عن
المجلس، وبلغه الخبر فأجاز، لا تصح
الكفالة عندهما إذا لم يقبل عنه حاضر
بالمجلس، لأن في الكفالة معنى التمليك،
والتمليك لا يحصل إلا بإيجاب وقبول، فلابد
من توافره لإتمام صيغة العقد.
وعن أبي يوسف روايتان: الراجحة منهما
تجيز الكفالة للغائب عن المجلس ولا تحتاج
إلى قبوله، ومع ذلك فقد اشترط أيضا أن
يكون المكفول له معلوما للكفيل، لأن
الكفالة شرعت لتوثيق الدين، فإذا كان
المكفول له مجهولا، فلا يتحقق مقصود
الكفالة (١).
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٦، والمبسوط ٢٠ / ٩، فتح القدير
٦ / ٣١٤، وما بعدها. والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٤ - ٣٢٥،
والشرقاوي على التحرير ٢ / ١١٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٥٤،
والمغني ٥ / ٧١ - ٧٢
- ٢٩٨ -

كَفَالَة ١٧ - ١٩
وذهب المالكية، والحنابلة عدا القاضي
منهم، والشافعية في مقابل الأصح إلى أن
جهالة المكفول له لا تضر، والكفالة
صحيحة، فإذا قال الضامن: أنا ضامن
الدين الذي على زيد للناس - وهو لا يعرف
عین من له الدین - صحت الكفالة، لحديث
أبي قتادة المتقدم فقد كفل أبو قتادة دين
المیت دون أن يعرف المکفول له (١).
٢ - اشتراط البلوغ والعقل في المکفول له :
١٨ - ذهب المالكية والحنابلة وأبو يوسف إلى
عدم اشتراط البلوغ والعقل في المكفول
له (٢)، لأن الكفالة تنعقد بإيجاب الكفيل
دون حاجة إلى قبول المكفول له، فلا يلزم أن
يكون أهلا للقبول، وذهب أبو حنيفة ومحمد
إلى اشتراط أن یکون المکفول له بالغا عاقلا،
لأن الكفالة تحتاج إلى إيجاب من الكفيل
وقبول من المکفول له.
ويجوز قبول الصبي المميز والسفيه، لأن
ضمان حقهما نفع محض، فلا يتوقف على
إجازة وليهما (٣).
(١) الدسوقي ٣ / ٣٣٤، وانظر المراجع السابقة.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣، والدسوقي والدردير ٣/ ٣٣٤،
والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٥، والمغني والشرح الكبير ٥ / ١٠٢.
٠ ١٠٣، وكشاف القناع ٣/ ٣٦٥
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣، وبدائع الصنائع ٦/ ٢، وفتح القدير
٣١٤/٦
٣- قبول المکفول له:
١٩ - تقدم في صيغة الكفالة أن أبا حنيفة
ومحمدا يريان أن الكفالة لا تتم إلا بإيجاب
وقبول، وأن قبول المکفول له رکن فيها، لأن
الكفالة عقد يملك به المكفول له حق مطالبة
الكفيل أو حقا في ذمة الكفيل، وإذا كانت
کذلك وجب قبول المکفول له، إذ لا يملك
إنسان حقا رغم أنفه، فكانت كالبيع تفید
ملكا، فلا تتحقق إلا بإيجاب وقبول.
وتقدم هناك أيضا أن المالكية والحنابلة
وأبا يوسف وهو الأصح عند الشافعية يرون
أن الكفالة تتم وتتحقق بإيجاب الكفيل
وحده، فلا تتوقف على قبول المكفول له،
ذلك أن الكفالة مجرد التزام صادر من الكفيل
بأن يوفي ما وجب للمكفول له في ذمة
المكفول عنه مع بقاء المكفول له على حقه
بالنسبة إلى المدين، وذلك التزام لا معاوضة
فیه، ولا يضر بحق أحدهما أو ينقص منه،
بل هو تبرع من الكفيل فیتم بعبارته وحده،
وقد تقدم في حديث أبي قتادة: أن أبا قتادة
رضي الله عنه كفل الميت دون أن يعرف
الدائن أو أن يطلب قبوله فأقر النبي ◌ِّ
كفالته وصلى على الميت بناء عليها (١).
(١) ابن عابدين ٥/ ٢٨٣، وبدائع الصنائع ٢/٦، فتح القدير
٦/ ٣١٤، والدسوقي والدردير ٣ / ٣٣٤، تحفة المحتاج
٥ / ٢٤٥، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١١٨، القليوبي وعميرة=
- ٢٩٩ -

كَفَالَة ١٩ - ٢١
الرکن الرابع - المکفول عنه :
اشترط بعض الفقهاء أن يكون المكفول
عنه معلوما للكفيل، واشترط بعضهم رضا
المكفول عنه، واشترط بعضهم كذلك أن
يكون المكفول عنه قادرا على الوفاء بالمكفول
به، وذلك على التفصيل الآتي:
١ - كون المكفول عنه معلوما للكفيل:
٢٠ - ذهب جمهور الفقهاء من المالكية،
والشافعية في الأصح، والحنابلة، إلى عدم
اشتراط معرفة الکفیل للمكفول عنه،
للحديث المتقدم، فإن النبي صل أقر الكفالة
من غير أن يسأل الضامن هل يعرف المكفول
عنه أو لا(١)، ولأن الضمان تبرع بالتزام مال
فلا يشترط معرفة من یتبرع عنه به کالنذر،
ولأن الواجب أداء حق فلا حاجة لمعرفة ما
سواه، وذهب الحنفية وهو مقابل الأصح عند
الشافعية وبعض الحنابلة إلى اشتراط علم
الكفيل بالمكفول عنه، ليعلم الضامن ما إذا
كان المضمون عنه أهلا لاصطناع المعروف
إليه أو لا، وزاد الشافعية أنه اشترط ذلك
ليعرف هل المكفول عنه موسرا أو ممن يبادر إلى
= ٢ / ٣٢٥، كشاف القناع ٣ / ٣٦٥، المغني والشرح الكبير
٧٠/٥ - ٧١، ١٠٢ - ١٠٣، نيل الأوطار ٢٥٢/٥ -٢٥٣،
ومغني المحتاج ٢/ ٢٠٠
(١) حديث: ((أنه قبل كفالة الضامن ... ))
تقدم تخريجه ف ٦ .
قضاء دينه أو لا، وزاد الحنفية: أن اشتراط
کون المكفول عنه معلوما للكفيل هو في حالة
ما إذا كانت الكفالة معلقة أو مضافة، أما في
حال التنجيز فلا تمنع جهالة المكفول عنه
صحة الكفالة، وعلى ذلك: لو قال شخص
لآخر: ما بایعت أحدا من الناس أو ما
أقرضت أحدا من الناس فأنا کفیل به، فإن
الكفالة تکون غیر صحیحة، ولکن لو قال
لشخص: کفلت لك بالك علی فلان أو
فلان، صحت الكفالة، ويكون للكفيل
حق تعيين المكفول عنه منهما، لأنه الملتزم
بالدين (١).
٢ - رضا المكفول عنه بالكفالة:
٢١ - اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط لصحة
الكفالة رضا المكفول عنه أو إذنه، بل تصح
مع كراهته لذلك (٢)، ففي الحديث السابق
أقر النبي وَل# كفالة أبي قتادة رضي الله عنه
دين الميت، والميت لا يتأتى منه رضاء ولا
إذن، ولأن عقد الكفالة التزام المطالبة، وهذا
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٠٧ - ٣٠٨، وبدائع الصنائع ٦/ ٦،
والدسوقي ٣/ ٣٣٤، ومنح الجليل ٣/ ٢٥٢، ومغني المحتاج
٢/ ٢٠٠ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٤، وكشاف القناع
٣/ ٣٥٤، والمغني ٥ / ٧١ وما بعدها .
(٢) ابن عابدين ٥/ ٣١٠، فتح القدير ٣٠٣/٦ - ٣٠٤، وبلغة
السالك ٢ / ١٥٦ - ١٥٧، والدسوقي ٣/ ٣٣٤، والشرقاوي
على التحرير ٢ / ١١٨، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٥، وكشاف
القناع ٣ / ٣٥٤، والمغني ٥ / ٧١
- ٣٠٠ -