النص المفهرس

صفحات 301-320

قضاء ٢٩ - ٣٠
فرحون إن ذلك هو فيما إذا كان القاضي من
أهل الاجتهاد والنظر، كما هو الحال في قضاة
الزمان السابق، أمثال القاضي أبي الوليد
الباجي، وابن رشد، وأبي بكر بن العربي،
وعياض، وقد عدم هذا النمط في زماننا من
المشرق والمغرب، ولذلك نقل عن ولاة قرطبة
أنهم كانوا إذا ولوا رجلا القضاء شرطوا عليه
أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده،
وإن سحنون كان يشترط على من يوليه
القضاء أن لايقضي إلا بقول أهل المدينة ولا
یتعدی ذلك (١).
وذهب الشافعية إلى أنه إذا كان الشرط
عامًّا، بأن قال له: لا تحكم في جميع الأحكام
إلا بمذهب الشافعي مثلا، كان هذا الشرط
باطلا، وهل يبطل عقد التولية؟ نظر، إن كان
عدل عن لفظ الشرط، وأخرجه مخرج الأمر
کقوله : احکم بمذهب الشافعي، أو مخرج
النهي كقوله: لا تحكم بمذهب أبي حنيفة
صح التقليد، أما إن كان التقليد خاصًّا في
حكم بعينه، فإن كان أمراً كقوله: أقِدْ من
المسلم بالكافر، كان هذا الشرط باطلا، وإن
قرنه بلفظ الشرط بطل التقليد، وإن كان
نهيا، نظر: إن نهاه عن الحكم في قتل المسلم
بالكافر، ولا يقضي فيه بوجوب قود ولا
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون ١/ ٢٢، ٢٣، ٥٧، ٥٨
بإسقاطه، فهذا الشرط باطل والتقليد
صحیح، وإن لم ینهه عن الحكم فيه ونهاه عن
القصاص ففيه وجهان .
وقال الماوردي: إذا حكم بمذهب
لايتعداه كان أنفى للتهمة، وأرضى
للخصم، هذا وإن كانت السياسة تقتضيه
فأحكام الشرع لا توجبه، لأن التقليد فيها
محظور، والاجتهاد فيها مستحق (١).
وذهب الحنابلة إلى أنه لايجوز أن يقلد
القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه
لقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَالنَّاسِ
بِالْحَقِّ﴾ (٢) ، والحق لا يتعين في مذهب، وقد
يظهر الحق في غير ذلك المذهب. فإن قلده
على هذا الشرط بطل الشرط وصحت
الولاية، وحكى ابن قدامة وجهاً آخر في
صحة الولاية (٣) .
هـ ـ تعدد القضاة :
٣٠ - يجوز أن يولي الإِمام قاضيين أو أكثر في
بلد واحد، ويخص كل واحد منهم بمكان أو
زمان أو نوع، بأن يولي أحدهم عقود
الأنكحة، والآخر الحکم في المداینات، وآخر
(١) أدب القضاء لابن أبي الدم ص ٩٦، ٩٧، وأدب القاضي
للماوردي ١ / ١٨٧. والأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٥
(٢) سورة ص / ٢٦
(٣) كشاف القناع ٦/ ٢٩٢، ٢٩٣، وشرح منتهى الإرادات
٤٦٣/٣، والمغني ٩ / ١٠٦
- ٣٠١ -

قضاء ٣٠
النظر في العقار، وهذا لا خلاف فيه بين
الفقهاء. وإنما الخلاف فيما إذا ولی قاضیین أو
أكثر عملاً واحداً في مكان واحد: فذهب
الحنفية في رأي إلى أنه يجوز أن يشترك
القاضيان في قضية، وفي رأي آخر قالوا: لا
يجوز، لأنهما قد يختلفان فلا تنفصل الحكومة،
وقد نصت مجلة الأحكام العدلية على أنه
ليس لأحد القاضيين المنصوبين لاستماع
الدعوی أن یستمع تلك الدعوى وحده
ویحکم بها، وإذا فعل لا ينفذ حکمه (١).
وقال المالكية: يجوز للإِمام نصب قضاة
متعددين يستقل كل واحد منهم بناحية يحكم
فیھا بجمیع أحكام الفقه، بحيث لايتوقف
حكم واحد منهم على حكم الآخر، أو قضاة
متعددین یستقل كل واحد منهم ببلد أو
خاص بناحية أو نوع، فعلم من هذا أنه لابد
من الاستقلال في العام والخاص، فلا يجوز
للخلیفة أن یشرك بین قاضیین، هذا إذا كان
التشريك في كل قضية، بل ولو كان في قضية
واحدة بحيث يتوقف حكم كل واحد على
حکم صاحبه، لأن الحاکم لا یکون نصف
حاكم، وصرح ابن فرحون بعدم صحة عقد
الولاية لحاكمين معاً على أن يجتمعا ويتفقا
(١) روضة القضاة ١ / ٧٥، ٨١، المادة (١٨٠٢) من المجلة،
الفتاوى الهندية ٣/ ٢١٨
على الحكم في کل قضية إذا كان ذلك قد
شرط في عقد ولایتهما (١).
وللشافعية في ذلك وجهان : أحدهما ۔ وهو
الأصح - جواز ولاية القاضيين وإن لم
يخصص الإِمام كلا من القاضيين بمكان أو
نوع أو زمان، وصححه الإِمام والغزالي وابن
أبي عصرون إلا أن يشترط اجتماعهما على
الحكم فلا يجوز لما يقع بينهما من الخلاف في
محل الاجتهاد، فلا تنفصل الخصومات
وقالوا: لو ولى الإِمام مقلدین لإِمام واحد ۔
على القول بجواز تولية المقلد - فيجوز وإن
شرط اجتماعهما على الحكم، لأنه لايؤدي إلى
اختلاف، لأن إمامهما واحد، حتى لو كان
لإمامھما قولان، لأن کلا منهما سیحکم باصح
القولین (٢).
وللحنابلة وجهان: أحدهما عدم الجواز،
لأن ذلك يؤدي إلى إيقاف الحكم
والخصومات، لأنهما يختلفان في الاجتهاد،
ويرى أحدهما ما لا يرى الآخر، والوجه الثاني
ورجحه ابن قدامة جواز التولية إذا كان
القاضيان لا يشتركان في القضية الواحدة
معللا ذلك بقوله: إنه يجوز للقاضي أن
يستخلف في البلدة التي هو فيها خليفتين في
موضع واحد، فالإِمام أولى لأن يولي قاضيين
(١) الدسوقي ٤ / ١٣٤
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٨٠
- ٣٠٢ -

قضاء ٣٠ - ٣٢
لأن تولیته أقوی، ولأن کل حاکم یحکم
باجتهاده بین المتخاصمین إلیه، ولیس للآخر
الاعتراض علیه، ولا نقض حکمه فيما
خالف اجتهاده (١).
وإذا تنازع الخصمان في الرفع لأحد
القضاة - في حال تعددهم - فهل القول
للمدعي أو للمدعى عليه؟ للفقهاء في ذلك
أقوال تفصيلها في مصطلح (دعوى ف ١٥ - ١٦).
و- تعيين قاضي القضاة:
٣١ - نشأت وظيفة قاضي القضاة أيام الدولة
العباسية، إذ عين القاضي أبو يوسف -
صاحب الإِمام أبي حنيفة - قاضيا للقضاة
وهو أول من لقب بهذا اللقب، فکان یرشح
القضاة للتعيين في البلاد، ويقوم بمراقبة
أعمالهم حتی لا یتجاوزوا حدود عملهم، ولا
◌ُخلّوا ببعضه، وقد کان الإِمام ۔ من قبل - هو
الذي يراعي أعمال القضاة، ويتتبع
أحکامهم حتى تجري على السداد، من غير
تجاوز ولا تقصير، وكان هذا الأمر يشق على
الإِمام، فمن ثمَّ كان له أن يندب من يقوم
بهذا العمل، ليكون نائباً عنه في مراعاة
القضاة، وقد ذكر بعض الفقهاء أنه ينبغي
لقاضي القضاة أن يتفقد قضاته، ونوابه،
(١) المغني ٩/ ١٠٥، ١٠٦، وكشاف القناع ٦ / ٢٩٢
فيتصفح أقضيتهم، ويراعي أمورهم وسيرتهم
في الناس (١).
ز- آداب القاضي :
٣٢ - آداب القاضي: التزامه بما يجب عليه أو
يسن له أن يأخذ به نفسه أو أعوانه من
الآداب والقواعد التي تضبط أمور القضاء،
وتحفظ القاضي عن الجور والميل، وتهديه إلى
بسط العدل ورفع الظلم، وتنأى به عن
مواطن التهم والشبهات، فيسن كون
القاضي قويًّا من غير عنف، ليناً من غير
ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا
بيأس الضعيف من عدله، ويكون حليماً
متأنياً، ذا فطنة وتيقظ، لا يؤتى من غفلة،
ولا يخدع لغرة، صحيح السمع والبصر، عالماً
بلغات أهل ولايته، عفيفا ورعاً نزهاً، بعيداً
عن الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي
ومشورة، لا يكون جباراً ولا عسوفاً، فيقطع
ذا الحجة عن حجته، قال علي رضي الله
عنه: لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيا حتى
تکون فیه خمس خصال: عفیف، حلیم،
عالم بما كان قبله، یستشیر ذوي الألباب، لا
يخاف في الله لومة لائم، وعن عمر بن عبد
العزيز أنه قال: لا ينبغي للرجل أن يكون
(١) أدب القاضي للماوردي ٢ / ٣٩٦، وتبصرة الحكام ١ / ٧٧،
ومعين الحكام ص ٣٦
- ٣٠٣ -

قضاء ٣٢
قاضیا حتی یکون فیه خمس خصال، فإن
أخطأته واحدة كانت فيه وصمة وإن أخطأته
اثنتان کانت فیه وصمتان حتی یکون عاما بما
كان قبله مستشيرا لذي الرأي ذا نزاهة عن
الطمع حليما عن الخصم محتملاً للأئمة (١).
وآداب القضاء كثيرة، والأصل فيها ما ورد
عن النبي ◌ّ﴾ وخلفائه الراشدين ومن ذلك
کتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي
موسى الأشعري لما ولاه القضاء وقد نقله ابن
القيم في كتاب إعلام الموقعين ونصه: (٢)،
إن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة،
فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم
بحق لا نفاذ له، وآس بین الناس في وجهك
ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف
في حیفك، ولا ییأس ضعيف من عدلك،
البينة على المدعي، واليمين علي من أنكر،
والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل
حراماً أو حرم حلالاً، ومن ادعى حقاً غائباً أو
بينة فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بَيّنه
أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك، استحللت
عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر
(١) قول عمر بن عبد العزيز: ((لا ينبغي للرجل ... ))
أخرجه البيهقي (١٠ / ١١٧) .
(٢) تختلف المصادر التي نقلت كتاب عمر بن الخطاب في بعض
ألفاظه لكن المعاني غير متفاوتة، ويسمى هذا الكتاب سياسة
القضاء، وقد شرحه ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين شرحاً
وافیا مستفیضا .
وأجلى للعماء (١)، ولا يمنعنك قضاء قضيت
فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه
لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قدیم
لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من
التمادي في الباطل، والمسلمون عدول
بعضهم على بعض إلا مجلود في حدّ أو مجرب
عليه شهادة زور أو ظنين (٢) في ولاء أو قرابة،
فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر، وستر
عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان، ثم
الفهمَ الفهم فیما أدلي إليك مما ورد عليك مما
ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند
ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد إلى أحبها
إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحق، وإياك
والغضب والقلق والضجر، والتأذي بالناس
والتنكر عند الخصومة، (أو الخصوم) (٣)،
فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله به
الأجر ويحسن به الذکر، فمن خلصت نيته في
الحق ولو کان على نفسه كفاه الله ما بينه وبين
(١) العماء من معانيه السحاب، والضلال، والتباس الأمر، قال
الكسائي : هو في عماية شديدة وعماء أي مظلم وفي الحديث:
(من قاتل تحت راية عميه ... الخ)) هو فعيلة من العماء
الضلالة، وقيل فلان في عمياء إذا لم يدر وجه الحق (مقاييس
اللغة لابن فارس ٤ / ١٣٤) طبع عيسى الحلبي ١٩٦٨، وفي
المصادر الأخرى (أجلى للعمى) قال ابن مازه: وأما كونه أجلى
للعمى فلأن قضاءه بعد ذلك يكون عن بصيرة لا عن ريبة
واشتباه.
(٢) الظنين: المتهم.
(٣) شك الراوي وهو أبو عبيد في عبارة (عند الخصومة) أو عند
الخصوم .
- ٣٠٤ -

قضاء ٣٢ - ٣٣
الناس، ومن تزين بما ليس في نفسه شانه
الله، فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العباد
إلا ما كان له خالصا، فما ظنك بثواب عند
الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته (١).
ولا خلاف بين الفقهاء في أنه لا ينبغي
للقاضي أن يقضي وهو غضبان لقوله مواليد :
((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) (٢).
وفي معنى الغضب كل ما شغل فكره من
الجوع المفرط والعطش الشديد والوجع المزعج
أو لشعوره بشدة النعاس أو الحزن أو السرور،
فهذه كلها أمور تمنع حضور القلب واستيفاء
الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في
الغالب، فهي في معني الغضب المنصوص
عليه، فتجري مجراه، أما إن استبان له الحق
واتضح الحکم ثم عرض الغضب لم يمنعه،
لأن الحق قد ظَهَرَ له قبل الغضب فلا يؤثر
(١) إعلام الموقعين ١/ ٨٥ وما بعدها ط. دار الجيل بيروت
١٩٧٣، وبدائع الصنائع للكاساني ٧ / ٩ وتبصرة الحكام
١/ ٢٨، والمبسوط السرخسي ١٦ / ٦٣ مطبعة السعادة وشرح
أدب القاضي للخصاف - وشرح أدب القاضي. لابن مازة
١/ ٢٢٧، وروضة القضاة للسمناني ٤ /١٤٨٩، واستشهد
الماوردي - في كتاب أدب القاضي - بفقرات عديدة منه ابتداء
من ١ / ٢٥٠، والبيان والتبيين ٢ / ٤٨ مطبعة لجنة التأليف
والنشر، والكامل للمبرد ١٤/١ وأثر عمر بن الخطاب: ((إن
القضاء فريضة محكمة .. ))
أخرجه البيهقي (١٠ / ١٥٠) .
(٢) حديث: ((لا یحکم آحد بین اثنین وهو غضبان»
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٣٦) ومسلم
(١٣٤٣/٣) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة واللفظ
لمسلم .
فيه، ويرى الحنفية أن تلك الأمور من آداب
القضاء، أما الشافعية وهو قول عند المالكية
فيرون أنه يكره للقاضي أن يقضي وهو على
تلك الحالة.
أما الحنابلة فيرون الحرمة وهو قول عند
المالكية .
وإذا عرضت للقاضي حالة من تلك
الحالات وهو في مجلس القضاء جاز له وقف
النظر في الخصومات والانصراف (١).
ح - هيئته وزيه :
٣٣ - يجتهد القاضي أن يكون جميل الهيئة
ظاهر الأبهة وقور المشية والجلسة، حسن
النطق والصمت، محترزاً في كلامه عن
الفضول وما لا حاجة إليه به، ویکون
ضحكه تبسماً، ونظره فراسة وتوسماً، وإطراقه
تفهما ويلبس ما يحسن من الزي ویلیق به،
ویکون ذا سمت وسكينة ووقار من غیر تکبر
ولا إعجاب بنفسه (٢).
وينبغي أن يكون نظيف الجسد، بأخذ
(١) بدائع الصنائع ٩/٧، وشرح أدب القاضي للصدر الشهيد
١ / ٣٤٠ وما بعدها، والشرح الصغير ٤ / ٢٠٥، وتبصرة
الحكام ١ / ٣٥، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩١ وما بعدها . وروضة
الطالبين ١١/ ١٣٩ - ١٤٣، وأدب القضاء لابن أبي الدم
الحموي ص ١١٤، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧١،
وكشاف القناع ٦ / ٣١٦
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٩ - ١٠، وتبصرة الحكام ١/ ٢٩
- ٠٥ ٣ -

قضاء ٣٣ - ٣٦
شعره، وتقليم ظفره، وإزالة الرائحة المكروهة
من بدنه ویستعمل من الطیب ما يخفی لونه،
وتظهر رائحته (١).
ط - مشاركته في المناسبات العامة:
٣٤ ۔ یسن له إجابة دعوة عامة کوليمة عرس
وختان، لأن إجابتها سنة ولا تهمة فيها،
ويشهد الجنازة لأن ذلك حق الميت على
المسلمين فيحضرها إلا إذا شغلته عن
القضاء، ويعود المرضى لأن ذلك حق
المسلمين على المسلمين ولا تهمة فيه (٢).
ولا يجيب الدعوة الخاصة لأنها جعلت
لأجله، والخاصة هي التي لا يتخذها
صاحبها لولا حضور القاضي، وقيل: كل
دعوة اتخذت في غير العرس والختان فهي
خاصة، وذكر الطحاوي أنه على قول
أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجيب الدعوة
الخاصة للقريب، وعلی قول محمد یجیب لأن
إجابة دعوة القريب صلة للرحم، وإنما لا
يجيب الدعوة الخاصة للأجنبي إذ لا فرق بينها
وبين الهدية (٣).
(١) أدب القاضي للماوردي ٢ / ٢٤٣، وروضة الطالبين
١١/ ١٣٢، وكشاف القناع ٦/ ٣١١
(٢) أدب القضاء لابن أبي الدم ص ١١٤، ١١٥، وبدائع
الصنائع ١٠/٧، وتبصرة الحكام ٣١/١، والمغني ٩ / ٨٠،٧٩
(٣) المراجع السابقة .
وللقاضي زيارة الأهل والصالحين والإِخوان
وتوديع الغازي والحاج لأن ذلك قربة وطاعة،
وقد وعد الشرع على ذلك أجراً عظيما فيدخل
القاضي في ذلك ما لم یشغله عن الحکم، لأن
اشتغاله بالفصل بين الخصوم ومباشرة الحكم
أولی (١).
ى - الهدية للقاضي :
٣٥ - يحرم على القاضي قبول الهدية من
الخصمين، أو من أحدهما.
أما من ليست له خصومة فإن كان من
خواص قرابته أو صحبته أو جرت له عادة
بمهاداته قبل القضاء فلا بأس، وإن لم تجر
له عادة بذلك لم يجز له القبول، والأولى إن
قبل الهدية - ممن ليست له خصومة - أن
یعوض المهدي عنها، ويحسن به سد باب
قبول الهدايا من كل أحد، لأن الهدية تورث
إدلال المهدي وإغضاء المهدى إليه، إلا
الهدية من ذوي الرحم المحرم - ممن ليست له
خصومة - فالأولى قبولها لصلة الرحم، ولأن في
ردها قطيعة للرحم وهي حرام.
٣٦ - وأما الرشوة فحرام بلا خلاف لحديث:
((لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم))(٢) ،
(١) تبيين الحقائق للزيلعى ٤ / ١٧٨، وكشاف القناع ٦/ ٣١٨.
(٢) حديث: ((لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم)).
أخرجه الترمذي (٣ / ٦١٣) من حديث أبي هريرة، وقال:
حسن صحيح.
- ٣٠٦ -

قضاء ٣٦ - ٣٨
وإذا قضى في حادثة برشوة لا ينفذ قضاؤه في
تلك الحادثة وإن قضى بالحق، وسقطت
عدالته (١)، وإن ارتشى ولد القاضي أو كاتبه
أو بعض أعوانه: فإن کان بأمره ورضاه فهو
كما لو ارتشى بنفسه ويكون قضاؤه مردوداً،
وإن كان بغير علم القاضي نفذ قضاؤه ورد ما
قبضه المرتشي (٢) .
ك - مجلس القضاء:
٣٧ - يستحب أن يتخذ القاضي له مجلساً
فسيحاً بارزاً مصوناً من أذى حر وبرد لائقا
بالوقت والقضاء، ويكون مصونا أيضا من
كل ما يؤذي من الروائح والدخان والغبار،
كأن يكون المكان داراً واسعة وسط البلد إن
أمكن، ليكون ذلك أوسع على الخصوم
وأقرب إلى العدل.
القضاء في المسجد :
٣٨ - يرى الحنفية والحنابلة أن القاضي
يجلس للحكم في المسجد لأنه أیسر للناس،
وأسهل عليهم للدخول عليه وأجدر أن لا
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠،٩، وتبيين الحقائق للزيلعي
٤ / ١٧٨، وروضة القضاة ١ / ٨٨، والشرح الصغير
٤ / ١٩٢، والقوانين الفقهية ص ١٩٦، وأدب القضاء لابن
أبي الدم ص ١١٤، وروضة الطالبين ١١/ ١٤٢، ٣٤٣،
ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٢، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧١،
وكشاف القناع ٦/ ٣١٦
(٢) تبیین الحقائق ٤ / ١٧٥
يحجب عنه أحد، قال أبو حنيفة: ينبغي
للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع
لأنه أشهر المواضع ولا يخفى على أحد، ولا
بأس أن يجلس في بیته ویأذن للناس ولا يمنع
أحداً من الدخول عليه (١).
واحتجوا في قضاء القاضي في المسجد بما
روي عن عمر وعثمان وعلي أنهم كانوا يقضون
في المسجد.
والمسألة عند المالكية ذات طريقتين:
الأولى لمالك في الواضحة: استحباب
الجلوس في رحاب المسجد وكراهته في المسجد
ليصل إليه الكافر والحائض، والثانية:
استحباب جلوسه في نفس المسجد وهي.
ظاهر قول المدونة ((والقضاء في المسجد من
الحق والأمر القديم)) لقوله تعالى: ﴿إِذْ
تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ﴾ (٢)، قال الدسوقي:
والمعول عليه مافي الواضحة ((٣).
ويرى الشافعية كراهية اتخاذ المسجد
مجلسا للقضاء، لأن مجلس القاضي لا يخلو
عن اللغط وارتفاع الأصوات، وقد يحتاج إلى
إحضار المجانين والصغار، والمسجد يصان
(١) معين الحكام ص ٢٠، وتبصرة الحكام ١ / ٣٤، وشرح منتهى
الإرادات ٣ / ٤٦٩، وبدائع الصنائع ٧ / ١٣، وكشاف القناع
٣١٢/٦
(٢) سورة ص / ٢١
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ١٣٧، والمدونة ٥ / ١٤٤
- ٣٠٧ .-

قضاء ٣٨ - ٤٠
عما قد يفعله أولئك من أمور فيها مهانة به،
أما إذا صادف وقت حضور القاضي إلى
المسجد لصلاة أو غيرها رفع الخصومة إلیه،
فلا بأس بفصلها، وعلى ذلك يحمل ما جاء
عنهم وعن خلفائه في القضاء في
المسجد (١).
ل ۔ وقت عمله ووقت راحته :
٣٩ - لا بأس أن ينظر القاضي في أمور دنياه
التي تصلحه ولا بدّ له منها في كل الأيام في غیر
أوقات قضائه، ولا بأس أن يطلع إلى قرابته
اليومين والثلاثة، ويتخذ جلوسه وقتا معلوما
لا يضر بالناس في معايشهم، ويجوز أن يعين
أياماً للقضاء يحضر فيها الناس ويعرفونه بها،
فيقصد في ذلك اليوم، وليس عليه صرف
زمانه أجمع إلى القضاء، ولا ينبغي أن يحكم
في الطریق إلا في أمر استغيث به فیه فلا بأس
أن يأمر وينهى ويسجن، فأما الحكم
الفاصل فلا، وأجازه أشهب من المالكية، ولا
ينبغي أن يجلس في العيدين وما قارب ذلك
کيوم عرفة والأيام التي تكون للناس أيام سرور
أو حزن، وكذلك إذا كثر الوحل والمطر، قال
بعض المتأخرين: وكذلك يوم الجمعة ما لم
يعرض عليه أمر يخاف عليه الفوات، وما لا
(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٩٠، ٣٩١
يسعه إلا تعجيل النظر فيه.
ونقل عن الإِمام مالك أنه قال: بنبغي
للقاضي أن يكون جلوسه في ساعات من
النهار، لأني أخاف أن یکثر فیخطىء، ولیس
عليه أن يتعب نفسه نهاره کله (١).
م - كراهية البيع والشراء:
٤٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يكره
للقاضي أن یبیع أو يشتري إلا بوکیل لا يعرف
به لئلا يحابى والمحاباة كالهدية، ولیس
للقاضي ولا لوال أن يتجر، حديث أبي الأسود
المالكي عن أبيه عن جده مرفوعا: ((ما عدل
والٍ اتجر في رعيته)) (٢)، وسواء أكان البيع
والشراء في مجلس حکمه أم في داره، لكن إذا
باع القاضي أو اشترى فلا يرد منه شيء إلا أن
يكون على وجه الإِكراه، أو فيه نقيصة على
البائع فيرد البيع والابتياع.
ولا ينبغي أن يكون وكيل القاضي معروفا
لأنه يفعل مع وكيله من المسامحة ما يفعل
معه .
ويرى الحنفية وهو الراجح عند المالكية
قصر الكراهية على حصول البيع والشراء في
(١) تبصرة الحكام ١ / ٣٥، ٣٦، وبدائع الصنائع ٧/ ١٣،
وروضة القضاة ١ / ١٦١
(٢) حديث: ((ما عدل وال اتجر في رعيته)).
أورده ابن حجر في المطالب العالية (٢ / ٢٣٤) وعزاه لأحمد بن
منيع، ونقل محققه عن البوصيري تضعيف أحد رواته .
- ٣٠٨ -

قضاء ٤٠ - ٤٣
مجلس الحكم (١).
ن - واجب القاضي تجاه الخصوم:
٤١ - يجب على القاضي أن يسوي بين
الخصمین في الجلوس، فیجلسهما بین یدیه لا
عن يمينه ولا عن يساره، لأنه لو فعل فقد
قرب أحدهما فى مجلسه، ولأن لليمين فضلاً
عن اليسار، وأن يسوي بينهما في النظر والنطق
والخلوة فلا ينطلق بوجهه إلى أحدهما، ولا
يسار أحدهما، ولا يخلو بأحدهما في منزله، ولا
یضیف أحدهما، فيعدل بين الخصمين في
هذا کله، لما في ترك العدل فیه من کسر قلب
الآخر، ویتهم القاضي به، وليس له تأخیر
الحکم في الخصومات بغير عذر، ولا يجوز له
أن يحتجب إلا فى أوقات الاستراحة.
ولیس له أن یحکم لأحد من والديه ولا
من مولوديه لأجل التهمة، ويحكم عليهم
لارتفاعها، ويحكم لعدوه، ولا يحكم
علیه (٢) .
معاونو القضاة :
٤٢ - يحتاج القاضي في عمله إلى من يساعده
(١) شرح منتهى الإِرادت ٣ / ٤٧١، وتبصرة الحكام ١/ ٣١،
ومغني المحتاج ٤ / ٣٩١، وأدب القضاة للحموي ص ١١٣،
ومعين الحكام ص ١٧، والمبسوط للسرخسي ١٦ / ٧٧
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٩، والشرح الصغير ٤/ ٢٠٥، ومغني
المحتاج ٤ / ٣٩٣، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٦٩، ٤٧٣،
وكشاف القناع ٦/ ٣١٤
في الأعمال القضائية سواء ما اتصل منها
بموضوع الحكم الواجب تطبيقه على النازلة -
وهم الفقهاء الذين يستشيرهم -، أو ما
يتعلق بالأعمال المساعدة مثل الكاتب الذي
يسجل المحضر، وأعوان القاضي والحاجب،
والمزكي والمترجم.
كاتب القاضي :
٤٣ - يستحب للقاضي أن يتخذ كاتبا لأن
النبي صل﴾ استكتب زيد بن ثابت وغيره (١)،
ولأن القاضي تكثر أشغاله ويكون اهتمامه
ونظره متوجها لمتابعة أقوال الخصوم ومايدلون
به من حجج وما يستشهدون به من الشهود
فيحتاج إلى كاتب يكتب وقائع الخصوم،
ويشترط في الكاتب كونه مسلماً عدلاً عارفا
بكتابة المحاضر والسجلات ويستحب
فقهه، ووفور عقله وجودة خطه، فإن لم یکن
له معرفة بالفقه كتب كلام الخصمين كما
سمعه، ولا يتصرف فيه بالزيادة والنقصان،
لئلا يوجب حقا لم يجب ولا يسقط حقاً
واجبا، لأن تصرف غير الفقيه بتفسير الكلام
لا يخلو عن ذلك، وينبغي أن يقعد الكاتب
حیث یری القاضي ما يكتب ويصنع فإن
ذلك أقرب إلى الاحتياط، ويرى المالكية في
(١) حديث: ((استكتب النبي (8# زيد بن ثابت ... ))
أخرجه الترمذي (٥/ ٦٧ - ٦٨) وقال حسن صحيح .
- ٣٠٩ -

قضاء ٤٣ - ٤٥
القول الراجح عندهم أن اتحاد الكاتب أمر
وجوبي (١).
أعوان القاضي :
٤٤ - ينبغي للقاضي أن يتخذ أعوانا يكونون
بين يديه، لأن مجلس القضاء مجلس هيبة،
فلو لم يتخذ أعوانا ربما يستخف بالقاضي
فتذهب مهابته، ولأنه يحتاج إلى إحضار
الخصوم، والأعوان هم الذين يحضرون
الخصوم إلى مجلس القضاء، ويزجرون من
يستحق الزجر من الخصوم، وينبغي أن
يكون هؤلاء من ذوي الدين والأمانة والبعد
عن الطمع (٢).
حاجب القاضي :
٤٥ - الحاجب - هنا - من يقوم بإدخال
الخصوم على القاضي ويرتبهم فيقدم من
حضر أولاً ثم الذي يليه وهكذا، ويمنع
الخصوم من التدافع على مجلس القضاء.
وقد اختلف الفقهاء في جواز اتخاذ
القاضي حاجباً، فذهب الحنفية والمالكية إلى
جواز ذلك، والمرجع فيه عندهم الشرع فقد
اتخذ الخلفاء الراشدون حجابا .
(١) الدسوقي ٤ / ١٣٨، الشرح الصغير ٤ / ٢٠٢، بدائع
الصنائع ٧/ ١٢، مغني المحتاج ٤ / ٣٣٨، ٣٨٩، المغني
٩/ ٧٢، أدب القضاء لابن أبي الدم ص ١٠٩
(٢) شرح أدب القاضي - للصدر الشهيد ١ / ٢٤٤، أدب القضاء
لابن أبي الدم ص ١١٨ .
وقال الشافعية والحنابلة: ينبغي للقاضي
أن لا يتخذ حاجبا يحجب الناس عن
الوصول إليه، لما روى أبو مريم رضي الله عنه
قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((من ولاه
الله عز وجل شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب
دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله
عنه دون جاجته وخلته وفقره)) (١)، ولأن
حاجب القاضي ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم
لغرض له، ولا بأس عندهم باتخاذ حاجب
في غير مجلس القضاء، وفي حال الزحمة وكثرة
الناس، وقال القاضي أبو الطيب الطبري من
الشافعية: يستحب للقاضي أن يتخذ
حاجبا، وعلق ابن أبي الدم الحموي على
ذلك بقوله: هذا هو الصحيح لا سيما في
زماننا هذا مع فساد العوام، ولكل زمن أحوال
ومراسم تقتضيه وتناسبه ... وكلام الشافعي
وغيره: أنه لا ينبغي أن يتخذ حاجباً، محمول
على ما إذا قصد بالحاجب الاحتجاب عن
الناس والاكتفاء به، أو حالة الخوف من
ارتشاء الحاجب (٢)، وتفصيل شروط
الحاجب وآدابه ينظر في مصطلح (حاجب
ف ٩).
(١) حديث: ((من ولاه الله عز وجل شيئاً من أمر المسلمين .. ))
أخرجه أبو داود (٣/ ٣٥٧)، والحاكم (٤ / ٩٤) من حديث
أبي مريم الأزدي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
(٢) أدب القضاء للحموي ص ١٠٦، أدب القاضي للماوردي
١ / ٢٠٤ طبع بغداد .
- ٣١٠ -

قضاء ٤٦ - ٤٧
المزکی:
٤٦ - المراد بالمزكي في باب القضاء من يعتمد
عليه في تعديل الشهود. ذهب الفقهاء إلى أن
القاضي إذا عرف عدالة الشهود فلا يحتاج إلى
تزكيتهم، وإن عرف أنهم مجروحون
رد شهادتهم.
وهل يتخذ القاضي مزکیا یتحری عن
الشهود ويتعرف حال من يجهل منهم؟ .
قال الحنفية والمالكية: إن التزكية نوعان :
تزكية السر، وتزكية العلانية، أما تزكية السر،
فينبغي للقاضي أن يختار للمسألة عن الشهود
من هو أوثق الناس، وأورعهم ديانة،
وأعظمهم دراية، وأكثرهم خبرة، وأعلمهم
بالتميز فطنة، فيوليه المسألة عن الشهود سراً،
فيسأل ذلك الرجل عن الشاهد من يثق به
من جيرانه وأهل محلته وأهل سوقه، ولا ينقل
للقاضي إلا ما اتفق عليه عدلان فأكثر،
والعدد في المزكي ليس بشرط عند الإِمام أبي
حنيفة وأبي يوسف والواحد: يكفي والاثنان
أحوط،. وقال محمد: شرط حتى لا تثبت
العدالة بقول الواحد، ومنشأ الخلاف هل هو
شهادة أم إخبار.
أما تزکیة العلانية فقد قال صاحب معین
الحكام: إنه قد وقع الاكتفاء بتزكية السر لما
في تزكية العلانية من فتنة بسبب ما يلاقيه
المزكي من بلاء من الشاهد في حالة
تجریحه (١) .
وقال الشافعية: ينبغي أن يكون للقاضي
مزكون، وأصحاب مسائل، فالمزكون يرجع
إليهم ليبينوا حال الشهود، وأصحاب
المسائل هم الذين يبعثهم القاضي إلى المزكين
ليبحثوا ويسألوا، وليس المراد بالمزكي واحداً
بل اثنين فأكثر (٢) .
وذهب الحنابلة إلى أنه ليس للقاضي أن
يرتب شهوداً لا يقبل غيرهم لوجوب قبول
شهادة من تثبت عدالته، ولکن له أن یرتب
شهوداً یشهدهم الناس فیستغنون بإشهادهم
عن تعديلهم، ويستغني القاضي عن
الكشف عن أحوالهم، فيكون فيه تخفيف من
وجه، ويقوم هؤلاء بتزكية من عرفوا عدالته
من غيرهم إذا شهد (٣).
المترجم :
٤٧ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجوز
للقاضي أن يتخذ مترجماً إذا كان لا يعرف لغة
الخصم أو الشاهد، ويكفي المترجم الواحد
عند أبي حنيفة والمالكية وأبي يوسف وأحمد في
(١) معين الحكام ص ١٠٤، ١٠٥، تبصرة الحكام ١ / ٢٥٨،
روضة القضاة ١ / ١٢٤، ١٢٥، وانظر بدائع الصنائع
١١،١٠/٧
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٠٣، الروضة ١١ / ١٦٨
(٣) المغني لابن قدامة ٩ / ٧١، شرح منتهى الإرادات ٣/ ٤٧٢
- ٣١١ -

قضاء ٤٧ - ٤٩
رواية عنه وهي اختيار أبي بكر من الحنابلة
وقاله ابن المنذر، قال زيد بن ثابت: ((أمرني
رسول الله پڼ أن أتعلم له کتاب يهود، قال:
إني والله ما آمن يهود على كتاب، قال: فما مر
بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما
تعلمتہ کان إذا کتب إلی یہود کتبت إليهم
وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم)) (١)، ولأنه مما
لا يفتقر إلى لفظ الشهادة فأجزا فيه الواحد
كأخبار الدیانات .
والقول أنه يكفي الواحد العدل - عند
المالكية - محله إذا رتبه القاضي، أما إذا لم
يرتبه بأن أتى به أحد الخصمين، أو طلبه
القاضي للتبليغ فلا بد فيه من التعدد لأنه
صار كالشاهد، وقد حكى الدسوقي أن
المترجم من قبل القاضي يكفي فيه الواحد
اتفاقاً.
وذهب الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة
ومحمد من الحنفية إلى أن الترجمة شهادة،
ويعتبر في المترجم ما يعتبر في الشهادة (٢).
وتفصيل ذلك في مصطلح (ترجمة ف ١٥).
(١) حديث زيد بن ثابت: ((أمرني رسول الله (18 أن أتعلم ... ))
أخرجه الترمذي (٥/ ٦٧ - ٦٨) وقال: حسن صحيح
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٢، حاشية الدسوقي ٤ / ١٣٩، الروضة
١١/ ١٣٦، مغني المحتاج ٤ / ٣٨٩، المغني ٩/ ١٠٠،
١٠١
استخلاف القاضي :
٤٨ - اتفق الفقهاء على أن الإِمام إذا أذن
للقاضي في الاستخلاف فله ذلك وعلى أنه إذا
نهاه فليس له أن يستخلف، وذلك لأن
القاضي إنما يستمد ولايته من الإِمام، فلا
يملك أن يخالفه في تعیین خلف له متی نهاه،
كالوكيل مع الموكل، أما إن أطلق الإِمام فلم
يأذن ولم ينه فهناك اتجاهات في المذاهب
تفصيلها في مصطلح (استخلاف ف ٣٢) .
كتاب القاضي إلى غيره من القضاة:
٤٩ - للقاضي أن يكتب إلى غيره من القضاة
بما وجب عنده من حکم، أو ثبت عنده من
حق، ويكتب به إلى من هو أعلى منه،
وأدنى، وإلى خليفته، ومستخلفه .
ویکون المقصود به أمرین :
أحدهما: أن يثبت به عند الثاني ما ثبت
عند الأول.
الثاني: أن يقوم في تنفيذه واستيفائه مقام
الأول (١).
واستدل على جواز قبول کتاب القاضي بما
روي عن النبي وَلَّ: ((أنه كتب إلى الضحاك
ابن سفيان أن يورث امرأة أشيم الضبابي من
(١) أدب القاضي للماوردي ٢ / ٩٥، المغني لابن قدامة ٩ / ٩٤
- ٣١٢ -

قضاء ٤٩ - ٥١
دية زوجها)) (١)، ولأن بالناس حاجة إلى
ذلك (٢) .
الشهادة على كتاب القاضي :
٥٠ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة
وأشهب من المالكية إلى أن القاضي لا يقبل
إلا شهادة عدلين يقولان: إنه قرأه علينا أو
قرىء عليه بحضرتنا، وقال أبو حنيفة
ومحمد: لابد أن يشهد الشهود بختم
القاضي، وبمثل ذلك صرح الشافعية، وقال
أبو يوسف: إذا شهدوا بالكتاب والخاتم تقبل
وإن لم يشهدوا بما في الكتاب، وكذا إذا
شهدوا بالكتاب وبما في جوفه تقبل وإن لم
يشهدوا بالخاتم، وحكي عن الحسن وسوار
والعنبري أنهم قالوا إذا كان يعرف خطه
وختمه قبله، وهو قول أبى ثور
والأصطخري .
وذهب المالكية إلى اشتراط الشاهدين ولم
يقيدوا ذلك بقراءة الكتاب عليهم وقالوا: أما
كتاب القاضي المجرد عن الشهادة، فلا أثر
له، قال ابن رشد: والعمل عندنا اليوم
بإِفريقية على ما كان عليه السلف في القديم
(١) حديث ((أنه كتب إلى الضحاك بن سفيان ... ))
أخرجه الطبراني في الكبير (٥ / ٢٧٦) من حديث المغيرة بن
شعبة، وقال الهيثمي في المجمع (٤ / ٢٣٠): رواه الطبراني
ورجاله ثقات
(٢) روضة القضاة للسمناني ١/ ٣٢٩، ٣٣٠
من الشهادة على خط القاضي، وفي التنبيه
لابن المناصف - من المالكية - قوله: وقد التزم
الناس اليوم في سائر بلادنا إجازة كتب
القضاة بمعرفة الخط، وكافة الحكام قد
تمالثوا على إجازة ذلك والتزامه والعمل به في
عامة الجهات للاضطرار إليه، ولأن المطلوب
إنما هو قيام الدليل وثبوته على أن ذلك
الكتاب كتاب القاضي، فإذا ثبت عند
المكتوب إليه معرفة خطه ثبوتاً لا يشك فيه
أشبه الشهادة عليه وقام مقامها. وإن لم
يتحقق القاضي خط الكاتب فلابد من
شاهدين عدلين يعرفان خط القاضي
الکاتب (١).
وإذا كان الخصم هو الذي سار بالكتاب
فلا يقبل حتى يأتيه بشاهدين يشهدان أنه
كتاب القاضي وإذا ثبت عند القاضي
المكتوب إليه أنه كتاب القاضي الأول لزم أن
يقضي بما كتب إليه من ذلك (٢).
اشتراط المسافة :
٥١ - يرى الحنفية: أنه لابد من وجود مسافة
قصر بين بلد القاضي الكاتب والمكتوب إليه.
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٧، وتبصرة الحكام ٢ / ٩، ١٣، وروضة
الطالبين ١١ / ١٨٠، المغني ٩ / ٩٥، أدب القاضي لابن
أبي الدم ص ٤٦٧
(٢) تبصرة الحكام ٢ / ١٥، ٢١
- ٣١٣ -

قضاء ٥١ - ٥٣
ولم يفرق الإِمام معك بين ما يكتبه
القاضي البعيد عن مكان القاضي المكتوب
إليه أو القريب من مكانه .
وقال الحنابلة: یقبل وإن كانا ببلد واحد
إلا إذا بعث إلى القاضي الآخر لیحکم بما
ثبت عند الأول فلا يكون إلا إذا فصلت
بينهما مسافة قصر.
وفصل الشافعية فقالوا: إن تضمن
الكتاب نقل شهادة فقط، سمع في مسافة
القصر قولا واحداً، وإن تضمن ثبوت الحق
فقط ففيه وجهان: والأصح عندهم أنه لا
يسمع إلا في المسافة البعيدة، وفي مسافة
العدوی خلاف مشهور وإن تضمن الكتاب
الحكم بالحق سمع في القريب والبعيد كيف
كان مراسلة أو مشافهة (١).
الحق المكتوب به :
٥٢ - كتب القضاة إلى القضاة جائزة في سائر
حقوق الناس: الديون والعقارات والشركات
والغصب والوديعة، وهذا ما ذهب إليه
الحنفية والشافعية والحنابلة في الجملة، لكن
بعضهم قيد الجواز بشروط معينة فعند
أبي حنيفة والشافعي في الأصح ومحمد
وأبي يوسف لا تقبل في الأعيان التي تقع
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٧، أدب القضاء لابن أبي الدم ص ٤٧٦،
تبصرة الحكام ٢ / ١٩، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٠٤
الحاجة إلى الإِشارة إليها كالمنقول من الحيوان
والعروض لعدم التميز، وحكي عن الشافعي
قول ثان بجواز الحكم بالشهادة في تلك
الأعيان لما يجب من حفظ الحقوق على
أهلها، وذهب الحنفية إلى أنه لا يقبل كتاب
القاضي في الحدود، ولا القصاص وعللوا
ذلك بأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على
الشهادة وأنه لا تقبل فيهما، ويرى الشافعية
أن الحق إن كان للآدمي كالقصاص وحد
القذف استوفاه المكتوب إلیه، فأما ما کان من
حقوق الله تعالى ففي جواز استيفائه بكتاب
القاضي إلى القاضي قولان: أحدهما:
يستوفى كحقوق الآدميين والثاني: عدم الجواز
لأن حقوق الله تدرأ بالشبهات.
وعند مالك وابن أبي ليلى يقبل في الحقوق
والأحکام کلها.
وذهب الجنابلة إلى قبول الکتاب في کل
حق لآدمي بما في ذلك القود وحد القذف لأنه
حق آدمي لا يدرأ بالشبهة ولا يقبل في حدود
الله تعالى (١).
خصوص الکتاب وعمومه :
٥٣ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٧، ٨، تبصرة الحكام ٢ / ١٩، شرح
منتهى الإرادات ٣/ ٥٠٣، أدب القاضي للماوردي ٢ / ١٠٤،
١٠٧،١٠٥
- ٣١٤ -

قضاء ٥٣ - ٥٤
وأبو يوسف من الحنفية إلى أن للقاضي أن
یکتب إلی قاض معین، أو أن یکتب إلى من
يصل إليه من قضاة المسلمين من غير تعيين
ویلزم من وصله قبوله کما لو کان الکتاب إلیه
بعينه .
وزاد الشافعية أنه لو كتب إلى قاض
معین، وسماه في کتابه، وجب علی کل قاض
غيره تنفيذه والعمل به إذا قامت به بينة
عنده .
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينفذ الکتاب
ولا يقبل إلا إذا كان القاضي الكاتب قد عين
واحداً من الناس (١).
المشافهة :
٥٤ - يرى الحنفية أن القاضي إذا شافه قاضيا
آخر في عمله لم يقبل ذلك لأن الكتاب بمنزلة
الشهادة، وقال ابن فرحون من المالكية :
مشافهة القاضي للقاضي بما حكم به الأول
علی وجھین :
الأول: أن يكون القاضيان ببلد واحد
فيشافه أحدهما الآخر بما ثبت عنده من
شهادة أو حكم فيحكم الآخر بذلك أو ينفذ
الحكم .
الثاني: أن يكون كل منهما في طرف
(١) ابن أبي الدم ص ٤٧٤، المغني ٩ / ٩٤، تبصرة الحكام:
٢ / ١٤، ١٥، روضة القضاة للسمناني ١/ ٣٤٢
....
عمله، فإذا اجتمعا أنهى أحدهما إلى الآخر
مشافهة ما يريد إنهاءه إليه، فيلزم الآخر
العمل بمقتضاه .
أما ابن جزي فقد قال: إن المشافهة غير
كافية، لأن أحدهما في غير محل ولايته ومن
كان في غير موضع ولايته لم ينفذ حكمه ولم
يقبل خطابه .
وعند الشافعية تتصور المشافهة من أوجه .
أحدها: أن يجتمع القاضي الذي حكم
وقاضي بلد الغائب في غير البلدين ويخبره
بحکمه .
والثاني: أن ينتقل الذي حكم إلى بلد
الغائب ويخبره، ففي الحالين لا يقبل قوله،
ولا يمضي حكمه لأن إخباره في غير موضع
ولايته، كإخبار القاضي بعد العزل.
والثالث: أن يحضر قاضي بلد الغائب في
بلد الذي حكم فيخبره، فإذا عاد إلى محل
ولايته، فهل يمضيه؟ إن قلنا: يقضي بعلمه
فنعم، وإلا فلا على الأصح، كما لو قال ذلك
القاضي: سمعت البينة على فلان بكذا،
فإنه لا يترتب الحكم عليه إذا عاد إلى محل
ولايته .
والرابع: أن يكونا في محل ولايتهما، بأن
وقف كل واحد في طرف محل ولايته، وقال
الحاكم: حكمت بكذا فيجب على الآخر
- ٣١٥ -

قضاء ٥٤ - ٥٧
إمضاؤه لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب،
وكذا لو کان في البلد قاضیان وجوزناه، فقال
أحدهما للآخر: حکمت بکذا فإنه یمضیه،
وكذا إذا قاله القاضي لنائبه في البلد،
وبالعكس، ولو خرج القاضي إلى قرية له
فيها نائب فأخبر أحدهما الآخر بحكمه
أمضاه الآخر، لأن القرية محل ولايتهما، ولو
دخل النائب البلد فقال للقاضي: حكمت
بكذا لم يقبله، ولو قال له القاضي : حكمت
بكذا، ففي إمضائه إياه إذا عاد إلى قريته
الخلاف في القضاء بالعلم (١).
تغير حال القاضي الكاتب:
٥٥ - إذا تغيرت حال القاضي الکاتب بموت
أو عزل بعد أن كتب الكتاب وأشهد على
نفسه لم يقدح في کتابه وکان علی من وصله
الكتاب قبوله والعمل به سواء تغيرت حاله
قبل خروج الکتاب من يده أو بعده، وهو ما
ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة .
وأما الحنفية فيقولون: إذا مات القاضي أو
عزل قبل وصول كتابه إلى القاضي الآخر، فلا
يعمل به في هذه الحالة، ولو مات بعد وصول
.
(١) تبصرة الحكام ٢ / ٩، ١٣، القوانين الفقهية ص ١٩٧، روضة
القضاة ١/ ٣٤٧، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٤٧٩،
٤٨٠، روضة الطالبين ١١/ ١٨٣ - ١٨٤
الكتاب إليه جاز له أن يقضي به (١).
تغير حال القاضي المكتوب إليه :
٥٦ - يرى المالكية وأكثر الشافعية والحنابلة
أن القاضي المكتوب إليه إن تغيرت حاله بأي
حال كان من موت أو عزل أو فسق فلمن
وصل إليه الكتاب ممن قام مقامه قبول
الكتاب والعمل به، وقد حكي عن الحسن
أن قاضي الكوفة کتب إلى إياس بن معاوية
قاضي البصرة کتابا فوصل وقد عزل وولي
الحسن فعمل به، إلا أن المالكية اشترطوا
الإِشهاد على الكتاب ولم يكتفوا
بمعرفة الخط .
ويرى الحنفية وفي وجه عند الشافعية أنه
لا یعمل به لأنه لم یکتب إليه (٢).
اختلاف الرأي في حكم الواقعة :
٥٧ - إذا كتب قاض إلى قاض بكتاب فيه
اختلاف بين الفقهاء، والمكتوب إليه لا يرى
ذلك الرأي ولا یأخذ به، فإن كان ما تضمنه
الكتاب حكما جاز إنفاذه عند الحنفية
والمالكية والحنابلة ما لم يخالف نصاً أو إجماعا،
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٨، روضة القضاة ١ / ٣٤٠، وتبصرة
الحكام ٢ / ١٧، أدب القضاء لابن أبي الدم ص ٤٨٠، المغني
٩/ ٩٨
(٢) روضة القضاة ١ / ٣٤٠، بدائع الصنائع ٧ / ٨، وأدب
القضاء لابن أبي الدم ص ٤٨٢، ٤٨٣، تبصرة الحكام
٢ / ١٧، القوانين الفقهية ص ١٩٧
- ٣١٦ -

قضاء ٥٧ - ٥٨
فإن لم يكن حكما لم ينفذه وإنما هو بمنزلة
الشهادة، وعند الشافعية إن كان إنما کتب مما
ثبت عنده للخصم أو بما أشبه ولم يفصل
ذلك بحكم فليعمل برأيه الذي يختاره مما
اختلفوا فيه ولا يعمل برأي الكاتب إليه،
وإن كان مما حكم به القاضي الأول مما لا يراه
هو فليس له أن يمضيه لا عتقاده أنه باطل،
وليس له أن ينقضه، لاحتماله في الاجتهاد،
وليس له أن يأخذ المطلوب بأدائه، لأنه غير
مستحق عنده، وليس له أن يمنع الطالب
منه، لنفوذ الحكم به (١).
رزق القاضي :
٠٠٠
٥٨ - القاضي من عمال المسلمين وأجل
عمالهم وهو القيم بمصالح الجميع وقد قال
الحنفية: لا بأس أن يطلق الإِمام للقاضي من
الرزق ما يكفيه من بيت المال حتى لا يلزمه
مؤونة وكلفة، وأن يوسّع عليه وعلى عياله،
کیلا يطمع في أموال الناس، وروي أن رسول
الله آلټ لما بعث عتاب بن أسيد إلی مکة وولاه
أمرها رزقه أربعمائة درهم في كل عام (٢)،
(١) تبصرة الحكام ٢/ ١٣، ١٤، روضة القضاة ١ / ٣٤٣، أدب
القاضي للماوردي ٢ / ١٢٩، شرح منتهى الإرادات
٥٠١/٣
(٢) حديث: ((بعثه مَّل عتاب بن أسيد إلى مكة ... ))
ذكره السمناني في روضة القضاة (١ / ٨٦) ولم يعزه إلى أي
مصدر ولم نهتد إلى من أخرجه بتمامه، وذكر شطر توليته ابن كثير
في السيرة النبوية (٣ / ٦١٥)
وكذلك فرض الصحابة للقضاة رزقا من بيت
المال، وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن
جبل في الشام أن انظروا رجالاً من أهل
العلم من الصالحين من قبلكم فاستعملوهم
على القضاء، وأوسعوا عليهم في الرزق
لیکون لهم قوة وعلیھم حجة .
وما تقدم من جواز أخذ القاضي للرزق هو
في حالة كونه فقيراً، أما إن كان غنياً فقد
اختلف فقهاء الحنفية في ذلك فقال
بعضهم: لا يحل له الأخذ لأنه لاحاجة له
فيه، وقال آخرون: يحل له الأخذ والأفضل له
أن يأخذ، أما الحل فلأنه عامل للمسلمين
فكانت كفايته عليهم لا من طريق الأجر،
وأما الأفضلية، فلأنه وإن لم يكن محتاجاً إلى
ذلك فربما مجيء بعده قاض محتاج وقد صار
ذلك سنة ورسماً فيمتنع ولي الأمر عن
إعطائه، فكان الامتناع من الأخذ شحا بحق
الغير، وكان الأفضل هو الأخذ (١).
وقال المالكية والشافعية إن تعين عليه
القضاء وعنده كفاية تغنيه عن الارتزاق لم يجز
له أخذ شيء، وحكي عن الشاشي من
الشافعية أنه قال: يجوز لمن تعين عليه وله
(١) روضة القضاة ١/ ٨٥، بدائع الصنائع ٧/ ١٣، ١٤ طبع
الجمالية سنة ١٣٢٨ هـ، حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٨٠
- ٣١٧ -

قضاء ٥٨ - ٦٠
كفاية أخذ الرزق، أما من تعين عليه وهو
محتاج إلى الرزق فله الأخذ بقدر الكفاية وإن
لم يتعين عليه القضاء وهو محتاج إلى الرزق من
بيت المال فله أن يأخذ بقدر كفايته وكفاية
عياله على ما يليق بحالهم، وإن كان غنيا
فالأولى له أن لا یأخذ شيئا .
وزاد الشافعية أنه ينبغي للإِمام أن يجعل
من بيت المال شيئا من رزق القاضي لثمن
ورق المحاضر والسجلات وأجرة الكاتب (١).
وذهب الحنابلة إلى أن للقاضي طلب
الرزق من بيت المال لنفسه وأمنائه وخلفائه
مع الحاجة وعدمها لأن عمر رزق شريحا في
کل شهر مائة درهم وفرض لزيد وغيره، وأمر
بفرض الرزق لمن تولى القضاء، ولأنه لو لم يجز
فرض الرزق لتعطلت وضاعت الحقوق.
وقال أبو الخطاب من الحنابلة: يجوز له
أخذ الرزق مع الحاجة فأما مع عدمها فعلى
وجھین، والصحیح جواز أخذ الرزق علیه
بكل حال لأن عمر فرض الرزق لقضاته وأمر
بفرض الرزق لمن تولى القضاء (٢).
اشتراط الأجرة على القضاء:
٥٩ - یری الحنفية والحنابلة وهو المذهب عند
(١) تبصرة الحكام ١/ ٣٠، روضة الطالبين ١١/ ١٣٧، أدب
القضاء لابن أبي الدم الحموي ص ١٠١، ١٠٢
(٢) كشاف القناع ٦/ ٢٩٠، المغني لابن قدامة ٩/ ٣٧
الشافعية أنه لا يجوز الاستئجار على القضاء،
قال عمر رضي الله عنه: لا ينبغي لقاضي
المسلمين أن يأخذ على القضاء أجراً، وذلك
لأنه قربة يختص فاعله أن يكون في أهل
القربة فأشبه الصلاة ولأنه لا يعمله الإِنسان
عن غيره وإنما یقع عن نفسه، ولأنه عمل غير
معلوم، قال ابن قدامة: فإن لم يكن للقاضي
رزق فقال للخصمين لا أقضي بينكما حتى
تجعلا لي رزقا عليه جاز، ويحتمل أن لا يجوز
وفي فتاوى القاضي حسين من الشافعية وجه
أنه يجوز، والمذهب الأول وبه قطع الجمهور.
وفصل الماوردي الكلام في هذه المسألة بما
خلاصته: إن كان القاضي في حاجة إلى
الرزق وعمله يقطعه عن اكتساب المال
فيجوز له الأخذ بشرط أن يعلم الخصمين
قبل التحاكم إليه، وأن يأخذ منهما معا، لا
من أحدهما، وذلك بعد إذن الإِمام، وأن
يكون ما يأخذه من الخصمين لا يزيد على
قدر حاجته، ولا يضرّ بهما وأن يكون ذلك
القدر مشهوراً يتساوى فيه جميع الخصوم ما لم
يطل زمن خصومة الخصمين عما سواها (١).
التفتيش على أعمال القضاة:
٦٠ - ينبغي للإِمام أن يتفقد أحوال القضاة،
(١) ابن عابدين ٣ / ٢٨٢ - ٢٨٣، روضة الطالبين ١١ / ١٣٧،
وانظر روضة القضاة ١/ ١٣٢، أدب القاضي للماوردي
٢ / ٢٩٩، المغني ٩ / ٣٧، ٣٨
- ٣١٨ -

قضاء ٦٠ - ٦١
فإنهم قوام أمره، ورأس سلطانه، وكذلك
قاضي القضاة ينبغي أن يتفقد قضاته ونوابه
فیتصفح أقضیتهم، ويراعي أمورهم وسيرتهم
في الناس، إذ لا يجوز للقاضي تأخير الخصوم
إذا تنازعوا إليه إلا من عذر، ويأثم إذا أخر
الفصل في النزاع بدون وجه حق، ويعزر
ويعزل، ولا يجوز للقاضي تأخير الحكم بعد
وجود شرائطه إلا في ثلاث: الريبة، ولرجاء
صلح الأقارب، وإذا استمهل المدعي وكذا
المدعى عليه في حالة تقديم دفع صحيح
يطلب مهلة لإِحضار بينته (١).
مسئولية القاضي :
، اختلف الفقهاء في مسئولية القاضي،
هل يؤاخذ بما يقع في أحكامه من أخطاء أم
أنه لا تجوز مساءلته عن ذلك بسبب كثرة ما
يجري على يده من التصرفات والأحكام .
فذهب الحنفية إلى أن القاضي إذا أخطأ
في قضائه، بأن ظهر أن الشهود كانوا
محدودين في قذف، فالأصل أنه لا يؤاخذ
بالضمان، لأنه بالقضاء لم يعمل لنفسه بل
لغيره فكان بمنزلة الرسول، فلا تلحقه
العهدة .
ثم ينظر في المقضي به، فإن كان من
(١) معين الحكام ص ٣٦، رد المحتار ٥/ ٤٢٣، تبصرة الحكام
١/ ٧٧
حقوق العباد، بأن کان مالاً وهو قائم رده على
المقضي عليه، لأن قضاءه وقع باطلا ورد عين
المقضي به ممكن فيلزمه رده، لقوله ويلات:
((على اليد ما أخذت حتى تؤدي)) (١)، ولأنه
عین مال المدعى عليه، ومن وجد عين ماله
فهو أحق به، وإن كان هالكا فالضمان على
المقضي له، ولأن القاضي عمل له فكان
خطؤه عليه، ليكون الخراج بالضمان، ولأنه
إذا عمل له فكأنه هو الذي فعل بنفسه،
وإذا كان حقّا ليس بمال كالطلاق. بطل لأنه
تبين أن قضاءه كان باطلاً، وأنه أمر شرعي
يحتمل الرد فيرد بخلاف الحدود والمال
الهالك، لأنه لايحتمل الرد بنفسه فيرد
بالضمان .
وأما إن كان من حق الله عز وجل خالصا
فضمانه في بيت المال، لأنه عمل في الدعوى
لعامة المسلمين لعود منفعتها إليهم وهو
الزجر، فكان خطؤه عليهم ولا . يضمن
القاضي.
وإن كان القضاء بالجور عن عمد وأقرّ
به، فالضمان في ماله في الوجوه کلها بالجنایة
والإِتلاف، ويعزر القاضي ويعزل عن
(١) حدیث: «علی الید ما أخذت حتى تؤدي ... )).
أخرجه أبو داود (٣ / ٨٢٢) وأعله ابن حجر في التلخيص
(٥٣/٣) بالانقطاع .
- ٣١٩ -

قضاء ٦١
القضاء (١).
وقال المالكية: إن علم القاضي بكذب
الشهود وحکم بما شهدوا به من رجم أو قتل
أو قطع، فالقصاص علیه دون الشهود، أما
إذا لم يعلم فلا قصاص، وإن علم القاضي
بما يقدح في الشاهد كالفسق لزمته الدية،
وقال ابن القاسم: إذا عزل القاضي فادعى
أناس أنه جار عليهم: أنه لا خصومة بینهم
وبينه، ولاينظر فيما قالوا عنه إلا أن یری الذي
بعده جوْرًا بيّنًا فيردّه ولا شيء على
القاضي (٢).
وقال الشافعية: إذا حكم بشهادة اثنين
ثم بان کونهما ممن لا تقبل شهادتهما وجب على
القاضي نقض حكمه، فإن كان طلاقاً أو
عقداً فقد بان أنه لا طلاق ولا عقد حتى لو
كانت المرأة ماتت فقد ماتت وهي زوجته،
وإن كان المشهود به قتلا أو قطعا أو حداً
استُوفي وتعذر التدارك فضمانه على عاقلة
القاضي على الأظهر وفي بيت المال على القول
الآخر، وإنما تعلق الضمان بالقاضي لتفريطه
بترك البحث عن حال الشهود، ولا ضمان
على المشهود له، ولا على الشهود لأنهم ثابتون
على شهادتهم، وإذا غرمت العاقلة أو بيت
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٦، وابن عابدين ٥ / ٤١٨، وروضة
القضاة ١ / ١٥٤، ١٥٧
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٢١٠، تبصرة الحكام ١ / ٧٨
المال فهل يثبت الرجوع على الشهود، فيه
خلاف، والذي قطع به العراقيون أنه لا
ضمان على الشهود، ولا ضمان على المزكين،
وقال القاضي أبو حامد: يرجع الغارم على
المزكين لأنه ثبت أن الأمر على خلاف قولهم،
ولم يثبت أنه خلاف قول الشهود ولا رجوع لهم
في هذه الحالة على القاضي.
وإن کان المحكوم به مالا، فإن کان باقیا
عند المحكوم له انتزع، وإن كان تالفاً أخذ
منه ضمانه، فإن كان المحكوم له معسراً أو
غائبا، فللمحكوم عليه مطالبة القاضي ليغرم
له من بيت المال في قول ومن خالص ماله في
قول آخر لأنه ليس بدل نفس تتعلق
بالعاقلة، ويرجع القاضي على المحكوم له إذا
ظفر به موسراً، وفي رجوعه على الشهود
خلاف، وقياسا على ما سبق قيل: إنّ
المحكوم عليه يتخير في تغريم القاضي وتغريم
المحكوم له (١).
وقال الحنابلة: يجب الضمان على القاضي
إذا حكم بقطع أو قتل بمقتضى شهادة
شاهدین ظهر فيما بعد عدم جواز شهادتهما،
ولا قصاص عليه لأنه مخطىء وتجب الدية،
وفي محلها روايتان :
إحداهما: في بيت المال لأنه نائب
(١) روضة الطالبين ١١ / ٣٠٨، ٣٠٩
- ٣٢٠ -