النص المفهرس

صفحات 241-260

قسمة ٤٧ - ٤٩
مع الفارق، فلو لم تشرع الشفعة للزم ضرر
متجدد على الدوام، ولا كذلك البيع مع
الشريك (١)، ولعله لذلك عدل ابن رشد
الحفيد إلى الاستدلال بمجرد الاستصلاح
دفعا للضرر، مع أن فيه إنزال ضرر بالشريك
الممتنع، فهي إذن موازنة بين الضررين، ألا
تراه يقول: وهذا من باب القياس
المرسل (٢).
والحنابلة في معتمدهم يوافقون المالكية
على إجبار الشريك على البيع مع شریکه،
بل يطلقون القول بأن من دعا شریکه إلى
البيع في كل مالا ينقسم إلا بضرر أو رد
عوض أجبر على إجابته، فإن أبى بيع عليهما
وقسم الثمن ويزيدون أنه لو دعى إلى الإِجارة
أجبر أيضا (٣).
وقد ذهب كثير من الحنابلة إلى أن طلب
البيع ليس حتما لإِجبار الشريك على البيع مع
شريكه، بل يكفي طلب القسمة، لأن حق
الشريك في نصف القيمة لا في قيمة
النصف، فلا يصل إلى حقه إلا ببيع الكل،
ولذا أمر الشرع في السراية أن يقوم العبد
كله، ثم يعطى الشركاء قيمة حصصهم (٤).
(١) بدائع الصنائع ٢٠/٧، مغني المحتاج ٤٢٦/٤.
(٢) بداية المجتهد ٢ /٢٦٨.
(٣) الفروع ٨٤٦/٣.
(٤) قواعد ابن رجب ١٤٥ .
المسألة الثانية: عين الماء:
٤٨ - لاتقسم لاجبرا ولا تراضيا، إذ لايمكن
قسمها إلا بوضع حاجز فيها أو أكثر بين
النصيبين أو الأنصباء، وفي هذا من الضرر
ونقص الماء ما يجعل القسمة فسادا، أما
مجرى الماء إذا اتسع لمجريين، فإنه تصح
قسمته تراضيا لاجبرا، إذ لايمكن تحقق
المساواة، فقد يكون اندفاع الماء في جانب
أقوى منه في الآخر، کما أن الماء نفسه تمكن
قسمته تراضيا، كيفما شاء الشركاء، أما جبرا
فلا يقسم إلا بالقِلْدِ - وهو المعيار الذي
يتوصل به إلى إعطاء كل ذي حق حقه (١).
هكذا قرره المالكية (٢)، وأصول الحنفية
والشافعية والحنابلة لا تأبى من قسمة العين
نفسها تراضيا لا إجبارا، كما يفهم مما تقدم .
المسألة الثالثة: الاختلاف في رفع الطريق
ومقداره :
٤٩ - قال الحنفية: إذا اختلف المتقاسمون
في قسمة دار أو أرض، فقال بعضهم:
نقتسم ولا ندع طريقا، وقال بعض: بل
ندعه، فإن القاضي ينظر في التوفيق بين
المصلحة، وتحقيق معنى القسمة على الكمال
ما أمكن، فإن كان بوسع کل منهم أن يتخذ
(١) هذا هو المفهوم من سياق كلامهم، وفي محيط المحيط: القلد
(بكسر فسكون) الحظ من الماء، فقريب منه استعماله في الته.
(٢) الخرشي ٤ /٤١٠، بلغة السالك ٢٤٢/٢.
٥
- ٢٤١ -

قسمة ٤٩
لنفسه طريقا على حدة استوفى معنى
القسمة، ولم يبق شيئا مشتركا بينهم، وإلا
فالمصلحة تقتضي إبقاء طریق مشترك بينهم،
إذ لا يكمل الانتفاع بالمقسوم بدونه،
فيجبرهم على ذلك، يقسم ما عدا الطريق،
ويبقى الطريق على الشركة الأولى دون تغيير،
إلا أن يقع التشارط على شيء من التغيير،
كأن يتفقوا على أن يجعلوه بينهم على التفاوت
وقد كان على التساوي لأن القسمة على
التفاوت بالتراضي جائزة في غير الربويات، أو
على أن يجعلوا ملكية الطريق لبعضهم، وحق
المرور فحسب للآخرين، وقيدوه في الفتاوى
الهندية بأن تكون ملكية الطريق لمن ترك
مقابلا له من نصيبه، وأهملوه في المجلة (١)،
فإذا اختلفوا في مقدار الطريق فبالغ بعضهم
في سعته، وبعضهم في ضيقه، وبعضهم في
علوه، وبعضهم في انخفاضه، فإن القاضي
يجعله على عرض باب الدار وارتفاعه، لأن
هذا يحقق المقصود منه، ولا تتطلب الحاجة
أکثر من ذلك، وإنما يحدد ارتفاعه بما ذكرنا
لیتمکن الشرکاء من الانتفاع بهوائه وراء هذا
المقدار، كأن يشرع أحدهم جناحا، لأنه
حينئذ باق على خالص حقه، إذ الهواء فيما
فوق ارتفاع الباب مقسوم بينهم، كما أن هذا
التحدید یمنع عدوان أحدهم بالبناء أخفض
من ذلك فوق الطريق المشترك، إذ يكون
حينئذ بانيا على الهواء المشترك، وهو لا يجوز
دون رضا باقي الشركاء، هذا في طريق
الدار، أما طريق الحقل فيكون بمقدار مايمر
ثور واحد، إذ لابد للزراعة منه، فيقتصر فيه
على الحد الأدنى، وإن كان يحتاج إلى مرور
ثورين فإنه يحتاج أيضا إلى مرور عربة وما
إليها على فحش تفاوت الأحجام فلا يقف
عند حد (١).
والمذاهب الأخرى على خلافه أخذا
بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عنه الآتى :
((إذا اختلفتم في الطريق جُعِلَ عرضه سبعة
أذرع)) (٢)، ويحرص الحنابلة هنا على التنبيه
على أن حديثه وَليه في أرض مملوكة لجماعة
أرادوا البناء فيها، وتشاجروا في مقدار
مايتركونه منها للطريق، وأنه لاعلاقة له
إطلاقا بالطريق العام حتى يتمسك به في
جواز تضييقه إلى سبعة أذرع كما هو المتبادر
(١) تكملة فتح القدير ٣٦٦،٣٦٥/٨، رد المحتار ١٧٣/٥ .
ترى اللجنة أن هذا متأثر بأعراف زمانهم، أما الآن فقلما يحتاج
إلى مرور ثور وتكاد تكون الحاجة منحصرة في مرور العربات
والجرارات الزراعية فينبغي اتخاذ الحجم الغالب للجرارات
الزراعية معيارا. هذا متعين الآن لرفع الحرج والضرر، في كل
موطن بلغ من التقدم الزراعي هذا الحد.
(٢) نيل الأوطار ٢٦٢/٥، الخرشي ٢٧٧/٤، قواعد ابن رجب
٢٠٢.
وحديث: ((إذا اختلفتم في الطريق ... ))
أخرجه مسلم (١٢٣٢/٣).
(١) (م١١٤٥).
- ٢٤٢ -

قسمة ٤٩ - ٥٠
من كلام المالكية (١).
ونص المالكية والشافعية والحنابلة على أن
ليس للشريك في الطريق إشراع جناح فيه،
مهما کان ارتفاعه إلا برضا سائر الشركاء،
وإن كان عند كل من المالكية والشافعية رأي
بالجواز، بشريطة عدم الضرر بحجب ضوء
أو تعويق راكب مثلا، وهو مذهب المدونة
والأشبه بمذهب الحنفية (٢).
المسألة الرابعة: العلو والسفل :
٥٠ - العلو والسفل لبيت واحد أو لبيتين، أو
منزلين متلاصقين، في دار واحدة، وتصويره في
حالة التعدد أن يكون أحد الأمرين (العلو
والسفل) مشتركا بين اثنين والآخر لثالث (٣).
وهل العلو والسفل جنس (نوع) واحد
متحد الصفة فيقسمان قسمة جمع باعتبار
العين، لاباعتبار القيمة: أي أنهما يقسمان
بالذرع والمساحة، والقسم في الساحة من
السطح أو الأرض لا في البناء، أم هما جنس
واحد مختلف الصفة، فلا يمكن تعديل
قسمتهما قسمة جمع، إلا باعتبار القيمة؟
بالأول قال أبو حنيفة وأبو يوسف،
وبالثاني قال محمد، ومحل النزاع إنما هو في
(١) قواعد ابن رجب ٢٠٢، حواشي الخرشي ٤/ ٢٧٧ .
(٢) الخرشي ٤ /٢٧٨، منهاج الطالبين بتعليق السراج ٢٣٥، دليل
الطالب ١١٨ .
(٣) العناية بهامش تكملة فتح القدير ٣٦٦/٨ .
قسمة الإِجبار، لا في قسمة التراضي، إذ
للمتقاسمين أن يتراضوا على ماشاءوا في مثل
هذا الموضع .
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن
المقصود هنا هو السكنى، ولا تفاوت في أصل
السكنى بين علو وسفل، فلا نبالي بتفاوتهما
في مرافق أخرى من مثل استنشاق الهواء،
واتقاء الحر.
ووجه قول محمد: أنه لايمكن تجاهل
المرافق الأخرى لتأثيرها البالغ في قيمة العين،
وإلا كانت قسمة جائرة، والتعديل هو
أساس قسمة الإِجبار، ولا شك أن لكل من
العلو والسفل مرافقه الخاصة، ففي الوسع
أن يتخذ في السفل، دون العلو، بئر أو
سرداب أو اصطبل، وأن يتقى في العلو، دون
السفل التأثير الضار للرطوبة على الجدران
وأسسها، وأن يستنشق الهواء في وفرة ونقاء،
وأغراض الناس إذ تتعلق بهذه المرافق،
تتفاوت تفاوتا بعيد المدى في كل زمان
ومکان .
ويقول القدوري: قوّم كل واحد على
حدة، وقسم بالقيمة، ولا معتبر بغير ذلك،
ويقول صاحب الهداية: والفتوى اليوم على
قول محمد (١).
(١) تكملة فتح القافير ٣٦٦/٨.
- ٢٤٣ -

قسمة ٥٠
وبعد اتفاق أبي حنيفة وأبي يوسف على
القسمة بالذرع والمساحة، دون القيمة فقد
اختلفا في كيفية القسمة بالذرع أتكون ذراعًا
من السفل بذراع من العلو؟ أم ذراعا من
السفل بذراعين من العلو؟ بالثاني قال
أبو حنيفة، وبالأول قال أبو يوسف.
أما أبو يوسف فجرى على أصله من أن
المقصود السكنى، ولا تفاوت فيها، لأن
لصاحب العلو أن يبني على علوه دون رضاء
صاحب السفل أو غيره، كما أن لصاحب
السفل أن يبني على سفله دون رضاء من
أحد .
وأما أبو حنيفة، فلما كان من أصله أن
صاحب العلو ليس من حقه أن يبني على
علوه إلا برضا صاحب السفل، تحقق عنده
تفاوت في المقصود - وهو السكنى - على
الجملة، وإن لم يكن ثَمَّ تفاوت في أصل
السكنى، فصاحب السفل يسكن - وهذه
منفعة - وله أن يبني فوق سفله لیتوسع في
السکنی کما شاء۔ وهذه منفعة أخری ۔۔ ولیس
لصاحب العلو إلا منفعة واحدة، هي أصل
السكنى، دون التوسع فيها بالبناء على
علوه، فإذا كان ثَمَّ منفعة واحدة في مقابل
منفعتين كانت العدالة أن تكون القسمة
كذلك على الثلث والثلثين، لأن الثلث مع
منفعتين يعدل الثلثين مع منفعة واحدة .
فإذا كان سفل من بيت، وعلو من بيت
آخر، وكانا بين اثنين، وطلب أحدهما
قسمتهما، يقسم البناء بالقيمة دون نزاع من
أحد، وأما الساحة (العرصة) فتقسم بالذرع
أي المساحة، ذراعًا من السفل بذراعين من
العلو، أي على الثلث والثلثين عند الإِمام،
وذراعًا من السفل بذراع من العلو، أي على
التساوي عند أبي يوسف، وعند محمد
يقومان ويقسمان باعتبار القيمة، ولا يلزم
التساوي ولا التثليث، فإن استويا في القيمة
قسما ذراعًا بذراع، وإن كانت قيمة أحدهما
ضعف قيمة الآخر قسما ذراعًا من الأعلى
بذراعين من الآخر أيا ماكان.
فإذا كان بيت تام ( سفل وعلو)، وعلو
فقط من بيت آخر بين اثنين وطلب أحدهما
القسمة يقسم البناء بالقيمة، ثم تكون
قسمة الساحة أرباعا عند الإِمام، إذ يحسب
كل ذراع من البيت التام بثلاثة أذرع من
العلو وحده، وتکون أثلاثا عند أبي يوسف،
إذ يحسب ذراع من البيت التام بذراعين من
العلو فقط، وتكون القسمة عند محمد كما
تقتضيه قسمة القیمة، دون قيود.
وإذا كان بیت تام ( سفل وعلو)، وسفل
فقط من بيت آخر بعد طلب أحد الشريكين
يقسم البناء بالقيمة، ثم تكون قسمة
الساحة عند الإمام على أساس ذراع من
- ٢٤٤ -

قسمة ٥٠ - ٥١
البيت التام بذراع ونصف من السفل فقط،
وتكون عند أبي يوسف أثلاثا، إذ يحسب ذراع
من البيت التام بذراعين من السفل فقط،
ويقسم محمد حسب القيمة، کیفما
اقتضت.
هكذا قرر الحنفية هذه المسألة (١).
الآثار المترتبة على قسمة الأعيان :
إذا تمت قسمة الأعيان على الصحة ترتبت
عليها آثار شتى، من أهمها:
٥١ - أولا: لزوم القسمة :
قال الحنفية: تلزم القسمة إذا لم يوجد
سبب للخيار (ر: ف٥٤)، فإنها لاتقبل
الرجوع بالإِرادة المنفردة، بمعنى أن ينقضها
واحد أو أكثر ويرد المال إلى الشركة، دون
اتفاق من جميع المتقاسمين.
وتتم القسمة بتعيين القاسم لكل واحد
نصيبه، سواء أكان هذا القاسم هو قاسم
القاضي أم قاسما حكّموه بينهم ليقوم بهذا
التعيين، وإلزام كل واحد بالنصيب الذي
يفرزه له - سواء أكان ذلك بقرعة أم
بدونها (٢)، كما تتم إذا اقتسموا هم
بالتراضي - دون تحكيم محكم ملزم - واقترعوا
اقتراعا تاما خرجت به جميع الأجزاء (السهام)
(١) تكملة فتح القدير ٣٦٦/٨-٣٦٩، بدائع الصنائع ٢٧/٧.
(٢) تكملة فتح القدير ٣٦٣/٨. الفتاوى الهندية ٢١٧/٥.
لأربابها، ويكفي لذلك إجراء القرعة على
جميع الأجزاء عدا الجزء الأخير، لأنه يتعين
تلقائيا لمن بقي من الشركاء، وإذن فيكون
لبعضهم في هذه الحالة حق الرجوع أثناء
القرعة أي قبل أن تنتهي إلى هذه الغاية (١)،
فإذا لم يستخدموا القرعة واكتفوا بالتراضي على
أن يختص كل واحد منهم بنصیب بعينه، فإن
القسمة لاتتم بمجرد هذا التراضي، بل
يتوقف تماما على قبض كل واحد نصيبه، أو
قضاء القاضي (٢) .
وقالوا : إن كانت الدار بین رجلین فاقتسما
على أن يأخذ أحدهما الثلث من مؤخرها
بجميع حقوقه، ويأخذ الآخر الثلثين من
مقدمها بجميع حقوقه، فلكل واحد منهما أن
يرجع عن ذلك، مالم تقع الحدود بينهما، ولا
يعتبر رضاهما بما قالا قبل وقوع الحدود، وإنما
يعتبر رضاهما بعد وقوع الحدود.
فإذا كان هناك رجوع معتبر، أو اعتراض
وعدم رضا أعلن به حيث احتيج إلى الرضا،
فإن العدول بعد ذلك إلى الموافقة على
القسمة واستمرارها لايجدي فتيلا، لأن
القسمة ترتد بالرد (٣).
أما الرجوع باتفاق جميع المتقاسمين فهو
(١) رد المحتار ١٧٢/٥.
(٢) الفتاوى الهندية ٢١٧/٥.
(٣) رد المحتار ١٧٦/٥.
- ٢٤٥ -

قسمة ٥١
تقايل، وقد علمنا أن أصول الحنفية
ونصوص بعض متونهم وشراحهم تقتضي
إطلاق قبوله .
وعبارة متن تنوير الأبصار وشرحه:
القسمة تقبل النقض، فلو اقتسموا وأخذوا
حصصهم، ثم تراضوا على الاشتراك بينهم
صح، وعادت الشركة في عقار أو غيره (١).
أما المالكية فيطلقون القول بلزوم القسمة
إذا صحت، سواء بقرعة أم بدونها، ولاتصح
قسمة الإِجبار عندهم في غير المثلي إلا
بقرعة، ويذكرون أن من أراد الرجوع لم
يمكَّن منه، ويعللونه بأنه انتقال من معلوم
إلى مجهول (٢)، وهو تعليل يتبادر منه أيضا
منع التقایل باتفاق المتقاسمین، وقد صرح به
ابن رشد الحفيد، إذ يقول: القسمة من
العقود اللازمة، لايجوز للمتقاسمين نقضها
ولا الرجوع فيها، إلا بالطوارىء عليها (٣)،
وهو نقيض ماصرح به الدردير في قسمة
التراضي (٤)، لكن المدونة صريحة فيما قرره
الأولون: فقد سأل سحنون ابن القاسم:
أرأيت لو أن دارا بيني وبين رجل تراضينا في
أن جعلت له طائفة من الدار على أن جعل
(١) رد المحتار ١٧٦/٥.
(٢) الخرشي ٤١٢/٤، بلغة السالك ٢٤٣/٢ .
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٢٧٠.
(٤) بلغة السالك ٢٣٨/٢.
لي طائفة أخرى، فرجع أحدنا قبل أن تنصب
الحدود بيننا؟. فأجاب ابن القاسم: ذلك
لازم لهما، ولا يكون لهما أن يرجعا عند
مالك (١)، إلا أنه علله بأن القسمة بيع من
البيوع.
والحنابلة مع المالكية في أن القسمة لاتقبل
الرجوع بالإِرادة المنفردة ولا المجتمعة، لكن
فيما كان من القسمة محض تمييز حقوق،
وهذه هي القسمة بجميع أنواعها عدا قسمة
الرد في قيلِ اعتمده الحنابلة، أما ماهو منها
بيع، فإنه عندهم عقد لازم بمجرد التراضي
والتفرق. ويقبل التقايل كالبيع، إلا أنه إذا
استخدمت القرعة توقف لزوم القسمة على
خروجها، وعلى الرضا بالقسمة بعد خروج
القرعة، هذا في قسمة التراضي، أما في قسمة
الإِجبار، فيتوقف اللزوم على خروج القرعة
عند الحنابلة.
وقال الشافعية: إن وقعت القسمة بتراض
من الشریکین بغیر نزاع فلابد من رضا بها
بعد خروج القرعة، سواء في قسمة الإِفراز أو
الرد أو التعديل، أما في قسمة الرد والتعديل
فلأن كلا منهما بيع ، والبيع لا يحصل بالقرعة،
فافتقر إلى الرضا بعد خروجهما كقبله، وأما في
غيرهما فقياساعليهما ،وذلك كقولهما : رضينا بهذه
(١) المدونة ١٤ / ١٦٩.
- ٢٤٦ -

قسمة ٥١ - ٥٢
القسمة أو بهذا أو بما أخرجته القرعة ، فإن
وقعت إجبارا لم يعتبر فيها تراض،لاقبل القرعة
ولا بعدها، أو وقعت بدون قرعة أصلا بأن
اتفقا على أن يأخذ أحدهما أحد الجانبين
والآخر الآخر، أو أحدهما الخسيس والآخر
النفيس ويردّ زائد القسمة فلا حاجة إلى
تراض ثان بعد ذلك (١).
ثانيا - استقلال كل واحد بملك نصيبه
والتصرف فيه :
٥٢ - ذهب الفقهاء إلى استقلال كل واحد
من الشركاء بعد القسمة بملك نصيبه
والتصرف فيه کأي مالك فيمايملك،لأن هذا
هو ثمرة القسمة ومقصودها (٢).
ويذكر الحنفية هنا أن القسمة الفاسدة،
كالتي شرط فيها هبة أو صدقة أو بيع من
المقسوم أو من غيره يترتب عليها أيضا هذا
الاستقلال بعد القبض، وإن كان مع
الضمان بالقيمة، قياسا على البيع، ويردون
ما قال ابن نجيم في الأشباه من نفي هذا
الترتب، لأنه بناه على أن الفساد والبطلان في
القسمة سواء، وليس كذلك (٣)، والذي قاله
(١) المهذب ٣٠٩/٢، ونهاية المحتاج ٢٧٦/٨، الشرقاوي على
التحرير ٤٩٩/٢. والإنصاف ٣٥٤،٣٥٣/١١.
(٢) رد المحتار ١٦٦/٥، الخرشي ٣٩٩/٤، ومغني المحتاج
٤١٨/٤، والمغني ٤٨٨/١١
(٣) رد المحتار ١٧٦/٥، الفتاوى الهندية ٢١١/٥.
ابن نجيم هو مذهب الجماهير من غير
الحنفية (١) وقد ضرب صاحب البدائع هنا
عدة أمثلة لهذه التصرفات التي يملكها كل
واحد من المتقاسمین في نصیبه دون أن يكون
لمقاسمه حق الاعتراض أو المنع، وذلك إذا
يقول: لو وقع في نصيب أحد الشريكين
ساحة لابناء فيها، ووقع البناء في نصيب
الآخر، فلصاحب الساحة أن يبني في
ساحته، وله أن يرفع بناءه، ولیس لصاحب
البناء أن يمنعه، وإن کان یفسد عليه الريح
والشمس، لأنه يتصرف في ملك نفسه، فلا
یمنع منه، وكذا له أن يبني في ساحته مخرجا
أو تنورا أو حماما أو رحی، لما قلنا.
وكذا له أن يقعد في بنائه حدادا أو قصارا
- أي الذي يبيض الثياب (٢) - وإن كان
یتأذی به جاره، لما قلنا .
وله أن يفتح بابا أو كوة - أي الثقبة في
الحائط (٣) - لما ذكرنا، ألا ترى أن له أن
يرفع الجدار أصلا، ففتح الباب والكوة
أولى.
وله أن يحفر في ملكه بئرا أو بالوعة أو
کریاسا - أي كنيفا في أعلى السطح (٤) -
(١) أشباه السيوطي ٢٨٦ .
(٢) المصباح المنير.
(٣) المصباح المنير.
(٤) المصباح المنير.
- ٢٤٧ -

قسمة ٥٢ - ٥٤
وإن کان ھي بذلك حائط جاره، ولو طلب
جاره تحويل ذلك لم يجبر على التحويل، ولو
سقط الحائط من ذلك لايضمن، لأنه لاصنع
منه في ملك الغير، والأصل أن لايمنع
الإِنسان من التصرف في ملك نفسه، إلا أن
الكف عما يؤذي الجار أحسن (١) .
ثالثا: للمتقاسمین إحداث أبواب ونوافذ في
السكة المشتركة غير النافذة:
٥٣ - وهذا مما يقع كثيرا، لأن قسمة الدار
يترتب عليها إدخال تعديلات كثيرة، وتهيئة
مرافق لم تكن، وليس لسائر الشركاء في
السكة المذكورة الحيلولة دون ذلك، لأن
للمتقاسمين أن يزيلوا الجدران فأولى أن
يفتحوا فيها ماشاءوا من أبواب وکوی.
هكذا قرر صاحب البدائع من الحنفية،
وأطلقه (٢) والذي عند الشافعية أن الذي له
أن يفتح بابا في السكة غير النافذة هو من
کان من أهلها، وهو من له فیھا باب، لا من
لاصقها جداره، ثم الذي له فیھا باب
لايملك عندهم فتح باب آخر إلا إذا كان
أقرب إلى رأس السكة، وهو مفاد متون
الحنفية أيضا (٣)، لكن زاد الشافعية شريطة
أخرى لفتح باب جديد، هي أن يغلق
(١) بدائع الصنائع ٢٨/٧، ٢٩°.
(٢) بدائع الصنائع ٢٩/٧ .
(٣) شرح المجلة للأناسي ١١٧/٣.
الأول، هذا عند المشاحة، أما بالتراضي فلا
كلام (١).
كما أن المالكية يصرحون بمنع فتح باب
قبالة باب آخر لشريك في السكة غير
النافذة، لأنه يؤذيه ويسيء إلى أهله (٢).
مايطرأ على القسمة :
٥٤ - قد يطرأ على القسمة بعد وقوعها أمور
قد يرى الشركاء أو بعضهم بسببها إعادة
النظر بالقسمة ومنها :
أ - الغبن :
ذهب الفقهاء إلى أن الغبن في القسمة إذا
کان یسیرا محتملا فهذا قلما تخلو منه قسمة
ولذا لاتسمع دعوی من يدعیه ولاتقبل بینته،
أما الغبن الفاحش - الذي لايتسامح فيه
عادة، في كل قضية بحسبها - فهذا هو الذي
تسمع فيه الدعوى والبينة، والتفصيل في
مصطلح (غبن ف٧).
ب - العيب:
لم يحكم ببطلان القسمة بظهور العيب في
بعض الأنصباء إلا الحنابلة، وليس هو أصل
المذهب، وإنما أبدوه احتمالا بناء على أن
التعديل من شرائط القسمة (٣)، وأحال
الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب أحكام
(١) المنهاج بتعليق السراج ٢٣٥.
(٢) الخرشي ٢٧٨/٤، بلغة السالك ١٢٦/٢.
(٣) المغني ٥١٠/١١، والإنصاف ٢٦٣/١١.
- ٢٤٨ -

قسمة ٥٤ - ٥٦
العيب على أحكامه في البيع، وبسط المالكية
البحث في العيب في القسمة، والتفصيل في
مصطلح (عيب ف ٣٩).
جـ - الاستحقاق :
إذا استحق جميع المال المقسوم يتبين أن لا
قسمة لأنها لم تصادف محلا، وإذا استحق
نصيب أحد المتقاسمين أو بعض نصيبه ففي
ذلك تفصيل ينظر في مصطلح (استحقاق
ف ٣٦).
قسمة المنافع :
٥٥ - وتسمى قسمة المهايأة، بتحقيق الهمزة
وتسهيلها (١)، وهي في أصل اللغة: مفاعلة
من الهيئة قال في المصباح: تهايا القوم تهايؤا
من الهيئة، جعلوا لكل واحد هيئة معلومة
والمراد النوبة .
وهي شرعا: قسمة المنافع : لأن كل واحد
فيها، إما أن يرضى بهيئة واحدة ويختارها،
وإما أن الشريك الثاني يتنفع بالعين على
الهيئة التي وقع بها انتفاع شريكه الأول.
مشروعيتها :
٥٦ - القياس عند الحنفية يقتضي امتناع
قسمة المنافع لأنها مبادلة منفعة بجنسها
نسيئة، إذ كل واحد من الشريكين ينتفع
(١) حكى المالكية فيها عدة لغات فراجعها (الخرشي وحواشيه
٤ /٤٠٠).
بملك شريكه عوضا عن انتفاع شريكه
بملكه (١)، لكن ترك القياس إلى القول
بجوازها استحسانا، لما قام من دلائل
مشروعيتها إذ هذه المشروعية ثابتة بالكتاب
والسنة والإِجماع والمعقول:
أما الكتاب: فقوله عز اسمه - حكاية
عن نبيه صالح يخاطب قومه: ﴿هَذِهِ، نَاقَةٌ لًَّا
شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ (٢) إذ هو
يدل على جواز المهايأة الزمانية بنصه - بناء
على أن شرع من قبلنا شرع لنا، مالم يرد في
شرعنا ما ينسخه وما لم يقص علينا من غير
إنكار- وعلى جواز المهايأة المكانية بدلالته،
لأن هذه أشبه من المهايأة الزمانية بقسمة
الأعيان، إذ كلا الشريكين يستوفي حقه في
نفس الوقت، دون تراخ عن صاحبه (٣).
وأما السنة: فقد جاء (أنهم كانوا يوم بدر
بين ثلاثة نفر بعير يتهايئون في ركوبه)) (٤)
وهذه مهايأة زمانية، والمكانية أولى منها
بالجواز، كما علمناه.
وروي أن الرجل الذي رغب في خطبة
المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلوات الله
علیه حين رأى إعراض النبي، عرض إزاره
(١) نتائج الأفكار ٣٧٧/٨.
(٢) سورة الشعراء / ١٥٥.
(٣) البدائع ٣٢/٧.
(٤) حديث: ((أنهم كانوا يوم بدر بين ثلاثة نفر بعير ... ))
أخرجه أحمد (٢١٨/١) من حديث عبدالله بن مسعود.
- ٢٤٩ -

قسمة ٥٦ - ٥٧
مهرا ولم يكن له سواه، فقال صلوات الله
عليه: ((ما تصنع بإزارك؟ إن لَبِسْتَه لم يكن
عليها منه شيء، وإن لَبِسَتْه لم يكن عليك
شىء)) (١) - يشير إلى أن الشأن في قسمة مالا
ينقسم - ولا يحتمل الاجتماع على منفعته في
وقت واحد - أن يقسم على التهايؤ(٢).
وأما الإِجماع: فلا يعرف في صحة قسمة
المنافع على الجملة نزاع لأحد من أهل الفقه .
وأما المعقول: فلأن مالا يقبل القسمة،
قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع به في وقت
واحد، فلو لم تشرع قسمة المنافع لضاعت
منافع كثيرة، وتعطلت أعيان إنما خلقها الله
سبحانه لينتفع بها، ولا يستقيم هذا في عقل
أو شرع حکیم (٣).
محل قسمة المنافع :
٥٧ - تکون قسمة المنافع إذا صادفت محلها،
وتراضى عليها الشركاء، أو طلبها أحدهم
والقسمة العينية غير ممكنة، أو ممكنة ولكن لم
يطلبها شريك آخر، والمنفعة غير متفاوتة
تفاوتا يعتد به. أو تعذر الاجتماع على
(١) حديث: ((الرجل الذي رغب في خطبة المرأة التي وهبت نفسها
للنبي بَّ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧٨/٩) من حديث سهل بن
سعد .
(٢) الزيلعي على الكنز ٢٧٥/٥.
(٣) الزيلعي على الكنز ٢٧٥/٥.
الانتفاع (١).
والمنافع، کما هو فرض الكلام، أي منافع
الأعيان التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء
أعيانها، فلا يصح التهايؤ على الكتابة من
محبرة مثلا (٢)، ولا على الغلات المتمثلة أعيانا
بطبيعتها کالثمار واللبن، لأن التهایؤ الذي هو
شكل قسمة المنافع، إنما جاز ضرورة أن
المنافع أعراض سيالة لاتمكن قسمتها بعد
وجودها لتقضيها وعدم بقائها زمانين،
فقسمت قبل وجودها بالتهايؤ في محلها، أما
الأعيان التي هي غلات فتبقى وتمكن قسمتها
بذواتها، فلا حاجة إلى التهايؤ في قسمتها على
مافيه من الغرر (٣)، فالأراضي الزراعية
المشتركة بين اثنين تمكن قسمتها بالمهايأة :
كأن يأخذ كل واحد نصفها، أو يأخذها
أحدهما كلها فترة معينة من الزمن ثم الآخر
كذلك، لأن هذه قسمة منافع الأرض
بزراعتها، أما النخل وشجر الفاكهة يكون
بينهما فيتقاسمان على نحو ماقلنا في الأرض،
ليستقل كل بما يتحصل من الثمرة في حصته
أو في نوبته فلا سبيل إلى ذلك باتفاق الإِمام
وصاحبيه، لأن الثمار أعيان تمكن قسمتها
بعد وجودها، وكذلك البقر والغنم وما إليهما،
(١) مجمع الأنهر ٢ /٤٩٦ .
(٢) رد المحتار ١٧٦/٥.
(٣) تكملة فتح القدير ٣٨٣/٨، الزيلعي على الكنز ٢٧٧/٥ .
- ٢٥٠ -

قسمة ٥٧ - ٥٨
لاتجوز قسمة ألبانها بطريق المهايأة على نحو
ما سلف للمعنى ذاته (١)، ومثل الحنفية
لذلك برجلين تواضعا في بقرة بينهما على أن
تکون عند كل واحد منهما خمسة عشر يوما،
يجلب لبنها، كان باطلا، ولا يحل فضل اللبن
لأحدهما، وإن جعله صاحبه في حل، لأنه
هبة المشاع فیما یقسم، إلا أن یکون صاحب
الفضل استهلك الفضل، فإذا جعله
صاحبه في حل، كان ذلك إبراء من الضمان
فيجوز، أما حال قيام الفضل فيكون هبة أو
إبراء من العين، وأنه باطل (٢).
ويذكرون أن المخرج للمهايأة في الثمر أو
اللبن (٣) أن يشتري هذا حصة شريكه من
الأصل (أي الشجر أو الحيوان) ثم يبيعه إياه
كله بعد انقضاء نوبته ليبدأ ذاك نوبته،
حتی إذا انقضت باع صاحبه الأصل بدوره،
وهكذا دواليك، أو يستقرض حصة صاحبه
من اللبن أو الثمر، بأن يزن كل يوم ما
يخصه، حتى إذا انقضت نوبته استوفى
صاحبه بالوزن ماكان أقرض، إذ قرض
المشاع جائز، أصلا وتأجيلا (٤).
هكذا قرر الحنفية، وهو موضع وفاق من
(١) البدائع ٣٢/٧، وتكملة فتح القدير ٣٨٣/٨.
(٢) الفتاوى الهندية ٢٣٠/٥.
(٣) استثنوا من المنع لبن الآدمية، لأنه جار مجرى المنافع إذ لا قيمة
له. (الزيلعي علی الکنز ٢٧٧/٥).
(٤) تكملة فتح القدير ٣٨٣/٨، ورد المحتار ٥/ ١٧٧، ١٧٨.
غيرهم (١) إلا أن الشافعية والحنابلة يذكرون
أن المخرج في التهايؤ على الثمر واللبن هو
الإباحة، أي أن يبيح كل من الشريكين
نصيبه لصاحبه مدة نوبته، ويغتفر الجهل
لمكان الشركة وتسامح الناس (٢).
والمالكية قالوا في اللبن: يجوز التهايؤ عليه
إذا كان على الفضل البين، لأنه يخرج من
باب المعاوضات إلى باب المعروف البحت،
وذلك كما لو جعلا لبن البقرة لأحدهما يوما
وللآخر يومين (٣).
التراضي والإِجبار في قسمة المنافع:
٥٨ - قسمة المنافع أيضا تتنوع إلى قسمة
تراض وقسمة إجبار، ويستخلص من كلام
الحنفية أن قسمة المنافع في تنوعها هذا معتبرة
بقسمة الأعيان :
أ - فحيث اتحد الجنس واتفقت المنافع
يمكن أن تكون القسمة قسمة إجبار لغلبة
معنى الإفراز حينئذ، وذلك كما في قسمة دار
للسكنى، أو أرض للزراعة، باتفاق أبي
حنيفة وصاحبيه، أو دارين أو أرضين على
رأي الصاحبين إذا رأى القاضي وجه العدالة
في ذلك.
(١) نهاية المحتاج ٢٧٤/٨.
(٢) مغني المحتاج ٤٢٦/٤، ومطالب أولي النهى ٥٥٣/٦.
(٣) الخرشي ٤ /٤٠٩ .
- ٢٥١ -

قسمة ٥٨ - ٥٩
وإذن فإذا طلب المهايأة أحد الشريكين
أجبر الآخر عليها إلا أن يكون المحل قابلا
للقسمة العينية وطلبها هذا الآخر فإنها
تقدم، لأن فيها - مع وصول كل إلى حقه في
نفس الوقت - فائدة مقصودة: هي إفراز
الملك وتمييزه عن ملك الغير، بل لو وقعت
القسمة مهایاة بالفعل، وكان قد سکت هذا
الشريك فصحت، ثم بدا له فعاد فطلب
القسمة العينية، فإنه يجاب وتبطل قسمة
المهايأة، لما ذكر (١).
وهذا ينتظم العين المشتركة التي لاتقبل
القسمة، فيجبر على التهايؤ فيها إذا طلبه
أحد الشركاء (٢) وكذلك العين المستأجرة التي
لایمکن الاجتماع على الانتفاع بها، كدار
لاتسع إلا سكنى أحد الشریکین (٣).
ب - وحيث كان الأمر على العكس من
ذلك بأن اختلف الجنس کدار وأرض، أو
تفاوتت المنفعة، کدار تقسم مهایاة لیکون
بعضها حصة للسكنى والبعض الآخر حصة
للاستغلال، فلا إجبار ولا سبيل إلى قسمة
المهايأة إلا بالتراضي (٤).
٥٩ - ثم لافرق بين أن تكون القسمة
(١) نتائج الأفكار ٣٧٨/٨.
(٢) الزيلعي على الكنز ٢٧٥/٥ .
(٣) رد المحتار ١٧٧/٥ .
(٤) العناية مع تكملة فتح القدير ٣٨٠/٨.
بالمهايأة المكانية أو المهايأة الزمانية، إذ لكل
منهما مزیته، فالأولى أعدل، لوصول كل
واحد إلى حقه في نفس الوقت، والثانية
أکمل، لأن كل واحد ینتفع بالعین کلها،
ولذا لو اختلفا في التهايؤ على الدار: هذا
یطلب أن يسكن أحدهما في مقدمها، والآخر
في مؤخرها، وذاك يطلب أن يسكن أحدهما
جميع الدار شهرا، ثم الآخر شهرا آخر، فإن
القاضي لايجيب احدهما، إذ لا رجحان
لأحد، وإنما يأمرهما بأن يتفقا، ثم إذا اتفقا
على المهايأة الزمانية أقرع بينهما لتعيين من له
البداءة، وإن اتفقا على المهايأة المكانية،
ولكن تنازعا مكانا بعينه أقرع بينهما ليتعين
بالقرعة لكل واحد مكانه (١).
وقد ذهب إلى قصر الإِجبار على المهايأة
المكانية صاحب المحرر من الحنابلة حيث
لاتنطوي القسمة على ضرر (٢)، ولكن الذي
اعتمده الحنابلة خلافه: وهو نفي الإِجبار في
قسمة المنافع كلها، قبلت العين القسمة
العينية أم لم تقبلها، اتفقت المنفعة أم
اختلفت، وهو الذي قال به المالكية
والشافعية (٣) لأن في هذه القسمة معنى
المعاوضة على العموم، إذ كل واحد من
(١) العناية ٨ /٣٨٠، ورد المحتار ١٧٦/٥ .
(٢) الإنصاف ٣٤٠/١١ .
(٣) الخرشي ٤ /٤٠١، ومغني المحتاج ٤٢٦/٤.
- ٢٥٢ -

قسمة ٥٩
الشریکین ینتفع بنصیب صاحبه أو حصته
عنده لقاء انتفاع صاحبه بنصیبه أو حصته،
ولأن المنفعة معدومة عند القسمة، ولا يدري
أحد من المتقاسمين ما يحصل له منها
ومالايحصل، ثم لأن في المهايأة الزمانية خاصة
غبنا لمن تتأخر نوبته.
لكن يقرر البلقيني من الشافعية أن المانع
الحقيقي من دخول الإِجبار في قسمة المهايأة
هو بقاء العلقة بالشركة في العين ذاتها، ولذا
فإن المنافع المملوكة بغير حق ملك الذات،
كما في الإِجارة والوصية، تقبل الإِجبار على
قسمتها (١)، وفي نهاية المحتاج ما يفيد أنه
أحد وجهين في المذهب، والوجه الآخر هو
إطلاق القول بعدم الإِجبار، إلا في حالة
الضرورة کما سيجيء (٢).
وفي تنقيح الحامدية كلام مستدرك عن
عدم الإِجبار على تهايؤ المستأجرين (٣).
وذكر الشافعية أن الشركاء قد یأبون من
قسمة المهايأة فيما لايقبل القسمة العينية،
فحينئذ يؤجره القاضي عليهم أو يجبرهم على
إيجاره، مدة قريبة كسنة، فإن تعذر الإيجار
لکساد لایرجی انقشاع غمته من قریب، فإنه
یبیع علیهم، لكن ربما تعذر البيع أيضا،
(١) مغني المحتاج ٤٢٦/٤.
(٢) نهاية المحتاج ٢٧٢/٨ .
(٣) شرح المجلة للأناسي ١١٩/٤.
وهنا يقول الزركشي: يجبرهم على المهايأة إذا
طلبها أحدهم، ولا يعرض عنهم إلى الصلح
کما في العارية، لأنه ضرر عام وکثیر (١)ولابن
البناء من الحنابلة نحوه، إلا أنه لم يذكر
البيع (٢)، ومعلوم موقف المالكية المتميز
ومعهم موافقوهم في الإِجبار على البيع، لكن
بطلب أحد الشركاء (ر: ف٤٧).
وقد مضى أبو حنيفة في غير العقار على
وتيرة واحدة. إذ منع المهايأة على غلة الكراء
وحکم ببطلانها، لأنها عين وتمكن قسمتها،
فيبقى المال المشترك دون مهايأة، ثم ما
يتحصل من غلته يقتسمه الشركاء بينهم،
فعنده لايصح التهايؤ على استغلال الدابة أو
الدابتين (٣).
ولكنه استثنى غلة العقار، فألحقها
بالمنافع، وجوز التهايؤ على قسمتها، فلا
مانع منه في الدار الواحدة أو الدارين،
والأرض الواحدة أو الأرضين، سواء أكان
التهايؤ زمانيا أم مكانيا، فاحتاج إلى الفرق
بين العقار والحيوان مثلا فوجده في كثرة الغرر
في الحيوان، لأن تعرضه للتغيرات أكثر، ففي
المهايأة عليه تكون المعادلة، التي هي من
(١) مغني المحتاج ٤٢٦/٤، ونهاية المحتاج ٢٧٢/٨ .
(٢) الإنصاف ٣٤٠/١١.
(٣) تكملة فتح القدير ٣٨١/٨-٣٨٣، والهندية ٢٣١/٥، ورد
المحتار ١٧٧/٥ .
- ٢٥٣ -

قسمة ٥٩ - ٦٠
شرائط القسمة، في مظنة الفوات، ولا
كذلك في العقار: فإن الظاهر فيه بقاء
التعادل القائم عند القسمة.
ثم فرق بين المهايأة المكانية والمهايأة
الزمانية - على الاستغلال - ففي المكانية إذا
زادت الغلة في نوبة أحد الشريكين عنها في
نوبة الآخر لايشتركان في الزيادة، بل تخص
من وقعت في نوبته، لقوة معنى التمييز
والإِفراز في هذا النوع من القسمة، بسبب
اتحاد زمان استيفاء كل حقه، وفي الزمانية
يشتركان في الزيادة، لضعف هذا المعنى
فیها، بسبب تعاقب استیفاء کل حقه،
فيقدر معنى القرض ليحصل التعادل: كأن
هذا أقرض نصيبه من غلة هذا الشهر على أن
يستوفي من نصيب الآخر في الشهر الثاني،
ويقدر أن كلا منهما وكيل عن صاحبه في
تأجير نصيبه فإذا استوفى المقرض قدر قرضه
کان الباقي مشتركا بينهما (١).
ومنع المهايأة على الغلة - بمعنى
الكراء (٢) - هو مذهب المالكية الذي
لايختلفون علیه، فیما قلَّ وكثر، لأنها تتفاوت،
ويدخلها من الغرر ما يدخل كل مالا انضباط
له، حتى لقد ردوا قول محمد بن عبدالحكم :
(١) الزيلعي على الكنز ٢٧٧/٥ .
(٢) في المصباح: الكراء (بالمد). الأجرة.
يسهل ذلك في اليوم الواحد. ولم يعتبروه
معبرا عن المذهب. نعم إذا انضبطت الغلة،
كما في حالات التسعير الجبري بواسطة
السلطات الحاكمة فذاك (١).
كيفية قسمة المنافع
٦٠ - قسمة المنافع تتنوع إلى نوعين: وإن
شئت فقل تکون بإحدی صورتین:
أ - مهايأة زمانية: وهي التناوب على
الانتفاع بالعين المشتركة كاملة مدة معلومة
من الزمن تتناسب في جانب كل من
الشريكين أو الشركاء مع نصيبه في العين
المشتركة، إلا أن ينزل عن شيء بطيب نفس
منه، كأن يتهايأ الشريكان على أن يزرعا
الأرض أو يسكنا الدار: هذا سنة وهذا سنة،
ولا مفر من هذه الكيفية في المهايأة على البيت
الصغير، وكل مالا تنقسم عينه فيتهايا
الشريكان على أن تكون لأحدهما سكنى
الدار أسبوعا أو أكثر أو أقل ثم للآخر
كذلك .. وهكذا.
لكن أبا حنيفة خلافا لصاحبيه يمنع
الإِجبار على التهايؤ في ركوب الدابة، يركبها
هذا يوما مثلا وهذا يوما، لفحش التفاوت
النازل منزلة اختلاف الجنس بين ركوب
وركوب: فرب راكب حاذق ورب آخر
(١) الخرشي وحواشيه ٤٠١/٤.
- ٢٥٤ -

قسمة ٦٠
أخرق، والدابة حيوان أعجم لايستطيع أن
يرفض حين يساء استعماله (١).
ب - مهايأة مكانية: وهي أن يستقل كل
واحد من الشريكين أو الشركاء بالانتفاع
ببعض معين من المال المشترك، مع بقاء
الشركة في عين المال بحالها، ولا يشترط بيان
مدة لأنها ليست مبادلة محضة، بل معنى
الإِفراز فيها أغلب (٢) فالدار الواحدة القابلة
للقسمة، والأرض الواحدة، يمكن بلا
خلاف أن يتهايأ الشريكان فيها على أن
یسکن أو يزرع أحدهما مقدمها، والآخر
مؤخرها، وإذا كان في الدار علو وسفل،
أمكن أن يتهاياً على أن يسكن أحدهما العلو
والآخر السفل، إجبارا، لأن هذا كله
لايختلف أبو حنيفة وصاحباه في الإخبار على
قسمته قسمة أعيان، وقسمة المنافع معتبرة
بقسمة الأعيان .
والداران يمكن كذلك أن يتهايا
الشريكان على أن يسكن هذا هذه وهذا
هذه، وكذلك الأرضان زراعة والفرسان
ركوبا، وهذا أيضا بلا خلاف، وقد كان
يتوهم في الإِجبار عليه خلاف أبي حنيفة
اعتبارا بقسمة الأعیان، ولکنه - في ظاهر
(١) مجمع الأنهر ٢ /٤٩٧، وتكملة فتح القدير ٣٨١/٨، والبدائع
٣٢/٧٠
(٢) نتائج الأفكار ٣٧٩/٨.
الرواية - نظر هنا إلى أن التفاوت في قسمة
المنافع وحدها لايتفاحش تفاحشه في قسمة
الأعيان، فلم يفرق هنا بين دار ودارين
وأرض وأرضین.
على أنه في غير ظاهر الرواية مضى على
أصله في قسمة الأعيان فمنع الإِجبار على
قسمة المنافع في الدارين والأرضين قسمة
جمع، بل روي عنه امتناع المهايأة فيهما
بإطلاق، جبرا وتراضيا، أما جبرا فلما
تقدم، وأما تراضيا فلأنها بيع المنفعة
بجنسها نسيئة (١).
أما التهایؤ على دابتين للركوب من جنس
واحد: كفرسین عربیتین، يأخذ هذا واحدة
والآخر الأخرى، فأبو حنيفة - خلافا
لصاحبيه الناظرين إلى قسمة الأعيان - على
أصله من أن الركوب في حكم جنسين
مختلفين، ولذا لايملك من استأجر دابة
ليركبها أن يؤجرها للركوب، ولو فعل
لضمن، فلا یمکن الإِجبار على هذا التهايؤ،
أما بالتراضي فلا بأس (٢)
هذا تقرير مذهب الحنفية، ويوافقهم
الشافعية والحنابلة على كيفية قسمة المنافع،
وتنوعها إلى مهاياة زمانية ومهايأة مكانية،
(١) تكملة فتح القدير ٣٨١،٣٨٠/٨.
(٢) البدائع ٣٢/٧، وتكملة فتح القدير ٣٨١/٨، ومجمع الأنهر
٤٩٧/٢.
- ٢٥٥ -

قسمة ٦٠ - ٦١
٠٠٠
ونص الحنابلة على أنه لايشترط فيها بيان
مدة (١).
أما عند المالكية: فالمذهب أنه يشترط
لصحة قسمة المنافع تعیین الزمان، سواء اتحد
المقسوم أو تعدد، وقيل: إنه لايشترط تعيين
الزمان في المتعدد، فإن عين الزمان فهي لازمة،
وإن لم یعین الزمان فلكل منهما أن ينحل متی
شاء، وقال ابن الحاجب وابن عبدالسلام :
إن تعيين الزمان شرط اللزوم وليس شرط
الصحة، قال الدسوقي: إن عين الزمن في
القسمة صحت ولزمت في المقسوم المتحد
والمتعدد، وإن لم يعين فسدت في المتحد
اتفاقا وفي المتعدد خلاف، فابن الحاجب
يقول بضحتها، وابن عرفة بفسادها (٢).
الآثار المترتبة على قسمة المنافع :
٦١ - إذا تمت قسمة المنافع على الصحة،
ترتبت عليها آثارها، ومن هذه الآثار:
أولا: عدم لزومها: بمعنى أن لكل
شريك أن ينقض المهايأة متى شاء، لكن
هذا مشروط بشرائط ثلاث عند الحنفية:
الشريطة الأولى: أن تكون القسمة عن
تراض، فلا يملك شريك الانفراد بنقض
قسمة الإِجبار، وإلا لغا معنى الإِجبار فيها،
(١) مغني المحتاج ٤٢٦/٤، ومطالب أولي النهى ٥٥٣/٦ .
(٢) حاشية الدسوقي ٤٩٨/٣.
فإذا اتفق الشريكان على النقض، فهو حقهما
يريان فيه ماشاءا، مادام الفرض انحصار
الشرکة فیھما .
الشريطة الثانية: عدم تعلق حق
أجنبي : فلو أن أحد الشریکین کان قد أجر
الدار أو الأرض مثلا في نوبته، ولم تنته مدة
الإجارة بعد ، فإنه لايملك هو ولا شريكه
نقض المهايأة، رعاية لحق المستأجر (١).
الشريطة الثالثة: أن يكون للراجع عذر:
كان يريد بيع نصيبه، أو القسمة العينية، أما
أن يريد العودة إلى الشركة في المنافع كما كانت
قبل المهايأة، فليس له حق الرجوع، لكن
هذا خلاف ظاهر الرواية، وجروا عليه في
المجلة (٢). أما ظاهر الرواية فيعطيه حق
الرجوع ونقض القسمة سواء أكان له عذر أم
لا (٣).
وقد أطلق الشافعية والحنابلة القول بأن
قسمة المنافع غير لازمة، وقد ذهب ابن تيمية
إلى أنها لاتكون غير لازمة إلا بعد انقضاء
الدور (يعني في المهايأة الزمانية) أما في أثنائه
فلا (٤)، ولكنهم لم يلتفتوا إليه، واكتفوا بأن
من استوفى من المنافع شيئا لم يستوف شريكه
(١) الفتاوى الهندية ٢٣٠/٥.
(٢) المجلة م ١١٩٠.
(٣) رد المحتار ١٧٧/٥، والهندية ٢٢٩/٥.
(٤) الإنصاف ٣٤٠/١١.
- ٢٥٦ -

قسمة ٦١
مثله، تکون علیه أجرة مثل حصة شريكه،
كما لو تلفت العين (١)، وهذا هو مقتضى
كلام عياض في المهايأة المكانية، أما المهايأة
الزمانية فلازمة باتفاق المالكية، وقد علم أنها
عندهم لاتكون إلا زمانية، فحكمها اللزوم
مالم تنقض المدة كالإِجارة (٢).
ثانيا: أنها لاتنتهي بموت أحد الشريكين
أو كليهما: لأنها لو انتهت لاحتاج القاضي إلى
تجديدها، لأنها تكون أكثر ماتكون، فيما
لاينقسم، ولابد إذن أن الورثة سيطلبون
إعادتها، ولو فرضناها فيما ينقسم، فقد
يطلبون إعادتها (٣)، ولم يتعرض غير الحنفية
لهذه المسألة.
ثالثا: أنها تنتهي بتلف العين: كما لو
ماتت الدابة، أو الدابتان أو إحداهما، أو
انهدمت الدار، أو الداران أو إحداهما،
لفوات محل القسمة، وهذا مالا يحتمل
الخلف (٤).
رابعا : أنه لاضمان إذا انتهت بغیر فسخ،
قال الحنفية: إذا تهاياً في دابتین استخداما،
فماتت إحداهما، انتقضت المهایاة. ولو ندت
إحداهما الشهر كله، واستخدم الآخر الشهر
(١) مغني المحتاج ٤٢٦/٤، ومطالب أولي النهى ٥٥٣/٦ .
(٢) الخرشي ٤ / ٤٠١،٤٠٠ .
(٣) البدائع ٣٢/٧، والعناية ٣٧٨/٨.
(٤) الفتاوى الهندية ٢٣٠/٥، ومغني المحتاج ٤٢٦/٤.
كله، فلا ضمان ولا أجرة، وكان يجب أن
یکون علیه نصف أجرة المثل، ولو عطب
أحد الخادمين في خدمة من شرط له هذا
الخادم فلا ضمان عليه (١)، وكذا المنزل لو
انهدم (٢)، وهذا الذي أشاروا إلى استدراكه
بقولهم: وكان يجب أن يضمن نصف أجرة
المثل هو مذهب الشافعية والحنابلة (٣).
خامسا: اختصاص كل شريك بالتصرف
فيما وقع له بالمهايأة في حدود طبيعة العقد،
أي قسمة المنافع، ويصرح الحنفية بأنه ليس
لأحد من الشریکین أن يحدث بناء أو ینقضه
أو يفتح بابا (٤) .
ويدخل في هذا الأثر حق الاستغلال،
ولكنها مسألة مهمة فنفردها بالبحث:
حق الاستغلال :
لكل واحد من الشريكين حق استغلال
ما أصاب بالمهايأة، أي تأجيره للغير، وأطلق
في الهداية ثبوت هذا الحق بالمهايأة، سواء
شرط في العقد أم لم يشرط، ردًا على من زعم
توقفه على شرطه، وعلله بأن المنافع تحدث
على ملكه، فلا فرق بين انتفاعه بها بنفسه
مباشرة وانتفاعه بها بطريق التأجير.
(١) أي على من وقع العطب في يده لأنه أمين.
(٢) الفتاوي الهندية ٢٣٠/٥.
(٣) مغني المحتاج ٤٢٦/٤، ومطالب أولي النهى ٥٥٣/٦ .
(٤) الفتاوى الهندية ٢٢٩/٥.
- ٢٥٧ -

قسمة ٦١
ونقضوه بالعارية، على أصل الحنفية: من
أن المنافع فيها تحدث أيضا على ملك
المستعير، فإنه مع ذلك لا يملك الإِجارة - فإن
کان حذرا من رجوع المستعير، فلم لا يكون
هنا كذلك - حذرا من رجوع الشريك (١).
ولكنه نقض غير وارد بناء على أصل
الشافعية وموافقيهم من أن المستعير لا يملك
المنفعة، وإنما يملك حق الانتفاع، ولذا
يعرفونها بأنها: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع
به مع بقاء عينه (٢)، وقد فرق صاحب
البدائع بين حالتين:
أ - حالة المهايأة المكانية: وهذه يسلم فيها
بحق الاستغلال بإطلاق. وبنفس العلة
الآنفة، ويعقب هنا قائلا: وبه يتبين أن
المهايات في هذا النوع ليست بإعارة، لأن
العارية لاتؤجر (٣).
ب - حالة المهايأة الزمانية: وهذه نَّقَل
فیھا روایتین:
إحداهما: للقدوري: وهي تمنع
الاستغلال، بناء على أن هذا النوع من
المهايات عارية، والعارية لاتؤجر، والأخرى
للأصل، وهي مصرحة بجواز الاستغلال
(١) نتائج الأفكار ٣٧٩/٨
(٢) الشرقاوي على التحرير ٩٠/٢، والباجوري على ابن قاسم
٢ /٩.
(٣) البدائع ٣٢/٧.
وقسمة الزائد منه، وقد حاول صرفها عن
ظاهرها، نقلا عن بعض من تقدمه (١).
لكن شراح الهداية رفضوا البناء على أنها
عارية، لمكان المعاوضة فيها (٢).
سادسا: أنه لاضمان للنقص بالاستعمال
ففي الفتاوى الهندية: لو عطب أحد
الخادمين في خدمة من شرط له هذا الخادم،
فلا ضمان عليه، وكذلك المنزل لو هدم من
سکنی من شرط له، فلا ضمان، وكذلك لو
احترق المنزل من نار أو قدها فيه (أي بلا
تعد) فلا ضمان (٣).
وقد صرح به الشافعية إذ قالوا : إن ید کل
واحد من المتهايئين يد أمانة (٤)، وهو
مقتضى نص المالكية على أنها كالإِجارة (٥)،
ولكن الحنابلة يقولون بالضمان كالعارية (٦)
أي إن الشريك يضمن التلف في نوبته بغير
الاستعمال المعتاد۔۔ وإن لم یفرِّط ۔ كما لو كان
بسرقة أو حريق (٧).
(١) البدائع ٣٣/٧.
(٢) العناية ٣٨٠/٨.
(٣) الهندية ٢٣٠/٥.
(٤) نهاية المحتاج ١٧١/٨ .
(٥) بلغة السالك ٢٧٧/٢.
(٦) يشبهونها بالعارية برغم أنهم قائلون - كالشافعية (المهذب
٣٠٨/٢) - بأنها معاوضة (المغني ٥١٢/١١) وفي هذا يقول
ابن قدامة: لنا أنه بذل منافع ليأخذ شيئا ليعيره شيئا آخر إذا
احتاج إليه). (المغني ٥١٣/١١).
(٧) مطالب أولي النهى ٥٥٣/٦.
- ٢٥٨ -

قصاص ١ - ٤
قِصاص
التعريف :
١ - من معاني القصاص في اللغة: تتبع
الأثر، يقال: قصصت الأثر تتبعته .
ومن معانيه: القَوَدَ، يقال: أقصّ
السلطان فلانًا إقصاصا: قتله قوداً، وأقصَّه
من فلان: جرحه مثل جرحه، واستقصّه:
سأله أن یقصه .
قال الفيومي : ثم غلب استعمال
القصاص في قتل القاتل، وجرح الجارح
وقطع القاطع (١) .
وفي الاصطلاح: القصاص أن يُفعل
بالفاعل الجاني مثل ما فعل (٢).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الثأر:
٢ - الثأر في اللغة: الدم، والطلب به .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحى عن المعنى
اللغوي (٣) .
.. (١) المصباح المنير.
(٢) التعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه للبركتي.
(٣) القاموس المحيط، والمغرب.
والعلاقة بين الثأر والقصاص: أن
القصاص يقتصر فيه على الجاني المكافىء فلا
يؤخذ غيره بجريرته، أما الثأر فلا يبالي ولي
الدم في الانتقام من الجاني أو سواه .
ب - الحدُّ:
٣ - الحدّ في اللغة: المنعِ، والحاجز بين
الشيئين، ومنه سمي البواب حدّادا للمنع
من الدخول (١).
وفي الاصطلاح: عقوبة مقدرة وجبت
حقًّا لله تعالى.
والعلاقة بين الحد والقصاص: أن كليهما
عقوبة على جناية، إلا أن الأول وجب حقا
الله تعالى غالبا، والثاني وجب حقا للمجني
عليه أو أوليائه .
(ر: حدود ف ١ - ٢).
جـ - الجناية :
٤ - الجناية في اللغة: الذنب والجرم، وتجنّی
عليه: إذا ادَّعى ذنبا لم يفعله (٢).
وفي الاصطلاحِ، قال ابن عابدين: هي
اسم لفعل محرم حلَّ بمال أو نفس (٣).
والعلاقة بين الجناية والقصاص:
(١) مختار الصحاح.
(٢) القاموس المحيط ولسان العرب.
(٣) ابن عابدين ٣٣٩/٥، والطحطاوي على الدر ١ / ٥١٩
- ٢٥٩ -

قصاص ٤ - ٧
السببية، فقد تكون الجناية سببا لوجوب
القصاص (١).
د - التعزير:
٥ - التعزير في اللغة: التوقير، والتعظيم
والتأديب، ومنه الضرب دون الحد (٢)
وفي الاصطلاح: عقوبة غير مقدرة وجبت
حقًّا لله تعالى أو لآدمي، في معصية ليس فيها
حد ولا كفارة غالبا (٣).
والعلاقة بين التعزير والقصاص: أن
القصاص مقدر بما يساوي الجناية، والتعزير
غير مقدر بذلك. ثم إن القصاص حق
للمجني عليه أو لأوليائه، أما التعزير فقد
یکون كذلك، وقد یکون حقِّ الله تعالى.
هـ - العقوبة :
٦ - العقوبة في اللغة: اسم من عاقب
يعاقب عقابا ومعاقبة، وهو أن تجزي الرجل
بما فعل سوءًا، وعاقبه بذنبه: إذا أخذه
به (٤).
وفي الاصطلاح عرّفها ابن عابدين بأنها:
جزاء بالضرب أو القطع أو الرجم أو القتل،
وسمي بها لأنها تتلو الذنب، ومن تعقّبه: إذا
(١) البدائع ٧ / ٢٣٤
(٢) مختار الصحاح.
(٣) المبسوط ٣٦/٩، وكشاف القناع ٧٢/٤، والأحكام السلطانية
للماوردي ص ٢٢٤، ونهاية المحتاج ٧٢/٧.
(٤) لسان العرب.
تبعه (١).
.
والعلاقة بين العقوبة والقصاص عموم
وخصوص مطلق، فالقصاص ضرب من
العقوبة .
الحكم التكليفي :
٧ - اتفق الفقهاء على أن حكم القصاص
الوجوب على ولي الأمر إذا رفع إليه من
مستحقه، ومباح طلبه من قبل مستحقه إذا
استوفی شروطه، فله أن يطالب به، وله أن
يصالح عليه، وله أن يعفو عنه، والعفو
أفضل، ثم الصلح.
وسواء في ذلك كله أن تكون الجناية على
النفس أو على ما دونها (٢).
وذلك لقوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَتْلِىّ الْخُرُّ بِالْخُرُّ
وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنَّ﴾ (٣)، وقوله
سبحانه: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا
لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفِ فىِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ
مَنْصُورًا﴾ (٤)، وقوله جل من قائل: ﴿ وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ
بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِآلْأَنْفِ وَالْأُذُنَ ◌ِلْأُذُنِ وَالسِّنَ
(١) ابن عابدين ١٤٠/٣.
(٢) ابن عابدين ٣٤٠/٥، ٣٤٢ - ٣٥٧، والمغني ٧٤٢/٧،
والدسوقي ٢٤٠/٤، ومغني المحتاج ٦/٤.
(٣) سورة البقرة/ ١٧٨
(٤) سورة الإسراء/ ٣٣
٨
- ٢٦٠ -