النص المفهرس
صفحات 201-220
قَسْم بين الزوجات ٢٢ - ٢٣
٠
فاتها حظها من زوجها أثناء سفره مع غيرها
من الزوجات، فقد ترفهت بالدعة والإِقامة
فتقابل الأمران فاستويا، ولو سافر الزوج
بواحدة أو أكثر من زوجاته دون رضاهن أو
القرعة أثم، وقضى للأخريات مدة
السفر (١).
وقالوا: إن خرج بإحداهن بقرعة ثم أقام
قضى مدة الإقامة لخروجها عن حكم السفر،
وذلك إذا ساكن المصحوبة، أما إذا اعتزلها مدة
الإقامة فلا يقضي (٢).
وقالوا: من سافر لنقلة حرم عليه أن
یستصحب بعضهن دون بعض ولو بقرعة،
بل ينقلهن أو يطلقهن، وإن أراد الانتقال
بنسائه فأمکنه استصحابهن كلهن في سفره
فعل ولم یکن له إفراد إحداهن به، لأن هذا
السفر لا يختص بواحدة بل يحتاج إلى نقل
جميعهن، فإن خص إحداهن بالسفر معه
. قضى للباقيات، وإن لم يمكنه صحبة
جمیعهن أو شق علیه ذلك وبعث بهن جميعا
مع غيره ممن هو محرم لهن جاز، ولا يقضي
لأحد ولا يحتاج إلى قرعة لأنه سوی بینهن،
وإن أراد إفراد بعضهن بالسفر معه لم يجز إلا
بقرعة، فإذا وصل إلى البلد الذي انتقل إليه
(١) مغني المحتاج ٢٥٨/٣ وأسنى المطالب ٢٣٧/٣، والمغني
٤١/٧.
(٢) مغني المحتاج ٢٥٨/٣، المغني ٤١/٧ .
فأقامت معه فیه قضی للباقیات (١).
ونص الشافعية على أن السفر الذي
تتعلق به هذه الأحكام هو السفر المباح، أما
غیره فلیس للزوج أن يستصحب فيه بعضهن
بقرعة ولا بغيرها، فإن فعل عصى ولزمه
القضاء للزوجات الباقيات (٢).
قضاء ما فات من القسم :
٢٣ - اتفق الفقهاء على أن العدل في القسم
بین الزوجات واجب على الزوج، فإن جار
الزوج وفوت على إحداهن قسمها فقد
اختلفوا في قضاء ما فات من القسم:
فقال الحنفية والمالكية: لا يقضي الزوج
المبيت الذي کان مستحقا لإحدى زوجاته ولم
يوفه لها، لأن القصد من المبيت دفع الضرر
وتحصين المرأة وإذهاب الوحشة، وهذا يفوت
بفوات زمنه، فلا يجعل لمن فاتت ليلتها ليلة
عوضا عنها لأنه حينئذ يظلم صاحبة تلك
الليلة التي جعلها عوضا، ولأن المبيت لا يزيد
على النفقة وهي تسقط بمضي المدة عند
الحنفية (٣).
وقال الشافعية والحنابلة: على الزوج أن
يقضي ما فات من القسم للزوجة إذا لم يكن
ذلك بسبب من جانبها کنشوزها أو إغلاقها
(١) مغني المحتاج ٢٥٨/٣، المغني ٤٢/٧ - ٤٣.
(٢) مغني المحتاج ٢٥٨/٣ .
(٣) رد المحتار ٤٠٠/٢ - ٤٠١، جواهر الإكليل ٠٣٢٧/١
- ٢٠١ -
قَسْم بین الزوجات ٢٣ - ٢٤
بابها دونه ومنعها إياه من الدخول عليها في
نوبتها (١).
وأسباب فوات القسم متعددة: فقد
يسافر الزوج بإحدى الزوجات فيفوت القسم
لسائرهن .. وقد سبق بيان حكم القضاء
لهن تفصيلا .
وقد يتزوج الرجل أثناء دورة القسم
لزوجاته وقبل أن يوفي نوبات القسم
المستحقة لهن، فيقطع الدورة ليختص
الزوجة الجديدة بقسم النكاح، مما يترتب
عليه فوات نوبة من لم يأت دورها فيجب
القضاء لها . . وقد سبق بيان ذلك.
وقد يفوت قسم إحدى الزوجات
بسفرها، وفي ذلك تفصيل عند الشافعية
والحنابلة :
قالوا: إن سافرت بغير إذنه لحاجتها أو
حاجته أو لغير ذلك فلا قسم لها، لأن القسم
للأنس وقد امتنع بسبب من جهتها فسقط،
وإن سافرت بإذنه لغرضه أو حاجته فإنه
يقضي لها ما فاتها بحسب ما أقام عند ضرتها
لأنها سافرت بإذنه ولغرضه، فهي كمن عنده
وفي قبضته وهو المانع نفسه بإرسالها، وإن
سافرت بإذنه لغرضها أو حاجتها لا يقضي لها
(عند الحنابلة وفي الجديد عند الشافعية) لأنها
(١) نهاية المحتاج ٣٧٦/٦ - ٣٧٧، المغني ٣٣/٧.
.
فوتت حقه في الاستمتاع بها ولم تكن في
قبضته، وإذنه لها بالسفر رافع للإِثم خاصة .
وأضاف الشافعية: لو سافرت لحاجة
ثالث - غیرها وغیر الزوج - قال الزركشي:
فيظهر أنه كحاجة نفسها، وهو - كما قال
غيره - ظاهر إذا لم يكن خروجها بسؤال الزوج
لها فيه، وإلا فيلحق بخروجها لحاجته بإذنه،
ولو سافرت وحدها بإذنه لحاجتهما معا لم
يسقط حقها كما قال الزركشي وغيره بالنسبة
للنفقة ومثلها القسم، خلافا لما بحثه ابن
العماد من السقوط (١)
وقد یفوت قسم إحدی الزوجات بتخلف
الزوج عن المبيت عندها في نوبتها أو بخروجه
أثناء نوبتها، فإن كان الفوات للنوبة بكاملها
وجب قضاؤها كاملة، وإن كان الفوات
لبعض النوبة کان خرج ليلا ۔ فیمن عماد
قسمه اللیل ۔ وطال زمن خروجه ولو لغیر بیت
الضرة .. فإنه يجب القضاء وإن أكره على .
(٢)
الخروج (٢).
تنازل الزوجة عن قسمها :
٢٤ - اتفق الفقهاء على أنه يجوز لإِحدى
زوجات الرجل أن تتنازل عن قسمها، أو
(١) مغني المحتاج ٢٥٧/٣، نهاية المحتاج ٣٧٩/٦ - ٣٨٠،
كشاف القناع ٢٠٥/٥.
(٢) نهاية المحتاج ٣٧٦/٦، المغني ٣٣/٧.
- ٢٠٢ -
قَسْم بين الزوجات ٢٤
تهب حقها من القسم لزوجها أو لبعض
ضرائرها أو لهن جميعا، وذلك برضاالزوج،لأن
حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه
لأنها لا تملك إسقاط حقه فى الاستمتاع بها،
فإذا رضيت هي والزوج جاز، لأن الحق في
ذلك لهما لا يخرج عنهما، فإن أبت الموهوبة
قبول الهبة لم يكن لها ذلك لأن حق الزوج في
الاستمتاع بها في كل وقت ثابت وإنما منعته
المزاحمة بحق صاحبتها، فإن زالت المزاحمة
بهبتھا ثبت حقه في الاستمتاع بها وإن کرهت
كما لو كانت منفردة (١)، وقد ثبت أن سودة
بنت زمعة رضي الله تعالى عنها وهبت يومها
لعائشة رضي الله تعالى عنها، فكان رسول الله
وَل* ((يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة))(٢).
ويعلق الشافعية على هذه الهبة بقولهم:
هذه الهبة ليست على قواعد الهبات، ولهذا لا
يشترط قبول الموهوب لها أو رضاها، بل يكفي
رضا الزوج، لأن الحق مشترك بين الواهبة
وبينه، إذ ليس لنا هبة يقبل فيها غير الموهوب
له مع تأهله للقبول إلا هذه (٣).
وقال الشافعية والحنابلة: إن وهبت ليلتها
(١) رد المحتار ٤٠١/٢، فتح القدير ٣٠٣/٣، الشرح الكبير
٣٤١/٢، مغني المحتاج ٢٥٨/٣، المغني ٣٨/٧.
(٢) حديث: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة ..
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣١٢/٩)، مسلم (١٠٨٥/٢)
من حديث عائشة.
(٣) نهاية المحتاج ٣٨١/٦، مغني المحتاج ٢٥٨/٣.
لجميع ضرائرها، ووافق الزوج، صار القسم
بینهن، كما لو طلق الواهبة، وإن وهبتها
للزوج فله جعلها لمن شاء: إن أراد جعلها
للجميع، أو خص بها واحدة منهن، أو جعل
لبعضهن فيها أكثر من بعض (١).
وقيل - عند الشافعية - ليس للزوج أن
يجعل الليلة الموهوبة له حيث شاء من بقية
الزوجات، بل يسوي بينهن ولا يخصص لأن
التخصيص يورث الوحشة والحقد، فتجعل
الواهبة كالمعدومة (٢).
وعند الشافعية كذلك أن إحدى
الزوجات لو وهبت ليلتها للزوج ولبعض
الزوجات، أو له وللجميع، فإن حقها يقسم
على الرءوس، كما لو وهب شخص عينا
لجماعة (٣) .
وقال الشافعية والحنابلة: إن وهبت
إحدى الزوجات ليلتها لواحدة جاز، ثم إن
كانت تلك الليلة تلي ليلة الموهوبة وَالَى
بينهما، وإن كانت لا تليها لم يجز الموالاة بينهما
إلا برضاء الباقيات، ويجعلها لها في الوقت
الذي كان للواهبة، لأن الموهوبة قامت مقام
الواهبة في ليلتها فلم يجز تغییرها كما لو كانت
باقية للواهبة، ولأن في ذلك تأخیر حق غيرها
(١) مغني المحتاج ٢٥٨/٣، المغني ٣٩/٧.
(٢) مغني المحتاج ٢٥٩/٣ .
(٣) مغني المحتاج ٢٥٩/٣، نهاية المحتاج ٣٨١/٦.
- ٢٠٣ -
قَسْم بین الزوجات ٢٤ - ٢٥
وتغییرا لليلتها بغير رضاها فلم يجز، وكذلك
الحكم إذا وهبتها للزوج فآثر بها امرأة منهن
بعینها .
وفي قول عند الشافعية ووجه عند الحنابلة.
أنه يجوز للزوج أن يوالي بين الليلتين لعدم
الفائدة في التفريق (١).
وللزوجة الواهبة الرجوع متى شاءت،
فإذا رجعت انصرف الرجوع من حينه إلى
المستقبل، لأنها هبة لم تقبض فلها الرجوع
فيها، وليس لها الرجوع فيما مضى لأنه بمنزلة
المقبوض، ولو رجعت في بعض الليل كان
على الزوج أن ينتقل إليها، فإن لم يعلم حتى
أتم الليلة لم يقض لها شيئا لأن التفريط
منها(٢).
ونص بعض الحنفية على ما يوافق
الشافعية والحنابلة في المسائل السابقة (٣).
العوض للتنازل عن القسم :
٢٥ - اختلف الفقهاء في أخذ الزوجة المتنازلة
عن قسمها عوضا على ذلك.
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز لها
ذلك، لا من الزوج ولا من الضرائر، فإن
أخذت لزمها رده واستحقت القضاء، لأن
(١) مغني المحتاج ٢٥٨/٣، المغني ٣٩/٧.
(٢) مغني المحتاج ٢٥٩/٣، المغني ٣٩/٧.
(٣) فتح القدير ٣٠٣/٣.
العوض لم يسلم لها، وإنما لم يجز أخذ العوض
عن قسمها لأنه ليس بعين ولا منفعة، ولأن
مقام الزوج عندها ليس بمنفعة ملكتها .
وأضاف الحنابلة: إن كان العوض غير
المال مثل إرضاء زوجها وغيره عنها جاز (١) فإن
عائشة رضي الله تعالى عنها أرضت رسول الله
وَلّ عن صفية رضي الله تعالى عنها وأخذت
يومها، وأخبرت بذلك رسول الله وَ ثله فلم
ینکره (٢).
قال ابن تيمية: قیاس المذهب جواز أخذ
العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره
ووقع في كلام القاضي ما يقتضي جوازه (٣).
وذهب المالكية إلى أن أخذ العوض على
ذلك جائز، فقالوا: جاز للزوج إيثار إحدى
الضرتين على الأخرى برضاها، سواء كان
ذلك بشيء تأخذه منه أو من ضرتها أو من
غيرهما، أو لا، بل رضيت مجانا، وجاز للزوج
أو الضرة شراء يومها منها بعوض، وتختص
الضرة بما اشترت، ويخص الزوج من شاء بما
اشترى، وعقب الدسوقي بقوله: وتسمية
هذا شراء مسامحة، بل هذا إسقاط حق لأن
(١) فتح القدير ٣٠٣/٣، مغني المحتاج ٢٥٨/٣، المغني
٣٩/٧ - ٤٠.
(٢) حديث إرضاء عائشة رسول اللّه وليه عن صفية
أخرجه ابن ماجة (٦٣٤/١ - ٦٣٥) من حديث عائشة وقال
البوصيري في الزوائد (٣٤٣/١) إسناده ضعيف.
(٣) كشاف القناع ٢٠٥/٥، ٢٠٦، الإنصاف ٣٧١/٨، ٣٧٢.
- ٢٠٤ -
قَسْم بين الزوجات ٢٥ - ٢٦، قسمة ١
المبيع لابد أن يكون متمولا (١).
ما يسقط به القسم:
٢٦ - يسقط حق الزوجة في القسم بإسقاطها
ويسقط بالنشوز كما تسقط به النفقة . . وذلك
باتفاق الفقهاء، ومن النشوز أن تخرج بغير
إذنه أو تمنعه من التمتع بها .. قال
الشافعية: ولو بنحو قبلة وإن مكنته من
الجماع حيث لا عذر في امتناعها منه، فإن
عذرت کان کان به صنان مستحکم - مثلا -
وتأذت به تأذيا لا يحتمل عادة لم تعد ناشزة،
وتصدق في ذلك إن لم تدل قرينة قوية على
كذبها .. وسقوط حق الناشرة في القسم لأنها
بخروجها على طاعة زوجها وامتناعها منه
رضيت بإسقاط حقها في القسم.
ولا تستحق القسم زوجة صغيرة لا تطيق
الوطء، وكذا المجنونة غير المأمونة، والمحبوسة
لأن في إلزام زوجها بالقسم لها إضرارا به حیث
يدخل الحبس معها ليوفيها قسمها، والزوجة
المسافرة لحاجتها وحدها بإذن زوجها (٢).
(١) حاشية الدسوقي ٣٤١/٢.
(٢) رد المحتار ٤٠٠/٢، جواهر الإكليل ٣٢٧/١، نهاية المحتاج
٣٧٣/٦ - ٣٧٤، المغني ٢٨/٧ - ٤٠، كشاف القناع
٥/ ٢٠٤.
قسمة
التعريف :
١ - القسمة لغة: النصيب، وجعل الشيء أو
الأشياء أجزاء أو أبعاضا متمايزة .
قال الفيومي: قسمته قسما، من باب
ضرب: فرزته أجزاء فانقسم، والموضع مَقِسِم
مثل مسجِد، والفاعل قاسم، وقسّام
مبالغة، والاسم القِسم (بالكسر) ثم أطلق
على الحصة والنصيب، فيقال: هذا قسمي،
والجمع أقسام، مثل حمل وأحمال، واقتسموا
المال بينهم، والاسم القسمة، وأطلقت على
النصيب أيضا (١).
وفي الاصطلاح: جمع نصيب شائع في
معيَّن: أي في نصيب معين (٢)، وإنما كانت
جمعا للنصيب بعد تفرق، لأنه كان قبل
القسمة موزعا على جميع أجزاء المشترك،
مامن جزء ۔ مهما قلّ ۔ إلا ولكل واحد من
الشركاء فيه بنسبة مَالَهُ في المجموع الكلي،
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) البحر الرائق ١٦٧/٨، وتكملة فتح القدير ٨/ ٣٤٧ .
- ٢٠٥ -
٠
قسمة ١ - ٥
ثم صار بعد القسمة منحصرا في جزء معین
لاتتخلله حقوق أحد من بقية الشركاء، ولو
كانت الجزئية باعتبار الزمان، كما في المهايأة
الزمانية .
الألفاظ ذات الصلة :
أ ۔ البيع :
٢ - البيع لغة: مقابلة شيء بشيء، أو دفع
عوض وأخذ ماعوض عنه (١).
واصطلاحا: مقابلة مال بمال على وجه
مخصوص (٢).
والصلة بين القسمة والبيع: أن القسمة
أعم، فقد تكون بیعا وقد تكون غير ذلك.
ب - الإفراز:
٣ - الإفراز لغة: التنحية أي عزل شيء عن
شيء وتمييزه (٣).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
والصلة: أن القسمة قد تكون بالإِفراز،
وقد یقصد بها بیان الحصص دون إفراز، کما
في المهايأة فهي أعم من الإِفراز.
ج - الشركة :
٤ - الشركة لغة: اسم مصدر شرك، وهي :
(١) لسان الغرب والمصباح المنير.
(٢) شرح الروض ٢/٢ .
(٣) المصباح المنير وتاج العروس:
خلط النصيبين واختلاطهما، والعقد الذي
يتم بسببه خلط المالين حقيقة أو حكما (١).
ومن معانيها في الاصطلاح: أن يختص
اثنان فصاعدا بشيء واحد أو ماهو في
حکمه (٢) .
والصلة بين القسمة والشركة التضاد.
مشروعية القسمة :
٥ - القسمة مشروعة، ودليل مشروعيتها
الكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب: ففي كثير من الآي: من
مثل: ﴿ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
◌ُسَهُ، وَ لِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْبَتَمَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ (٣)، وقوله
سبحانه: ﴿لِِّّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّاتَرَكَ الْوَالِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّاتَرَكَ الْوَالِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَ مِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرُّ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا﴾ (٤)، وقوله سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ فِّ أَمْوَلِهِمْ
حَقٌّ مَعْلُومُ حَ لِلِسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥)، وقوله
سبحانه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى
وَاُلْيَى وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْلَمْ
قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ (٦).
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) ابن عابدين ٣٤٣/٣، ومغني المحتاج ٢١١/٢.
(٣) سورة الأنفال / ٤١ .
(٤) سورة النساء / ٦ .
(٥) سورة المعارج / ٢٤ .
(٦) سورة النساء / ٧.
- ٢٠٦ -
قسمة ٥ - ٦
٠٠ ....
وأما السنة: فقوله صلوات الله وسلامه
عليه وفعله وتقريره:
فمن قوله: حديث أبي هريرة رضي الله
عنه: ((إذا قُسِّمت الأرض وَحُدَّت، فلا
شفعة فيها)) (١)، وفي معناه حديث جابر
رضي الله عنه: ((قضى النبي وه لي بالشفعة في
كل مالم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت
الطرق، فلا شفعة)) (٢).
ومن فعله: ((أنه * كان يقسم الغنائم
بين المسلمين)) (٣)، وفي حديث سهل بن
أبي حثمة رضي الله عنه: ((قسم رسول الله
﴾﴾ خیبر نصفین: نصفا لنوائبه وحاجاته،
ونصفا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية
عشر سهما)) (٤).
وأما تقريره: فلا شك أن قسمة المواريث
وغيرها كانت تقع على عهده صلوات الله
وسلامه عليه، فیسدد ولا ینکر.
وأما الإِجماع: فقد کان الناس - ومازالوا -
(١) حديث: ((إذا قسمت الأرض وحدت ... ))
أخرجه أبو داود (٧٨٥/٣) من حديث أبي هريرة، وقال
الشوكاني في نيل الأوطار (٣٣١/٥): رجال إسناده ثقات.
(٢) حديث جابر: ((قضى النبي بالشفعة في كل مالم
يقسم . .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٣٦/٤).
(٣) حديث: أنه ﴾ ((كان يقسم الغنائم ... ))
أخرجه البخاري: (فتح الباري ٥٣/٨) من حديث أنس.
(٤) حديث سهل بن أبي حثمة: ((قسم رسول الله {# خيبر
نصفين . . .))
أخرجه أبو داود (٤١٠/٣) ونقل الزيلعي في نصب الراية
(٣٩٧/٣) قول صاحب التنقيح: إسناده جيد .
منذ عهد رسول الله صلوات الله وسلامه.
عليه حتى يومنا هذا يتعاملون بالقسمة في
المواريث وفي غیر المواريث، دون نکیر من
أحد. قال صاحب البدائع: فكانت
شرعيتها متوارثة (١).
ويقول الفقهاء: إن القسمة توفر علی کل
شریك مصلحته كاملة، وبعبارةأخرى : إنها
لتكميل نفع الشريك (٢)
تكييف القسمة :
٦ - اختلف الفقهاء في القسمة هل هي بيع
أم محض تمييز حقوق؟
يذهب العلماء في ذلك مذاهب أربعة:
المذهب الأول :
أنها بيع بإطلاق، وعليه مالك وبعض
أصحابه، لكنه خلاف المشهور عندهم (٣) ،
وبعض. الشافعية، وصححه جمع من قدامى
أصحابهم، والرافعي والنووي (٤)، وبعض
الحنابلة، وهو رواية عن أحمد (٥).
وقالوا: إن كل جزء من المال مشترك بين
(١) البدائع ١٧/٧. ورد المحتار ١٦٦/٥، وتكملة فتح القدير
٢٤٨/٨، ومغني المحتاج ٤١٨/٤، والمغني لابن قدامة
٤٤٨/١١.
(٢) بدائع الصنائع ١٧/٧، ومغني المحتاج ٤١٨/٤، وقواعد ابن
رجب ص ١٤٤.
(٣) التحفة وحواشيها ٦٨/٢، والفواكه الدواني ٣٢٧/٢.
(٤) مغني المحتاج ٤ /٤٢٤، ونهاية المحتاج ٢٧٥/٨ .
(٥) منتهى الإرادات ٦١٨/٢؛ والإنصاف ٣٤٧/١١.
- ٢٠٧ -
قسمة ٦
الشريكين، فإذا أخذ أحدهما نصف الجميع
فقد باع ماترك من حقه بما أخذ من حق
ضاحبه (١)، أو كما قال ابن قدامة: لأنه
يبدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب
صاحبه من السهم الآخر، وهذا حقيقة
البيع (٢) .
المذهب الثاني :
أنها محض تمييز حقوق بإطلاق، وعليه
بعض الشافعية ومعهم المجد بن تيمية من
الحنابلة، وكذلك بعض المالكية إذا لم تقع
القسمة جزافا (٣).
وقالوا: إن لوازم القسمة تخالف لوازم
البيع، واختلاف اللوازم يدل على اختلاف
الملزومات .
المذهب الثالث:
أنها تمییز حقوق في بعض دون بعض،
فعند جمهور المالكية، وهي رواية المدونة عن
مالك (٤): تمییز حقوق فيما تماثل - أي كان
من نوع واحد، مع تساوي الرغبات
والقيمة: كالدور والفدادين المتقاربة في
(١) المهذب للشيرازي ٣٠٦/٢.
(٢) المغني ١١ / ٤٩١ .
(٣) مغني المحتاج ٤٢٤،٤٢٣/٤، وقواعد ابن رجب ٤١٢،
ومطالب أولي النهى ٥٥٠/٦، والتحفة وحواشيها ٦٨/٢ .
(٤) ١٩٨/١٤ .
المسافة عرفا (١)، المتساوية في القيمة عند
أهل الخبرة وفي الرغبة لدى الشركاء - أو
تقارب (وقد یقال : تجانس) - ککل مایلبس
من الثياب، لأن الغرض الأهم هو
اللبس (٢)، فالقطن والصوف والحرير
وغيرها، من مخيط وغير مخيط، تدخل في
عداد المتقارب (٣) - إذا وقعت قسمته بطريق
القرعة ، أما فيما عدا ذلك فبيع.
وعند جمهور الشافعية: تمييز حقوق في
قسمة المتشابهات - وذلك حيث تتساوى
الأنصباء صورة وقيمة، سواء في ذلك المثلي
كالحبوب والنقود وغيره كالدار المتفقة الأبنية:
في كل من جانبيها مثل مافي الآخر مع انقسام
العرْصة (الساحة) الفاصلة بين المبنيين،
والأرض الزراعية وغير الزراعية التى تتشابه
أجزاؤها كذلك - بيع فيما عدا ذلك (٤).
وعند جمهور الحنابلة وبعض الشافعية :
تمييز حقوق فيما عدا قسمة الردّ، أما في قسمة
الرد فبيع .
وقسمة الرد - كما سيجيء ـ هي التي
يستعان في تعديل أنصبائها بمال أجنبي :
(١) بلغة السالك ٢٤٠/٢، والتحفة وحواشيها ٢ /٦٨ -٦٩
(٢) بلغة السالك ٢٤١/٢.
(٣) ومن المتقارب (المتجانس) البُخْت من الإِبل مع العراب منها،
والجاموس مع البقر، والغنم مع المعز، لا البغال مع الحمير.
(الخرشي ٤٠٢/٤، والتحفة وحواشيها ٦٩/٢)، وفي المصباح
المنير: العراب من الإِبل خلاف البخاتي.
(٤) التجريد المفيد ٣٧٠/٤، ومغني المحتاج ٤٢٢٠٤٢١/٤.
- ٢٠٨ -
قسمة ٦
كأرض بين اثنين في أحد جانبيها مالا يقبل
القسمة - کمعدن أو بناء أو بئر ماء - وربما
كانت قيمته وحده تعدل قيمة الأرض كلها أو
تزيد (١).
فمن وجهة نظر الحنابلة وموافقيهم من
الشافعية: أن الرادّ إنما بذل مقابل ماحصل
له من حق شريكه عوضا عنه، وهذا هو
معنى البيع (٢)، أما في غير قسمة الرد
فیتمسك بتغایر اللوازم، كما تمسك أرباب
المذهب الثاني (٣).
وبعض الشافعية - الذين هم من أرباب
المذهب الثالث - لاينازعون في أن قسمة الرد
بیع، ولکنهم يقولون کذلك أيضا: كل
قسمة أخرى يحتاج فيها إلى تعديل الأنصباء
بواسطة التقویم، لیصیر ما یأخذه بها كل
شريك حقا خالصا له، إذ التقويم تخمين
يخطىء ويصيب: كما في دارٍ بعضها لَبِن،
وبعضها حجر، وأرض بعضها جيد وبعضها
رديء، وبستان بعضه نخل وبعضه کرم
(وتسمى قسمة تعديل) - وربما قيل: لو
كانت قسمة التعديل بيعا لما قبلت الإِجبار
كقسمة الرد.
(١) المغني ١١ /٤٩١، ومطالب أولي النهى ٥٤٩/٦،
٥٥٨،٥٥٠، والمهذب ٣٠٦/٢.
(٢) المهذب ٣٠٦/٢، والمغني ١١ / ٤٩٢.
(٣) المهذب ٢ /٣٠٦، والمغني ١١ / ٤٩١.
وقد قيل في مذهب الشافعية بعدم قبولها
الإِجبار فعلا (١)، ولكنه خلاف ما اعتمدوه،
ولم يلتفتوا - في معتمدهم - لكونها بيعا إلحاقا
لتساوي الأجزاء قيمة بتساويها حقيقة،
ولدعاء الحاجة، فإن الرغبات تتعلق
بتخليص الحق من المزاحمة وسوء المشاركة،
وكما يبيع الحاكم مال المديون جبرا، ولم تحكم
هذه الحاجة في قسمة الرد، لأن الإِجبار فيها
يكون إجبارا على دفع مال غير مستحق (٢).
والمفهوم من كلام المالكية أن المتساوى في
المقصود الأهم یعتبر کالمتساوی من کل وجه،
لإِمکان التجاوز عن الفرق حينئذ، سيما وهو
يعدل بالقيمة : فالذي يأخذ نصيبه من هذا
أو من ذاك یکون آخذا لعين حقه، وهذا هو
معنى تمييز الحقوق (٣)
.
المذهب الرابع :
القسمة لاتخلو من المعنيين، إلا أنه في
قسمة المثلي يغلب معنى تمييز الحقوق
(الإفراز) وفي قسمة القيمي يغلب معنى
البيع، وهذا هو مذهب الحنفية لا يختلفون
عليه (٤)
وقالوا: إنه مامن جزء - مهما قلَّ - من المال
(١) مغني المحتاج ٤٢٣/٤.
(٢) نهاية المحتاج ٨/ ٢٧٥ .
(٣) التحفة وحواشيها ٦٩/٢، وبلغة السالك ٢٤١/٢.
(٤) البدائع ١٧/٧ .
- ٢٠٩ -
قسمة ٦ - ٧
المشترك إلا ونصفه لهذا ونصفه لذاك، فإذا
استقل أحدهما بنصف المجموع فشطر ما
استقل به كان له قبل القسمة، وإنما اجتمع
وتميز بعد شيوع، وهذا هو معنى تمييز
الحقوق، وشطره الآخر كان لشريكه أخذه
منه عوضا عما تركه له، وهذا هو معنی البيع،
وإنما غلب في قسمة المثلي معنى تمييز
الحقوق، لأن المأخوذ فيها على سبيل المعاوضة
هو عين المتروك حكما، إذ هو مثله يقينا،
فضعف معنى المبادلة، ولا كذلك قسمة
القيمي، فلم يضعف فيها معنى المبادلة، إذ
المأخوذ ليس عين المتروك ولو حكما، ومن ثَمَّ
يكون معنى المبادلة في قسمة القيمي أقوى
منه في قسمة المثلي (١).
الآثار المترتبة على الخلاف في تكييف
القسمة :
٧ - تتلخص هذه الآثار في أنه: إن كانت
القسمة بيعا، فإنها تعطى أحكامه - مع
ملاحظة مامر من المستثنيات في أشباه لها -
وإن كانت محض تميير حقوق فإنها لا تعطى
أحكام العقود أصلا (٢).
فمن أمثلة ذلك :
أ - الخيارات: تدخل الخيارات القسمة بناء
(١) نتائج الأفكار ٣٤٩/٨. منلا مسكين ٢٠٣/٢، وحاشية ابن
عابدين ((رد المحتار)) ١٦٧/٥.
(٢) مغني المحتاج ٤ /٤٢٤، والقواعد لابن رجب ص ٤١٢ .
على أنها بيع، ولا تدخلها بناء على أنها تمييز
حقوق، هكذا نص الشافعية والحنابلة (١)،
وهو مستفاد من كلام المالكية (٢)، إلا أن من
الحنابلة من نفى فيها خيار الشرط على أية
حال، ومنهم من أثبت خيار المجلس وخيار
الشرط على أية حال، وعللوه بأن الخيار لم
يشرع خاصا بالبيع، بل للتروي وتبين أي
الأمرين أرشد، وهذا المعنى موجود في
القسمة (٣).
ونظرا إلى أن معنى البيع قائم في كل
قسمة عند الحنفية لم يرددوا هذا التردید، بل
أطلقوا دخول الخيارات في جميع أقسامها،
ولكن على تفاوت يرجع إلى معنى آخر.
فقسمة الأجناس المختلفة - وهي قسمة
تراض لا إجبار فيها - تدخلها الخيارات
الثلاثة: خيار الشرط، وخيار العيب، وخيار
الرؤية .
وقسمة الجنس الواحد من المثليات - وهي
تقبل الإِجبار- لايدخلها سوى خيار العيب.
وقسمة الجنس الواحد من القيميات،
كالبقر أو الغنم أو الثياب من جنس واحد
- وهي تقبل الإِجبار أيضا - يدخلها خيار
(١) مغني المحتاج ٤٢٤/٤، وقواعد ابن رجب ص ٤١٣.
(٢) المدونة ١٩٨/١٤، وبلغة السالك ٢٣٨/٢ .
(٣) قواعد ابن رجب ص ٤١٣.
- ٢١٠ -
قسمة ٧ - ٩
العيب بلا خلاف، كما يدخلها خيار الشرط
والرؤية على الصحيح المفتى به (١).
ب - الشفعة: إن كانت القسمة تمييز حقوق
لم تثبت فيها الشفعة قولا واحدا، وإن كانت
بيعا: فقد صرح الشافعية بثبوتها، وصوروها
بما إذا تقاسم شریکان من ثلاثة شرکاء، وترکا
نصیب الثالث مع أحدهما بإذن هذا الثالث،
فإن الشفعة تثبت لهذا الثالث (٢)، وقد أنكره
الحنفية لأن الشفعة تثبت على خلاف القیاس
في المبادلة المحضة، والقسمة ليست مبادلة
محضة (٣) .
أما الحنابلة فقد اختلفوا فمنهم من أثبتها
على الأصل، ومنهم من نفاها لمانع خاص
بالقسمة، إذ تثبت لكل واحد منهما الشفعة
على الآخر، إذ لو ثبتت لهذا على ذاك لثبتت
لذاك على هذا فيتنافيان، ووصفه المرداوي
بأنه الصواب (٤).
ج - التقايل: إن كانت القسمة بيعا
قبلت التقايل، وإن كانت مجرد تمييز حقوق
لم تقبله، نص عليه الشافعية. ويؤخذ أيضا
من كلام المالكية (٥)، وجری ابن عابدين من
الحنفية على أن قسمة المثليات لا تقبل
(١) رد المحتار ١٦٧/٥
(٢) الرشيدي على نهاية المحتاج ٢٧٥/٨ .
(٣) بدائع الصنائع ٢٨/٧ .
(٤) الإِنصاف ٣٥١/١١.
(٥) الخرشي ٤٢٤/٤، وبلغة السالك ٢٣٨/٢.
التقايل، لغلبة معنى الإِفراز، وقسمة
القيميات تقبله، فإن خلط المقتسمون ما
اقتسموه من المثلي كانت شركة جديدة، مع
أن العلائي وصاحب تنوير الأبصار على
تعميم القبول (١).
أقسام القسمة :
٨ - تنقسم القسمة باعتبار الحاجة إلى
التقويم وعدمه إلى ثلاثة أقسام :
- قسمة إفراز.
- وقسمة تعدیل.
- وقسمة رد .
أولاً: قسمة الإِفراز:
٩ - وهي توجد عندما لا تكون ثَمَّ حاجة إلى
تقويم المقسوم - أعني مايراد قسمه - لعدم
تفاوت الأغراض، أو لأنه تفاوت من التفاهة
بحيث لا يعتد به، فتكون القسمة قسمة
إفراز (٢)، لأنها لا تتطلب أكثر من إفراز كل
نصيب على حدة بمعياره الشرعي : كيلا أو
وزنا أو ذرعا أو عدًّا، وتسمى أيضا قسمة
المتشابهات: لأنها لاتكون إلا فيما تشابهت
أنصباؤه حتى لاتفاوت يذكر، أو القسمة
بالأجزاء: لأن نسبة الجزء الذي يأخذه كل
شريك هي بعينه نسبة حقه إلى المال
(١) رد المحتار ١٧٦/٥.
(٢) الباجوري على ابن قاسم ٣٥٢/٢.
- ٢١١ -
٠٠٠
٠٠٠
....
.....
قسمة ٩ - ١١
المشترك، وذلك إنما يكون في المثليات المتحدة
النوع - كدنانير بلد بعينه، وكالقمح
الهندي، والأرز الياباني، وكالأدهان المتماثلة
من شيرج أو زيت أو عطور أو ما إليها (١).
وفيما شاكلها من القيميات المتحدة النوع
كذلك: كالمنسوجات الصوفية أو الحريرية أو
القطنية، وكالكتب، والأقلام، والساعات،
والأحذية، وكالدار الواحدة التي في كل من
جانبيها مثل ما في الآخر من الأبنية تصميما،
وأدوات بناء، وإحكام صنعة، وعدد حجر
مع إمكان قسمة الساحة الفاصلة بين
الجانبين. وبالجملة عندما تتساوى الأنصباء
صورة وقيمة (٢).
ثانياً: قسمة التعديل:
١٠ - وتكون عندما لا تتعادل الأنصباء
بذاتها، وإنما تتعادل باعتبار القيمة ،يوضحه :
أنه ربما كان المال المشترك بین اثنین مناصفة،
ولکن قيمة ثلثه ۔ لما اختص به من مزایا -
تساوي قيمة ثلثيه؛ فيجعل في القسمة
الثلث المذكور سهما بحق النصف، والثلثان
سهما آخر بحق النصف الآخر، كما أن
الساعة قد تجعل سهما بحق النصف،
(١) مغني المحتاج ٤٢١/٤.
(٢) نهاية المحتاج ٢٧٢/٨. ومغني المحتاج ٤٢١/٤، ٤٢٣
والتجريد المفيد ٣٧٠/٤
والكتاب والقلم سهما آخر بحق النصف
الآخر، إن كانت قيمتها تساوي قیمتیھما .
ثالثاً: قسمة الرد :
١١ - وتكون إذا لم تعدل الأنصباء، بل تركت
متفاوتة القيمة اختيارا أو اضطرارًا، وبحيث
یکون علی الذي يأخذ النصیب الزائد أن يرد
على شريكه قيمة حقه في تلك الزيادة.
وسميت بذلك لمكان الحاجة فيها إلى رد
مال أجنبي عن مال الشركة إلى بعض
الشركاء، - وهي قسمة تعديل أيضا - ولكن
يشار إليها بفصلها المميز، وإذا أطلقت
قسمة التعدیل فإنها تنصرف إلى ما لارد فيها،
وهاك مثالين لقسمة الرد: أحدهما يمثلها في
حالة الاختيار، والآخر في حالة الاضطرار:
المثال الأول: أرض مشتركة بين اثنين
مناصفة. وفي أحد جانبيها بئر لِرَيِّا لاتمكن
قسمتها، فقد يمكن أن تقسم الأرض
نصفین علی سواء، ویکون علی الذي يأخذ
النصف الذي فيه البئر نصف قيمتها للذي
يأخذ النصف الآخر، وهذه قسمة رد.
ويمكن أن تقوّم الأرض والبئر معا بألف
وخمسمائة مثلا، للبئر منها ثلثها: فيأخذ
أحدهما البئر وربع الأرض، ويأخذ الآخر
الثلاثة الأرباع الباقية، وهذه قسمة تعديل
- ٢١٢ -
٠٠
قسمة ١١
لارد فیھا (١).
فإذا قسمت على النحو الأول فهي قسمة
رد يؤثرانها اختيارا دون أن تلجىء إليها
ضرورة.
ومثل البئر غيرها كشجرة أو بناء لايقسم أو
منجم (معدن) (٢) كذلك.
المثال الثاني: لو فرضنا في المثال السابق
أن قيمة البئر تساوي أكثر من قيمة الأرض
کلها، فحينئذ لایکون بُدَّ من أن يرد آخذها
على الآخر قيمة ما بقي له في تلك البئر بعد
التعديل بالقيمة، فإذا كانت قيمة الأرض
ألفا، وقيمة البئر ألفا ومائتين، فإن نصيب
كل منهما يكون ماقيمته ألف ومائة، فإذا أخذ
أحدهما الأرض كلها وترك البئر، رد عليه
الآخر مائة، وإذا أخذ بعض الأرض فقط رد
علیه الآخر أيضا قيمة ماترك له منها (٣).
وهذا التقسيم للشافعية، ويلخصونه بأن
المقسوم إن تساوت الأنصباء منه صورة وقيمة
فالإِفراز، وإلا فإن لم يحتج إلى رد شيء آخر
فالتعديل، وإلا فالرد (٤)، وقد صرح الحنابلة
(١) المهذب ٣٠٨/٢، ونهاية المحتاج ٢٧٣/٨، ٢٧٤ والباجوري
على ابن قاسم ٢٥٣/٢ .
(٢) المعدن: (بكسر الدال): منبت الجواهر، من ذهب وحدید
وفضة ونحو ذلك: قيل له ذلك، لأن أهله يقيمون فيه صيفا
وشتاء لايبرحونه، أو لإِنبات الله عز وجل ذلك فيه. (محيط
المحيط).
(٣) مغني المحتاج ٤٢٣،٤٢٢/٤، ونهاية المحتاج
٢٧٤،٢٧٣/٨، والتجريد المفيد ٣٧١/٤، ٣٧٢.
(٤) نهاية المحتاج ٢٧٢/٨ .
بمثله، وإن لم يبرزوه إبراز الشافعية، ومن
ذلك قول ابن مفلح في الفروع: وتعدل
السهام بالأجزاء إن تساوت، وبالقيمة إن
اختلفت، وبالرد إن اقتضته (١).
ولابد عند المالكية من التقويم، ويقوم
مقامه التحري، أي الخرص في قسمة الزرع
قبل بُدُوِّ صلاحه بشرط القطع، وكذا فيما
يقبل التفاضل من غير المزروعات (٢)، وذلك
في كل شيء تراد قسمته بالقرعة عقارا أو
منقولا، باستثناء شیئین اثنین على خلاف
عندهم في استثنائهما :
أ - المثليات - وهي المكيلات والموزونات
والمعدودات ((المتفقة الصفة)) (٣)، فإنها تقسم
كيلا أو وزنا أو عدًّا، والاستثناء إنما هو على
القول بقبولها القرعة، فإن ابن عرفة في
فتاويه، تبعا للباجي، لم يفرق بينها وبين
القيميات (٤)، وعبارة ابن القاسم في المدونة :
قال مالك: تقسم الأشياء كلها على القيمة،
ثم يضرب بالسهام (٥).
ب - العقار المتفق المباني: بأن يكون في كل
من جانبيه مثل ما في الآخر عينا ومنفعة، فإنه
يجوز عند بهرام أن يقسم بالمساحة، وجرى
(١) ٨٥٣/٣.
(٢) بلغة السالك٢ /٢٤٣ .
(٣) الفواكه الدواني ٣٢٧/٢.
(٤) الخرشي ٤٠٢/٤ .
(٥) ٢٢٦/١٤ .
- ٢١٣ -
قسمة ١١
الخرشي على عدم اعتماده (١)، واعتمدوه في
حواشي التحفة (٢) .
فأنت ترى قسمة الإِفراز واضحة لائحة
عند المالكية وموافقيهم في قسمة المثليات
المتفقة الصفة (٣)، وفي قسمة العقار المتفق
المباني: الأول على معتمدهم، والثاني على
قول بهرام ومعتمديه، وقسمة التعديل فيما
عداهما .
هذا بالنسبة لقسمة القرعة، أما قسمة
التراضي فقد تكون بتقویم وتعدیل وقد تكون
بدونهما (٤).
أما قسمة الرد، فالمالكية يثبتونها على
التراضي من غير قرعة، الانطواء القرعة فيها
علی الغرر الکثیر، إذ قد یرید أحد الشریکین
أخذ الأحظ وتحمل الفرق أو عكسه، ولکن
القرعة تخرج له مالا يشتهي، وقد أثبتها
خليل في قسمة القرعة أيضا لكن في الشيء
القليل ، إلا أنهم لم يعتمدوه، وفي ذلك
يقول النفراوي : ولا یؤدي أحد الشركاء ثمنا
لشريكه لزيادة في سهمه، مثال ذلك: أن
یکون المشترك فیه ثوبین، وکان أحدهما
يساوي دینارین، والآخر يساوي دینارا،
واقترعا على أن من صار له الذي يساوي
الدينارين يدفع نصف دينار ليحصل
التعادل، فإن ذلك غير جائز، لما يلزم من
دخول قسمة القرعة في صنفين،
وهو غير جائز في قسمة القرعة، قال .
خليل - بالعطف على مالايجوز- ((أو فیه
تراجع، إلا أن يقل)) والمعتمد عدم الجواز،
ولو قلَّ ما به التراجع، ولذلك قال ابن أبي
زيد: ((وإن كان في ذلك الفعل الذي دخلا
عليه تراجع لم يجز القسم بوجه من الوجوه إلا
بتراض منهما فيجوز، لأن قسمة المراضاة يجوز
دخولها في الجنسین)» وحينئذ فما يقع بين العوام
من (الفصال) - وهو قسمة المواشي - من
جعل نحو البقرة قسما، وبنتها مع بعض
دراهم قسما آخر، ويدخلان على القرعة،
فاسد - وإن استحسنه اللخمي بالشيء
القليل، ومشى عليه العلامة خليل، فقد
علمت أن المعتمد - كما قال ابن عرفة المنع
مطلقا .
وأما بالمراضاة بأن يقول أحدهما لصاحبه :
أنت بالخيار بين أخذ الصغيرة وتأخذ كذا، أو
الكبيرة وتدفع كذا - من غير قرعة -
فيجوز (١)، ومثله في التحفة وحواشيها(٢)،
(١) ٤/ ٤٠٢
(٢) ٦٨/٢ .
(٣) الخرشي ٤ /٤٠٢، والتحفة وحواشيها ٢ /٦٨.
(٤) حواشي التحفة ٦٨/٢ .
٠
(١) الفواكه الدواني ٣٢٧/٢.
(٢) ٧٠/٢.
- ٢١٤ -
قسمة ١١ - ١٣
ومثلوا بدارين إحداهما بمائة والأخرى بستين
أو تسعين: لايجوز بالقرعة أن يستقل كل
بدار، على أن يرد من أخذ أفضل الدارين
عشرين في الحالة الأولى، أو خمسة في الحالة
الثانية، ورخص في هذه الأخيرة اللخمي،
أي وفي كل حالات القلة، وقدّروها بنصف
العشر أو نحوه (١)، وظاهر المدونة جواز
قسمة الرد بإطلاق، وإن كان كلامها في
العقار.
تقسيم القسمة باعتبار إرادة المتقاسمين :
١٢ - القسمة بهذا الاعتبار قسمان: قسمة
تراض، وقسمة إجبار، ولا يخالف في ذلك
أحد من أهل العلم على الإِجماع. ذلك أن
الشركاء قد يرغبون جميعا في قسمة المال
المشترك، أو يرغب بعضهم ويوافق الباقون
على أصل القسمة وعلى كيفية تنفيذها، فلا
تكون بهم حاجة إلى اللجوء إلى القضاء،
وتسمى القسمة حينئذ قسمة تراض.
وقد یرغب واحد أو أكثر، ویأبی غيره،
فإذا لجأ الراغب إلى القضاء، فإن القاضي
يتولى قسمة المال وفق الأصول المقررة شرعا،
وتكون القسمة حينئذ قسمة إجبار.
فقسمة التراضي: هي التي تكون باتفاق
الشركاء .
(١) الخرشي ٤٠٩/٤.
وقسمة الإِجبار: هي التي تكون بواسطة
القضاء، لعدم اتفاق الشركاء (١).
ثم ليس حتما في قسمة الإِجبار أن يتولاها
القاضي بنفسه، أو بمن یندبه لذلك، بل له
أن يحبس الممتنع من القسمة حتى يجيب
إليها، ويحدد له القاضي مدة معقولة لإتمامها
بصورة عادلة .
وفي كلام الحنفية إشارة صريحة إلى نحو
من هذا، إذ يقولون: ليست القسمة بقضاء
على الحقيقة، حتى لايفترض على القاضي
مباشرتها، وإنما الذي يفترض علیه جبر الآبي
على القسمة (٢).
١٣ - وقد علمنا فيما سلف أن قسمة النوع
الواحد تقبل الإِجبار عند الحنفية مثليا كان
كالحبوب أو الأدهان أو الجوز أو البيض،
(ويكفي تقارب المثلي العددي) أم قيميا
كالإِبل أو البقر أو الغنم، وكذا عند
الصاحبین الدور أو الحوانيت في بلد واحد،
والأراضي الزراعية أو البساتين كذلك، أما
قسمة الأنواع المختلفة - كخليط من الأمثلة
الآنف ذكرها - قسمة الشيء الواحد، حتى
يستقل الشريك بنوع أو أكثر (وهي من
قسمة الجمع) فهذه لا تقبل الإِجبار، لمكان
فحش تفاوتها وتفاوت الرغبات فيها: فيتعذر
(١) تكملة فتح القدير والعناية ٣٥٧/٨.
(٢) العناية على الهداية مع تكملة فتح القدير ٣٥١/٨.
- ٢١٥ -
قسمة ١٣
تعديلها، وينطوي الإِجبار عليها على الجور
والضرر، فإذا تراضى الشركاء عليها فلا مانع
منها حينئذ، لأن ما عساه یکون قد فات بها
من حق أحدهم فإنما فات بطيب نفس منه،
والذي يملك الحق يملك إسقاطه، مادام
حقا خالصا له (١)، نعم، إن لم يمكن
الوصول إلى الحق إلا جبرا على هذه المبادلة،
فإنه يجبر عليها كقضاء الدين (٢).
لكن شريطة الإِجبار بعد طلب القسمة:
انتفاء الضرر، والمراد بالضرر هنا: هو فوات
المنفعة المقصودة من المال المشترك.
وهناك ثلاثة آراء في تحديد مداه :
الرأي الأول: أنه الضرر العام فحسب،
أي الذي لايخص شريكا دون آخر: بأن
بطلت بالنسبة لكل شريك المنفعة المقصودة
من المال المشترك، کما لو کان حجم البيت أو
الحمام أو الطاحون صغيرا، لاينقسم بعدد
الشركاء بيوتا وحمامات وطواحين، وكما في
قسمة الجوهرة، والثوب الواحد، والحذاء،
والجدار (٣) والبقرة، والشاة، فهذا الضرر هو
الذي يمنع من الإِجبار على القسمة، لأنها
لتكميل المنفعة، وليس هنا إلا تفويتها،
(١) تكملة فتح القدير ٣٥١.٣٥٠/٨.
(٢) مجمع الأنهر ٤٨٨/٢ .
(٣) الشرح الكبير مع المغني ٤٩٦٠٤٩٥/١١، ومغني المحتاج
١٨٩/٢. والمدونة ١٤ /٢٢٠، والخرشي ٢٧٤/٤، والمهذب
٣٠٧/٢، ٣٠٨، والإنصاف ٣٣٨/١١.
فیکون من قلب الموضوع، وهکذا کل ما
تحتاج قسمته إلى كسر أو قطع، ولذا قالوا:
لو كان مع مالايقسم - لما في قسمته من
الضرر العام للمقتسمين، من عين أو بئر أو
نهر أو قناة - أرض، قسمت الأرض وتركت
البئر والقناة وما إليهما على الشركة، أما على
التراضي فلا مانع من القسمة، لأنهما يملكان
الإضرار بأنفسهم، والقاضي لايمنع بالقضاء
من يقدم على إتلاف ماله (١).
أما الضرر الخاص ببعض الشركاء دون
بعض ۔ کما لو کان نصیب واحد فحسب في
البيت أو الحمام أو الطاحون هو الذي يتسع
لمثل ذلك - فإنه لايمنع الإجبار على القسمة،
سواء أكان المستضر هو طالب القسمة أم
غيره، ذلك أنه إن كان المستضر هو طالب
القسمة، فقد رضي بضرر نفسه، وبذا
صارت القسمة كالخالية من شوب الضرر،
وإن كان الآخر، فإن الضرر اللاحق
بالمستضر من القسمة ليس - إذا أمعنا النظر -
بضرر حقيقي، بمعنی أنه یفوت به حق له،
وإنما كل ماهنالك أنه بسبب قلة نصيبه یرید
لنفسه استمرار الانتفاع بنصیب شریکه،
وهذا يأبى عليه، ويطالب باستخلاص
حقه، وتكميل منافع ملكه، ولهذا شرعت
(١) البدائع ١٩/٧، ورد المحتار ١٧١/٥.
- ٢١٦ -
قسمة ١٣ - ١٥
القسمة، ووظيفة القاضي القيام بواجب
الإِنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه،
فيجب عليه ذلك هنا، وهذا هو الذي قرره
الحاكم الشهید.
الرأي الثاني: أنه الضرر الذي لايخص
الطالب، فيشمل الضرر الخاص بالممتنع
والضرر العام، لأن ضرر طالب القسمة
يسقط اعتباره بطلبه، إذ معناه رضاه بضرر
نفسه، أما ضرر الآخر (وهو الممتنع) فليس
ثَمَّ ما يسقط اعتباره، والطالب لايسلط على
الإضرار بغيره، وهذا هو الذي ذكره
الجصاص.
الرأي الثالث: أنه الضرر الذي لايخص
الممتنع فيشمل الضرر الخاص بطالب
القسمة، والضرر العام أي عکس الثاني،
لأن ضرر الممتنع ليس ضررا حقيقيا - كما
أو ضحناه - فلا يعتد به، وإنما ینظر في ضرر
الطالب: فإذا انتفى فليس ثَمَّ مانع مّا من
الإِجبار على القسمة، وإذا لم ينتف، كان
متعنتا بطلب القسمة، والمتعنت لايلتفت
إليه، وقسمة الإِجبار لاتكون بدون طلب
معتدٍّ به، وهذا هو الذي قرره الخصاف،
وجرى عليه القدوري، وقال في الهداية: إنه
الأصح (١).
(١) تكملة فتح القدير ٨ /٣٥٧، والبحر الرائق ١٧٢/٨، وبدائع
الصنائع ٢١/٧.
١٤ - أما قسمة التراضي: فلا يشترط فيها
انتفاء الضرر، بل الرضا به ممن يقع عليه،
واحدا كان أو أكثر (١)، حتى لو كانت
القسمة ضارة بجميع الشركاء لكنهم رضوا بها
فهذا شأنهم وحدهم، لأن الحق لهم
لایعدوهم، وهم أدری بحاجاتهم، فلا یکون
ثَمَّ مانع منها وقد رضوا بضرر أنفسهم (٢).
١٥ - ولا يخالف أحد من أهل العلم على
الإِجمال في أن القسمة تتنوع إلى: قسمة
تراض وقسمة إجبار، ولكنهم يختلفون في
تفصيل ذلك .
فالشافعية والحنابلة لم تتفق كلمتهم على
قبول القسمة للإِجبار إلا في قسمة الإِفراز
(قسمة المتشابهات) - بالمعنى الذي سبق
(ف٩)، لأن الطالب يريد أن ينتفع بماله على
الكمال، وأن يتخلص من سوء المشاركة،
دون إضرار بأحد (٣).
كما لم يتفقوا على امتناع الإِجبار إلا في
قسمة الرد، لأنه فيها تمليك مالا شرکة فیه،
والشأن فيه ألا يقبل الإِجبار (٤)، أما في قسمة
التعدیل بمعناها السابق (ف ١٠) فمنهم،
وهو قول للشافعي نفسه، من يمنع قبولها
(١) بدائع الصنائع ٢١/٧ .
(٢) تكملة فتح القدير ٣٥٨/٨.
(٣) المهذب ٣٠٧/٢ .
(٤) مغني المحتاج ٤٢٣/٤. والمغني لابن قدامة ٤٩٣/١١.
- ٢١٧ -
قسمة ١٥ - ١٦
للإجبار منعا مطلقا لا استثناء فيه، لأن
الغرض أن الأنصباء غير متساوية بنفسها،
بل بقيمتها، والأغراض والمنافع تتفاوت رغم
استواء القيمة، فليست حديقة البرتقال
کحديقة العنب، في نفسها ولا في عائدتها
وجدواها، ولا في ملاقاة رغبات الناس
وحاجاتهم - ولو أن كلا من هذه وتلك
يساوي ألف دينار مثلا، ولا المساحة الصغيرة
الجيدة التربة أو المطلة على النهر كالمساحة
الفسيحة الرديئة أو الخلفية - وإن تساوت
قیمتاها (١).
ومنهم من يسيغه، لأن لطالب القسمة
غرضا صحيحا، ولن يفوت الآخر شيء من
حقه باعتبار المالية، وهذا هو قولهم تنزيلا
للتساوي في القيمة منزلة التساوي في
الأجزاء (٢)، وما عساه يفوت عينا يعتاض عنه
بالتخلص من مساویء الشرکة، بل ربما کان
الممتنع من القسمة سيء النية، يريد الجور
والاغتصاب بالإِبقاء على شركة غير متوازنة ،
كما لو كان لايملك فيها إلا بنسبة العشر،
وتقدم في كلام الحنفية إيضاحه (ف١٣)
وهذا قول آخر للشافعي، وعليه معوّل
أصحابه، وهو مذهب الحنابلة لايختلفون
عليه، وإن أبدوا احتمالا بمثل القول الأول
للشافعي في خصوص المنقولات (١)، إلا أن
الشافعية عادوا بعد ما أطلقوه، فذكروا فروعا
يستفاد منها تقييده، وفعل الحنابلة مثل ذلك
أيضا، وزادوا التصريح ببعض الشرائط.
وهاك ما اجتمع لنا من قيودهم:
١٦ - أولا: اتحاد الجنس: ويريدون بالجنس
هنا النوع، فالعقار الواحد الذي لايشبه
بعضه بعضا، كالأرض الواحدة التي تتفاوت
أجزاؤها جودة ورداءة، أو يختلف نوع
غراسها - كأن كان في أحد جانبيها حديقة
عنب وفي الآخر حديقة نخل، والدار
الواحدة التي يكون في أحد جانبيها بناء من
حجر وفي الآخر بناء من اللَّبِن، أو لأحدهما
واجهة مرغوب فيها، وللآخرواجهة مرغوب
عنها - هذا العقار يقبل الإِجبار على قسمته،
فإذا طلب أحد الشركاء القسمة أجبر القاضي
الممتنع (٢)، إلا أن من الشافعية كالماوردي
والروياني، ومن والحنابلة كأبي الخطاب، من
يذكرون هنا تفقها - وبه جزم بعضهم - أنه
إذا أمكنت قسمة الجيد وحده والرديء
وحده، فإن الإِجبار إنما يكون على قسمة كل
على حدة، قياسا على الأراضي المتعددة التي
(١) مغني المحتاج ٤٢٣/٤.
(٢) مغني المحتاج ٤/ ٤٢٣.
(١) المغني لابن قدامة ٤٩٠/١١.
(٢) التجريد المفيد ٤ /٣٧١، والمغني لابن قدامة ٤٩٠/١١.
- ٢١٨ -
قسمة ١٦ - ١٧
يمكن قسمة كل منها على حدة، ولاسبيل إلى
جمع الكل حينئذ وقسمته قسمة واحدة
باعتبار القيمة (١).
ومعنى ذلك - بجانب أن الأراضي تعتبر
نوعا واحدا عند الشافعية والحنابلة، وأن
تعددها بمثابة اختلاف الصفة كالجودة
والرداءة - أنه متى أمكنت قسمة الإِفراز، لا
يلجأ القاضي إلى قسمة التعديل، ومتى
أمكنت قسمة كل عين على حدة، ولو
تعديلا، لا يلجأ القاضي إلى قسمة الأعيان
مجتمعة، وهذا بَيِّن لائح، لأن الوصول إلى
عين الحق ما أمكن هو عين الإِنصاف، أما
بالتراضي فللشركاء أن يفعلوا ماشاءوا، إفرازا
أو تعديلا أو ردًّا (٢).
أما إذا تعدد نوع العقار، كأن كانت
الشركة في عدة دور أو حوانيت، فهذه
أجناس مختلفة حكما، وإن كانت جنسا
واحدا حقيقة لاختلاف الأغراض باختلاف
الأبنية ومواقع البناء (٣)، ولا يجمع في قسمة
الإِجبار بين جنسين. فتقسم - إن لم يتراضوا
على الجمع - کل دار وكل حانوت على حدة،
(١) نهاية المحتاج ٢٧٣/٨، ومغني المحتاج ٤٢٣/٤، والتجريد
المفيد ٣٧١/٤، والمغني ٤٩٩/١١، ومطالب أولي النهى
٥٥٦/٦.
(٢) المهذب ٣٠٨/٢ وفي كلام الحنفية مايفيده (تكملة فتح القدير
٣٦٨/٨).
(٣) مغني المحتاج ٤٢٣/٤.
سواء أكانت متجاورة أم متباعدة، لتفاوت
مقاصدها (١)، نعم. اعتمد الشافعية -
خلافا لبعض منهم، وخلافا للحنابلة
الذاهبين إلى أن كل مالاتجمعه الشفعة
لاتجمعه القسمة، إذ كلتاهما لإزالة ضرر
الشركة (٢)، - أن الجنسین إذا أمكن تنزيلهما
منزلة الجنس الواحد، لكونهما أشبه بالحجر في
الدار الواحدة، يجمع بينهما في قسمة
الإِجبار، وقد ضربوا لذلك مثلين (٣).
الأول: ضيعة بين اثنين تتألف من بضعة
أفدنة ودارين، فإذا طلب أحدهما القسمة،
واقتضت أن يستقل كل منهما بدار من
الدارين، فإنه يجاب إلى ذلك.
الثاني: الدكاكين الصغار المتلاصقة
(وتسمى العضائد) (٤)، فلا تتفاوت فيها
الأغراض والتي لايقبل كل منها القسمة على
حدة، يجوز أن تجمع بينها في قسمة أعيانها
قسمة إجبار، على ألا تبقى للشركة علقة، كما
سیجيء.
١٧ - ثانيا: اتحاد الصنف: في قسمة
(١) نهاية المحتاج ٢٧٤/٨، ومطالب أولي النهى ٥٥١/٦ .
(٢) المغني لابن قدامة ٤٩٨/١١- ٥٠٠ .
(٣) مغني المحتاج ٤ /٤٢٣.
(٤) في شرح غريب المهذب: أراد بها دكاكين متلاصقة متوالية البناء
وقال الجوهري : أعضاد كل شيء ما يسند حوله من البناء وغيره،
كأعضاد الحوض، وهي حجارة تنصب حول شفيره، ولعلها
سميت عضائد من هذا البناء، ويقال: عضد من نحل، إذا
كانت منعطفة ومتساوية (المهذب للشيرازي ٣٠٨/٢).
- ٢١٩ -
قسمة ١٧ - ١٨
المنقولات، فليس يكفي فيها اتحاد الجنس
حتى يتحد صنفها أيضا، لأن هذا هو الذي
يقلل من شأن تفاوت الأغراض فيها. فلا
إجبار على قسمة التعديل عندما يختلف
جنس المنقولات: كأبسطة وستائر ووسائد
وحشایا ومقاعد ومناضد وثلاجات وقماطر، أو
يختلف نوعها: کثیاب بعضها حرير،
وبعضها قطن، وبعضها صوف، وأبسطة
عجمية وأخرى عادية، وقماطر خشبية وأخرى
من الصاج، أو يختلف صنفها: كحرير
هندي وحریر یاباني، وخشب زان وخشب
أبيض .
ولا بد أن يفرض مع اتحاد الجنس والصنف
اختلاف الصورة والمظهر، أو اختلاف القيمة
وإلا كان الموضع لقسمة المتشابه (قسمة
الإِفراز)، كما علم مما سبق (ف٩)، لا لقسمة
التعديل، وقد أشار إلى ذلك بعض
المتأخرين (١)، فالأبسطة مثلا تختلف
أحجامها وعدد فتلاتها - وهو اختلاف في
الصورة - ويتبعه اختلاف القيمة، فإذا كانت
هنالك ثلاثة أبسطة من صنف واحد مشتركة
بین اثنین مناصفة، وقيمة أحدها مائة دينار،
وقيمة الآخرين معا مائة، وطلب أحدهما
القسمة على هذا النحو، أي قسمة تعديل،
(١) الباجوري على ابن قاسم ٣٥٤/٢.
فإنه يجاب ويجبر الآخر إذا امتنع، لقلة تفاوت
الأغراض حينئذ، بخلاف ما إذا اختلفت
أجناس الأبسطة أو أصنافها، فإنه لاسبيل
إلى قسمتها قسمة تعديل إلا بالتراضي،
لشدة تعلق الأغراض بكل نوع وصنف،
وهکذا يقال في غیر الأبسطة، لاسيما إذاكانت
آحاده لاتقبل القسمة أصلا کالحیوانات، کما
إذا فرضنا مكان الأبسطة ثلاث بقرات (١).
والحنابلة لايشترطون سوى اتحاد النوع
وتساوي القيمة وإن اختلف الصنف،
كالضأن والمعز (٢).
١٨ - ثالثا: ألا تبقي القسمة شيئا مشتركا:
أي من المال المراد قسمه، وهذا هو الذي
يعنونه ((بانقطاع العلقة بين الشركاء))، وهاك
بضعة أمثلة :
أ - سيارتان بين اثنين مناصفة، قيمة إحداهما
ألف وخمسمائة دينار، وقيمة الأخرى خمسمائة
دينار فحسب، لايمكن الإِجبار على قسمتهما
إذا منعنا الإِجبار على قسمة السيارة الأعلى
قيمة، لبقاء الشركة فيها حينئذ، ولذا
يقولون: لو كان بين اثنين بقرتان، قيمة
إحداهما نصف قيمة الأخرى، فطلب
أحدهما القسمة على أن يبقى لمن خرج له
(١) مغني المحتاج ٤ /٤٢٣.
(٢) مطالب أولي النهى ٥٥١/٦.
- ٢٢٠ -