النص المفهرس

صفحات 121-140

قَرْض ١٥ - ١٧
الغالب على المنافع أنها ليست من ذوات
الأمثال، حتى يجب على المشهور في الأخرى
القيمة، ويتوجّه في المتقوّم أنه يجوز ردّ المثل
بتراضيهما (١).
أما الشافعية والمالكية فلم يشترطوا في باب
القرض كون محل القرض عيناً، ولكنهم أقاموا
ضابطاً لما يصح إقراضه، وهو أنّ كلّ ما جاز
السلم فيه صحّ إقراضه، وفي باب السلم
نصّوا على جواز السلم في المنافع كما هو الشأن
في الأعيان (٢)، وعلى ذلك يصحّ إقراض
المنافع التي تنضبط بالوصف بمقتضى قواعد
مذهبهم (٣).
الشرط الثالث: أن يكون معلوماً:
١٦ - لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط
معلومية محلّ القرض لصحة العقد، وذلك
ليتمكَّن المقترض من ردّ البدل المماثل
للمقرض، وهذه المعلومية تتناول أمرين:
معرفة القدر، ومعرفة الوصف (٤) ، جاء في
(١) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص ١٣١،
وكشاف القناع ٣/ ٣٠٠.
(٢) روضة الطالبين ٤ / ٢٧، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه
٢/ ١٢٣، والخرشي ٥/ ٢٠٣، والقوانين الفقهية ص ٢٨٠
(ط. الدار العربية للكتاب) .
(٣) وهناك قول للقاضي حسين حكاه عنه النووي وهو أنه لا يجوز
إقراض المنافع، لأنه لا يجوز السلم فيها، (روضة الطالبين
٤/ ٣٣).
(٤) روضة الطالبين ٤ / ٣٣ -٣٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٣، وتحفة
المحتاج ٥/ ٤٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمبدع
٤ / ٢٠٥، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٠.
((أسنى المطالب)): يشترط لصحة الإِقراض
العلم بالقدر والصفة ليتأتى أداؤه، فلو
أقرضه كفَّا من دراهم لم يصحّ، ولو أقرضه
على أن يستبان مقداره ويردّ مثله صح (١).
وقد أوضح ابن قدامة في المغني علة هذا
الاشتراط، فقال: ((وإذا اقترض دراهم أو
دنانير غير معروفة الوزن لم يجز، لأن القرض
فيها يوجب ردّ المثل، فإذا لم يعرف المثل لم
یمکن القضاء، وكذلك لو اقترض مکیلاً أو
موزوناً جزافاً لم يجز لذلك، ولو قدّره بمکیال
بعينه أو صنجةٍ بعينها غير معروفين عند
العامة لم يجز، لأنه لا يأمن تلف ذلك،
فيتعذّر ردّ المثل، فأشبه السّلم في مثل
ذلك» (٢) .
وقد استثنى الشافعية من قولهم باشتراط
كون محلّ القرض معلوم القدر ما سمّوه
بالقرض الحكمي (٣)، كقوله: ((عَمِّرْ داري))
ونحوه، فلم يوجبوا معرفته لصحة
القرض (٤).
أحكام القرض:
أ۔ من حیث أثره:
١٧ - اختلف الفقهاء في ترتب أثر القرض،
(١) أسنى المطالب ٢ / ١٤٢.
(٢) المغني ٦ / ٤٣٤ (ط هجر).
(٣) انظر المراد بـ ((القرض الحكمي)) عند الشافعية في فقرة ١.
(٤) حاشية الرشيدي على نهاية المحتاج ٤/ ٢٢٣.
- ١٢١ -

قَرْض ١٧
وهو نقل ملكية محلّه من المقرض إلى
المقترض، هل يتمّ بالعقد، أم يتوقف على
القبض، أم لا يتحقق إلا بتصرف المقترض
فيه أو استهلاكه .. ؟ على أربعة أقوال:
(أحدها) للحنابلة، والحنفية في القول
المعتمد، والشافعية في الأصح: وهو أنّ
المقترض إنما يملك المال المقرض
بالقبض (١)، قال الشافعية: غير أن الملك في
القرض غير تامّ لأنه يجوز لكل واحد منهما أن
ينفرد بالفسخ (٢).
واستدلوا على ذلك :
أ - بأنّ مأخذ الاسم دليل عليه، لأنّ
القرض في اللغة القطع، فدلّ على انقطاع
ملك المقرِض بنفس التسليم .
ب - وبأن المستقرض بنفس القبض صار
بسبيل من التصرف في القرض من غير إذن
المقرض بيعاً وهبة وصدقةً وسائر التصرفات،
وإذا تصرّف فيه نفذ تصرفه، ولا يتوقف على
إجازة المقرض، وتلك أمارات الملك، إذ لو لم
یملکه لما جاز له التصرف فيه .
(١) رد المحتار ٤ / ١٧٣، والبدائع ٣٩٦/٧، والأشباه والنظائر
لابن نجيم وحاشية الحموي عليه ٢ / ٢٠٤، ومرشد الحيران
م(٧٩٧)، وأسنى المطالب ٢/ ١٤٣، والروضة ٤/ ٣٥،
والمهذب ١ / ٣١٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦، وتحفة المحتاج
٤٨/٥، وفتح العزيز ٩/ ٣٩١، وكشاف القناع ٣/ ٣٠١،
وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمبدع ٢٠٦/٤.
ج- وبأنّ القرض عقد اجتمع فيه جانب
المعاوضة وجانب التبرع، أما المعاوضة: فلأن
المستقرض يجب عليه ردّ بدلٍ مماثلٍ عوضاً عما
استقرضه، وأما التبرع: فلأنه ينطوى على
تبرعٍ من المقرض للمستقرض بالانتفاع بالمال
المقرض بسائر التصرفات، غير أنّ جانب
التبرع في هذا العقد أرجح، لأن غايته وثمرته
إنما هي بذل منافع المالِ المقرَضِ للمقترض
مجانًا، لأنه لا يقابله عوض في الحال، ولا
يملكه من لا يملك التبرع، ولهذا كان
حكمه كباقي التبرعات من هبات
وصدقات، فتنتقل الملكية فيه بالقبض لا
بمجرد العقد، ولا بالتصرف، ولا
بالاستهلاك.
(والثاني) للمالكية، وهو أنّ المقترض
يملك القرض ملكًا تامًّا بالعقد وإن لم
یقبضه، ویصیر مالاً من أمواله، ویقضی له
به (١)، وقد ذهب إلى هذا الشوكاني ورجحه،
وحجته أن التراضي هو المناط في نقل ملكية
الأموال من بعض العباد إلى بعض (٢).
(والثالث) للشافعية في القول المقابل
للأصح، وهو أنّ المقترض إنما يملك المال
(١) الخرشي ٥/ ٢٣٢، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٨، وكفاية
الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٢ / ١٥٠، والشرح
الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٢٢٦ .
(٢) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني ٣ / ١٤٤.
(٢) المهذب للشيرازي ١ / ٣١٠.
- ١٢٢ -

قَرْض ١٧ - ١٩
المقرض بالتصرف، فإذا تصرّف فيه تبین
ثبوت ملکه قبله، والمراد بالتصرف: کلّ عملٍ
يزيل الملك، كالبيع والهبة والإِعتاق والإتلاف
ونحو ذلك (١) قالوا: لأنه ليس بتبرع محض،
إذ يجب فيه البدل، وليس على حقائق
المعاوضات، فوجب أن یکون ملکه بعد
استقرار بدله (٢).
(والرابع) لأبي يوسف، وهو أنّ القرض لا
يملك بالقبض ما لم يستهلك، وحجته أنّ
الإِقراض إعارة، بدليل أنه لا يلزم فيه
الأجل، إذ لو كان معاوضة للزم فيه، كما في
سائر المعاوضات، ولأنه لا يملكه الأب
والوصي والعبدُ المأذون والمكاتب، وهؤلاء
يملكون المعاوضات، فثبت بذلك أنّ
الإِقراض إعارة، فتبقى العين على حكم
ملكِ المقرض قبل أن يستهلكها
المقترض (٣).
ب۔۔ من حيث موجبه:
١٨ - ذهب الفقهاء إلى أن المقترض تنشغل
ذمته ببدل القرض للمقرض بمجرد تملكه
لمحلّ القرض، ويصير ملتزماً بردّ البدل إليه،
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦، وروضة الطالبين ٤ / ٣٥، وتحفة
المحتاج ٤٨/٥، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٠، والمهذب
١/ ٣١٠، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٠.
(٢) فتح العزيز للرافعي ٩/ ٣٩٢.
(٣) رد المحتار ١٧٣/٤، (ط. بولاق ١٢٧٢ هـ) وبدائع الصنائع
٣٩٦/٧.
أمّا صفة البدل، ومكان ردّه، وزمانه،
فتفصیله فيما يلي :
صفة بدل القرض:
١٩ - اختلف الفقهاء في بدل القرض الذي
يلزم المقترض أداؤه على ثلاثة أقوال:
أحدها: المالكية (١) والشافعية في
الأصح (٢)، وهو أنّ المقترض مُخِيَّر في أن يردّ
مثل الذي اقترضه إذا كان مثليًّا، لأنه أقرب
إلى حقه، وبين أن يردّه بعينه إذا لم يتغيّر
بزيادة أو نقصان، وهو قول أبي يوسف من
الحنفية .
أما إذا کان قیمیًّا، فله أن يردّه بعينه ما
دامت العين على حالها لم تتغير، أو بمثله
صورة (٣)، لما صحّ عن النبيِ رَله ((أنه
استسلف بْراً وردًّ رباعیًا، وقال: إن خيار
الناس أحسنهم قضاء)) (٤)، ولأنّ ما ثبت في
الذمة بعقد السلم ثبت بعقد القرض قياساً
على ماله مثل .
قال الهيتمي: ومن لازم اعتبار المثل
(١) الخرشي وحاشية العدوي عليه ٥/ ٢٣٢، والقوانين الفقهية
ص ٢٩٣.
(٢) أسنى المطالب ٢ / ١٤٣، وتحفة المحتاج ٤٤/٥، ونهاية
المحتاج ٤/ ٢٢٣، وروضة الطالبين ٤ / ٣٧،٣٥.
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٢٢٤، وروضة الطالبين ٤ / ٣٧، وتحفة
المحتاج ٤٥/٥، والمهذب ١/ ٣١١.
(٤) حديث أبي رافع: ((أن النبي ﴿﴿ استسلف من رجل بكراً ... ))
سبق تخريجه ( ف ٤).
- ١٢٣ -

قَرْض ١٩
الصوري اعتبار ما فيه من المعاني التي تزيد
بها القيمة، فيردّ ما يجمع تلك الصفات
كلها، حتى لا يفوّت عليه شيءٍ (١).
والثاني: وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وهو أنّ
المقترض بمجرد تملكه للعين المقترضة، فإنه
یثبت في ذمته مثلها لاعینها ولو كانت قائمة،
حتى لو أراد المقرض أن يأخذ محلّ القرض
بعينه من المستقرض فليس له ذلك،
وللمستقرض أن يعطيه غيره (٢)، وأنه لو
استقرض شيئاً من المكيلات أو الموزونات أو
المسكوكات من الذهب أو الفضة، فرخصت
أسعارها أو غلت، فعليه مثلها، ولا عبرة
برخصها وغلائها، وأنه إذا تعذّر على المقترض
ردّ مثل ما اقترضه بأن استهلكها ثم
انقطعت عن أیدی الناس، فعند أبي حنيفة
يجبر المقرض على الانتظار إلى أن يوجد مثلها،
ولايصار إلى القيمة إلاّ إذا تراضيا عليها،
ودهب الصاحبان إلى أنه يصار إلى القيمة لأن
مبنى قول الحنفية بوجوب المثل مطلقاً دون
القيمة هو عدم صحة القرض عندهم إلا في
المثليات (٣).
(١) تحفة المحتاج ٥/ ٤٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٣، وقد علّق
الشبراملسي على قول صاحب النهاية: فيردّ ما يجمع تلك
الصفات: أي فإن لم يتأتّ اعتبر مع الصورة مراعاة القيمة
٤ / ٢٢٣ وانظر أسنى المطالب ٢ / ١٤٤.
(٢) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٠٧.
(٣) رد المحتار ٤ / ١٧٢-١٧٣ (ط. بولاق. ١٢٧٢ هـ)، والعقود =
· والثالث: للحنابلة، حیث فرّقوا بین ما إذا
كان محلّ القرض مثلًّا مکیلاً أو موزوناً، وبين
ما إذا كان قيميًّا لا ينضبط بالصفة كالجواهر
ونحوها، وبين ما إذا كان سوى ذلك،
وقالوا :
(أ) إن كان محلّ القرض مثليًّا من
المكيلات أو الموزونات، فیلزم المقترض مثله،
ولو أراد ردّه بعينه، فيجبر المقرض على قبوله ما
لم تتغير عينه بعیب أو نقصان أو نحو ذلك،
سواء تغیر سعره أو لا، لأنه ردّه على صفة
حقه، فلزم قبوله كالسلم، ولو تغيّر حالها
بنحو ما ذكرنا، فإنه لا يلزمه قبول المردود لما
فیه من الضرر علیه، لأنه دون حقه، ويجب
على المقترض أداء مثله (١).
وفي الحالين إذا ردّ المقترض المثل وجب
على المقرض قبوله، سواء رخص سعره أو غلا
أو بقي على حاله، وذلك لأن المثل يضمن في
الغصب والإِتلاف بمثله، فكذا ههنا، فإن
أعوز المثل - أي تعذّر - فعليه قيمته یوم
إعوازه، لأنه يوم ثبوت القيمة في الذمة.
(ب) وإن كان محل القرض غير مكيل ولا
موزون، فيجب ردّ قيمته يوم القبض إن كان
= الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ١/ ٢٧٩ (ط. بولاق
١٣٠٠ هـ)، ومواد (٧٩٧، ٨٠٥، ٨٠٦) من مرشد الحيران ..
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٦، وكشاف القناع ٣/ ٣٠١ -
٣٠٢، والمبدع ٤ / ٢٠٧-٢٠٨ والمغني ٦ /٤٣١٠-٤٣٢.
- ١٢٤ -

قَرْض ١٩ - ٢٠
مما لا ينضبط بالصفة، کالجواهر ونحوها قولا
واحداً، لأن قيمتها تتغير بالزمن اليسير
باعتبار قلة الراغب وكثرته .
أما ما ينضبط بالصفة كالمذروع والمعدود
والحيوان، فيجب رد قيمته يوم القرض لأنها
تثبت في ذمته، وهو المذهب.
وفي وجه آخر يجب رد المثل صورة، لأن
النبي استسلف من رجل بكراً فرد
مثله (١).
٢٠ - وما سبق بيانه من مذاهب الفقهاء في
صفة بدل القرض، إنما هو من حيث المثل أو
القيمة لمحلّ القرض، أمّا من حيث الجودة
والرداءة في الوصف، أو الزيادة والنقصان في
القدر، فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية
والشافعية والحنابلة وابن حبيب من المالكية
وغيرهم إلى أنّ المقترض لو قضی دائنه ببدلٍ
خيرٍ منه في القدر أو الصفة، أو دونه،
برضاهما جاز ما دام أنّ ذلك جری من غیر
شرط أو مواطأة (٢)، وذلك لما صحّ عن النبي
﴿# أنه استسلف بکراً، فردّ خيرا منه، وقال:
((إنّ خياركم أحسنكم قضاء)» (٣)، ولأنه لم
تجعل تلك الزيادة عوضاً في القرض، ولا
وسیلة إلیه، ولا إلى استيفاء حقّه، فحلّت كما
لو لم يكن قرض، بل إنّ الحنفية والشافعية
نصّوا على أنه يستحبّ في حقّ المقترض أن يردّ
أجود مما أخذ بغير شرط، وأنه لا يكره
للمقرض أخذه (١).
وذهب مالك إلى التفصيل في المسألة،
فكرَّ أن يزيد المقترض في الكمّ والعدد إلاّ في
اليسير جدًّا، وقال: إنما الإِحسان في القضاء
أن يعطيه أجود عيناً وأرفع صفة، وأما أن
یزیده في الكيل أو الوزن أو العدد فلا، وهذا
كله إذا كان من غير شرط حين السلف (٢).
وروي عن أحمد المنع من الزيادة والفضل
في القرض مطلقاً، وعن أبيّ بن كعب وابن
عباس وابن عمر رضي الله عنهم أن المقرض
يأخذ مثل قرضه، ولا يأخذ فضلاً، لئلا
يكون قرضاً جرّ منفعة (٣).
ونص الحنفية على أنّ المدين إذا قضى
الدین أجود مما علیه، فلا يجبر ربّ الدین علی
القبول، کما لو دفع إلیه أنقص مما علیه، وإن
قبل جاز، كما لو أعطاه خلاف الجنس. قال
(١) كشاف القناع ٣/ ٣١٥، والإنصاف ١٢٩/٥، والمغني
٤ / ٣٥٢.
(٢) المغني ٦ / ٤٣٨ وما بعدها، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤، والمبدع
٤ / ٢١٠، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٢٧، والقوانين
الفقهية ص ٢٩٤ .
(٣) الحديث سبق تخريجه (ف ٤).
(١) البدائع ٣٩٥/٧، وأسنى المطالب ١٤٣/٢، وروضة الطالبين
٣٧/٤، وتحفة المحتاج ٤٧/٥ .
(٢) القوانین الفقهية ص ٢٩٤، والکافي لابن عبد البر ص ٣٥٨،
والبهجة ٢ / ٢٨٨ .
(٣) المغني ٦ / ٤٣٨، والمبدع ٤ / ٢١٠.
- ١٢٥ -

قَرْض ٢٠ - ٢١
في الفتاوى الهندية: وهو الصحيح (١).
مکان رد البدل :
٢١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الأصل في
القرض وجوب رد بدله في نفس البلد التي وقع
فيها، وأن للمقرض المطالبة به فيها، ويلزم
المقترض الوفاء به حیث قبضه، إذ هو المكان
الذي يجب التسليم فيه (٢).
قال الشوكاني: ووجهه أن المقرض محسن
وما على المحسنين من سبيل، فلو كان عليه
أن يتجشم مشقة لردّ قرضه لكان ذلك منافياً
لإِحسانه (٣).
لكن لو بذله المقترض في مكان آخر، أو
طالبه المقرض به في بلد أخری فإن كان مما لا
حمل له ولا مؤنة كالدراهم والدنانير فقد
اتفق الفقهاء على أنه يلزم مقرضها أخذها
بغير محل القرض، إذ لا كلفة في حملها ولا
ضرر عليه (٤).
وأمّا ما له حمل ومؤنة كالمكيل والموزون
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٤، وقال الحصكفي: يجبر على القبول،
الدر المختار ٤ / ١٧٤ .
(٢) التاج والإكليل ٤ /٥٤٨، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن
تيمية ص ١٣٢ .
(٣) السيل الجرار للشوكاني ٣ / ١٤٤.
(٤) رد المحتار ٤ / ١٧٤، والفتاوى الهندية ٣/ ٢٠٤، وشرح
الخرشي ٢٣٢/٥، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٨، وروضة
الطالبين ٤ / ٣٦، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٣، ونهاية المحتاج
٢٢٤/٤ وما بعدها، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٦، وشرح منتهى
الإرادات ٢ / ٢٢٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٦.
فقد اتفق الفقهاء على أن المقرض لا يلزم
أخذه بغير محله، لما فيه من زيادة الكلفة، إلا
إن رضي المقرض بأخذه جاز والحكم كذلك
عند الشافعية والحنابلة إذا كان المكان
نحوفاً (١).
ولو التقى المقرض والمقترض في غير بلد
القرض، وقيمة محل القرض في البلدتين
مختلفة، فطلب المقرض أخذه منه، فذهب
الشافعية والحنابلة ورواية عند الحنفية إلى أنه
يلزم المقترض أداؤها، وتعتبر قيمة بلد القرض
لأنه محل التملك.
وقال أبو يوسف: تكون القيمة
يوم القرض .
وقال محمد: يوم الخصومة .
· والرواية الثانية عند الحنفية: يستوثق
للمقرض من المطلوب بکفیل حتی یوفیه مثله
حیث أقرضه .
وقال ابن عبد البر من المالكية: لو لقي
المقرض المقترض في غير البلد الذي أقرضه
فيه فطالبه بالقضاء فيه لم يلزمه ذلك، ولزم أن
يوكّل من يقبضه منه في ذلك البلد الذي
اقترضه فيه، ولو اصطلحا على القضاء في
البلد الآخر کان ذلك جائزا إن كان بعد
(١) المراجع السابقة.
- ١٢٦ -

قَرْض ٢١ - ٢٣
حلول الأجل، وإن كان قبل حلوله لم
يلزم (١) .
زمان ردّ البدل:
٢٢ - اختلف الفقهاء في وقت ردّ البدل في
القرض على قولين:
(أحدهما) للحنفية والشافعية والحنابلة،
وهو أنّ بدل القرض يثبت حالاً في ذمة
المقترض، وعلى ذلك فللمقترض مطالبته به
في الحال مطلقا، كسائر الديون الحالّة، ولأن
القرض سبب يوجب ردّ المثل في المثليات،
فكان حالاً، كالإِتلاف، ويتفرع على هذا
الأصل أنه لو أقرضه تفاریق، ثم طالبه بها
جملةً، فله ذلك، لأن الجميع حالٌ، فأشبه ما
لو باعه بيوعاً متفرقة حالة الثمن، ثم طالبه
بثمنها جملةً (٢)
(والثاني) للمالكية، وهو قول لابن القيم،
وهو أنّ البدل لا يثبت حالاً في ذمة المقترض،
وعلى ذلك قالوا: لو افترض مطلقا - من غير
اشتراط أجل - فلا يلزمه ردّ البدل لمقرضه إن
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٧٢ - ١٧٣، والفتاوى الهندية
٣/ ٢٠٥، والكافي لابن عبد البر ص ٣٥٨، وروضة الطالبين
٤ / ٣٦، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٣، وشرح منتهى الإرادات
٢ / ٢٨٨، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٦.
(٢) البدائع ٧ / ٣٩٦، والفتاوى الهندية ٣/ ٢٠٢، وفتح العزيز
٩/ ٣٥٧، وروضة الطالبين ٤/ ٣٤، والنتف في الفتاوى
للسغدي ١/ ٤٩٣، وكشاف القناع ٣/ ٣٠١، وشرح منتهى
الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمغني ٦ / ٤٣١، والمبدع ٤ / ٢٠٦.
أراد الرجوع فيه، ويجبر المقرض على إبقائه
عنده إلى قدر ما يرى في العادة أنه انتفع
به (١).
الشروط الجعلية في القرض:
الشروط الجعلية في القرض أنواع: فمنها
المشروع، ومنها الممنوع، ومنها ما هو مختلف
في جوازه بين الفقهاء، على النحو التالي:
أ - اشتراط توثيق دين القرض:
٢٣ - ذهب الفقهاء إلى صحة الإِقراض
بشرط رهن وكفيل وإشهاد أو أحدها، لأن
هذه الأمور توثيقات لا منافع زائدة
للمقرض، ويستدل على مشروعية الرهن بما
ورد عن النبي قال: «أنه اشترى من يهودي
طعاما ورهنه درعه)) (٢)، ولأن ما جاز فعله
جاز شرطه، ولأنه شرط لا ينافي
مقتضى العقد (٣).
(١) البهجة ٢ / ٢٨٨، والزرقاني على خليل ٥/ ٢٢٩، والخرشي
٥/ ٢٣٢، والتاج والإكليل ٤ / ٥٤٨، وإعلام الموقعين
٣/ ٣٧٥ مطبعة السعادة بمصر.
(٢) حديث: «أنه اشترى من يهودي ... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ٥/ ١٤٥) من حديث عائشة.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٧١، وحاشية الدسوقي ٣ / ٦٥، وروضة
الطالبين ٤ / ٣٤، وفتح العزيز ٩/ ٣٨١، والمهذب
١/ ٣١٠، ونهاية المحتاج ٤ /٢٢٦، وأسنى المطالب
٢ / ١٤٣، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٣، وشرح منتهى الإرادات
٢/ ٢٢٧، والمبدع ٤ / ٢٠٨ .
- ١٢٧ -

قَرْض ٢٤ - ٢٦
ب - اشتراط الوفاء في غير بلد القرض:
٢٤ - يدخل هذا الاشتراط في باب
السفتجة، وهو محرم عند الشافعية والحنابلة
في المذهب، والمالكية كذلك إلا لضرورة.
وذهب الحنفية إلى الكراهة، وأجازه بعض
فقهاء المالكية وهو رواية عن أحمد وابن
تيمية (١).
وانظر تفصيل ذلك في (سفتجة ف٣).
جـ - اشتراط الوفاء بأنقص:
٢٥ - إذا اشترط في عقد القرض أن يردّ
المقترض على المقرض أنقص مما أخذ منه قدراً
أو صفة، فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى
فساد هذا الشرط وعدم لزومه، وهل يفسد
العقد بذلك؟
١. الشافعية وجهان، أصحهما في المذهب
أنه لا يفسد العقد، وهو مذهب الحنابلة،
لأن المنهي عنه جرّ المقرض النفع إلى نفسه »
وههنا لا نفع له في الشرط، بل النفع
للمقترض، فكأن المقرض زاد في المسامحة
والإِرفاق، ووعده وعداً حسناً.
(١) بدائع الصنائع ٣٩٥/٧، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه
٤ / ١٧٥، ورد المحتار ٤ / ١٧٤، ومنح الجليل ٣/ ٥٠،
والزرقاني على خليل ٥/ ٢٢٩، والبهجة ٢ / ٢٨٨، والخرشي
٥ / ٢٣١، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٢، وفتح العزيز
٩/ ٣٧٥ - ٣٨٥، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٥، وكشاف القناع
٣/ ٣٠٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧. والمغني
٦ / ٤٣٦ (ط. هجر) والاختيارات الفقهية ص ١٣١.
والوجه الثاني عند الشافعية الفساد،
لمنافاته مقتضى العقد كشرط الزيادة (١).
د - اشتراط الأجل :
٢٦ - اختلف الفقهاء في صحة اشتراط
الأجل ولزومه في القرض على قولين:
: (أحدهما) لجمهور الفقهاء من الحنفية
والشافعية والحنابلة والأوزاعي وابن المنذر
وغيرهم، وهو أنه لا يلزم تأجيل القرض،
وإن اشترط في العقد، وللمقرض أن يستردّه
قبل حلول الأجل، لأنّ الآجال في القروض
باطلة (٢) قال الإِمام أحمد بن حنبل: لكن
ينبغي للمقرض أن يفي بوعده (٣).
واستثنى الحنفية من أصلهم بعدم لزوم
الأجل في القرض أربع مسائل: إذا كان
مجحودًا بأن صالح المقرض المقترض الجاحد
للقرض على مبلغ إلى أجل فيلزم الأجل، أو
حكم مالكيّ بلزومه بعد ثبوت أصل الدّين
(١) فتح العزيز ٩/ ٣٧٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦، والمهذب
٣١١/١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع
٣/ ٣٠٣.
(٢) النتف في الفتاوى للسندي ١ / ٤٩٣، والبدئع ٧ / ٣٩٦، ورد
المحتار ٤ / ١٧٠، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤، ونهاية المحتاج
٤ / ٢٢٦، وأسنى المطالب ٢/ ١٤٢، وفتح العزيز
٩/ ٣٥٧، ٣٧٩، ٣٨٠، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٣، والمبدع
٤ / ٢٠٨، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٢٧، والمغني
٦/ ٤٣١، وقد جاء في المادة (٨٠٤) من مرشد الحيران: لا يلزم
تأجيل القرض وإن اشترط ذلك في العقد، وللمقرض استرداده
قبل حلول الأجل.
(٣) المبدع ٤ / ٢٠٨، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٣.
- ١٢٨ -

قَرْض ٢٦
عنده، أو أحاله على آخر فأجّله المقرض أو
أحاله على مديون مؤجل دينه، لأنّ الحوالة
مبرئة، والرابعة الوصية، بأن أوصى بأن
يقرض من ماله ألف درهم فلاناً إلى
سنة (١).
وقد استدلّ الحنابلة على عدم لزوم
اشتراط الأجل في القرض بأنه عقد منع فيه
التفاضل، فمنع فيه الأجل كالصرف، إذ
الحالّ لا يتأجل بالتأجيل، وبأنه وعد،
والوفاء بالوعد غير لازم (٢) واحتجّ الحنفية على
عدم صحة تأجيله بأنّه إعارة وصلة في
الابتداء حتى يصحّ بلفظ الإِعارة، ولا
يملكه من لا يملك التبرع، كالوصي
والصبي، ومعاوضة في الانتهاء، فعلى اعتبار
الابتداء لا يلزم التأجيل فيه، كما في الإِعارة،
إذ لا جبر في التبرع، وعلى اعتبار الانتهاء لا
يصحّ، لأنه يصير بيع الدراهم بالدراهم
نسيئةً، وهو ربا (٣).
ومع اتفاق هؤلاء الفقهاء على أن شرط
الأجل في القرض فاسد غير ملزم للمقرض،
فقد اختلفوا في عقد القرض هل يفسد
بفساد الشرط أم لا؟
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ / ١٧٠، والبدائع
٣٩٦/٧.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٣.
(٣) رد المحتار ٤ / ١٧٠ (ط. بولاق ١٢٧٢ هـ)، وبدائع الصنائع
٣٩٦/٧.
فقال الحنفية والحنابلة: القرض صحيح.
والأجل باطل (١).
وقال الشافعية: إذا شرط في القرض
أجل نظر:
فإن لم يكن للمقرض غرض في التأجيل
(أي منفعة له) لغا الشرط، ولا يفسد العقد
في الأصح، لأنه زاد في الإِرفاق بجرّه المنفعة
للمقترض فيه، ويندب له الوفاء بشرطه .
أما إذا کان للمقرض فیه غرض، بأن کان
زمن نهب، والمستقرض ملىء، فوجهان:
أصحهما أنه يفسد القرض، لأن فيه جرّ
منفعة للمقرض (٢).
(والثاني) للمالكية والليث بن سعد وابن
تيمية وابن القيم، وهو صحة التأجيل
بالشرط، فإذا اشترط الأجل في القرض، فلا
يلزم المقترض ردّ البدل قبل حلول الأجل
المعيّن (٣)، واستدلوا على ذلك بقول النبي
وَلَهُ: ((المسلمون على شروطهم)) (٤).
(١) النتف للسغدي ١ / ٤٩٣، والفتاوى الهندية ٣/ ٢٠٢، وشرح
منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٣، ورد
المحتار ٤ / ١٧٠ .
(٢) روضة الطالبين ٤ / ٣٤، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٢، ونهاية
المحتاج ٤ / ٢٢٦.
(٣) ميارة على التحفة ٢ / ١٩٦، والبهجة ٢ / ٢٨٨، والمغني لابن
قدامة ٦/ ٤٣١، والاختيارات الفقهية ص ١٣٢، وإعلام
الموقعين ٣ / ٣٧٥ (مطبعة السعادة).
(٤) حديث: ((المسلمون على شروطهم)).
أخرجه الترمذي (٣/ ٦٢٦) من حديث عمرو بن عوف،
وقال: حديث حسن صحيح.
- ١٢٩ -

قَرْض ٢٦ - ٢٨
ثم فرّع المالكية على قولهم هذا: أنه لو
رغب المقترض تعجيله لربه قبل أجله لزم
المقرض قبوله، لأن الحق في الأجل للمقترض
فإذا أسقط حقّه لزم المقرض قبوله، وأجبر على
ذلك، عيناً كان البدل أو عرْضاً، أو كان
نفس المال المقترض (١).
هـ ـ اشتراط ردّ محل القرض بعينه :
٢٧ - نصّ الحنابلة على أنه إذا شرط المقرض
على المقترض ردّ محلّ القرض بعينه فلا يصح
هذا الشرط، لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو
أن ينتفع المقترض باستهلاكه وردّ بدله،
فاشتراط ردّه بعينه يمنع ذلك غير أنّ فساد
الشرط لا يفسد العقد، بل يبقى
صحيحاً (٢).
و- اشتراط الزيادة للمقرض:
٢٨ - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ اشتراط
الزيادة في بدل القرض للمقرض مفسد لعقد
القرض، سواء أكانت الزيادة في القدر، بأن
یردّ المقترض أكثر مما أخذ من جنسه، أو بأن
يزيده هدية من مالٍ آخر، أو كانت في
(١) البهجة ٢ / ٢٨٨، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي
عليه ٢/ ١٥٣، والخرشي وحاشية العدوي علیه ٢٣٢/٥،
والتاج والإكليل ٤ / ٥٤٨، والزرقاني علي خليل ٥/ ٢٢٩،
والکافي لابن عبد البر ص ٣٥٨.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٧.
الصفة، بأن يردّ المقترض أجود مما أخذ، وأنّ
هذه الزيادة تعدّ من قبيل الربا (١).
قال ابن عبد البر: وکلّ زيادة في سلف أو
منفعة ينتفع بها المسلف فهي ربا، ولو كانت
قبضةً من علفٍ، وذلك حرام إن كان
بشرط (٢)، وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنّ
المسلّف إذا شرط على المستسلف زيادةً أو
هديةً، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة
على ذلك ربا (٣).
واستدلوا على ذلك: بما روي من ((النهي
عن كلّ قرض جرّ نفعاً)) (٤) أي للمقرض.
وبأنّ موضوع عقد القرض الإِرفاق والقربة،
فإذا شرط المقرض فيه الزيادة لنفسه خرج عن
موضوعه، فمنع صحته، لأنه یکون بذلك
قرضا للزيادة لا للإِرفاق والقرية، ولأن الزيادة .
المشروطة تشبه الربا، لأنها فضل لا يقابله
عوض، والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٣٩٥، والنتف للسغدي ١ / ٤٩٣، وكفاية
الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٢ / ١٤٩، والبهجة
٢/ ٢٨٧، والقوانين الفقهية ص ٢٩٣، والخرشي ٥/ ٢٣٢،
والزرقاني علی خلیل ٥/ ٢٢٨، ومواهب الجليل ٥٤٦/٤،
وأسنى المطالب ٢ / ١٤٢، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤، وفتح
العزيز ٩/ ٣٧٥، ٣٨٥، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٥، وشرح
منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٤.
(٢) الكافي في فقه أهل المدينة ٢ / ٣٥٩ ط. بيروت.
(٣) المغني لابن قدامة ٦ / ٤٣٦.
(٤) حديث ((النهي عن كل قرض جرّ نفعاً))
عزاه ابن حجر في التلخيص (٣/ ٣٤) إلى الحارث بن
أبي أسامة وقال: في إسناده سوار بن مصعب وهو متروك.
- ١٣٠ -

قَرْض ٢٨ - ٢٩
الربا واجب (١).
وقال الحنابلة: ومثل ذلك اشتراط المقرض
أيّ عملٍ يجرّ إليه نفعاً، كأن يسكنه المقترض
داره مجاناً، أو یعیره دابته، أو یعمل له كذا،
أو ينتفع برهنه ... الخ (٢).
ولا يخفى أنّ السلف إذا وقع فاسداً وجب
فسخه، ويرجع إلى المثل في ذوات الأمثال،
وإلى القيمة في غيرها (٣) .
الهدية للمقرض ذريعة إلى الزيادة :
٢٩ - اختلف في حكم هدية المقترض
للمقرض قبل الوفاء بالقرض على أقوال:
(أحدها) للحنفية، وهو أنه لا بأس بهدية
من عليه القرض لمقرضه، لكنّ الأفضل أن
يتورّع المقرض عن قبول هدیته إذا علم أنه إنما
يعطيه لأجل القرض، أما إذا علم أنه يعطيه
لا لأجل القرض، بل لقرابة أو صداقة بينهما،
فلا يتورع عن القبول، وكذا لو كان
المستقرض معروفاً بالجود والسخاء، كذا في
محيظ السرخسي، فإن لم يكن شيءٍ من
ذلك (٤) فالحالة حالة الإِشكال، فيتورّع عنه
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٣٩٥.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٤،
والمبدع ٤ / ٢٠٩.
(٣) رد المحتار ٤ /١٧٢، والنتف للسغدي ١/ ٤٩٣، والخرشي
وحاشية العدوي عليه ٥ / ٢٣٠، والقوانين الفقهية ص ٢٩٣ .
(٤) أي لم يتبين المقرض هل هدية المقترض لأجل القرض أم ليست
لأجله.
حتى يتبيّن أنه أهدى لا لأجل الدين (١).
(والثاني) للمالكية، وهو أنه لا يحلّ
للمقترض أن يهدي الدائن رجاء أن يؤخره
بدينه، ويحرم على الدائن قبولها إذا علم أنّ
غرض المدين ذلك، لأنه يؤدي إلى التأخير
مقابل الزيادة، ثمّ إن كانت الهدية قائمة
وجب ردّها، وإن فاتت بمفوتٍ وجب ردّ
مثلها إن كانت مثلية، وقيمتها يوم دخلت في
ضمانه إن كانت قيمية، أمّا إذا لم يقصد
المدین ذلك، وصحّت نيّته، فله أن يهدي
دائنه، قال ابن رشد: لکن یکره لذي الدَّین
أن يقبل ذلك منه وإن تحقّق صحة نيته في
ذلك إذا كان ممن يقتدي به، لئلا يكون
ذريعة لاستجازة ذلك حيث لا يجوز (٢).
ثم أوضح المالكية ضابط الجواز حيث
صحّت النية وانتفى القصد المحظور فقالوا:
إنّ هدية المديان حرام إلاّ أن يتقدّم مثل
الهدية بينهما قبل المداينة، وعلم أنها ليست
لأجل الدّين، فإنها لا تحرم حينئذ حالة
المداينة، وإلاّ أن يحدث موجب للهدية بعد
المداينة، من صهارة أو جوار أو نحو ذلك،
فإنها لا تحرم أيضاً (٣).
(١) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٠٣.
(٢) القوانين الفقهية ص ٢٩٣، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٣٥٩،
ومواهب الجليل ٤ / ٥٤٦، والخرشي ٥/ ٢٣٠.
(٣) الزرقاني على خليل ٥/ ٢٢٧، والخرشي ٥/ ٢٣٠.
- ١٣١ -

قرّض ٢٩
(والثالث) للشافعية وهو أنه لا يكره
للمقرض أخذ هدية المستقرض بلا شرط ولو
في الربوي، قال الماوردي: والتنزّه عنه أولى
قبل رد البدل (١).
(والرابع) للحنابلة، وهو أنّ المقترض إذا
أهدى لمقرضه هدية قبل الوفاء، ولم ينو
المقرض احتسابها من دينه، أو مكافأته
عليها لم يجز، إلاّ إذا جرت عادة بينهما بذلك
قبل القرض، فإن كانت جارية به جاز أما إذا
أهداه بعد الوفاء - بلا شرط ولا مواطأة - فهو
جائز في الأصح، لأنه لم يجعل تلك الزيادة
عوضاً في القرض ولا وسيلة إليه، ولا إلى
استيفاء دينه، فأشبه ما لو لم يكن هناك
قرض (٢)، واستدلوا على ذلك: بما روي عن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ◌ُله: ((إذا أقرض أحدكم قرضاً، فأهدى
إليه أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا
يقبله، إلاّ أن یکون جرى بينه وبينه قبل
ذلك))(٣) وما روى ابن سيرين أنّ عمر رضي
الله عنه أسلف أبيّ بن كعب رضي الله عنه
(١) مغني المحتاج ٢ / ١١٩، ونهاية المحتاج ٤/ ٢٢٥، وروضة
الطالبين ٤ / ٣٧.
(٢) منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٥، والمبدع
٤ / ٢١٠، المغني ٦ / ٤٣٧.
(٣) حديث: ((إذا أقرض أحدكم قرضا ... ))
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨١٣) وذكر البوصيري في مصباح
الزجاجة (٢ / ٤٨): أن في إسناده ضعيفاً ومجهولاً.
عشرة آلاف درهم، فأهدی إلیه أبيّ بن كعب
من ثمرة أرضه، فردّها عليه، ولم يقبلها، فأتاه
أبيّ، فقال: لقد علم أهل المدينة أني من
أطيبهم ثمرةً، وأنه لا حاجة لنا، فبم منعت
هدیتنا؟ ثم أهدی إلیه بعد ذلك فقبل.
قال ابن القيم: فكان ردّ عمر لماً توهّم أن
تکون هدیته بسبب القرض، فلمّا تیقن أنها
ليست بسبب القرض قبلها، وهذا فصل
النزاع في مسألة هدية المقترض (١). وبما ورد
عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال
لأبي بردة ابن أبي موسى الأشعري: ((إنك
في أرض الربا بها فاشٍ، إذا كان لك على
رجل حَقّ فأهدى إليك حمل تبن أو حمل
شعیر أو حمل قتٍّ فإنه ربا)» (٢)
قال ابن القيم: وكلّ ذلك سدًّا لذريعة
أخذ الزيادة في القرض الذي موجبه ردّ
المثل (٣).
وعن الإِمام أحمد رواية بجواز الهدية غير
المشروطة من المقترض إلى المقرض (٤).
ز- اشتراط عقد آخر في القرض:
ذكر الفقهاء صوراً متعددة لاشتراط عقد
(١) تهذیب ابن القيم مختصر سنن أبي داود للمنذري ٥/ ١٥٠
(٢) أثر ((.قول عبدالله بن سلام لأبي بردة ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ١٢٩).
(٣) إغاثة اللهفان ١ / ٣٦٤، وإعلام الموقعين ٣/ ١٥٤، ١٨٤.
(٤) المبدع ٤ / ٢١٠.
- ١٣٢ -

قَرْض ٢٩ - ٣٢
أخر - کبیع وإجاره ومزارعه ومساقاة وقرض
آخر - في عقد القرض، وفرّقوا بينها في
الحكم، نظراً لتفاوت منافاتها لمقتضى عقد
القرض، وذلك في الصور التالية :
أ - الصورة الأولى:
٣٠ - إذا اشترط في عقد القرض أن يقرضه
مالاً آخر، بأن قال المقرض للمقترض:
أقرضتك كذا بشرط أن أقرضك غيره كذا
وكذا، فقد نصّ الشافعية على أنّ عقد
القرض صحيح، والشرط لاغٍ في حق
المقرض، فلا يلزمه ما شرط على نفسه.
قالوا: لأنه وعد غير ملزم، كما لو وهبه ثوباً
بشرط أن يهبه غيره (١).
ب - الصورة الثانية :
٣١ - إذا اشترط في عقد القرض قرض آخر
من المقترض لمقرضه في مقابل القرض الأول،
وتسمى هذه المسألة عند الفقهاء بأسلفني
أسلفك، فقد نصّ الحنابلة على عدم جواز
ذلك، وعلى فساد هذا الشرط مع بقاء العقد
صحيحاً(٢)، لعدم تأثير الشرط الفاسد على
صحة العقد في مذهبهم (٣) .
(١) روضة الطالبين ٤ / ٣٥، وفتح العزيز ٩/ ٣٧١، ٣٨٢،
ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦ .
(٢) المغني لابن قدامة ٦/ ٤٣٧.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٢٧ .
والذي يستفاد من کلام المالكية حول هذه
الصورة هو كراهة القرض مع ذلك
الشرط (١).
ونصّ الحنفية على حرمة الشروط في
القرض، قال ابن عابدين: وفي الخلاصة
القرض بالشرط حرام والشرط لغو(٢).
جـ - الصورة الثالثة :
٣٢ - إذا شرط في عقد القرض أن يبيعه
المقرض شيئاً، أو یشتري منه، أو يؤجره، أو
يستأجر منه، ونحو ذلك، فقد نصّ المالكية
والشافعية والحنابلة على عدم جواز هذا
الاشتراط (٣)، واستدلوا على ذلك: بما روى
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ رسول
اللّه ◌َ لّ قال: ((لا يحلّ سلف وبيع)) (٤) .
قال ابن القيم: وحرّم الجمع بين السلف
والبيع، لما فيه من الذريعة إلى الربح في
السلف بأخذ أكثر مما أعطى، والتوسل إلى
ذلك بالبيع أو الإِجارة كما هو الواقع (٥)،
(١) المقدمات الممهدات لابن رشد الجد ٢ / ٥١٩ ط. دار الغرب
الإسلامي، وبداية المجتهد ٨/ ٩٣ (مطبوع مع الهداية في
تخريج أحاديث البداية).
(٢) ابن عابدين ٤ / ١٧٤ .
(٣) القوانين الفقهية ص ٢٩٣، وكفاية الطالب الرباني
٢ / ١٤٩-١٥٠ والمهذب ١/ ٣١١، وفتح العزيز
٩/ ٣٨٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٥، وكشاف القناع
٣/ ٣٠٥.
(٤) حديث: ((لايحل سلف وبيع))
أخرجه الترمذي (٣ / ٥٢٧) وقال: حديث حسن صحيح.
(٥) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ١/ ٣٦٣.
- ١٣٣ -

قرض ٣٢ - ٣٣
وقال: وأمّا السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه
مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين
بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة
في القرض الذي موجبه ردّ المثل، ولولا هذا
البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى
ذلك منه (١)، ثم قال: وهذا هو معنى
الربا (٢).
ولأنهما جعلا رفق القرض ثمناً، والشرط
لغو، فيسقط بسقوطه بعض الثمن، ويصير
الباقي مجهولا، قال الخطابي: وذلك فاسد،
لأنه إنما يقرضه على أن يجابيه في الثمن،
فيدخل الثمن في حدّ الجهالة (٣).
ولأنه شرط عقداً في عقدٍ فلم يجز، كما لو
باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر داره، وإن
شرط أن يؤجره داره بأقلّ من أجرتها، أو على
أن یستأجر دار المقرض بأکثر من أجرتها کان
أبلغ في التحريم (٤) .
ولأنّ القرض ليس من عقود المعاوضة،
وإنما هو من عقود البرّ والمکارمة، فلا يصحّ
أن یکون له عوض، فإن قارن القرض عقد
٠
(١) تهذيب ابن القيم لمختصر سنن أبي داود للمنذري
١٤٩/٥.
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين ٣/ ١٥٣ مط السعاده
بمصر.
(٣) معالم السنن للخطابي ٥/ ١٤٤ (مطبوع مع مختصر سنن أبي
داود للمنذري).
(٤) المغني ٦ / ٤٣٧ .
معاوضة کان له حصة من العوض، فخرج
عن مقتضاه، فبطل وبطل ما قارنه من عقود
المعاوضة، ووجه آخر: وهو أنه إن كان
القرض غير مؤقتٍ فهو غير لازم للمقرض،
والبيع وما أشبهه من العقود اللازمة - كالإِجارة
والنكاح - لايجوز أن يقارنها عقد غير لازم،
لتنافي حکمیھما (١).
٣٣ - وقد ذكر الحنفية في هذا المقام مسألة
تتعلق بهذه الصورة، وهي شراء المقترض
الشيء اليسير من المقرض بثمن غالٍ لحاجته
للقرض، وقالوا: يجوز ويكره، وقد علّق
العلامة ابن عابدين على ذلك فقال: أي
يصحّ مع الكراهة، وهذا لو وقع الشراء بعد
القرض، لما في الذخيرة، وإن لم يكن النفع
مشروطا في القرض، ولكن اشترى المستقرض
من المقرض بعد القرض متاعاً بثمن غالٍ .
فعلی قول الکرخي : لا بأس به، وقال
الخصّاف: ما أحبّ له ذلك، وذكر
الحلواني: أنه حرام، لأنه يقول لو لم أكن
اشتريته منه طالبني بالقرض في الحال، ومحمد
لم ير بذلك بأساً، وقال خواهر زادة: ما نقل
عن السلف محمول على ما إذا كانت المنفعة
مشروطة، وذلك مكروه بلا خلاف، وما ذكره
محمد محمول على ما إذا كانت غير مشروطة،
(١) المنتقى شرح الموطأ للباجي ٥/ ٢٩.
- ١٣٤ -

قَرْض ٣٣ - ٣٤
وذلك غير مكروه بلا خلاف، وهذا إذا تقدَّم
الإِقراض على البيع.
فإن تقدّم البيع - بأن باع المطلوب منه
المعاملة من الطالب ثوبا قیمته عشرون دينارا
بأربعين ديناراً، ثم أقرضه ستين ديناراً
أخرى، حتى صار له على المستقرض مائة
دينار، وحصل للمستقرض ثمانون ديناراً
۔ ذکر الخصّاف أنه جائز، وهذا مذهب محمد
ابن سلمة إمام بلخٍ، وکثیر من مشايخ بلخ.
کانوا یکرهونه ويقولون إنه قرض جرّ منفعةً،
إذ لولاه لم يتحمل المستقرض غلاء الثمن،
ومن المشايخ من قال يكره لو كانافي مجلس
واحدٍ، وإلاّ فلا بأس به، لأن المجلس
الواحد يجمع الكلمات المتفرقة، فكأنهما وجدا
معاً، فكانت المنفعة مشروطة في القرض،
وكان شمس الأئمة الحلواني يفتي بقول
الخصّاف وابن سلمة، ويقول: هذا ليس
بقرض جرّ منفعةً، بل هذا بيع جر منفعة،
وهي القرض (١).
ح - اشتراط الجعل على الاقتراض بالجاه:
٣٤ - اختلف الفقهاء فيمن استقرض لغيره
بجاهه، هل يجوز له أن يشترط عليه جعلاً
ثمنا لجاهه أم لا؟
(١) رد المحتار ٤ / ١٧٥ (ط. بولاق ١٢٧٢ هـ)، والفتاوى الهندية
٣/ ٢٠٣.
قال الشافعية: لو قال لغيره اقترض لى
مائة ولك علىّ عشرة فهو جعالة (١)
وقال الإِمام أحمد بن حنبل: ما أحبّ أن
يقترض بجاهه لإِخوانه، قال القاضي.
أبو يعلى: يعني إذا كان من يقترض له غير
معروف بالوفاء، لكونه تغريراً بمال المقرض
وإضراراً به، أما إذا كان معروفاً بالوفاء فلا
یکه، لكونه إعانة له وتفریجاً لکربته (٢) ..
وعلى هذا، فإذا استقرض الإِنسان لغيره
بجاهه، قال الحنابلة: له أخذ جعل منه
مقابل اقتراضه له بجاهه، بخلاف أخذ
الجعل على كفالته له، فإنه غیر جائز (٣)، قال
ابن قدامة: لو قال: اقترض لي من فلان
مائةً، ولك عشرة، فلا بأس، ولو قال: اكفُل
عني ولك ألف لم يجز، وذلك لأنّ قوله
اقترض لي ولك عشرة جعالة على فعل مباحٍ،
فجازت، كما لو قال: ابن لي هذا الحائط
ولك عشرة، وأمّا الكفالة، فإنّ الكفيل يلزمه
الدّين، فإذا أدّاه وجب له على المكفول مثله،
فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضاً صار
القرض جارًّا للمنفعة، فلم يجز (٤).
وفي مذهب المالكية: اختلف في ثمن
(١) مغني المحتاج ٢ / ١٢٠ .
(٢) كشاف القناع ٣/ ٣٠٦، والمغني ٦ / ٤٣٠.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٦،
والمبدع ٤ / ٢١٢.
(٤) المغني ٦ / ٤٤١ .
- ١٣٥ -

قَرْض ٣٤، قُرعَة ١ - ٢
الجاه، فمن قائل بالتحريم مطلقاً، ومن قائل
بالكراهة بإطلاق، ومن مفصّل بین أن يكون
ذو الجاه يحتاج إلى نفقة وتعب وسفر، فأخذ
-مثل أجره، فذلك جائز، وإلّ حرم، قال
التسولي: وهذا هو الحقّ (١).
(١) البهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٨ .
قُرعَة
التعريف :
١- القرعة في اللغة : السهمة والنصيب،
والمقارعة: المساهمة، وأقرعت بين الشركاء في
شيء يقسمونه، ويقال: كانت له القرعة،
إذا قرع أصحابه، وقارعه فقرعه يقرعه: أي
أصابته القرعة دونه، وتستعمل في معان
أخرى غير ما تقدم (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي، قال البركتي: القرعة السهم
والنصيب، وإلقاء القرعة: حيلة يتعين بها
سهم الإنسان أي نصيبه (٢).
الألفاظ ذات الصلة :
القسمة :
٢ - القسمة في اللغة من قسمته قسما أي
فرزته أجزاء (٣).
(١) لسان العرب لابن منظور، ومعجم مقاييس اللغة لابن زكريا،
والمعجم الوسيط.
(٢) قواعد الفقه للبركتي.
(٣) المصباح المنير مادة قسم.
- ١٣٦ -

قُرعَة ٢ - ٤
واصطلاحا: تمييز الحصص بعضها من
بعض (١).
والصلة بين القسمة والقرعة أن القرعة
طريق من طرق القسمة، والقرعة نوع من
أنواع القسمة عند المالكية (٢).
الحكم التكليفي :
٣ - القرعة مشروعة باتفاق الفقهاء، وقد
تكون مباحة أو مندوبة أو واجبة أو مكروهة
أو محرمة في أحوال سيأتي بيانها .
ودليل مشروعيتها الكتاب والسنة .
فأما مشروعيتها من القرآن الكريم فقوله
تعالى ﴿ وَمَاكُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ
أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٣)، أي يحضنها فاقترعوا
عليها .
وقال تعالى ﴿وَ إِنَّيُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣٦)
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ
(٤)
اٌلْمُدْحَضِينَ!
عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله
﴿فساهم﴾ يقول: ((أقرع)) (٥).
وأما مشروعيتها من السنة المطهرة
فحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (عرض
(١) نهاية المحتاج ٨/ ٢٦٩.
(٢) الشرح الكبير ٣/ ٤٩٨.
(٣) سورة آل عمران / ٤٤.
(٤) سورة الصافات / ١٣٩ - ١٤١
(٥) تفسير الطبري ٢٢ / ٦٣.
النبي وَ لّر على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن
يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف)) (١).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان
رسول * إذا أراد سفرا أقرع بین نسائه،
فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه)) (٢) .
الحكمة من مشروعيتها :
٤ - قال المرغيناني: القرعة لتطبيب القلوب
وإزاحة تهمة الميل حتى لو عين القاضي لكل
منهم نصيبا من غير إقراع جاز لأنه في القضاء
فيملك الإلزام (٣).
وجاء في تكملة فتح القدير: ((ألا يرى أن
يونس عليه السلام في مثل هذا استعمل
القرعة مع أصحاب السفينة كما قال الله
تعالى:
﴿فَسَاهَمَ فِكَانَ مِنَ
الْمُدْخَضِينَ﴾.(٤)، وذلك لأنه علم أنه هو
المقصود ولكن لو ألقى بنفسه في الماء ربما
نُسب إلى ما لا يليق بالأنبياء فاستعمل
القرعة لذلك، وكذلك زكريا عليه السلام
استعمل القرعة مع الأحبار في ضم مريم إلى
نفسه مع علمه بكونه أحق بها منهم لكون
(١) حديث أبي هريرة: ((عرض النبي ◌َ ﴿ علي قوم اليمين ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٢٨٥).
(٢) حديث عائشة: ((كان رسول الله ﴿ إذا أراد سفرا ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٢١٨).
(٣) الهداية مع شرحها تكملة فتح القدير ٨/ ٣٦٣.
(٤) سورة الصافات / ١٤١ .
- ١٣٧ -

.
قُرعَة ٤ - ٦
خالتها عنده تطييبا لقلوبهم كما قال تعالى:
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (١)،
وكان رسول الله وَلهم يقرع بين نسائه إذا أراد
سفراً تطبيبا لقلوبهن (٢).
كيفية إجراء القرعة :
٥ - للقرعة عند الفقهاء طريقتان:
الأولى: كتابة أسماء الشركاء في رقاع.
والثانية: كتابة أجزاء المقسوم في رقاع،
وقد شرط المالكية لإِجراء الطريقة الثانية أن
تكون الأنصباء متساوية فإن اختلفت فتجوز
في العروض خاصة (٣).
وقد أجاز كل من الشافعية والحنابلة
إجراءها في الصورتين إلا أن طريقة كتابة
الأسماء أولى عند الشافعية (٤).
ما تجرى فيه القرعة :
٦ - تجرى القرعة في مواضع منها:
الأول: في تمييز المستحق إذا ثبت
الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معين عند
تساوي المستحقين، كمن أوصى بعتق عدة
(١) سورة آل عمران/ ٤٤.
(٢) تكملة فتح القدير ٨/ ٣٦٤-٣٦٥.
وحديث: ((كان يقرع بين نسائه .. ))
تقدم تخريجه ف ٣.
(٣) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٥١١.
(٤) شرح الجلال المحلي على المنهاج ٤ / ٣١٦، ومغني المحتاج
٤ / ٤٢٢، وكشاف القناع ٦ / ٣٨٠-٣٨١.
أعبد من ماله ولم یسع ثلثه عتق جميعهم، وفي
الحاضنات إذا كن في درجة واحدة، وكذا في
ابتداء القسم بين الزوجات عند من يقول به
لاستوائهن في الحق فوجبت القرعة لأنها
مرجحة .
الثاني: في تمييز المستحق المعين في نفس
الأمر عند اشتباهه والعجز عن الاطلاع
عليه، سواء في ذلك الأموال والأبضاع عند
من يقول بجريان القرعة في الأبضاع .
الثالث: في تمييز الأملاك.
وقيل : إنه لم يأت إلاّ في ثلاث صور:
أحدها: الإِقراع بين العبيد إذا لم يف
الثلث بهم.
وثانيها: الإِقراع بين الشركاء عند تعدیل
السهام في القسمة .
وثالثها: عند تعارض البينتين عند من
يقول بذلك.
الرابع : في حقوق الاختصاصات
كالتزاحم على الصف الأول، وفي إحياء
الموات .
الخامس: في حقوق الولايات كما إذا
تنازع الإمامة العظمى اثنان وتكافآً في صفات
الترجيح قدم أحدهما بالقرعة، وکاجتماع
الأولياء في النكاح، والورثة في استيفاء
القصاص فتجرى بينهم القرعة لترجيح
- ١٣٨ -
---- "
!

قُرعَة ٦ - ٩
أحدهم (١).
ما لا تجرى فيه القرعة :
٧ - إذا تعينت المصلحة أو الحق في جهة فلا
يجوز الإِقراع بينه وبين غيره، لأن القرعة
ضياع ذلك الحق المعين والمصلحة المتعينة،
وعلى ذلك فلا تجری القرعة فیما یکال أو یوزن
واتفقت صفته، وإنما بقسم کیلا أو وزنا لا
قرعة، لأنه إذا کیل أو وزن فقد استغنى عن
القرعة فلا وجه لدخولها فیھما، وهذا ما ذهب
إليه المالكية (٢)، خلافا للشافعية والحنابلة (٣).
ومما لا تجرى فيه القرعة الأبضاع عند
الشافعية وقول عند الحنابلة، ولا في لحاق
النسب عند الاشتباه عند الحنفية والمالكية
والشافعية والظاهر من مذهب الحنابلة، ولا
في تعیین الواجب المبهم من العبادات ونحوها
ابتداء عند الشافعية والحنابلة، ولا في
الطلاق عند الشافعيه (٤) .
(١) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك ١٠٦/٢، والمنثور في
القواعد للزركشي ٦٢/٣ وما بعدها، والفروق للقرافي ١١١/٤
(الفرق ٢٤٠)، والقواعد لابن لإجب ص٣٤٨ وما بعدها
(القاعدة ١٦٠)، وحاشية ابن عابدين ٣٧٥/١، ٤٠١/٢ .
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٥٠١.
(٣) القليوبي وعميرة ٤/ ٣١٦، كشاف القناع ٦ / ٣٧٩.
(٤) المنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٦٤، وقواعد ابن رجب
ص ٣٤٨.
إجبار الشركاء على قسمة القرعة :
٨ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن
القسمة إذا تمت عن طريق قاسم من قبل
القاضي بالقرعة كانت ملزمة وليس لبعضهم
الإِباء بعد خروج بعض السهام.
وعند الحنابلة وهو مقابل الأظهر عند
الشافعية أنه إن كان القاسم مختاراً من
جهتهم، فإن کان عدلا کان کقاسم الحاكم
في لزوم قسمته بالقرعة، وإن لم يكن عدلاً لم
تلزم قسمته إلا بتراضيهما، والأظهر عند
الشافعية أنه يشترط رضا المتقاسمين بعد
خروج القرعة في حالة ما إذا كان القاسم
مختاراً من قبلهما وهو المعتمد (١).
وذهب المالكية إلى أن قسمة القرعة يجبر
عليها كل من الشركاء الآبين إذا طلبها
البعض إن انتفع كل من الآبين وغيرهم
انتفاعا تاماً عرفاً بما يراد له كبيت السكنى،
ومفهوم الشرط أنه إذا لم ينتفع كلّ انتفاعا تامًّا
لا يجبر (٢).
القرعة في معرفة الأحق بغسل الميت:
٩ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأحق في
غسل الميت أقاربه، فإن استووا كالأخوة
(١) ابن عابدين ٦/ ٢٥٥، ٢٦٣، والقليوبي وعميرة
٤ / ٣١٧،٣١٦، وكشاف القناع ٦ / ٣٧٨.
(٢) الدسوقي ٣/ ٥١٢.
- ١٣٩ -

قُرعَة ٩ - ١٢
والأعمام المستوين والزوجات ولا مرجح بينهم
فالتقدیم بقرعة، فمن خرجت له القرعة قدم
لعدم المرجح سواها (١).
القرعة في تقديم الأحق بالإِمامة في الصلوات
وصلاة الجنازة :
١٠ - ذهب الفقهاء على أنه إذا استوی اثنان
فأكثر في الصفات التي يقدم بها للإِمامة أقرع
بینهم عند التنازع.
والتفاضل بينهم ينظر في مصطلح (إمامة
الصلاة ف ١٤ - ١٨) وانظر مصطلح
(جنائز ف ٤١).
القرعة بين الزوجات في السفر:
١١ - ذهب الحنفية والمالكية في قول إلى أنه
إذا أراد الزوج السفر فله اختيار من يشاء من
زوجاته، ولا تجب عليه القرعة إلا أن الجنفية
استحبوا القرعة تطييبا لقلوبهن.
وأوحب المالكية القرعة بين الزوجات في
سفر القربة كالغزو والحج في المشهور
عندهم، لأن المشاحة تعظم في سفر القربة .
وفي قول آخر عند المالكية أن القرعة تجب
مطلقا (٢) .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن القرعة في
(١) كشاف القناع ٢ / ٩٠، والقليوبي وعميرة ١ / ٣٤٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٠٦، وحاشية الدسوقي على الشرح
الكبير ٢ / ٣٤٣.
السفر بين الزوجات واجبة سواء أكان السفر
طويلا أم قصيرا، وفي قول للشافعية إذا كان
السفر قصيرا فلا تجب ولا يستصحب لأنه
كالإقامة .
وللتفصيل انظر مصطلح (قسم بين
الزوجات).
وقال الشافعية: إن الزوج إذا سافر لنقلة
حرم أن يستصحب بعض زوجاته بقرعة أو
بدونها وأن يخلفھن حذرا من الإِضرار بهن،
بل ينقلهن أو يطلقهن (١).
القرعة بين الزوجات في ابتداء المبيت:
١٢ - ذهب الشافعية والحنابلة والمالكية في
قول إلى وجوب القرعة بين الزوجات في ابتداء
المبيت، لأن البداءة بإحداهن تفضيل لها
والتسوية واجبة .
وذهب ابن المواز من المالكية إلى
استحباب القرعة بينهن في الابتداء.
وأما الحنفية ومالك فلا يرون القرعة،
وللزوج أن يختار من يبتدىءبها (٢).
والتفصيل في مصطلح (قسم بين
الزوجات).
(١) القليوبي ٣/ ٣٠٤_٣٠٥، وكشاف القناع ٥/ ١٩٩.
(٢) شرح الجلال المحلي ٣/ ٣٠٢ وما بعدها، وجواهر الإكليل
١/ ٣٢٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٤١، وكشاف القناع
٥/ ١٩٩ وما بعدها، وابن عابدين ٣/ ٢٠٨
- ١٤٠ -