النص المفهرس

صفحات 101-120

قُرْبَةٍ ١٠ - ١١
أجرا، يقول ابن تيمية: ما يؤخذ من بيت
المال ليس. عوضا وأجرة، بل رزق للإعانة على
الطاعة، فمن عمل منهم لله أثیب، وما
يأخذه فهو رزق للمعونة على الطاعة،
وكذلك المال الموقوف على أعمال البر،
والموصى به كذلك والمنذور كذلك، ليس
كالأجرة (١).
وذهب القرافي إلى أن باب الأرزاق أدخل
في باب الإِحسان وأبعد عن باب المعاوضة،
وباب الإِجارة أبعد من باب المسامحة وأدخل
في باب المکایسة .
ويظهر ذلك في مسائل منها :
القضاة يجوز أن یکون لهم أرزاق من بيت
المال على القضاء إجماعا، ولا يجوز أن
يستأجروا على القضاء بسبب أن الأرزاق
إعانة من الإِمام لهم على القيام بالمصالح، لا
أنه عوض عما وجب عليهم من تنفيذ
الأحکام عند قيام الحجج ونهوضها، ولو
استؤجروا على ذلك لدخلت التهمة في الحكم
بمعاوضة صاحب العوض، ويجوز في الأرزاق
التي تطلق للقاضي الدفع والقطع والتقليل
والتكثير والتغيير، ولو كان إجارة لوجب
(٢)
تسليمه بعينه من غير زيادة ولا نقص
٤
(١) الاختيارات لابن تيمية ص ١٥٣ .
(٢) الفروق للقرافي ٣/ ٣.
ويقول ابن قدامة: القضاء والشهادة
والإِمامة يؤخذ عليه الرزق من بيت المال وهو
نفقة في المعنى، ولا يجوز أخذ الأجرة
عليها (١) .
النيابة في القربة :
١١ - من القربات ما لا تجوز النيابة فيه في
الحياة بالإِجماع، وذلك كالإِيمان بالله تعالى
ومن ذلك العبادات البدنية المحضة، مثل
الصلاة والصوم والجهاد عن الحي، لقول الله
تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّمَاسَعَى ﴾،
إلا ما خص بدليل، وأما قول ابن عباس: لا
يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن
أحد (٢)، فذلك في حق العهدة لا في حق
الثواب .
ومن القربات ما تجوز فيه النيابة بالإجماع،
وهي القربات المالية كالزكاة والصدقة والعتق
والوقف والوصية والإِبراء، سواء كان الإِنسان
قادرا على أداء هذه القربات بنفسه أو لم يكن
قادرا، لأن الواجب فيها إخراج المال، وهو
يحصل بفعل النائب.
أما القربات التي تجمع بين الناحية
البدنية والمالية، كالحج، فعند الحنفية
(١) المغني ٣/ ٢٣١.
(٢) أثر ابن عباس: لا يصلي أحد عن أحد.
أخرجه النسائي في سننه الكبرى (٢ / ٣٤١)، وصحح إسناده
ابن حجر في التلخيص (٢ / ٢٠٩).
- ١٠١ -

قُرْبَة ١١
والشافعية والحنابلة تجوز النيابة في الحج،
لكنهم یقیدون ذلك بالعذر، وهو العجز عن
الحج بنفسه، كالشيخ الفاني والزَّمِن والمريض
الذي لا یرجی برؤه.
والمشهور عند المالكية أنه لا يجوز الاستنابة
في الحج، وقال الباجي : تجوز النيابة عن
المعضوب كالزمن والهرم، وقال أشهب: إن
أَجَّر صحيح من يحج عنه لزمه للخلاف (١).
أما بعد الممات، فعند الحنفية والمالكية لا
تجوز النيابة عن الميت في صلاة أو صوم إلا ما
قاله ابن عبد الحكم من المالكية من أنه
يجوز أن يستأجر عن الميت من يصلي عنه ما
فاته من الصلوات، كذلك قال الحنفية
والمالكية: من مات ولم يحج فلا يجب الحج
عنه إلا أن يوصي بذلك، وإذا لم يوص بالحج
عنه فتبرع الوارث بالحج بنفسه أو بإحجاج
رجل عنه جاز، لكن مع الكراهة عند
المالكية .
وعند الشافعية لا تجوز النيابة عن الميت في
الصلاة، أما الصوم ففيه قولان لمن لم يصم
حتى مات، أحدهما : لا يصح الصوم عنه لأنه
(١) البدائع ٢/ ١٠٣، ٢١٢، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٦،
٢٣٧، ومنح الجليل ١ / ٤٤٢، ٤٤٩ و٣٥٢/٣، والحطاب
٢ / ٥٤٣، ٥٤٤، والفروق ٢ / ٢٠٥ ٠ ١٨٥/٣ - ١٨٦،
والمهذب ١/ ٢٠٦، والمنثور ٣/ ٣١٢، ومغني المحتاج
٤٦٨/١ و٦٧/٣ - ٧٠، والقليوبي ٣/ ٧٣، ومنتهى
الإرادات ١ / ١٢١، ٤١٨، ٤٥٧، والمغني ٩/ ٣٠-٣١.
عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في حال الحياة
فكذلك بعد الموت، والقول الثاني : أنه يجوز
أن يصوم وليه عنه، لقول النبي وقال: ((من
مات وعليه صوم صام عنه وليه)) (١)، وهذا
الرأي هو الأظهر، أما الحج فمن مات بعد
التمكن ولم يؤد فإنه يجب القضاء من تركته،
لما روى بريدة قال: أتت النبي وَلقر امرأة
فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت ولم
تحج، فقال لها النبي بَّر: ((حجي
عنها)) (٢).
وعند الحنابلة لا تجوز النيابة عن الميت في
الصلاة أو الصيام الواجبين بأصل الشرع
- أي الصلاة المفروضة وصوم رمضان - لأن
هذه العبادات لا تدخلها النيابة حال الحياة
فبعد الموت كذلك، أما ما أوجبه الإِنسان على
نفسه بالنذر، فإن كان قد تمكّن من الأداء ولم
يفعل حتى مات، سُنّ لوليه فعل النذر
عنه (٣).
(١) حديث: ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٩٢)، ومسلم (٢ / ٨٠٣)
من حديث عائشة.
(٢) حديث بريدة: ((أتت النبي ( ﴿ امرأة ... ))
أخرجه مسلم (٢ / ٨٠٥).
(٣) البدائع ٢١٢،١٠٣/٢، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٦،
٢٣٧، منح الجليل ١ / ٤٤٢، ٤٤٩ و٣٥٢/٣، والحطاب
٥٤٣/٢، ٥٤٤، والفروق ٢/ ٢٠٥ و١٨٥/٣ - ١٨٦،
والمهذب ١ / ٢٠٦، والمنثور ٣/ ٣١٢، ومغني المحتاج
١ / ٤٦٨ و٣/ ٨٧ إلى ٧٠، والقليوبي ٣/ ٧٣، ومنتهي
الإرادات ١ / ١٢١، ٤١٨، ٤٥٧، والمغني ٩/ ٣١,٣٠.
- ١٠٢ -
1

قُرْبَةٍ ١٢
الإِيثار بالقُرَب :
١٢ - قال ابن عابدين: في حاشية الأشباه
للحموي عن المضمرات عن النصاب: وإن
سبق أحد إلى الصف الأول فدخل رجل أكبر
منه سنا أو أهل علم ينبغي أن يتأخر ويقدمه
تعظيما له. أ هـ ـ فهذا يفيد جواز الإِيثار
بالقرب بلا كراهة، ونقل العلامة البيري
فروعا تدل على عدم الكراهة، ويدل عليه
قوله تعالى ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١)، وما ورد من ((أنه عليه
الصلاة والسلام أُتي بشراب فشرب منه وعن
یمینه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام:
أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا
والله، لا أؤثر بنصيبي منك أحداً، قال: فَتَلَّه
رسول الله ﴾﴾ في یدە)) (٢)، ولا ريب أن
مقتضى طلب الإذن مشروعية ذلك بلا كراهة
وإن جاز أن يكون غيره أفضل منه. أهـ.
أقول: وينبغي تقييد المسألة بما إذا عارض
تلك القربة ما هو أفضل منها، كاحترام أهل
العلم والأشياخ كما أفاده الفرع السابق
والحديث ... ، وينبغي أن يحمل عليه ما
في النهر من قوله: واعلم أن الشافعية ذكروا
(١) سورة الحشر/ ٩.
(٢) حديث: ((أنه عليه الصلاة والسلام أتى بشراب ... ))
أخرجه مسلم (٣ / ١٦٠٤).
أن الإِيثار بالقرب مكروه كما لو كان في
الصف الأول فلما أقیمت آثر به، وقواعدنا
لا تأباه (١) .
وقال السيوطي : الإِيثار في القرب مكروه،
وفي غيرها محبوب، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢).
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا
إيثار في القربات، فلا إيثار بماء الطهارة، ولا
بستر العورة ولا بالصف الأول، لأن الغرض
بالعبادات التعظيم والإِجلال، فمن آثر به
فقد ترك إجلال الإله وتعظيمه .
وقال الإِمام: لو دخل الوقت - ومعه ماء
يتوضأ به - فوهبه لغيره ليتوضأ به لم يجز، لا
أعرف فيه خلافا، لأن الإِيثار إنما يكون فيما
يتعلق بالنفوس، لا فيما يتعلق بالقرب
والعبادات.
وقال النووي في باب الجمعة: لا يُقام
أحد من مجلسه ليجلس في موضعه. فإن قام
باختياره لم يكره، فإن انتقل إلى أبعد من
الإِمام كره، قال أصحابنا: لأنه آثر بالقربة.
وقال القرافي: من دخل عليه وقت
الصلاة، ومعه ما يكفيه لطهارته، وهناك من
يحتاجه للطهارة، لم يجز له الإِيثار، ولو أراد
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٨٢ - ٣٨٣.
(٢) سورة الحشر/ ٩.
- ١٠٣ -

قُرْبَة ١٢ - ١٣
المضطر إيثار غيره بالطعام لاستبقاء مهجته،
کان له ذلك وإن خاف فوات مهجته .
والفرق أن الحق في الطهارة لله فلا يسوغ
فيه الإِيثار، والحق في حال المخمصة لنفسه،
وقد علم أن المهجتين على شرف التلف إلا
واحدة ت ستدرك بذلك الطعام، فحسن إيثار
غيره على نفسه .
وقال الخطيب في الجامع: كره قوم إيثار
الطالب غيره بنوبته في القراءة، لأن قراءة
العلم والمسارعة إليه قربة والإِيثار بالقرب
مکروہ (١).
مراتب القربات :
١٣ - أ - أفضل القربات هو الإِيمان بالله
تعالى، فقد سئل النبي وَله: ((أي الأعمال
أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله)) (٢) ،
جعل النبي وَلّ الإِيمان أفضل الأعمال، لجلبه
لأحسن المصالح ودرئه لأقبح المفاسد مع شرفه
في نفسه وشرف متعلقه، وثوابه الخلود في
الجنان، والخلوص من النيران وغضب الملك
الديان (٣).
ب - ثم يلي ذلك الفرائض التي افترضها
(١) الأشباه للسيوطي ص ١٢٩ /- ١٣٠
(٢) حديث سئل النبي#: ((أي الأعمال أفضل .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٣٨٠)، ومسلم (١ / ٨٨)
من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري .
(٣) قواعد الأحكام ١ / ٤٦ - ٤٧، والفروق ٢ / ٢١٥ .
الله على عباده، لما ورد عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه قال: قال رسول الله وَالاته: ((إن الله
تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته
بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب
إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب
إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت
سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر
به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي
بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذ بي
لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله
ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره
مَساءته))(١).
جاء في فتح الباري: يستفاد من الحديث
أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله، وفي
الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال
الأمر واحترام الآمر، وتعظيمه بالانقياد إليه،
وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية فكان
التقرب بذلك أعظم العمل (٢).
ج - وبعد منزلة الفرائض في القربة تكون
منزلة النوافل، بدليل ما ورد في الحديث
السابق، قال الفاكهاني: إذا أدى العبد
الفرائض وداوم على إتيان النوافل، نال محبة
(١) حديث ((إنّ الله قال من عادى لي ولياً ... ))
: أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٤٠ - ٣٤١).
(٢) الفروق ٢ / ١٢٢، وقواعد الأحكام ١/ ٥٥، وفتح الباري
١١/ ٣٤١ - ٣٤٣.
- ١٠٤ -

قُرْبَةٍ ١٣
الله تعالى، وكل فريضة تقدم على نوعها من
النوافل كتقديم فرائض الصلوات على
نوافلها، وفرائض الصيام على نوافله وتقدیم
فرائض الصدقات على نوافلها، وهكذا (١).
د - وإذا كانت قرب الفرائض تأتي في
المرتبة الثانية بعد الإِيمان فقد اختلف الفقهاء
في أفضل هذه الفرائض، فقيل: إن الصلاة
أفضل الأعمال لقول النبي وَالى: ((اعلموا أن
خير أعمالكم الصلاة)) (٢)، وعن عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى
عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة،
وقيل: إن الصيام أفضل، لقول النبي ◌َّ ه في
الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم له إلا
الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)) (٣)، وقيل: إن
الحج أفضل الأعمال (٤) .
هـ ـ والقرب في فرض العين تقدم على
القرب في فرض الكفاية، لأن طلب الفعل
من جميع المكلفين يقتضي أرجحيته على ما
(١) قواعد الأحكام ١/ ٥٥، والفروق ٢/ ١٢٢، وفتح الباري
٣٤٣/١١.
(٢) حديث: ((اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة))
أخرجه ابن ماجه (١ /١٠١ - ٢°١٠)، والحاكم (١/ ١٣٠) من
حديث ثوبان، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصيام ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١١٨)، ومسلم (٢ / ٨٠٦)
من حديث أبي هريرة.
(٤) الفروق ١/ ١٣٣، والمجموع شرح المهذب ٣ / ٤٥٧ تحقيق
المطبيعي، وقواعد الأحكام ١ / ٥٥ -٥٦، والخطاب
٥٣٨/٢.
طلب من البعض فقط، ولأن فرض الكفاية
يعتمد عدم تكرار المصلحة بتكرر الفعل،
وفرض الأعيان يعتمد تكرر المصلحة بتكرر
الفعل، والفعل الذي تتكرر مصلحته في
جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من
الذي لاتوجد المصلحة معه إلاّ في بعض
صوره (١).
و- على أن تقديم بعض القرب على
بعض یختلف بحسب حال الإِنسان، فقد
سئل النبي مسلم: أي العمل أفضل؟ فقال:
((الصلاة لوقتها))، وسئل: أي الأعمال
أفضل؟ فقال: ((بر الوالدين))، وسئل أي
الأعمال أفضل؟ فقال: ((حج مبرور))،
وهذا جواب لسؤال السائل، فيختص بما
يليق بالسائل من الأعمال، لأن الصحابة
رضوان الله عليهم ما كانوا يسألون عن
الأفضل إلا ليتقربوا به إلى ذي الجلال، فكأن
السائل قال: أي الأعمال أفضل لي فقال:
((بر الوالدين))، لمن له والدان يشتغل ببرهما،
وقال لمن يقدر على الجهاد لما سأله عن أفضل
الأعمال بالنسبة إليه: ((الجهاد في سبيل
الله)) (٢)،
(١) تهذيب الفروق بهامش الفروق ٢ / ٢٠١.
(٢) أحاديث: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، وحج مبرور، والجهاد
في سبيل الله .
أخرجها البخاري (فتح الباري ١ /٧٧، ٤٠٠/١٠)
- ١٠٥ -

قُرْبَة ١٣
وقال لمن يعجز عن الحج والجهاد: ((الصلاة
لأول وقتها)) (١)
.
ز - ويختلف الفقهاء في مراتب النوافل من
العبادات، فقال المالكية والشافعية في
المذهب: إن نوافل الصلاة أفضل من تطوع
غيرها لأنها أعظم القربات، لجمعها أنواعا
من العبادات لا تجمع في غيرها.
وعند الحنابلة أفضل تطوعات البدن
الجهاد لقوله تعالى ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ ﴾(٢)، ثم
تعلم العلم وتعليمه، ثم الصلاة (٣).
ح - أما القرب من غير العبادات
المفروضة، فمرتبتها تكون بحسب المصلحة
الناشئة عنها، فقد جاء في المنثور: مراتب
القرب تتفاوت، فالقربة في الهبة أتم منها في
القرض، وفي الوقف أتم منها في الهبة، لأن
نفعه دائم یتکرر، والصدقة أتم من الکل،
لأن قطع حظه من المتصدق به في الحال (٤)،
وقيل: إن القرض أفضل من الصدقة (٥)،
لأن «رسول الله پټرأی ليلة أسرى به مكتوبا
(١) قواعد الأحكام ١ / ٥٦.
(٢) سورة النساء / ٩٥.
(٣) الشرح الصغير ١ / ١٤٥ ط. الحلبي، والمهذب ١ / ٨٩،
والمجموع ٢ / ٤٥٦ - ٤٥٩، وشرح منتهى الإرادات
١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٤) المنثور ٣ / ٦٢.
(٥) منح الجليل ٣ / ٤٦، والمهذب ١/ ٣٠٩.
على باب الجنة: درهم القرض بثمانية عشر
درهم، ودرهم الصدقة بعشر، فسأل
جبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة،
فقال: لأن السائل يسأل وعنده (أي ما
يكفيه) والمستقرض لايستقرض إلا من
حاجة (١).
وتکسِّب ما زاد على قدر الكفاية - لمواساة
الفقير أو مجازاة القريب - أفضل من التخلي
لنفل العبادة، لأن منفعة النفل تخصه ومنفعة
الكسب له ولغيره (٢)، وقد قال النبي وليد:
((خير الناس أنفعهم للناس)) (٣) .
وفي الأشباه لابن نجيم: بناء الرباط
بحيث ينتفع به المسلمون أفضل من الحجة
الثانية (٤)
واختار عز الدين بن عبد السلام تبعا
للغزالي في الإحياء: أن فضل الطاعات على
قدر المصالح الناشئة عنها، فتصدق البخيل
(١) حدیث «أن رسول الله ﴾ رأی ليلة أسري به مكتوبا على باب
الجنة ... ))
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨١٢) من حديث أنس بن مالك،
وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٤٧).
(٢) الاختيار ٤/ ١٧٢ .
(٣) حديث: ((خير الناس أنفعهم للناس))
أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٢٢٣) من حديث
جابر بن عبد الله.
(٤) الأشباه ص ١٧٤ .
- ١٠٦ -

قُرْبَة ١٣ - ١٥
بدرهم أفضل في حقه من قيام ليلة وصيام
أیام (١).
نذر القربة :
١٤ - يتفق الفقهاء على جواز نذر ما يعتبر
قربة مما له أصل في الوجوب بالشرع،
كالصوم والصلاة والحج وغير ذلك من
العبادات التي شرعت للتقرب بها إلى الله
سبحانه وتعالى، وعلم من الشارع الاهتمام
بتكليف الخلق إيقاعها عبادة، فهذا النذر
يلزم الوفاء به بلا خلاف.
وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى
أنه يشترط في القربة المنذورة أن لا تكون واجبة
على الإِنسان ابتداء، كالصلاة المفروضة وصوم
رمضان، لأن النذر التزام، ولا يصح التزام ما
هو لازم له .
وقال ابن قدامة موضحا مذهب الحنابلة :
قال أصحابنا: نذر الواجب كالصلاة
المكتوبة لا ينعقد، ويحتمل أن ينعقد نذره
موجبا کفارة یمین إن تركه، كما لو حلف على
فعله، فإن النذر کالیمین.
لكن جاء في شرح منتهى الإرادات:
ينعقد النذر في الواجب، كَلِلَّهِ علىّ صوم
رمضان ونحوه كصلاة الظهر، ثم قال: وعند
(١) المنثور ٢ / ٤٢١ - ٤٢٢.
الأكثر لا ینعقد النذر في واجب (١).
واختلف الفقهاء في نذر القرب التي لا
أصل لها في الفروض كعيادة المرضى وتشييع
الجنائز، ودخول المسجد وإفشاء السلام بين
المسلمين، وقراءة القرآن، وغير ذلك من
الأمور التي رغب الشارع فيها .
فذهب المالكية والشافعية في الصحيح
والحنابلة إلى جواز نذر هذه القرب ولزوم
الوفاء بها .
وعند الحنفية لا يصح هذا النذر، لأن
الأصل عندهم أن ما لا أصل له في الفروض
لا یصح النذر به.
ومقابل الصحيح عند الشافعية أنه لا يلزم
الوفاء بنذر مثل هذه القرب (٢) .
الوصية بالقربة :
١٥ - تستحب الوصية بالقربة باتفاق، لأن
الإِنسان يحتاج إلى أن يكون خَتْم عمله
بالقربة زيادة على القرب السابقة، فتزید بها
حسناته، وقد تكون تداركا لما فرّط فيه في
حیاته فتكون الوصية ليدرك بها ما فات.
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٨٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٦٢، والمواق
بهامش الحطاب ٣١٦/٣، وروضة الطالبين ٣/ ٣٠١،
وحاشية الجمل ٥/ ٣٢٣، والمغني ٩/ ١ - ٦، ومنتهى
الإرادات ٣ / ٤٤٩.
(٢) البدائع ٥ / ٨٣، والدسوقي ٢/ ١٦٢، وروضة الطالبين
٣٠٢/٣، وحاشية الجمل ٥ / ٣٢٣، والمغني ٩ / ٢، وشرح
منتهى الإرادات ٣/ ٤٥٠ .
- ١٠٧ -

قُرْبَة ١٥
ولهذا قال النبي ◌َّا و: ((إن الله تصدق
علیکم عند وفاتکم بثلث أموالكم زیادة لکم
في أعمالكم)) وفي رواية: ((إن الله أعطاكم
ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في
أعمالكم)) (١)، ولهذا لا تصح الوصية بما لا
قربة فيه كوصية المسلم للكنيسة (٢).
وقد تجب الوصية إذا كان على الإِنسان
قُرب واجبة كالحج والزكاة والكفارات (٣).
ورغم أن التبرعات لا تصح من الصبي
إلا أن المالكية والحنابلة وفي قول عند
الشافعية أجازوا وصية الصبي المميز
بالقرب، لأنه تصرف تمحض نفعا للصبي،
فصح منه كالإِسلام والصلاة وذلك لأن
الوصية صدقة يحصل ثوابها له بعد غناه عن
ملکه وماله، فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه
ولا أخراه (٤).
ويختلف الفقهاء في تقديم بعض القرب
(١) حديث: ((إن الله تصدق علیکم عند وفاتكم ... ))
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٩٠٤) من حديث أبي هريرة، والرواية
الثانية للبيهقي (٦/ ٢٦٩)، وضعف إسناده البوصيري في
مصباح الزجاجة (٢ / ٩٨)، وأشار ابن حجر في ((بلوغ المرام))
(ص ٣٢٣) إلى تقويته بطرقه.
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٣٣٠، ومنح الجليل ٤ / ٦٤٣، ٦٤٩،
والمهذب ١/ ٤٥٨، ومغني المحتاج ٣٩/٣، والمغني
٩/ ٢ - ٣.
(٣) البدائع ٧/ ٣٣٠، ومغني المحتاج ٣/ ٣٩، والمغني ٩/ ١،
ومنح الجليل ٤ / ٦٤٣.
(٤) المغني ٩/ ١٠١، ومغني المحتاج ٣/ ٣٩، ومنح الجليل
٤ / ٦٤٣.
على بعض في الوصية، وبيان ذلك فيما يلي :
قال الحنفية: من أوصى بوصايا من
حقوق الله تعالی قدمت الفرائض منها، سواء
قدمها الموصي أو أخرها مثل الحج والزكاة
والكفارات، لأن الفريضة أهم من النافلة،
والظاهر منه البداءة مما هو الأهم، فإن
تساوت في القوة بدىء بما قدمه الموصي إذا
ضاق عنها الثلث، لأن الظاهر أنه يبتدىء
بالأهم، وذكر الطحاوي أنه يبتدىء بالزكاة
ويقدمها على الحج، وهو إحدى الروايتين
عن أبي يوسف، وفي رواية عنه أنه يقدم
الحج، وهو قول محمد، ثم تقدم الزكاة
والحج على الكفارات لمزيتهما عليها في القوة،
والكفارة في القتل والظهار واليمين مقدمة على
صدقة الفطر، لأنه عرف وجوبها بالقرآن دون
صدقة الفطر حيث ثبت وجوبها بالسنة،
وصدقة الفطر مقدمة على الأضحية، وعلى
هذا القياس يقدم بعض الواجبات على
البعض، ويقسم الثلث على جميع الوصايا.
فما أصاب القرب صرف إليها على الترتيب
الذي ذکر (١).
وقال المالکیة : إن ضاق الثلث عما أوصى
به، فإنه یقدم فك أسیر، ثم مدبّر في حال
الصحة، ثم صداق مریض، ثم زكاة أوصى
(١) الهداية ٤ / ٢٤٧ - ٢٤٨.
- ١٠٨ -

قُرْبَة ١٥ - ١٦
بإخراجها من ماله فتخرج من باقي ثلثه بعد
إخراج ما تقدم، إلا أن يعترف بحلول الزكاة
عليه بتمام الحول فتخرج من رأس المال،
كزكاة الحرث والماشية إن مات المالك بعد
إفراك الحب وطيب الثمر ومجيء الساعي،
فتخرج من رأس المال، ثم يخرج من باقي
الثلث زكاة الفطر التي فرّط في إخراجها، ثم
بعد ذلك كفارة ظهار وقتل خطأ، ثم كفارة
يمين، ثم كفارة الفطر في رمضان (١).
وقال الحنابلة: إن وصَّی بشيء في أبواب
البر صرف في القرب جميعها، لعموم اللفظ
وعدم المخصّص، ويبدأ منها بالغزو نصا،
لقول أبي الدرداء: إنه أفضل القرب، ولو
قال الموصي لوصيه: ضع ثلثي حيث أراك الله
تعالى أو حیث یریك الله تعالى، فله صرفه في
أي جهة من جهات القرب رأی وضعه فيها
عملا بمقتضى الوصية، والأفضل صرفه إلى
فقراء أقارب الموصي غير الوارثين، لأنه فيهم
صدقة وصلة (٢).
القربة في الوقف :
١٦ - الأصل في الوقف أنه من القرب
المندوب إليها، إذ هو حبس الأصل والتصدق
بالمنفعة، والأصل فيه ما روى عبد الله بن
(١) جواهر الإكليل ٢/ ٣٢٢ -٣٢٣.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٥٥٠.
عمر رضي الله تعالى عنهما، قال ((أصاب
عمر بخيبر أرضاً، فأتى النبي ◌َّر فقال:
أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه
فكيف تأمرني به؟ فقال: ((إن شئت حبست
أصلها وتصدقت بها)) فتصدق عمر أنه لا
يباع أصلها ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء
والقربى والرقاب، وفي سبيل الله والضيف
وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل
منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول
فیه)) (١).
وورد عن النبي ◌ّله أنه قال: ((إذا مات
الإِنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا
من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد
صالح يدعو له)) (٢).
والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على
الوقف كما قاله الرافعي، فإن غيره من
الصدقات ليست جارية (٣).
والوقف الذي يترتب عليه الثواب هو ما
تحققت فيه القربة، والقربة تتحقق بأمرين:
أحدهما: أن ينوي بوقفه التقرب إلى الله
(١) حديث ابن عمر: ((أصاب عمر بخيبر أرضاً ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٣٩٩).
(٢) حديث: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله ... ))
تقدم فقرة (٩).
(٣) منح الجليل ٤ / ٣٤، والخرشي ٧ / ٨١، والاختيار
٣/ ٤٠ - ٤١، والمهذب ١ / ٤٤٧، ومغني المحتاج
٢ / ٣٧٦، والمغني ٥/ ٥٩٧ - ٥٩٨، وشرح منتهى الإرادات
٢/ ٤٨٩.
- ١٠٩ -

...
قُرْبَة ١٦، قرد
سبحانه وتعالى ، يقول ابن عابدين: الوقف
ليس موضوعا للتعبد به كالصلاة والحج،
بحيث لا يصح من الكافر أصلا، بل
التقرب به موقوف على نيّة القربة، فهو بدونها
مباح (١).
وفي شرح منتهى الإرادات: الوقف تقربا
إلى الله تعالى إنما هو في وقف يترتب عليه
الثواب، فإن الإِنسان قد يقف على غيره
توددا، أو على أولاده خشية بيعه بعد موته
وإتلاف ثمنه، أو خشية أن يحجر عليه فيباع
في دينه، أو رياء ونحوه، فهذا وقف لازم لا
ثواب فيه، لأنه لم يبتغ به وجه الله تعالى(٢) . .
والثاني: أن يكون الموقوف عليه جهة بر
ومعروف، كالفقراء والمساكين والمساجد وغير
ذلك، ولذلك فإن الوقف على الأغنياء
صحيح عند جمهور الفقهاء ولكنه لا قربة
فيه، جاء في مغني المحتاج: إن وقف على
جهة لا تظهر فيها القربة كالأغنياء صح في
الأصح، نظرا إلى أن الوقف تمليك. والثاني:
لا، والمعتمد أنه يصح الوقف على الأغنياء
وأهل الذمة والفساق (٣).
ويقول الحصكفي وابن عابدين : يشترط
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣٥٨.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨١،
والدسوقي ٤ / ٧٧ .
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٨١.
في محل الوقف ان یکون قربة في ذاته، أي بأن
يكون من حيث النظر إلى ذاته وصورته قربة ،
والمراد أن يحكم الشرع بأنه لو صدر من مسلم
يكون قربة حملا على أنه قصد القربة، وهذا
شرط في وقف المسلم (١).
قرد
انظر: أطعمة
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣/ ٣٦٠.
- ١١٠ -

قَرْض ١ - ٢
قَرْض
التعريف :
١ - القَرْض: في اللغة مصدر قَرَضَ الشيءَ
يَقْرِضُهُ: إذا قَطَعَه.
والقَرْض: (١) اسم مصدر بمعنى
الإِقراض. يقال: قَرَضْتُ الشيء بالمقراض،
والقَرْضُ: ما تعطيه الإِنسان من مالك
لتُقْضَاه، وكأنه شيء قد قطعته من
مالك، ويقال: إنّ فَلاناً وفلاناً يتقارضان
الثناء، إذا أثنی کلُّ واحد منهما على صاحبه،
وكأنَّ معنى هذا أنَّ كل واحد منهما أقرض
صاحبه ثناءً، كقرض المال (٢) .
وفي الاصطلاح: دَفْعُ مالٍ إرفاقاً لمن ينتفع
به ویرد بدله (٣)
(١) بفتح القاف وكسرها، ويمن حكى الكسر ابن السكيت
والجوهري وآخرون عن حكاية الكسائي، (انظر الصحاح،
والقاموس المحيط وتحرير ألفاظ التنبيه ص ١٩٣).
(٢) معجم مقاييس اللغة والصحاح للجوهري، والقاموس المحيط
والمغرب للمطرزي، والزاهر للأزهري ص ٢٤٧، وتحرير ألفاظ
التنبيه للنووي، ط. دار القلم ص ١٩٣، والمطلع للبعلي
ص ٢٤٦، والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب
١ / ٣٠٩، وبصائر ذوي التمييز ٤ / ٢٥٨، ومفردات الراغب
الأصبهاني . .
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ / ١٧١، ومرشد=
قالوا: ويسمى نفس المال المدفوع على
الوجه المذكور قرضاً، والدافعُ للمال.
مقرضاً، والآخذ: مقترضاً، ومستقرضاً
ويسمى المالُ الذي يردّه المقترضُ إلى المقرض
عوضاً عن القرض: بدل القرض، وأخْذُ
المال على جهة القرض: اقتراضاً.
والقرض بهذا المعنى عند الفقهاء هو
القرضُ الحقيقي، وقد تفرّد الشافعية فجعلوا
له قسيماً سموه: القرض الحكمي، ووضعوا
له أحكاماً تخصّه، ومثّلوا له بالإِنفاق على
اللقيط المحتاج، وإطعام الجائع، وكسوة
العاري، إذا لم يكونا فقراء، بنيّة القرض،
وبمن أمر غيره بإعطاء مالٍ لغرض الآمر.
كإعطاء شاعر أو ظالم، أو إطعام فقير أو فداءٍ
أسيٍ، وَكَبِعْ هذا وأنفقه على نفسك بنيّة
(١)
القرض
.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - السلف:
٢ - من معاني السلف القرض. يقال تَسَلَّفَ
واستسلف: أي استقرض ليردّ مثله عليه،
وقد أسلفته: أي أقرضته، ويأتي السلفُ
= الحيران م ٧٩٦، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ١٥٠، وتحفة
المحتاج ٥/ ٣٦، وكشاف القناع ٣/ ٢٩٨.
(١) انظر تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ٥ / ٣٧، ٤٠، ونهاية
المحتاج ٤ / ٢١٨، وأسنى المطالب ٢ / ١٤١.
- ١١١ -

قَرْض ٢ - ٤
أيضاً بمعنى السّلم. يقال: سلّف وأسلف
بمعنى سلّم وأسلم (١).
والسلف أعم من القرض.
ب - القراض:
٣ - وهو المضاربة، وهو أن يدفع الرجل إلى
الرجل نقداً ليتجر به على أنّ الربح بينهما على
ما يتشارطانه. قال الأزهري: ((وأصل
القراض مشتق من القرض، وهو القطع،
وذلك أنّ صاحب المال قطع للعامل فيه
قطعة من ماله، وقطع له من الربح فيه شيئًا
معلوماً ... وخصّت شركة المضاربة
بالقراض، لأن لكل واحدٍ منهما في الربح شيئًا
مقروضاً، أي مقطوعاً لا يتعداه (٢).
(ر: مضاربة).
والصلة بينهما أن في كل منهما دفع المال إلى
الغير، إلا أنه في القرض على وجه الضمان وفي
القراض على وجه الأمانة .
مشروعية القرض:
٤ - ثبتت مشروعية القرض بالكتاب والسنة
والإجماع (٣).
أما الكتاب، فبالآيات الكثيرة التي تحث
(١) الزاهر ص ١٤٨، ٢١٧.
(٢) الزاهر للأزهري ص ٢٤٧ .
(٣) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٤ / ٢١٥، وتحفة
المحتاج وحاشية الشرواني ٥/ ٣٦.
على الإقراض، كقوله تعالى ﴿ مَّنْ ذَا
الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا
كَثِيرَةٌ﴾(١)، ووجه الدلالة فيها أنّ المولى
سبحانه شبّه الأعمال الصالحة والإنفاق في
سبيل الله بالمال المقرض، وشبّه الجزاء
المضاعف على ذلك ببدل القرض، وسمّی
أعمال البر قرضاً، لأن المحسن بذلها ليأخذ
عوضها، فأشبه من أقرض شيئاً ليأخذ
عوضه (٢) .
وأمّا السنة، ففعله ێ، حیث روی
أبورافع رضي الله عنه ((أنّ رسول الله واله
استسلف من رجل بکراً، فقدمت علیه إبل
من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي
الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم
أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه
" إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء)) (٣).
ثم ما ورد فيه من الأجر العظيم، كقوله
مَثلية: ((ما من مسلم يُقرض مسلماً قرضا مرتين
إلّ كان كصدقتها مرة)) (٤).
وأما الإِجماع، فقد أجمع المسلمون على
(١) سورة البقرة / ٢٤٥ .
(٢) الإِشارة إلى الإِيجاز العز بن عبد السلام ص ١٢٠ .
(٣) حديث أبي رافع: ((أن النبي # استسلف من رجل بكراً ... ))
أخرجه مسلم(٣ / ١٢٢٤).
(٤) حديث: ((ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين ... ))
أخرجه ابن ماجه (٨١٢/٢) من حديث عبد الله بن مسعود،
وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢٠٧٤/٢).
- ١١٢ -

قَرْض ٤ - ٦
جواز القرض (١).
الحكم التكليفي للقرض:
٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الأصل في
القرض في حقّ المقرض أنه قربة من القُرب،
لما فيه من إيصال النفع للمقترض، وقضاء
حاجته، وتفریج کربته، وأنّ حکمه من
حيث ذاته الندب (٢)، لما روى أبو هريرة
رضي الله تعالى عنه عن النبي وَلغير أنه قال:
«من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا،
نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة،
ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا
والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا
والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في
عون أخيه)) (٣)، لكن قد يعرض له الوجوب
أو الكراهة أو الحرمة أو الإباحة، بحسب ما
یلابسه أو يفضي إليه، إذ للوسائل حكم
المقاصد .
وعلى ذلك: فإن كان المقترض مضطراً،
(١) المغني لابن قدامة ٦/ ٤٢٩، ط. هجر، والمبدع ٤ / ٢٠٤،
وکشاف القناع ٣/ ٢٩٨ .
(٢) قال الشبراملسي: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق في ذلك بین کون
المقترض مسلماً أو غيره، وهو كذلك، فإن فعل المعروف مع
الناس لا يختص بالمسلمين، ويجب علينا الذبّ عن أهل الذمة
منهم، والصدقة عليهم جائزة، وإطعام المضطر منهم واجب،
(حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٤ / ٢١٥، وانظر
حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٥ / ٣٦).
(٣) حديث: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ... ))
أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤).
والمقرِض مليئا كان إقراضه واجباً، وإن علم
المقرِضُ أو غلب على ظنه أنّ المقترض يصرفه
في معصية أو مکروہ کان حراماً أو مكروها
بحسب الحال، ولو اقترض تاجِرٌ لا لحاجة،
· بل ليزيد في تجارته طمعاً في الربح الحاصل
منه، كان إقراضه مباحاً، حيث إنه لم يشتمل
على تنفيس كربة، ليكون مطلوباً شرعاً (١).
٦ - أمّا في حقّ المقترض، فالأصل فيه
الإِباحة، وذلك لمن علم من نفسه الوفاء،
بأن كان له مال مرتجى، وعزم على الوفاء منه،
وإلا لم يجز، ما لم يكن مضطرا - فإن كان
كذلك وجب في حقه لدفع الضرّ عن نفسه -
أو كان المقرِضُ عالماً بعدم قدرته على الوفاء
وأعطاه، فلا يحرم، لأنّ المنع كان لحقّه، وقد
أسقط حقّه بإعطائه مع علمه بحاله (٢)، قال
ابن حجر الهيتمي: فعلم أنه لا يحلّ لفقير
(١) المغني ٦/ ٤٢٩ (ط. هجر)، والمبدع ٤ / ٢٠٤، وشرح منتهى
الإِرادات ٢ / ٢٢٥، وكشاف القناع ٣/ ٢٩٩، والمهذب
١/ ٣٠٩، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ١٤٠،
ونهاية المحتاج ٤ / ٢١٥ وما بعدها، وتحفة المحتاج وحاشية
الشرواني عليه ٥ / ٣٦، ومواهب الجليل ٤ / ٥٤٥، والزرقاني
على خليل ٥/ ٢٢٦، والعدوي على الخرشي ٥/ ٢٢٩،
والعدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ١٥٠، والتاج والإكليل
٤ / ٥٤٥، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٧، وروضة الطالبين
٤ / ٣٢، والإِنافة في الصدقة والضيافة لابن حجر الهيتمي
ص ١٥٥ ، ١٥٦.
(٢) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني والعبادي عليه ٥/ ٣٦ وما
بعدها، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسى عليه ٤ / ٢١٦،
وكشاف القناع ٣/ ٢٩٩، والمغني ٦ / ٤٢٩ (ط. هجر).
- ١١٣ -

قَرْض ٦ - ٩
....
إظهار الغنى عند الاقتراض، لأنّ فيه تغریراً
للمقرض (١)، وقال أيضاً: ومن ثَمَّ لو علم
المقترض أنه إنما يقرضه لنحو صلاحه، وهو
باطناً بخلاف ذلك حرم عليه الاقتراض
أيضاً، كما هو ظاهر(٢).
توثيق القرض:
٧ - ذهب الفقهاء إلى أنّ كتابة الدين
والإِشهاد علیه مندوبان وليسا واجبين مطلقاً،
والأمر بهما في الآية إرشاد إلى الأوثق والأحوط،
ولا يراد به الوجوب (٣)، قال الإِمام
الشافعي: فلما أمر إذا لم يجدوا كاتباً بالرهن،
ثم أباح ترك الرهن وقال: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أُؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ (٤)، فدلّ
على أنّ الأمر الأول دلالة على الحظّ، لا فرض
فيه يعصي من تركه (٥). والتفصيل في
مصطلح (توثيق ف ٧).
أركان القرض:
٨ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ أركان عقد
(١) الإِنافة في الصدقة والضيافة لابن حجر الهيتمي ص ١٥٥،
وانظر نهاية المحتاج ٤ / ٢١٦.
(٢) تحفة المحتاج ٥/ ٣٧.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١/ ٤٨١-٤٨٢، والأم للشافعي
٣/ ٨٩ وما بعدها، والمغني لابن قدمة ٤ / ٣٦٢، (ط. مكتبة
الرياض الحديثة) وأحكام القرآن لابن العربي
١ / ٢٥٨، ٢٦٢.
(٤) سورة البقرة / ٢٨٣ .
(٥) أحكام القرآن للإِمام الشافعي ٢/ ١٢٧ .
القرض ثلاثة :
١ - الصيغة (وهي الإِيجاب والقبول).
٢ - العاقدان (وهما المقرض والمقترض).
٣ - المحل (وهو المال المقرض).
وذهب الحنفية إلى أن ركن القرض هو
الصيغة المؤلفة من الإِيجاب والقبول الدالّين
على اتفاق الإِرادتين وتوافقهما على إنشاء هذا
العقد .
الركن الأول: الصيغة (الإيجاب والقبول):
٩ - لا خلاف بين الفقهاء في صحة الإيجاب
بلفظ القرض والسلف وبكل ما يؤدي
معناهما، كأقرضتك وأسلفتك وأعطيتك
قرضاً أو سلفاً، وملّكتك هذا على أن تردّ لي
بدله، وخذ هذا فاصرفه في حوائجك وردّ لي
بدله، ونحو ذلك ... أو توجد قرينة دالة
على إرادة القرض، كأن سأله قرضاً.
فأعطاه ... وكذا صحة القبول بكل لفظ
يدلّ على الرضا بما أوجبه الأول، مثل:
استقرضت أو قبلت أو رضیت وما يجري هذا
المجرى (١)، قال الشيخ زكريا الأنصاري :
(١) بل إنَّ الحنفية نصّوا على صحة القرض بلفظ الإعارة، نظراً لأنَّ
إعارة المثليات قرض حقيقة (رد المحتار ٤ / ١٧١، والهداية مع
فتح القدير، ط. الميمنية ٧ / ٤٧٤)، وانظر بدائع الصنائع
٧/ ٣٩٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، وكشاف القناع
٣/ ٢٩٩، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٣٠ وما بعدها ط. هجر،
والمهذب ١ / ٣٠٩، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٠ - ١٤١، ونهاية
المحتاج ٤ / ٢١٧ - ٢١٨، وتحفة المحتاج ٥/ ٣٧ - ٣٩،
وروضة الطالبين ٤ / ٣٢.
- ١١٤ -

قَرْض ٩
وظاهر أنّ الالتماس من المقرض، کاقترض
مني، يقوم مقام الإِيجاب، ومن المقترض،
كأقرضني، يقوم مقام القبول، كما في
البيع (١).
وقال النووي: وقطع صاحب التتمة بأنه
لا يشترط الإيجاب ولا القبول، بل إذا قال
لرجل: أقرضني كذا، أو أرسل إليه رسولاً،
فبعث إليه المال، صحّ القرض، وكذا لو قال
ربّ المال: أقرضتك هذه الدراهم، وسلّمها
إليه ثبت القرض (٢) .
والشافعية مع قولهم - في الأصح -
باشتراط الإِيجاب والقبول لصحة القرض،
كسائر المعاوضات، استثنوا منه ما سمّوه
بـ (( القرض الحكمي ))، فلم يشترطوا فيه
الصيغة أصلاً (٣)، قال الرملي: أما القرض .
الحكمي، فلا يشترط فيه صيغة، كإطعام
جائع، وكسوة عارٍ، وإنفاق على لقيط، ومنه
أمر غيره بإعطاء مَالَهُ غرض فيه، كإعطاء
شاعر أو ظالم، أو إطعام فقير، وَكَبِعْ هذا
وأنفقه على نفسك بنيّة القرض (٤).
واتفق أبو يوسف ومحمد بن الحسن عَلَى
أنّ ركن القرض هو الإِيجاب والقبول، لكن
روي عن أبي يوسف أن الركن فيه الإيجاب
فقط، وأمّا القبول فليس بركن، حتى لو
حلف لا يقرض فلاناً، فأقرضه، ولم يقبل، لم
يحنث عند محمد، وهو إحدى الروايتين عن
أبي یوسف، وفي الرواية الأخرى: يحنث (١)،
قال الكاساني: وجه هذه الرواية: أنّ
الإِقراض إعارة والقبول ليس بركن في
الإِعارة، ووجه قول محمد، أنّ الواجب في
ذمَّةِ المستقرِضِ مثل المستقرَض، فلهذا
اختصّ جوازه بما له مثل، فأشبه البيع، فكان
القبول ركناً فيه كما في البيع (٢) .
وفرّع أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية
على اشتراط الإيجاب والقبول لانعقاد
القرض، ما لو قال المقرض للمستقرض:
أقرضتك ألفاً، وقبل، وتفرّقًا، ثم دفع إليه
الألف، أنه إن لم يطل الفصل جاز، لأن
الظاهر أنه قصد الإِيجاب، وإن طال الفصل
لم يجز حتى يعيد لفظ القرض، لأنه لا يمكن
البناء على العقد مع طول الفصل (٣).
والتفصيل في (عقد ف ٥ - ٢٧).
(١) أسنى المطالب شرح روض الطالب ٢ / ١٤١.
(٢) روضة الطالبين ٤/ ٣٢.
(٣) تحفة المحتاج ٥ / ٤٠، وأسنى المطالب ٢ / ١٤١.
(٤) نهاية المحتاج ٤ / ٢١٨ .
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٩٤.
(٢) البدائع ٧ / ٣٩٤.
(٣) المهذب ١/ ٣١٠.
- ١١٥ -

قَرْض ١٠ - ١١
الركن الثاني :
العاقدان (المقرِضِ والمقترض):
(أ) ما يشترط في المقرِض:
١٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط في
المقرِض أن يكون من أهل التبرع، أي حرًّا
بالغاً عاقلاً رشيداً (١)، قال البهوتي: لأنه
عقد إرفاقٍ، فلم يصحّ إلّ ممن يصحّ تبرعه،
كالصدقة (٢)، وقد أكد الكاساني هذا المعنى
بقوله: لأنّ القرض للمال تبرع، ألا ترى أنه
لا يقابله عوض للحال، فكان تبرعاً للحال،
فلا يجوز إلّ ممن يجوز منه التبرع(٣) .
أما الشافعية فقد عللوا ذلك بأن في
القرض شائبة تبرّعٍ، لا أنه من عقود الإِرفاق
والتبرع، فقال صاحب ((أسنى المطالب)):
((لأن القرض فيه شائبة التبرع، ولو كان
معاوضة محضة لجاز للولي - غير القاضي -
قرض مال موليه لغير ضرورة، ولاشْتُرِط في
قرضٍ الربوي التقابض في المجلس، ولجاز
في غيره شرط الأجل، واللوازم باطلة)) (٤).
وقد نصّ الشافعية على أنّ أهلية المقرِض
(١) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٠٦، وفتح العزيز ٣٥١/٩، ونهاية
المحتاج ٤ / ٢١٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥ .
(٢) كشاف القناع ٣/ ٣٠٠ (مطبعة الحكومة بمكة المكرمة).
(٣) بدائع الصنائع ٣٩٤/٧ (المطبعة الجمالية بمصر).
(٤) أسنى المطالب ٢ / ١٤٠، وانظر تحفة المحتاج ٥ / ٤١، ونهاية
المحتاج ٤ / ٢١٩ .
للتبرع تستلزم اختياره، وعلى ذلك فلا يصحّ
إقراض من مكرهٍ، قالوا: ومحلّه إذا كان
الإِكراه بغير حَقٍّ، أمّا إذا أكره بحقّ، بأن
وجب عليه الإِقراض لنحو اضطرارٍ فإنّ
إقراضه مع الإِكراه يكون صحيحاً (١).
وفرّع الحنفية على اشتراط أهلية التبرع في
المقرض عدم صحة إقراض الأب والوصي
لمال الصغير(٢)، وفرّع الحنابلة عدم صحة
قرض ولي الیتیم وناظر الوقف لماليهما (٣)، أما
الشافعية فقد فصّلوا في المسألة وقالوا: لا
يجوز إقراض الولي مال مولّيه من غير ضرورة
إذا لم يكن الحاكم، أما الحاكم فيجوز له
عندهم إقراضه من غير ضرورة - خلافا
للسبكي - بشرط يسار المقترض وأمانته وعدم
الشبهة في ماله إن سلم منها مال المولى
عليه (٤)، والإِشهاد عليه، ويأخذ رهناً إن
رأی ذلك (٥).
(ب) ما يشترط في المقترض:
١١ - ذكر الشافعية أنه يشترط في المقترض
(١) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ٥ / ٤١، ونهاية المحتاج
وحاشية الشبراملسي عليه ٤ / ٢١٩.
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٣٩٤، وجامع أحكام الصغار للأسروشني
٤ / ١٠٤ (ط. بغداد ١٩٨٣ م)، ومرشد الحيران م ٨٠١، ورد
المحتار ٤/ ٣٤٠.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥.
(٤) أو كان أقل شبهة (الشرواني على تحفة المحتاج ٥/ ٤١).
(٥) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٤ / ٢١٩، وتحفة
المحتاج وحاشية الشرواني ٥/ ٤١ .
- ١١٦ -

قَرْض ١١ - ١٢
أهلية المعاملة دون اشتراط أهلية التبرع (١)،
ونصّ الحنابلة على أنّ شرط المقترض تمتعه
بالذمة، لأنّ الدَّين لا يثبت إلّ في الذمم، ثم
فرّعوا على ذلك عدم صحة الاقتراض لمسجد
أو مدرسة أو رباط، لعدم وجود ذمم لهذه
الجهات عندهم (٢)، أما الحنفية فلم ينصّوا
على شروط خاصة للمقترض، والذي يستفاد
من فروعهم الفقهية اشتراطهمٍ أهلية
التصرفات القولية فيه، بأن يكون حرًّاً بالغاً
عاقلاً، وعلى ذلك قالوا: إذا استقرض صبي
محجور عليه شيئا فاستهلكه الصبي، فعليه
ضمانه عند أبي يوسف وهو الصحيح في
المذهب، فإن تلف الشيء بنفسه فلا ضمان
عليه بالاتفاق، فإن كانت عينه باقيةً
فللمقرِض استردادها (٣)، وهذا الحكم مبنيّ
على عدم صحة اقتراض المحجور عند
الطرفين، وجاء في جامع أحكام الصغار
للأسروشني: استقراض الأب لابنه الصغير
يجوز، وكذا استقراض الوصي للصغير، فقد
ذكر في رهن ((الهداية)): ولو استدان الوصيّ
لليتيم في کسوته وطعامه ورهن به متاعاً لليتيم
(١) حاشية الشهاب الرملي على أسنى المطالب ٢ / ١٤٠، ونهاية
المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٤ / ٢٢٠ .
(٢) كشاف القناع ٣/ ٣٠٠، وانظر شرح منتهى الإرادات
٢٢٥/٢.
(٣) رد المحتار ٤ / ١٧٤ (ط. بولاق سنة ١٢٧٢ هـ)، وانظر مرشد
الحيران (م ٨٠٩).
جاز، لأنّ الاستدانة جائزة للحاجة، والرهن
يقع إيفاءً للحق، فيجوز (١).
الاقتراض على بيت المال والوقف:
١٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجوز
للإِمام الاستقراض على بيت المال وقت
الأزمات وعند النوائب والملمات لداعي
الضرورة أو المصلحة الراجحة، قال إمام
الحرمين الجويني: وما ذكره الأولون من
استسلاف رسول الله وحصلجل عند مسيس
الحاجات واستعجاله الزكوات، فلست أنكر
جواز ذلك، ولكني أجوز الاستقراض عند
اقتضاء الحال وانقطاع الأموال، ومصير الأمر
إلى منتهى يغلب على الظن فيه استيعاب
الحوادث لما يتجدّد في الاستقبال (٢).
غير أنّ الفقهاء قيّدوا ذلك بثلاثة شروط :
(أحدها) أن يكون هناك إیراد مرتجى
لبيت المال ليوفى منه القرض، قال
الشاطبي: والاستقراض في الأزمات إنما
یکون حیث یرجی لبيت المال دخل ينتظر أو
یرتجی (٣).
(والثاني) أن يكون الاستقراض من أجل
(١) جامع أحكام الصغار ١٠٤/٤-١٠٥ (ط.بغداد ١٩٨٣ م).
(٢) غياث الأمم في التياث الظلم تحقيق د . الديب ص ٢٧٩ (ط.
قطر) .
(٣) الاعتصام ٢ / ١٢٢ (ط. دار الفكر بيروت).
- ١١٧ -

قَرْض ١٢ - ١٣
الوفاء بالتزام ثابت على بيت المال، وهو ما
یصیر بتأخیره دیناً لازماً علیه، وما ليس كذلك
لا يستقرض له، قال أبو يعلى: لو اجتمع
علی بیت المال حقّان ضاق عنهما واتسع
لأحدهما، صرف فیما یصیر منهما ديناً فيه، ولو
ضاق عن کل واحد منهما، کان لولي الأمر إذا
خاف الضرر والفساد أن يقترض على بيت
المال ما يصرفه في الديون دون الإِرفاق (١)،
وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذاً
بقضائه إذا اتسع له بيت المال (٢).
(والثالث) أن يعيد الإِمام إلى بيت المال
کلّ ما اقتطعه منه لنفسه وعياله وذويه بغیر
حقّ، وما وضعوه في حرام، وتبقى الحاجة إلى
الاستقراض قائمة، قال ابن السبكي: لمّ
عزم السلطان قطز على المسير من مصر
لمحاربة التتار، وقد دهموا البلاد، جمع
العساكر، فضاقت يده عن نفقاتهم،
فاستفتى الإِمام العزّ بن عبد السلام في أن
يقترض من أموال التجار، فقال له العزّ: إذا
أحضرت ما عندك وعند حریمك، وأحضر
الأمراء ما عندهم من الحليّ الحرام اتخاذه،
وضربته سكّة ونقداً، وفرقته في الجيش ولم يقم
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٥٢ - ٢٥٣ .
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٥٣، والأحكام السلطانية
للماوردي ص ٢١٥ (ط. مصطفي البابي الحلبي) وتحرير
الكلام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعه (ط. قطر)
ص ١٥٠، ١٥١.
بكفايتهم، ذلك الوقت اطلب القرض، وأمّا
قبل ذلك فلا (١).
هذا ما يتعلق باستقراض الإمام على بيت
المال للمصلحة العامة، أمّا استقراضه عليه
لغير ذلك، فقد نصّ الشافعية والحنابلة في
باب اللقيط على وجوب النفقة عليه من بيت
المال إذا لم يوجد له مال، فإن تعذّر أخذ نفقته
من بيت المال - بأن لم يكن في بيت المال شيء
أو كان ما هو أهم منه ـ اقترض الحاكم على
بيت المال مقدار نفقته (٢).
١٣ - أما الاستقراض على الوقف، فهو جائز
الداعي المصلحة، قال البهوتي الحنبلي:
والظاهر أنّ الدَّين في هذه المسائل يتعلّق
بذمة المقترض وبهذه الجهات، كتعلّق أرش
الجناية برقبة العبد الجاني، فلا يلزم المقترض
الوفاء من ماله، بل من ریع الوقف وما يحدث
لبيت المال، أو يقال: لا يتعلّق بذمته
رأساً (٣)، أي بذمة المقترض.
غير أنّ الفقهاء اختلفوا في شروط
الاقتراض على الوقف على ثلاثة أقوال:
(أحدها) للحنفية: وهو أنه لا يجوز
الاقتراض على الوقف إن لم يكن بأمر
(١) طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٨ / ٢١٥، وطبقات
المفسرين للداودي ١/ ٣١٦.
(٢) تحفة المحتاج ٦/ ٣٤٨، وكشاف القناع ٤/ ٢٥٢، وشرح
منتهى الإرادات ٢ / ٤٨٢.
(٣) كشاف القناع ٣/ ٣٠٠، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٢٥.
- ١١٨ -

قَرْض ١٣ - ١٤
الواقف، إلّ إذا احتيج إليه لمصلحة الوقف
- كتعمير وشراء بذر وليس للوقف غلّة قائمة
بيد المتولي - فيجوز عند ذلك بشرطين:
الأول: إذن القاضي إن لم يكن بعيداً عنه،
ولأنّ ولايته أعمّ في مصالح المسلمين، فإن
كان بعيداً عنه فیستدين الناظر بنفسه.
والثاني: أن لا تتيسر إجارة العين والصرف من
أجرتها (١).
(والثاني) المالكية والحنابلة: وهو أنه يجوز
للناظر الاقتراض على الوقف بلا إذن حاكم
لمصلحة ۔ کما إذا قامت حاجة لتعمیره، ولا
يوجد غلة للوقف يمكن الصرف منها على
عمارته - لأن الناظر مؤتمن مطلق التصرف،
فالإِذن والائتمان ثابتان له (٢).
(والثالث) للشافعية: وهو أنه يجوز لناظر
الوقف الاقتراض على الوقف عند الحاجة إن
شرطه له الواقف أو أذن له فيه الحاكم،
قالوا: فلو افترض من غير إذن القاضي ولا
شرطٍ من الواقف لم يجز، ولا يرجع على الوقف
بما صرفه لتعدّیه فیه (٣).
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٤١٩، والإسعاف
للطرابلسي ص ٤٧ .
(٢) مواهب الجليل ٦/ ٤٠، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٠ ,٤/ ٢٩٥،
وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥.
(٣) نهاية المحتاج ٥ / ٣٩٧، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه
٢٨٩/٦.
الركن الثالث: المحلّ (المالُ المقرض):
للمال المقرض شروط اتفق الفقهاء في بعضها
واختلفوا في بعضها الآخر على ما يلي:
الشرط الأول: أن يكون من المثليات :
١٤ - والمثليات: هي الأموال التي لا تتفاوت
آحادها تفاوتاً تختلف به قيمتها، كالنقود
وسائر المكيلات والموزونات والمذروعات
والعدديات المتقاربة .
قال الحنفية: إنما يصح قرض المثليات
وحدها، أمّا القيميات التي تتفاوت آحادها
تفاوتاً تختلف به قيمتها، كالحيوان والعقار
ونحو ذلك، فلا يصح إقراضها (١).
قال الكاساني : لأنه لا سبیل إلی إیجاب ردّ
العين، ولا إلى إيجاب ردّ القيمة، لأنه يؤدي
إلى المنازعة لاختلاف القيمة باختلاف تقويم
المقومين، فتعيّن أن يكون الواجب فيه ردّ
المثل، فيختصّ جوازه بما له مثل (٢)، وقال
ابن عابدين: لا يصحّ القرض في غير المثلي،
لأنّ القرض إعارة ابتداءً حتى تصحّ بلفظها،
معاوضة انتهاءً لأنه لا يمكن الانتفاع به إلاّ
باستهلاك عينه، فيستلزم إيجاب المثل في
(١) رد المحتار ٤ / ١٧١، وشرح معاني الآثار للطحاوي ٤ / ٦٠،
ومرشد الحيران م (٧٩٨، ٧٩٩).
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٣٩٥.
- ١١٩ -

..
قَرْض ١٤ - ١٥
الذمة، وهذا لا يتأتي في غير المثلي (١).
وذهب المالكية والشافعية في الأصح إلى
جواز قرض المثلیات، غير أنهم وسعوا دائرة ما
یصح إقراضه، فقالوا: يصحّ إقراض كلّ ما
يجوز السلم فيه - حيواناً كان أو غيره - وهو
كلّ ما يملك بالبيع ويضبط بالوصف ولو
كان من القيميات، وذلك لصحة ثبوته في
الذمة، ولما صحّ عن النبي ◌َ ﴾ أنه استقرض
بَكْرًا(٢)، وقيس عليه غيره، أمّا ما لا يجوز
السلم فيه، وهو ما لا يضبط بالوصف
- كالجواهر ونحوها - فلا يصحّ إقراضه (٣).
ثم استثنی الشافعية من عدم جواز قرض
ما لا يجوز السلم فيه جواز قرض الخبز وزناً،
للحاجة والمسامحة (٤).
والمعتمد في المذهب عند الحنابلة جواز
قرض كلّ عين يجوز بيعها، سواء أكانت
مثلية أم قيميّة، وسواء أكانت مما يضبط
بالصفة أم لا (٥).
(١) رد المحتار ٤ / ١٧١ (ط. بولاق ١٢٧٢ هـ).
(٢) الحديث سبق تخريجه في فقرة ٤ .
(٣) القوانين الفقهية ص ٢٩٣، ومواهب الجليل ٤ / ٥٤٥، ومنح
الجليل ٣ / ٤٧، والمهذب ١/ ٣١٠، ونهاية المحتاج
٤ / ٢٢٢، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٤.
(٤) المهذب ١/ ٣١٠، وأسنى المطالب ٢ / ١٤١، وروضة
الطالبين ٣٢/٤-٣٣ ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٠-٢٢٣، وتحفة
المحتاج ٥ / ٤١-٤٤.
(٥) كشاف القناع ٣ / ٣٠٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥،
والمغني ٦ / ٤٣٢ وما بعدها ط. هجر، والمبدع ٤ / ٢٠٥ .
الشرط الثاني: أن يكون عيناً:
١٥ - ذهب الحنفية والحنابلة على المعتمد في
المذهب (١) إلى أنه لا يصح إقراض المنافع،
وإن كان هناك اختلاف بين المذهبين في
مستند المنع ومنشئه.
فأساس منع إقراض المنافع عند الحنفية :
أنّ القرض إنما يرد على دفع مال مثلي لآخر
ليردّ مثله (٢)، والمنافع لا تعتبر أموالاً في
مذهبهم، لأنّ المال عندهم ما يميل إليه طبع
الإِنسان ويمكن ادخاره لوقت الحاجة،
والمنافع غير قابلة للإِحراز والادّخار، إذ هي
أعراض تحدث شيئاً فشيئاً وآنًا فاناً، وتنتهي
بانتهاء وقتها، وما يحدث منها غير الذي
ينتهي، ومن أجل ذلك لم يصحّ جعل المنافع
محلاً لعقد القرض.
وأما مستند منع إقراض المنافع عند
الحنابلة، فهو أنه غير معهود (٣)، أي في
العرف وعادة الناس.
وقال ابن تيمية: ويجوز قرض المنافع، مثل
أن يحصد معه يوماً، ويحصد معه الآخر يوماً،
أو يسكنه داراً ليسكنه الآخر بدلها، لكنّ
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمبدع ٤/ ٢٠٥، وكشاف
القناع ٣ / ٣٠٠.
(٢) انظر رد المحتار ١٧١/٤، ٢٠ (٧٩٦) من مرشد الحيرانم (١٢٦)
من مجلة الأحكام العدلية.
(٣) كشاف القناع ٣/ ٣٠٠.
- ١٢٠ -