النص المفهرس
صفحات 81-100
قران ٣ - ٦ ب - التمتع : ٣ - التمتع: هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج من الميقات، ثم يفرغ منها ويتحلل، ثم ينشىء حجا في عامه من مكة (١). والصلة بينهما أن في القران إتمام نسكين بإحرام واحد دون أن يتحلل من أحدهما إلا بعد تمامهما معا، أما في التمتع فإنه يتم العمرة، ثم يتحلل منها، وینشىء حجا بإحرام جديد . مشروعية القران : ٤ - ثبتت مشروعية القران بالكتاب والسنة والإِجماع : أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿ وَأَتِقُوْ اْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (٢). قال المرغيناني: المراد منه أن يحرم بهما من دويرة أهله (٣) . وأما السنة: فمنها حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: ((خرجنا مع رسول الله وَل عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهلّ بالحج، وأهلّ رسول الله وَ لّ بالحج، فأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة لم يحلُّوا حتى كان (١) تبيين الحقائق ٢ / ٤٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٩، ومغني المحتاج ١ / ٥١٤، وكشاف القناع ٢ / ٤١١ . (٢) سورة البقرة / ١٩٦. (٣) الهداية مع فتح القدير ٢ / ٢٠٣ . يوم النحر)) (١) . فقد أقر النبي ◌ّ الصحابة على القران، فيكون مشروعا . وأما الإِجماع: فقد تواتر عمل الصحابة ومن بعدهم على التخيير بين أوجه الحج التي عرفناها، دون نكير، فكان إجماعا . قال النووي: ((وقد انعقد الإِجماع بعد هذا على جواز الإِفراد والتمتع والقران من غير كراهة» (٢) . المفاضلة بين القران والتمتع والإِفراد : ٥ - بعد أن اتفق الفقهاء على مشروعية هذه الأوجه في أداء الحج دون كراهة، اختلفوا في أيها الأفضل، وقد قيل بأفضلية كل منها، وسبق بيان المذاهب في ذلك تفصيلا. (ر: إفراد ف ٧ - ٨ وتمتع ف ٤ - ٥) . أركان القران : ٦ - القران جمع بين نسكي الحج والعمرة في عمل واحد، فأركانه هي أركان الحج والعمرة. انظر التفصيل في مصطلح (حج ف ٤٦ وما بعدها) ومصطلح (عمرة ف١٢-٢٤). لكن هل يلزم أداء الطواف والسعي لكل (١) حديث عائشة: خرجنا مع رسول اللّه ◌َله عام حجة الوداع أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٤٢١). (٢) شرح مسلم للنووي ٨/ ١٦٩ . - ٨١ - قِرَان ٦ من الحج والعمرة، أو يتداخلان فلا يجب تكرارهما ؟ ذهب الجمهور إلى التا.اخل، وأنه يجزىء الطواف والسعي عن الحج والعمرة، ولا يجب تكرارهما، وبه قال ابن عمر وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر (١). واستدلوا بالنقل والقياس : أما النقل: فحديث عائشة الذي قالت فيه: (( .. وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدًا)) (٢) وحديثها أيضا لما جمعت بين الحج والعمرة فقال لها النبي بَله: ((يجزىء عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك)» (٣). وعن جابر ((أن رسول الله بحثية قرن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافا واحدا)) (٤). وأما القياس: فلأنه ناسك يكفيه حلق واحد ورمي واحد، فكفاه طواف واحد وسعي واحد، كالمفرد، ولأنهما عبادتان من (١) الشرح الكبير ٢/ ٢٨، والمنهاج وشرحه للمحلي ٢ / ١٢٧، ونهاية المحتاج للرملي ٢ / ٤٤٢ (مطبعة بولاق)، والمغني ٣/ ٤٦٥، ومطالب أولي النهى ٢/ ٣٠٨. (٢) حديث عائشة: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٤٩٤)، ومسلم (٢ / ٨٧٠). (٣) حديث: ((يجزىء عنك طوافك بالصفا والمروة ... )) أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٠). (٤) حديث جابر: أن رسول الله # «قرن الحج والعمرة ... )) أخرجه الترمذي (٣/ ٢٧٤)، وأصله في مسلم (٢ / ٩٤٠). جنس واحد، فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصغرى فى الكبرى، كالطهارتين: الوضوء والغسل (١) . وقال الحنفية - وهو رواية عن أحمد - ويروى عن الشعبي، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري والحسن بن صالح، قالوا: القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين: طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجته (٢) . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره. (٤). وبما ورد عن صُبَيّ بن معبد فى قصة حجه قارنا، قال: ((قال ۔ یعني عمر له -: فصنعت ماذا؟ قال: ((مضيت فطفت طوافا لعمرتي، وسعيت سعيا لعمرتي، ثم عدت ففعلت مثل ذلك حجي، ثم بقيت حراما ما أقمنا، أصنع كما يصنع الحاج، حتى قضيت آخر نسكي قال: هُديت لسنة نبيك)) (٥). (١) المغني ٣ / ٤٦٦. (٢) الهداية ٢ / ٢٠٤، والبدائع ٢/ ٢٦٧، والمغني ٤٦٥/٣ - ٤٦٦. (٣) سورة البقرة/ ١٩٦. (٤) المغني ٣ / ٤٦٦. (٥) عقود الجواهر المنيفة في أدلة الإمام أبي حنيفة. للزبيدي ١ / ١٤١، وفتح القدير ٢ / ٢٠٥ وأثر عمر أخرجه أبو حنيفة في مسنده كما في ((عقود الجواهر المنيفة)» للزبيدي (١/ ١٣٣)، وأصله في النسائي (٥/ ١٤٧) وغيره مختصراً. - ٨٢ - قرآن ٦ - ١٠ وعن علي رضي الله عنه قال لمن أهل بالحج والعمرة: تهل بهما جميعا ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين (١). وبأن القران ضم عبادة إلى عبادة وذلك إنما يتحقق بأدلة عمل كل واحد على الكمال (٢). شروط القران : الشرط الأول: أن يحرم بالحج قبل طواف العمرة : ٧ - وذلك فيما إذا أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج فأدخله على العمرة، فإن إحرامه هذا صحيح، ويصبح قارنا بشرط أن يكون إحرامه بالحج قبل طواف العمرة . أما إذا أحرم بالحج ثم أدخل العمرة على الحج، فإنه لايصح إحرامه بالعمرة عند جمهور الفقهاء (٣). وقال الحنفية بصحة هذا الإِحرام ويصير قارنا ۔ مع کونه مکروها ۔. (١) أثر علي: ((أنه قال لمن أهل بالحج والعمرة ... )) أخرجه البيهقي (٥/ ١٠٨). (٢) الهداية ٢ / ٢٠٦ . (٣) مواهب الجليل ٣ / ٤٨، والزرقاني ٢ / ٢٥٧، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢/ ٢٧، والمدونة ٢ / ١٣٠، وشرح المنهاج للمحلي ٢ / ١٢٧، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٤٢، والإيضاح للنووي نسخة حاشية ابن حجر ص ١٥٧، والمهذب والمجموع ٧/ ١٦٣و١٦٦، ومغني المحتاج ١ / ٥١٤، والمغني ٣/ ٤٨٤، والكافي ١ / ٥٣٢ - ٥٣٣، ومطالب أولي النهى ٢/ ٣٠٨. والتفصيل في مصطلح (إحرام ف٢٢-٢٨). الشرط الثاني: أن يحرم بالحج قبل فساد العمرة : ٨ - إذا أحرم بالعمرة ثم أراد أن يدخل الحج عليها ويحرم به فوقها، فقد اشترط المالكية والشافعية لصحة الإِرداف أن تكون العمرة صحيحة، وزاد الشافعية اشتراط أن يكون إدخال الحج على العمرة في أشهر الحج . وقال الحنفية: عدم فساد العمرة شرط لصحة القران (١)، والتفصيل في مصطلح (إحرام ف ٢٤) . الشرط الثالث : ٩ - أن يطوف للعمرة الطواف كله أو أكثره في أشهر الحج عند الحنفية (٢)، وزاد الشافعية فاشترطوا أن يكون إدخال الحج على العمرة في أشهر الحج قبل الشروع في طواف العمرة . والتفصيل في مصطلح (إحرام ف ٢٥-٢٧) الشرط الرابع : ١٠ - أن يطوف للعمرة كل الأشواط أو أكثرها (١) المسلك المتقسط ص ١٧١ وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٨ ومواهب الجليل ٣/ ٥١ ونهاية المحتاج ٢/ ٤٤٢ والمجموع ٧ / ١٦٣ - ١٦٦. (٢) لباب المناسك ص ١٧٢، ورد المحتار ٢ / ٢٦٢ - ٢٦٣. - ٨٣ - قرآن ١٠ - ١٢ قبل الوقوف بعرفة . وهذا عند الحنفية، لقولهم: إن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين (١) . الشرط الخامس : ١١ - أن يصونهما عن الفساد: فلو أفسدهما بأن جامع قبل الوقوف وقبل أكثر طواف العمرة بطل قرانه، وسقط عنه دم القران، ويلزمه موجب الفساد . أما إذا جامع بعدما طاڤ لعمرته أربعة أشواط فقط فسد حجه دون عمرته وسقط عنه دم القران، ولزمه موجب فساد الحج عند الحنفية، تبعا لمذهبهم في أركان القِران، انظر مصطلح (تمتع ف ١٣). الشرط السادس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام: ١٢ - ذهب الجمهور إلى صحة القران من المكي ومن في حكمه وهو حاضر المسجد الحرام، إلا أنه لا يلزمه دم القران، فجعلوا هذا شرطا للزوم دم القران، لا للمشروعية (٢). وقالوا: إن اسم الإشارة في قوله تعالى: (١) المسلك المتقسط ص ١٧١ - ١٧٢ . (٢) الشرح الكبير ٢ / ٢٧، وشرح الرسالة وحاشية العدوي ١/ ٤٩٠ - ٤٩١، وشرح المنهاج للمحلي ٢ / ١٣٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٤٤ و ٤٤٧، والمغني ٣ / ٤٦٨. ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ اَلْحَرَاءِ﴾ (١)، يرجع إلى قوله: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾، والمعنى: ذلك الحكم وهو وجوب الهدي على من تمتع - وهو یشمل القران - إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من حاضري المسجد الحرام، فلا هدي عليه، وقرانه وتمتعه صحيحان (٢). وذهب الحنفية إلى أنه يشترط للقران أن لا يكون القارن من حاضري المسجد الحرام على الراجح (٣). وقالوا: المراد بـ(ذلك) الواردة في الآية السابقة: التمتع بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل القران والتمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، فدلت على أنه لا قران ولا تمتع له، ولو كان المراد الهدي لقال: ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام (٤). ويدل للحنفية ما ورد عن ابن عباس (١) سورة البقرة / ١٩٦. (٢) انظر تفسير الآية بهذا في روح المعاني للألوسي طبع بولاق ١/ ٣٨٩، والقرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٢ / ٣٨١، وابن العربي في أحكام القرآن ١ / ٥٤ طبع عيسى الحلبي، والمجموع ٧/ ١٦٢. (٣) الدر المختار وحاشيته ٢ / ٢٧٠ - ٢٧٢، والمسلك المتقسط ص ١٧٢ . (٤). أحكام القرآن للجصاص ١ / ٣٣٩ وانظر ابن العربي والألوسي في الموضعين السابقين. - ٨٤ - قرآن ١٢ - ١٥ رضي الله عنهما أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهَلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي وَلي في حجة الوداع ... إلى أن قال: ((فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الله تعالى أنزله في كتابه، وسنّة نبيّه وَلِآل وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ اْحَرَامِ﴾ (١). الشرط السابع : ١٣ - عدم فوات الحج: فلو فاته الحج بعد أن أحرم بالقران لم یکن قارنا، وسقط عنه دم القران (٢) . كيفية القران : ١٤ - هي أن يحرم بالعمرة والحج معا من. المالكية والشافعية والحنابلة يفعل ما يفعل الميقات أو قبله، لا بعده (٣) . وميقات إحرام القارن هو میقات إحرام المفرد عند الجمهور، وقال المالكية: ميقات القارن هو ميقات العمرة، وعلى ذلك فمن كان آفاقيا فإنه يحرم من الميقات الخاص به، ومن کان غير ذلك فلا قران له عند الحنفية، وله عند الجمهور القران، ولا دم عليه، (١) حديث ابن عباس: ((أنه سئل عن متعة الحج)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٤٣٣). (٢) لباب المناسك للسندي الحنفي ص ١٧٢، وابن عابدين ٢٦٢/٢. (٣) شرح المنهاج للمحلي ٢ / ١٢٧ . فيحرم من موضعه إلا عند المالكية، فيجب أن يخرج إلى الحل فيحرم بالقران. (ر: إحرام ف ٤٠ و ٥٢). ١٥ - وكيفية إحرام القارن، أنه بعد ما يستعد للإِحرام يقول ناويا بقلبه: اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني، أو نويت العمرة والحج وأحرمت بهما لله تعالى، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ثم يقول: لبيك بعمرة وحجة . ويجوز أن يحرم بالحج والعمرة متعاقبا، بأن يكون أحرم بالعمرة، ثم يحرم بالحج إضافة إلى العمرة (ر: إحرام ف ١١٧). فإذا انعقد الإِحرام قارنا، فإنه عند الحاج المفرد، ويطوف طواف القدوم، ويسعى بعده إن أراد تقديم السعي، ثم يقف بعرفة وهكذا إلى آخر أعمال الحج، ويذبح هدیا يوم النحر. والتفصيل في مصطلح (هدي). وأما عند الحنفية: فإن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين: طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجته، وكيفية أدائه للقران: إذا انعقد إحرامه قارنا دخل مكة، وابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في - ٨٥ - قرآن ١٥ - ١٧ الثلاثة الأولى منها، ويضطبع فيها كلها، ثم يسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يبدأ بأفعال الحج، فيطوف طواف القدوم سبعة أشواط، ويسعى بعده سعي الحج إن أراد تقديم سعي الحج عن يوم النحر (ر: سعي) وعندئذ يرمل في الطواف الثاني ويضطبع، لأن الرمل والاضطباع سنة في كل طواف بعده سعي (١)، ثم يتابع أعمال الحج كما في الإِفراد، ويذبح هديا إلى آخره ... لكن لا يتحلل بما أداه من أفعال العمرة ولا يحلق، لأنه محرم بالحج ووقت تحلله يوم النحر (٢). تحلل القارن : ١٦ - للقارن تحللان : التحلل الأول: ويسمى أيضا الأصغر. ويحصل بالحلق عند الحنفية، وبرمي جمرة العقبة وحده عند المالكية والحنابلة، وبفعل اثنين من ثلاثة عند الشافعية، وهي الرمي، والحلق، والطواف، أي طواف الزيارة : المسبوق بالسعي، وإلا فلا يحل حتى يسعى بعد طواف الزيارة . والمفرد والقارن والمتمتع في ذلك سواء عندهم جميعا، حتى الشافعية لأن الذبح (١) رد المختار ٢ / ٢٦٣. (٢). شرح اللباب ص ١٧٤ . لا مدخل له في التحلل عند الشافعية . ويحل بالتحلل الأول جميع محظورات الإحرام إلا الجماع . وأما التحلل الثاني: ويسمى التحلل الأکبر: فتحل به جميع محظورات الإِحرام حتى النساء إجماعا. ويحصل التحلل الأكبر عند الحنفية والمالكية بطواف الإفاضة بشرط الحلق هنا باتفاق الطرفين، وزاد المالكية أن يكون الطواف مسبوقا بالسعي، وقال الحنفية: لا مدخل للسعي في التحلل لأنه واجب مستقل . وعند الشافعية والحنابلة: يحصل باستكمال أفعال التحلل الثلاثة التي ذكرناها (١). هَدْيُ القران : ١٧ - يجب باتفاق الفقهاء على القارن هدي يذبحه أيام النحر (٢)، لقوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ فَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾ (٣). لأن القارن في حكم المتمتع، (١) فتح القدير ٢ / ١٨٣، والمسلمك المتقسط ص ١٥٥، وشرح رسالة ابن أبي زيد ٤٧٩/١، والشرح الكبير للدردير ٤٦/٢، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣١، والكافي ١ / ٦٠٨، والمغني ٣/ ٤٤٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٢٧. (٢) المغني ٣ / ٤٦٨ ٤٦٩٠. (٣) سورة البقرة/ ١٩٦. - ٨٦ - قران ١٧ - ١٨ قال القرطبي: ((وإنما جعل القران من باب التمتع، لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج أخرى، ويتمتع بجمعهما ولم يحرم لكل واحدة من ميقاته، وضم الحج إلى العمرة، فدخل تحت قول الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجّ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)، وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم، ولأنه إذا وجب على المتمتع لأنه جمع بین نسکین في وقت أحدهما فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإِحرام أولى (٢). وأدنى ما يجزىء فيه شاة، والبقرة أفضل، والبدنة أفضل منهما . واختلفوا في موجب هذا الهدي، فقال الجمهور ومنهم الحنفية والمالكية والحنابلة: هو دم شكر، وجب شكراً لله لما وفقه إليه من أداء النسكين في سفر واحد، فيأكل منه ويطعم من شاء ولو غنيا، ويتصدق (٣). وقال الشافعية: هو دم جبر، على الصحيح في مذهبهم، فلا يجوز له الأكل (١) الجامع لأحكام القرآن ٢ / ٣٩٢. (٢) المهذب بشرح المجموع ٧ / ١٩٠ . (٣) فتح القدير ٢ / ٣٢٢، والمسلك المتقسط ص ١٧٤، وتبيين الحقائق ٨٩/٢ ورسالة ابن أبي زيد وشرحها ٥٠٨/١-٥٠٩، : وشرح العشماوية للصفتي ص ٢٠٣، وبداية المجتهد ٢٦٧/١، والمغني ٥٤١/٣، والكافى ٥٣٥/١-٥٣٩ و٦٣٤ - ٦٣٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٧٥ . منه، بل يجب التصدق بجميعه. (١). والتفصيل في (هدي). ومن عجز عن الهدي فعليه بالإجماع صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةٍ أَّامٍ فِى الَْجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلٌَّ﴾ (٢). والتفصيل في مصطلح (تمتع ف ١٧-٢٠)، و(هدي). صيرورة التمتع قرانا : ١٨ - إذا ساق المتمتع الهدي كما هو السنة. فقال الحنفية والحنابلة: لا يحل المتمتع الذي ساق الهدي بأفعال العمرة، ولا يحلق، ولو حلق لم يتحلل من إحرامه بالعمرة، ويكون حلقه جناية على إحرام العمرة، ويلزمه دم جنایته هذه، بل یظل حراما، ثم ہل یوم التروية بالحج، ويفعل ما يفعله الحاج - لكن يسقط عنه طواف القدوم - حتى يحل يوم النحر منهما . قال الحنفية: إنه يصير قارنا، وهو المعتمد عند الحنابلة (٣). (١) المجموع ٨ / ٣٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٥١٧. (٢) سورة البقرة / ١٩٦. (٣) الهداية ٢ / ٢١٤ - ٢١٥، والمسلك المتقسط ص ١٩٢، ومطالب أولي النهى ٢/ ٣١٥ - ٣٠٧،٣١٦ - ٨٧ - قرآن ١٨ - ١٩ وذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وهو قول عند الحنابلة إلى أن المتمتع الذي ساق الهدي کالذي لم يسقه، يتحلل بأداء العمرة، ويمكث بمكة حلالا حتي يحرم بالحج، والتفصيل في مصطلح (تمتع ف ١٥). جنایات القارن على إحرامه : ١٩ - بناء على الخلاف في القارن، هل يجزئه طواف واحد وسعي واحد لحجته وعمرته. كما هو مذهب الجمهور، أو لا بدّ له من طوافين وسعیین لهما كما هو مذهب الحنفية، اختلفوا في كفارات محظورات الإحرام للقارن. فالجمهور سوّوا بين القارن وغيره في كفارات محظورات الإحرام. أما الحنفية فقالوا: ((كل شيء فعله القارن بين الحج والعمرة - مما ذكرنا - أنه يجب فيه على المفرد بجنایته دم فعلى القارن فیه دمان، لجنايته على الحج والعمرة، فيجب عليه دم لحجته ودم لعمرته، وكذا الصدقة)). والتفصيل في (إحرام ف ١٤٧ - ١٦٩). وهذا إنما يعنى به الجنايات التي لا اختصاص لها بأحد النسكين، كلبس المخيط، والتطيب، والحلق، والتعرض للصيد، وأشباهها يلزم القارن فيها جزاءان . (١) متن العسماوية وحاشية الصفتي ص ٢٠٢ - ٢٠٣. (٢) المجموع ٧ / ١٧٥ . أما ما يختص بأحد النسكين، فلا يجب إلا جزاء واحد، كترك الرمي، وترك طواف الوداع (١). ومثل القارن في ذلك كل من جمع بين الإِحرامين، كالمتمتع الذي ساق الهدي، أو الذي لم يسقه لكن لم يحل من العمرة حتى أحرم بالحج، وكذا كل من جمع بين الحجتين أو العمرتين (٢)، كمن أحرم بهما معا، فقد ذهب الحنفية إلى انعقاد الإِحرام بهما وعليه قضاء أحدهما ولا ينعقد إحرامه بهما عند الجمهور (ر: إحرام ف ٢٢ - ٢٩). أما جماع القارن، ففيه تفصيل سبق في مصطلح (إحرام ف ١٧٨). (١) انظر شرح اللباب ص ٢٦٩ - ٢٧١ . (٢) شرح اللباب ص ٢٧١ - ٨٨ - قُرْب ١ - ٣ قُرْب التعريف : ١ - القرب في اللغة: ضد البعد، يقال: قربت منه أقرب قربا وقربانا أي دنوت منه وباشرته، ويتعدى بالتضعيف فيقال: قرّبته. ويستعمل ذلك في المكان، وفي الزمان، وفي النسبة، وفي الحظوة، وفي الرعاية، والقدرة، وقيل: القرب في المكان، والقربة في المنزلة، والقرابة في الرحم. ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي (١) . الألفاظ ذات الصلة : البعد : ٢ - البعد ضد القرب، يقال: بَعُدَ الشيء بعداً فهو بعيد، والجمع بُعَداء، ويتعدى بالباء وبالهمزة فيقال: بعدت به جعلته (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن مادة: (قرب). بعيدا، وأبعدته: نحیته بعيدا (١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعني اللغوي . وعلاقة البعد بالقرب الضدية. قال الراغب الأصفهاني: البعد ضد القرب، وليس لهما حد محدود وإنما ذلك بحسب اعتبار المكان بغيره، يقال ذلك في المحسوس وهو الأكثر، وفي المعقول (٢). ما يتعلق بالقرب من أحكام: أ- في الإِرث: ٣ - أجمع الفقهاء على أن الأقرب من العصبة الوارثین مقدم على غيره في الإِرث، فلا یرث ابن ابن مع ابن صلب أو مع ابن ابن أقرب منه، وذلك استناداً إلى حديث: ((أْحِقُوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر))(٣) وأولى الواردة في الحديث معناه أقرب بإجماع الفقهاء (٤). والتفصيل في مصطلح (إرث ف ٤٥، ٥٤). (١) لسان العرب والمصباح المنير. (٢) المفردات للراغب الأصفهاني. (٣) حديث: ((ألحقوا الفرائض بأهلها ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١١) ومسلم (٣/ ١٢٣٣) من حديث ابن عباس. (٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٩٢، والقوانين الفقهية ص ٣٨٥، ومغني المحتاج ٣/ ١١، والمغني لابن قدامة ٦ / ١٦٦. - ٨٩ - قُرْب ٤ - ٧ ب- في ولاية النكاح : ٤ - جاء في المغني: أحق الناس بإنكاح المرأة الحرة أبوها ولا ولاية لأحد معه، لأنه أكمل نظرا وأشد شفقة فوجب تقديمه في الولاية، ثم أبو الأب أي الجد وإن علا، ثم ابنها وابنه وإن سفل (١). وینظر تفصيل ذلك في (ولاية). حكم إنكاح الوليّ الأبعد مع وجود الأقرب : ٥ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا زوج المرأة الولي الأبعد مع حضور الولي الأقرب بغير إذن الولي الأقرب لم يصح النكاح، لأن الولي الأقرب استحق الولاية بالتعصيب فلم تثبت للأبعد مع وجود الأقرب كالميراث (٢). وذهب الحنفية وهو قول عند المالكية إلى أن إنكاح الولي الأبعد يتوقف على إجازة الولي الأقرب فله الاعتراض والفسخ ما لم يرض صريحا أو دلالة كقبض المهر مثلا، وما لم یسکت حتی تلد أو تحبل . فإن رضي الولي الأقرب صريحا أو دلالة، أو سکت حتی تلد أو تحبل لم یکن له حق الاعتراض والفسخ، وذلك لئلا يضيع الولد (١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣١١، والبدائع ٢ / ٢٤٠ - ٢٥٠، والقوانين الفقهية ص ٢٠٢، ومغني المحتاج ٣/ ١٥١، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٥٦. (٢) مغني المحتاج ١٥٤/٣، ١٥٥، والمغني لابن قدامة ٦/ ٤٧٣. بالتفريق بين أبويه، فإن بقاءهما مجتمعين على تربيته أحفظ له (١). وذهب المالكية إلى أن النكاح يكون صحیحا إذا عقده الأبعد مع وجود الأقرب إذا لم يكن الأقرب مجبراً، فإن كان مجبراً - وهو عندهم الأب ووصیہ ۔ فلا يصح تزويج الولي الأبعد (٢) والتفصيل ينظر في مصطلح (ولاية) و(نكاح). ج - في الحضانة : ٦ - ذهب الفقهاء إلى أن الأولى بالحضانة عند اجتماع الرجال والنساء الأم، واختلفوا فيما وراءها على مذاهب، على أنهم يراعون القرب في الجملة في الجهة الواحدة. والتفصيل في مصطلح (حضانة ف ٩ - ١٣). د - في العاقلة : ٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه یراعی فیمن يتحمل الدية من العاقلة أن يقدم الأقرب فالأقرب بالنسبة إلى القاتل. وذهب الحنفية إلى أن الدية تلزم أهل الديوان، فإن لم يكن ديوان وجبت على (١) ابن عابدين ٢ / ٢٩٥ - ٣١٦، ومواهب الجليل ٣/ ٤٣٢. (٢) مواهب الجليل ٣/ ٤٣٢ . - ٩٠ - ٠ قُرْب ٧ - ٩ القبيلة من النسب (١). والتفصيل في مصطلح (عاقلة ف ٣). هـ- في قدر المسافة التي يترخص فيها في السفر: ٨ - ذكر الفقهاء أن من رخص السفر ما يختص بالسفر الطويل، ومنها ما لا يختص به، ومنها ما هو مختلف فيه. قال الشافعية: الرخص المتعلقة بالسفر ثمانية: ثلاثة تختص بالطويل وهي : القصر، والفطر في رمضان، ومسح الخف ثلاثة أيام، واثنان يجوزان في الطويل والقصير وهما: ترك الجمعة وأكل الميتة، وثلاثة في اختصاصها بالطويل قولان وهي : الجمع بين الصلاتين وإسقاط الفرض بالتيمم وجواز التنفل على الراحلة، والأصح اختصاص الجمع بالسفر الطويل، وعدم اختصاص السفر الطويل بجواز التنفل على الراحلة وإسقاط الفرض بالتيمم (٢) . قال السيوطي : واستدرك ابن الوكيل رخصة تاسعة صرح بها الغزالي رحمه الله وهي: ما إذا كان له نسوة وأراد السفر فإنه يقرع بينهن ويأخذ من خرجت لها القرعة ولا (١) البدائع ٧/ ٢٥٦، والقوانين الفقهية ص ٣٤٢، ومغني المحتاج ٤ / ٩٥، والمغني لابن قدامة ٧ / ٧٨٣. (٢) الأشباه للسيوطي ص ٧٧، والمجموع للنووي ١ / ٤٨٣، ٤ / ٣٢٢ وما بعدها . يلزمه القضاء لضراتها إذا رجع، وهل يختص ذلك بالطويل وجهان أصحهما: لا. قال ابن نجيم: من رخص السفر ما يختص بالطويل وهو ثلاثة أيام ولياليها وهو: القصر والفطر والمسح أكثر من يوم وليلة وسقوط الأضحية، وما لا يختص به، بل المراد به مطلق الخروج عن المصر وهو: ترك الجمعة والعيدين والجماعة والنفل على الدابة وجواز التيمم واستحباب القرعة بين نسائه (١). وللتفصيل انظر مصطلح (جمع الصلوات ف ٣) و (سفر ف ٧، ١١). و- في انتقال الحاضن: ٩ - اختلف الفقهاء في انتقال الحضانة من الحاضن إلى من يليه في الترتيب بالسفر بعداً أو قرباً، فذهب بعضهم إلى أن الحضانة تنتقل بالسفر البعيد دون القريب، وسوّى آخرون في الانتقال بين السفر البعيد والقريب (٢). والتفصيل في مصطلح (حضانة ف ١٥). (١) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر ٢٤٥/١، وجواهر الإكليل ١ / ٨٨، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٥٥ وما بعدها. (٢) البدائع ٤ / ٤٤، وابن عابدين ٢ / ٦٤٢، والقوانين الفقهية ص ٢٢٣، ومغني المحتاج ٣/ ٤٥٨، والمغني لابن قدامة ٧ /٦١٨. - ٩١ - قُرْب ١٠، قربان، قُرْبَة ١ ز- في سفر المعتدة وعودتها : ١٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز للمعتدة أن تنشىء سفراً قريباً كان هذا السفر أو بعيداً، بل يجب عليها أن تلزم بيت الزوجية الذي کانت تسكنه وإن کان هذا السفر لأجل الحج، إلا أنهم اختلفوا فيما إذا خرجت ثم طرأت عليها العدة هل عليها أن تعود لتعتد في بيتها، أم يجوز لها أن تمضى في سفرها؟ وهل السفر القريب في ذلك يختلف عن السفر البعيد؟ (١). والتفصيل في مصطلح (إحداد ف ١٩، ٢٠، ٢٢، ٢٣). قربان انظر: قربة (١) البدائع ٣ / ٢٠٥ وما بعدها، وجواهر الإكليل ١/ ٣٩٢ وما بعدها، ومغني المحتاج ٣/ ٤٠٢ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٧/ ٥٣١ وما بعدها. قُرْبَة التعريف : ١ - القُربة ۔۔ بسکون الراء والضم للإتباع - في اللغة ما يتقرب به إلى الله تعالى، والجمع قُرَب وقربات. والقُربان - بالضم - ما قُرِّب إلى الله تعالى، تقول منه: قربت لله قربانا، وتقرّب إلى الله بشيء، أي طلب به القربة عنده تعالى، قال الليث: القُربان: ما قَرّبت إلى الله تبتغي بذلك قربة ووسيلة (١). وقد عرّف الفقهاء القربة بتعريفات مختلفة . من ذلك ما جاء في حاشية ابن عابدين : القربة: فعل ما يثاب عليه بعد معرفة مَن يتقرب إليه به وإن لم يتوقف على نيّة (٢). وفي موضع آخر قال: القربة: ما يتقرب به إلى الله تعالى فقط، أو مع الإِحسان إلى الناس، كبناء الرباط والمسجد (٣). (١) لسان العرب والمصباح المنير. (٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢. (٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٧ . - ٩٢ - قُرْبَة ٢ - ٤ الألفاظ ذات الصلة : أ- العبادة : ٢ - العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، قال ابن الأنباري: فلان عابد، وهو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره (١). وفي الاصطلاح قال ابن عابدين: هي ما يثاب على فعله ويتوقف على نيّة. أو هي: فعل لا يراد به إلا تعظيم الله تعالی بأمره (٢). والصلة بين القربة والعبادة هي أن القربة أعم من العبادة، فقد تكون القربة عبادة وقد لا تكون، كما أن العبادة تتوقف على النية، والقربة التي ليست عبادة لا تتوقف على النّة. ب- الطاعة : ٣ - الطاعة في اللغة: الانقياد والموافقة، يقال: أطاعه إطاعة، أي انقاد له، والاسم: طاعة (٣). وعرفها الفقهاء بعدة تعریفات، منها ما جاء في الكليات: الطاعة: فعل المأمورات ولو ندباً وترك المنهيات ولو كراهة (٤). والصلة بين القربة والطاعة هي: أن القربة أخص من الطاعة، لاعتبار معرفة (١) لسان العرب. (٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢، ٢/ ٢٣٧. (٣) لسان العرب والمصباح المنير. (٤) الكليات للكفوي ٣ / ١٥٦. المتقرب إليه في القربة (١). وقد نقل ابن عابدين عن شيخ الإِسلام زكريا في التفريق بين القربة والعبادة والطاعة، أن القربة: فعل ما يثاب عليه بعد معرفة من يتقرب إليه به وإن لم يتوقف على نية . والعبادة: ما يثاب على فعله ويتوقف على نية . والطاعة: فعل ما يثاب عليه، توقف على نية أو لا، عرف من يفعله لأجله أو لا، فنحو الصلوات الخمس والصوم والزكاة والحج من كل ما يتوقف على النية قربة وطاعة وعبادة، وقراءة القرآن والوقف والعتق والصدقة ونحوها مما لا يتوقف على نية قربة وطاعة لاعبادة، والنظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى طاعة لا قربة ولا عبادة، والنظر ليس قربة، لعدم المعرفة بالمتقرب إليه، لأن المعرفة تحصل بعده (٢). الحكم التكليفي: ٤ - من القرب ما هو واجب، وذلك کالفرائض التي افترضها الله على عباده، من صلاة وصوم وحج وزكاة، فهي عبادات مقصودة شرعت للتقرب بها، وعلم من (١) الكليات للكفوي ٣/ ١٥٦ . (٢) حاشیة ابن عابدين ١/ ٧٢ . - ٩٣ - قُرْبَةٍ ٤ - ٥ الشارع الاهتمام بتكليف الخلق إيقاعها عبادة . ومن القرب الواجبة القرب التي يُلزِم الإِنسان بها نفسه بالنذر (١). ومنها ما هو مندوب، كالنوافل وقراءة القرآن والوقف والعتق والصدقة وعيادة المريض واتباع الجنازة (٢). ومنها ما هو مباح، إذ أن المباحات تكون قربة بنية إرادة الثواب بها، كالأفعال العادية التي يقصد بها القربة، كالطعام بنية التقوّي على الطاعة (٣). ومن القربات ما هو حرام، وذلك كالقربات المالية، كالعتق والوقف والصدقة والهبة إذا فعلها الإِنسان وکان علیه دین أو كان عنده من تلزمه نفقته مما لا يفضل عن حاجته، لأن ذلك حق واجب فلا يحل تركه لسنة (٤). ومن ذلك أيضا الغلو في الدِّين على ظن أنه قربة، فقد أنكر النبي ◌ّر على عثمان بن مظعون رضي الله عنه التزامه قيام الليل وصيام النهار واجتناب النساء، وقال له : (١) حاشية ابن عابدين ١/ ٧٢، والبدائع ٥/ ٨٢، والاختيار ٤ / ٧٦، وروضة الطالبين ٣/ ٣٠١، والفروق ١ / ١٣٠. (٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٧٢، والمنثور في القواعد ٣ / ٦١، والخطاب ٥٤٥/٢. (٣) المنثور في القواعد ٣/ ٢٨٧، والأشباه لابن نجيم ص ٢٤ . (٤) المنثور ٣ / ٢٧٨ . ((أرغبت عن سنتي؟ فقال: لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب. قال: فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء)) (١)، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عما عزم عليه جماعة من أصحاب رسول الله وَل من سرد الصوم وقيام الليل والاختصاء، وكانوا قد حرّموا على أنفسهم الفطر والنوم ظنا أنه قربة إلى ربهم فنهاهم عن ذلك، لأنه غلو في الدين واعتداء على ما شرع (٢)، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّ مُواْ طَّيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَمْتَدُ وَأَإِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣). وقد تكون القربة مكروهة، وذلك کالتصدق بجميع ما يملك، وکان في ذلك مشقة لا يصبر عليها، وكالوصية من الفقير الذي له ورثة (٤) من تصح منه القربة : ٥ - القربات إِمَّا أن تكون عبادة كالصلاة والصيام، أو غير عبادة كالتبرعات من صدقة ووصية ووقف. فإن كانت القربات من العبادات، فإنه يشترط فيمن تصح منه أن یکون مسلما، فلا ٠ (١) حديث: ((أرغبت عن سنتي؟ ... )) أخرجه أبو داود (٢ / ١٠١). (٢) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ١٧٤ . (٣) سورة المائدة / ٨٧. (٤) مغني المحتاج ٣ / ١٢٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٠. - ٩٤ - قُرْبَة ٥ -٦ تصح قربات العبادة من الكافر، لأنه ليس من أهل العبادة (١)، والصغير المميز تصح عباداته ویثاب عليها، قال النووي: یکتب للصبي ثواب ما يعمله من الطاعات: كالطهارة والصلاة والصوم، والزكاة والاعتكاف والحج والقراءة، وغير ذلك من الطاعات، والدليل على ذلك قول النبي وَلير: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)) (٢)، وحديث صلاة ابن عباس مع النبي ◌َ*(٣) ، وحديث تصويم الصحابة الصبيان يوم عاشوراء، فعن الربيع بنت معوذ قالت: ((أرسل النبي وَلّ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ومن أصبح صائماً فليصم. قالت: فكنا نصومه بعد ونصوّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار)) (٤). (١). البحر المحيط ١ / ٤١٥ - ٤١٦، والمنثور للزركشي ٣ / ٩٩، والمغني ٥/ ٥٥٥. (٢) حديث: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ... )) أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٤)، والحاكم (١ / ١٩٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم. (٣) حديث: أن ابن عباس صلّى مع النبي # صلاة العيد. أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٩٠). (٤) حديث: الربيع بنت معوذ: ((أرسل النبي# غداة عاشوراء ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٠٠). واختلف الفقهاء في المجنون والصبي غير المميز، مع العلم بأن الزكاة تجب في مالهما عند جمهور الفقهاء (١). وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (صِغَر ف ٣٢) ومصطلح (جنون ف ١١). وإن كانت القربات من غير العبادات، كالوقف والوصية والعارية وعيادة المرضى وتشییع الجنائز، فإنه يشترط فيما هو ماليّ منها أهلية التبرع من عقل وبلوغ ورشد، وهذا في الجملة إذ أجاز بعض الفقهاء وصية الصبي المُميِّز. ولا يشترط الإِسلام، لأن وقف الكافر وعتقه ووصیته وصدقته صحیحة، من حیث إن هذه عقود مالية وليست قربات بالنسبة للكافر (٢). نيَّة القربة: ٦ - من القربات ما لا يفتقر إلى نية، ومنها ما يفتقر إلى النية. أولا: القربات التي لا تحتاج إلى نية هي کما یقول القرافي: التي لا لبس فيها، کالإیمان بالله تعالى، وتعظيمه وإجلاله، والخوف من نقمه، والرجاء لنعمه، والتوكل على كرمه، . (١) المجموع للنووي ٧ / ٣٤ تحقيق المطيعي، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١١٩. (٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٥٤، والبحر المحيط ١ / ٤١٥. - ٩٥ - قُرْبَة ٦ والحياء من جلاله، والمحبة لجماله، والمهابة من سلطانه، وكذلك التسبيح والتهليل، وقراءة القرآن، وسائر الأذكار، فإنها متميزة جنابه سبحانه وتعالى (١). ثانيا: القربات التي تحتاج إلى نية، وهي : العبادات، من صلاة وصيام وحج، وسواء أكانت واجبة أم مندوبة، فإن المقصود من هذه العبادات تعظيم الله سبحانه وتعالى بفعلها، والخضوع له في إتیانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله سبحانه وتعالى، فإن التعظيم بالفعل بدون المعظم محال، فهذا القسم هو الذي أمر فيه الشرع بالنيات (٢)، ونية التقرب في العبادات هي إخلاص العمل لله تعالى (٣)، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤). ونية القربة إنما هي لتمييز العبادات عن العادات، ليتميز ما لله عن ما ليس له، أو تمييز مراتب العبادات في أنفسها، لتتميز مكافأة العبد على فعله، ويظهر قدر تعظيمه لربه (٥) . (١) الذخيرة ص ٢٣٧، والمنثور في القواعد ٣/ ٢٨٨. (٢) الذخيرة ص ٢٤٠، والفروق للقرافي ١/ ١٣٠. (٣) المنثور ٣ / ٢٨٥، والذخيرة ص ٢٣٥ . (٤) سورة البينة/ ٥. (٥) الذخيرة للقرافي ص ٢٣٦، والأشباه للسيوطي ص ١٣، والأشباه لابن نجيم ص ٢٩، والمنثور في القواعد للزركشي ٣/ ٢٨٥. فمن أمثلة ما تكون نية القربة فيه لتمييز العبادة عن العادة: الغسل، یکون تبردا وعبادة، ودفع الأموال، يكون صدقة شرعية ومواصلة عرفية، والإمساك عن المفطرات، يكون عبادة وحاجة، وحضور المساجد، یکون مقصودا للصلاة وتفرجا يجري مجرى اللذات، والذبح، قد يكون بقصد الأكل، وقد يكون للتّقرب بإراقة الدماء، فشرعت النية لتمييز القرب من غيرها. أما نية القربة في العبادات، فهي لتمييز مراتب العبادات في نفسها، لتتميز مكافأة العبد على فعله، ومن أمثلة ذلك: الصلاة، تنقسم إلى فرض ومندوب، والفرض ينقسم إلى الصلوات الخمس قضاء وأداء، والمندوب ینقسم إلى راتب کالعیدین والوتر، وغیر راتب كالنوافل، وكذلك القول في قربات المال والصوم والنسك (١). ثالثا: الأعمال الواجبة المأمور بها من غير العبادات أو المنهي عنها لا تعتبر قربات في ذاتها، لکنها یمکن أن تصبح قربات إذا نوی بها القربة، ومن ذلك الواجبات التي تكون صور أفعالها كافية في تحصيل مصالحها، كدفع الديون، ورد المغصُوب، ونفقات (١) الأشباه للسيوطي ص ١٣، والأشباه لابن نجيم ص ٢٩، والذخيرة للقرافي ص ٢٣٦-٢٣٧، وقواعد الأحكام ١/ ١٧٦ - ١٧٧. - ٩٦ - قُرْبَة ٦ - ٨ الزوجات، والأقارب، وعلف الدواب ونحو ذلك، فإن المصلحة المقصودة من هذه الأمور انتفاع أربابها، وذلك لا يتوقف على قصد الفاعل لها، فيخرج الإِنسان عن عهدتها، وإن لم ینوها، فمن دفع دینه غافلا عن قصد التقرب أجزأ عنه، أما إن قصد القربة في هذه الصور بامتثال أمر الله تعالى حصل له الثواب، وإلا فلا. ومثل ذلك المنهي عنه من الأعمال، يخرج الإِنسان من عهدته بمجرد الترك فإن نوى بتركها وجه الله العظيم، فإن الترك يصير قربة ويحصل له من الخروج عن العهدة الثواب لأجل نية القربة (١). وأما المباحات فإن صفتها تختلف باعتبار ما قصدت لأجله، فإذا قصد بها التقوّي على الطاعات، أو التوصل إليها كانت عبادة وقربة يثاب عليها (٢). وفي المنثور: قال القاضي حسين: عيادة المريض واتباع الجنازة ورد السلام قربة لا يستحق الثواب عليها إلا بالنية وقطع السرقة واستيفاء الحدود من الإِمام (١) الفروق للقرافي ٢ / ٥٠ ١/ ١٣٠، والذخيرة ص ٢٤٠، والمنثور ٣/ ٦١، ٢٨٧، ٢٨٨، والأشباه لابن نجيم ص ٢٣، وقواعد الأحكام ١ / ١٧٦ - ١٧٧ . (٢) الأشباه لابن نجيم ص ٢٣، والمنثور ٣/ ٢٨٧، والفروق للقرافي ١ / ١٣٠. قربة، ولا يثاب على فعله إلا بالنية، وإن لم ينو لم يثب (١). الثواب على القربات فضل من الله تعالى: ٧ - يثاب الإنسان ويعاقب على كسبه واكتسابه، سواء كان ذلك بمباشرة أو بتسبب، يقول الله تعالى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوّنَ مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿ وَأَنْ لَّْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ (٣)، أي ليس له إلا جزاء سعيه، وقال تعالى ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا ﴾ (٤)، والغرض بالتكاليف تعظيم الإِله بطاعته، واجتناب معصيته، وذلك مختص بفاعليه (٥) والثواب على العمل فضل من الله تعالى، يقول الكاساني: الثواب من الله تعالى إنما هو فضل منه، ولا استحقاق لأحد علیه، فله أن يتفضل على عمل لأجله بجعل الثواب له، كما له أن يتفضل بإعطاء الثواب على غير عمل رأسا (٦). أثر القصد في الثواب على القربة: ٨ - قسم العز بن عبد السلام ما يثاب عليه (١) المنثور ٣ / ٦١. (٢) سورة الطور/ ١٦. (٣) سورة النجم / ٣٩. (٤) سورة الأنعام / ١٦٤ . (٥) قواعد الأحكام ١ / ١١٤ ط . دار الكتب العلمية بيروت. (٦) بدائع الصنائع ٢/ ٢١٢ . - ٩٧ - قُرْبَة ٨ الإِنسان إلى ثلاثة أقسام : أحدها: ما تميز لله بصورته، فهذا يثاب عليه مهما قصد إليه، وإن لم ينو به القربة كالمعرفة والإِيمان والأذان والتسبيح والتقدیس. القسم الثاني: ما لم يتميز من الطاعات لله بصورته، فهذا لا يثاب عليه إلا بنيتين: إحداهما: نية إيجاد الفعل، والثانية: نية التقرب به إلى الله عز وجل، فإن تجرد عن نية التقرب أثیب على أجزائه التي لا تقف على نية القربة كالتسبيحات والتكبيرات والتهليلات الواقعة في الصلوات الفاسدة. والقسم الثالث: ما شرع للمصالح الدنيوية ولا تتعلق به المصالح الأخروية إلا تبعا، كإقباض الحقوق الواجبة، وفروض الكفايات التي تتعلق بها المصالح الدنيوية كالصنائع التي يتوقف عليها بقاء العالم، فهذا لا يؤجر علیه إذا قصد إليه إلا أن ينوي به القربة إلى الله عز وجل (١) . وقد يقوم الإنسان بعمل ويستوفي شروطه وأركانه، ولكنه لا يستحق علیه ثوابا لما يقترن به من المقاصد والنوايا، ولذلك يقول النبي وسلم: ((إنما الأعمال بالنيّة، وإنما لامرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله (١) قواعد الأحكام ١ / ١٤٩ ط. دار الكتب العلمية بيروت. فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) (١). كما قد يُتبع الإِنسان العمل الصحيح بما يضيع ثوابه، ومن ذلك المنّ والأذى يبطل ثواب الصدقة (٢)، لقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنْ وَالْأَذَى﴾ (٣). وقد یعمل الإِنسان العمل فیثاب عليه ولو لم يقع الموقع الصحيح، فقد ورد حديثان يؤيدان هذا المعنى، أحدهما: حديث المتصدق الذي وقعت صدقته في يد سارق وزانية وغنيٍ وفي نهاية الحديث ((أن الرجل ◌ُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله)) (٤). والحديث الثاني: حدیث معن بن یزید الذي أخذ صدقة أبيه من الرجل الذي (١) حديث: ((إنما الأعمال بالنية ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١ /٩)، ومسلم (١٥١٥/٣ - ١٥١٦) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم. (٢) الموافقات للشاطبي ١ / ٢٩٢، وفتح الباري ٣ / ٢٧٧ . (٣) سورة البقرة / ٢٦٤. (٤) حديث: ((المتصدق الذي وقعت صدقته في يد سارق وزانية وغني ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٩٠). - ٩٨ - قُرْبَة ٨ - ٩ وضعت عنده، وقال له النبي پار: ((لك ما نویت یا یزید ولك ما أخذت یا معن)) (١)، قال ابن حجر: وهذا يدل على أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته وإن لم تقع الموقع (٢). نقل ثواب القربة للغير: ٩ - تنقسم القربات إلى ثلاثة أقسام: قسم حجر الله تعالى على عباده في ثوابه، ولم يجعل لهم نقله لغيرهم، کالإِيمان والتوحيد، فلو أراد أحد أن يهب قريبه الكافر إيمانه ليدخل الجنة دونه لم یکن له ذلك، وكذلك هبة ثواب ما سبق مع بقاء الأصل، لا سبيل إليه. وقسم اتفق الفقهاء على أن الله تعالى أذن في نقل ثوابه، وهو القربات المالية كالصدقة والعتق . وقسم اختلف فيه (٣)، فذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز نقل ثواب ما أتى به الإِنسان من العبادة لغيره من الأحياء والأموات، يقول الكاساني: من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة، وقد ورد ((عن رسول الله وكلهم (١) حديث ((معن بن يزيد الذي أخذ صدقه أبيه ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٩١). (٢) فتح الباري ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١. (٣) الفروق للقرافي ٣/ ١٩٢، ومنح الجليل ١ / ٣٠٦. أنه كان إذا أراد أن يضحي اشتری کبشین عظیمین سمینین أملحین أقرنین موجوءین، فيذبح أحدهما عن أمته ممن شهد بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد واله وآل محمد» (١) وورد عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي وَّه: ((إن أمي افتُلِتت نفسُها، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، تصدق عنها)) (٢). قال الكاساني: وعلى ذلك عمل المسلمين من لدن رسول الله - لر إلى يومنا هذا، من زيارة القبور وقراءة القرآن عليها، والتكفين والصدقات والصوم والصلاة، وجعل ثوابها للأموات (٣) . وقال ابن قدامة: أي قربة فعلها الإِنسان وجعل ثوابها للمیت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله تعالى: كالدعاء والاستغفار، والصدقة والواجبات التي تدخلها النيابة (٤). وعند المالكية لا يجوز نقل ثواب الصلاة (١) حديث: أن رسول الله# ((كان إذا أراد أن يضحى ... )) أخرجه أحمد (٦ / ٢٢٥) من حديث عائشة. (٢) حديث: عائشة ((أن رجلاً قال للنبي (%) ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ /٣٨٨ - ٣٨٩) ومعنى. افتلتت في الحديث: ماتت فجأة. (٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢١٢. (٤) المغني لابن قدامة ٢ / ٥٦٧ - ٥٦٨ - ٥٦٩، وشرح منتهى الإرادات ٣٦٢/١. - ٩٩ - قُرْبَة ٩ - ١٠ والصيام والحج وقراءة القرآن إلى الغير، ولا يحصل شيء من ثواب ذلك للميت، لقوله تعالى ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَاسَعَى﴾(١) وقول النبي ◌َّه: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (٢)، ويجوز فيما عدا ذلك کالصدقات (٣). ومثل ذلك عند الشافعية في الجملة، جاء في مغني المحتاج : تنفع الميت صدقة عنه، ووقف وبناء مسجد، وحفر بئر ونحو ذلك ودعاء له من وارث وأجنبي، والمشهور أنه لا ينفعه غير ذلك كالصلاة وقراءة القرآن لكن حکی النووي في شرح مسلم والأذكار وجها، أن ثواب القراءة يصل إلى الميت، واختاره جماعة من الأصحاب (٤). الأجر على القربات: ١٠ - القربات التي تجب على الإِنسان ولا يتعدى نفعها فاعلها كالصلاة والصيام لا يجوز أخذ الأجر عليها، لأن الأجر عوض الانتفاع ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع، ولأن (١) سورة النجم /٣٩ (٢) حديث: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله ... )) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٥٥) من حديث أبي هريرة. (٣) الفروق للقرافي ٣/ ١٩٢، ومنح الجليل ١ / ٣٠٦، ٤٤٢. (٤) مغني المحتاج ٣ / ٦٩ - ٧٠، والمنثور ٣١٢/٣. من أتى بعمل واجب عليه لايستحق عليه أجرة، وكذلك الجهاد لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه يقع عنه، ولأنه إذا حضر الصف تعين عليه، وهذا باتفاق (١). أما غير ذلك من القربات التي يتعدى نفعها للغير كالأذان والإقامة وتعليم القرآن والفقه والحديث، فعند الشافعية والمالكية وفي رواية عن الإِمام أحمد يجوز أخذ الأجرة على ذلك، لكن كره المالكية أخذ الأجرة على تعليم الفقه والفرائض. وعند الحنفية وهو رواية عن الإِمام أحمد، لا يجوز أخذ الأجرة على ذلك، لأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة الله تعالى فلم يجز أخذ الأجر عليها . لكن أجاز متأخرو الحنفية أخذ الأجرة على تعليم القرآن استحسانا ومثل ذلك الإِمامة والأذان للحاجة . أما ما يقع تارة قربة وتارة غير قربة، كبناء المساجد والقناطر، فيجوز أخذ الأجرة علیه (٢). وما يؤخذ من بيت المال على القربات التي لا يجوز أخذ الأجرة عليها كالقضاء، لا يعتبر (١) البدائع ٤ / ١٩١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٤٤، والمغني ٥ / ٥٥٩. (٢) البدائع ٤ / ١٩١، وحاشية ابن عابدين ٥/ ٣٤ - ٣٥، والهداية ٣/ ٢٤٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٨ - ١٨٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٤٤، والمنثور ٣/ ٣٠ -٣١، والمغني ٢٣١/٣ و٥ / ٥٥٥، ٥٥٩. - ١٠٠ -