النص المفهرس
صفحات 21-40
قَذْف ٣٩ ثانيا إلا إذا كان بقذف آخر مستأنف، وهو قول الثوري والشعبي، والنخعي وإبراهيم والزهري وقتادة، وطاووس وآبي حنيفة ومالك. وعند عطاء والشعبي، وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد: إذا قذف جماعة بكلمات فلكل واحد حدّ، لأنها حقوق لآدمیین، فلم تتداخل کالدیون. وأما إذا قذفهم بكلمة واحدة فقال الشافعي في القديم: عليه حدّ واحد، وهو رواية عن الإِمام أحمد، ورجحها في المغني لقوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَلَمْ يَأْتُواْ بِأَزْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَجْلِدُوهُمْمِ ثَمَنِينَ جَدَةً﴾ (١)، ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة، فلم يحدّهم عمر رضي الله عنه إلا حدًّا واحدا، ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حدّ واحد كما لو قذف واحدا، ولأن الحدّ إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن یکتفی به، بخلاف ما إذا قذف کل واحد قذفا مفردا فإن کذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفین بحدّه للآخر. (١) سورة النور/ ٤. وقال الحسن وأبو ثور والشافعي في الجديد، وابن المنذر والرواية الثانية عن أحمد: يجب لكل واحد منهم حدّ، لأنه ألحق العار بقذف كل واحد منهم، فلزمه لكل واحد منهم حدّ، كما لو انفرد كل واحد منهم بالقذف (١). واختلف أبو حنيفة ومالك فيما إذا قذف إنسانا فحدّ له وفي أثناء إقامة الحدّ قذف إنسانا آخر، فعند أبي حنيفة لا يقام إلا حدّ واحد ولو لم يبق من الضرب إلا سوط واحد، فلا يضرب إلا ذلك السوط، للتداخل، لأنه اجتمع حدّان، ولأن كمال الحدّ الأول بالسوط الذي بقي . وعند مالك: إن کرر أثناء الجلد فإن كان ما مضى من الجلد أقله ألغي ما مضى، وابتدىء العدد وبذلك يستوفى الثاني. وإن کان ما بقي قليلا فیکمل الأول، ثم يبتدیء (٢) للثاني وعند الشافعية والحنابلة إذا قذف جماعة لا يجوز أن يكونوا كلهم زناة عادة لم يجب الحدّ، لأن الحدّ إنما يجب لنفي العار، ولا عار على المقذوف لأنا نقطع بكذبه ويعزر للكذب (٣) . (١) فتح القدير ٤ / ٢٠٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٧، والمهذب ٢ / ٢٩٢، ٢٩٣، والمغني ٨/ ٢٣٣، ٢٣٤. (٢) فتح القدير ٤ / ٢٠٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٧. (٣) المهذب ٤ / ٣٢٨، والإقناع في فقه الإمام أحمد ٤/ ٢٦٤. - ٢١ - قَذْف ٤٠ - ٤٤ قذف الرجل نفسه : ٤٠ ۔ من قذف نفسه بأن قال: أنا ولد زنا، حدّ لأنه قذف لأمه (١). حکم قذف النبي ◌ّ وأمه : ٤١ - قذف النبي محمد الهر، وقذف أمه ردة عن الاسلام، وخروج عن الملة، ومن قذف النبي ێ کفر وقتل ولو تاب أو کان کافرا فأسلم، لا إن سبه بغير القذف ثم أسلم (٢). قذف زوجة من زوجات النبي وَالطيار : ٤٢ - اتفق الفقهاء على أن من قذف عائشة رضي الله عنها فقد كذب صريح القرآن الذي نزل بحقها، وهو بذلك كافر بعد أن برأها الله منه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُّو يَلِفَاكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْلَا تَحْسَبُوهُ شَرَّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرٍِ مِّنْهُم مَّا أَكْتَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَعِطُّكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُ وأُلِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُمُؤْمِينَ ﴾ (٣) . أما سائر زوجات النبي ◌ِّ رضي اللّه عنهن فقد ذهب الحنفية والحنابلة في (١) الشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي ٤/ ٣٢٨. (٢) المغني ٨ / ٢٣٣، والإقناع ٤ / ٢٦٥. (٣) سورة النور/ ١١ - ١٧ . الصحيح، واختاره ابن تيمية أنهن مثل عائشة في الحكم، واستدلوا بقوله تعالى: وَالطَّيِّبَتُ لِلَّيِّبِينَ﴾ (١)، وقذفهن طعن بالرسول ◌َّله وعار عليه . وذهب الشافعية وهو الرواية الأخرى للحنابلة: أن زوجات النبي ێ# سوى عائشة كسائر الصحابة، وسابهن يجلد، لأنه قاذف (٢) . وللتفصیل ر: (ردة ف١٨، وسب ف١٨) حكم قذف الأنبياء : ٤٣ - يرى الفقهاء أن من قذف نبيا من الأنبياء يقتل، ولا تقبل توبته (٣). انظر مصطلح: (رسول ف ٣)، ومصطلح: (سب ف ١١ - ١٣) حق الورثة في المطالبة بحد القذف: ٤٤ - ذهب الحنفية إلى أنه: لا يطالب بحدّ القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه، وهو الوالد وإن علا والولد وإن سفل، لأن العار يلتحق بهما للجزئية، فيكون القذف متناولاً معنى لهما، فلذلك يثبت لهما حق المطالبة، لكن لحوقه لهما بواسطة لحوق (١) سورة النور/ ٢٦ . (٢) الشفاء للقاضي عياض ٢ / ١١٠٩، ١١١٠. (٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٨٠. - ٢٢ - ٠٠٠ قَذْف ٤٤ المقذوف بالذات فهو الأصل في الخصومة، لأن العار يلحقه مقصودا، فلا يطالب غيره بموجبه إلا عند اليأس عن مطالبته، وذلك بأن يكون ميتا، فلذا لو كان غائبا لم يكن لولده ولا لوالده المطالبة لأنه يجوز أن يصدقه الغائب. ويثبت للأبعد مع وجوب الأقرب، وكذا یثبت لولد الولد مع وجود الولد، ولو عفا بعضهم كان لغيره أن يطالب به، لأنه للدفع عن نفسه . وإذا كان المقذوف محصنا جاز لابنه الكافر أن يطالب بالحدّ خلافا لزفر، إذ يقول: القذف یتناوله معنی لرجوع العار إلیه ولیس طريقه الإِرث عندنا، كما إذا كان متناولاً له صورة ومعنى، بأن يكون هو المقصود بالقذف ولو كان كذلك لم يكن له حق المطالبة لعدم إحصانه، فكذا إذا كان مقذوفا معنى فقط . ولكنا نقول: إنه عيّره بقذف محصن، فيأخذه بالحدّ، وهذا لأن الإِحصان في الذي ينسب إلى الزنا شرط ليقع تعبيرًا على الكمال، ثم يرجع هذا التعبير الكامل إلى ولده، والكفر لا ينافي أهلية الاستحقاق، بخلاف ما إذا تناول القذف نفسه لأنه لم يوجد تعییر على الكمال، لفقد الإِحصان في المنسوب إلى الزنا . والحاصل أن السبب التعبير الكامل، وهو بإحصان المقذوف، فإن كان حيا كانت المطالبة له، أو میتا طالب به أصله أو فرعه، وإن لم يكن محصنا لم يتحقق التعبير الكامل في حقه (١). وذهب المالكية إلى أن: للوارث حق القيام بحق مورثه المقذوف قبل موته وبعد موته، وهو ولد وولده وإن سفل، وأب وأبوه وإن علا، ثم الأخ فابنه. فعم فابنه، وهكذا ولكل من الورثة القيام بحق المورث وإن وجد من هو أقرب منه. كابن الابن مع وجود الابن، لأن المعرة تلحق الجميع ولا سيما إذا كان المقذوف أنثى خلافا لأشهب القائل : يقدم الأقرب فالأقرب في القيام بحق المورث المقذوف كالقيام بالدم (٢). وذهب الشافعية إلى أنه: إذا مات من له الحدّ أو التعزير وهو ممن يورث انتقل ذلك إلى الوارث، وفیمن یرثه ثلاثة أوجه: الأول: أنه يرثه جميع الورثة، لأنه موروث فكان لجميع الورثة، كالمال، وهو الأصح عندهم (٣). الثاني: أنه لجميع الورثة إلا لمن يرث بالزوجية، لأن الحدّ يجب لدفع العار، ولا يلحق الزوج عار بعد الموت لأنه لا تبقى (١) فتح القدير ٤ / ١٩٤ - ١٩٦ .. (٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٣١. (٣) روضة الطالبين ٨/ ٣٢٦. - ٢٣ - قَذْف ٤٤ - ٤٥ زوجية . الثالث: أنه يرثه العصبات دون غيرهم لأنه حق ثبت لدفع العار، فاختص به العصبات کولایة النكاح، وإن کان له وارثان فعفا أحدهما ثبت للآخر الحد لأنه جعل للردع، ولا يحصل الردع إلا بما جعله الله عز وجل للردع، وإن لم يكن له وارث فهو للمسلمين ويستوفيه السلطان (١). وذهب الحنابلة إلى أن من قذفت أمه وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة، حرة أو أمة حدّ القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما . أما إذا قذفت وهي في الحياة فليس لولدها المطالبة لأن الحق لها فلا يطالب به غيرها، ولا يقوم غيرها مقامها سواء كانت محجورا عليها أو غير محجور عليها، لأنه حق يثبت للتشفي فلا يقوم غير المستحق مقامه كالقصاص، وتعتبر حصانتها لأن الحق لها، فتعتبر حصانتها كأن لم يكن لها ولد، وأما إذا قذفت وهي ميتة، فإن لولدها المطالبة لأنه قدح في نسبه، ولأنه بقذف أمه ینْسِبُهُ إلى أنه من زنا، ولا يستحق ذلك بطريق الإِرث، ولذلك لا تعتبر الحصانة في أمه لأن القذف له. فأما إن قذفت أمه بعد موتها وهو مشرك أو (١) المهذب ٢ / ٢٩٢. عبد فلا حدّ على القاذف، سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تکن، وإن قذفت جدته فهو کقذف أمه . فأما إن قذف أحد أباه أو جده أو أحدًا من أقاربه غیر أمهاته بعد موته، لم يجب الحدّ بقذفه، لأنه إنما يجب بقذف أمه حقا له لنفي نسبه لاحقا للميت، ولهذا لم يعتبر إحصان المقذوفة واعتبر إحصان الولد، ومتى كان المقذوف من غير أمهاته لم يتضمن نفي نسبه فلم يجب الحدّ (١). قذف المجهول: ٤٥ - من قذف مجهولا لا حدّ عليه لعدم تعيين المعرة، إذ لا يعرف من أراد والحدّ إنما هو للمعرة، فإن اختلف رجلان في شيء فقال أحدهما: الكاذب هو ابن زانية، فلا حدّ عليه لأنه لم يعين أحدا بالقذف، وإذا سمع السلطان رجلا يقول: زنى رجل، لم يقم عليه الحدّ، لأن المستحق مجهول، ولا يطالبه بتعيينه لقول الله عز وجل: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(٢)، ولأن الحدّ يدرأ بالشبهة، ولهذا قال مثل: ((يا هزال، لو سترته بثوبك كان خيرًا لك)) (٣)، وإن قال (١) المغني ٨/ ٢٣٠، ٢٣٢. (٢) سورة المائدة / ١٠١ . (٣) حدیث «یا هزال، لو سترته بثوبك كان خيراً لك)» أخرجه الحاكم (٤ / ٣٦٣) وصححه. ووافقه الذهبي - ٢٤ - قَذْف ٤٥ - ٤٧ سمعت رجلا يقول: إن فلانا زنى، لم يحدّ لأنه ليس بقاذف وإنما هو حاك، ولا يسأله عن القاذف، لأن الحدّ يدرأ بالشبهة، وإن قال لجماعة: أحدكم زان أو ابن زانية فلا حدٌ عليه، ولو قاموا كلهم لعدم تعيينه المعرة لواحد منهم إذ لا يعرف من أراد، وهذا إذا کثرت الجماعة بأن زادوا على ثلاثة، فإن كانوا ثلاثة أو اثنين حدّ إن قاموا أو قام بعضهم وعفا البعض الباقي، إلا أن يحلف أنه لم يرد القائم وإن لم يحلف حدّ، وهذا عند المالكية، وقال الحنفية: لو قام بعضهم فقال: لم أرد القائم لم يحدّ سواء عفا البعض أو لم يعف، وسواء حلف أنه لم يرد القائم أو لم يحلف، لأن القذف وقع غير موجب للحدّ، حيث لم يعين أحدا بالقذف (١). قذف المرتد والكافر والذمي والفاسق : ٤٦ - من قذف مرتدا لا حدّ عليه، لأن المرتد غير محصن بأن خرج عن دين الإِسلام، وإن ارتد المقذوف بعد قذفه فلا حدّ علی قاذفه ولو تاب بأن رجع للإسلام، وقال المزني وأبو ثور: إن ارتد المقذوف بعد قذفه فإن ردته لا تسقط الحدّ، لأنها أمر طرأ بعد وجوب الحدّ فلا يسقط ما وجب من الحدّ. - (١) فتح القدير ٤ / ٢١١، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٣٠، والمهذب. ٢ / ٢٩٣، والمغني ٢٣٦/٨. ومن قذف کافرًا ولو ذمیا لا حدّ علیه عند الجمهور، ویعزر للإيذاء، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي و لإ قال: ((من أشرك بالله فليس بمحصن)) (١)، وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: عليه الحدّ إذا کان ها ولد مسلم، قال ابن المنذر: وجل العلماء مجمعون وقائلون بالقول الأول، ولم أدرك أحدا ولا لقيته يخالف ذلك (٢). ويحدّ قاذف الفاسق إذا كان فسقه بغير الزنا، لكونه عفيفا عن الزنا فهو محصن وقذف المحصن موجب للحد (٣)، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُواْ بِأَزْبَعَةٍ شُهَلَةَ فَأَجْلِدُوهُمْ تَمَنِينَ جَدَةً ﴾ الآية (٤). قذف الخصي والمجبوب والمريض مرضا مدنفا والرتقاء: ٤٧ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنه لا حدّ على قاذف المجبوب، وكذلك الرتقاء عند أبي حنيفة لفقدان آلة الزنا ولأنه لايلحقهما الشين، فإن الزنا منهما لا يتحقق ويلحق الشين القاذف في هذا القذف. وقال الحنابلة: يجب الحد على من قذف (١) حديث ((من أشرك بالله فليس بمخصن) تقدم ف ١٤ . (٢) فتح القدير ٤ / ٢١٠، والمدونة ٤ / ٣٩٦، والقرطبي سورة النور ٤٥١٦، والمهذب ٢ / ٢٨٩، ٢٩٠. (٣) الدسوقي ٣٢٦/٤. (٤) سورة النور/ ٤. ١ - ٢٥ - قَذْف ٤٧ - ٤٨ خصيا أو مجبوبا أو مريضا مدنفا أو رتقاء، لقوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَأَبْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً﴾ (١)، فهم داخلون في عموم الآية، ولأنه قاذف لمحصن فيلزمه الحدّ كقذف القادر على الوطء، ولأن إمكان الوطء أمر خفي لا يعلمه كثير من الناس، فلا ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحدّ فیجب کقذف المريض. وقال الحسن: لا حدّ على قاذف الخصي، لأن العار منتف عن المقذوف بدون الحدّ للعلم بكذب القاذف، والحدّ إنما يجب لنفي العار (٢). حكم من قذف ولده : ٤٨ - إذا قذف ولده وإن نزل لم يجب عليه الحدّ سواء کان القاذف ذكرا أو أنثى، وبهذا قال عطاء والحسن والشافعي، وأحمد وأبو حنيفة وهو المذهب عند المالكية. وفي قول عندهم: يجب علیه الحد بقذف الآبن، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبي ثور وابن المنذر الإِطلاق آية ﴿ فَأَجْلِدُوهُمْ﴾ (٣)، ولأنه حدّ (١) سورة النور/ ٤. (٢) المبسوط ٩ / ١١١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٦، والمغني ٢١٧،٢١٦/٨. (٣) سورة النور/ ٤. هو حق الله فلا يمنع من إقامته قرابة الولادة کالزنا . والجواب على من قال بوجوب الحدّ: أن الإِطلاق أو العموم مخرج منه الولد على سبیل المعارضة بقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَّقُل ◌َّهُمَآ أُنّ﴾ (١) والمانع مقدم، ولهذا لا يقاد والد بولده، وإهدار جنایته علی نفس الولد توجب إهدارها في عرضه بطريق أولى، والفرق بين القذف والزنا أن حدّ الزنا خالص لحق الله تعالى لا حق للآدمي فیه، وحدّ القذف حق لآدمي، فلا يثبت للابن على أبيه (٢) کالقصاص (١) سورة الإسراء / ٢٣. (٢) فتح القدير ٤ / ١٩٧،١٩٦ الدسوقي ٤ / ٣٣١، وتحفة المحتاج ٩/ ١٢٠، والمغني ٨ / ٢١٩. - ٢٦ - قُرْءٍ ١ - ٢ قُرْءُ التعريف : ١- القرء لغة : بالفتح والضم الحيض، ويطلق أيضا على الطهر، وهو من الأضداد، وجمعه قروء وأقْرؤ مثل فلس وفلوس وأفلس، ويجمع على أقراء مثل قفل وأقفال. وعن أبي عمرو أنه في الأصل اسم للوقت (١). ويطلق على الطهر والحيض جميعا، حيث لا خلاف بين أهل اللغة في أن القرء من الأسماء المشتركة يذْكر ويراد به الحيض والطهر على طريق الاشتراك، فيكون حقيقة لكل واحد منهما . وقد اختلف الفقهاء في المعنى الاصطلاحي للقرء على قولين: القول الأول: وهو قول المالكية والشافعية وأحمد في رواية، وكثير من الصحابة (رضي الله عنهم) وفقهاء المدينة قالوا: إن المراد بالأقراء في (١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، والمغرب، والقاموس المحيط، والمفردات . العدة الأطهار (١)، لقول عائشة رضي الله عنها: ((الأقراء الأطهار)) (٢). القول الثاني: وهو قول الحنفية وأحمد في رواية أخرى والخلفاء الأربعة، وجماعة من السلف وابن مسعود وطائفة كثيرة من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث: أن المراد بالقرء الحيض، قال أحمد في رواية النيسابوري: كنت أقول إنه الأطهار، وأنا أذهب اليوم إلى أن الأقراء الحِيَضُ (٣). الأحكام المتعلقة بالقرء: عدة ذوات الأقراء: ٢ - اتفق الفقهاء على أنه يجب على المرأة المطلقة ومن في حكمها ذاتِ الأقراء أن تعتد بثلاثة قروء، لقول الله تعالى: ﴿ وَاَلْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَةٍ﴾ (٤)، سواء وجبت العدة بالفرقة في النكاح الصحيح أو في النكاح الفاسد أو الوطء بشبهة، قال ابن قدامة: إن عدة المطلقة إدا كانت حرة وهي من ذوات الأقراء ثلاثة قروء بلا خلاف بين (١) فتح القدير ٤ / ٣٠٨ ط بولاق، وبدائع الصنائع ٣/ ١٩٣ ط. دار الكتاب العربي، والقرطبي ٣/ ١١٣، ومغني المحتاج ٣٨٥/٣ ط. مصطفى الحلبي، والمغني ٧ / ٤٥٢، وكشاف القناع ٥ / ٤١٧ ط. عالم الكتب، وسبل السلام ٣/ ٢٠٤ ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت. (٢) أثر عائشة رضي الله عنها ((الأقراء الأطهار)). أخرجه ابن جرير في تفسيره (٤ / ٥٠٦ - ط. دار المعارف). (٣) المراجع الفقهية السابقة. (٤) سورة البقرة / ٢٢٨. - ٢٧ - قُرْءٍ ٢ أهل العلم (١). واختلفوا في معنى القرء، - كما تقدم - فقال الحنفية والحنابلة: إن المراد بالقرء الحيض، وذهبوا إلى أن من طلق امرأته في حالة الطهر لا يحتسب ذلك الطهر من العدة، حتى لا تنقضي عدتها ما لم تحض ثلاث حيض كوامل بعده، لأن الله تعالى أمر بثلاثة قروء كاملة، فلا يعتد بالحيضة التي طلقها فيها، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَّرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَّ قُرُوْءٍ﴾ أمر الله تعالى بالاعتداد بثلاثة قروء، ولو حمل القرء على الطهر لكان الاعتداد بطهرين وبعض الثالث، لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من الأقراء، والثلاثة اسم لعدد مخصوص، والاسم الموضوع لعدد لا يقع على ما دونه فیکون ترك العمل بالکتاب، ولو حملناه على الحیض يكون الاعتداد بثلاث كوامل، لأن ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة، فيكون عملا بالكتاب، ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال النبيّ وَلّ للمستحاضة: ((إذا أتى قرؤك فلا تصلي)) (٢)، ولأن هذه العدة (١) فتح القدير مع العناية ٣/ ٢٧٠، والدسوقي ٢ / ٤٦٩، ومغني المحتاج ٣/ ٣٨٤، والمغني ٧ / ٤٤٩، ٤٥٠ ط. الرياض. (٢) حديث: ((إذا أتى قرؤك فلا تصلي)). أخرجه أبو داود (١ / ١٩١) . وجبت للتعرف على براءة الرحم، والعلمُ ببراءة الرحم يحصل بالحيض لا بالطهر، فكان الاعتداد بالحيض لا بالطهر (١). وقال المالكية والشافعية: إن القرء هو الطهر، وأن المراد بالقروء في الآية الكريمة الأطهار، فإنها لو طلقت طاهرًا وبقي من زمن طهرها شيء ولو لحظة حسبت قرءاً، لأن بعض الطهر وإن قل یصدق عليه اسم قرء، فتنزل منزلة طھر كامل. واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾ (٢)، أي في وقت عدتهن، لكن الطلاق في الحيض محرم، فيصرف الإذن إلى زمن الطهر، وقد فسر النبيّ وَلجر العدة بالطهر في ذلك الحديث، حيث قال: ((فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)) (٣)، فدل على أن العدة بالطهر، ولدخول الهاء في الثلاثة في قوله تعالى: ثَثَةَ قُّرُوَةٍ﴾، وإنما تدخل الهاء في جمع المذكر لا في جمع المؤنث يقال ثلاثة رجال وثلاث نسوة، والحیضُ مؤنث والطهر مذکر، فدل على أن المراد منها الأطهار (٤). (١) بدائع الصنائع ٣/ ١٩٤، والمغني لابن قدامة ٧/ ٤٥٥، وسبل السلام ٣/ ٢٠٥. (٢) سورة الطلاق / ١. (٣) حديث: ((فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٣٤٦) من حديث ابن عمر. (٤) الكتاب مع اللباب ٣/ ٨٠، والقوانين الفقهية ص ٢٣٥، = - ٢٨ - قُرْء ٣ -٥ انتقال العدة : أ - انتقال العدة من الأقراء إلى الأشهر: ٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى تحول العدة من الخيض إلى الأشهر في حق من حاضت حيضة أو حيضتين ثم أصبحت يائسة، فتنتقل عدتها من الحيض إلى الأشهر، فتستقبل بالأشهر، لأنها لما أیست قد صارت عدتها بالأشهر (١)، لقوله تعالى: ﴿وَلَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ (٢)، فالأشهر بدل عن الحيض. ب - انتقال العدة من القروء أو الأشهر إلى وضع الحمل : ٤ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لو ظهر في أثناء العدة بالقروء أو الأشهر أو بعدها أن المرأة حامل من الزوج، فإن العدة تتحول إلى وضع الحمل، وسقط حكم ما مضى من القروء أو الأشهر، وتبين أن مارأته من الدم لم يكن حيضًا، ولأن وضع الحمل أقوى من الدم في الدلالة على = والمغني ٧/ ٤٥٢، ومغني المحتاج ٣ / ٣٨٥، والإقناع للشربيني الخطيب ٢ / ١٢٨. (١) بدائع الصنائع ٣/ ٢٠٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٧٦، وروضة الطالبين ٨ / ٣٧١، والمغني ٩/ ١٠٣. (٢) سورة الطلاق / ٤ . براءة الرحم من آثار الزوجية التى انقضت (١)، لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ اَلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) والتفصيل في مصطلح (عدة ف ٣٨) ج - انتقال العدة من الأشهر إلى الأقراء: ٥ - اتفق الفقهاء على أن الصغيرة إذا اعتدت ببعض الأشهر، ثم رأت الدم، تنتقل عدتها من الأشهر إلى الأقراء، لأن الأشهر في حق الصغيرة بدل عن الأقراء، وقد ثبتت القدرة على المبدل، والقدرة على المبدل قبل حصول المقصود بالبدل تبطل حكم البدل (٣). وللتفصيل انظر: (عدة ف ٢٨ - ٣١) (١) بدائع الصنائع ٣/ ٢٠١، والدسوقي ٢ / ٤٧٤، ونهاية المحتاج ٧/ ١٢٩، وروضة الطالبين ١ / ٣٧٧، ومغني المحتاج ٣٨٩/٣، والمغني ٩ / ١٠٣. (٢) سورة الطلاق / ٤ . (٣) البدائع ٣/ ٢٠٠، والدسوقي ٣/ ٤٧٣، ومغني المحتاج ٣٨٦/٣، وروضة الطالبين ٨/ ٣٧٢، والمغني ٩/ ١٠٢، ١٠٣. - ٢٩ - قرآن ١ - ٣ قرآن التعريف : ١- القرآن لغة : في الأصل مصدر من قرأ بمعنى الجمع، يقال: قرأ قرآناً، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ، (٧) فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَانَيَعْ قُرْءَانَهُ(٨)﴾ (١)، قال ابن عباس: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به، وخص بالكتاب المنزل على محمد وَلّ فصار له كالعلم (٢). وفي الاصطلاح: قال البزدوي : هو الكتاب المنزل على رسول الله، المكتوب في المصاحف، المنقول عن النبي وكل نقلا متواتراً، بلا شبهة، وهو النظم والمعنى جميعاً في قول عامة العلماء (٣). والقرآن عند الأصوليين يطلق على المجموع وعلى كل جزء منه، لأنهم يبحثون (١) سورة القيامة / ١٧، ١٨. (٢) القاموس المحيط، والمفردات في غريب القرآن. (٣) أصول البزدوي مع کشف الأسرار ١/ ٦٧ - ٧٢ نشر دار الكتاب العربي . من حيث إنه دليل على الحكم، وذلك آية آية لا مجموع القرآن (١). وقد سمى الله تعالى القرآن بخمسة وخمسین اسماً: سماه كتابا، ومبينا، وقرآنا، وكريما، وكلامًا، ونوراً، وهدى، ورحمة، وفرقانا، وشفاء، وموعظة، وذكراً، ومباركاً، وعليا، وحكمة ... الخ (٢). الألفاظ ذات الصلة : المصحف : ٢ - المصحف - بضم الميم وكسرها وفتحها - (٣)، ما جعل جامعًا للصحف المكتوبة، وجمعه مصاحف (٤). وروى السيوطي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف (٥). والصلة أن المصحف ما جمع فيه القرآن. حجية القرآن: ٣ - القرآن هو الأصل الأول من أصول الشرع، وهو حجة من كل وجه لتوقف حجية غيره من الأصول علیه لثبوتها به، فإن الرسول (١) التلويح على التوضيح ١/ ١٥٧ . (٢) الإتقان في علوم القرآن ١ / ١٥٩ - ١٦١. (٣) تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٣٤ نشر دار القلم، والقاموس المحيط . (٤) المفردات للراغب الأصفهاني. (٥) الإتقان في علوم القرآن ١ / ١٦٤ ط. دار ابن كثير، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٢٧٣ - ٢٧٦. - ٣٠ - قرآن ٣ - ٥ وَله يخبر عن الله تعالى، وقول الرسول ومَئيه إنما صار حجة بالكتاب بقوله تعالى: ﴿وَمَآءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١)، وكذا الإِجماع والقياس (٢). وللتفصيل في أدلة حجية القرآن وأسلوب القرآن في الدلالة على الأحكام ينظر الملحق الأصولي . خصائص القرآن : أ - الكتابة في المصاحف: ٤ - القرآن هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلاً متواتراً، وقيد بالمصاحف، لأن الصحابة رضي الله عنهم بالغوا في نقله وتجريده عما سواه، حتى كرهوا التعاشير والنقط كيلا يختلط بغيره، فنعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأن ما هو خارج عنه ليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة مع توافر الدواعي على حفظ القرآن أن يهمل بعضه، فلا ينقل، أو يخلط به ما ليس منه (٣). ب - التواتر: ٥ - لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب (١) سورة الحشر/ ٧. (٢) شرح المنار وحواشيه من علم الأصول ص ٢٥ ط. دار سعادت . (٣) روضة الناظر لابن قدامة المقدسي ص ٣٤ ط. دار الكتب العلمية، والمستصفى ١ / ١٠١. أن يكون متواتراً في أصله وأجزائه، وأما في محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك، أي يجب أن يكون متواتراً (١). فقد جاء في مسَلَّم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت: ما نقل آحاداً فليس بقرآن قطعاً، ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب، واستدل بأن القرآن مما تتوفر الدواعي على نقله لتضمنه التحدي، ولأنه أصل الأحكام باعتبار المعنى والنظم جميعا حتى تعلق بنظمه أحكام كثيرة، ولأنه يتبرك به في كل عصر بالقراءة والكتابة، ولذا علم جهد الصحابة في حفظه بالتواتر القاطع، وكل ما تتوفر دواعي نقله ينقل متواترا عادة، فوجوده ملزوم للتواتر عند الكل عادة، فإذا انتفى اللازم وهو التواتر انتفى الملزوم قطعاً، والمنقول آحاداً ليس متواترا، فليس قرآناً. كما جاء فيه: على أن ترتیب آي كل سورة توقيفي بأمر الله وبأمر الرسول بلال وعلى هذا انعقد الإِجماع، وجاء أيضاً: بقي أمر ترتيب السور فالمحققون على أنه من أمر الرسول وَ لله، وقيل هذا الترتيب باجتهاد من الصحابة ... والحق هو الأول (٢). (١) البرهان في علوم القرآن ٢ / ١٢٥. (٢) فواتح الرحموت شرح مسلَّم الثبوت مع المستصفى ٢ / ٩. - ٣١ - قرآن ٦ - ٧ والتفصيل في مصطلح: (مصحف) . ج - الإعجاز: ٦ - من خصائص القرآن أنه كلام الله المعجز، المتحدى بإعجازه، والمراد بالإِعجاز ارتقاؤه في البلاغة إلى حد خارج عن طوق البشر (١)، قال الزركشي: ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز، لأن العرب عجزوا عن معارضته (٢)، قال تعالي: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مَِّّا نَّْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اُللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُواْ النَّارَ أَلَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ ٣) أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ لـ قال القاضي أبو بكر: ذهب عامة أصحابنا - وهو قول أبي الحسن الأشعري في كتبه ـ إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها، قال: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة و إن كانت كسورة الكوثر، فذلك معجز (٤). والتفصيل في الملحق الأصولي. (١) إرشاد الفحول ص ٣٠، والتلويح على التوضيح ١ / ١٥٧. (٢) البحر المحيط ١ / ٤٤٦. (٣) سورة البقرة / ٢٣، ٢٤ . (٤) البرهان في علوم القرآن ٢ / ١٠٨ . د - كونه بلغة العرب: ٧ - لقد أنزل الله القرآن بلغة العرب (١)، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ،﴾ (٢). قال الزركشي: لا خلاف أنه ليس في القرآن كلام مركب على غير أساليب العرب، وأن فيه أسماء أعلام لمن لسانه غير اللسان العربي، كإسرائيل، وجبرائيل، ونوح، ولوط، وإنما اختلفوا هل في القرآن ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب؟ فذهب القاضي إلى أنه لا يوجد ذلك فيه، وكذلك نقل عن أبي عبيدة (٣). واحتج هذا الفريق بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُزْءَانَا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ) ءَأعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ﴾ (٤)، ولو كان فيه لغة العجم لم يكن عربيا محضاً، وآيات كثيرة في هذا المعنى، ولأن الله سبحانه تحداهم بالإِتیان بسورة من مثله، ولا یتحداهم بما ليس من لسانهم ولا يحسنونه (٥). قال الإمام الشافعي : والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان (١) البحر المحيط ١ / ٤٤٤. (٢) سورة ابراهيم / ٤. (٣) البحر المحيط ١ / ٤٤٩. (٤) سورة فصلت / ٤٤ . (٥) روضة الناظر ص ٣٥. - ٣٢ - ...... قرآن ٧ - ١١ العرب (١). وذهب فوم إلى أنه فيه لغة غير العرب، واحتجوا بأن ((المشكاة)) هندية، ((والإِستبرق)) فارسية (٢) . وقال من نصر هذا: اشتمال القرآن على كلمتين ونحوهما أعجمية لا يخرجه عن كونه عربياً وعن إطلاق هذا الاسم عليه، ولا يمهد للعرب حجة، فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيا وإن كان فيه آحاد كلمات عربية (٣). . قال ابن قدامة: يمكن الجمع بين القولين بأن تكون هذه الكلمات أصلها بغير العربية ثم عربتها العرب واستعملتها، فصارت من لسانها بتعريبها واستعمالها لها، وإن كان أصلها أعجمياً (٤). والتفصيل في الملحق الأصولي. هـ -كونه محفوظا بحفظ الله تعالى: ٨ - تكفل الله تعالى بحفظ كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿ إِنَّانَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ. لَفِظُونَ﴾ (٥)، قال القرطبي: المراد بالذكر القرآن والمراد بالحفظ أن يحفظ من أن يزاد فيه (١) الرسالة ص ٤٢ ط. الحلبي. (٢) المستصفى ١ / ١٠٥، وانظر إرشاد الفحول ص ٣٢. (٣) روضة الناظر ص ٣٥، وانظر المستصفى ١ / ١٠٦. (٤) روضة الناظر ١ / ٣٥. (٥) سورة الحجر/ ٩. أو ينقص منه، قال قتادة وثابت البناني: حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلاً أو تنقص منه حقاً، فتولى سبحانه وتعالى حفظه، فلم يزل محفوظا، وقال في غيره: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُبِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءٌ﴾(١)، فوكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا (٢). و- نسخ القرآن: ٩ - اتفق الفقهاء على جواز نسخ القرآن بالقرآن واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة على أقوال كما اختلفوا في شروط النسخ وأحواله. والتفصيل في الملحق الأصولي. ٧ - جمع القرآن: ز- جمع القرآن مرتين مرة في عهد أبي بكر الصديق وثانية في عهد عثمان رضي الله عنهما. والتفصيل في مصطلح (مصحف) : ٨ - تنجيم القرآن: ح - نزل القرآن على رسول الله وجلاله منجما لمعان مختلفة . (١) سورة المائدة/ ٤٤ . (٢) القرطبي ١٠ / ٥. - ٣٣ - قرآن ١٢ - ١٥ والتفصيل في (مصحف) . ط - رسم المصحف: ١٢ - كتب القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه على شكل معين وعلى يد جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ووزعت النسخ التى كتبوها على العواصم الإِسلامية وسميت هذه الطريقة الرسم العثماني، وقد اختلف الفقهاء في وجوب التزامها في كتابة القرآن الكريم أو جواز الخروج عنها . والتفصيل في مصطلح (مصحف) . الأحكام الفقهية المتعلقة بالقرآن: أولا: قراءة القرآن في الصلاة: ١٣ - اتفق الفقهاء على أن قراءة القرآن في الصلاة ركن، واختلفوا في تعيين الفاتحة لهذه الفريضة (١)، وفي صحة الصلاة بالقراءة بغير العربية . وللتفصيل (ر: صلاة. ف ١٩ وقراءة). ثانيا: قراءة القرآن خارج الصلاة: ١٤ - يستحب الإكثار من تلاوة القرآن خارج الصلاة، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَقَامُواْالصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّارَزَقْنَهُمْ (١) ابن عابدين ١ / ٣٠٠، والاختيار لتعليل المختار ١ / ٥٦ نشر دار المعرفة، والقوانين الفقهية ص ٦٣ دار الكتاب العربي، ومغني المحتاج ١ / ١٥٦، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٩٤. سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ نِجَرَةً لَّنْ تَبُّورَ﴾ (١)، ولقول النبي وَلي: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿آلم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (٢)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وفيتليفون: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران)) (٣)، وقال وَ له: ((اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيمة شفيعاً لأصحابه)) (٤). آداب قراءة القرآن: ١٥ - ينبغي للقارىء أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حال من يرى الله تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه (٥)، وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسواك وغيره (٦) . (١) سورة فاطر/ ٢٩. (٢) حديث: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله ... )) أخرجه الترمذي (٥ / ١٧٥) من حديث ابن مسعود وقال: حديث حسن صحيح. (٣) حديث عائشة: ((الماهر بالقرآن مع السفرة .. )) أخرجه مسلم (١ / ٥٥). والتتعتع: التردد في الكلام عياً وصعوبة (تفسير القرطبي ١ / ٧) . (٤) حديث: ((اقرأوا القرآن ... )) أخرجه مسلم (١ / ٥٥٣) من حديث أبي أمامة، وتفسير القرطبي ١ / ٧، وإحياء علوم الدين ١ / ٢٧٩. (٥) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٩٥ نشر دار الدعوة. (٦) التبيان ص ٩٥، والإتقان في علوم القرآن ١ / ٣٢٩ ط. دار ابن کثیر. - ٣٤ - قرآن ١٥ ويستحب أن يقرأ القرآن وهو على طهارة وإن قرأ محدثاً حدثا أصغر دون مس المصحف جاز بإجماع المسلمين (١). والجنب يحرم عليه قراءة القرآن عند عامة العلماء، من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). وقال ابن عباس: يقرأ الجنب ورده، وقال سعيد بن المسيب: يقرأ القرآن (٣). ويحرم على الحائض والنفساء قراءة القرآن في الجملة عند جمهور الفقهاء (٤) . وعند المالكية تجوز قراءة القرآن للحائض وإن كانت متلبسة بجنابة قبل الحيض، إلا أن ينقطع عنها دمه حقيقة أو حكما كمستحاضة، فإنها لا تقرأ إن كانت متلبسة بجنابة (٥) . (ر: حيض ف ٣٩). ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء أن تكون القراءة في المسجد، لكونه (١) التبيان ص ٩٧، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٣٢٥، والإتقان ١ / ٣٢٨، والمجموع ٢ / ٦٩ نشر المكتبة السلفية. (٢) الاختيار لتعليل المختار ١ /١٣، والقوانين الفقهية ص ٣٦ ط. دار الكتاب العربي، والمجموع ٢ / ١٦٢، والمغني ١ / ١٤٣، ١٤٤. (٣) المغني ١ / ١٤٤ والموسوعة الفقهية ١٦ / ٥٣، ٥٤. (٤) الاختيار ١/ ١٣، والمجموع ٢ / ١٦٢، والمغني ١٤٣/١، والقوانين الفقهية ص ٤٤ . (٥) الزرقاني ١ / ١٣٨. جامعاً للنظافة وشرف البقعة، ومحصلا لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف (١). وللتفصيل في الأماكن التي تكره فيها قراءة القرآن (ر: قراءة) . ويستحب للقارىء في غير الصلاة أن يستقبل القبلة، ويجلس متخشعاً بسكينة ووقار مطرقا رأسه، ویکون جلوسه وحده في تحسین أدبه وخضوعه کجلوسه بین یدي معلمه، فهذا هو الأکمل، ولو قرأ قائماً أو مضطجعاً أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر، ولکن دون الأول (٢). وللتفصيل في الأحوال التي تجوز أو تكره فيها قراءة القرآن (ر: قراءة) . وإذا أراد الشروع في القراءة استعاذ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا قال الجمهور من العلماء . وقال بعض السلف: يتعوذ بعد القراءة (٣) قال الزركشي: يستحب التعوذ قبل القراءة فإن قطعها قطْعَ ترك وأراد العود جدد، وإن قطعها لعذر عازماً على العود كفاه التعوذ (١) التبيان ص ١٠٠، والإتقان ١ / ٣٢٩. (٢) التبيان ص ١٠٢ - ١٠٤، والإتقان ١ / ٣٢٩ ط. دار ابن كثير، والآداب الشرعية ٢/ ٣٢٥. (٣) التبيان ص ١٠٥، والإتقان ١/ ٣٢٩. - ٣٥ - قرآن ١٥ - ١٦ الأول ما لم يطل الفصل (١). وللتفصيل في محل الاستعاذة من القراءة (ر: استعاذة ف ٧ وتلاوة ف ٦) . وينبغي أن يحافظ على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة سوى سورة ((براءة)) (٢)، (ر: تلاوة ف ٧) . وللتفصيل في اختلاف الفقهاء في كون البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة ينظر (بسملة ف ٢) . فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة، فهو المقصود والمطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب (٣)، (ر: تلاوة ف ١٠). ويستحب البكاء عند قراءة القرآن، والتباكي لمن لا يقدر عليه، والحزن والخشوع، قال اللّه تعالى: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (٤)، وقد قرأ ابن مسعود القرآن على النبي ◌ِ ل# وفي حديثه: ((فإذا عيناه تذرفان)» (٥)، وطريقه في تحصيل البكاء أن يحضر في قلبه الحزن بأن يتأمل مافيه من (١) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٠. (٢) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٠، والإتقان ١/ ٣٣١، والتبيان ص ١٠٦. (٣) التبيان ص ١٠٧ . (٤) سورة الإسراء / ١٠٩. (٥) الإتقان ١/ ٣٣٥، والتبيان ص ١١٢. وحديث ((فإذا عيناه تذرفان» أخرجه البخاري (فتح الباري ٩٤/٩)، ومسلم (٥٥١/١) واللفظ للبخاري . التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب (١). ويسن الترتيل في قراءة القران، (٢) قال الله تعالى: ﴿وَرَقِّلِ اَلْقُرْءَانَ تَرْتِلًا﴾ (٣). (ر: تلاوة ف ٩) . ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين مجتمعين، فمن ذلك اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة إلا كلامًا يضطر إليه، ومن ذلك العبث بالید وغیرها فإنه یناجي ربه سبحانه وتعالى، فلا یعبث بین یدیه . ومن ذلك النظر إلى مايلهي ويبدد الذهن (٤) .. آداب استماع القرآن : ١٦ - استماع القرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المحثوث عليها، ويكره التحدث بحضور القراءة (٥). (١) التبيان ص ١١٤ وإحياء علوم الدين ١ / ٢٨٤ ط. الحلبي، والإتقان ١ / ٣٣٥. . (٢) الإتقان ١ / ٣٣١، والتبيان ص ١١٤ . (٣) سورة المزمل / ٤. (٤) التبيان ص ١٢٠ . (٥) الإتقان ١ / ٣٤٣ والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧٥، وشرح منتهى الإرادات ٢٤٢/١ - ٣٦ - قرآن ١٦ - ١٧ قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام: والاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع، وهو يقتضى أنه لا بأس بالتحدث للمصلحة (١). وصرح الحنفية بوجوب الاستماع للقراءة مطلقا، أي في الصلاة وخارجها (٢). وللتفصیل في أحکام استماع القرآن خارج الصلاة (ر: استماع ف ٣ وما بعدها) . آداب حامل القرآن: ١٧ - آداب حامل القرآن مقرئا كان أو قارئاً هي في الجملة آداب المعلم والمتعلم التي سبق تفصيلها في (تعلم وتعليم ف ٩ - ١٠) . ومن آدابه أيضاً: أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل مانهى القرآن عنه إجلالاً للقرآن، وأن يكون متصونا عن دنيء الاكتساب، شريف "النفس، مترفعا على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعا للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعاً ذا سكينة ووقار، فقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يامعشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا الخيرات لا (١) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧٥. (٢) ابن عابدين ١ / ٣٦٦، وتفسير الجصاص ١ / ٤٩ ط . البهية المصرية . تكونوا عيالاً على الناس (١). ومن أهم مايؤمر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معیشة یکتسب بها (٢)، فقد جاء عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((اقرأوا القرآن ولا تغلوا فیه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به)) (٣). وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، منهم من منع أخذ الأجرة عليه، ومنهم من أجاز . وللتفصيل (ر: إجارة ف ١٠٩ - ١١٠). وينبغي أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها (٤)، قال الله تعالى مثنيًا على من كان دأبه تلاوة آيات الله: ﴿يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِءَانَآءَ الََّّلِ﴾ (٥). وسماه ذكرًا وتوعد المعرض عنه، ومن تعلمه ثم نسیه (٦)، فقد قال رسول الله وَلي: ((تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإِبل في عُقُلها)) (٧) 1 (١) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٧١ . (٢) التبيان ص ٧٣ . (٣) حديث: ((اقرأوا القرآن ولا تغلوا فيه ... )) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٧٣) وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات . (٤) التبيان ص ٧٨. (٥) سورة آل عمران / ١١٣. (٦) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٥٨ . (٧) حديث: ((تعاهدوا هذا القرآن ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٧٩)، ومسلم (١ / ٥٤٥) من حديث أبي موسى الأشعري، واللفظ لمسلم. - ٣٧ - قرآن ١٧ - ٢٠ وقال: ((بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية کیت وکیت، بل هو نُسِّيَ، استذكروا القرآن فلهو أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها)) (١). آداب الناس كلهم مع القرآن: ١٨ - أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته، وأجمعوا على أن من جحد منه حرفاً مما أجمع عليه، أو زاد حرفاً لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك، فهو كافر (٢) . تفسير القرآن: ١٩ - كتاب الله بحره عميق، وفهمه دقيق، لا يصل إلى فهمه إلا من تبحر في العلوم وعامل الله بتقواه في السر والعلانية، وأجلّه عند مواقف الشبهات (٣)، ولهذا قال العلماء: يحرم تفسير القرآن بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، وأما تفسيره للعلماء فجائز حسن، والإجماع منعقد عليه، فمن كان أهلا للتفسير، جامعاً للأدوات التي يعرف بها معناه، غلب على ظنه المراد، فسّره إن كان مما يدرك بالاجتهاد، (١) حديث: ((بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٧٩)، ومسلم (١ / ٥٤٤) واللفظ لمسلم. (٢) التبيان ص ٢٠٢ . (٣) البرهان في علوم القرآن ٢ / ١٥٣. كالمعاني والأحكام الخفية والجلية والعموم والخصوص والإِعراب وغير ذلك. وإن کان مما لا يدرك بالاجتهاد، کالأمور التي طريقها النقل وتفسير الألفاظ اللغوية فلا يجوز له الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله. وأما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدواته، فحرام علیه التفسير، لكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله (١). وللتفصيل (ر: تفسير ف ١٠،٩). ترجمة القرآن: ٢٠ - اختلف الفقهاء في جواز قراءة القرآن في الصلاة بغير العربية، فذهب الجمهور إلى أنه لا تجوز القراءة بغير العربية سواء أحسن القراءة بالعربية أم لم يحسن (٢). ويرى أبو حنيفة جواز القراءة بالفارسية وغيرها من اللغات سواء كان يحسن العربية أو لا، وقال أبو يوسف ومحمد لا تجوز إذا كان يحسن العربية، لأن القرآن اسم لمنظوم عربي لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًا﴾ (٣)، والمراد نظمه (٤). (١) التبيان ص ٢٠٤ . (٢) مواهب الجليل ١ / ٥١٩، وروضة الطالبين ١ / ٢٤٤، وكشاف القناع ١ / ٣٤٠. (٣) سورة الزخرف/ ٣ . (٤) بدائع الصنائع ١ / ١١٢، وتبيين الحقائق ١ / ١١٠. - ٣٨ - قرآن ٢٠ - ٢٢ وللتفصيل (ر: ترجمة ف ٦ وقراءة). وأما ترجمة القرآن خارج الصلاة، وبيان معناه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معناه، فهو جائز باتفاق أهل الإِسلام (١). وتكون تلك الترجمة عبارة عن معنى القرآن، وتفسيراً له بتلك اللغة (٣). (ر: ترجمة ف ٣ - ٥). سور القرآن : ٢١ - انعقد إجماع الأئمة على أن عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، التي جمعها عثمان رضي الله عنه وكتب بها المصاحف، وبعث كل مصحف إلى مدينة من مدن الإِسلام، ولا يعرِّج إلى ماروي عن أبيّ أن عددها مائة وست عشرة سورة، ولا علی قول من قال: مائة وثلاث عشرة سورة بجعل الأنفال وبراءة سورة، وجعل بعضهم سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة، وبعضهم جعل المعوذتين سورة، وكل ذلك أقوال شاذة لا التفات إليها (٣). وللتفصيل في ترتيب نزول سور القرآن وآياته وشكله ونقطه وتحزيبه وتعشيره وعدد (١) الموافقات ٢/ ٦٨. (٢) كشاف القناع ١/ ٣٤٠ - ٣٤١. (٣) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز لمجد الدين الفيروز آبادي ١ / ٩٧ ط. المكتبة العلمية . حروفه وأجزائه وكلماته وآيه ينظر (مصحف). ختم القرآن: ٢٢ - كان السلف رضي الله عنهم لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه (١). فمنهم من يختم القرآن في اليوم والليلة مرة، وبعضهم مرتین، وانتھی بعضهم إلی ثلاث، ومنهم من يختم في الشهر (٢) . قال النووي: والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر مايحصل له کمال فهم مایقرأه، وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فلیستکثر ماأمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة (٣). وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في كل يوم وليلة (٤). وقال أبو الوليد الباجي: أمر النبي عبد الله بن عمرو أن يختم في سبع أو (١) التبيان ص ٧٨ . (٢) إحياء علوم الدين ١ / ٢٨٢ . (٣) التبيان ص ٨١ - ٨٢ (والهذرمة: السرعة في القراءة). (٤) التبيان ص ٨٢. - ٣٩ - قرآن ٢٢ - ٢٥ ثلاث (١)، يحتمل أنه الأفضل في الجملة، أو أنه الأفضل في حق ابن عمرو، لما علم من ترتيله في قراءته، وعلم من ضعفه عن استدامته أكثر مما حدّ له، وأما من استطاع أکثر من ذلك فلا تمنع الزيادة علیه، وسئل مالك عن الرجل يختم القرآن في كل ليلة فقال: ما أحسن ذلك . إن القرآن إمام كل خير(٢) . ٢٣ - ويسن الدعاء عقب ختم القرآن، لحديث الطبراني وغيره عن العرباض بن سارية مرفوعاً ((من ختم القرآن فله دعوة مستجابة)) (٣). ويسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقب الختم (٤)، لحديث: ((أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل، الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل)) (٥). (١) حديث: ((أمر النبي # عبد الله بن عمرو أن يختم في سبع أو ثلاث» ورد ضمن حديثين الأول فيه ذكر السبع . أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٩٤) والثانية فيه ذكر الثلاث. أخرجه أحمد (٢ / ١٩٨). (٢) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧١. (٣) حديث: ((من ختم القرآن فله دعوة مستجابة)) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٨ / ٢٥٩) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٢) وقال: فیه عبد الحميد بن سليمان وهو ضعيف . (٤) الإتقان ١/ ٣٤٦. (٥) حديث: ((أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل ... )) أخرجه الترمذي (٥/ ١٩٨) من حديث ابن عباس وقال: إسناده ليس بالقوي . نقش الحيطان بالقرآن: ٢٤ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إلى أنه يكره نقش الحيطان بالقرآن: وقال بعض الحنفية: يرجى أن يجوز (١). النشرة : ٢٥ - اختلف العلماء في النّشْرة وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن المسيب، قيل: الرجل يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم ینه عنه (٢). وممن صرح بالجواز الحنابلة وبعض الشافعية منهم العماد النيهي تلميذ البغوي قال: لا يجوز ابتلاع رقعة فيها آية من القرآن فلو غسلها وشرب ماءها جاز، وجزم القاضي حسين والرافعي بجواز أكل الأطعمة التي كتب عليها شيء من القرآن (٣). قال ابن عبد البر: النشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل، فهي (١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٣، والزرقاني ١ / ٩٣، وروضة الطالبين ١/ ٨٠، والتبيان ص ٢١٣، وكشاف القناع ١ / ١٣٧. (٢) تفسير القرطبي ١٠ / ٣١٨، والآداب الشرعية ٣/ ٧٣. (٣) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٧٧، وشرح منتهى الإرادات ١/ ٣٢٠، ومطالب أولي النهى ٨٣٦/١ - ٤٠ -