النص المفهرس
صفحات 301-320
قِبْلَة ١ - ٤ قِبْلَة التعريف: ١ - القبلة في اللغة: الجهة، يقال: أين قبلتك؟ والتي يصلّى إليها، والحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، يقال: مالكلامه قِبلة، ثم صارت حقيقة شرعية في الكعبة المشرّفة لا يفهم منها غيرها (١). الألفاظ ذات الصلة : أ - الشطر: ٢ - شطر كل شيء نصفه، والشطر القصد والجهة، قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) أي قصده وجهته (٣) . والشطر أعم من القبلة . ب - النحو: ٣ - النحو القصد، تقول: نحوت نحو الشيء - من باب قتل - إذا قصدته (٤). وهو أعم من القبلة . (١) لسان العرب، ومغني المحتاج ١٤٢/١ . (٢)) سورة البقرة / ١٤٤. (٣) المصباح المنير . (٤) المصباح المنتر. الأحكام المتعلقة بالقبلة : أولا: تشريع التوجه في الصلاة إلى الكعبة : ٤ - كان النبي 18َّ يصلي بضعة عشر شهرا إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة، ففرحت اليهود بذلك، وكان رسول الله وعليه يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، وكان يدعو الله، وينظر إلى السماء، رجاء أن ینزل جبريل عليه السلام بالذي سأل، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَزَىْ تَقَّلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَنهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْوُجُوهَكُمْ سَطْرَهُ﴾(١). أي حوَّل وجهك نحو الكعبة، فارتاب اليهود، فأنشأوا يقولون: قد اشتاق الرجل إلى بيت أبیه، ومالهم حتی ترکوا قبلتهم، يصلون مرة وجها ومرة وجهاً آخر؟ وفرح المشركون، وقالوا: إن محمداً قد التبس عليه أمره، ويوشك أن يكون على دينكم، وقال المنافقون: مابالهم كانوا على قبلة زمانا، ثم تركوها، وتوجهوا إلى غيرها، وقال المشركون من أهل مكة: تحيّر على محمد دينه فتوجه بقبلته إلیکم، وعلم أنکم أهدی منه، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله الآيات: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَاوَلَّنُهُمْ (١) سورة البقرة / ١٤٤. - ٣٠١ - ٦ قِبْلَة ٤ - ٦ عَنْ قِبْلَئِمُ الَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَأَ﴾(١) والآيات بعدها (٢). ثانيا : استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة: ٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أن التوجه نحو الكعبة في الصلاة شرط من شروط صحتها للقادر عليه لقوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣). والاستقبال لا يجب في غير الصلاة فتعيّن أن يكون فيها، وقد ورد أنه وقال: ((ركع ركعتين قبل الكعبة وقال: هذه القبلة)) (٤)، مع حديث: ((صلّوا كما رأيتموني أصلِّ)) (٥) فلا تصح صلاة قادر على استقبالها بدونه بإجماع المسلمين . واحترز بالقادر عن العاجز کمریض عجز عمن يوجهه ومربوط على خشبة، وغريق على لوح يخاف من استقباله الغرق، ومن خاف من نزوله عن دابته على نفسه أو ماله، أو (١) سورة البقرة / ١٤٢ - ١٥٠ . (٢) الدر المنثور في التفسير المأثور ٣٥٩/١، تفسير الخازن ٩٣/١، وتفسير البيضاوي ١ /٩٧. (٣) سورة البقرة / ١٤٤. (٤) حديث: ((ركع ركعتين قبل الكعبة وقال: هذه القبلة)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٠١/١) ومسلم (٢ /٩٦٨) من حديث ابن عباس . (٥) حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١١١/٢ ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث . انقطاعا عن الرفقة، فإنه يصلي على حسب حاله . وعند اشتداد الخوف، بحیث لا یتمکن من الصلاة إلى القبلة، لالتحام الجيش، والحاجة إلى الكرّ والفرّ، والطعن والضرب والمطاردة، فله أن يصلي على حسب حاله راجلا وراكبا إلى القبلة إن أمكن، وإلى غيرها إن لم يمكن . والتفصيل في: (استقبال ف ٩) و (صلاة الخوف ف ٩) . واستثني أيضا من وجوب استقبال القبلة: صلاة المتطوع في السفر على الراحلة . والتفصيل في: (استقبال ف ٩) . ثالثا: ما يجزيء في الاستقبال : ٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أن من قدر على رؤية الكعبة يجب عليه أن يتوجه إلى عين الكعبة، ولا يجوز له الاجتهاد، واختلفوا فيمن غاب عن الكعبة ولا يقدر على رؤیتھا لبعدها عنه، هل فرضه إصابة عين الكعبة أو الجهة؟ فذهب قوم إلى أن الفرض هو العين، وذهب آخرون إلى أنه الجهة (١). (١) رد المحتار ٢٨٧/١، والدسوقي ٢٢٣/١، ونهاية المحتاج ٤٠٨/١، والشرح الكبير مع المغني ١ /٤٨٩. - ٣.٢ - قبلة ٦، قُبْلَة، قبُول ١ والتفصیل في مصطلح (استقبال ف ١٢ - ١٩) . قُبْلَة انظر: تقبيل قُبُول التعريف : ١ - القبول في اللغة من قَبِل الشيء قَبولا وقُبولا: أخذه عن طيب خاطر، يقال: قبل الهدية ونحوها . وقبلت الخبر: صدّقته، وقبلت الشيء قبولا: إذا رضيته، وقبِل العمل: رضيه . والقبول: الرضا بالشيء وميل النفس إليه، وقبل الله الدعاء: استجابه (١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فيجعله الفقهاء علامة على الرضا بالشيء في العقود، كالبيع والإِجارة ونحو ذلك، وبمعنى تصديق الكلام، وذلك كما في الشهادة، وبمعنى الأخذ، وذلك كما في البيع بالتعاطي، وكما في قبض الهبة والهدية (٢). (١) لسان العرب والمصباح المنير والمفردات في غريب القرآن والمعجم الوسيط مادة (قبل) . (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ /٦، ٧، ١١، ٣٧٦، ٥٠٨، ٥٠٩، والحطاب ١٥١/٦، وحاشية الجمل ٨/٣، وجواهر الإكليل ٢/٢، والمغني ٥٦١/٣. - ٣.٣ - قُبُول ٢ - ٤ الألفاظ ذات الصلة : الإيجاب : ٢ - الإِيجاب لغة: الإلزام، يقال: أوجب الأمر على الناس إيجابا: أي ألزمهم إلزاما، ويقال: وجب البيع، أي: لزم وثبت . ومن معانيه اصطلاحا: اللفظ الذي يصدر من أحد المتعاقدين يوجب به أمرا على نفسه . وهو بهذا المعنى يكون شطر الصيغة في العقود، ويكون القبول هو الشطر الآخر المتمم للصيغة . وعرفه الحنفية بأنه: مايذكر أولاً من كلام أحد المتعاقدین، والقبول مایذکر ثانيا من الآخر، سواء كان: بعت أو اشتريت (١). مايكون به القبول : ٣ - القبول قد يكون باللفظ كقول المشتري - بعد إيجاب البائع - قبلت، أو رضيت . وقد يكون بالفعل كما في البيع بالتعاطي (٢). وقد يعتبر السكوت قبولا دلالة، جاء في .الدر المختار: القبول من المودّع صريحا (١) لسان العرب والمصباح المنير وابن عابدين ٦/٤، ٧، ١١. (٢) الدسوقي ٣/٣، وشرح منتهى الإرادات ١٤٠/٣ -١٤١، وابن عابدين ٤ /٥٠٢، والمنثور ٢ /٤٠٥ . کقبلت، أو دلالة كما لو سكت عند وضعه، فإنه قبول دلالة (١). وقد يكون القبول بالإشارة، فإن إشارة الأخرس المفهومة تقوم مقام نطقه (٢). وقد يكون بالكتابة، فالكتابة بالقبول ينعقد بها التصرف لأنها قبول (٣). الحكم التكليفي : ٤ - القبول قد يكون واجبا كمن تعين للقضاء بأن لم يصلح غيره، فيجب عليه القبول ، فإن امتنع عصى، وللإِمام إجباره على القبول (٤). وقد يكون القبول مستحبا، كقبول الهبة والهدية (٥) لقول النبي ويعلاه: ((لو دعيت إلى ذراع أو کراع لأجبت، ولو أهدي إلى ذراع أو كراع لقبلت)) (٦)، وقبل النبي وَلّ هدية النجاشي وتصرف فيها وهاداه أيضا (٧) وقد يكون القبول حراما، كقبول الرشوة، وخاصة مايبذل للحاكم ليحكم بغير (١) ابن عابدين ٤٩٤/٤، والاختيار ٩٢/٣. (٢) مغني المحتاج ٧/٢، والمغني ٥٦٦/٣، والدسوقي ٣/٣. (٣) البدائع ١٣٨/٥، والدسوقي ٣/٣، ومغني المحتاج ٥/٢. (٤) مغنى المحتاج ٣٧٣/٤، وجواهر الإكليل ٢٢١/٢ . (٥) الاختيار ٤٨/٣، ومغني المحتاج ٣٩٦/٢ . (٦) حديث: ((لو دعيت إلى ذراع .. )). أخرجه البخاري (فتح الباري ١٩٩/٥) من حديث أبي هريرة . (٧) حديث: ((قبول هدية النجاشي)). أخرجه البيهقي (٢٨٢/١) وضعفه ابن التركماني في الجوهر النقي . - ٣.٤ - قبول ٤ -٥ الحق (١) لقول عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: ((لعن رسول الله وقليل الراشي والمرتشي)) (٢). وقد يكون القبول مباحا، كالقبول في العقود . وقد ذكر الشيخ علیش في الوديعة مايجعل قبولها واجبا أو حراما أو مکروها أو مباحا ومثل ذلك في حاشية ابن عابدين (٣). تقدم القبول على الإيجاب: ٥ - القبول عند جمهور الفقهاء هو مايصدر ممن يتملك المبيع أو القرض، أو ممن ينتفع به كالمستأجر والمستعير، أو ممن يلتزم بعمل كالمضارب والمودَع، أو ممن يملك الاستمتاع بالبضع كالزوج، وسواء صدر القبول أوّلا أو آخرا، والإِيجاب عندهم هو مايصدر من البائع والمؤجر وولي الزوجة وهكذا، وسواء صدر الإِيجاب أوّلا أو آخرا، وعلى ذلك فإنه يجوز أن يتقدم القبول على الإيجاب أو يتأخر عنه، وذلك لتحديد القابل والموجب . إلا أن الحنابلة يخالفون المالكية والشافعية (١) المغني ٧٨/٩، ومغني المحتاج ٣٩٢/٤ . (٢) حديث عبد الله بن عمرو: ((لعن رسول اللّه ◌َلقر الراشي والمرتشي » . أخرجه الترمذي (٦١٤/٣) وقال: حديث حسن صحيح . (٣) منح الجليل ٣/ ٤٥٢-٤٥٣ وابن عابدين ٤٩٤/٤. في عقد النكاح، فلا يجوز عندهم تقدم الإِيجاب على القبول فيه قالوا: لأن القبول إنما یکون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم یکن قبولا لعدم معناه، بخلاف البيع، لأن البيع يصح بالمعاطاة، ولأنه لا يتعين فيه لفظ، بل يصح بأي لفظ كان مما يؤدي المعنى (١) .. أما الحنفية فالقبول عندهم هو مایذکره الطرف الثاني في العقد دالاً على رضاه بما أوجبه الطرف الأول. فهم يعتبرون الكلام الذي يصدر أولا إيجابا والكلام الذي يصدر ثانيا قبولا، وسواء كان القابل بائعا أو مشتريا، مستأجرا أو مؤجرا، الزوج أو الزوجة أو وليها، يقول الكمال بن الهمام: الإِيجاب: هو إثبات الفعل الدال على الرضا الواقع أولا سواء وقع من البائع كبعت، أو من المشتري کأن يبتدىء المشتري فيقول: اشتريت منك هذا بألف، والقبول: الفعل الثاني، وإلا فكل منهما إيجاب أي إثبات، فسمي الإِثبات الثاني بالقبول تمييزا له عن الإِثبات الأول، ولأنه يقع قبولا ورضاً بفعل الأول (٢). (١) الحطاب ٢٢٩/٤ وجواهر الإكليل ٢/٢، ومنح الجليل ١١/٢، ومغني المحتاج ١٤٠/٣، ونهاية المحتاج ٣٦٦/٣ - ٣٦٧، ٢٠٧/٦، وشرح منتهى الإرادات ١٤٠/٢، ١٢/٣، والمغني ٦/ ٥٣٤ _ ٥٣٥. (٢) ابن عابدين ٧/٤، وفتح القدير ٤٥٦/٥ نشر دار إحياء التراث . - ٣.٥ - قبول ٦ - ٧ ٠٠ ... ....... مايتعلق بالقبول من أحكام: ٦ - القبول قد يكون من الله سبحانه وتعالى، وقد يكون من العباد بعضهم من بعض، وبيان ذلك فيما يأتي : أولا: القبول من الله سبحانه وتعاني: ٧ - القبول من الله سبحانه وتعالى يأتي بمعنيين : الأول: بمعنى الصفح والستر والغفران، وذلك في قبول توبة العبد، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (١). وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (توبة ف ١٢) . الثاني: يكون القبول من الله سبحانه وتعالى بمعنى الإِثابة على العمل، لكن هل هناك تلازم بين صحة العمل وإجزائه وبين قبوله عند الله سبحانه وتعالى، أم لا تلازم بینهما؟ . يقول القرافي: هنا قاعدة، وهي أن القبول غير الإِجزاء وغير الفعل الصحيح، فالمجزيء من الأفعال وهو الصحيح: ما اجتمعت شرائطه وأركانه، وانتفت موانعه، فهذا يبريء الذمة بغير خلاف ويكون فاعله (١) سورة الشورى / ٢٥ وانظر مختصر تفسير ابن كثير ٢٧٧/٣. مطيعا بريء الذمة، فهذا أمر لازم مجمع عليه، أما الثواب عليه فالمحققون على عدم لزومه، وأن الله تعالى قد يبريء الذمة بالفعل ولا يثيب عليه في بعض الصور، وهذا هو معنى القبول . ويدل على ذلك أمور: أحدها: قوله تعالى حكاية عن ابني آدم إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ (١) لما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، مع أن قربانه كان على وفق الأمر، ويدل عليه أن أخاه علل عدم القبول بعدم التقوى، ولو أن الفعل مختل فى نفسه لقال له إنما يتقبل الله العمل الصحیح الصالح، لأن هذا هو السبب القريب لعدم القبول، فحيث عدل عنه دل ذلك على أن الفعل كان صحيحا مجزئا، وإنما انتفى القبول لأجل انتفاء التقوى، فدل ذلك على أن العمل المجزيء قد لايقبل وإن برئت الذمة به وصح في نفسه. وثانيها: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: ﴿وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهُِ اَلْقَوَاعِدَمِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) فسؤالهما القبول في فعلهما مع أنهما صلوات الله عليهما (١) سورة المائدة / ٢٧ . (٢) سورة البقرة / ١٢٧ . - ٣.٦ - ٠٠ قبول ٧ - ٨ وسلامه لا یفعلان إلا فعلا صحیحا یدل علی أن القبول غير لازم للفعل الصحيح ولذلك دعوا به لأنفسهما . وثالثها : الحديث الصحيح وهو قول رسول الله الر: «من أحسن في الإِسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإِسلام أخذ بالأول والآخر)) (١) فاشترط في الجزاء الذي هو الثواب أن يحسن في الإِسلام والإِحسان في الإِسلام هو التقوى . ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام في الأضحية لما ذبحها: ((اللهم تقبل من محمد وآل محمد)) (٢)، فسأل عليه الصلاة والسلام القبول مع أن فعله في الأضحية كان على وفق الشريعة، فدل ذلك على أن القبول وراء براءة الذمة والإِجزاء، وإلا لما سأله عليه الصلاة والسلام، فإن سؤال تحصيل الحاصل لا جوز . وخامسها: أن صلحاء الأمة وخيارها لا يزالون يسألون الله تعالى القبول في العمل، ولو كان ذلك طلبا للصحة والإِجزاء لكان هذا الدعاء إنما يحسن قبل الشروع في العمل، فيسأل الله تعالى تيسير الأركان (١) حديث: ((من أحسن في الإِسلام لم يؤاخذ .. )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٦٥/١٢) ومسلم (١١/١) من حديث ابن مسعود . (٢) حديث: ((اللهم تقبل من محمد وآل محمد)). أخرجه مسلم (١٥٥٧/٣) من حديث عائشة . والشرائط وانتفاء الموانع، أما بعد الجزم بوقوعها فلا يحسن ذلك. فدلت هذه الوجوه على أن القبول غير الإِجزاء وغير الصحة وأنه الثواب. وساق القرافي أدلة أخرى غير ماسبق،ثم قال: إذا تقرر هذا الفرق، فالظاهر أن وصف التقوى شرط في القبول بعد الإِجزاء، والتقوى هاهنا ليست محمولة على المعنى اللغوي وهو مجرد الاتقاء للمكروه من حیث الجملة، ولكنها اجتناب المحرمات وفعل الواجبات حتى يكون ذلك الغالب على الشخص (١). ثانيا: قبول العباد بعضهم من بعض: ٨- قبول العباد بعضهم من بعض یکون في التصرفات التي تتم بينهم . ومن هذه التصرفات مايشترط فيه القبول، وهي العقود التي تتم بإرادتين كالبيع والإِجارة والعارية والوديعة والقراض والصلح والنكاح وغيرها، فهذه العقود يتوقف تمامها على القبول، إذ هو مقابل الإِيجاب، والعقد لا يتم إلا بالإِيجاب والقبول، لأنهما يكوِّنان الصيغة التي هي ركن العقد . ومن هذه التصرفات مالا يشترط فيه القبول، وهي التي تتم بإرادة واحدة، من (١) الفروق للقرافي ٥١/٢ - ٥٤ . - ٣.٧ - قُبُول ٨ - ١١ ذلك: الوقف على غير معين كالوقف على المساجد وعلى الفقراء والمساكين وكذا الوصية لمثل ذلك، ومنها الإِسقاطات المحضة کالطلاق والعتاق إذا کانا بغیر عوض، فهذه التصرفات لا يشترط فيها قبول ويكفي لتمامها الإِيجاب فقط . ومن هذه التصرفات ما اختلف في اشتراط القبول فيه، كالإِبراء بناء على الاختلاف في أنه إسقاط أو تمليك (١). وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (عقد) . ٩ - وما يتصل بالقبول ماهو خارج عن دائرة العقود كقبول شهادة الشاهد، وقبول الدعوة للولائم على ماسيأتي بيانه . شروط القبول في العقود: للقبول في العقود شروط منها: أ - أن يكون القبول على وفق الإيجاب: ١٠ - وهذا شرط في جميع العقود، ففي البيع مثلا يشترط أن يقبل المشتري ماأوجبه البائع، فإن خالفه بأن قبل غير ماأوجبه أو بعض ماأوجبه لم ينعقد (١) المنثور ٣٩٧/٢ - ٣٩٨، والبدائع ٢٩٩/٢، ١٧٤/٤ ، و٣٣/٥ و٢٠/٦، ٧٩، والحطاب ٢٢/٦، ٥٤، وابن عابدين ٥/٤، ومغني المحتاج ١٧٩/٢، وأشباه السيوطي ٣٠٣ وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات ٥٤٣/٣. العقد، فلو قال البائع: بعتك بعشرة فقال المشترى: قبلته بثمانية لم ينعقد البيع (١). وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (بيع ف ٢٠) . ب- أن یکون القبول في مجلس الإيجاب: ١١ - هذا الشرط يعبر عنه الحنفية بـ (اتحاد المجلس) والمراد بهذا: ألا يتفرق العاقدان قبل القبول، وألا يشتغل القابل أو الموجب بعمل غير ماعقد له المجلس، لأن حالة المجلس كحالة العقد، فإن تفرقا، أو تشاغلا بما يقطع المجلس عرفا فلا ينعقد العقد، لأن ذلك إعراض عنه، وهذا باتفاق الفقهاء . ولا يضر تراخي القبول عن الإِيجاب ماداما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه عرفا، وهذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة . أما الشافعية فإنهم يقولون: كل مايشترط فيه القبول من العقود فعلى الفور أي أن يكون عقب الإيجاب، ولا يضر عندهم الفصل اليسير (٢). (١) حاشية ابن عابدين ٥/٤، والحطاب ٢٣٠/٤، وحاشية الجمل ١٤/٣، وكشاف القناع ١٤٦/٣ - ١٤٨، ومغني المحتاج ٦/٢. (٢) البدائع ١٣٧/٥، والهداية ٢١/٣، وابن عابدين ١٩/٤ - ٢٠ ، ٢٦٦/٢، والدسوقي ٥/٣، والخطاب ٢٤٠/٤، والجمل ١٢/٣، ومغني المحتاج ٦/٢، وشرح منتهى الإرادات ١٤١/٢ . - ٣٠٨ - قُبُول ١٢ - ١٣ ج - عدم لزوم القبول: ١٢ - إذا صدر الإِيجاب من أحد المتعاقدين فالعاقد الآخر بالخيار : إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء ردّ، وهو ما يعبر عنه الحنفية بـ (خيار القبول) قالوا: لأنه لو لم يثبت له خيار القبول يلزمه حكم البيع من غیر رضاه، ويمتد خيار القبول إلى انفضاض المجلس، فمادام المجلس قائما فله أن يقبل أو يدع ما لم يرجع الموجب عن إِيجابه قبل انقضاء المجلس . ويوافق الحنفية في ذلك الشافعية والحنابلة، لأنهم يأخذون بخيار المجلس عملا بالحديث الذي رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله وَالر أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار مالم يتفرقا)) (١). أما المالكية فلا يجوز الرجوع عندهم لمن تقدم كلامه أولاً ولو قبل رضا الآخر، إلا في حالة ما إذا كان كلام المتقدم بصيغة المضارع ثم يدعی أنه ما أراد البيع، إنما أراد به الوعد أو الهزل، فإنه حينئذ يحلف ويصدق (٢). (١) حديث: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار .. )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٣٣/٤) ومسلم (١١٦٣/٣) . (٢) البدائع ١٣٤/٥، والهداية ٢١/٣، وابن عابدين ٢٩/٤، والحطاب ٢٤٠/٤، والدسوقي ٥/٣، ومغني المحتاج ٢٠ /٤٣ - ٤٤، والمغنى ٥٦٣/٣. وإذا صدر القبول بعد الإِيجاب موافقا له أصبح التصرف لازما لا يجوز الرجوع عنه إن كان من التصرفات اللازمة كالبيع والإِجارة . وهذا عند الحنفية والمالكية، وعند الشافعية والحنابلة لا يلزم التصرف إلا بانفضاض المجلس أو الإلزام (١). ويستدل ابن قدامة بما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله وَليل أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار مالم يتفرقا، وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البیع)) (٢). . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : (خيار المجلس ف ٢ وما بعدها) . د - أن يكون القابل أهلا للتصرفات: ١٣ - وهو أن يكون بالغا عاقلا، وذلك شرط في المعاوضات المالية، فلا يصح القبول من صبي أو مجنون، وإنما يقوم مقامهما الأب أو الوصي أو القاضي . (١) ابن عابدين ٢٠/٤، والخطاب ٢٢٨/٤، وحاشية الجمل ١٠/٣، والمغني ٥٦٣/٣ وما بعدها . (٢) حديث: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار .. )). سبق تخريجه ف ١٢ - ٣٠٩ - قبول ١٣ - ١٦ أما في عقود التبرعات كالوصية والهبة فيصح القبول منهما لما في ذلك من الغبطة لهما، ولا يتوقف القبول على إجازة الولي أو الوصي، وهذا في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (أهلية ف ٢١، ٢٧) . ثالثا : قبول الشهادة : ١٤ - المقصود بقبول الشهادة: تصديق القاضي فيما يشهد به الشاهد ليرتب الحكم على شهادته، إذ الشهادة حجة شرعية تظهر الحق وتوجب على الحاكم أن يحكم بمقتضاها، لأنها إذا استوفت شروطها كانت مظهرة للحق والقاضي مأمور بالقضاء بالحق . ونظرا لما يترتب عليها فقد وضع الفقهاء شروطا لقبول الشهادة من حيث الشاهد ككونه بالغا عاقلا عدلا غير متهم ... الخ ومن حيث المشهود به ككونه معلوما، ومن حيث عدد الشهود .... وهكذا . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : (شهادة ف ٩ ومابعدها) . رابعا: قبول الدعوة : . يقصد بالدعوة هنا أمران . أحدهما: الدعوة إلى الإِيمان بالله تعالى والإيمان بکتبه ورسله : ١٥ - وقبول الدعوة إلى الإِيمان بالله تعالى واجب إذ الإِقبال على مادعا إليه الداعي ومتابعته فيما دعا إليه هو الخير العظيم الذي يسوقه الله سبحانه وتعالى لمن قبل الدعوة، ففي الحديث الذي رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: ((جاءت ملائكة إلى النبي حَس10- وهو نائم ... ، إلى أن قال: فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فأولوا الرؤيا فقالوا: الدار: الجنة، والداعي: محمد وَ*، فمن أطاع محمدا ◌َلر فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا وَّ فقد عصى الله))(١). وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (دعوة ف ١٧) . الأمر الثاني: الدعوة إلى الطعام: ١٦ - والقبول هنا هو إجابة الدعوة والذهاب إلى الوليمة التي دُعِي إليها . وقبول الدعوة إلى الوليمة واجب إن كانت الوليمة وليمة عرس . (١) حديث جابر: (جاءت ملائكة إلى النبي ◌َيٍ ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٤٩/١٣) . - ٣١٠ - قبول ١٦، قَبِيلة ١ - ٢ أما غير ذلك من الولائم كالعقيقة والعذيرة والوكيرة وغير ذلك فقد اختلف الفقهاء في حكم قبول الدعوة إليها، هل هو واجب أو مستحب؟ وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (دعوة ف ٣٢) . قبيلة التعريف : ١ - القبيلة في اللغة: جماعة من الناس تنتسب إلى أب أو جد واحد، وقيل: القبيلة البطن ، والقبيل: الجماعة من الناس تتكون من ثلاثة فصاعدا من قوم شتى . والقبيلة من الحيوان والنبات: الصنف، جمع قبائل وقبيل، وقبائل الشجرة أغصانها (١). وفي الاصطلاح: القبيلة هي الجماعة من الناس من أب واحد (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ) الشعب : ٢ - الشَعْب بفتح الشين: القبيلة العظيمة، وقيل: الحي العظيم يتشعب من القبيلة، وقيل هو القبيلة نفسها، وجمعه شعوب . والشعب أبو القبائل الذي ينتسبون إليه (١) لسان العرب، المصباح المنير، المعجم الوسيط، المفردات في غريب القرآن للأصفهاني . (٢) الحطاب ٢٦٦/٦ وما بعدها . - ٣١١ - قبيلة ٢ - ٥ أي يجمعهم ويضمهم، وقيل: الشعوب الجماع، والقبائل البطون، والشعب ماتشعب من قبائل العرب والعجم، وكل جيل شعب، والشعب قد يكون أوسع من القبيلة، وهو ما انقسمت فيه القبائل، وقد يكون مساوياً للقبيلة (١). ب) العشيرة: ٣ - العشيرة في أصل اللغة من المعاشرة وهي المخالطة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع عشائر وعشيرات، وعشيرة الرجل بنو أبيه الأقربون، وتطلق على الرجال دون النساء، وهم أهل الرجل الذين يتكثر بهم أي يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشرة هو العدد الكامل، فصارت اسما لكل جماعة من أقارب الرجل الذين يتكثر (٢) بهم (٢). والعشيرة أخص من القبيلة . ج) القوم ٤ - القوم في اللغة: جماعة الرجال ليس فيهم امرأة، ومنه قوله تعالى في التنزيل: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ﴾ (٣) الواحد منه رجل وامرؤ من غير لفظه، والجمع أقوام، سموا (١) لسان العرب، المصباح المنير، والمفردات للراعب . (٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن. (٣) سورة الحجرات / ١١. بذلك لقيامهم بالعظائم والمهمات، ولفظ القوم يذكر ويؤنث فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذلك کل اسم جمع لا واحد له من لفظه، نحو رهط ونفر . وقوم الرجل أقربائه الذين يجتمعون معه في جد واحد، وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. قال العلماء: القوم في الأصل جماعة الرجال دون النساء إلا أنه في عامة القرآن أريد به الرجال والنساء جميعا (١) والقوم أخص من القبيلة . مايتعلق بالقبيلة من أحكام : أ - الكفاءة في النكاح: ٥ - اختلف الفقهاء في اعتبار النسب إلى القبيلة في الكفاءة في النكاح . فذهب الحنفية وهو الراجح عند الشافعية والحنابلة إلى اعتبار القبيلة في كفاءة النكاح، وأن الرجل ليس كفئا لامرأة تنسب إلى قبيلة أشرف من قبيلته . وذهب المالكية وهو قول عند الشافعية ورواية عن أحمد - إلى عدم اعتبار القبيلة أو النسب في كفاءة النكاح، وأن المعتبر فقط هو الدين، (٢) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن . (٢) الزرقاني ٢٠٢/٣، جواهر الإكليل ٢٨٨/١، تفسير القرطبي ٣٤٦/١٦ وما بعدها، أحكام القرآن لابن العربي ١٧١٣/٤ = - ٣١٢ - قَبِيلة ٥ -٦ عِندَاللَّهِأَنْقْنَكُمْ﴾ (١). والتفصيل في مصطلح: (نكاح، وكفاءة) . ب) التعصب للقبيلة : ٦ - اتفق الفقهاء على حرمة التعصب للقبيلة وأبناء العشيرة والانحياز إلى القرابة، والمحاباة بسببها، والاقتتال من أجلها أو تحت لوائها على غير وجه الحق . وقد جاء الإِسلام ليزيل آثار القبليّة السيئة فألف بين القلوب ومنع التقاطع، والتدابر، قال الله تعالي: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءٍ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُ بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِّنْهًا﴾، (٢) وقال تعالى: ﴿يَأَيُها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُرُمِنْ ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوْ إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَاللَّهِأَنْقَنَّكُمْ إِنَّالَّةَ عَلَيُ خَبِيرٌ﴾ (٣). وقد ورد((آن رسول الله ﴾ أمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا: يارسول الله: نزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله عز وجل = وما بعدها، حاشية ابن عابدين ٣١٨/٢ وما بعدها، مغني المحتاج ١٦٥/٣ - ١٦٦، المغني لابن قدامة ٤٨٠/٦ ومابعدها . (١) سورة الحجرات / ١٣ . (٢) سورة آل عمران / ١٠٣ (٣) سورة الحجرات / ١٣ . . هذه الآية))(١) . وعن ابن أبي مليكة قال: ((لما كان يوم الفتح رقى بلال على ظهر الكعبة، فأذن فقال بعض الناس: ياعباد الله، أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة؟ فقال بعضهم: إن يسخط الله هذا يغيره فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَّكَرِ وَأَنْثَى﴾ (٢). قال القرطبي : زجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء، فإن المدار على التقوى (٣) . وعن أبي هريرة عن النبي وَلّ قال: ((لینتهین أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذی یدهده اخرء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب)» (٤). (١) حديث ((أن رسول الله صل أمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند .. )) أخرجه أبو داود في المراسیل (ص ١٩٥) من حديث الزهري مرسلاً . (٢) حديث ابن أبي مليكة: ((لما كان يوم الفتح رقي بلال .. )) أخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص ٤١٨) من حديث ابن أبي مليكة مرسلاً . (٣) تفسير القرطبي ٣٤٠/١٦ وما بعدها، ١٥٥/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١٧١٣/٤. (٤) حديث: ((لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم ... )) أخرجه الترمذي (٧٣٤/٥) وقال: حديث حسن غريب . - ٣١٣ - قَپیلة ٦، قِتَال ١ - ٢ وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله 14 في وسط أيام التشريق «فقال :ياأيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لافضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى. أبلغت؟ )) الحديث)) (١). وقال عليه الصلاة والسلام في معرض ذمه العصبية القبليّة: ((دعوها فإنها منتنة)) (٢). (١) حديث أبي نضرة عمن سمع خطبة رسول الله وَلخير مے أخرجه أحمد (٤١١/٥) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦٦/٣) وقال: رجاله رجال الصحيح. (٢) حديث: ((دعوها فإنها منتنة)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٥٢/٨) ومسلم (١٩٩٩/٤) من حديث جابر بن عبدالله . قِتَال التعريف : ١ - القتال مصدر قاتل، ومصدر الثلاثي منه قبْل، وأصل القتل: الإِماتة، وهي إزالة الروح عن الجسد، لكن إذا اعتبر بفعل المتولى ذلك يقال: قَتْل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت . والقتال من المقاتلة والمحاربة بين اثنين، والمقاتلة - بفتح التاء وكسرها - الذين يشتركون في القتال، لأن الفعل واقع من كل واحد . وقاتله الله: لعنه (١). ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ ((قتال)) عن المعنى اللغوي (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ - الحرابة : ٢ - الحرابة لغة: من الحرب التي هي نقيض (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للراغب . (٢) المهذب ٢١٨/٢ - ٢١٩، وفتح القدير ٤١١/٤، وجواهر الإكليل ٢٠٧/١ . - ٣١٤ - قتال ٢ -٥ السلم، يقال: حاربه محاربة وحرابا، أو من الحَرَب - بفتح الراء - وهو السلب (١). والحرابة في الاصطلاح هي البروز للناس لأخذ المال أو للقتل أو للإِرعاب على سبيل المجاهرة (٢). وبين القتال والحرابة عموم وخصوص وجھي . ب - الجهاد: ٣ - الجهاد لغة: قتال العدو، يقال: جاهد العدو مجاهدة وجهادا إذا قاتله (٣). واصطلاحا: قتال المسلمين الكفار غير المعاهدين إعلاءً لكلمة الله تعالى بعد دعوتهم إلى الإِسلام وإبائهم (٤). وبين القتال والجهاد عموم وخصوص . الحكم التكليفي: ٤ - القتال قد يكون واجبا وذلك كقتال الكفار، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُرْهُلَّكُمْ ﴾ (٥). وكقتال البغاة، لقوله تعالى: ﴿فَقَتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى﴾ (٦). (١) لسان العرب والمصباح المنير. (٢) المغني ٢٧٨/٨، ومغني المحتاج ١٨٠/٤. (٣) لسان العرب، والقاموس المحيط. (٤) فتح القدير ٢٧٧/٤، وجواهر الإكليل ٢٥٠/١ . (٥) سورة البقرة / ٢١٦ . (٦) سورة الحجرات / ٩ . وقد يكون القتال حراما، كالقتال الذي يحدث من البغاة الخارجين عن الإِمام (١). وقد يكون مباحا كالقتال لدفع الصائل عن النفس أو البضع زمن الفتنة إذا قصده وحده. قال في منح الجلیل : إذا قصده وحده فالأمران - أي الدفع وعدمه - سواء، والساكت عن الدفع عن نفسه حتى يقتل لا يعد آثما ولا قاتلا لنفسه (٢). مايتعلق بالقتال من أحكام: أ - قتال الكفار : ٥ - قتال الكفار فرض في الجملة لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُرُهُ لَّكُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (٤)، لكن القتال يكون بعد دعوتهم إلى الإِسلام باللسان وإقامة الدلیل وإبائهم، قال الكاساني: إن كانت الدعوة إلى الإِسلام لم تبلغ الكفار فعلى المسلمين الدعوة إلى الإِسلام باللسان، لقول. الله تبارك وتعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِ لْهُم بِالَّتِ هِىَ (١) المهذب ٢ / ٢١٩، ٢٢٨، والبدائع ١٠٠/٧، والمغني ١٠٧/٨ - ١٠٨. (٢) منح الجليل ٥٦٢/٤، والفروق للقرافي ١٨٤/٤. (٣) سورة البقرة/٢١٦ . (٤) سورة التوبة / ٥ . - ٣١٥ - قتال ٥ أَحْسَنَّ﴾ (١)، ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة . والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهي القتال، ودعوة بالبيان وهو اللسان وذلك بالتبليغ، والثانية أهون من الأولى، لأن في القتال مخاطرة بالروح والنفس والمال، ولیس في دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا احتمل. حصول المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها. هذا إذا كانت الدعوة لم تبلغهم، فإن كانت قد بلغتهم جاز لهم أن يفتتحوا القتال من غير تجديد الدعوة، لأن الحجة لازمة، والعذر في الحقيقة منقطع، وشبهة العذر انقطعت بالتبليغ مرة، لكن مع هذا الأفضل أن لا يفتتحوا القتال إلا بعد تجديد الدعوة لرجاء الإجابة في الجملة، وقد ورد أن رسول اللّه وَلّ ماقاتل قوماً حتى يدعوهم (٢)، فإن أسلموا كفّوا عنهم القتال، لقول النبي ◌َّ: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله "إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها))، (٣) فإن أبوا الإِجابة إلى الإِسلام دعوهم إلى الذمة إلا (١) سورة النحل / ١٢٥. (٢) حديث أن رسول الله ومثل: ((ماقاتل قوماً حتى يدعوهم)). أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٤/٥) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح . (٣) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس .. )). أخرجه مسلم (٥٣/١) من حديث جابر بن عبد الله . مشركي العرب والمرتدين، فإن أجابوا كفّوا عنهم لحديث بريدة رضى الله عنه: ((كان رسول الله وَله إذا أمّر أميراً على جيش أوسرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيّتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ماللمهاجرين وعليهم ماعلى المهاجرين، فإن أَبَوْا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيّه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبیه، ولکن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفِروا ذمّة الله - ٣١٦ - قتال ٥ -٧ وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حِصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم علی حکم الله، ولکن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)) (١). ب - قتال البغاة: ٦ - البغاة هم الذين يخرجون على الإِمام يبغون خلعه أو منع الدخول في طاعته، أو منع حق واجب بتأويل في ذلك کله (٢). والأصل في مشروعية قتالهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَآَيِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَّا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَ الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَّفِىّءَ إِلَ أَمْرِاَللَّهِ﴾ (٣). قال ابن قدامة: من اتفق المسلمون على إمامته وبیعته ثبتت إمامته ووجبت معونته، ويحرم الخروج عليه، لما في الخروج عليه من شق عصا الطاعة، ويدخل الخارج في عموم قول النبي بِّة: ((من خرج على أمتى وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من (١) حديث بريدة: ((كان رسول الله صل إذا أمر أميراً ... )). أخرجه مسلم (١٣٥٧/٣ - ١٣٥٨)، وانظر البدائع ١٠٠/٧ . (٢) الفروق ٤/ ١٧١ . (٣) سورة الحجرات / ٩ . کان)) (١)، فمن خرج على من ثبتت إمامته باغياً وجب قتاله، لكن لا يجوز قتال البغاة حتى يبعث إليهم الإِمام من يسألهم ويكشف لهم الصواب، ويزيل مايذكرونه من المظالم، فإن لجوا قاتلهم حينئذ، لأن الله تعالى ذكر في الآية الأمر بالإصلاح قبل القتال . وروي أن عليا رضي الله تعالى عنه راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل، وأمر أصحابه أن لا يبدؤوهم بالقتال، وكذلك بعث رضي الله تعالى عنه إلى الحرورية عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). فإن أبى البغاة الرجوع إلى الحق وإلى طاعة الإِمام فقد اختلف الفقهاء في حكم البدء بقتالهم، هل يجوز البدء بقتالهم وعدم الانتظار، أم لا يبدؤهم الإِمام بالقتال حتى يبدؤوه، لأن قتالهم لدفع شرهم . والتفصيل في مصطلح: (بغاة ف ١١) . ج - قتال المرتدين : ٧ - إذا ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي (١) حديث: ((من خرج على أمتي وهم جميع ... )). أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢ /٥٢٦) من حديث أسامة ابن شريك، وله شاهد من حديث عرفجة عند مسلم (١٤٧٩/٣) . (٢) المغني ١٠٧/٨ - ١٠٨. - ٣١٧ - قتال ٧ -٨ ذراريهم الحادثين بعد الردة، وعلى الإِمام قتالهم، فإن أبا بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة رضوان الله عليهم، ولأن الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من کتابه، وهؤلاء أحق منهم بالقتال، لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم، فیکثر الضرر، وإذا قاتلهم قتل مَنْ قدر عليه، ويتبع مدبرهم، ويجهز على جرحهم، وتغنم أموالهم، وهذا ماذهب إليه الشافعية والحنابلة . وقال المالكية: لو ارتد أهل مدينة استتيبوا ثلاثة أيام، فإن لم يتوبوا قوتلوا، ولا يسبون ولا يسترقون (١) . والتفصیل في مصطلح (ردة ف ٤٠ وما بعدها، ومصطلح (سبي ف ٧ وما بعدها)، ومصطلح (استرقاق ف ٨ وما بعدها) . د - القتال دفاعا عن العرض والنفس والمال: ٨ - إذا تعرض شخص لإِنسان يريد الاعتداء على نفسه أو أهله أو ماله فإن أمكنه رده بأسهل طريقة ممكنة فعل ذلك، وإن لم یمکن رده إلا بالقتال قاتله، فإن قُتل المعتدى عليه فهو شهيد، وإن قتل المعتدِي فلا (١) المغني ١٣٨/٨، والمهذب ٢٢٥/٢، ومنح الجليل ٤٦٦/٤ . قصاص ولا دية . وهذا في الجملة، والأصل في هذا قول النبي ◌َّل: ((من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهید» (١). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه قال: جاء رجل، فقال يارسول الله: ((أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهید، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)) (٢) ٠ إلا أن الفقهاء يفرقون في وجوب الدفع والقتال بين محاولة العدوان على النفس أو العرض أو المال، فبالنسبة للعدوان على العرض، فإن الفقهاء يتفقون على وجوب دفع المعتدي على العرض بکل مایمکن دفعه به ولو بالقتال، لأن العرض لا يجوز إباحته، قال الإمام أحمد في امرأة أرادها رجل عن (١) حديث: ((من قتل دون ماله فهو شهيد ... )). أخرجه الترمذي (٣٠/٤) من حدیث سعید بن زید، وقال: حديث حسن صحيح . (٢) حديث أبي هريرة: جاء رجل فقال: يارسول الله: ((أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ... )). أخرجه مسلم (١/ ١٢٤) . سه - ٣١٨ - قتال ٨ -٩ نفسها فقتلته لتدفع عن نفسها: لا شيء عليها . أما بالنسبة للعدوان على النفس فعند الحنفية والمالكية في الأصح والحنابلة وفي قول للشافعية أنه إذا لم یمکن تخلیص نفسه إلا بالقتال فإنه يقاتله، وفي الأظهر عند الشافعية لا يجب الدفع، ويجوز الاستسلام إذا لم يكن المعتدي مهدر الدم، فإن كان مهدر الدم کالکافر وجب قتاله، وماسبق من الحکم إنما هو في غير زمن الفتنة، أما في زمن الفتنة فلا يجب القتال، وإنما يجوز الاستسلام . وأما بالنسبة للعدوان على المال فعند الحنفية وهو الأصح عند المالكية وفي قول للحنابلة يجب الدفاع عن المال بالقتال إذا لم یمکن سوی ذلك، قال أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك: قاتلهم تمنع نفسك ومالك . وعند الشافعية والحنابلة لا يجب الدفع عن المال، لأن المال يجوز بذله وإباحته للغير (١). والتفصيل في مصطلح: (صيال ف ٥، ١٢) . (١) الهداية ١٦٤/٤ - ١٦٥، وابن عابدين ٣٥١/٥، ومنح الجليل ٥٦٢/٤، وجواهر الإكليل ٢٩٧/٢، والتبصرة بهامش فتح العلي المالك ١٨٥/٢ - ١٨٦، ٢٧٢ - ٢٧٤، ومغني المحتاج ١٩٤/٤، والمهذب ٢٢٥/٢ - ٢٢٦، ومنتهى الإرادات ٣٧٨/٣، والمغني ٣٣٠/٨ -٣٣٢. هـ - قتال مانع الطعام أو الشراب عن المضطر: ٩ - من اضطر إلى الطعام فلم يجد إلا طعام غيره، فإن كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به، وإن لم يكن صاحبه مضطرا إليه لزمه بذله للمضطر، لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله، لأن الامتناع من بذله إعانة على قتله، وقد قال النبي (جديد : ((من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله)) (١) فإن امتنع من بذله ولو بالثمن فللمضطر أخذه، وإن احتاج في ذلك إلى قتال قاتله، فإن قُتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن قُتِل صاحب الطعام فهو هدر لأنه ظالم بقتاله، وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة . وقال الحنفية: للمضطر قتال الممتنع من بذل الطعام لكن بدون سلاح (٢) . ومن کان عنده فضل ماء مملوك له محرز في الأواني ونحوها واحتاج إليه غيره لشربه أو شرب ماشیته وجب على صاحبه بذله له، (١) حديث: ((من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة .. )). أخرجه ابن ماجه (٨٧٤/٢)، وضعف إسناده البوصيري فى مصباح الزجاجة (٨٣/٢). (٢) ابن عابدين ٢١٥/٥، والبدائع ١٨٨/٦، والتبصرة بهامش فتح العلي المالك ١٩٣/٢، والمهذب ٢٥٧/١، ومغني المحتاج ٣٠٨/٤، والمغني ٨ / ٦٠٢ . - ٣١٩ - إ قتَال ٩ - ١٠ ويحرم عليه منعه لقول النبي ◌َله: ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ» (١). وقال الحنفية والمالكية: للمضطر أن يقاتل الممتنع عن بذل فضل الماء ليأخذه، لكن خص الحنفية القتال هنا بأن يكون بغير سلاح كما تقدم (٢). وإن كان الماء في أرض مملوكة واضطر ناس إلى الماء لشربهم وسقي دوابهم ولم يجدوا غير هذا الماء فإنه يقال لصاحب الماء: إما أن تأذن لهؤلاء الناس بالدخول، وإما أن تعطي بنفسك، فإن لم يعطهم ومنعهم من الدخول، فلهم أن يقاتلوه بالسلاح ليأخذوا قدر مایندفع به الهلاك عنهم وعن دوابهم، لما روي أن قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا، وسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا، فقالوا لهم، إن أعناقنا وأعناق مطایانا كادت تقطع فأبوا، فذكروا ذلك لعمر رضي الله تعالى عنه فقال: هلا وضعتم فيهم السلاح (٣). (١) حديث: ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣١/٥) ومسلم (١١٩٨/٣) من حديث أبي هريرة . (٢) البدائع ١٨٨/٦، ومنح الجليل ٢٦/٤ - ٢٨، ومغني المحتاج ٣٧٥/٢، والمهذب ١ / ٤٣٥، ومنتهي الإِرادات ٤٦١/٢ . (٣) البدائع ١٨٩/٦، وابن عابدين ٢٨٣/٥، والهداية ١٠٤/٤ . و- قتال الممتنعين عن أداء الشعائر: ١٠ - يعتبر الأذان من شعائر الإسلام وخصائصه، ولذلك لو اجتمع أهل بلدة على تركه قاتلهم الإِمام، لأن الاجتماع على تركه استخفاف بالدين، وهذا عند جمهور الفقهاء . وقال أبو يوسف من الحنفية: يحبسون ويضربون ولا يقاتلون بالسلاح (١). والتفصيل في مصطلح: (أذان ف ٥) . (١) فتح القدير ٢٠٩/١، ومنح الجليل ١١٧/١، ومغني المحتاج ١٣٤/١ . - ٣٢٠ -