النص المفهرس

صفحات 281-300

قَبْض ٣٥ - ٣٦
لتمام الوقف .
فذهب الشافعية في المذهب عندهم،
والحنابلة في الصحيح من المذهب،
أبو يوسف، إلى أن الوقف إذا صح زال به
ملك الواقف عنه، ولا يشترط فيه
القبض (١)
ویری المالکیة، وأحمد بن حنبل في رواية
عنه، ومحمد بن الحسن، وابن أبي ليلى،
اشتراط القبض في الجملة لتمام الوقف وزوال
ملكية الوقف عن الواقف (٢).
وأما عند أبي حنيفة ، فإن العين الموقوفة باقية
على ملك الواقف حقيقة، ولا يزول ملكه عنه
إلا بحكم الحاكم أو يعلقه بموته (٣).
وقال الحنفية: إن بنى شخص سقاية
للمسلمين، أو خانا ليسكنه أبناء السبيل،
أو رباطاً للمجاهدين، أو خلّى أرضا مقبرةً
للمسلمين، أو بنى مسجداً للمصلين، زال
ملکه بقوله عند أبي یوسف، وقال محمد : إذا
استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان
(١) مغني المحتاج ٣٨٣/٢، والمغني ٦٠٠/٥، والكافي ٤٥٥/٢ ،
نشر المكتب الإسلامي، والاختيار٤١/٣ - ٤٢، والمبسوط
٣٥/١٢.
(٢) القوانين الفقهية ص ٣٦٤ - ٣٦٥ نشر دار الكتاب العربي،
والمغني ٦٠٠/٥، والكافي ٤٥٥/٢، والاختيار ٤١/٣،
وحاشية ابن عابدين ٣٦٤/٣ - ٣٦٥، والمبسوط ٣٥/١٢،
ومغني المحتاج ٣٨٣/٣.
(٣) ابن عابدين ٣٥٧/٣، والهداية مع فتح القدير ٤١٨/٥،
٤٤٨،٤٤٧ ٠
والرباط ودفنوا في المقبرة وصلّى في المسجد
مسلم زال ملكه عن الموقوف، ولا يزال ملكه
عند أبي حنيفة حتى يحكم به الحاكم.
وللتفصيل (ر: وقف) .
(ثالثا) القرض:
٣٦ - اختلف الفقهاء في مدى اشتراط
القبض في القرض لنقل الملكية إلى
المستقرض على ثلاثة أقوال:
(أحدها) ذهب أبو حنيفة ومحمد
والشافعية في القول الأصح والحنابلة وغيرهم،
إلى أنّ المقترض. إنما يملك المال المقرض
بالقبض (١).
٠
واستدلوا بأنّ المستقرض بنفس القبض
صار بسبيل من التصرف في القرض من غير
إذن المقرض بيعاً وهبةً وصدقةً وسائر
التصرفات، وإذا تصرّف فیه نفذ تصرفه، ولا
يتوقف على إجازة المقرض، وتلك أمارات
الملك، إذ لو لم يملكه لما جاز له التصرف
فیه، وبأن القرض عقد اجتمع فيه جانب
المعاوضة وجانب التبرغ، أما المعاوضة: فلأن
المستقرض يجب عليه ردّ بدلٍ مماثلٍ عوضاً عمّا
(١) رد المحتار ١٦٤/٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم وحاشية
الحموي عليه ٢ / ٢٠٤، وفتح العزيز ٣٩١/٩، ومغني المحتاج
١٢٠/٢، والمهذب ٣١٠/١، وكشاف القناع ٢٥٧/٣ ط.
السنة المحمدية، والمحرر ٣٣٤/١، ومنتهى الإرادات
٣٩٧/١.
- ٢٨١ -

قبض ٣٦
استقرضه، وأما التبرع: فلأنه ينطوي على
تبرع من المقرض للمستقرض بالانتفاع بالمال
المستقرَض بسائر التصرفات، غير أنّ جانب
التبرع في هذا العقد أرجح، لأن غايته وثمرته
إنما هي بذل منافع المالِ المقرضِ للمستقرِض
مجاناً، ألا ترى أنه لا يقابله عوض في الحال،
ولا يملكه من لا يملك التبرع، وهذا كان
كباقي التبرعات من هبات وصدقات،
فتنتقل الملكية فيه بالقبض، لا بمجرد
العقد، ولا بالتصرف.
(والثاني) للمالكية: وهو أنّ المقترض
يملك المال المقرض ملكاً تاماً بالعقد وإن لم
يقبضه، ويصير مالاً من أمواله، ويقضى له
به (١)
(والثالث) لأبي يوسف من الحنفية،
والشافعية في قول عندهم: وهو أنّ المقترض
إنما يملك المال المقرض بالتصرّف، فإذا
تصرف فيه تبین ثبوت ملکه قبله، والمراد
بالتصرّف: كلّ عمل يزيل الملك، كالبيع
والهبة والإِعتاق والإِتلاف، ولا يكفي الرهن
والتزويج والإِجارة وطحن الحنطة وخبز
الدقيق وذبح الشاة ونحو ذلك (٢).
(١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٢٢٦/٣،
والبهجة شرح التحفة ٢٨٨/٢.
(٢) بدائع الصنائع ٣٩٦/٧، وروضة الطالبين ٣٥/٤، وفتح
العزيز ٣٩١/٩، ومغني المحتاج ١٢٠/٢، والمهذب=
وتظهر ثمرة الخلاف بين ما ذهب إليه
المالكية، وما ذهب إليه جمهور الفقهاء فيما إذا
هلكت العين المقرضة بعد العقد وقبل
القبض، ففي هذه الحالة یکون ضمانها عند
جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة
على المقرِضٍ، ويكون هلاكها في عهدته،
لأنها لم تزل في ملكه، ولم يملكها المقترض
بعد، فلا تنشغل ذمته بعوضها أصلا، بينما
يكون ضمانها عند المالكية على المقترض، وهو
الذي يتحمل تبعة هلاكها، وعليه ردّ بدلها
لأنها هلکت في ملكه.
كما تظهر ثمرة الخلاف بین ما ذهب إليه
جمهور الفقهاء وما ذهب إليه أبو يوسف
والشافعية في قول، فيما إذا استقرض شخص
من رجل كرًا من حنطة وقبضه، ثم اشترى
ذلك الكرّ بعينه من المقرِض، فإنه لا يجوز
ذلك على قول الجمهور، لأنّ المقترض ملكه
بنفس القبض، فيصير بعقد الشراء التالي
مشترياً ملك نفسه، أمّا على القول الآخر
فالكرّ باق على ملك المقرض، ويصير
المستقرض مشترياً ملك غيره، فيصحّ (١).
= ٣١٠/١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٠، والتنبيه
للشيرازي ص ٧٠.
(١) رد المحتار ١٦٤/٥ ط. الحلبي، وشرح المجلة للأناسي
٤٤٠/٢
- ٢٨٢ -

قبض ٣٧ - ٣٩
(رابعا) العارية :
٣٧ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ منافع
العين المعارة لا تنتقل إلى ملك المستعير، لا
بالقبض ولا بغيره. لأنّ العارية عندهم تفید
إباحة المنافع للمستعیر لا تملیکها.
وذهب الحنفية إلى أنه يشترط القبض
لانتقال منافع العين المعارة إلى ملك المستعير،
لأنّ الإِعارة تبرع بتمليك منافع الشيء المعار،
فلا تملك إلاّ بالقبض، كالهبة (١).
(ر: إعارة ف ١٤) .
(خامسا) المعاوضات الفاسدة:
٣٨ - اختلف الفقهاء في كون القبض ناقلاً
للملكية في عقود المعاوضات المالية الفاسدة
أو غير ناقل (٢).
فذهب جمهور الفقهاء من الشافعية
والمالكية والحنابلة إلى أنّ العقد الفاسد
كالباطل، لا ينعقد أصلاً، ولا يفيد الملك
بتاتاً، سواء قبض العاقد البدل المعقود عليه
أو لم يقبضه.
وذهب الحنفية إلى أن ملكية المعقود عليه
تنتقل في عقد المعاوضة الفاسد بقبضه برضا
(١) بدائع الصنائع ٢١٤/٦، ٣٩٦/٧، ولسان الحكام ص ٨٧،
وشرح المجلة للأناسي ١٣٨/١، ٣٠٩/٣، ونهاية المحتاج
١١٩/٥، والمغني ٢٢٧/٥.
(٢) وهي العقود التي تقوم على أساس إنشاء حقوق والتزامات مالية
بين العاقدين، كالبيع والإِجارة والسلم ونحوها .
صاحبه، ويكون مضموناً على القابض
بقیمته یوم قبضه (١).
العقود التي يشترط القبض في صحتها :
(أولا) الصرف:
٣٩ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في صحة
عقد الصرف التقابض في البدلين قبل
التفرق (٢)، قال ابن المنذر: أجمع كلّ من
نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ المتصارفَيْن
إذا افترقا قبل أن يتقابضا أنّ الصرف
فاسد (٣).
واستدلوا على ذلك بما روى عبادة بن
الصامت رضي الله تعالى عنه عن النبي واله
أنه قال: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة،
والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر،
والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء يداً
بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا
كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) (٤).
(١) رد المحتار ٤٩/٥، ٩٩ وما بعدها ط. الحلبي، ومواهب الجليل
٤ /٣٨٠، والمغني ٢٢٩/٤، والمجموع ٣٧٧/٩ وما بعدها.
(٢) بدائع الصنائع ٢١٥/٥، ورد المحتار ٢٥٨/٥ ط. الحلبي،
وأحكام القرآن للجصاص ٥٥٤/١، وروضة الطالبين
٣٧٩/٣، والأم ٣٦/٣ ط بولاق، وفتح العلي المالك لعليش
١١٠/٢، وكشاف القناع ٢١٧/٣، والمغني ٥١/٤ ط. دار
المنار، ومنتهى الإرادات ٣٨٠/١.
(٣) المغني ٥١/٤، وتكملة المجموع للسبكي ٦٩/١٠، وكشاف
القناع ٢١٧/٣ ط. السنة المحمدية.
(٤) حديث عبادة بن الصامت: ((الذهب بالذهب والفضة
بالفضة ... )) أخرجه مسلم (١٢١١/٣).
- ٢٨٣ -

قَبْض ٣٩ - ٤٠
وبما روی ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما
أنه قال: «لاتبیعوا الذهب بالذهب إلاّ مثلاً
بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً
بمثل، ولا تبيعوا الذهب بالورق أحدهما
غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك حتى يلج
بيته فلا تنظره، إنى أخاف عليكم الرماء)) أي
الربا (١).
لهذا إذا تعذر على المتصارفين التقابض في
المجلس وأرادا الافتراق، لزمهما ديانةً أن
یتفاسخا العقد بينهما قبل التفرق کیلا یأثما
بتأخير العوضين أو أحدهما، لأن الشارع نهى
عن هذا العقد إلا يداً بيد، وحكم عليه أنه
ربا إلّ هاء وهاء، فمتى لم يحصل هذا الشرط
حصل المنهي عنه، وهو ربا النَّساء، وهو
حرام، وفي التفاسخ قبل التفرق رفع للعقد،
فلا تلزمهما شروطه (٢).
لكنّ فريقًا من المالكية استثنى من هذا
الأصل المتفق عليه - هو اشتراط التقابض
قبل التفرق لصحة الصرف - ما لو تفرّقًا قبل
التقابض غلبة، أي بما يغلبان عليه أو
أحدهما، كنسيان أو غلط أو سرقة من
الصرّاف ونحو ذلك، وقال الشيخ عليش:
(١) أثر ابن عمر: أخرجه البيهقي ومالك وعبد الرزاق في مصنفه
(انظر نصب الراية ٥٦/٤، والسنن الكبر للبيهقي ٢٨٤/٥).
(٢) المجموع شرح المهذب للنووي ٤٠٤/٩، وتكملة المجموع
للسبكي ١٤/١٠.
وقد تكون الغلبة بحیلولة سیل أو نارٍ أو عدوّ
قبل التقابض (١) وقالوا بعدم بطلان الصرف
في هذه الحالة (٢).
(ثانيا) بيع الأموال الربوية ببعضها:
٤٠ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في صحة
بيع الأموال الربوية بجنسها الحلول وانتفاء
النسيئة، وكذا إذا بيعت بغير جنسها، وكان
المالان الربويان تجمعهما علة واحدة، إلاّ أن
يكون أحد العوضين ثمنا والآخر مثمناً، كبيع
الموزونات بالدراهم والدنانير (٣).
واستدلوا على ذلك بما ورد عن النبي
أنه قال: ((الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة، والبرّ بالبّ، والشعير بالشعير، والتمر
بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء
بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه
الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا
بيد)) (٤) .
غير أن الفقهاء مع اتفاقهم هذا على
(١) التاج والإكليل ٣٠٧/٤، ومنح الجليل ٥٠٨/٢.
(٢) القوانين الفقهية ص ٢٧٦ (دار العلم للملايين)، وبداية
المجتهد ١٦٤/٢ ط الجمالية.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٥٥٢/١، والأم ٢٦/٣، ٣١ ط
بولاق، وروضة الطالبين ٣ / ٣٧٨ وما بعدها، والدر المختار مع
رد المحتار ٥ / ١٧٢ ط. الحلبي، وبداية المجتهد ٢ / ١٠٧
ط الجمالية ١٣٢٩ هـ)، والمنتقى للباجي ٣/٥، وكشاف القناع
٢١٥/٣، وما بعدهاط السنة المحمدية، والمغني ٩/٤
وما بعدها ط. دار المنار.
(٤) تقدم تخريجه ف ٣٩.
- ٢٨٤ -

قَبْض ٤٠ - ٤٢
اشتراط الحلول وانتفاء النسيئة، اختلفوا في
اشتراط التقابض قبل التفرق من مجلس
العقد في بيع جميع الأموال الربوية ببعضها
علی قولین:
أحدهما: للشافعية والمالكية والحنابلة،
وهو أنه يشترط التقابض قبل التفرق من
المجلس في الصرف وغيره، فلو تفرقا قبل
التقابض بطل العقد، وذلك لأنّ النهي عن
النسيئة ثبت في الصرف وغيره من بيع
الربويات ببعضها، وتحريم النّساء ووجوب
التقابض متلازمان، إذ من المحال أن يشترط
الشارع انتفاء الأجل في بيع جميع الأموال
الربوية، ويكون تأجيل التقابض في بعضها
جائزًا، ولا يخفى أن قوله الآتى: «يدًا بيد وهاء
وهاء)) في شأن بيع الأموال الربوية الستة
بالكيفية المبينة في الحديث إنما يفهم منه
اشتراط التقابض فيها جميعا (١).
الثاني: للحنفية، وهو أنه لا يشترط
التقابض قبل التفرق إلّ في الصرف، أما في
غيره - كبيع حنطة بشعير أو تمر أو حنطة -
فيشترط لصحته التعيين دون التقابض، لأنّ
البدل في غير الصرف يتعيّن بمجرد التعيين
(١) فتح العزيز ١٦٥/٨ وما بعدها، وروضة الطالبين٣٧٨/٣ وما
بعدها، والمنتقى للباجي ٢٦٠/٤، ٣/٥، والإشراف للقاضي
عبد الوهاب ١/ ٢٥٦، وكشاف القناع ٣/ ٢١٦ والمغني
٤ /٩.
قبل القبض، ویتمکن مشتریه بمجرد التعین
من التصرف فيه، ولذلك لا يشترط قبضه
لصحة العقد، بخلاف البدل في الصرف
فإنه لا يتعيّن بدون القبض، إذ القبض شرط
في تعيينه، حيث إنّ الأثمان لاتتعين مملوكة إلاّ
به، ولذلك كان لكل من العاقدين تبديلها
بمثلها قبل تسليمها (١).
(ثالثا) السلم :
٤١ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية
والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط في صحة
عقد السلم قبض المسلم إلیه رأس المال قبل
الافتراق، فإن تفرّقًا قبل قبضه فسد العقد.
وذهب المالكية إلى أنه يشترط في صحة
السلم قبض رأس المال قبل تفرقهما أو بعده
بمدة يسيرة كاليومين والثلاثة، سواء أكان
هذا التأخير بشرط أم بغير شرط، عملاً
بالقاعدة الفقهية الكلية ((ما قارب الشيء
یعطی حکمه))، فإن تأخر قبضه أكثر من
ذلك بطل العقد.
(ر: سلم ف ١٦ - ١٩) .
(رابعا) إجارة الذمة :
٤٢ - قسم جمهور الفقهاء الإِجارة باعتبار محلّ
تعلّق الحقّ في المنفعة المعقود عليها إلى
(١) رد المحتار على الدر المختار ٥/ ١٧٢، ١٧٨. ط. الحلبي.
- ٢٨٥ -

قبض ٤٢
قسمين: إجارة واردة على العين، وإجارة
واردة على الذمة.
أ - فالإِجارة الواردة على العين: يكون
الحقّ في المنفعة المعقود عليها متعلقاً بنفس
العين، كما إذا استأجر شخص داراً أو أرضاً
أو سيارة معيّنةً، أو استأجر شخصاً بعينه
لخياطة ثوب أو بناء حائط، ونحو ذلك.
وهذا النوع من الإِجارة لا خلاف بين
الفقهاء في أنه لايشترط فيه قبض الأجرة في
المجلس لصحة العقد أو لزومه أو انتقال
ملكية المنافع فيه، وذلك لأن إجارة العين
كبيعها - إذ الإِجارة بيع للمنفعة في مقابلة
عوض معلوم - وبیع العین یصحّ بثمن حالٍ
ومؤجل، فكذلك الإِجارة .
ب - أما الإِجارة الواردة على الذمة:
فيكون الحقّ في المنفعة المعقود عليها متعلقاً
بذمة المؤجر، كما إذا استأجر دابة موصوفة
للركوب أو الحمل بأن قال: استأجرت منك
دابةً صفتها کذا لتحملني إلى موضع كذا، أو
قال: ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب أو بناء
جدار صفته كذا، فقبل المؤجر.
وقد اختلف الفقهاء في وجوب تسليم
الأجرة فيها في مجلس العقد على أربعة أقوال:
(الأول) : للحنفية، فالأصل عندهم أن
الأجر لا يلزم بالعقد ولا يملك، فلا يجب
تسليمه به، بل بتعجيله أو شرطه في الإِجارة
المنجزة أو الاستيفاء للمنفعة أو تمكنه منه،
وعلى ذلك لا يشترط قبض الأجر عندهم في
صحة الإِجارة، قال ابن عابدين: لا يملك
الأجر بالعقد، لأنه وقع على المنفعة، وهي
تحدث شيئا فشيئا، وشأن البدل أن يكون
مقابلا للمبدل، وحيث لا یمکن استیفاؤها
حالا لا يلزم بدلها حالا، إلا إذا شرطه ولو
حكما، بأن عجله لأنه صار ملتزما له بنفسه
وأبطل المساواة التي اقتضاها العقد (١).
(والثاني): المالكية، وهو أنه يجب لصحة
إجارة الذمة تعجيل الأجرة، لا ستلزام
التأخير تعمير الذمتين وبيع الكالىء
بالكالىء، وهو منهي عنه إلاّ إذا شرع
المستأجر باستيفاء المنفعة، كما لو ركب
المستأجر الدابة الموصوفة في طريقه إلى المكان
المشترط أن تحمله إلیه، فيجوز عندئذ تأخير
الأجرة، لانتفاء بيع المؤخر بالمؤخر، حيث إنّ
قبض أوائل المنفعة كقبض أواخرها، فارتفع
المانع من التأخير.
وقد اعتبر المالكية أنّ في حكم تعجيل
الأجرة تأخيرها يومين أو ثلاثة، لأنّ ما قارب
الشيء یعطی حکمه، كما في السلم (٢)، ولا
(١) حاشية ابن عابدين ٦/٥، والفتاوى الهندية ٤١٢/٤
(٢) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٣/٤ ط. مصطفى
محمد ١٣٧٣ هـ، والخرشي على خليل ٣/٧، والفروق للقرافي
٠١٣٣/٢
- ٢٨٦ -

قَبْض ٤٢ - ٤٣
فرق بين عقدها بلفظ الإِجارة أو السلم.
(والثالث): للشافعية، وهو أنه يشترط في
صحة إجارة الذمة قبض المؤجر الأجرة في
مجلس العقد، كما اشترط قبض المسلم إليه
رأس مال السلم في المجلس، فإن تفرّقًا قبل
القبض بطلت الإِجارة، لأن إجارة الذمة
سَلم في المنافع، فکانت کالسلم في الأعيان،
سواء عقدت بلفظ الإِجارة أو السلم (١).
(والرابع): للحنابلة، وهو أنّ إجارة
الموصوف في الذمة إذا جرت بلفظ ((سلم)» أو
((سلف)» - كأسلمتك هذا الدينار في منفعة
دابة صفتها كذا وكذا لتحملني إلى مكان
كذا، أو في منفعة آدمي صفته كذا وكذا لبناء
حائط صفته كذا مثلاً - وقَبِل المؤجر، فإنه
يشترط لصحة إجارة الذمة عندئذ تسليم
الأجرة في مجلس العقد، لأنها بذلك تكون
سلماً في المنافع، ولو لم تقبض قبل تفرق
العاقدين لآلَ الأمر إلى بيع الدین بالدين،
وهو منهي عنه، أما إذا لم تجر إجارة الذمة
· بلفظ ((سلم)) ولا ((سلف»، فلا يشترط
تعجيل الأجرة في هذه الحالة، لأنها لا تكون
سلماً، فلا يلزم فيها شرطه (٢).
(١) فتح العزيز ١٢ /٢٠٥، وروضة الطالبين ١٧٦/٥، والمهذر،
٤٠٦/١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨١، ونهاية
المحتاج ٢٠٨/٤، ٣٠١ .
:. (٢) شرح منتهى الإرادات ٣٦٠/٢، وانظر م ٥٣٩ من مجلة
الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد.
(خامسا) المضاربة :
٤٣ - ذهب الحنفية والشافعية والمالكية
وبعض الحنابلة إلى أنه يشترط في صحة عقد
المضاربة تسليم رأس المال إلى العامل، لأنّ
المضاربة انعقدت على أن يكون رأس المال
من أحد الطرفين والعمل من الطرف الآخر،
ولا يتحقق العمل إلاّ بعد خروج رأس المال
من يد ربّ المال إلى العامل (١)، وليس المراد
بذلك اشتراط تسليم رأس المال إليه حال
العقد أو في مجلسه، وإنما المراد أن يستقلّ
العامل باليد عليه والتصرف فيه بالتخلية بينه
وبين رأس المال (٢)، وعلى ذلك: لو شرط
المالك أن یکون المال بيده لیوفي منه ثمن ما
اشتراه العامل فسدت المضاربة (٣).
وذهب الحنابلة على الراجح عندهم إلى
أنه لا يشترط لصحة عقد المضاربة قبض
العامل لرأس المال (٤)، قال البهوتي: فتصح
وإن كان بيد ربّه، لأنّ مورد العقد
العمل (٥) .
(١) رد المحتار ٨/ ٢٨٣ ط الحلبي، وشرح المجلة للأناسي ٣٧٠/٤
وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ٣١٠، وروضة الطالبين ٥٪
١١٨ وما بعدها، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣/
٥١٧، وما بعدها، والمغني ٥ / ٢٥ ط. دار المنار.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣١٠
(٣) البدائع ٦ / ٨٤، ومغني المحتاج ٢/ ٣١٠.
(٤) المغني ٥ / ٢٥.
(٥) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٢٧.
- ٢٨٧ -

قَبْض ٤٣ - ٤٦
(سادسا) المزارعة :
٤٤ - ذهب الحنفية إلى أنه يشترط في صحة
المزارعة تسليم الأرض إلى العامل مخلاة، أي
أن توجد التخلية من صاحب الأرض بين
أرضه وبين العامل، حتى لو شرط في العقد
العمل على ربّ الأرض أو شرط عملهما معاً،
فلا تصحّ المزارعة لانعدام التخلية (١).
والتفصيل في مصطلح (مزارعة) .
(سابعا) المساقاة:
٤٥ - نصّ الحنفية والشافعية على أنه يشترط
في صحة المساقاة تسليم الأشجار إلى
العامل، فلو شرط كونها في يد المالك أو
مشاركته في اليد لم يصح العقد لعدم حصول
التخلية بين الشجر وبين العامل (٢).
والتفصيل في مصطلح (مساقاة)
العقود التي يشترط القبض في لزومها :
وهي أربعة،بيانها فيما يلي:
(أولاً) الهبة:
٤٦ - اختلف الفقهاء في مدى اشتراط
القبض للزوم الهبة:
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط
القبض في لزوم الهبة، ويكون للواهب قبل
(١) رد المحتار ٦ / ٢٧٦، وبدائع الصنائع ٦ / ١٧٨.
(٢) رد المحتار ٦ / ٨٦، وفتح العزيز ١٢ / ١٣١، والروضة
١٥٥/٥، وشرح المجلة للأناسي ٤ / ٣٩٤.
القبض الرجوع فيها، فإذا قبضها الموهوب له
لزمت، لكن الشافعية قالوا: للأب الرجوع
في هبة ولده، وكذلك لسائر الأصول على
المشهور عندهم (١).
غير أنهم اختلفوا في حكم العقد إذا مات
الواهب أو الموهوب له قبل قبضها .
فقال الشافعية: إن مات الواهب أو
الموهوب له قبل القبض لم ينفسخ العقد، لأنه
يؤول إلى اللزوم، ويقوم الوارث مقام مورثه .
وقال الحنابلة: إذا مات الموهوب له قبل
القبض بطل العقد، أما إذا مات الواهب فلا
تبطل الهبة، ويقوم وارثه مقامه في الإِقباض أو
الرجوع في الهبة .
واستدلّ جمهور الفقهاء على اشتراط
القبض في لزوم الهبة بما روي عن النبي وقليل
أنه قال لأم سلمة: ((إني أهديت إلى النجاشي
أواقاً من مسك، وإني لاأراه إلاقد مات، ولا
أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد فإذا
ردت إليّ فهولك أم لكم)) (٢)، وبما ورد عن
النبي ) أنه قال: ((يقول ابن آدم مالي.
مالي .. وهل لك من مالك إلّ ما أكلت
(١) روضة الطالبين ٥/ ٣٧٥، والأم ٣/ ٢٨٥ بولاق، والمهذب
٤٥٤/١، وكفاية الأخيار ١ / ١٧٦، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص ٢٨١، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٣ وما بعدها . ط.
السنة المحمدية، والمغني ٥ / ٥٩١ وما بعدها . ط. دار المنار.
(٢) حديث: ((إني أهديت إلى النجاشي أواقا من مسك ... )) تقدم.
تخريجه ف ٣٤.
- ٢٨٨ -

قبض ٤٦ - ٤٧
فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت
فأمضيت)) (١)، فقد شرط رسول الله وَله في
الصدقة الإِمضاء، والإِمضاء هو
الإِقباض (٢).
وقال الحنفية: لا تلزم الهبة بالقبض إلا
إذا کانت لأصول الواهب أو فروعه أو لأخيه
أو لأخته أو أولادهما أو لعمه وعمته أو كانت
بين الزوجين حال قيام الزوجية، وللواهب أن
يرجع عن هبته في غير الحالات المذكورة
برضى الموهوب له أو برجوع الواهب للحاكم
فيفسخ الهبة (٣).
وذهب المالكية: إلى أنّ الهبة تنعقد
بالإِيجاب والقبول، لكنها لا تتم ولا تلزم إلّ
بالقبض، ويجبر الواهب على إقباضها ما دام
العاقدان على قيد الحياة، فإذا مات الواهب
قبل القبض بطلت الهبة، وكانت ميراثا، أما
إذا مات الموهوب له قبل القبض فلا تبطل،
ويكون لورثته مطالبة الواهب بها، لأنها
صارت حقّا لمورثهم قبل موته (٤).
(ثانيا) الوقف :
٤٧ - اختلف الفقهاء في مدى اشتراط
(١) حديث: ((يقول ابن آدم مالي مالي ... )) أخرجه مسلم
(٤ /٢٢٧٣) من حديث عبد الله بن الشخير.
(٢) انظر أقضية رسول الله 18 لابن فرج القرطبي ص ٥٠٤.
(٣) مجلة الأحكام العدلية (م ٨٦٤ - ٨٦٨)، وبدائع الصنائع
١٢٩/٦ وما بعدها.
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ١٠١، والقوانين
الفقهية ص ٣٩٩ ط. دار العلم للملايين.
القبض في الوقف على ثلاثة أقوال:
(أحدها) ذهب الشافعية والحنابلة
وأبو یوسف من الحنفية - وقوله هو المفتى به في
المذهب - إلى أنّ الوقف لا يفتقر إلى
القبض، بل يلزم ويتمّ بدونه .
واستدلوا بما ورد أنّ رسول الله وَليل ((أمر
عمر بن الخطاب أن یسبّل ثمرة أرضه ويحبس
أصلها)» (١) ولم يأمره أن يخرجها من يده إلى ید
أحدٍ يجوزها دونه، فدلّ ذلك على أنّ الوقف
يتم بحبس الأصل وتسبيل الثمرة دون
اشتراط أن يقبضه أحد، ولو كان القبض
شرطاً لأمره به (٢)، وبقول الشافعي: أخبرني
غير واحد من آل عمر وآل علي رضي الله عنهم
أنّ عمر رضي الله عنه ولي صدقته حتى
مات، وجعلها بعده إلى حفصة رضي الله
عنها، وولي علي رضي الله عنه صدقته حتی
مات، ووليها بعده الحسن بن علي رضي الله
عنهما، وأنّ فاطمة بنت رسول الله وَّله وليت
صدقتها حتى ماتت، وبلغني عن غير واحد
من الأنصار أنه ولي صدقته حتى مات (٣)،
وبقياس الوقف على العتق، ذلك أنّ الرجل
(١) حديث: ((أمر رسول الله﴿ عمر بن الخطاب أن يسبل ثمرة أرضه .. ))
أخرجه البخاري ( فتح الباري ٥ / ٣٩٢) ومسلم
(١٢٥٥/٣).
(٢) الأم ٣ / ٢٨١. ط. بولاق.
(٣) الأم ٣/ ٢٨١، وسنن البيهقي ٦/ ١٦١ وما بعدها، وانظر
بدائع الصنائع ٦ / ٢١٩.
- ٢٨٩ -

قَبْض ٤٧ - ٤٩
إذا وقف أرضه أو داره، فإنما يملك الموقوف
عليه منافعها، ولا يملك من رقبتها شيئاً،
لأنّ الواقِف أخرجها من ملكه إلى الله عز
وجل، فكان ذلك شبيهاً بما أخرجه عن ملكه
بالعتق لله عز وجل، فكما أنّ العتق يلزم
بالقول ولا يحتاج فيه إلى القبض مع القول،
فكذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى القبض مع
القول (١)، ولأننا لو أوجبنا القبض فيه، فإنّ
القابض یقبض ما لم يملكه بالوقف، فیکون
قبضه وعدمه سواء (٢).
(والثاني) لابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن
الشيباني وأحمد في رواية عنه: وهو أنّ الوقف
لا يلزم إلّ بقبضه وإخراج الواقف له عن
يده، ويكون القبض بأن يجعل له قيماً
ويسلمه إلیه، وفي المسجد بأن يخليه ويصلي
الناس فيه، وفي المقبرة بدفن شخصٍ واحدٍ
فيها فما فوق (٣)، واستدلوا على ذلك بأنّ
الوقف تصدق بالمنافع، والهبات والصدقات
لا تلزم إلاّ بالقبض، فينبغي أن يشترط
القبض للزومه .
(والثالث) للمالكية: وهو أنه يشترط
(١) شرح معاني الآثار للطحاوي ٤ / ٩٨، وبدائع الصنائع
٢١٩/٦، المغني لابن قدامة ٥/ ٥٤٧ ط. دار المنار.
(٢) شرح معاني الآثار ٤ / ٩٨.
(٣) لسان الحكام ص ١١٤، خزانة الفقه للسمرقندي ص ٢٦٨
وما بعدها، بدائع الصنائع ٦/ ٢١٩، القواعد لابن رجب
ص ٧١، المغني ٥ / ٥٤٧ .
القبض لتمام الوقف، فإن مات الواقف أو
مرض أو أفلس قبل قبض الموقوف بطل
الوقف، ويكون القبض في نحو المسجد
والطاحون بالتخلية بين الموقوف وبين
الناس (١).
(ثالثا) القرض:
٤٨ - اختلف الفقهاء في اشتراط القبض في
ملك القرض أو لزومه على أقوال:
الأول للمالكية: وهو أنه لا يشترط في لزوم
عقد القرض أن يقبضه المقترض، بل يلزم
بالقول (٢).
والثاني للشافعية، قالوا: يملك بالقبض.
والثالث للحنابلة، قالوا: يلزم بالقبض(٣)
(رابعا) الرهن :
٤٩ - اختلف الفقهاء في اشتراط القبض في
لزوم الرهن :
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة على
الراجح عندهم إلى أنه يشترط القبض في
لزوم الرهن، وعلى ذلك يكون للراهن قبل
القبض أن يرجع عنه أو يسلّمه (٤) .
(١) لباب اللباب للقفصي ص ٢٣٩، وكفاية الطالب الرباني
وحاشية العدوي عليه ٢ / ٢١٢،٢٠٣.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٢٢٦.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ١٢٨، منتهى الإرادات ١ / ٣٩٧.
(٤) رد المحتار ٦ / ٤٧٩، تبيين الحقائق للزيلعي ٦/ ٦٣، مغني
المحتاج ٢ / ١٢٨، المهذب ١ / ٣١٢، الأشباه والنظائر =
- ٢٩٠ -

قبض ٤٩ - ٥٠
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ
مَّقْبُوضَةٌ﴾ (١) حيث إنّ المصدر المقرون
بحرف الفاء في جواب الشرط يراد به الأمر،
والأمر بالشيء الموصوف يقتضي أن يكون
ذلك الوصف شرطاً فيه، إذ المشروع بصفة لا
يوجد بدون تلك الصفة، ولأنّ الرهن عقد
تبرع إذ لا يستوجب الراهن بمقابلته على
المرتهن شيئاً، ولهذا لا يجبر عليه، فلابدّ من
الإِمضاء بعدم الرجوع، والإِمضاء يكون
بالقبض.
وقالوا: إنّ الله عز وجل وصف الرهان
بكونها مقبوضة، فيقتضي ذلك أن يكون
القبض فيها شرطاً، ولو لزمت بدون القبض
لما كان للتقیید به فائدة.
وذهب المالكية إلى أنّ الرهن يلزم
بالعقد، لكنه لا يتم إلاّ بالقبض، وللمرتهن
حقّ المطالبة بالإِقباض، ويجبر الراهن عليه .
قالوا: أمّا لزومه بالعقد، فلأنّ قوله
تعالى ﴿ فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ أثبتها رهاناً قبل
القبض، وأمّا إلزام الراهن بالإِقباض، فلأن
قوله تعالى ﴿أَوْفُواْبِالْعُقُودِ ﴾ (٢) دليل على
= للسيوطي ص ٢٨٠، المغني ٤ / ٣٢٨ وما بعدها، وكشاف
القناع ٣/ ٢٧٢ وما بعدها ط. السنة المحمدية، وشرح منتهى
الإرادات ٢ / ٢٣٢.
(١) سورة البقرة / ٢٨٣ .
(٢) سورة المائدة / ١.
إلزام الراهن بتسليم المرهون للمرتهن وفاءً
بالعقد (١).
قال الدسوقي : لا خلاف في المذهب أن
القبض ليس من حقيقة الرهن ولا شرطا في
صحته ولا لزومه بل ینعقد ويصح ويلزم
بمجرد القول (٢).
وذهب بعض الحنابلة إلى أنّ المرهون إذا
کان مکیلاً أو موزوناً فلا يلزم رهنه إلاّ
بالقبض، وفيما عدا ذلك روايتان عن أحمد،
إحداهما: لا يلزم إلا بالقبض، والأخرى:
يلزم بمجرد العقد كالبيع (٣).
استدامة القبض في الرهن :
٥٠ - اختلف الفقهاء في حكم استدامة
القبض في الرهن على ثلاثة أقوال:
(أحدها) للحنفية والشافعية: وهو أنه لا
يشترط استدامة القبض في الرهن، فلو
استرجعه الراهن بعارية أو وديعة صحّ، لأنه
عقد يعتبر القبض في ابتدائه، فلم يشترط
استدامته کالهبة، وللمرتهن الحقّ في استرداده
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٢٣١، القوانين الفقهية
ص ٣٥٢ (ط. دار العلم للملايين) والإشراف على مسائل
الخلاف للقاضي عبد الوهاب ٢/ ٢، المنتقى للباجي
٢٤٨/٥، كفاية الطالب الرباني ٢ / ٢١٦، شرح التاودي على
التحفة ١ / ١٦٨، بداية المجتهد ٢ / ٢٣٠ (ط. الجمالية)،
والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ص ١٢١٨ (ط. دار
الشعب)، والتسهیل لابن جزي ١ / ٩٧.
(٢) حاشية الدسوقي ٣/ ٢٣١ .
(٣) المغني ٣٢٨/٤ .
- ٢٩١ -

قَبْض ٥٠ - ٥٣
متى شاء (١)، والقاعدة الفقهية تقول:
(يغتفر في البقاء مالا يغتفر في الابتداء) (٢).
(والثاني) للمالكية: وهو أنه يشترط في
صحة الرهن استدامة القبض، فإذا قبض
المرتهن المرهون، ثم ردّه إلى الراهن بعارية أو
وديعة أو كراء بطل الرهن، لأن المعنى الذي
لأجله اشترط قبض المرهون في الابتداء هو أن
تحصل وثيقة للمرتهن بقبضه، فكانت
استدامة القبض شرطاً فيه (٣).
(والثالث) للحنابلة: وهو أنه يشترط في
لزوم الرهن استدامة قبض المرهون، فإذا
أخرجه المرتهن عن يده باختياره إلى الراهن أو
غيره زال لزوم الرهن، وبقي العقد كأن لم
يوجد فيه قبض، سواء أخرجه بإجارةٍ أو
إعارةٍ أو إيداع أو غير ذلك، فإذا عاد فردّه
إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق، ولا
يحتاج إلى تجديد عقد، لأن العقد الأول لم
يطرأ عليه ما يبطله، أشبه ما لو تراخى
القبض عن العقد أول مرّة، وإن أزيلت يد
المرتهن عنه بغير حقّ كالغصب والسرقة وإباق
العبد وضياع المتاع ونحوه، فلزوم العقد
(١) رد المحتار ٦ / ٥١١، الأم ٣ / ١٢٤ ط بولاق، ودرر الحكام
لعلي حيدر ٢ / ١٦١ .
(٢) م ٥٥ من مجلة الأحكام العدلية .
(٣) الإِشراف للقاضي عبد الوهاب ٢/ ٢، القوانين الفقهية
ص ٣٥٢، بداية المجتهد ٢ / ٢٣٠ .
باقٍ، لأنّ يده ثابته عليه حكماً، فكأنها لم
تزل.
واستدلوا على ذلك بأنّ الرهن يراد
للوثیقة، لیتمکن من بیعه واستيفاء دينه،
فإذا لم يدم في يده زال ذلك المعنى، فكان
بقاء اللزوم منوطاً بدوام القبض (١).
آثار القبض في العقود:
٥١ - أهم آثار القبض في العقود هو انتقال
ضمان المقبوض إلى القابض، وتسلّطه على
التصرف فيه، ووجوب بذل عوضه للمقبوض
منه، وذلك على التفصيل التالي :
الأثر الأول: انتقال الضمان إلى القابض:
٥٢ - المراد بالضمان الذي ينتقل إلى
القابض: هو تحمله لتبعة الهلاك أو النقصان
أو التعييب الذي يطرأ على المقبوض في أحد
عقود الضمان، وهي هنا: البيع والإِجارة
والعارية والرهن والنكاح فيما يخصّ الصداق.
أولا - ضمان المبيع في العقد الصحيح اللازم:
٥٣ - اختلف الفقهاء فيمن يكون عليه
ضمان المبيع قبل القبض وبعده، وهل يكون
في ضمان البائع قبل أن يقبضه المشتري،
بحيث لا ينتقل ضمانه إلى المشتري إلا
بالقبض، أم أنه يدخل في ضمانه بالعقد،
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٣٣، كشاف القناع ٣/ ٢٧٤ .
- ٢٩٢ -

قَبْض ٥٣ - ٥٤
سواء قبضه أم لم يقبضه ؟
فذهب الحنفية والشافعية إلى أن المبيع
يكون في ضمان البائع قبل أن يقبضه
المشتري، فإذا قبضه انتقل الضمان إليه
بالقبض، لأن موجب العقد انتقال ملكية
المبيع إلى المشتري، وذلك يقتضي إلزام البائع
بتسليم المبيع إلى المشتري وفاء بالعقد، لأنّ
الملك لا يثبت لعينه، وإنما يثبت وسيلة إلى
الانتفاع بالمملوك، ولا يتهيأ الانتفاع به إلا
بالتسليم، فكان إيجاب الملك في المبيع
للمشتري إيجاباً لتسليمه له ضرورة.
وفرّق المالکیة بین ما یکون فیه حقّ توفیة
من المبيعات من کیل أو وزن أو ذرع أو عدٍ،
وبين ما لايكون فيه، بحيث وافقوا الحنفية
والشافعية في اعتبار المبيع في ضمان البائع قبل
القبض، ودخوله في ضمان المشتري بالقبض
إذا كان فيه حقّ توفية.
واختلفوا في التفصيلات والتفريعات في
حالة هلاك المبيع، ذلك أنّ المبيع إمّا أن
يكون أصلاً، وإمّا أن يكون تبعاً، وهو
الزوائد المتولدة عن المبيع، فإن کان أصلاً،
فلا يخلو: إمّا أن يهلك کلّه وإمّا أن يهلك
بعضه، وکلّ ذلك لا يخلو: إمّا أن يهلك قبل
القبض، وإما أن يهلك بعده، والهلاك في
هذه الحالات إمّا أن يكون بآفة سماوية، أو
بفعل البائع، أو بفعل المشتري، أو بفعل
المبيع، أو بفعل أجنبي .
والتفصيل في مصطلح: (ضمان ف ٣١
وما بعدها).
(ثانيا) ضمان المؤجّر:
أ - الضمان في إجارة الأعيان:
٥٤ - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ العين
المؤجرة وكذا منافعها المعقود عليها تكون قبل
القبض في ضمان المؤجِر، كما أنه لا خلاف
بينهم في أنّ ضمان العين لا ينتقل إلى
المستأجر بعد القبض، وأنها تكون أمانةً في
یده، فإن تلفت من غیر تعدیه أو تفريطه،
فلا ضمان عليه، وذلك لأنه قبض مأذون
فیه، فلا یکون موجباً للضمان، کالوديعة،
ولأن المستأجر قبض العين لاستيفاء منفعة
يستحقها منها، فلا یضمنها، کما إذا قبض
النخلة التي اشتری ثمرتها، نصّ على ذلك
الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، قال
ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافاً (١).
ب - الضمان في إجارة الأعمال:
ذكر الفقهاء أن الأجير فى الإِجارة الواردة
على العمل قسمان :
(١) بدائع الصنائع ٤ / ٢١٠، مجمع الضمانات ص ١٣، روضة
الطالبين ٥/ ٢٢٦، المهذب ١ / ٤١٥، الشرح الكبير للدردير
٤ / ٢٤، المبدع ٥ / ١١٣، المغني ٥/ ٤٨٨، كشاف القناع
٤ / ٣٩، ٤٩ (ط. الحكومة بمكة المكرمة).
- ٢٩٣ -
٠

قبض ٥٤ - ٥٦.
خاص ومشترك
ضمان الأجير الخاص:
٥٥ - اتفق الحنفية والشافعية والمالكية
والحنابلة على أنّ الأجير الخاص لا یضمن ما
بیده من مال المؤجر، بل یکون ما في يده أمانة
لا يضمنه إن تلف إلاّ بالتعدي أو التفريط،
لأنه نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما
یأمره به، فلم یضمن من غیر تعدٍ أو تقصير،
كالوكيل والمضارب (١).
ضمان الأجير المشترك :
٥٦ - اختلف الفقهاء في كون الأجير المشترك
ضامناً لما يكون تحت يده من أعيان المستأجر
على أربعة أقوال:
الأول: وهو التفريق بين ما تلف بفعل
الأجير المشترك وبين ما تلف بغير فعله،
بحيث إذا كان التلف بفعله فإنه يكون
ضامنا له، سواء أكان متعديا أم غير متعدّ،
قاصداً أم مخطئاً .
أما ما تلف بغير فعله، فلا يضمنه إن لم
يكن منه تعدّ أو تفريط، وهذا هو رأي
الحنابلة على الصحيح في المذهب،
(١) بدائع الصنائع ٤ / ٢١١، الفتاوى الهندية ٥٠٠/٤، روضة
الطالبين ٥ / ٢٢٨، نهاية المحتاج ٥/ ٣١١، الشرح الكبير
للدردير ٤ / ٢٨، جواهر الإكليل ٢ / ١٩١، المغني ٥ / ٤٨١،
شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٧٦ .
وقول أبي حنيفة (١).
وقد خالفه في ذلك الصاحبان أبو يوسف
ومحمد، وذهبا إلى تضمين الأجير المشترك
بالقبض مطلقاً، إلّ إذا وقع التلف بسبب لا
یمکنه الاحتراز عنه (٢).
والثاني: المالكية، وهو أنّ الأصل في يد
الأجير المشترك أنها يد أمانة، ولكن لمّا فسد
الناس وظهرت خيانة الأجراء ضمّن الصنّاع
وكلّ من تقتضي المصلحة العامة تضمينه من
الأجراء المشتركين حيث تقوم به التهمة (٣).
والثالث: للشافعية في الأظهر، وهو أنّ يد
الأجير المشترك يد أمانة (٤)
والرابع: قول لبعض الشافعية، وهو أنّ
العين تدخل في ضمان الأجير المشترك
بالقبض، فإن هلکت عنده وهو منفرد بالید،
ضمن هلاكها ولو لم يتعد أو يفرط، وذلك
لفساد الناس وخيانة الأجراء، أما إذا لم يكن
الأجیر منفرداً بالید فلا ضمان علیہ عندئذ،
لأن المال غير مسلّم إليه حقيقة (٥).
(١) تبيين الحقائق ٥ / ١٣٤ وما بعدها، ومجمع الأنهر والدر المنتقى
٢ / ٣٩١ وما بعدها، وكشاف القناع ٤ / ٢٦ وما بعدها.
والإنصاف للمرداوي ٦/ ٧٢ -٧٣.
(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٢١٠ وما بعدها، مجمع الضمانات
ص ٢٧ .
(٣) البهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٣.
(٤) روضة الطالبين ٥ / ٢٢٨ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٥٪
٣١٠ .
(٥) روضة الطالبين ٥ / ٢٢٨، والمهذب ١ / ٤١٥ .
- ٢٩٤ -

قَبْض ٥٦ - ٦١
والتفصيل في (إجارة ف ١٠٣ وما بعدها
(، ١٣٣، ١٣٤) ومصطلح (ضمان ف ٦٠ -
٦١) .
ثالثا : ضمان العارية :
٥٧ - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ العارية
مضمونة علی مالکها ما دامت في يده، فإن
هلكت كان هلاكها من ماله، أما إذا قبضها
المستعير، ففي انتقال ضمانها إليه بالقبض
تفصيل ينظر في مصطلح (ضمان ف ١٢)
ومصطلح (إعارة ف ١٥) .
رابعا: ضمان المرهون :
٥٨ - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المرهون
يكون في ضمان الراهن قبل أن يقبضه المرتهن
منه، لأنه ملكه وتحت يده، أما إذا قبضه
المرتهن، ففي انتقال ضمانه إليه تفصيل ينظر
في مصطلح (رهن ف ٨، ١٨) ومصطلح
(ضمان ف ٦٢ وما بعدها) .
خامسا: ضمان المهر المعيّن:
٥٩ - اختلف الفقهاء في اعتبار قبض الزوجة
لمهرها بعد تعیینه ناقلاً لضمانه من الزوج إلیھا
علی قولین:
أحدهما: المالكية والحنابلة، وهو أن
ضمان المهر المعيّن كالعبد والدار والماشية وما
شابه ذلك إذا كان محددا بذاته في عقد
النكاح الصحيح يكون على الزوجة قبل أن
تقبضه من الزوج وبعده، فلو هلك بغير
تعدیه أو تفريطه، کان هلاكه عليها بمجرد
العقد، وليس للقبض أي أثر في ذلك، لأنّ
الضمان من توابع الملك، وقد ملکته بالعقد.
والثاني: للحنفية والشافعية، وهو أن
ضمان المهر المعين يكون على الزوج قبل أن
يسلمه لزوجته، فإذا قبضته انتقل الضمان
إليها .
والتفصيل في مصطلح (ضمان ف ١٤٧)
ومصطلح (مهر) .
الأثر الثاني: التسلّط على التصرف:
٦٠ - اتفق الفقهاء على جواز التصرف في
الأعيان المملوكة بعد قبضها، لكنهم اختلفوا
في مشروعية التصرف فيها قبل قبضها، سواء
ملكت ببيع أو بغيره من الأسباب الموجبة
للملك، وقد فرّقوا في ذلك بين التصرف فيها
بالبيع وبين التصرف فيها بغيره من ضروب
التصرفات، وحاصل كلامهم في هذه القضية
ينحصر في ثلاث مسائل:
المسألة الأولي: بيع الأعيان المشتراة قبل
قبضها :
٦١ - اختلف الفقهاء في حكم بيع الأعيان
المشتراة قبل قبضها على ستة أقوال:
أحدها: لا يجوز بيع المشترى قبل قبضه
مطلقاً، مطعوماً كان أو غير مطعوم، عقاراً
- ٢٩٥ -

قَبْض ٦١
كان أو منقولاً، سواء بيع مقدّراً أو جزافا،
وبهذا قال جمهور الفقهاء من الشافعية
وبعض الحنابلة والثوري ومحمد بن الحسن
الشيباني وغيرهم (١) .
والقول الثاني: لا يجوز بيع المشترى قبل
قبضه، مطعوماً كان أو غير مطعوم، وسواء
بيع مقدّراً أم جزافاً، إلّ العقار الذي لا
يخشى هلاكه، فيجوز بيعه قبل قبضه، فإن
تصوّر هلاكه، بأن كان علواً أو على شطّ نهر
ونحو ذلك، لم يصح بيعه کسائر المنقولات،
وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وهو المفتى
به عند الحنفية (٢).
القول الثالث: يجوز بيع المشترى قبل
قبضه إن لم يكن مطعوماً، فإن كان مطعوماً
فلا يجوز بيعه قبل قبضه إذا كان فيه حقّ
توفیة ۔ من کیل أو وزن أو ذرع أو عدّ - سواء
أكان الطعام ربويا أم غير ربوي، أمّا ما
اشتراه جزافا - أي من غير معرفة قدره على
التحدید - فيجوز بيعه قبل قبضه، ولكن
بشرط تعجيل الثمن، كيلا يؤدي إلى بيع
- .
(١) مغني المحتاج ٢ / ٦٨، المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٦٤،
طرح التشريب ٦/ ١١٤، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد
وحاشية الصنعاني عليه ٤ / ٨٠ وما بعدها، معالم السنن
للخطابي ٣ / ١٣٥ (ط. الطباخ)، المغني ٤ / ١١٣، وبدائع
الفوائد ٣/ ٢٥٠ وما بعدها، ورد المحتار ٥ / ١٤٧، شرح
المجلة للأناسي ٢ / ١٧٣ .
(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٨٠، الدر المختار وحاشية ابن عابدين
عليه ٥ / ١٤٧ .
الدين بالدين، وهذا هو القول المشهور في
مذهب المالكية (١).
القول الرابع : يجوز بيع غير المطعوم قبل
قبضه، أما المطعوم فلا يجوز بيعه قبل قبضه
مطلقا، سواء اشتري جزافاً أو مقدّراً بكيل أو
وزن أو ذرع أو عدّ، وهو رواية عن مالك،
وبه أخذ بعض المالكية (٢).
القول الخامس: لا يجوز بيع ما اشتراه
مقدراً بکیل أو وزن أو ذرع أو عدّ قبل قبضه،
سواء كان مطعوماً أو غير مطعوم، فإن اشتري
بغير تقدير جاز بيعه قبل قبضه، وهذاهو
القول المشهور عن أحمد والمعتمد في مذهب
الحنابلة (٣) .
القول السادس: جواز البيع قبل القبض .
مطلقاً سواء أكان المبيع عقاراً أم منقولاً،
وسواء أكان مطعوماً أو غير مطعوم، وسواء
أكان فيه حقّ توفية أم لم يكن، وبهذا قال
عثمان البتي (٤) .
قال ابن عبد البر: هذا قول مردود بالسنة
٠
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٥١ وما بعدها،
المنتقى للباجي ٤ / ٢٧٩، ٢٨٠، ٢٨٣، كفاية الطالب
الرباني وحاشية العدوي عليه ٢ / ١١٨ وما بعدها.
(٢) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ١١٨.
(٣) كشاف القناع ٣ / ١٩٧ وما بعدها، المغني ٤ / ١٠٧، المحرر
١/ ٣٢٢.
(٤) العدّة للصنعاني على إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ٤ / ٨١
ط. السلفية بالقاهرة، والنووي على صحيح مسلم
١٠/ ١٧٠، والمغني لابن قدامة ٤ / ١١٣.
- ٢٩٦ -

قَبْض ٦١ - ٦٢
والحجة المجمعة على الطعام، وأظنّه لم يبلغه
هذا الحديث، ومثل هذا لا يلتفت إليه (١).
والتفصيل في مصطلح (بيع منهي عنه
ف ٤٢ إلى ف ٥٢).
المسألة الثانية: بيع الأعيان المملوكة بغير
الشراء قبل قبضها :
٦٢ - اختلف الفقهاء في حكم بيع ما ملك
بغير الشراء قبل قبضه على أقوال:
الأول: للحنفية، وهو أنّ كلّ عوض
ملك بعقد ینفسخ العقد بهلاكه قبل القبض
لا يجوز بيعه قبل قبضه، كالأجرة وبدل
الصلح إذا كان منقولا معيّناً، وكلّ عوض
ملك بعقد لا ینفسخ العقد بهلاكه قبل
القبض يجوز بيعه قبل قبضه، کالمهر وبدل
الخلع وبدل العتق وبدل الصلح عن دم
العمد .
والثاني: للمالكية، وهو أنّ العقود على
ضربين: معاوضة، وغير معاوضة.
فما ملك بعقدٍ ليس فيه معاوضة كالقرض
يجوز بيعه قبل قبضه مطلقاً، وما ملك بعقد
معاوضة، فإن ملك بما يختص بالمغابنة
والمکایسة، کالبيع ونحوه لا يجوز بيعه قبل
قبضه إن كان طعاماً فيه حقّ توفية، كي لا
يفضي إلى بيع العينة، وإن ملك بعقد يتردد
(١) المغني ٤ / ١١٣. وطرح التثريب ٦ / ١١٤.
بين قصد الرفق والمغابنة، فإن وقع على وجه
الرفق، يجوز بيعه قبل قبضه، وإن وقع على
وجه المغابنة، کان حكمه حكم ما يختص
بقصد المغابنة (١).
والثالث: للشافعية، وهو أنّ الأعيان
المستحقة للإِنسان عند غيره ضربان: أمانة
ومضمونة، فالأمانة يجوز للمالك بيعها قبل
قبضها، لأنّ ملكه فيها تام .
والمضمون نوعان :
(الأول) المضمون بالقيمة، ويسمى
ضمان اليد، فيصحّ بيعه قبل قبضه لتمام
الملك فیه .
(والثاني) المضمون بعوض في عقد
معاوضة، ویسمی ضمان العقد، فلايصحّ
بيعه قبل قبضه (٢) .
والرابع: للحنابلة، وهو أنّ کل عوض
ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض -
كأجرة معينة في إجارة، وعوض معيّن في
صلح ونحو ذلك - لايجوز بيعه قبل قبضه إذا
کان فیه حق توفيق من کیل أو وزن أو ذرع أو
عدّ، وكذا ما لا ينفسخ العقد بهلاكه -
کعوض خلع وعتق وکمهر ومصالح به عن
(١) المنتقى للباجي ٤ / ٢٨٠ وما بعدها، وبداية المجتهد
٢/ ١٢١.
(٢) المجموع شرح المهذب ٩/ ٢٦٥ وما بعدها، وروضة الطالبين
٣/ ٥٠٨ وما بعدها، وطرح التثريب ٦ / ١١٦.
- ٢٩٧ -

قَبْض ٦٢ - ٦٣
دم عمد وأرش جناية وقيمة متلَف - فإنه لا
يجوز بيعه قبل قبضه إذا احتاج لتوفية، وأما
ما ليس فيه حقّ توفیة فيجوز بيعه قبل
القبض، وكذا كلّ ما ملك بإرث أو وصية أو
غنيمة وتعیّن ملکه فیه، فإنه يجوز بيعه قبل
قبضه، لأنه غير مضمون بعقد معاوضة،
فملكه غير تامّ، ولا يتوهم غرر الفسخ فيه،
وأما ما كان قبضه شرطاً لصحة عقده، کرأس
مال السلم والبدلين في الصرف فلا يصحِ
بيعه ممن صار إليه قبل قبضه، لأنه لم يتم
الملك فیه، فأشبه التصرف في ملك غيره (١) .
المسألة الثالثة: التصرف بغير البيع في
الأعيان المشتراة قبل قبضها :
٦٣ - اختلف الفقهاء في حکم التصرف بغیر
البيع في الأعيان المشتراة قبل قبضها على
أربعة أقوال :
الأول: للحنفية وهو أنه يجوز التصرّف في
المبيع قبل قبضه بالهبة والصدقة والإِقراض
والرهن والإِعارة والوصية والعتق والتدبير
والاستيلاد والتزويج، أمّا إجارته فلا تجوز
مطلقا (٢)
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ١٨٩، ١٩٠، والمغني ٤ / ١١٤ وما
بعدها، وكشاف القناع ٣/ ٢٣٣ ط. الحكومة بمكة.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٥/ ١٤٧ وما بعدها،
وبدائع الصنائع ٥ / ١٨٠، وشرح المجلة للأناسي ٢ / ١٧٣
ومابعدها .
والثاني: المالكية، وهو أنه يجوز التصرف
في المبيع قبل قبضه بسائر التصرفات إن لم
يكن مطعوماً، أو كان مطعوماً ولكن ليس فيه
حقّ توفية من كيل أو وزن أو عدّ، أمّا الطعام
الذي یکون فیه حقّ توفیة، فلا يجوز التصرف
فيه بأي عقد من عقود المعاوضة قبل قبضه،
أمّا بغير المعاوضة، کهبة وصدقة وقرض
وشركة وتولية، فيجوز التصرف فيه قبل أن
يقبض (١) .
والثالث: للشافعية، وهو أنه لا يجوز
التصرف في المبيع قبل قبضه بأي نوع من
أنواع التصرفات، كالإِجارة والكتابة والهبة
والرهن والإِقراض، أو جعله صداقا أو أجرة أو
عوضاً في صلح أو رأس مال سلمٍ ونحوها،
وذلك لضعف الملك، إلّ العتق والتدبير
والاستيلاد والتزويج والقسمة والوقف،
فيجوز ذلك قبل القبض (٢).
والرابع: للحنابلة، وهو أنّ ما اشتري
من المقدرات بكيل أو وزن أو ذرع أو عدّ لا
يجوز التصرف فيه قبل قبضه بإجارةٍ ولا هبةٍ
ولا رهنٍ ولا حوالة، قياساً على بيعه، لأنه من
(١) الفروق للقرافي ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠، والمنتقى للباجي ٤ / ٢٨٢،
والقوانين الفقهية ص ٢٨٤ دار العلم للملايين.
(٢) المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٦٤ وما بعدها، ومغني المحتار
٢ /٦٩، وكفاية الأخيار ١ / ١٣٣، وروضة الطالبين ٣ / ٥٠٦
وما بعدها.
- ٢٩٨ -

قَبْض ٦٣ - ٦٦
ضمان بائعه، فلا يجوز فيه شيء من ذلك،
ولکن یصحّ عتقه وجعله مهراً وبدل خلع
وكذا الوصية به قبل أن يقبض، وذلك
لاغتفار الغرر في هذه التصرفات.
أما ما اشتري جزافاً من غير تقدير، فيجوز
التصرف فيه قبل قبضه مطلقاً بأي ضرب من
ضروب التصرفات، وذلك لحديث ابن عمر
رضي الله عنهما ((كنت أبيع الإِبل بالبقيع،
فأبیع بالدنانیر وآخذ الدراهم، وبالعكس،
فسألت رسول الله وَ له عن ذلك، فقال: لا
بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا
وبينكما شيء)) (١)، إلّ ما بيع بصفة أو رؤية
متقدمة، فلا يجوز التصرف فيه قبل قبضه،
قال البهوتي: لأنه تعلّق به حقّ توفية، فأشبه
المبيع بكيل ونحوه (٢).
الأثر الثالث: وجوب بذل العوض:
٦٤ - من الآثار الهامة لقبض أحد البدلين في
عقود المعاوضات وجوب بذل العوض المقابل
معجّلا من قبل القابض، حتى تترتب على
العقد ثمراته، وتتحقق مقاصده وغاياته، ما
لم يكن هناك اتفاق بين العاقدين على
تأخیره، فعندئذ لا يلزمه تعجيله، لرضا
(١) حديث ابن عمر: ((كنت أبيع ... )) تقدم تخريجه ف ١٣ .
(٢) كشاف القناع ٢٣٠/٣ ط. الحكومة بمكة المكرمة، وشرح
منتهى الإرادات ١٨٧/٢ - ١٨٩.
مستحقه بالتأجیل، وبيان ذلك فيما يأتي :
(أولا) في البيع :
٦٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ كلّ واحد
من العاقدين في البيع إذا قبض البدل الذي
استحقه بالعقد، يجب عليه بذل عوضه
للطرف الثاني دون تأخير، تنفيذا للعقد ووفاءً
بالالتزام، وحتى يتمكن كلّ واحد من
المتبايعين من الانتفاع بما ملكه بالعقد، إذ
الملك لم يثبت لذاته، وإنما ثبت وسيلة إلى
الانتفاع بالمملوك، ولا يتهيأ الانتفاع به إلّ
بقبضه ، تحقيقاً للمعادلة والمساواة التي
يقتضيها العقد وينبني عليها، وذلك ما لم
يكن هناك اتفاق بين العاقدين على تأجيل
البدل الآخر، فعندئذ لا يجب على قابض
البدل المعجل تسليم عوضه حتى يحلّ
أجله، لرضا الطرف الآخر بالتأجيل وتنزّه
عن حقه بالتعجيل .
والتفصيل في مصطلح: (بيع ف ٦١ -
٦٤)
٦٦ - ويستثني من ذلك عقد الصرف وبيع
الأموال الربوية التي تجمعها علة ربوية واحدة
ببعضها، فإنه لا يجوز للقابض تأخير تسليم
عوض ما قبضه، ولو رضي مستحقه بتأخيره،
لوجوب التقابض بين البدلين في مجلس العقد
لحق الشرع، إذ يترتب على تأخير أحدهما ولو
- ٢٩٩ -

قَبْض ٦٦ - ٦٨، قُبُل
بالتراضي ربا النَّساءِ (١).
(ثانيا) في الإِجارة:
٦٧ - ذهب الفقهاء على اختلاف مذاهبهم
إلى وجوب بذل العوض في عقد الإِجارة إذا
قبض العاقد بدله، ما لم يكن هناك اتفاق
بين العاقدين على تأجيل العوض، فيتّبع
الشرط ويراعى الاتفاق عنده (٢)، وإن كانت
·كيفية التسليم مختلفة بحسب نوع المنفعة
المعقود عليها (إجارة أعيان أو إجارة أعمال)،
وبما يتناسب مع طبيعة المنافع من كونها
أعراضاً تحدث شيئاً فشيئا، وأنا فآناً على
حدوث الأزمان .
والتفصيل في مصطلح (إجارة ف ٤٥ وما
بعدها)
(ثالثا) في الصّداق:
٦٨ - اتفق الفقهاء على أن الرجل إذا سلّم
زوجته مهرها المعجل، فإنه يجب عليها أن
تمكنه من نفسها إذا طلب ذلك منها .
أما إذا لم يدفع إليها مهرها المعجل، فهل
يكون للزوجة الحق في الامتناع عن تمكين
الزوج من نفسها حتى تقبضه؟ لقد فرق
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢١٥، ورد المحتار ٢٥٨/٥ ط. الحلبي،
وأحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٥٤، وروضة الطالبين
٣٧٩/٣، والأم ٣/ ٢٦ (بولاق)، وفتح العلي المالك ٢ /
١١٠، وكشاف القناع ٣/ ٢١٧، والمغني ٤ / ٥١ ط. دار
المنار، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٨٠.
(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٢٠٤ والمغني ٥ / ٤٠٦ وما بعدها.
الفقهاء في هذه الصورة بين حقها في ذلك
قبل الدخول بها، وبین حقها فيه بعده،
وبيان ذلك في مصطلح (مهر) .
قُبُل
جُمُ
انظر: فرج
רנוירי
- ٣٠٠ -