النص المفهرس
صفحات 181-200
فِطَام ٤ - ٦
.........
رضاعته ليست من المجاعة لأنه استغنى
بالطعام عن اللبن . (١)
ج - أثر الفطام في حضانة الأم:
٥ - اتفق الفقهاء على أن فطام الصبي لا
يخول نزعه من حضانة أمه عند الطلاق إذا لم
تحدث أسباب أخرى لتحويله منها إلى
غيرها، لما ورد في الخبر أن امرأة أتت رسول الله
** فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان
بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له
سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال:
((أنت أحق به ما لم تنكحي)). (٢)
قال القرطبي عند تفسير الآية الكريمة:
وَاُلْوَ لِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ: حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْنٍ﴾، (٣) الآية في المطلقات اللاتي لهن
أولاد من أزواجهن، فهن أحق برضاع
أولادهن من الأجنبیات، لأنهن أحنی وأرق،
وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها، وهذا
يدل على أن الولد وإن فطم فالأم أحق
بحضانته، لفضل حنوها وشفقتها، وإنما
تكون أحق بالحضانة إذا لم تتزوج. (٤)
(١) بداية المجتهد ٢٧/٢، ٢٨
(٢) حديث: ((أنت أحق به ما لم تنكحي)) أخرجه أبو داود
(٧٠٨/٢) والحاكم (٢٠٧/٢) من حديث عبد الله بن عمرو،
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
(٣) سورة البقرة/ ٢٣٣
(٤) رد المحتار ٦٤١/٢، وحاشية الدسوقي ٥٢٦/٢ وما بعدها،
ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٦ وما بعدها، وكشاف القناع ٤٩٦/٥ ، =
والتفصيل في مصطلح: (حضانة ف
١٠، ١٩ وما بعدها).
د - أثر الفطام في تنفيذ الحد على أم الفطيم:
٦- اتفق الفقهاء على وجوب تأخير الحد على
الحامل حتى تضع، فإذا وضعت ففيه
التفصيل التالي :
إن كان الحد رجما لم ترجم حتى تسقيه
اللبأ، (١)ثم إذا سقته اللبأ فإن كان له من
يرضعه أو تكفل أحد برضاعه رجمت، وإلا
ترکت حتی تفطمه، لیزول عنه الضرر.
وإن كان الحد جلداً فلا أثر للفطام فيه،
فتحد بعد انقطاع النفاس إذا كانت قوية
يؤمن معه تلفها، وإلا فالجمهور على أنه لا
يقام عليها الحد حتى تطهر وتقوى ليستوفى
الحد على وجه الكمال. (٢)
والأصل في ذلك حدیث الغامدية وقد ورد
فيه: ((فجاءت الغامدية، فقالت: يارسول
الله إنی قد زنيت فطهرني ، وأنه ردّها، فلما
كان الغد، قالت: يا رسول الله لم تردني؟
لعلك أن تردني كما رددت ماعزا، فوالله إني
لحبلى، قال: أما لا، فاذهبي حتى تلدي،
= ٥٠٠، وما بعدها، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦٠/٣
(١) اللبأ مهموز وزان عنب: أول اللبن عند الولادة. (المصباح
المنیر)
(٢) رد المحتار ١٤٨/٣ ومواهب الجليل ٢٩٦/٦، والقليوبي
١٨٣/٤، والمغني لابن قدامة ١٧١/٨ وما بعدها.
٠
- ١٨١ -
فِطَام ٦ ، فِطْرة ١
فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت:
هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى
تفطميه، فلما فطمته أتت بالصبي في يده
كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبى الله قد
فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبيّ إلى
رجل من المسلمين ثم أمر بها، فحفر لها إلى
صدرها، وأمر الناس فرجموها)). (١)
فِطْرة
التعريف :
١ - الفطرة لغة: من مادة فَطَر، وتأتي بمعنى
الشق، يقال: فطره: أي شقه، وتفطّر
الشيء انشق، وكذلك انفطر.
وتأتي بمعنى الخلق، يقال: فطر الله
الخلق، أي خلقهم وأنشأهم، والفطرة:
الابتداء والاختراع والخلقة، وفي التنزيل:
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِأَتَّخِذُ وَلِنَّا فَاطِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(١)
قال أبو الهيثم: الفطرة الخلقة التي يخلق
عليها المولود في بطن أمه (٢).
والفَطور- بفتح الفاء - هو ما يفطر عليه
الصائم، وبضم الفاء مصدر (٣)، والفِطرة
- بكسر الفاء جاءت بمعنى صدقة الفطر
أيضا، وأفطر الصائم: أي حان له أن يفطر
ودخل وقته، كما يقال أصبح وأمسى إذا دخل
في وقت الصباح والمساء، فالهمزة
(١) حديث الغامدية .
أخرجه مسلم (١٣٢٣/٣).
(١) سورة الأنعام / ١٤
(٢) لسان العرب
(٣) المصباح المنير
- ١٨٢ -
فِطْرة ١ - ٤
٠٠٠
للصيرورة (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الجبلَةُ
٢ - الجبِلَّةُ من جَبَل، تقول: جبل الله الخلق
يجبلهم، أي خلقهم، وجبله على الشيء:
طبعه عليه، وجبل فلان على هذا الأمر، أي
طبع عليه. (٢)
والصلة الترادف بين الفطرة والجبلة في
بعض معاني الفطرة.
ب - السّجية:
٣- السّجية الطبيعة والخلق. (٣)
والصلة بينهما أن السّجية ترادف الفطرة في
بعض معانيها .
خصال الفطرة :
٤- وردت أحاديث في بيان خصال الفطرة
منها :
ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت: قال رسول الله وَل: ((عشر من
الفطرة، قص الشارب وإعفاء اللحية
والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل
(١) القاموس المحيط والمصباح المنير ولسان العرب.
(٢) لسان العرب.
(٣) لسان العرب.
البراجم ونتف الإِبط وحلق العانة وانتقاص
الماء، قال زكرياء قال مصعب - أحد الرواة -:
ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة)). (١)
زاد قتيبة قال وكيع: انتقاص الماء يعني
الاستنجاء (٢).
وبما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي و سلم قال: ((الفطرة خمس أو خمس من
الفطرة - شك من الراوي -: الختان
والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإِبط
وقص الشارب)) (٣)
وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي
وفر أنه قال: ((الفطرة خمس: الاختتان
والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار
ونتف الإِبط)) (٤)
وقد روى البخاري الحديث السابق بهذا
اللفظ: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي وسلم أنه قال: ((الفطرة خمس، الختان
والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار
(١) حديث: ((عشر من الفطرة .. )) أخرجه مسلم (١ / ٢٢٣)
من حديث عائشة.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٤٧ الطبعة الثانية سنة
١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م
(٣) المصدر السابق ٣/ ١٤٦ وحديث ((الفطرة خمس .. )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٣٤)، ومسلم (١ / ٢٢١)
من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم .
(٤) المصدر السابق وحديث: ((الفطرة خمس: الاختتان .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٤٩)، ومسلم
(٢٢٢/١) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
- ١٨٣ -
فطرة ٤ - ٥
ونتف الآباط)) (١)
وقد وردت أحاديث الفطرة بألفاظ مختلفة
فجاءت بلفظ: ((عشر من الفطرة))، وبلفظ:
((خمس من الفطرة))، ونحو ذلك، وهذا لا
يراد به الحصر، وإنما يشار به إلى ما هو الظاهر
البين المحسوس منها، والذي يدركه کل
إنسان بطبعه، وهذا ما أشار إليه النووي
وبيّن أن الخصال غير منحصرة في العشرة،
والمراد من الحديث أن معظمها عشرة فهو
كقول الرسول ويتلقى: ((الحج عرفة)) (٢) وعضّد
قوله بالرواية التي تقول: ((خمس من
الفطرة ... )) (٣).
وذكر ابن حجر العسقلاني أن ابن العربي
قال: خصال الفطرة تبلغ ثلاثین خصلة،
وقد عقب على هذا القول فقال: فإن أراد
خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك،
وإن أراد أعم من ذلك فلا ينحصر في
الثلاثين بل يزيد كثيراً (٤)
فخصال الفطرة إذن كثيرة، منها: أمهات
الأخلاق، وكل ما هو برّ كبرّ الوالدين، وصلة
(١) حديث: ((الفطرة خمس .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري
٣٤٩/١٠)
(٢) حديث: ((الحج عرفة)) أخرجه الترمذي (٢٢٨/٣)، والحاكم
(٢٧٨/٢) من حديث عبد الرحمن بن يعمر وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) المجموع شرح المهذب ٢٨٤/١، ٢٨٥ نشر المكتبة السلفية
بالمدينة المنورة .
(٤) فتح الباري شرح البخاري ٤٥٦/١٢ ط مطبعة مصطفى
البابي الحلبي سنة ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩م.
الرحم، وأداء حقوق الجار، ومعاونة المحتاج
ماديا ومعنويا، وإكرام الضيف، والصدق في
القول والعمل، والوفاء بالوعد وبالعهد، وغيرها
من الخصال الحميدة.
أحكام خصال الفطرة :
أ - فطرة الدين :
٥ - أودع الله سبحانه وتعالى كل واحد من
البشر عند خلقه وولادته فطرة سليمة يمكن
أن توجهه إلى طريق الهداية، وتصل به إلى
سبيل الرشاد، وذلك إن لم تشبها الشوائب،
ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى
عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما من مولود
إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه
أويمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (١)
هل تحسون فيها من جدعاء)) (٢)
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى:
فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَهَا﴾ (٣) قال طائفة من أهل
الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق
الله عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال،
کل مولود يولد على خلقة یعرف بها ربه إذا بلغ
(١) أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها.
(٢) الجدعاء، هي التي قطعت أذنها. وحديث: ((ما من مولود"
يولد إلا يولد على الفطرة» أخرجه البخاري (فتح الباري
٥١٢/٨) ومسلم (٢٠٤٧/٤) من حديث أبي هريرة.
(٣) سورة الروم / ٣٠
- ١٨٤ -
٠
فِطْرة ٥ - ٩
مبلغ المعرفة (١)
وجاء في شرح العقيدة الطحاوية: يظهر
لكل عاقل أن لهذا الوجود خالقا، وإنما ذلك
بالفطرة التي فطر الناس عليها (٢)
ب - قص الشارب:
٦- لا خلاف في سنیة قص الشارب (٣) بدلیل
ما سبق من الأحادیث، ولما رواه زید بن أرقم
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((من
لم يأخذ من شاربه فليس منا)) (٤)
وضابط قص الشارب مختلف فيه،
والتفصيل في مصطلح (شارب ف ١٠ - ١٤)
ج - إعفاء اللحية :
٧- إعفاء اللحية من خصال الفطرة للحديث
السابق، وقد اختلف الفقهاء في مفهوم
الإِعفاء .. والتفصيل في مصطلح: ((لحية)).
د - السواك:
٨- السواك يأتي بمعنى الفعل وهو الاستياك،
وبمعنى الآلة التي يستاك بها التي يقال لها
المسواك بكسر الميم، والسواك مشتق من
ساك الشيء إذا دلكه (٥) والسواك سنة عند
(١) تفسير القرطبي ١٤ /٢٩ - الناشر دار الكتاب العربي للطباعة
والنشر بالقاهرة
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٢١٢ نشر دار الكتاب العربي
(٣) المجموع للنووي ٢٨٧/١
(٤) حديث: ((من لم يأخذ من شاربه فليس منا)) أخرجه الترمذي
(٩٣/٥) وقال: (حديث حسن صحيح))
(٥) المجموع ٢٧٠/١
الشافعية والحنفية والحنابلة. (١) بدليل ما
روت عائشة رضي الله عنها أن النبي وَ ﴾
قال: ((السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب)) (٢)
ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((لولا أن أشق
على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)).
وفي رواية: مع كل وضوء (٣)
والتفصيل في مصطلح: ((استياك ف ٤
وما بعدها)»
هـ - غسل البراجم:
٩- البراجم هي رءوس السلاميات في ظهر
الكف (٤) وغسل البراجم متفق على
استحبابه، وهوسنة مستقلة غير مخصصة
بالوضوء، وألحق الغزالي بها إزالة ما يجتمع من
الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فيزيله
بالمسح (٥) وقال الغزالي: كانت العرب لا
تغسل اليد عقب الطعام فيجتمع في تلك
الغضوف وسخ، فأمر بغسلها (٦)
(١) المجموع ٢٧٠/١ - ٢٧١،. فتح القدير لابن الهمام
١٥/١، ١٦ طبعة بولاق، بدائع الصنائع للكاساني
١٢٤/١، الناشر زكريا علي يوسف، مطبعة العاصمة
بالقاهرة، والمغني ٩٦/١
(٢) حديث: ((السواك مطهرة للفم .. )) أخرجه النسائي (١ /
١٠) وصححه النووي في المجموع (١ / ٢٦٧)
(٣) حديث: ((لولا أن أشق على أمتى ... ))
أخرجه مسلم (٢٢٠/١) والرواية الأخرى أخرجها ابن خزيمة (٧٣/١)
(٤) المصباح المنير
(٥) المجموع ٢٨٨/١
(٦) فتح الباري ١٢ /٤٥٧
- ١٨٥ -
:
فِطْرة ١٠ - ١٣
و- نتف الإبط:
١٠ - نتف الإِبط متفق على سنيته، والتوقيت
فيه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال،
والسنة نتفه، فلو حلقه جاز، قال الغزالي:
المستحب نتفه وذلك سهل لمن تعوده، فإن
حلقه جاز، لأن المقصود النظافة وعدم اجتماع
الوساخة فيه، إذ يحصل بسببه رائحة
کریهة (١)
وقال ابن قدامة، النتف سنة، لأنه من
الفطرة، ويفحش تركه، ويجوز إزالته بالحلق
والنورة غير أن نتفه أفضل لموافقته الخبر (٢)
وأفضلية النتف هي ما صرح به
الحنفية أيضا (٣)
ز- الختان :
١١- اختلف الفقهاء في حكم الختان:
فذهب الحنفية والمالكية وهو رواية عن
أحمد إلى أن الختان سنة في حق الرجال، وأما
في النساء فذهب المالكية إلى أنه مندوب،
وذهب الحنفية والحنابلة في رواية إلى أنه
مكرمة .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه واجب
على الرجال والنساء.
(١) المجموع ٢٨٨/١، ٢٨٩
(٢) المغني ٨٧/١
(٣) الاختيار ١٢١/٣
والتفصيل في مصطلح: ((ختان ف ٢ وما
بعدها)»
ح - تقليم الأظفار:
١٢- تقليم الأظفار سنة إجماعا سواء فيه
الرجل والمرأة وسواء فيه اليدان والرجلان،
ويستحب أن يبدأ باليد اليمنى ثم اليسرى
ثم الرجل اليمنى ثم اليسرى.
أما التوقيت في التقليم فالاعتبار بالطول،
فمتى طالت الأظفار يتم تقليمها ، ويختلف
باختلاف الأشخاص والأحوال كما هو
الضابط في قص الشارب ونتف الإبط وحلق
العانة (١)
والتفصيل في مصطلح: ((أظفار ف ٢ وما
بعدها)»
ط ـ حلق العانة :
١٣- حلق شعر العانة متفق على سنيته، وفي
وجوبه على الزوجة إذا أمرها الزوج بالحلق
عند الشافعية قولان: أصحهما الوجوب ،
هذا إذا لم یفحش بحیث ینفر الزوج ويؤثر
على الرغبة في المخالطة ويقلل التوقان، أما
إذا نفر الزوج فيجب عليها الحلق قطعا.
وعلى المرء أن يحلق عانته بنفسه ويحرم
(١) المجموع ٢٨٥/١، والمنتقى ٢٣٢/٧، والمغني ٨٧/١،
الاختیار ١٢١/٣
- ١٨٦ -
فِطْرة ١٣ - ١٥
إسناد القيام به إلى غيره لأنه إظهار للعورة
الغليظة وهو لا يجوز، ولكن يجوز أن تتولى
الحلق زوجته التي يباح لها النظر إلى عورته مع
الكراهة. (١)
والتفصيل في مصطلح: ((عانة ف ٢ وما
بعدها)»
ى - المضمضة والاستنشاق:
١٤- في المضمضة والاستنشاق أربعة آراء
وهي :
أ۔ أنهما سنتان في الوضوء والغسل، وهو ما
يراه المالكية والشافعية، وحكاه ابن المنذر عن
الحسن البصري والزهري والحكم وقتادة
وربيعة ويحيى الأنصاري والأوزاعي والليث،
وهو رواية عن عطاء.
ب - أنهما واجبان في الوضوء والغسل،
وهو المشهور في مذهب الحنابلة، وبه قال ابن
أبي لیلی وحماد وإسحاق، کما روي عن ابن
المبارك وعطاء .
ج - أنهما واجبان في الغسل سنتان في
الوضوء، وهو قول الحنفية وسفيان الثوري .
د - الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل
أما المضمضة فسنة، وهو مذهب أبي ثور وأبي
عبيد وداود وابن المنذر. (٢)
(١) المجموع ٢٨٩/١، المغني ٨٦/١، الاختيار ١٢١/٣
(٢) تبيين الحقائق ١ / ١٠، والمجموع ٣٦٢/١، المغني
١١٨/١، وجواهر الإكليل ٢٢،١٤/١
والتفصيل في مصطلح: (مضمضة) .
ك - الفطرة بمعنى زكاة الفطر:
١٥- أضاف الفقهاء إلى لفظ الفطرة لفظ
الزكاة التي تجب بالفطر من رمضان لأنه سبب
وجوبها، وقيل لها فطرة كأنها من الفطرة التي
هي الخلقة، قال النووي: يقال للمخرج
فطرة. (١)
(١) مغني المحتاج ٤٠١/١، وكشاف القناع ٢٤٥/٢
- ١٨٧ -
:
فعل الرسول ١ - ٤
فعل الرسول
التعريف :
١ - المصطلح مركب من لفظين تركيب
إضافة: فعل، والرسول .
والفعل بالكسر في اللغة: حركة
الإِنسان، وهو كناية عن عمل، يقال: فعل
الشيء وبه يفعله، عمله .
ولا يخرج التعريف الاصطلاحي عن
ذلك.
والرسول في اللغة: هو الذي أمره المرسل
بأداء الرسالة بالتسليم أو القبض، والذي
یتابع أخبار الذي بعثه، ويأتي بمعنى
الرسالة، يُذكّرُ ويؤّث، ويطلق على المفرد
والمثنى والجمع (١)، قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا
فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّارَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ (٢).
ومن معاني الرسول في الاصطلاح:
الواحد من رسل الله، والرسول من البشر
هو: ذكر حر أوحى الله إليه بشرع وأمره
(١) لسان العرب، ومتن اللغة، وتاج العروس.
(٢) سورة الشعراء / ١٦ .
بتبليغه (ر: رسول ف ١) .
وإذا ورد هذا اللفظ المركب عند الفقهاء
مطلقا بلا قرينة يقصد به: مانقل إلينا من
أفعال الرسول محمد وَلقه خاصة .
الألفاظ ذات الصلة :
أ۔ قول الرسول:
٢ - هو ماتلفظ به الرسول، وإذا ورد هذا
اللفظ مطلقا عن القرينة أو أضيف إلى
رسول الله محمد وَلي، فهو مانقل إلينا من
أقواله وَله .
والصلة بينهما أن كليهما فيه إعراب عن
المراد، وكلاهما من أقسام السنة، إذا أضيف
إلى الرسول وَلي .
ب- تقرير الرسول:
٣ - تقریر الرسول هو مافعله غيره بحضرته أو
عَلمه فأقرّه علیه، بأن سكت عنه، أو ظهرت
منه علامة الرضی به، وهو عند الإطلاق عن
القرينة أو إضافته إلى الله تعالى يصرف إلى
تقرير الرسول محمد زيلي .
والصلة بين فعل الرسول وقوله وتقریره أنها
جميعاً من السنة إذا أضيفت إلى الرسول محمد
. 醬
الأحكام المتعلقة بفعل رسول الله يلي:
أنواع أفعال الرسول ولايته:
٤ - عَني علماء الأصول بأفعال الرسول عليه
- ١٨٨ -
فعل الرسول ٤ - ٥
الصلاة والسلام عنایتهم بأقواله، فتكلموا في
دلالتها على الأحكام، وما يتعلق بها في
التأسي بأفعاله، وتخصيص العام، وتقیید
المطلق، وبيان المجمل، والنسخ، وغير
ذلك .
وأفعال الرسول عليه الصلاة والسلام:
ثلاثة أنواع:
أولاً: جبلّيّ، كالأكل، والشرب، والنوم،
واللبس، وماشاكل ذلك .
ثانياً: قُرَبٌ، كالصلاة، والصوم،
والصدقة .
ثالثاً: معاملاتٌ، كالبيع، والزواج .
فالأفعال الجبِّية لا يقتضي فعله لها أكثر
من إباحتها اتفاقا .
أما غيرها، فإن ثبتت خصوصیته بها
بدلیل، کانت خاصة به، وليست أمته مثله
فيها، كمواصلة الصوم، والزواج بأكثر من
أربع .
وإن لم تكن أفعاله مختصة به، فإن تبیّن
أنها بيان لمجمل، أو تقييد لمطلق، أو
تخصیص لعام، کان حكمها حكمه،
وماسوى ذلك فإن عرفت صفته من وجوب،
أو ندب، أو إباحة، فإنّ أمّته في ذلك مثله،
لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرجعون
إلى فعله، احتجاجاً واقتداء، لقوله تعالى:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ
حَسَنَةٌ﴾ (١)، والتأسي: أن تفعل مثل
مايفعله على الوجه الذي فعله .
أما الفعل المجرّد من القرائن الدالة على
وقوعه منه على الوجه المذكور، فقد اختلف
فيما يتعلق بها من أحكام علينا اختلافا
طويلا، فمن قائل بالوجوب علينا، ومن
قائل بالندب، ومن قائل بالإِباحة، ومن قائل
بالتوقف (٢).
وتفصيل ذلك في الملحق الأصولي .
تخصيص العام بفعل الرسول ويلات :
٥ - ذهب الجمهور إلى تخصيص العام بفعل
الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال الغزالي
من الشافعية: هذا إذا قلنا إنها على
الوجوب، أو الندب، أما إذا قلنا بالتوقف،
فلا يتصور التخصيص، لأنها غير دالّة على
شيء، وقال الكرخي وغيره من الحنفية بالمنع
إذا فعله مرة ، لاحتمال أنه من خصائصه،
أما إذا تكرر، فإنه يخصص به العام
بالإِجماع(٣) .
(١) سورة الأحزاب / ٢١ .
(٢) الفصول من الأصول ٢١٥/٣ ومابعدها، وحاشية البناني
٩٦/٢ ومابعدها، والتحصيل من المحصول تحقيق محبي الدين
عبد الحميد ٤٣٦/١ وما بعدها والمستصفى للغزالي ٢١٤/٢
وما بعدها .
(٣) البحر المحيط ٣٨٧/٣ - ٣٨٩، وحاشية البناني على شرح
المحلي على متن جمع الجوامع ٣١/٢، والمستصفى للغزالي
١٠٦/٢ - ١٠٧.
- ١٨٩ -
فعل الرسول ٦ - ٧
بيان المجمل بفعل الرسول عليه الصلاة
والسلام:
٦ - اختلف علماء الأصول في وقوع بيان
المجمل، بفعل الرسول وَلغيره، فذهب
الجمهور إلى أنه یقع بيانا له، ومنعه إسحاق
المروزي من الشافعية، والكرخي من
الحنفية .
وفي المحصول: لا يعلم کون الفعل بیانا
لمجمل إلا بأحد أمور ثلاثة :
أولاً - أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده
. 醬
ثانياً - أو بالدليل اللفظي: كقوله مثلا: هذا
بيان لهذا المجمل .
ثالثا - أو بالدليل العقلي: بأن يذكر المجمل
وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل فعلا
يصلح أن يكون بیانا له .
وقال صاحب الكبريت الأحمر: الصحيح
عندي : أن الفعل يصلح بيانا بشرط انضمام
بیان قولي إلیه، کما روي عنه ێ أنه صلّ ثم
قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (١) فصار
بيانا لقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾(٢)،
واشتغل بأفعال الحج ثم قال: ((خذوا عني
(١) حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١١/٢) من حديث مالك بن
الحويرث .
(٢) سورة البقرة / ٤٣.
مناسككم)) (١)، أما الفعل المجرّد فلا يصلح
للبیان، لأنه بذاته ساکت عن جميع الجهات
فلا تتعين واحدة إلا بدليل، قال: اللهم إلا
إذا تكرر الفعل عنده فیحصل به البيان(٢) .
ورود قول وفعل بعد المجمل :
٧ - إذا ورد قول وفعل بعد المجمل، وكلاهما
صالح لبيانه، فإن اتفقا في الحكم وعلم سبق
أحدهما فھو المبیِّن ۔ قولا کان أو فعلا - والثاني
تأکید له، وإن لم يعلم فلا يقضى على واحد
منهما بأنه المبيِّن بعينه، بل يقضى بحصول
البيان بواحد لم يطلع عليه، وهو الأول في
الواقع ونفس الأمر، والثاني تأكيد، وإن
اختلفا فالمختار عند الجمهور أن المبيِّ هو
القول، سواء كان متقدما على الفعل أم
متأخرا عنه، كأمره عليه الصلاة والسلام
القارن بعد تشريع الحج أن يطوف طوافا
واحداً (٣)، وروي أنه عليه الصلاة والسلام
قرن فطاف لهما طوافين (٤)، ويحمل الفعل
(١) حديث: ((خذوا عني مناسككم)).
أخرجه مسلم (٩٤٣/٢)، والبيهقي (١٢٥/٥) من حديث
جابر واللفظ للبيهقي .
(٢) البحر المحيط ٤٨٦/٣ وما بعده، والتحصيل من المحصول
٤١٩/١ .
(٣) حديث: ((أمره القارن أن يطوف طوافاً واحداً)).
أخرجه الترمذي (٢٧٥/٣) من حديث ابن عمر، وقال:
حديث حسن صحيح غريب .
(٤) حديث: ((أنه قرن فطاف لهما طوافين)).
أخرجه الدارقطني (٢٥٨/٢) من حديث ابن عمر، ثم ذكر أن ..
في إسناده راوياً متروكاً .
- ١٩٠ -
فعل الرسول ٧ - ٨، فُقَّاع، فقد، فَقْد الطَّهورَين ١ - ٢
على الندب، لأن دلالة القول على البيان
بنفسه، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل إلا
بواسطة انضمام القول إليه (١).
والتفصيل في المحلق الأصولي .
تعارض فعلین :
٨ - إذا حصل من الرسول و 8* فعلان
مختلفان، كأن صام يوم السبت مثلا، ثم
أفطر في سبت آخر، فلا یقال بتعارض هذین
الفعلين، لأنه لا عموم للأفعال، أما إذا
اقترن بالفعل الأول مايدل على حكمه من
وجوب أو ندب، وتکرر سبب الوجوب أو
الندب، فالثاني من الفعلين ناسخ لما استفيد
من حكم الفعل الأول (٢).
والتفصيل في الملحق الأصولي .
فُقَّاع
انظر: أشربة
فقد
انظر: مفقود
(١) البحر المحيط ٤٨٨/٣، والتحصيل من المحصول ١ /٤١٩.
(٢) المصادر السابقة .
فَقْد الطَّهورَين
التعريف :
١ - الفقد في اللغة: مصدر فقد الشيء
يفقده فقداً وفِقْدانا وفُقودا أي عَدِمه (١)،
والطَّهور في اللغة كل ماء نظيف، قال
ثعلب: الطهور هو الطاهر في نفسه المطهّر
لغيره، وقال الأزهري: الطهور في اللغة هو
الطاهر المطهِّر، وقال الزمخشري: الطهور
البليغ في الطهارة .
والماء الطَّهُور بالفتح: هو الذي يرفع
الحدث ويُزيل النجس (٢).
والطهوران في الاصطلاح: الماء
والتراب (٣).
الحكم الإجمالي :
٢ - اختلف الفقهاء في حكم من فقد
الطهورين: الماء والتراب، في حق الصلاة
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمطلع على أبواب المقنع
ص ٦ .
(٣) الدر المختار ١٦٨/١.
- ١٩١ -
فَقْد الطَّهورین ٢
كالمحبوس في مكان قذر لا يجد صعيداً طيباً
ولا ماء يتوضأ منه، ومقطوع الیدین الذي لم
يجد من ييممه أو يوضئه، والمصلوب .
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجب
على فاقد الطهورين أن يصلي الفرض فقط،.
لقول النبي وقال: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه
مااستطعتم)) (١)، ولحرمة الوقت، ولأن
العجز في الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما
لو عجز عن ستر العورة أو استقبال القبلة .
ولا يصلى النافلة حينئذ، إذ لا ضرورة
إليها، وإنما أبيح له الفرض لداعي الضرورة
إليه قال الشربيني الخطيب: وهذه الصلاة
توصف بالصحة، ولهذا قال في المجموع:
تبطل بالحدث والكلام ونحوهما، وبهذا صرح
الحنابلة أيضاً .
وقال الشافعية: والظاهر أنه لا يجوز له أن
يصلي إذا كان يرجو أحد الطهورين حتى
يضيق الوقت، كما قال الأذرعي .
ويعيد الصلاة عند الشافعية إذا وجد أحد
الطهورین بعد ذلك، لأن هذا العذر نادر ولا
دوام له .
وما سبق هو قول الشافعي في الجدید،
ومقابله أقوال .
(١) حديث: ((إذا أمرتكم بشيء ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٥١/١٣)، ومسلم (٢ / ٩٧٥)
من حديث أبي هريرة .
أحدها : تجب الضلاة بلا إعادة، وهو
مذهب المزني، واختاره النووي في المجموع،
قال: لأنه أدى وظيفة الوقت، وإنما يجب
القضاء بأمر جدید .
ثانيها: يندب له الفعل وتجب الإِعادة .
ثالثها: يندب له الفعل ولا إعادة .
رابعها: يحرم عليه فعلها .
وذهب الحنابلة إلى أنه لا إعادة علیه، لما
روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها
استعارت من أسماء قلادة فضلّتها، فبعث
رسول الله ﴿ رجالا في طلبها، فوجدوها،
فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء، فصلوا
بغير وضوء، فشكوا إلى النبي ◌َّ﴾، فأنزل الله
آية التيمم (١)، ولم يأمرهم بالإِعادة، ولأنه
أحد شروط الصلاة، فسقط عند العجز
كسائر شروطها، ونص الشافعية على أن فاقد
الطهورين الذي به حدث أكبر لا يقرأ في
الصلاة غير الفاتحة، قال الشربيني الخطيب:
لا يقرأ من به حدث أكبر في الصلاة غير
الفاتحة عند النووي، ويمنع من قراءتها عند
الرافعي .
وقال الحنابلة: لا يزيد على مايجزىء في
الصلاة من قراءة وغيرها، فلا يقرأ زائدا على
(١) حديث: ((نزول آية التيمم)).
أخرجه البخاري (١٠٦/٧) من حديث عائشة .
- ١٩٢ -
فَقْد الطُّھورین ٢، فِقه ١ - ٢
الفاتحة، ولا یسبح أكثر من مرة، ولا یزید
على مايجزىء في طمأنينة ركوع، أو سجود،
أو جلوس بين السجدتين .
وذهب الحنفية إلى أنه يجب عليه أن يتشبه
بالمصلین احتراما للوقت، فیرکی ویسجد إن
وجد مكانا یابسا، وإلا فیومیء قائماً، ويعيد
الصلاة بعد ذلك، وصرحوا بأنه لا يقرأ،
سواء كان حدثه أصغر أم أكبر، قال ابن
عابدين: وظاهره أنه لا ينوي أيضاً، لأنه
تشبه بالمصلي وليس بصلاة .
وهذا قول أبي حنيفة المرجوع إليه، وهو
قول الصاحبين، قال التمرتاشي: به يفتى
وإليه صح رجوعه .
وقول أبي حنيفة المرجوع عنه أنه يؤخرها .
وذهب المالكية إلى سقوط الصلاة عن
فاقد الطهورين، فلا يجب عليه أداؤها في
الوقت، ولا قضاؤها في المستقبل إذا وجد الماء
أو التراب، قال الدسوقي: وإنما سقط عنه
الأداء والقضاء، لأن وجود الماء والصعيد شرط
في وجوب أدائها، وقد عدم، وشرط وجوب
القضاء تعلق الأداء بالقاضي، وهذا قول
مالك، وقال أصبغ : يقضي ولا يؤدي، وقال
أشهب: يجب الأداء فقط، وقال ابن
القاسم: يجب الأداء والقضاء احتياطاً (١).
(١) حاشية ابن عابدين ١٦٨/١، وحاشية الدسوقي على الشرح
الكبير ١٦٢/١، ومغني المحتاج ١٠٥/١، وكشاف القناع
١٧١/١ .
فِقه
التعريف :
١ - الفقه في اللغة: العلم بالشيء والفهم
له، والفطنة فيه، وغلب على عِلْم الدين
لشرفه (١)، قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَشُعَيْبُ
مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ (٢)، وقيل: هو عبارة
عن كل معلوم تيقنه العالم عن فكر(٣).
وفي الاصطلاح هو: العلم بالأحكام
الشرعية العملية المكتسب من أدلتها
التفصيلية (٤).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الشريعة:
٢ - الشريعة والشرعة في اللغة: مورد الماء
للاستسقاء، سمي بذلك لوضوحه وظهوره،
والشرع مصدر شرع بمعنى: وضح وظهر،
وتجمع على شرائع، ثم غلب استعمال هذه
(١) القاموس المحيط.
(٢) سورة هود / ٩١ .
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والبحر المحيط ١٩/١.
(٤) البحر المحيط للزركشي ٢١/١.
- ١٩٣ -
..... "
فقه ٢ - ٤
الألفاظ في الدّين وجميع أحكامه، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ
فَأَتَِّعْهَا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا
مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَّأَ﴾ (٢).
وفي الاصطلاح: هي مانزل به الوحي
على رسول الله ويلي من الأحكام في الكتاب أو
السنة مما يتعلق بالعقائد والوجدانيات وأفعال
المكلفين قطعيا كان أو ظنيا (٣).
وبين الشريعة والفقه عموم وخصوص من
وجه، يجتمعان في الأحكام العملية التي
وردت بالكتاب أو بالسنة أو ثبتت بإجماع
الأمة، وتنفرد الشريعة في أحكام العقائد،
وينفرد الفقه في الأحكام الاجتهادية التي لم يرد
فيها نصّ من الكتاب أو السنة ولم يجمع عليه
أهل الإجماع .
ب - أصول الفقه :
٣ - أصول الفقه: أدلته الدالة عليه من
حيث الجملة، لا من حيث
التفصيل (٤) .
والصلة بين الفقه وأصول الفقه أن الفقه
يُعْنى بالأدلة التفصيلية لاستنباط الأحكام
العملية منها، أما أصول الفقه فموضوعه
(١) سورة الجاثية /١٨ ..
(٢) سورة المائدة/٤٨ .
(٣) التوضيح على التنقيح ٦٩/١، ونهاية المحتاج ٣٢/١.
(٤) روضة الناظر لابن قدامة ٢٠/١ - ٢١.
الأدلة الإِجمالية من حيث وجوه دلالتها على
الأحكام الشرعية .
الحكم التكليفي:
٤ - تعلم الفقه قد يكون فرض عين على
المكلف كتعلمه مالا يتأدى الواجب الذي
تعين عليه فعله إلا به، ككيفية الوضوء
والصلاة، والصوم ونحو ذلك، وعليه حمل
بعضهم الحديث المروي عن أنس رضي الله
عنه عن النبي ◌َّ: ((طلب العلم فريضة
على كل مسلم)) (١) ولا يلزم الإِنسان تعلّم
كيفية الوضوء والصلاة ونحوهما إلا بعد
وجوب ذلك عليه. فإن كان لو أخر إلى
دخول الوقت لم يتمكن من تمام تعلمها مع
الفعل في الوقت، فالصحيح عند الشافعية
أنه يلزمه تقديم التعلّم عن وقت الوجوب،
كما يلزم السعي إلى الجمعة لمن بعُدَ منزله قبل
الوقت (٢) لأن مالايتم الواجب إلا به فهو
واجب، ثم إذا كان الواجب على الفور كان
تعلّم الكيفية على الفور، وإن كان على
التراخي كالحج فتعلم الكيفية على التراخي،
(١) حديث: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)).
أخرجه ابن ماجه (٨١/١) من حديث أنس بن مالك بإسناد
ضعيف، وذكر السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٢٧٥ -
٢٧٦) طرقاً أخرى وشواهد عن جماعة من الصحابة، ونقل عن
المزي أنه حسنه، وعن العراقي أنه قال: صحح بعض الأئمة
بعض طرقه .
(٢) المجموع للنووي ١ / ٢٤ - ٢٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٦ وما بعدها
- ١٩٤ -
فقه ٤ - ٧
ثم مايجب وجوب عين من ذلك كله هو
مايتوقف أداء الواجب عليه غالباً، دون
ما يطرأ نادراً، فإن حدث النادر وجب التعلم
حينئذ، أما البيوع والنكاح وسائر المعاملات
مما لا يجب أصله فیتعین علی من یرید شیئا من
ذلك تعلم أحكامه ليحترز عن الشبهات
والمكروهات، وكذا كل أهل الحرف، فكل
من يمارس عملا يجب عليه تعلم الأحكام
المتعلقة به ليمتنع عن الحرام .
وقد یکون تعلم الفقه فرض كفاية، وهو
مالابد للناس منه في إقامة دينهم، كحفظ
القرآن والأحاديث وعلومهما ونحو ذلك .
وقد یکون تعلم الفقه نافلة، وهو التبحر
في أصول الأدلة والإِمعان فيما وراء القدر
الذي يحصل به فرض الكفاية، وتعلم
العامي نوافل العبادات لغرض العمل، لا
ما يقوم به العلماء من تمييز الفرض من النفل،
فإن ذلك فرض كفاية في حقهم (١).
فضل الفقه :
٥ - وردت آيات وأحاديث في فضل الفقه
والحثّ على تحصیله، ومن ذلك قول الله
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْكَافَّةٌ
فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَابِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِىِ
(١) المجموع للنووي ٢٤/١ - ٢٥، وحاشية ابن عابدين ٢٩/١.
الدِّينِ وَلِيُنذِرُ واْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَتَّهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ﴾ (١). فقد جعل ولاية الإِنذار
والدعوة للفقهاء، وهي وظيفة الأنبياء عليهم
السلام، وقال النبي ◌ِّ: ((من يُرِدِ اللهُ به
خيرا يُفَقِّهْهُ في الدين)) (٢).
موضوع الفقه :
٦ - موضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين
من العباد، فيُبْحَثُ فيه عما يعرض لأفعالهم
من حلّ وحرمة، ووجوب وندب وكراهة (٣).
نشأة الفقه وتطوره :
٧ - نشأ الفقه الإِسلامي بنشأة الدعوة وبدء
الرسالة، ومر بأطوار كثيرة ولكنها غير متميزة
من حيث الزمن تميزاً دقيقا، إلا الطور الأول
وهو عصر النبوة، فإنه متمیز عما بعده بكل
دقة بانتقال النبي نَّه إلى الرفيق الأعلى.
وكان مصدر الفقه في هذا الطور الوحي،
بما جاء به القرآن الكريم من أحكام، أو بما
اجتهد فيه النبي وَلّ من أحكام كان الوحي
أساسها، أو كان يتابعها بالتسديد، وكذلك
(١) سورة التوبة / ٢٢ .
(٢) المجموع ١٨/١، نهاية المحتاج ٦/١، المبسوط ٢/١، بدائع
الصنائع ١/١ ٠
وحديث: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٦٤/١) ومسلم (٧١٩/٢) من
حديث معاوية بن أبي سفيان .
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٦/١ - ٢٧، وتخريج الفروع على الأصول
ص١ .
- ١٩٥ -
فقه ٧ - ٩
كان اجتهاد أصحاب النبي ◌َّ في حياته
مردّه إلى النبي وَله يقره أو ينكره .. وعلى
ذلك كان الوحي مصدر التشريع في ذلك
العصر .
ثم تتابعت بعد وفاة النبي ◌َلو أطوار
متعددة ينظر تفصيلها في ف ١٣ ومابعدها
من مقدمة الجزء الأول من الموسوعة الفقهية .
الاختلاف في أحكام الفروع الفقهية
وأسبابه :
٨ - كان رسول الله وَ ليل يقضي فيما يرفع إليه
من وقائع وكان يقر بعض الصحابة على
اجتهادهم أو ینکر ذلك، ولم یکن کل
ماقضی به أو أقره أو أنكره مكتوبا أو بمشهد
من جميع الصحابة، فرأی کل صحابي مايسّر
الله له من ذلك فحفظ وعرف وجهه، ثم
تفرّق الصحابة رضوان الله عليهم فى البلاد،
وصار كل واحد منهم قدوة له أتباع، وکثرت
الوقائع والمسائل فاستفتوا فيها، فأجاب کل
واحد منهم حسب ماحفظه أو استنبطه، فإن
لم يجد فيما حفظه أو استنبطه مايصلح
للجواب اجتهد برأيه (١) استنادا إلى حدیث
معاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه
رسول الله آل﴿ إلى اليمن، وقال له: ((کیف
١٠) الإنصاف في بيان الخلاف لولي الله الدهلوي ص ١٦
وما بعدها .
تقضي؟)» فقال: أقضي بما في كتاب الله،
قال: ((فإن لم يكن في كتاب الله)) قال: فبسنة
رسول الله وَله. قال: ((فإن لم يكن في سنة
رسول الله (وَ ل﴿)) قال: أجتهد رأيي. قال:
((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله
( 5))(١).
وهذا منشأ الاختلاف في أحكام الفروع
الفقهية .
ويقع الاختلاف في هذا على ضروب:
٩ - الأول: أن صحابيا سمع حكما في قضية
أو فتوی ولم يسمعه الآخر، فاجتهد برأيه فی
ذلك، وهذا على وجوه:
أحدها: أن يقع اجتهاده موافقا للحديث،
مثاله ماورد أن ابن مسعود رضي الله عنه قال
إنه أتاه قوم، فقالوا: إن رجلاً منا تزوج
امرأة، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يجمعها إليه
حتى مات، فقال عبد الله: ماسئلت منذ
فارقت رسول الله # أشد عليّ من هذه،
فأتوا غيري، فاختلفوا إليه فيها شهراً، ثم
قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إن لم
نسألك، وأنت من جلّة أصحاب محمد اله
بهذا البلد، ولا نجد غيرك؟ قال: سأقول
(١) حديث معاذ حين بعثه رسول اللهصل إلى اليمن.
أخرجه الترمذي (٦٠٧/٣) وقال: لیس إسناده عندي
بمتصل .
- ١٩٦ -
فقه ٩ - ١٠
فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن اللّه
وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمني ومن
الشيطان، واللّه ورسوله منه برآء، أرى أن
أجعل لها صداق نسائها، لا وکس ولا
شطط، ولها الميراث، وعليها العدة: أربعة
أشهر وعشراً قال: وذلك بسمع أناس من
أشجع، فقاموا فقالوا : نشهد أنك قضیت بما
قضى به رسول الله وَله في امرأة منا، يقال
لها: بروع بنت واشق، قال: فما رئي عبد الله
فرح فرحة يومئذ إلا بإسلامه (١).
ثانيها: أن يفتي الصحابي ويظهر الحديث
على خلاف ماأفتى به، فيرجع عن اجتهاده
إلى الحديث، ومن هذا أن أبا هريرة رضي الله
عنه کان یفتي أنه من أصبح جنبا فلا صوم
له، حتى بلغه حديث عائشة وأم سلمة رضي
الله عنهما أن النبي ◌ّ ((كان يصبح جنبا
لاعن احتلام ثم يغتسل ويصوم)» فرجع عن
اجتهاده (٢).
ثالثها: أن يبلغه الحديث لكن لا على الوجه
الذي يقع به غالب الظن، ومن هذا ماورد
(١) المغني لابن قدامة ٧١٢/٦، والإِنصاف في بيان أسباب
الاختلاف ص ١٦ ومابعدها، ونهاية المحتاج ١ / ٣٥٠ .
وحديث ابن مسعود: ((أنه أتاه قوم ... )).
أخرجه النسائي ١٢٢/٦، ١٢٣.
(٢) سبل السلام ١٦٥/٢، وبيان أسباب الاختلاف لولي الله
الدهلوي ص ٢٣ .
وحديث: ((أن أبا هريرة أنه كان يفتي أنه من أصبح جنبا ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٤٣/٤) ومسلم (٧٧٩/٢ -
٧٨٠) .
أن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها شهدت
عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها
كانت مطلقة ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله
﴾﴾﴾ نفقة، ولا سکنی، فردّ عمر شهادتها،
وقال: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا #* لقول
امرأة لاندري لعلها حفظت أو نسيت: لها
النفقة، والسكنى (١).
رابعها: أن لا یصل الحدیث إلیه أصلاً، من
هذا ماورد أن عائشة رضي الله عنها بلغها أن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يأمر النساء
إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فقالت:
ياعجبا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا
اغتسلن أن ینقضن رءوسهن! أفلا یأمرهن أن
يحلقن رءوسهن، لقد كنت أغتسل أنا
ورسول الله {﴾ من إناء واحد، ولا أزيد على
أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات(٢) .
١٠ - الثاني: من أسباب الاختلاف: أن
يرى الناس رسول الله وَ لتر فعل فعلا، فحمله
البعض على القربة، وبعضهم على
الإِباحة .
(١) الإِنصاف في بيان سبب الاختلاف ص ٦ .
وحديث فاطمة بنت قيس ((أنها شهدت عند عمر
ابن الخطاب ... )) .
أخرجه مسلم (١١١٨/٢ - ١١١٩) .
(٢) الإِنصاف فی بیان أسباب الاختلاف ص ٧
وحديث عائشة ((أنها بلغها أن عبد الله بن عمرو يأمر
النساء ... )).
أخرجه مسلم (٢٦٠/١) .
- ١٩٧ -
فقه ١٠ - ١٤
مثاله مارواه أصحاب الأصول في قصة
التحصيب - أي النزول بالأبطح عند النفر-
نزل رسول الله وَلربه (١): ذهب أبو هريرة
وابن عمر رضي الله عنهم إلى أنه على وجه
القربة وجعلاه من سنن الحج، وذهبت
عائشة وابن عباس رضي الله عنهم إلى أنه
كان على وجه الاتفاق، وليس من السنن .
١١ - الثالث: السهو والنسيان: كأن ينقل
صحابيّ عن النبيِ وَلّ أمراً فيقضى عليه
بالسهو، من هذا ماورد أن ابن عمر رضي الله
عنهما كان يقول: ((اعتمر رسول الله وَلقه في
رجب)) (٢)، فسمعت ذلك عائشة فقضت
علیه بالسهو .
١٢ - الرابع: اختلاف الضبط، ومن هذا
((قول ابن عمر رضي الله عنهما: إن الميت
يعذب ببكاء أهله)) (٣)، فقضت عليه عائشة
بالوهم .
١٣ - الخامس: اختلافهم في علة الحكم،
ومن هذا: القيام للجنازة فقال بعضهم:
لتعظيم الملائكة فيعم المؤمن والكافر، وقال
(١) حديث نزول رسول الله صل﴿ في الأبطح عند النفر.
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٩١/٣) .
(٢) قول ابن عمر ((أن رسول الله وَلاواعتمر في رجب)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٩٩/٣) ومسلم (٩١٧/٢).
(٣) حديث ابن عمر: ((أن الميت يعذب ببكاء أهله .
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٥١/٣ - ١٥٢) ومسلم
(٦٤٢/٢) .
قائل: لهول الموت فيعمهما، وقال قائل:
((مرّت جنازة يهودي على رسول الله وَّ فقام.
لها)» (١)، كراهية أن تعلو فوق رأسه، فيخص
الكافر .
١٤ - السادس: اختلافهم في الجمع بين
المختلفين، ومنه: ((نهي رسول الله وَلّ عن
استقبال القبلة عند قضاء الحاجة)) (٢)،
فذهب البعض إلى عموم هذا الحكم وكونه
غير منسوخ، ورآه جابر رضي الله عنه ((يبول
قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة)) (٣)،
فذهب إلى أنه نسخ للنهي المتقدم، ورآه ابن
عمر رضي الله عنهما ((قضى حاجته مستدبر
القبلة مستقبل الشام)) (٤)، فرد به قولهم،
وجمع بعضهم بين الروايتين، وقالوا: إن
النهي مختص بالصحراء، فإذا كان في
المراحيض فلا بأس بالاستقبال
والاستدبار (٥).
(١) حديث: ((مرت جنازة يهودي على رسول الله ◌َطار ... )).
أخرجه مسلم (٢/ ٦٦١) .
(٢) حديث: ((النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٤٥/١)، ومسلم (٢٢٤/١).
من حديث أبي أيوب .
(٣) حديث ابن عمر: ((أن الميت يعذب ببكاء أهله)).
یتوفى بعام ... ))
أخرجه الترمذي (١٥/١) وقال: حديث حسن غريب .
(٤) حديث ابن عمرٍ أنه ((رأى النبي ◌َّدْ قضى حاجته مستدبر
القبلة ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٤٧/١)، ومسلم
(٢٢٥/١) .
(٥) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ص ١٥ وما بعدها .
- ١٩٨ -
فقه ١٤ - ١٥، فَقیر ١ - ٢
وبالجملة اختلفت مذاهب الصحابة
رضي الله عنهم، وأخذ التابعون العلم منهم،
فأقبل أبناء كل قطر على من نزل في قطرهم
يستفتونهم، ويروون عنهم، ويتعلمون
منهم، ولم تكن الصحابة سواء فيما يعلمون،
ولم يكن كل واحد منهم يحفظ كل ما يحفظه
غيره، ولم يكونوا سواء في استعمال الرأي فيما
لانصّ فيه، ولا في الأخذ بأخبار الآحاد،
فکان منهم من یتوسع في الرأي عند عدم
النصّ، ومنهم من حمله الورع والاحتياط على
الوقوف عند النصوص والتمسك بالآثار .
أهم مراكز الفقه:
١٥ - ترتب على تفرق الصحابة في الأمصار
واختلاف مناهجهم في الفتوى والاجتهاد - لما
سبق بيانه من أسباب - وأخذ التابعين في کل
مصر عمن نزل بهم من الصحابة: ترتب على
ذلك وجود اتجاهات فقهية مختلفة، من
أشهرها الاتجاه الأول الذي ساد في الحجاز
بمكة والمدينة، والاتجاه الثاني الذي ظهر في
العراق بالكوفة والبصرة،، ومن هذين
الاتجاهين كان غالب الفقه .
والتفصيل في مقدمة الموسوعة الفقهية
(الجزء الأول ف ١٦ وما بعدها) .
فَقیر
التعريف :
١ - الفقير في اللغة ضد الغنيّ، وهو من قل
ماله، والفقر ضد الغنى (١).
وفي الاصطلاح عرفه الشافعية، والحنابلة
بأنه: من لا يملك شيئاً ألبتَّة، أو يجد شيئاً
يسيراً من مال أو كسب لا يقع موقعا من
كفايته .
وعرفه الحنفية: بأنه من يملك دون
نصاب، من المال النامي، أو قدر نصاب
غیر نام مستغرق في حاجته .
وعرفه المالكية: بأنه من يملك شيئاً لا
یکفیه قوت عامه (٢).
الألفاظ ذات الصلة :
المسكين :
٢ - المسكين عند الحنفية، والمالكية: من لا
(١) المصباح المنير، ولسان العرب .
(٢) ابن عابدين ٥٨/٢، وحاشية الدسوقى ٤٩٢/١ وحاشية
القليوبي ١٩٥/٣، ومغني المحتاج ١٠٩/٣، وكشاف القناع
٢٧١/٢ - ٢٧٢ .
- ١٩٩ -
فقير ٢ - ٣
يملك شيئاً، وعند الشافعية: من قدر على
مال أو کسب یقع موقعا من کفایته ولا
• يكفيه، وقال قوم: إن الفقير والمسكين صنف
واحد .
وعند الحنابلة: من يجد معظم الكفاية أو
نصفها من کسب أو غيره (١).
والصلة بينهما أن كلّ من الفقير والمسكين
اسم ينبىء عن الحاجة، وأن كليهما من
مصارف الزكاة والصدقات .
مايتعلق بالفقير من أحكام :
الفقير الذي تعطى له الزكاة :
٣ - يشترط في الفقير الذي تعطى له الزكاة
الشروط الآتية :
أ - الإِسلام: فلا يجوز صرف الزكاة إلى كافر
باتفاق الفقهاء(٢) ، لحديث معاذ رضي الله
عنه: ((خذها من أغنيائهم وردّها في
فقرائهم)) (٣) أمر عليه الصلاة والسلام بوضع
الزكاة في فقراء من يؤخذ منهم، وهم
المسلمون، فلا يجوز في غيرهم .
(١) ابن عابدين ٥٨/٢، ومغني المحتاج ١٠٦/٣، المحلي مع
القليوبي ١٠٠/٣، ١٩٥ - ١٩٩ وحاشية الدسوقي
٤٩٢/١، وكشاف القناع ٢٧٢/٢ .
(٢) بدائع الصنائع ٤٩/٢، نهاية المحتاج ١٥٩/٦، كشاف القناع
٢٨٩/٢، مواهب الجليل ٣٤٣/٢.
(٣) حديث معاذ: ((خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٦١/٣) ومسلم (١/ ٥٠) من
حديث ابن عباس .
أما ماسوى الزكاة من صدقة الفطر،
والكفارات والنذور فقد اختلف الفقهاء في
جواز صرفها لفقراء أهل الذمة .
فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز صرفها إلى
فقراء أهل الذمة، لأن فقيرهم كافر فلم يجز
الدفع إليه كفقراء أهل الحرب (١).
وذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى
جواز صرفها إلى فقراء أهل الذمة، وقالا: إن
الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِن تُبْدُوا
الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (٢)، من غير فصل
بين فقير وفقير، وعموم هذا النصّ يقتضي
جواز صرف الزكاة إليهم، إلا أنه خصّ منه
زكاة المال، لحديث معاذ المتقدم، ولأن صرف
الصدقة إلى أهل الذمة من باب إيصال البر
إليهم، وما نهينا عن ذلك، قال تعالى:
لَا يَنْهَمَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ الذِينِ
وَلَغْ تُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ نَبَرُّوهُ وَتُقْسِطُواْ
إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣)، وظاهر
هذا النصّ جواز صرف الزكاة إليهم، لأنه برّ
بهم، إلاّ أن البر بطريق زكاة المال غیر مراد،
لحديث معاذ، فيبقى غيرها من طرق البرّ بهم
جائزاً (٤).
(١) مغني المحتاج ٣٦٦/٣، المغني ٣٧٦/٧.
(٢) سورة البقرة / ٢٧١ .
(٣) سورة الممتحنة /٨.
(٤) بدائع الصنائع ٢ / ٤٩.
- ٢٠٠ -