النص المفهرس
صفحات 141-160
فِسْق ٣ - ٦ اللغوي (١). والعلاقة بينهما أن الظلم يؤدي إلى الفسق. ج - العدالة : ٤ - العدالة في اللغة: التوسط والاعتدال والاستقامة، وهي صفة توجب مراعاتها الاحتراز عما يخل بالمروءة عادة ظاهراً، والعدالة: العدل، وهو الحكم بالحق. والعدالة في الاصطلاح: اجتناب الكبائر واجتناب الإصرار على الصغائر، وقيل: اجتناب الكبائر وأداء الفرائض، وأن تغلب حسناته سيئاته، وقال البهوتي: العدالة هي استواء أحوال الشخص في دینه، واعتدال أقواله وأفعاله (٢). والعلاقة بين الفسق والعدالة الضدية . الحكم التكليفي : ٥ - الفسق حرام ومنهي عنه بإجماع المسلمين، لأنه خروج عن أحكام الله، ومخالفة لأوامره ونواهيه، ويعاقب صاحبه (٣) بالحد أو التعزير . (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للراغب، والتعريفات للجرجاني . (٢) المراجع السابقة، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٦٨، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، وكشاف القناع ٦ / ٤١٨ . (٣) التفسير الكبير للفخر الرازي ١٠ / ٧٤، والزواجر لابن حجر ١ / ٥،٤ . أنواع الفسق: ٦ - قال ابن تيمية: إن الفسق تارة يكون بترك الفرائض، وتارة بفعل المحرمات (١). وجاء في الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر: قال بعض الأئمة: كبائر القلوب أعظم من كبائر الجوارح، لأنها كلها توجب الفسق (٢) . .وقال الشوكاني ناقلا عن الإمام القرطبي : والفسق في عرف الاستعمال الشرعي : الخروج عن طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصیان (٣)، وفي حديث الصحیحین، قال وَل: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (٤) . والفسق أنواع كثيرة يذكرها الفقهاء في كتبهم، كالفسق الملى أو فسق أهل الملة الذين لهم حسنات ولهم سيات، فهم غير مخلدين في النار (٥) . ومن ذلك الفاسق بتأويل، کالذي يشرب الخمر متأولا فقه العراقيين، فإذا كان تأويله (١) مجموعة الفتاوى ٦٣٧/٧ . (٢) الزواجر ١ / ٢١. (٣) تفسير فتح القدير ١ / ٥٦ - ٥٧ ؟ (٤) حديث: ((سباب المسلم فسوق .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٦٤)، ومسلم (١ / ٨١) من حديث عبد الله بن مسعود . (٥) مجموعة الفتاوى ص ٧ / ٦٧٠، ٦٧٩ . - ١٤١ - فسق ٦ - ٨ لمقطوع بحرمته فلا یعذر بتأويله، أو كان غیر متأول فلا يعذر بذلك (١). ومنه الفاسق بالجارحة کمن یشرب الخمر أو یزني (٢) . ومنه الفاسق بالاعتقاد كالقدري والجېري . إمامة الفاسق في الصلاة: ٧ - اختلف الفقهاء في الصلاة خلف الفاسق : فيرى الحنفية أنه يصلح للإمامة في الجملة كل عاقل مسلم، حتى تجوز إمامة العبد والأعرابي والأعمى وولد الزنا والفاسق، وإن كانت مكروهة (٣) . وقال المالكية: تصح الصلاة - على المعتمد - مع الكراهة خلف الفاسق بجارحة، كزان وشارب خمر، فإن تعلق فسقه بالصلاة، کقصده الکبر بإمامته، فلا تصح. ومقابل المعتمد أنها لا تصح خلف الفاسق بجارحة . والمعتمد أنها تصح خلف المبتدع المختلف في تكفيره ببدعته، كالحروري (١) بداية المجتهد ١/ ١١٥، والفواكه الدواني على الرسالة ١ / ٢٤١ . (٢) شرح ميارة الكبير على ابن عاشر ٢ / ٤٠ - ٤٥ . (٣) بدائع الصنائع ١/ ١٥٦، وأحكام القرآن للجصاص ١/ ٧٠، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي عليه ١٦٤- ١٦٥ . والقدري (١). وأما الشافعية فإنهم يجيزون الصلاة وراء الإِمام الفاسق، وإنما يكره ذلك خلفه، ومحل كراهة إمامة الفاسق لغير الفاسق، أما لمثله فلا تكره ما لم يكن فسق الإِمام أفحش (٢). وقال الحنابلة: لا تصح إمامة فاسق مطلقا، أي سواء كان فسقه بالاعتقاد أو بأفعال محرمة، وسواء أعلن فسقه أو أخفاه، لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَ أَ لَّا يَسْتَوُنَ﴾ (٢) وقول النبي ◌َّ: (لا تؤمّن امرأة رجلا، ولا یؤم أعرابي مهاجرا، ولا يؤم فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سیفه وسوطه)) (٤)، ویعید من صلى خلف فاسق مطلقا (٥) . الفسق والإِمامة الكبرى: ٨ - من الشروط التي تشترط فيمن يتولى الإمامة الكبری أن یکون عدلا . وعند جمهور الفقهاء لا يجوز أن تعقد الإِمامة الفاسق، لأن الإِمام يقام لإِقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وحفظ أموال (١) جواهر الإكليل ١ / ٧٨، والفواكه الدواني ١ / ٢٣٩. (٢) حاشية البجيرمي على الخطيب ٢ / ١١٢. (٣) سورة السجدة / ١٨ . (٤) حديث: ((لا تؤمّنَ امرأة رجلا .. )) أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٣) من حديث جابر بن عبد الله، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٢٠٣) . (٥) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٥٧، وكشاف القناع ١ / ٤٧٤. - ١٤٢ - فِسْق ٨ - ١٣ الأيتام والمجانين، والنظر في أمورهم، إلى غير ذلك، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض فيها (١). والتفصيل في مصطلح: (الإِمامة الكبرى ف ٦) . أثر الفسق في رواية الحديث: ٩ - ذهب جماهير أئمة الحديث والفقه إلى أنه يشترط فيمن يحتج بروايته السلامة من الفسق . وذكر الزين العراقي أن الفاسق المبتدع الذي لم یکفر ببدعته إذا كان داعية إلى بدعته لم تقبل روايته، وإن لم يكن داعية قبل، وإليه ذهب أحمد كما قال الخطيب، وقال ابن الصلاح: وهذا مذهب الكثير والأكثر، وهو أعدلها وأولاها (٢). أثر الفسق في الشهادة: ١٠ - اتفق الفقهاء على اشتراط العدالة في الشاهد، وأنه لا تقبل شهادة الفاسق، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ (٢) ، ولقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَّنُواْ﴾ (٤)، فلا يجوز الحكم بها، (١) تفسير القرطبي ١/ ٢٣٢، وأحكام القرآن للجصاص ١٠/١. (٢) شرح مقدمة ابن الصلاح ص ١١٤، وشرح الزين العراقي على ألفيته مخطوط ص ٤٩ . (٣) سورة الطلاق / ٢ . (٤) سورة الحجرات / ٦ . لأن في الحكم بها تعدیلا له، ولأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى (١). أثر الفسق في الفتوى: ١١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفسق مانع من قبول الفتوى، لأن الإفتاء يتضمن الإِخبار عن الحكم الشرعي، وخبر الفاسق لا يقبل. وذهب بعض الحنفية إلى أن الفاسق تقبل فتواه . والتفصيل في مصطلح (فتوى ف ١٢) . أثر الفسق في الحضانة : ١٢ - اتفق الفقهاء على أنه لا حضانة لفاسق، لأن الفاسق لايلي ولا يؤتمن، ولأن المحضون لاحظ له في حضانته، لأنه ينشأ على طريقته . وقيد الحنفية الفسق المسقط للحضانة بأنه المضيع للولد (٢) . والتفصيل في مصطلح (حضانة ف ٣). الفسق والمعاملات : ١٣ - نص الجصاص في كتابه أحكام القرآن على أن أهل العلم اتفقوا على جواز قبول خبر (١) الفتاوى الخانية ٢ / ٤٦٠، والتبصرة لابن فرحون ١ / ١٧٣، والشرح الصغير ٤ / ٢٤٠، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، وشرح منتهى الإرادات ٣/ ٥٥٥، والمغني ٩ / ٦٣ - ٦٧. (٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٣٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٨، وكشاف القناع ٥ / ٤٩٨، ومغني المحتاج ٣/ ٤٥٥ . - ١٤٣ - فِسْق ١٣ - ١٥ الفاسق في أشياء، منها: أمور المعاملات، فيقبل فيها خبر الفاسق، وذلك نحو الهدية إذا قال لك: إن فلانا أهدی إلیك هذا، فيجوز قبوله وقبضه، ونحو قوله : وكلني فلان ببیع کذا، فيجوز قبوله وشراؤه منه، وكذلك جميع أخبار المعاملات (١). ونص القرطبي على ذلك بقوله: لا خلاف في أنه يصح أن يكون رسولا عن غيره في قول يبلغه، أو شيء يوصله، أو إذن يعلمه، إذا لم يخرج عن حق المرسل والمبلّغ، فإن تعلق به حق لغيرهما لم يقبل قوله، وهذا جائز للضرورة. الداعية إليه، فإنه لو لم يتصرف بين الخلق في هذه المعاني إلا العدول، لم يحصل منها شيء، لعدمهم في ذلك والمراد ندرتهم (٢) . الفاسق وولاية النكاح : ١٤ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الفاسق یکون وليًّا في النكاح على موليته، لأنه يلي مالها فيلي بضعها کالعدل، فهو وإن كان فاسقا في دينه إلا أن غيرته متوفرة، وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون الحرمة، وإذا ولي المال فالنكاح أولى. إلا أن المالکیة کرهوا للولي الفاسق أن یلي زواج من يلي عليها، وقدموا عليه الولي العدل (١) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٣٩٨ ط الآستانة. (٢) تفسير القرطبي ١٦ / ٣١١. المساوي له في الدرجة (١). وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن النكاح لا ينعقد بولي فاسق على المذهب، غير الإِمام الأعظم، مجبرا كان أم لا، أعلن بفسقه أم لا، فلا یزوج الولي الفاسق وإن کان بحيث لو سلب الولاية لانتقلت إلى حاكم فاسق، والولي الخاص تشترط فيه العدالة مطلقاً بخلاف الحاكم، فلا تشترط فيه العدالة، لأنه يزوج للضرورة، والضرورة يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها (٢) . الخِطبة على خطبة الفاسق: ١٥ - يحرم على المسلم أن يتقدم إلى خطبة امرأة سبق من أخيه المسلم خطبتها، كما ورد في الحديث الشريف: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه)) (٣) لكن إذا كان هذا الخاطب السابق فاسقا، فقد ذهب المالكية إلى جواز الخطبة على خطبته، وذهب الشافعية إلى أنه تحرم الخطبة على خطبة من صرح بإجابته إلا بإذنه، وعند الحنابلة تحرم خطبة المسلم على (١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨١. (٢) البجيرمي على الخطيب ٣ / ٣٠٦، ومغني المحتاج ٣/ ١٥٥، وشرح منتهى الإِرادات ٣ / ١٨، ١٩ . (٣) حديث: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ١٩٨) ومسلم (٢ / ١٠٣٢) من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري . - ١٤٤ - فِسْق ١٥ - ١٩ المسلم، أما خطبته على الكافر فتجوز (١). أثر الفسق في عزل الوالي : ١٦ - اختلف الفقهاء في أثر الفسق في عزل الوالي بعد انعقاد ولايته: ٠ فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا ينعزل بالفسق، ولکنه یستحق العزل به . وفصل الشافعية والحنابلة في الفسق الذي يعزل به والفسق الذي لا يعزل به . والتفصيل في مصطلح: (الإِمامة الكبرى ف ١٢) . حكم التودد للفاسق : ١٧ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز التودد للفاسق لأجل فسقه، ولا الجلوس معه وهو يمارس شيئا من المعاصي إيناساً ومجاراة له، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكُوْاْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (٢)، ولقول النبي ◌َّ: (لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٣)، وقوله وَله: ((الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)) (٤). (١) حاشية الدسوقي ٢ / ٢١٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٦، وكشاف القناع ٥/ ١٨، ١٩ . (٢) سورة هود / ١١٣ . (٣) حديث: ((لا تصاحب إلا مؤمنا ... )) أخرجه الترمذي (٤ / ٦٠١) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: حديث حسن . (٤) حديث: ((الرجل على دين خليله ... )) أخرجه الترمذي (٤ / ٥٨٩) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن صحيح . كما أنه ورد النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيد ونحوه من الألقاب التي تدل على تعظيمه، لأن في ذلك تعظيم من أهانه الله تعالى (١). وقد نصّ المالكية والشافعية على أن الجلوس مع الفاسق إیناسا له یعدّ من صغائر الذنوب التى تغفر بالحسنات (٢). حكم غيبة الفاسق : ١٨ - الأصل في الغيبة الحرمة، لنهي الله تعالى عنها في قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ (٣) ، لكنه تجوز غيبة الفاسق المجاهر بفسقه فیما جاهر به من الفسق، دون غيره (٤). توبة الفاسق : ١٩ - تقبل توبة الفاسق إذا استجمعت شروطها، إلا ثلاثة اختلف الفقهاء في قبول توبتهم، هم: الزنديق والساحر ومن تكررت ردته . والتفصيل في مصطلح (توبة ف ١٢) . (١) تفسير القرطبي ٥ / ٤١٧ وما بعدها، ١٧ / ٣٠٨، ١٨ /٥٢، ودليل الفالحين ٢ / ٢٢٦، ٢٣٠، ٢٣١، ٥٣٢/٤ - ٥٣٣، والفواكه الدواني ١ / ٩٢، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٦، والآداب الشرعية ١ / ٢٥٨ وما بعدها . (٢) الفواكه الدواني ١ / ٩٢، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٦. (٣) سورة الحجرات / ١٢. (٤) أنواء الفروق بهامش الفروق ٤ / ٢٢٩ . - ١٤٥ - فِصال، فَصد ١ - ٢ فِصال انظر : رضاع، فطام التعريف : ١ - الفصد لغة: شق العرق، يقال: فصده يفصده فصدا وفصاداً، فهو مفصود وفصيد (١). واصطلاحاً الفصد: هو قطع العرق لاستخراج الدم الذي يؤذي الجسد (٢). الألفاظ ذات الصلة : الحجامة : ٢ - الحجامة في اللغة: مأخوذة من الحجم، أي المصّ، يقال: حجم الصبيّ ثدى أمه إذا مصه . والحجامة في كلام الفقهاء قیدت عند البعض بإخراج الدم من القفا بواسطة المصّ بعد الشرط بالحجم لا بالفصد. وذكر الزرقاني أن الحجامة لا تختص بالقفا، بل تكون من سائر البدن، وإلى هذا . . (١) لسان العرب. (٢) كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٩٣ ط الحلبي، والشرح الصغير. ٤ / ٧٧١ . - ١٤٦ - . فَصد فَصد ٢ - ٤ .... ذهب الخطابي (١). والحجامة والفصد يجتمعان في أن كلاً. منهما إخراج للدم، ويفترقان في أن الفصد شق العرق، والحجامة مصّ الدم بعد الشرط . الحكم التكليفي : ٣ - يجوز الفصد بشرط مهارة القائم به، لأن الفصادة۔۔ كما قال الأطباء - مخطرة فلا يؤمن بها إلا من ماهر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار، وأنهى أمتي عن الكي)) (٢). قيل: المراد بشرطة محجم: الفصد (٣). وقال ابن حجر في تعليقه على الحديث: إنما خص الحجم بالذكر لكثرة استعمال العرب وإلفهم له، بخلاف الفصد، فإنه وإن كان في معنى الحجم لكنه لم يكن معهوداً لها غالباً، على أن في التعبير بقوله: ((شرطة محجم)) ما قد يتناول الفصد، وأيضا فالحجم فى البلاد الحارة أنجح من الفصد، والفصد فى البلاد التى ليست بحارة (١) الزرقاني على الموطأ ٢ / ١٨٧، وإكمال الإكمال ٤ / ٢٦٥، وفتح الباري ١٢/ ٢٤٤ . (٢) حديث: ((الشفاء فى ثلاث ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١٣٦) من حديث ابن عباس . (٣) شرح زروق على متن الرسالة ص ٤٠٩ . أنجح من الحجم (١). وكره بعض أهل العلم التداوي بذلك، ورأوا أن تركه والاتكال على الله أفضل منه (٢). أثر الفصد على الوضوء: ٤ - ذهب المالكية والشافعية إلى عدم انتقاض الوضوء بالفصد، لما روي من أن رجلین من أصحاب النبي پڼ حرسا المسلمين في غزوة ذات الرقاع، فقام أحدهما يصلي، فرماه رجل من الكفار بسهم، فنزعه وصلى ودمه يجرى، وعلم به ◌َ له ولم ينكره(٣) وقال الرملي: وأما صلاته مع الدم فلقلة ما أصابه منه (٤). ويرى الحنفية أن الفصد ناقض للوضوء (٥). ويقول الحنابلة إن خروج الكثير من الدم ينقض الوضوء، ويحتجون بقول النبي ◌َّ ر في حديث فاطمة بنت أبي حبيش: ((إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك (١) فتح الباري ١٠ / ١٣٨ ط السلفية. (٢) شرح التنوخي القروي على الرسالة، مطبوع مع شرح زروق ص ٤٠٨ - ٤٠٩، وانظر كفاية الطالب الرباني ٢ / ٤٥٢ نشر دار المعرفة . (٣) حديث: ((أن رجلين من أصحاب النبي وَلل حرسا المسلمين في غزوة ذات الرقاع ... )) . أخرجه أبو داود (١ / ١٣٦) من حديث جابر بن عبد الله والراوي عنه فيه جهالة كما في الميزان للذهبي (٣ / ٨٨). (٤) الدسوقي ١ / ١٢٣، ونهاية المحتاج ١ / ٩٦ .. (٥) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ١ / ٧٨. - ١٤٧ - فَصد ٤ - ٧ فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي، ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)) (١)، ولأنه نجاسة خارجة من البدن، فأشبهت الخارج من السبيل (٢). أثر الفصد على الصوم: ٥ - ذهب الحنفية إلى أن الفصد مكروه للصائم إذا كان يضعفه عن الصوم، أما إذا کان لا يخافه فلا بأس (٣). ومذهب المالكية قريب من الحنفية، إذ قالوا: تکره الفصادة للصائم إذا کان يجهل نفسه، وأما من يعلم من نفسه السلامة فهي جائزة، وعكسه عكسه (٤). وصرح الشافعية بأنه يستحب للصائم أن يحترز عن الفصد، لأنه يضعفه (٥). وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا فطر بالفصد، وفي قول عند الحنابلة يفطر المقصود دون الفاصد (٦). (١) حديث فاطمة بنت أبي حبيش: ((إنما ذلك عرق ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٣٢). (٢) كشاف القناع ١ / ١٢٤، والمغني ١ / ٨٥، ومطالب أولي النهى ١/ ١٤١. (٣) مراقي الفلاح ص ٣٧٢، والبحر الرائق ٢ / ٢٩٤. (٤) الخطاب ٢ / ٤١٦. (٥) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٦٢ . (٦) مراقي الفلاح ص ٣٧٢، والحطاب ٢ / ٤١٦، ومغني المحتاج ١/ ٤٣١، وكشاف القناع ٢ / ٣٢٠، والإنصاف ٣/ ٣٠٣، والروض المربع ١ / ١٤٠. أثر الفصد على الإحرام: ٦ - ذكر الحنفية الفصد ضمن مباحات الإحرام (١). وقال المالكية : جاز فصد حاجة، وإلا کره فیما یظهر إن لم یعصبه، فإن عصبه ولو لضرورة افتدی (٢). ويرى الشافعية أن للمحرم أن يفتصد ويحتجم ما لم يقطع شعراً (٣). وذهب الحنابلة إلى أنه يجوز للمحرم أن يفتصد ولا يقطع شعراً (٤)، ويؤخذ من عبارات الحنابلة أن المحرم إذا احتاج في الفصد إلى قطع شعر فله قطعه لما روى عبد الله بن بحينة أن رسول الله (ێے((احتجم بلحيي جمل من طريق مكة وهو محرم في وسط رأسه)) (٥)، ومن ضرورة ذلك قطع الشعر، ولأنه يباح حلق الشعر لإزالة أذى القمل، فكذلك ههنا، وعليه الفدية (٦) الاقتصاد في المسجد : ٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز (١) منحة الخالق بهامش البحر الرائق ٢ / ٣٥٠. (٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٥٨، والشرح الصغير ٢ / ٨١. (٣) روضة الطالبين ٣/ ١٣٥، وحلية العلماء ٣/ ٣٠٥، وشرح الإيضاح في مناسك الحج ص ١٨١ - ١٨٢ . (٤) الكافي ١ / ٥٦٠ نشر المكتب الإسلامي، والمغني ٣/ ٣٠٥. (٥) حديث عبد الله بن بحينة أن الرسول ومثل : ((احتجم بلحبي جمل ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١٥٢) . (٦) المغني ٣ / ٣٠٦. - ١٤٨ - فَصد ٧ - ٩ ..... الفصد في المسجد ولو في إناء (١)، ویری الشافعية أنه إذا افتصد في المسجد واحتجم، فإن كان في غير إناء فحرام، وإن قطر دمه في إناء فمكروه، والأولى تركه، وجزم البندنيجي في كتاب تذهيب المذهب بأنه حرام أيضاً(٢). وللتفصيل (ر: مسجد) . فصد البهائم: ٨ - يجوز فصد البهائم وكيها وكل علاج فيه منفعة لها (٣). تضمين الفاصد : ٩ - يشترط لعدم تضمين الفاصد ما تلف بعمله شروط منها : أ - أن يكون التداوي بالفصد من ماهر لئلا یکون ضرره أکثر من نفعه، ولذلك قالوا: إن عالج العالم بالطب المريض ومات من مرضه لا شيء عليه، بخلاف الجاهل أو المقصر، فإنه يضمن ما نشأ من فعله (٤). ب - أن يتم الفصد بإذن معتبر، بأن یکون من المفصود وهو مستقل، أو من ولي أو (١) ابن عابدين ١ / ٤٤١، والزرقاني ٢/ ٢٢٦، والكافي ١ / ٥٠٥. (٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٣١٠، والمجموع ٢ / ١٧٥ . (٣) تنوير الأبصار ٥/ ٤٧٩. (٤) الفواكه الدواني ٢ / ٤٤٠، وشرح زروق ص ٤٠٩ إمام، فأفضى ذلك إلى التلف (١). ج - أن لا يتجاوز الفاصد الموضع المعتاد، أما إذا تجاوز الموضع المعتاد، فيجب الضمان (٢). (١) أسنى المطالب ٤ / ١٦٦. (٢) تكملة فتح القدير ٧ / ٢٠٦ ط بولاق. - ١٤٩ - فضائل ١ - ٣ فضائل التعريف : ١ - الفضائل في اللغة: جمع فضيلة، وهي الدرجة الرفيعة في الفضل وحسن الخلق، وفضيلة الشيء: مرتبته أو وظيفته التي قصدت منه، والفاضلة: النعمة العظيمة، والفضل والفضيلة: الخير والزيادة، وهو خلاف النقيصة (١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي (٢) . الأحكام المتعلقة بالفضائل : أولا - فضائل القرآن: ٢ - اتفق الفقهاء على أن قراءة القرآن أفضل من الأذكار والأوراد الأخرى التي لا تختص بزمان أو مكان معين (٣)، لما ورد في ذلك من (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، وغريب القرآن للأصفهاني . (٢) دليل الفالحين ٣ / ٤٧١. (٣) مغني المحتاج ١ / ٣٨، ودليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٤٧١/٣ وما بعدها، والإتقان في علوم القرآن ٢/ ١٥١ وما بعدها، وفتح المبين شرح الأربعين ص ٢٧٠. الكتاب والسنة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَذَا اَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ (١)، وقوله: وَنُغَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَاهُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿لَوْ أَفْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَ جَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّ عَامِّنْ خَشْيَةٍ اللَّهِ﴾ (٣). ومن السنة قوله وَله: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذى يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٤)، وقوله مَله: ((من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الّمَ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (٥)، وقوله وَله: ((يقال لصاحب القرآن : اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها)) (٦). ٣ - إلا أن العلماء اختفلوا في المفاضلة بين آيات القرآن الكريم. (١) سورة الإسراء / ٩. (٢) سورة الإسراء / ٨٢ . (٣) سورة الحشر / ٢١ . (٤) حديث: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام ... )) أخرجه مسلم (١ / ٥٥٠) من حديث عائشة. (٥) حديث: ((من قرأ حرفاً من کتاب الله ... )) أخرجه الترمذي (٥/ ١٧٥) من حديث ابن مسعود، وقال: حديث حسن صحيح غريب. (٦) حديث: ((يقال لصحاب القرآن: اقرأ وارتق ... )) أخرجه الترمذي (٥ / ١٧٧) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: حديث حسن صحيح . - ١٥٠ - فضائل ٣ فذهب الجمهور إلی أن بعض سور وآیات القرآن أفضل من بعض، للنصوص الواردة في ذلك، منها قول النبي ◌َّ: ((ألمْ تَرَ آيَاتٍ أنزلت الليلة لم يُر مثلهن قط؟ قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس)) (١)، وقوله إِليه : ((إن سورة من القرآن ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة تبارك الذي بيده الملك)» (٢)، وعن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وسلم: ((يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فضرب في صدري، وقال: والله، ليهنك العلم أبا المنذر)) (٣) وقوله وَله: ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)) (٤) . وذهب مالك، وأبو الحسن الأشعري، وابن حبان، ويحيى بن يحيى، والقاضي أبو بكر الباقلاني إلى أنه ليس في القرآن شيء أفضل من شيء، لأن الجميع كلام الله، (١) حديث: ((ألم تر آيات أنزلت الليلة ... )) أخرجه مسلم (١ / ٥٥٨) من حديث عقبة بن عامر . (٢) حديث: ((إن سورة في القرآن ثلاثون آية ... )) أخرجه الترمذي (٥/ ١٦٤) من حديث أبي هريرة، وقال : . حدیث حسن. (٣) حديث أبي بن كعب: ((ياأبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله ... )) أخرجه مسلم (١ / ٥٥٦) . (٤) حديث: ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ٥٥)، ومسلم (١ / ٥٥٥) من حديث أبي مسعود الأنصاري، واللفظ للبخاري . فکیف یفضل بعضه بعضا، وکیف یکون بعضه أشرف من بعض؟ ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، ولذلك كره الإمام مالك أن تعاد قراءة سورة أو تُردّد دون غيرها. ثم اختلف القائلون بالتفضيل في السبب الذي يفضل به بعض القرآن على بعض، فقال بعضهم: الفضل راجع إلى عظم الأجر، ومضاعفة الثواب بحسب انتقالات النفس، وخشیتها، وتدبرها، وتفكرها عند ورود أوصاف العلى الحكيم. وقال بعضهم: إن التفضيل يرجع إلى أمر تعبدي لا یظهر لنا، فتكون سورة أفضل من سورة، لأن الله سبحانه وتعالى جعل قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها، كما جعل يوماً أفضل من يوم، وشهراً أفضل من شهر، بمعنى أن العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره، والذنب فيه أعظم من الذنب في غيره، وكما جعل الحرم أفضل من الحل، لأنه يتأدی فيه من المناسك مالا يتأدى في غيره، والصلاة فيه يضاعف أجرها أكثر من الصلاة فى غيره. وقال آخرون: إن الفضل يرجع لذات اللفظ، فإن ما تضمنه قوله تعالى: المكـ - ١٥١ - فضائل ٣ - ٤ إِلَهٌ وَحِلٌ ﴾ (١) وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإِخلاص، من الدلالات على وحدانيته وصفاته سبحانه وتعالى، لیس موجودا مثلا في: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ (٢) وأمثالها، فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وکثرتها . وقال الحليمي: معنى التفضيل يرجع إلى أشياء : أحدها: أن يكون العمل بآية أولى من العمل بأخری وأعود على الناس، وعلى هذا يقال: آية الأمر والنهي، والوعد والوعيد، خیر من آیات القصص، لأنها إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهي والإنذار والتبشير، ولا غنى للناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص، فكان ما هو أعود عليهم، وأنفع لهم، مما يجرى مجرى الأصول، خيرا لهم مما جعل تبعا لما لابد منه . الثاني: أن يقال: الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله وبيان صفاته والدلالة على عظمته أفضل من غيرها. الثالث: أن يقال: سورة خير من سورة، أو آية خير من آية بمعنى : أن القارىء يتعجل له بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل، ويتأدى منه بتلاوتها عبادة، كقراءة (١) سورة البقرة / ١٦٣ . (٢) سورة المسد /١. آية الكرسي، والإِخلاص والمعوذتين، فإن القارىء یتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشی، والاعتصام بالله، ويتأدى بتلاوتها عبادة الله، لما فيها من ذکره سبحانه وتعالي بالصفات العلى، على سبيل الاعتقاد لها، وسكون النفس إلى فضل ذلك الذکر وبركته، فأما آیات الحكم، فلا يقع بنفس تلاوتها إقامة حكم، وإنما يقع بها علم الحكم (١). ثانیا - فضل العلم وأهله وطلبه : ٤ - اتفق الفقهاء على فضل العلم وأهله وفضل العالم على العابد، وأن الاشتغال بطلبه أفضل من الاشتغال بنوافل الصلاة والصيام والتسبيح وغيرها من نوافل العبادات البدنية، لتكاثر الآيات والأخبار والآثار الدالة على فضل العلم، والحث على تحصيله والاجتهاد في اقتباسه (٢). ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤) (١) مغني المحتاج ١ / ٣٨، ودليل الفالحين ٣ / ٤٧١، وما بعدها و ١ / ٢٩٦، والإتقان في علوم القرآن ٢ / ١٥١، وفتح المبين شرح الأربعين ص ٢٧٠ . (٢) المجموع النووى ١ / ١٨ وما بعدها، ومغني المحتاج ١ / ٨، وكشاف القناع ١ / ١٢، ودليل الفالحين ٤ / ١٧٦ . (٣) سورة الزمر / ٩ (٤) سورة المجادلة / ١١ . - ١٥٢ - فضائل ٤ - ٥ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَوُا ﴾ (١) وقول النبي وقال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) (٢)، وقوله قالفيه: («من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان فى الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) (٣) قال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. وانظر في تفصيل ذلك مصطلح: (طلب العلم ف ٦ وما بعدها) . ثالثا: فضل الفرض على النفل : ٥ - اتفق الفقهاء على أن الفرض - سواء كان فرض عين، أو فرض كفاية - أفضل من التطوع والتنفل، لقول الله تعالى في الحديث (١) سورة فاطر/ ٢٨ . (٢) حديث: ((من يرد الله به خيرا ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٦٤) ومسلم (٢ / ٧١٨) من حديث معاوية بن أبي سفيان . (٣) حديث: ((من سلك طريقا يبتغي فيه علما ... )) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٨ - ٤٩) من حديث أبي الدرداء وأعله بالانقطاع . القدسي: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ... )) (١) الحديث. ولأن الأمر بالفرض جازم فيتضمن أمرين، أحدهما: الثواب على فعله، والآخر: العقاب على تركه، بخلاف النفل، فلا عقاب على تركه، ولأن الفرض کالأساس، والنفل كالبناء على ذلك الأساس، ولذلك کان الفرض أکمل وأحب إلى الله وأشد تقربا من النفل، إلا في مسائل مستثناة، النفل فيها أفضل من الفرض، وهي : أ - تقديم الوضوء على الوقت لغير المعذور مندوب، وبعد دخول الوقت فرض، والمندوب - هنا - أفضل من الفرض، لأن تقديم الوضوء فيه انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة كمن هو فيها، ولأن فيه قطع طمع الشيطان عن تثبيطه عن الصلاة. ب - إبراء المعسر عن الدين سنة، وإنظاره حتى الميسرة فرض، لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾(٢)، ولكن الإِبراء أفضل من الإِنظار. (١) حديث: ((من عادى لي ولياً .... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٤٠ -٣٤١) من حديث أبي هريرة . (٢) سورة البقرة / ٢٨٠ . - ١٥٣ - فضائل ٥ - ٧ ج - الابتداء بالسلام سنة، وردّ السلام فرض، لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّئُم ◌ِنَِيَّةِ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْرُدُّوهَاً﴾ (١) وابتداء السلام أفضل من رده (٢)، لما روى ابن مسعود رضي الله عنه يرفعه: ((إذا مرّ الرجل بالقوم فسلّم علیھم فردوا علیه، کان له عليهم فضل، لأنه ذكّرهم السلام)) (٣). ٦ - ولكن الفقهاء اختلفوا: هل الفرض العيني أفضل أم الفرض الكفائي؟ فذهب جمهور الفقهاء إلی أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية، لأن فرض العين فرض حقا للنفس، فهو أهم عندها، وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية، فإنه مفروض حقا للكافة، والأمر إذا عم خف، وإذا خص ثقل. وذهب بعض العلماء - ومنهم إمام الحرمين من الشافعية - إلى أن فرض الكفاية أفضل من فرض العين، لأن فاعله يسدّ مسد الأمة، ويسقط الحرج عنها بأسرها، وبتركه يأثم (١) سورة النساء / ٨٦. (٢) دليل الفالحين ١ / ٢٩٦، ٣٣٤/٣، ومغني المحتاج ٤ / ٢١٤، وفتح المبين شرح الأربعين ص ٢٦٨ - ٢٧٠، وحاشية ابن عابدين ١ / ٨٥، والمجموع للنووي ١/ ٢٢، وقواعد الأحكام ١/ ٥٥ . (٣) حديث ابن مسعود: ((إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم ... )) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦ / ٤٣٢) مرفوعاً وموقوفاً، وضعف المرفوع . المتمكنون منه کلهم، ولاشك في عظم وقع ما هذه صفته (١). رابعا - فضل بعض الأمكنة على بعض: ٧ - أجمع الفقهاء على أن بعض الأماكن أفضل من البعض الآخر بما أودع الله فيها من فضله، وما يقع فيها من إكرامه لعباده، لا بصفات قائمة فيها، لأن الأماكن في الأصل متماثلة ومتساوية . وقد أجمع الفقهاء على أن مكة المكرمة والمدينة المنورة هما أفضل بقاع الأرض. ثم اختلفوا في أيهما أفضل؟ فذهب جمهور الفقهاء، ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو قول عند المالكية، إلى أن مكة المكرمة أفضل من المدينة المنورة، لوجوه عددها العلماء : أحدها: وجوب قصدها للحج والعمرة، وهذان واجبان لا يقع مثلهما في المدينة . الثاني : إن فضلت المدينة بإقامة رسول الله وَله فيها بعد النبوة، كانت مكة أفضل منها، لأنه ◌َ﴿ أقام فيها بعد النبوة ثلاث عشرة سنة وأقام بالمدينة عشرا. الثالث: إن فضلت المدينة بكثرة الطارقين من عباد الله الصالحين، فمكة أفضل منها (١) حاشية ابن عابدين ١/ ٣٠، والمجموع للنووي ١/ ٢٢، والقليوبي وعميرة ٤/ ٢١٣، وقواعد الأحكام للعزّ ابن عبد السلام ١ / ٤٨ . - ١٥٤ - فضائل ٧ - ٨ بكثرة من طرقها من الأنبياء والمرسلين والصالحين. الرابع: إن التقبيل والاستلام ضرب من التقديس والاحترام، وهما مختصان بالركنين اليمانيين، ولم يوجد مثل ذلك في المدينة . الخامس: إن الله سبحانه وتعالى أوجب علینا استقبالها في الصلاة حیثما كنا من البلاد والفلوات، ولم يوجب علينا مثل ذلك في المدينة . السادس: إن الله حرم علينا استقبال الكعبة واستدبارها عند قضاء الحاجة. السابع: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فلم تحل لأحد من الرسل والأنبياء إلا لنبينا وَلّ وعلى جميع الأنبياء، فإنها أحلت له ساعة من نهار. الثامن: إن الله بوأها لإِبراهيم الخليل ولابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وجعلها مولداً لسيد المرسلين وخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام . التاسع: إن رسول الله صل: ((اغتسل لدخول مكة)) (١)، وهو مسنون، ولم ينقل عنه مثل ذلك لدخول المدينة . العاشر: إن الله سبحانه وتعالى أثنى على (١) حديث: ((أن رسول الله (243 اغتسل لدخوله مكة)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٤٣٥) من حديث ابن عمر البيت في كتابه بما لم يثن به على المدينة، فقال: ﴿إِنَّأَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾(١). الحادى عشر: من شرف مكة أن الصلاة لا تکره فیها في الأوقات التي تکره فيها الصلاة، لقوله وَالجر ((يابني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء، من ليل أو نهار)) (٢). الثاني عشر: الصلاة في المسجد الحرام بمكة تعدل مائة ألف صلاة ولیس مثل ذلك في مسجد النبي ◌َّ في المدينة أو غيره من المساجد . وذهب المالكية فى المشهور إلى أن المدينة أفضل من مكة. قال الحطاب: وهو - أي كون المدينة أفضل من مكة - قول أكثر أهل المدينة . ٨ - وهذا الخلاف يجري فيما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم من أرض المدينة. أما الموضع الذي ضم أعضاءه الشريفة من قبره الكريم بَله، فقد قال العلماء: إنه أفضل بقاع الأرض حتى المسجد الحرام، (١) سورة آل عمران / ٩٦ . (٢) حديث: ((يابني عبد مناف لا تمنعوا أحداً ... )) أخرجه الترمذي (٣/ ٢١١) من حديث جبير بن مطعم، وقال: حديث حسن صحيح . - ١٥٥ - ........... .... فضائل ٨ - ١٠ وحتى الكعبة المشرفة، وإنه أفضل من السموات حتى العرش والكرسي. كما أجمعوا على أن الكعبة أفضل من المدينة ما عدا الضريح الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم (١). ٩ - وبعد أن اتفق الفقهاء على أن مسجدرسول الله صل* والمسجد الحرام أفضل من مسجد القدس أو بيت المقدس، أجمعوا على أن المسجد الأقصى أفضل من بقية المساجد، حتى تلك المنسوبة إلى النبي ◌َّهِ، كمسجد قباء، ومسجد الفتح، ومسجد العيد، ومسجد ذي الحليفة، لقوله ولين: ((لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) (٢). وقد صرح الفقهاء بأن الأفضل بعد المساجد الثلاثة ما كان أقدم أو أكثر جماعة، فإن استوى المسجدان في الجماعة فالأقرب مسافة لحرمة الجوار، ثم ما انتفت فيه الشبهة عن مال بانيه وواقفه، ثم من سمع نداءه أولا، لأن مؤذنه دعاه أولا، ثم يتخير (٣). (١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٦، ٢٥٧، وقواعد الأحكام لابن عبد السلام ١/ ٣٩، ومواهب الجليل ٣/ ٣٤٤، ٣٤٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٠، والقليوبي وعميرة ٢ / ١٠١. (٢) حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٤١) ومسلم (٢ / ٩٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ للبخاري . (٣) المصادر السابقة، وكشاف القناع ٢ / ٣٥٣، وكشف المخدرات = خامسا: فضل بعض الأزمنة على بعض: ١٠ - أجمع الفقهاء على أن بعض الأزمنة أفضل من بعض بما أودع الله سبحانه وتعالى فيها من فضله، وما يقع فيها من إكرامه لعباده، لا بصفات قائمة فيها، لأن الأزمان في الأصل متساوية ومتماثلة . ففضل الله شهر رمضان على سائر الشهور، وجعل ليلة القدر خيراً من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وجعل يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس كما قال النبي وي ليه!) وسيد أيام الأسبوع، قال النبي ◌ّ: ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ))(٢)، وقال ◌َله: ((إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه)) (٣)، وفضل قيام الليل على غيره، والثلث الأخير منه على سائره، وفضل العشر الأول من ذي الحجة على غيرها من الأيام . = ص ١٦٦، ومغني المحتاج ٣ / ٣٧٧ و١ / ٢٣٠ و٤ / ٣٦٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ١١ و٢ / ٢٥٧ . (١) حديث: ((خير يوم ... )) أخرجه النسائى (٨٩/٣ - ٩٠. (٢) حديث: ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ... )) أخرجه النسائي (٩١/٣) والحاكم (١ / ٢٧٨) من حديث أوس بن أوس الثقفي، والسياق للحاكم، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي . (٣) حديث: ((إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢/ ٤١٥)، من حديث أبي هريرة - ١٥٦ - فضائل ١٠ - ١١ قال العز بن عبد السلام: وتفضيل الأماكن والأزمان ضربان : أحدهما: دنيوي، كتفضيل الربيع على غيره من الأزمان، وکتفضیل بعض البلدان على بعض بما فيها من الأنهار والثمار وطيب الهواء، وموافقة الأهواء. والضرب الثاني: تفضيل ديني راجع إلى أن الله يجود على عباده فيها بتفضيل أجر العاملین، کتفضیل صوم رمضان على صوم سائر الشهور، وكذلك يوم عاشوراء، وعشر ذي الحجة، ويوم الاثنين والخميس وشعبان وستة من أيام شوال، ففضلها راجع إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها، وکذلك فضل الثلث الأخير من كل ليلة راجع إلى الله يعطي فيه من إجابة الدعوات والمغفرة، وإعطاء السؤال، ونيل المأمول، ما لا يعطيه في الثلثين الأولين . (١) سادسا - فضل الأذان على الإِمامة أو العكس : ١١ - اختلف الفقهاء في أنه هل الأذان أفضل أم الإِمامة؟ فذهب الحنفية في المعتمد وهو المشهور عند المالكية، وهو قول عند بعض أصحاب (١) قواعد الأحكام لابن عبد السلام ١/ ٣٨، ودليل الفالحين ٣/ ٦١٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٧٦، وكشاف القناع ٢٠/٢. الشافعي، ورواية عند أحمد، إلى أن الإِمامة أفضل من الأذان، لأن النبي ◌َّ تولاها بنفسه، وكذلك خلفاؤه الراشدون، ولم يتولوا الأذان، وهم لا يختارون إلّ الأفضل، ولأن الإِمامة يختار لها من هو أكمل حالا وأفضل. وذهب الشافعية والحنابلة في الراجح عندهما، وهو قول عند الحنفية والمالكية إلى أن الأذان أفضل من الإِمامة، لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ (١) قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: نزلت في المؤذنين، ولقول النبي ◌َثَلّه: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) (٢) وقوله وَله: ((المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة)) (٣). ولقوله وقلتله : ((الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)) (٤) والأمانة أعلى وأحسن من الضمان، والمغفرة أعلى من الإِرشاد، قالوا: وكون النبي ◌َّر لم يقم بمهمة الأذان ولا خلفاؤه الراشدون يعود (١) سورة فصلت / ٣٣ . (٢) حديث: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٩٦)، ومسلم (١ / ٣٢٥) من حديث أبي هريرة . (٣) حديث: ((المؤذنون أطول الناس أعناقا ... )) أخرجه مسلم (١ / ٢٩٠) من حديث معاوية بن أبي سفيان. (٤) حديث: ((الإِمام ضامن ... )) أخرجه الترمذي (١ / ٤٠٢) من حديث أبي هريرة . - ١٥٧ - فضائل ١١ - ١٣ السبب فيه لضيق وقتهم عنه، لانشغالهم بمصالح المسلمین التي لا يقوم بها غيرهم، فلم يتفرغوا للأذان، ومراعاة أوقاته، قال المواق: إنها ترك النبي * الأذان لأنه لو قال حي على الصلاة، ولم يعجلوا لحقتهم العقوبة، لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْيِ= أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ مُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((لولا الخلافة لأذنت)). وفي قول عند الحنفية والشافعية والمالكية إنهما سواء في الفضل. وفي قول آخر عند كل من المالكية والشافعية أنه إن علم من نفسه القيام بحقوق الإِمامة وجميع خصالها، فهي أفضل، وإلا فالأذان أفضل (٢). واختلف الفقهاء كذلك هل الأذان أفضل أم الإِقامة ؟ . فذهب الحنفية وهو قول عند المالكية إلى أن الإقامة أفضل من الأذان، لأن الأذان يسقط في بعض المواضع دون الإقامة، کما في حق المسافر، وما بعد أولى الفوائت، وثانية الصلاتين بعرفة . (١) سورة النور / ٦٣. (٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٦٠، ٣٧٠، ومواهب الجليل ١/ ٤٢٢، والمجموع للنووي ٣/ ٧٨، وكشاف القناع ١/ ٢٣١، والمغني لابن قدامة ١/ ٤٠٣. وذهب الحنابلة وهو قول عند المالكية إلى أن الأذان أفضل من الإقامة، لزيادته عليها (١). سابعا - فضل صلاة الجماعة على غيرها: ١٢ - أجمع الفقهاء على أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، لقول النبي ◌َّلين: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) (٢). وكونها في المسجد أفضل منها في غير المسجد (٣) . وتفصيل ذلك في مصطلح: (صلاة الجماعة ف ٢). ثامنا - فضل الصف الأول: ١٣ - اتفق الفقهاء على أن الصف الأول من صفوف صلاة الجماعة أفضل من غيره من الصفوف الأخرى، لقوله: وَله: ((لو يعلم الناس مافي النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) (٤) وقوله وَالر: ((أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، (١) المراجع السابقة. (٢) حديث: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٣١)، ومسلم (١ / ٤٥٠) من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري . (٣) المغني لابن قدامة ٢ / ١٨٠، ومغني المحتاج ١/ ٢٣٠، وكشاف القناع ١ / ٤٥٥، وجواهر الإكليل ١ / ٧٦، وحاشية . ابن عابدين ١ / ٣٧ . (٤) حديث: ((لو يعلم الناس ما في النداء ... )) تقدم ف ١١ . - ١٥٨ - فضائل ١٣ - ١٥ فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر)) (١). كما اتفقوا على أن الصف الثاني أفضل من الثالث، وأن الثالث أفضل من الرابع، وهكذا، إلا النساء فخير صفوفهن أواخرها (٢)، لقوله وَله: ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)» (٣). والتفصيل في مصطلح (صف ف ٤) . تاسعا - فضل المجاهد على القاعد : ١٤ - أجمع الفقهاء على أن الجهاد في سبيل الله من أفضل القربات إلى الله، وأن المجاهدين أفضل من القاعدين غير المعذورين بدرجات كثيرة، لقوله تعالى ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَاُْجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى اَلْقَعِدِينَ دَرَجَةُ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اُللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا. (١) حديث: ((أتموا الصف المقدم ... )) أخرجه أبو داود (١ / ٤٣٥) من حديث أنس بن مالك . (٢) دليل الفالحين ٣/ ٥١٧، ٥٦٣، وما بعدها، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٨٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٤٧، وكشاف القناع ١ / ٤٨٨ . (٣) حديث: ((خير صفوف الرجال أولها .... )) أخرجه مسلم (١ / ٣٢٦) من حديث أبي هريرة . دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١) قال بعض المفسرين: القاعدون الأول - في الآية - هم الأضراء، أي هم أولو الضرر، فإن المجاهدين أفضل منهم بدرجة واحدة، لأن لهم نية بلا عمل، وللمجاهدين نية وعمل والقاعدون الثاني: هم غير أولى الضرر، فإن بین المجاهدین وبینهم درجات كثيرة (٢). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله وَلّ: ((أيّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله)) (٣)، وعنه وَ ليل: ((لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)) (٤)، وعنه ◌َّه: ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)) (٥). عاشراً - فضل الإِمام والقاضي على المفتي وغيره : ١٥ - أجمع المسلمون على أن الولايات من (١) سورة النساء / ٩٥ - ٩٦. (٢) دليل الفالحين ٤ / ٧٩ وما بعدها، ومغني المحتاج ٤ / ٢٠٨ . (٣) حديث أبي هريرة: سئل رسول الله : ((أي العمل أفضل ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٧٧)، ومسلم (١ / ٨٨) . (٤) حديث: ((لغدوة في سبيل الله أو روحة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ١٣)، ومسلم (٣/ ١٤٩٩) من حديث أنس بن مالك . (٥) حديث: ((رباط يوم في سبيل الله ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٨٥) من حديث سهل ابن سعد . - ١٥٩ - : فضائل ١٥ - ١٦ أفضل الطاعات، وأن الولاة المقسطين أعظم أجراً وأجل قدراً من غيرهم، لقول النبي وَ *: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين)) (١)، ولكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق، ودرء الباطل، وجلب المصالح، فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع بها مظالم كثيرة، أو يجلب بها مصالح كثيرة، فإذا أمر الإِمام بجلب المصالح العامة، ودرء المفاسد العامة، كان له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح العامة، وما زجر عنه من المفاسد، ولو كان ذلك بكلمة واحدة لأجر عليها بعدد متعلقاتها، وكذلك أجر أعوانه على جلب المصالح، ودرء المفاسد. ومن أجل هذا أصبح القاضي أفضل وأعظم أجرا من المفتي، لأن القاضي يفتي ويلزم، فله أجران، أحدهما: على فتياه، والآخر: على إلزامه، وهذا إذا استوت الواقعة التي فيها الفتيا والحكم، وإلّ فتختلف أجورهما باختلاف ما يجلبانه من المصالح، ويدرانه من المفاسد، ولكن تصدي القاضي للحكم أفضل من تصدي المفتي للفتيا. (١) حديث: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور ... )) أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو . وفي المقابل فإن ولاة السوء وقضاة الجور من أعظم الناس وزرا، وأحطهم درجة عند الله، لعموم ما یجری علی أيديهم من جلب المفاسد العظام، ودرء المصالح الجسام، وإن أحدهم ليقول الكلمة الواحدة فيأثم بها ألف إثم وأكثر، على حسب عموم تلك المفسدة، وعلى حسب ما يدفعه بتلك الكلمة من مصالح المسلمين، كأن يأمر- مثلا - بقتال طائفة من المسلمين، أو بأخذ أموالهم (١)، وغير ذلك من المحرمات. حادى عشر- العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال: ١٦ - قال العلماء يجوز العمل بالحديث الضعيف بشروط، منها: أ - أن لا یکون شدید الضعف، فإذا كان شديد الضعف ككون الراوي كذابا، أو فاحش الغلط، فلا يجوز العمل به . ب - أن لا يتعلق في صفات الله تعالى، ولا بأمر من أمور العقيدة، ولا بحكم من أحكام الشريعة من الحلال والحرام ونحوها . ج۔أن یندرج تحت أصل عام من أصول الشريعة . (١) قواعد الأحكام ١/ ١٢٠ - ١٢٢، ومغني المحتاج ٤ / ٣٤ وما بعدها . - ١٦٠ -