النص المفهرس
صفحات 61-80
فِدَاء ٤ - ٦ وخفنا استئصالهم لنا وجب بذله، قال الشبراملسي: يبذل من بيت المال إن وجد فيه، وإلا فمن مياسير المسلمين، وينبغي أن یکون محل ذلك إذا لم یکن للمأسور مال، وإلا قدم على بيت المال، وقالوا يندب فك الأسرى غير المعذبين إذا أمن قتلهم (١). فإن لم يَفد الإِمام والمسلمون أثموا جميعا، لأنها من فروض الكفاية التي تسقط بقیام البعض بها، وعلى الأسير في هذا الحال أن يفك نفسه من ماله، وإذا افتداه مسلم بأمر الأسير رجع علیه بما افتداه به قليلا كان أم كثيرا (٢). والتفصيل في مصطلح: (أسرى ف ٥٦-٦١). فداء أسرى الكفار: ٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأسرى الرجال الأحرار العقلاء من الكفار يجوز للإِمام أخذ الفدية بالمال عنهم، إذا رأى في ذلك مصلحة، لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ ،(٣). وَإِمَّا فِلَآءُ : أما النساء والصبيان من الكفار فلا يجوز (١) نهاية المحتاج ١٠٢/٨. (٢) التاج والاكليل على هامش مواهب الجليل ٣٧٨/٣، وشرح الزرقاني ١٥٠/٣، وحاشية الدسوقي ٢٠٧/٢، والسير الكبير ١٦٢٩/٤، وفتح القدير ٢١٩/٥، وابن عابدين ٢٢٩/٣ . (٣) سورة محمد / ٤. عند الشافعية والحنابلة فداؤهم بالمال، لأنهم یصیرون رقيقا بالسبي . وعند المالكية يجوز فداء النساء والصبيان بالمال. والمشهور من مذهب الحنفية أنه لا يجوز فداء الأسرى. وفي السیر الکبیر: لا بأس بالفداء إذا كان بالمسلمين حاجة استدلالا بأسری بدر (١). فداء الأسير المسلم، بآلات الحرب، والكراع: ٦ - اختلف الفقهاء في جواز فداء الأسير المسلم بسلاح ندفعه للعدو. فقال الشافعية في أصح وجهین عندهم: يجوز ذلك. وفي جوازه وعدم جوازه قولان عند المالكية، لابن القاسم وأشهب: فالمنع لابن القاسم، والجواز لأشهب. مالم یکن الخيل والسلاح أمرا كثيرا يكون لهم به القدرة الظاهرة . وعند الحنفية في ذلك أيضا رأيان (٢) . (١) البحر الرائق ٩٠/٥، والزرقاني ١٢٠/٣، ونهاية المحتاج ٦٦،٦٥/٨، والمغني ٣٧٦/٨، وحاشية ابن عابدين ٢٣٠/٣. (٢) روض الطالب ١٩٣/٤، ونهاية المحتاج ٦٨/٨، وحاشية الدسوقي ٢٠٨/٢، وحاشية الزرقاني ١٥٠/٣، والبحر الرائق ٩٠/٥ . - ٦١ - فدَاء ٦ - ٧ وأضاف الشافعية : ولا يجوز رد أسلحتهم التي استولينا عليها بمال ییذلونه لنا، لأنا لا نبیعھم سلاحا، لكنه يجوز في الأوجه عندهم مفاداة أسرانا بسلاحهم الذي غنمناه منهم . وقال المالكية: يجوز للإِمام فداء أسرى المسلمین بخمر وخنزير، وطريق ذلك أن يأمر الإِمام أهل الذمة بدفع ذلك للعدو، ويحاسبهم بقيمة ذلك مما عليهم من الجزية، فإن تعذر ذلك جاز شراء الخمر والخنزير لافتداء أسرى المسلمين للضرورة، وقالوا: ومحل ذلك إن لم يرضوا إلا بذلك، أما إذا رضوا بغيره فلا يجوز الفداء بهما (١). فداء أسرى العدو بأسرى مسلمين: ٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن للإِمام فداء أسرى المشركين بأسرى مسلمين أو ذميين، ولو واحدا في مقابل جمع من أسراهم، قال الشافعية: رجالا، أو نساء، أو خناثى من المسلمين، إن رأى الإمام في ذلك مصلحة للمسلمين)) (٢). لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ (١) حاشية الدسوقي ٢٠٨/٢، وشرح الزرقاني ١٥٠/٣، وأسنى المطالب ١٩٣/٤، ونهاية المحتاج ٦٥/٨. (٢) روض الطالب ١٩٣/٤، ونهاية المحتاج ٦٥/٨، ٦٨، وكشاف القناع ٥٣/٣، والمغني ٣٧٦/٨، وحاشية الدسوقي ٢٠٨/٢، وشرح الزرقاني ١٥٠/٣، وفتح القدير ٢١٩/٥، وابن عابدين ٢٢٩/٣، والسير الكبير ٠١٥٨٧/٤ وَإِمَّا فِدَآً ﴾ (١) . ولما روی عمران بن حصین رضي الله عنه، أن النبي ﴾ ((فدى رجلين من أصحابه برجلين من المشركين في بني عُقيل، وصاحب العضباء برجلين)) (٢). وقال أبو حنيفة فى إحدی روایتین عنه: لا مفاداة بالأسرى، لأن في ذلك معونة للكفر، لأن أسراهم يعودون حربا علينا، ودفع شر حرابتهم خير من استنقاذ الأسير المسلم، لأنه إذا بقى في أيديهم كان ابتلاء في حقه غير مضاف إلينا، والإِعانة بدفع أسيرهم إليهم مضاف إلينا، وهو من باب تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْمُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (٣). وفي المفاداة ترك القتل وهو فرض، ولا يجوز ترك الفرض مع التمكن من إقامته بحال، وفي رواية عنه بجواز ذلك. وجاء في السير الكبير: وهي أظهر الروايتين عن أبي حنيفة، ووجه هذه الرواية: أن تخليص أسرى المسلمين واجب ولا يتوصل إلى ذلك إلا بطريق المفاداة وليس فيه أكثر من ترك قتل أسارى المشركين، وذلك (١) سورة محمد / ٤ . (٢) حديث عمران بن حصين ((أن النبي وَّ فدى رجلين ... )) أخرجه مسلم (١٢٦٢/٣ - ١٢٦٣). (٣) سورة التوبة / ٥ . - ٦٢ - فدَاء ٧ - ٩ جائز لمنفعة المسلمين، وأن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر ومن الانتفاع به، لأن حرمة المسلم عظيمة (١) . وللتفصیل انظر مصطلح (أسرى ف ٢٥) ٨ - وذهب الحنفية والحنابلة إلى عدم جواز مفاداة الأسرى من صبيان المشركين بمال أو بأسرى المسلمين . ووجه الحنابلة عدم الرد بأن الصبي يصير مسلما بإسلام سابيه، فلا يجوز رده إلى المشركين . وقيد الحنفية ذلك بما إذا أسر الصبيان وحدهم بدون آبائهم وأمهاتهم وأخرجوا إلى دار الإِسلام، لأنهم في هذه الحال يصيرون مسلمين تبعا للدار، فلا يجوز ردهم لدار الكفر لذلك. إلا أن ابن عابدين قال: ولعل المنع فيما إذا أخذ البدل مالا وإلا فلا (٢) . فداء أسرى المشركين إذا أسلموا : ٩ - قال الحنفية: إن أسلم أسرى المشركين قبل أن يفادى بهم أسرى المسلمين فإنه لا تجوز المفاداة، لأنهم صاروا كغيرهم من أهل الإِسلام، فلا يجوز تعريضهم للفتنة بطريق المفاداة، إلا إذا أمن على إسلامهم وطابت أنفسهم بذلك (٣) . (١) فتح القدير ٢٢٠/٥، والسير الكبير ١٥٨٧/٤، وابن عابدين ٢١٩/٣. (٢) المصادر السابقة. (٣) حاشية ابن عابدين ٢٣٠/٣. وقال الشافعية: يجوز للإِمام مفاداتهم بالأسری، وبالمال إن کان في ذلك مصلحة للمسلمين، إذا كان الأسير له ثم عشيرة یأمن معها على نفسه ودينه، وإلا فلا يجوز، لحرمة الإقامة بدار الحرب على من ليس له عشيرة تمنع عنه (١) . وقال الحنابلة: إن أسلم الأسير صار رقيقا كالمرأة، ولا يجوز أن يفادى إلا بإذن الغانمين، لأنه صار مالا لهم، لأنه أسير محرم قتله فصار رقيقا كالمرأة، وقيل: يحرم القتل، ويخير فيهم الأمير بين رق ومنّ وفداء . ويحرم رده إلى الكفار إلا أن يكون له من يمنعه من الكفار من عشيرة ونحوها، (٢) واستدلوا بما روي : أن أصحاب النبي ◌َّر: ((أسروا رجلافأسلم، وفادى به النبي ◌َّ رجلين من أصحابه)) (٣). وقال محمد بن الحسن من الحنفية: للإِمام أن يفادي بالأسير، وإن وقع في سهم أحد الغانمین، رضي أم أبى، ويعوّضه قيمته من بيت المال، لأن تخليص المسلم من الأسر فرض عليه وعلى كل مسلم، بحسب القدرة (١) نهاية المحتاج ٦٦/٨، وأسنى المطالب ١٩٣/٤. (٢) كشاف القناع ٥٤/٣، والمغني ٣٧٤/٨ . (٣) حديث: ((أن أصحاب النبي وَّ أسروا رجلا فأسلم ... )) تقدم ف ٧ من حديث عمران بن الحصين . - ٦٣ - فدَاء ٩ - ١١ والإِمكان، فإن امتنع عنه ناب عنه الأمير وعوضه من بیت المال، کما لو استحق سهم. أما أبو يوسف فلا يجيز المفاداة بعد القسمة وهي رواية عن أبي حنيفة (١). فداء المملوك الجاني : والتفصيل في مصطلح (رق ف ١٢٠) فداء أم الولد : ١١ - يجب على المستولد فداء أم ولده إذا جنت بما يوجب المال، وإن ماتت عقب الجناية لمنعه بيعها بالإِیلاد كما لو قتلها. والتفصيل في مصطلح (استيلاد ف ١٤) ١٠ - إذا جنى مملوك جناية خطأ أو شبه عمد، أو عمدا وعفي على مال، فلسيده الخيار، بين فدائه بالمال، وتسليمه لولى الجناية فإن إختار الفداء فداه بارش الجناية بالغة ما بلغت عند الحنفية والمالكية، وهو القول القديم للشافعي، وإحدى روايتين عن أحمد إن كانت الجناية أكثر من قیمته . وفي القول الجديد للشافعي يفديه بالأقل من قيمته وأرش الجناية . وقال الحنابلة : إن كان أرش الجناية بقدر قيمته فما دونها فالسيد مخير بين أن يفديه بأرش جنايته، أو يسلمه إلى ولي الجناية، وأما إن كانت الجناية أکثر من قیمته ففیه عندهم روايتان: إحداهما: أن سيده مخير بين أن يفديه بقيمته أو أرش جنايته وبين أن يسلمه، والرواية الثانية: يلزمه تسليمه، إلا أن يفدیه بأرش جنايته بالغا ما بلغ (٢). (١) فتح القدير ٢٢٠/٥، والسير الكبير ١٦٦٠/٤. (٢) حاشية الدسوقي ٢٤١/٤، وفتح القدير ٣٥٥/٨، والقليوبي ١٥٨/٤ . - ٦٤ - ..- فِدْيَة ١ - ٦ فِدْيَة التعريف :- ١ - الفدية لغة: مال أو نحوه يستنقذ به الأسیر أو نحوه فيخلصه مما هو فيه (١). قال تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِبْجٍ عَظِيمٍ﴾،(٢) أي جعلنا الذبح فداء له وخلصناه به من الذبح . واصطلاحا: هي البدل الذي يتخلص به المكلف من مكروه توجه إليه (٣) الألفاظ ذات الصلة : أ - الجزية : ٢ - الجزية هي: اسم للمال الذي يؤخذ من أهل الذمة الإِسكانهم في ديارنا وحمايتهم وحقن دمائهم، وتطلق الجزية على العقد أيضا (٤). والصلة بين الفدية والجزية أن الفدية أعم من الجزية . (١) لسان العرب، ومختار الصحاح، والقاموس المحيط. (٢) سورة الصافات / ١٠٧ (٣) التعريفات للجرجاني ط دار الكتب العلمية . (٤) القليوبي وعميرة ٤ /٢٢٨ . ب - الدية : ٣ - الدية هي: المال الواجب بالجناية على حر في نفس أو غيرها (١) . وهي أخص من الفدية . جـ - الكفارة : ٤ - الكفارة لغة: الستر والتغطية (٢)، واصطلاحا: ما يغطي الإِثم (٣). وهي أخص من الفدية . د - الخلع : ٥ - الخلع لغة: النزع، ومنه خالعت المرأة زوجها إذا افتدت منه بمال. والخلع في الشرع: فرقة بعوض مقصود لجهة الزوج بلفظ طلاق أو خلع (٤)، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلََّيُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَافِيَا أَقْدَتْ بِهِءٌ﴾ (٥) . والخلع أخص من الفدية . الحكم التكليفي : ٦ - يختلف الحكم التكليفي للفدية وجوبا أو ندبا أو إباحة بحسب مايلي : (١) القليوبي وعميرة ١٢٩/٤. (٢) المصباح المنير . (٣) المفردات للراغب . (٤) جواهر الإكليل ٣٣٠/١، والقليوبي ٣٠٧/٣، وكشاف القناع ٢١٢/٥، وروضة الطالبين ٣٧٤/٧. (٥) سورة البقرة / ٢٢٩ - ٦٥ - فِدْيَة ٧ - ١٠ أ - ارتكاب أحد محظورات الإحرام: ٧ - اتفق الفقهاء على أن من فعل شيئا من محظورات الإحرام كحلق الرأس وقص الأظفار والادهان والتطيب ولبس المخيط أو نحو ذلك وجبت عليه الفدية . وللتفصيل انظر مصطلح: (إحرام ف ١٤٨) ب - الإِحصار: ٨ - الإِحصار: منع الحاج أو المعتمر من المضي إلى بيت الله الحرام، فيجوز له التحلل من إحرامه حيث أحصر لئلا يمتد إحرامه فیشق علیه، وإذا تحلل حل له كل ما كان محظورا عليه، فإذا كان الإِحصار في الحل وجب عليه أن يذبح شاة إن كان مفردا أو متمتعا، وإن كان قارنا فعليه شاة عند الجمهور وشاتان عند الحنفية (١)، قال تعالى: ﴿وَتِّمُوْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهَّ فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ ◌َلُغَ اَلْدْىُ عَجِلَّةً﴾(٢). واختلف الفقهاء في وجوبالحلق. والتفصيل في مصطلح: (إحصار ف ٣٨ - ٤٢) . (١) فتح القدير ٥١/٣ - ٥٦، واللباب في شرح الكتاب ٢١٨/١ - ٢٢٠، وأوجز المسالك ١٤٠/٥، وأحكام القرآن ١/ ٢٨٠، والمنثور في القواعد للزركشي ٢١/٣ (٢) سورة البقرة / ١٩٦. جـ ـ الوقوع في الأسر: ٩ - الأسر لغة: الحبس، واصطلاحا: وقوع المحارب حيا في يد عدوه أثناء القتال، فإذا وقع المحارب أسیرا وجب فداؤه عند جمهور الفقهاء، وذهب الشافعية إلى ندبه إذا لم يعذب، فإذا عذب وجب الفداء . والتفصيل في مصطلح: (أسرى ف ٥٦ - ٦١) . ماتكون به الفدية . أولا - الفدية في الصيام: ١٠ - اتفق الفقهاء على أن الشيخ الكبير إذا تكلف الصوم، فصام في رمضان، فلا فدية عليه . واتفق الفقهاء على أن للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم ويشق عليه مشقة شديدة أن يفطر في رمضان، فإذا أفطر فعليه فدية وجوبا عند الحنفية والحنابلة والأصح عند الشافعية(١)، لقول الله تعالى: ﴿وَمَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّمْ﴾ (٣)، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها : (١) البدائع ٩٧،٩٢/٢، وجواهر الإكليل ١٤٦/١، . والمجموع للنووي ٢٥٧/٦ - ٢٥٩، والمغني ١٤١/٣. (٢) سورة الحج /٧٨ . (٣) سورة البقرة / ١٨٤. - ٦٦ - ..... ٠٠ ........ فِدْيَة ١٠ - ١٢ نزلت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا، ولقول أبي هريرة: ((من أدركه الكبر فلم يستطع صيام رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح)) وذهب المالكية ومكحول وأبو ثور وربيعة وابن المنذر وهو مقابل الأصح عند الشافعية إلى أنه لا تجب عليه الفدية، لأنه سقط عنه فرض الصوم لعجزه، فلم تجب عليه الفدية كالصبي والمجنون، وكالمريض الذي ترك الصيام لمرض اتصل به الموت، إلا أن المالكية يرون أنه يندب له إعطاء الفدية . مقدار الفدية ١١ - ذهب المالكية والشافعية إلى أن مقدار الفدية مد عن كل يوم، وبه قال طاووس وسعيد بن جبير والثوري والأوزاعي . وذهب الحنفية إلى أن المقدار الواجب في هذه الفدية هو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو نصف صاع من حنطة، وذلك عن كل يوم يفطره، يطعم به مسكينا . وعند الحنابلة الواجب مدّ برّ، أو نصف صاع من تمر، أو شعير(١). (١) البدائع ٩٢/٢، ٩٧، وجواهر الإكليل ١٤٦/١، والمجموع للنووي ٢٥٧/٦ - ٢٥٩، والمغني ١٤١/٣. اشتراط اليسار في وجوب الفدية ١٢ - ذهب الحنفية إلى أن الفدية تجب لو کان موسرا . وقال النووي: إذا أوجبنا الفدية على الشيخ ... وکان معسرا هل يلزمه إذا أيسر أم يسقط عنه؟ فيه قولان، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ولا يلزمه إذا أيسر كالفطرة، لأنه عاجز حال التكليف بالفدية، وليس في مقابلة جناية ونحوها، وقطع القاضى في المجرد: أنه إذا أيسر بعد الإفطار لزمه الفدية، فإن لم يفد حتى مات لزم إخراجها من تركته، قال: لأن الإِطعام في حقه كالقضاء في حق المريض والمسافر، وقد ثبت أن المريض والمسافر إذا ماتا قبل تمكنهما من القضاء لم يجب شيء، وإن زال عذرهما وقدرا على القضاء لزمهما، فإن ماتا قبله وجب أن يطعم عنهما مكان كل يوم مد طعام، فكذا هنا، وإلى مثل هذا ذهب الحنابلة، قال ابن قدامة: والشيخ الهِمّ - أي الفاني - له ذمة صحيحة فإذا كان عاجزا عن الإِطعام فلا شيء عليه (١)، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). (١). حاشية ابن عابدين ١١٩/٢، والمجموع ٢٥٨/٦، والمغني لابن قدامة ١٤٠/٣. (٢) سورة البقرة / ٢٨٦ - ٦٧ - فِدْيَة ١٣ - ١٤ ................... تعجيل الفدية : ١٣ - اختلف الفقهاء في مسألة ما إذا كان يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية، فأجاز الحنفية دفع الفدية في أول الشهر كما يجوز دفعها في آخره (١). وقال النووي: اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، ويجوز بعد طلوع فجر كل يوم، وهل يجوز قبل الفجر في رمضان؟ قطع الدارمي بالجواز وهو الصواب (٢). من مات وعليه صوم فاته بعذر: ١٤ - قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: من مات وعليه صوم فاته بمرض أو سفر، أو غيرهما من الأعذار ولم يتمكن من قضائه حتى مات لا شيء علیه، ولا يصام عنه ولا يطعم عنه، لقول النبي وَليقول: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه مااستطعتم)) (٣) . ولأنه حق لله تعالى وجب بالشرع، ومات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل كالحج . (١) حاشية ابن عابدين ٢/ ١١٩. (٢) المجموع للنووي ٢٦٠/٦. (٣) حديث: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٥١/١٣) ومسلم (٩٧٥/٢) من حديث أبي هريرة . وقال طاووس وقتادة: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين، لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه، كالشيخ الهِمّ إذا ترك الصيام لعجزه عنه (١) . . وأما من مات بعد تمكنه من القضاء فلم يصمه، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو أشهر القولين عند الشافعية، وهو قول الليث والثوري والأوزاعي وابن علية وأبي عبيد إلى أنه يطعم عنه لكل يوم مسکین، حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي وَ ل﴾ قال: ((من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا)) (٢)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((يطعم عنه في قضاء رمضان ولايصام عنه)) . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر يصوم شهرا، وعليه صوم رمضان؟ قال: أما رمضان فیطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه، ولأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الوفاة (١) البدائع ١٠٣/٢، والقوانين الفقهية ص ١١٠، والمجموع للنووي ٣٧٢/٦، والمغني لابن قدامة ١٤٢/٣، ومغني المحتاج ٤٣٨/١. (٢) حديث ابن عمر ((من مات وعليه صيام شهر .. )) أخرجه الترمذي (٨٧/٣)، ونقل ابن حجر في التلخيص (٢٠٩/٢) عن الدارقطني والبيهقي أنهما صوبا وقفه على ابن عمر . - ٦٨ - فِدْيَة ١٤ - ١٥ كالصلاة . وذهب الشافعية في أصح القولين في الدلیل عندهم، كما قال النووي وطاووس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود إلى أنه يصام عنه (١)، لقول النبي ◌َّير: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) (٢)، ولأنه وهي قال لامرأة قالت له: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ ((صومي عن أمك)) (٣)، زاد الشافعية: سواء في هذا الحكم بين من فاته الصيام بعذر کالمرض، أو بغير عذر كالمتعدي بالفطر إذا مات قبل القضاء لما فاته، كما أن الشافعية لم يفرقوا في ذلك بین من فاته صيام رمضان وبين من فاته صيام النذور والكفارات، لعموم الأدلة في ذلك (٤). الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما: ١٥ - اتفق الفقهاء على أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا من الصوم على أنفسهما فعليهما القضاء ولا فدية عليهما كالمريض، (١) المصادر السابقة. (٢) حديث: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) .. أخرجه البخاري (فتح الباري ١٩٢/٤)، ومسلم (٨٠٣/٢) من حديث عائشة . (٣) حديث: أنه * ((قال لامرأة قالت له: إن أمي ماتت وعلیها صوم نذر ... )) أخرجه مسلم (٢ /٨٠٤) من حديث ابن عباس . (٤) مغني المحتاج ٤٣٩/١. وكذا إن خافتا على أنفسهما وولديهما (١). إلا أنهم اختلفوا فيما إذا أفطرتا خوفا على ولديهما، فذهب الشافعية في أظهر الأقوال عندهم والحنابلة ومجاهد إلى أن عليهما القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم، لأنهما داخلتان فى عموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُفِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾(٢). وسبق تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الآية (ف ١٠). قال ابن قدامة: وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما، ولا مخالف لهما في الصحابة رضي الله عنهم، ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة عن طريق الخلقة فوجبت به الكفارة كالشيخ (٣). وذهب الحنفية وعطاء بن أبي رباح والحسن والضحاك والنخعي وسعيد بن جبير والزهري وربيعة والأوزاعي والثوري وأبو عبيد وأبو ثور- وهو وجه عند الشافعية - إلى أنه لا تجب عليهما الفدية بل تستحب لهما (٤)، لما روي عن النبي وَلّ أنه قال: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن (١) المجموع للنووي ٢٦٧/٦ - ٢٦٩، والمغني لابن قدامة ١٣٩/٣ - ١٤٠، والبدائع ٩٧/٢، والفواكه الدواني ٣٥٩/١ وما بعدها . (٢) سورة البقرة / ١٨٤. (٣) المصادر السابقة. (٤) المصادر السابقة. - ٦٩ - فدْیة ١٥ - ١٦ الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام)) قال الراوي: والله لقد قالهما رسول الله وَاليتم أحدهما أو كليهما (١) . وذهب المالكية واللیث۔۔ وهو قول ثالث عند الشافعية - إلى أن الحامل تفطر وتقضي ولا فدية عليها، وأن المرضع تفطر وتقضي وتفدي، لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل، ولأن الحمل متصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها، ولأن الحامل أفطرت لمعنى فيها، فهي كالمريض، والمرضع أفطرت لمنفصل عنها، فوجب عليها الفدية (٢). وذهب بعض علماء السلف ومنهم ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير رضي الله عنهم إلى أنهما يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما (٣) . وقال الشافعية: والأصح أنه يلحق بالمرضع في إيجاب الفدية مع القضاء: من أفطر لإنقاذ آدمي معصوم أو حيوان محترم مشرف على هلاك بغرق أو غيره إبقاء لمهجته، (١) حديث: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة .. » أخرجه الترمذي (٨٥/٣) من حديث أنس بن مالك، وحسنه . (٢) البدائع ٩٧/٢، والفواكه الدواني ٣٥٩/١، والمجموع ٢٦٧/٦ - ٢٦٩، والمغني ١٣٩/٣. (٣) المجموع للنووي ٢٦٩/٦ . فهو فطر ارتفق به شخصان: وهو حصول الفطر للمفطر، والخلاص لغيره (١) . من أخر قضاء رمضان مع إمكانه حتى دخل رمضان آخر: ١٦ - اتفق الفقهاء على أنه إذا كان على الإِنسان قضاء رمضان أو بعضه، وأخره إلى أن يدخل رمضان، وکان معذورا في تأخير القضاء بأن استمر مرضه أو سفره ونحوهما، جاز له التأخير ما دام العذر ولو بقي سنین، ولا تلزمه الفدية بهذا التأخير وإن تکرر دخول شهر رمضان، لأنه يجوز تأخير أداء رمضان بهذا العذر، فتأخير القضاء أولى بالجواز. ولكنهم اختلفوا فيمن أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر بغير عذر، هل تجب عليه الفدية مع القضاء أو لا؟. فذهب جمهور الفقهاء - وهم المالكية والشافعية والحنابلة وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي وإسحاق والثوري - إلى لزوم الفدية مع القضاء، وهي مد من طعام عن كل يوم . وذهب الحنفية والحسن البصري وإبراهيم النخعي وداود والمزني من الشافعية إلى أنه لا (١) مغني المحتاج ٤٤١/١. - ٧٠ - فِدْيَة ١٦ - ١٧ فدية عليه، لأنه صوم واجب فلم يجب عليه في تأخيره فدية، ولأن الفدية تجب خلفا عن الصوم عند العجز عن تحصيله عجزا لا يرجى معه القدرة عادة، كما في حق الشيخ الفاني، ولم يوجد العجز، لأنه قادر على القضاء فلا معنى الإِيجاب الفدية (١). من أفطر في رمضان عدوانا بغير الجماع : ١٧ - اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة أو الفدية على من أفطر في نهار رمضان عدوانا بغير الجماع . فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لاتجب عليه كفاره ولا فدية، وإنما عليه قضاء اليوم الذي أفطر فيه، لقول النبي وَل: ((من استقاء عمداً فليقض)) (٢)، ولأن الأصل عدم الكفارة أو الفدية إلا فيما ورد به الشرع، ولأنه أفطر بغير جماع فلم تجب الكفارة، ولا يصح قياسه على الجماع، لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس، والحكم في التعدي به آكد، وإلى هذا ذهب سعيد بن جبير وابن سيرين والنخعي وحماد بن أبي سليمان وداود (٣)، (١) البدائع ١٠٤/٢، والفواكه الدواني ٣٦٠/١، والمجموع ٣٦٣/٦ - ٣٦٦، مغني المحتاج ٤٤١/١، والمغني ١٤٤/٣ - ١٤٥ . (٢) حديث: ((من استقاء عمدا فليقض)). أخرجه الترمذي (٨٩/٣) من حديث أبي هريرة وحسنه . (٣) المجموع للنووي ٣٢٨/٦ - ٣٣٠، المغني لابن قدامة ١١٥/٣ - ١١٦. وذهب الحنفية إلى أنه تجب عليه الكفارة إذا أفطر بإيصال ما يقصد به التغذي أو التداوي إلى جوفه عن طريق الفم، لأن به يحصل قضاء شهوة البطن، كما يحصل بالجماع قضاء شهوة الفرج، قال ابن قدامة : وحكي عن عطاء، والحسن والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق أن الفطر بالأكل والشرب یوجب ما يوجبه الجماع. أما ما لا يقصد به التغذي أو التداوي كبلع الحصاة أو التراب أو النواة ونحوها فلا تجب فيه الكفارة عند الحنفية، وكذا إن باشر دون الفرج فأنزل أو استمنى (١). وعن عطاء: أن عليه تحرير رقبة فإن لم يجدها فبدنة أو بقرة أو عشرون صاعا من طعام . وذهب المالكية إلى وجوب الكفارة عليه بشروط منها: أن يفطر متعمدا، وأن يكون مختارا، وأن يأكل أو يشرب عن طريق الفم وأن يكون الإفطار في رمضان الحاضر، وأن يكون عالما بحرمة الموجب الذي فعله وإن جهل وجوب الكفارة به . والكفارة الواجبة في هذا عند المالكية مثل الكفارة الواجبة بالجماع، لأنه إفطار في رمضان فأشبه الجماع، (١) المصدران السابقان، والبدائع ٩٧/٢ - ٩٨. ٠ - ٧١ - : فِدْیة ١٧ - ٢١ حیث إن كلا منهما هتك حرمة الصيام في نهار رمضان بمعصية (١) . ثانيا - الفدية في الحج : ١٨ - ذكر الفقهاء أن فدية الحج تجب في حج التمتع والقران، وفي ترك واجب من واجبات الحج والعمرة، وفي فعل محظور من محظورات الإِحرام، وفي الفوات والإِحصار. واتفقوا في بعض تفاصيل هذه الأحكام واختلفوا في بعضھا کما يلي: التمتع والقران : ١٩ - أجمع الفقهاء على أن على القارن والمتمتع فدیة، وهي ذبح شاة أو غيرها من الأنعام، لقول الله تعالى في المتمتع: ﴿ فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَذِيُّ فَنَ لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَثَةٍ أَيَّامٍ فِى الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُّ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾(٢)، ولأنه في القارن إذا وجب الدم على المتمتع لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما، فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإِحرام أولى فإن لم يجد القارن والمتمتع الهدي فعليهما صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة عند رجوعهما إلى بلادهما . (١) البدائع ٩٧/٢ -٩٨، والمجموع ٣٢٨/٦ - ٣٣٠، والمغني ١١٥/٣ -١١٦، والفواكه الدواني ٣٦٥/١. (٢) سورة البقرة / ١٩٦. والتفصيل في مصطلح: (تمتع ف ١٦، وهدي وقران) ترك واجبات الحج : ٢٠ - اتفق الفقهاء على أنه تجب فدية في ترك واجبات الحج والعمرة، كترك الإِحرام من الميقات وترك الوقوف بالمزدلفة، وترك المبيت بمنى ليالي التشريق، وترك الرمي للجمرات، وترك طواف الوداع، وغير ذلك من المأمورات التي لا يفوت الحج بفواتها . والواجب في هذا كله باتفاقهم ذبح شاة مستوفية لشروط الأضحية لمن يقدر عليها، فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كالمتمتع (١)، على خلاف بین الفقهاء ینظر تفصيله في (حج ف ١٢٦ وما بعدها) وهل الفدية تجب في ترك الرمى كله أو في ترك الرمي الجمرة من الجمار الثلاثة، أو في ترك رمي ثلاث حصيات من الحصيات السبع. وهكذا في المبيت؟ تفصيل ذلك في مصطلح: (حج ف ٥٨،٥٧، ٥٩ وما بعدها) فعل محظور من محظورات الإِحرام: ٢١ - اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتكب الحاج (١) المجموع للنووي ٥٠٧/٧ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٤٩١/٣، ٠٥٥٢ - ٧٢ -٠ فِدْية ٢١ - ٢٥ أو المعتمر محظورا من محظورات الحج أو العمرة فعليه فدية أو كفارة حسب المحظور الذي ارتكبه: ففعل بعض محظورات الإحرام کالجماع یفسد الحج کلیة، بينما غيره لا يفسد الحج، وعليه تختلف الفدية الواجبة في هذا عن الفدية الواجبة في ذاك (١). وتفصيل هذه الفدية، وهل هي مخيرة أو مرتبة، مقدرة أو معدلة؟ وهل تجب بمجرد ارتكاب المحظور أم يشترط لتكاملها تكرار الفعل وتعدده؟ أو استمرار ارتكابه لفترة زمنية محددة في مصطلح: (حج ف ١٠٨ وإحرام ف ١٤٥ وما بعدها) الفوات والإِحصار: ٢٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب ذبح الهدي على المحصر، سواء كان محرما بحج فقط، أو بعمرة فقط أو کان قارنا، أي محرما بحج وعمرة معا . وتفصيل هذه المسألة في مصطلح (إحصار ف ٣٦ وما بعدها) . ثالثا - فداء الأسرى : .الاقتداء بالمال : ٢٣ - اتفق الفقهاء على أن الأسير المسلم في أیدی الكفار يجب فداؤه ومما یفدی به المال، (١) انظر المصادر السابقة. ويكون عند الحنفية والمالكية والحنابلة من بيت مال المسلمين، وإلا فمن مال المسلمين علی قدر وسعهم، والأسیر کأحدهم، وهو فرض على الكفاية . وقال الشافعية يجب المال الذي يفدى به الأسیر علی الأسیر إن کان له مال، وإلا وجب في بیت مال المسلمین إن کان یعذب، وإلا ندب . والتفصيل في مصطلح (أسرى ف ٥٦) الاقتداء بتعليم المسلمين ما يفيدهم: ٢٤ - يجوز افتداء أسرى الكفار، بتعليمهم المسلمين ما ينفعهم كتعليم القراءة والكتابة أو تعليمهم حرفة كالحدادة والنجارة، أو صناعة من الصناعات النافعة، لأن تعليم مثل هذه الحرف والصناعات يقوم مقام المال ویقوم به، وقد ورد عن ابن عباس أنه قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله صلفر فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة (١). الافتداء بتبادل الأسرى: ٢٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن للإمام فداء أسرى المشركين بأسرى المسلمين، لما روى (١) البداية والنهاية ٣٠٧/٣. وحديث ابن عباس ((كان ناس من الأسرى يوم بدر ... )) أخرجه أحمد (١ /٤١٧) . - ٧٣ - . فِدْبة ٢٥، فرائض، فِرَار ١ - ٢ عمران بن حصين أن النبي ◌َّلتر («فدی رجلين من أصحابه برجل من المشركين)) (١). وذهب أبو حنيفة في إحدى روايتين عنه إلى أنه لا يفادى الأسير المسلم بأسرى المشركين، لأن في ذلك معونة للكفر، فأسراهم بعد فدائهم يعودون حربا علينا . والتفصيل في مصطلح: (أسرى ف ٢٥) فرائض انظر: إرث (١) حديث عمران بن حصين أن النبي # («فدی رجلين من أصحابه .. )) أخرجه مسلم (١٢٦٢/٣). فِرَار التعريف :- ١ - الفرار - بالكسر - والفر - بالفتح - لغة: الهرب، يقال: فر من الحرب فرارا أي هرب (١). وفي القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ فَلَمّ ◌َزِدْ هُزْدُ عَلِىِلَّا فِرَارًا﴾ (٢). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي (٣) . الأحكام المتعلقة بالفرار: أ - الفرار من الزكاة : ٢ - اختلف الفقهاء في حكم الفرار من الزكاة، فقال المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيد: إنه يحرم الاحتيال لسقوط الزكاة، وتجب مع الحيلة، كمن كانت عنده ماشية فباعها قبل الحول بدراهم (١) تاج العروس، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، والقاموس المحيط، والمفردات . (٢) سورة نوح / ٦ . (٣) العناية على الهداية ٣٢٠/٤ ط بولاق. - ٧٤ - ٠٠ فِرار ٢ - ٣ فرارا من الزكاة، أو أبدل النصاب بغير جنسه ليقطع الحول ويستأنف حولا آخر، أو أتلف جزءا من النصاب قصدا لنقص النصاب لتسقط عنه الزكاة، بل تجب عليه الزكاة سواء كان المبدل ماشية أو غيرها من النصب، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّابَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَآَ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِ مُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّيِّكَ وَهُمْ تَّابِمُونَ - فَأَصْبَحَتْ كَالضَّرِيم ◌َا فَنَادَوْأ مُصْبِحِينَ ﴾(١) . فعاقبهم الله تعالى بذلك لفرارهم من الصدقة، لأنهم لما قصدوا قصدا فاسدا اقتضت الحكمة معاقبتهم بنقيض قصدهم، كمن قتل مورثه لا ستعجال ميراثه عاقبه الشرع بالحرمان (٢) . وهذا إذا كانت الحیلة عند قرب الوجوب، ولو فعل ذلك فى أول الحول لم تجب فيه الزكاة، لأن ذلك ليس بمظنة للفرار، وكذلك لا تجب الزكاة لو أتلفه لحاجته . وقال الشافعية والشيخان من الحنفية بسقوط الزكاة مع الكراهة، لأنه نقص قبل تمام حوله، فلم تجب فيه الزكاة كما إذا أتلفه (١) سورة القلم / ١٧ - ٢١ . (٢) ابن عابدين ٣٧/٢، ومواهب الجليل ٤/٢ ط دار الفكر بيروت، وشرح الزرقاني ٢/ ١٢٠، والمغني مع الشرح الكبير ٢/ ٥٣٤ ط دار الكتاب العربي، ومطالب أولى النهى ٦٤/٢ . لحاجته (١). والتفصيل في مصطلح: زكاة (ف ١١٤) . طلاق الفار: ٣- هو تطليق الزوج زوجته بائنا في مرض موته لحرمانها من الميراث . وقد اتفق الفقهاء على أن من طلق زوجته في مرض موته فرارا من إرث الزوجة يصح طلاقه كصحته مادام كامل الأهلية . كما اتفقوا على إرثها منه إذا مات وهي في عدتها من طلاق رجعي، سواء أكان بطلبها أم لا، وأما إذا مات وهي في العدة من طلاق بائن فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الحنفية والمالكية والحنابلة في الأصح عندهم والشافعية في القديم: إنها ترث منه معاملة منه بنقيض قصده، والذين قالوا بتوريثها انقسموا إلى ثلاث فرق: ففرقة قالت: لها الميراث ما دامت في العدة (٢). وقال أحمد وابن أبي ليلى: لها الميراث مالم تتزوج، وقال مالك والليث: ترث سواء كانت في العدة أم لم تكن، تزوجت أم لم تتزوج (٣). (١) حاشية ابن عابدين ٣٧/٢، وبداية المجتهد ٨٩/٢، وأسنى المطالب ٣٥٣/١، ط مكتبة الكليات الأزهرية . (٢) حاشية ابن عابدين ٢ /٥٢٨. (٣) بداية المجتهد ٢ /٨٩، والمغني ٣٢٩/٦. - ٧٥ - فِرَار ٣ - ٤ واختلف الفقهاء في عدة طلاق الفار، فقال المالكية والشافعية وأبو يوسف من الحنفية: إن زوجة الفار لاتعتد بأطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وإنما تکمل عدة الطلاق، لأن زوجها مات ولیست زوجة له، لأنها بائن من النكاح، فلا تكون منكوحة، واعتبار الزواج قائما وقت الوفاة في رأي المالكية إنما هو في حق الإرث فقط، لا في حق العدة (١). وقال الحنفية والحنابلة: إنها تنتقل من عدة الطلاق إلى العدة بأبعد الأجلين من عدة الوفاة وعدة الطلاق احتياطا، بأن تتربص أربعة أشهر وعشرا من وقت الموت، فإن لم تر فيها حيضها تعتد بعدها بثلاث حیضات (٢). والتفصيل في مصطلح: طلاق (ف ٦٦) و(عدة) الفرار من الزحف : ٤ - اتفق الفقهاء على أنه يجب الثبات في الجهاد ويحرم الفرار منه (٣)، لقوله تعالى: (١) بدائع الصنائع ١٩٧/٢، وحاشية ابن عابدين ٢ /٦٠٥ ط بولاق، والمهذب ١٤٦/٢، والقوانين الفقهية ص ١٥٧ . (٢) بدائع الصنائع ١٩٧/٢، وحاشية ابن عابدين ٦٠٥/٢ط بولاق، وكشاف القناع ٤١٦/٥ ط عالم الكتب . (٣) حاشية ابن عابدين ٢٢٤/٣ ط بولاق، وبدائع الصنائع = يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، (١) وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوَ إِذَالَقِيتُمْ فِئَةً فَائْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ (٢). وقد عد النبي ◌َّر الفرار من الزحف من السبع الموبقات، بقوله: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) ثم ذكر منها: التولي يوم الزحف (٣). وهناك خلاف وتفصيل في شرط وجوب الثبات (ر: جهاد ف ٣٧) و (تولي ف ٣) . ٩٩/٧، وحاشية الدسوقي ١٧٨/٢، والمهذب = ٣٢٢/٢، وتفسير القرطبي ٣٨٠/٧، ونهاية المحتاج ٦٥/٢، والمغني ٤٨٤/٨، وكشاف القناع ٤٥/٣، وتفسير ابن كثير ٣/ ٣٣٠ ط دار الأندلس بيروت. (١) الأنفال / ١٥ (٢) الأنفال / ٤٥ (٣) حديث: ((اجتنبوا السبع الموبقات ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٩٣/٥) ومسلم (٩٢/١) من حديث أبي هريرة . - ٧٦ - فِراسَة ١ - ٢ ٠٠٠ فِراسَة التعريف :- ١ - الفراسة لغة : من فُرُس فلان بالضم، یفرس فروسة وفِراسة : إذا حذق أمر الخيل، والفَراسة بالفتح: الثبات على الخيل، والحذق بأمرها، والعلم بركوبها، والفِراسة بكسر الفاء هي: النظر والتثبت والتأمل في الشىء والبصر به، يقال: تفرست فيه الخير: تعرفته بالظن الصائب، وتفرس في الشيء: توسمه، ورجل فارس على الدابة: بيّن الفروسية . والفارس أيضا: الحاذق بما يمارس من الأشياء كلها (١). وفي الحديث: ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله عز وجل)) (٢). (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤٢٨/٣ ط المكتبة الإسلامية، وفيض القدير للمناوي ٤٣/١ ط دار المعرفة، بيروت. (٢) حديث: ((اتقوا فراسة المؤمن ... )) أخرجه الترمذي (٢٩٨/٥) من حديث أبي سعيد الخدري. وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه . واصطلاحا: هي الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفية، وأيضا هي ما يقع في القلب بغير نظر وحجة (١). وقسمها ابن الأثير إلى قسمين: الأول: ما دل ظاهر هذا الحديث عليه ((اتقوا فراسة المؤمن)) وهو ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه، فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس . الثاني: نوع يتعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق فتعرف به أحوال الناس (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ - القيافة : ٢ - القيافة: لغة من قاف يقوف قيافة فهو قائف، وهو: الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع: القافة . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . والصلة بين القيافة والفراسة أن كليهما يقوم على النظر إلا أن بينهما فارقا . وقد سئل ابن فرحون: هل القافة من (١) قواعد الفقه للبركتي (٢) النهاية في غريب الحديث ٤٢٨/٣. - ٧٧ - فراسة ٢ -٥ الفراسة لكونها مبنية على الحدس؟ فأجاب: بأنها ليست منها، بل هي من باب قیاس الشبه، وهو أصل معمول به في الشرع (١). ب - العيافة : ٣ - العيافة لغة من عاف یعیف عيفا إذا زجر، وحدس، وظن . والعائف: من كان صادق الحدس والظن، والطائر عائف على الماء بمعنى : يحوم حوله ليجد فرصة فيشرب . والعيافة: زجر الطائر والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وبمرها، وهي من عادة العرب وذكرت كثيرا في أشعارهم . وممن اشتهر بها بنو أسد، فکانوا یوصفون بها، ويلجأ إليهم للبحث عن الحيوانات الضالة . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي (٢). والصلة بينهما أن كلا من العيافة والفراسة مبني على النظر . الحکم الإجمالي: ٤ - فراسة المؤمن معتبرة شرعا في الجملة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ (١) النهاية لابن الأثير ١٢١/٤، وفتح الباري ٥٦/١٢ ط المكتبة السلفية، وتبصرة الحكام ١٠٧/٢ . (٢) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣٣٠/٣ . لِلْمُتَوَسّمِينَ﴾ (١). قال القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿للمتوسمین﴾ روی الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبى سعيد الخدري عن رسول الله والفر أنه قال: ((للمتفرسين)) (٢). ولقوله وَله: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) (٣). ونقل القرطبي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد، فقال أحدهما: أراه نجارا، وقال الآخر: بل حدادا، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال كنت نجارا وأنا اليوم حداد (٤). اعتبار الفراسة من وسائل الإِثبات: ٥ - للمتفرس المؤمن الأخذ بفراسته في خاصة نفسه ما لم يؤد ذلك إلى محظور شرعي . أما فيما يتصل بحقوق العباد فقد اختلف الفقهاء في اعتبار الفراسة من وسائل الإِثبات في القضاء أو عدم اعتبارها: فذهب الطرابلسي من الحنفية وابن العربي (١) سورة الحجر / ٧٥ . (٢) حديث أبي سعيد الخدري في تفسير قوله تعالى: ﴿للمتوسین﴾ أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٩١/٣) وأشار إلى إعلاله . (٣) حديث: ((اتقوا فراسة المؤمن .. )) سبق تخريجه ف ١ . . (٤) القرطبي ٤٢/١٠ - ٤٤. - ٧٨ - : فِرَاسَة ٥ -٦ وابن فرحون من المالكية إلى عدم جواز الحكم بالفراسة، لأنه حكم بالظن والحزر والتخمين، ووصف الحاكم الذي يعتمد ذلك في أحكامه بالفسق والجور، لأن الظن يخطىء ويصيب، ولأن مدارك الأحكام معلومة شرعا مدركة قطعا، وليست الفراسة منها . وذهب قاضي القضاة الشامي المالكي ببغداد إلى الأخذ بالفراسة والحکم بها، جریا على طريقة إياس بن معاوية في قضائه، وذهب إلى هذا ابن القيم وقال: ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات، فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرارا (١) . مقاييس الفراسة : ٦ - الفراسة نوعان: نوع من المعرفة تحصل للإنسان دون سبب، فهي ضرب من الحدس، ونوع يكون نتيجة التعلم والتجربة . أما الأول فلیست له مقاییس یستعملها المتفرس، وإنما تتم هذه المعرفة بنور الله تعالى كما جاء في الحديث النبوي السابق، ومن (١) معين الحكام ص ٢٠٦، تبصرة الحكام ١٠٣/٢. وأحكام القرآن لابن العربي ١١١٩/٣ تفسير القرطبي ٤٤/١٠ - ٤٥، والطرق الحكمية ص ٢٤ - ٣٤. شروطها الاستقامة وغض النظر عن المحارم، فإن المرء إذا أطلق نظره تنفست نفسه الصعداء في مرآة قلبه فطمست نورها ﴿ وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾(١). والحق سبحانه وتعالى يجازي العبد على عمله من جنسه، فمن غض بصره عن المحارم عوضه إطلاق نور بصيرته، قال البعض: من غض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بالمراقبة، وتعود أكل الحلال لم تخطىء فراسته، فكلما زادت تقوى المؤمن ألهمه الله تعالى التبصر بالأمور وسرعة الفهم، فكانت فراسته أثبت ممن كان أقل تقوى منه، لأن هذا النوع لا يعتمد فيه المتفرس على علامات محسوسة . وأما النوع الثاني، وهو الفراسة المكتسبة، فإنها تنطلق من ملاحظة الصفات الظاهرة في أبدان الناس، وتتبع حركاتهم للتعرف من خلالها على أحوالهم الباطنة، وهي وإن اشترکت مع النوع الأول في بعض هذا فإنها تختلف عنها بما وضعه لها القائلون بها من مقاییس وعلامات (٢). على أن الأحكام المتوصل إليها بالفراسة ظنية يمكن أن يصدقها الواقع، ويمكن أن (١) سورة النور/ ٤٠. (٢) فيض القدير للمناوي ١٤٣/١ - ٧٩ - فِراسة ٦ - فِراش ١ يحصل ما هو قريب منها أو عكسها. وفي كل الأحوال فإنه لا تأثير لها في حياة الناس بالتفاؤل أو التشاؤم والشعور بالشقاء أو السعادة، وينبغي أن تستعمل فيما ينفع الناس في حدود ما أجازه الشرع . ٤ فِراش التعريف :- ١ - الفراش في اللغة يطلق على الوطاء - وهو ما افترش - كما يطلق على الزوج والمولى، والمرأة تسمى فراشا لأن الرجل يفترشها (١)، ومنه حديث ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) (٢). أي لمالك الفراش. وفي الاصطلاح يستعمل الفقهاء كلمة الفراش بمعنى الوطاء، كما يستعملونها بمعنى كون المرأة متعينة للولادة لشخص واحد، قال الزيلعي: معنى الفراش أن تتعين المرأة للولادة لشخص واحد (٣)، وفسر الكرخي الفراش بأنه العقد (٤). - (١) متن اللغة والمغرب للمطرزي، والنهاية في غريب الحديث والأثر . (٢) حديث: ((الولد للفراش ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ /٢٩٢) من حديث سعد ابن أبي وقاص . (٣) تبيين الحقائق ٤٣/٣، وانظر التعريفات للجرجاني . (٤) حاشية الشلبي بهامش الزيلعي ٣٩/٣. - ٨٠ -